٤٢ - ٱلشُّورىٰ
42 - Ash-Shura (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
25
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} قال ٱبن عباس: لما نزل قوله تعالى: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} قال قوم في نفوسهم: ما يريد إلا أن يحثّنا على أقاربه من بعده؛ فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم قد ٱتهموه فأنزل: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} الآية؛ فقال القوم: يا رسول الله، فإنا نشهد أنك صادق ونتوب. فنزلت: {وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ}. قال ٱبن عباس: أي عن أوليائه وأهل طاعته. والآية عامة. وقد مضى الكلام في معنى التّوبة وأحكامها؛ ومضى هذا اللفظ في «براءة». {وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ} أي عن الشرك قبل الإسلام. {وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} أي من الخير والشر. وقرأ حمزة والكسائي وحفص وخلف بالتاء على الخطاب، وهي قراءة ابن مسعود وأصحابه. الباقون بالياء على الخبر، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لأنه بين خبرين: الأوّل «وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ» والثاني «وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ».
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى ممتناً على عباده بقبول توبتهم إليه: إذا تابوا ورجعوا إليه: إنه من كرمه وحلمه أنه يعفو ويصفح ويستر ويغفر؛ وكقوله عز وجل: {وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً} وقد ثبت في صحيح مسلم رحمة الله عليه، حيث قال: حدثنا محمد بن الصباح وزهير ابن حرب قالا: حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا إسحاق بن أبي طلحة، حدثني أنس ابن مالك، وهو عمه رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لله تعالى أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كانت راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك، إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك ــــ أخطأ من شدة الفرح»تفسير : . وقد ثبت أيضاً في الصحيح من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه نحوه. وقال عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري في قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ}: إن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في المكان يخاف أن يقتله فيه العطش» تفسير : وقال همام بن الحارث: سئل ابن مسعود رضي الله عنه عن الرجل يفجر بالمرأة ثم يتزوجها؟ قال: لا بأس به، وقرأ: {وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} الآية، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث شريح القاضي عن إبراهيم بن مهاجر عن إبراهيم النخعي، عن همام، فذكره، وقوله عز وجل: {وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَـٰتِ} أي: يقبل التوبة في المستقبل، ويعفو عن السيئات في الماضي {وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} أي: هو عالم بجميع ما فعلتم وصنعتم وقلتم، ومع هذا يتوب على من تاب إليه. وقوله تعالى: {وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} قال السدي: يعني يستجيب لهم، وكذا قال ابن جرير: معناه: يستجيب لهم الدعاء لأنفسهم ولأصحابهم وإخوانهم، وحكاه عن بعض النحاة، وأنه جعلها كقوله عز وجل: {أية : فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ} تفسير : [آل عمران: 195] ثم روى هو وابن أبي حاتم من حديث الأعمش عن شقيق بن سلمة، عن سلمة بن سبرة قال: خطبنا معاذ رضي الله عنه بالشام، فقال: أنتم المؤمنون، وأنتم أهل الجنة، والله إني لأرجو أن يدخل الله تعالى من تسبون من فارس والروم الجنة، وذلك بأن أحدكم إذا عمل له ــــ يعني: أحدهم ــــ عملاً قال: أحسنت رحمك الله، أحسنت بارك الله فيك، ثم قرأ: {وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ}. وحكى ابن جرير عن بعض أهل العربية أنه جعل قوله: {أية : ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ} تفسير : [الزمر: 18] أي: هم الذين يستجيبون للحق ويتبعونه كقوله تبارك وتعالى: {أية : إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [الأنعام: 36] والمعنى الأول أظهر؛ لقوله تعالى: {وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ} أي: يستجيب دعاءهم ويزيدهم فوق ذلك. ولهذا قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا بقية، حدثنا إسماعيل بن عبد الله الكندي، حدثنا الأعمش عن شقيق عن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وَيَزِيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ} قال: «حديث : الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إليهم معروفاً في الدنيا» تفسير : وقال قتادة عن إبراهيم النخعي اللخمي في قوله عز وجل: {وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} قال: يشفعون في إخوانهم {وَيَزيدُهُمْ مِّن فَضْلِهِ} قال: يشفعون في إخوان إخوانهم. وقوله عز وجل: {وَٱلْكَـٰفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} لما ذكر المؤمنين ومالهم من الثواب الجزيل، ذكر الكافرين ومالهم عنده يوم القيامة من العذاب الشديد الموجع المؤلم يوم معادهم وحسابهم. وقوله تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ} أي: لو أعطاهم فوق حاجتهم من الرزق، لحملهم ذلك على البغي والطغيان من بعضهم على بعض أشراً وبطراً. وقال قتادة: كان يقال: خير العيش ما لا يلهيك ولا يطغيك، وذكر قتادة حديث: «حديث : إنما أخاف عليكم ما يخرج الله تعالى من زهرة الحياة الدنيا» تفسير : وسؤال السائل: أيأتي الخير بالشر؟ الحديث. وقوله عز وجل: {وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرُ بَصِيرٌ} أي: ولكن يرزقهم من الرزق ما يختاره؛ مما فيه صلاحهم، وهو أعلم بذلك، فيغني من يستحق الغنى، ويفقر من يستحق الفقر؛ كما جاء في الحديث المروي: «حديث : إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه»تفسير : وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِى يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ} أي: من بعد إياس الناس من نزول المطر، ينزله عليهم في وقت حاجتهم وفقرهم إليه؛ كقوله عز وجل: {أية : وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ} تفسير : [الروم: 49] وقوله جل جلاله: {وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ} أي: يعم بها الوجود على أهل ذلك القطر وتلك الناحية. قال قتادة: ذكر لنا أن رجلاً قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين قحط المطر، وقنط الناس، فقال عمر رضي الله عنه: مطرتم، ثم قرأ: { وَهُوَ ٱلَّذِى يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ ٱلْوَلِىُّ ٱلْحَمِيدُ} أي: هو المتصرف لخلقه بما ينفعهم في دنياهم وأخراهم، وهو المحمود العاقبة في جميع ما يقدره ويفعله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ } منهم {وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ } المتاب عنها {وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } بالياء والتاء.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعدِ مَا قَنَطُواْ} والقنوط الإياس، قاله قتادة. قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: جدبت الأرض وقنط الناس فقال: مطروا إذن. والغيث ما كان نافعاً في وقته، والمطر قد يكون ضاراً ونافعاً في وقته وغير وقته. {ويَنشُرُ رَحْمَتَهُ} بالغيث فيما يعم ويخص. {وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} فيه وجهان: أحدهما: الولي المالك، والحميد مستحق الحمد. الثاني: الولي المنعم والحميد المستحمد.
البقاعي
تفسير : ولما أخبر بضلالهم وجزم بإبطال أعمالهم، رغبهم رحمة منه لهم في التوبة التي هي من الحق الذي يحقه ولو على أقل وجوهها بأن يقولوها بألسنتهم ليبلغه ذلك عنهم، فإن قول اللسان يوشك أن يدخل إلى لا غيره أزلاً وأبداً {الذي يقبل التوبة} كلما شاء بالغة له أو متجاوزاً {عن عباده} الذين خالصون لطاعته، سئل أبو الحسن البوشنجي عن التوبة فقال: إذا ذكرت الذنب فلا تجد له حلاوة في قلبك. ولما كان القبول قد يكون في المستقبل مع الأخذ بما مضى قال: {ويعفو عن السيئات} أي التي كانت التوبة عنها صغيرة أو كبيرة وعن غيرها فلا يؤاخذ بها أن شاء لأن التوبة تجب ما قبلها كما أن الإسلام الذي هو توبة خاصة يجب ما كان قبله. ولما كانت تعدية القبول بـ "عن" مفهمة لبلوغه ذلك بواسطة، فكان ربما اشعر بنقص في العلم، أخبر بما يوجب التنزيه عن ذلك ترغيباً وترهيباً بقوله: {ويعلم} أي والحال أنه يعلم كل وقت {ما تفعلون} أي كل ما يتجدد لهم عمله سواء كان عن علم أو داعية شهوة وطبع سيئة كان أو حسنة, وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ورويس عن يعقوب بالخطاب لافتاً للقول عن غيب العباد لأنه أبلغ في التخويف وقرأ الباقون بالعيب نسقاً على العباد وهو، أعم وأوضح في المراد فعفوه مع العلم عن سعة الحلم. ولما رغب بالعفو زاد الإكرام فقال: {ويستجيب} أي يوجد بغاية العناية والطلب إجابة {الذين آمنوا} أي دعاء الذي أقروا بالإيمان في كل ما دعوه به أو شفعوا عنده فيه لأنه لولا إرادته لهم الإكرام بالإيمان ما آمنوا، وعدى الفعل بنفسه تنبيهاً على زيادة بره لهم ووصلتهم به {وعملوا} تصديقاً لدعواهم الإيمان {الصالحات} فيثيبهم النعيم المقيم {ويزيدهم} أي مع ما دعوا له ما لم يدعوا به ولم يخطر على قلوبهم ولما كان هذا وإن كان الأول فضلاً منه أبين في الفضل قال تعالى: {من فضله} على أنه يجوز تعليقه بالفعلين. ولما رغب الذين طالت مقاطعتهم في المواصلة بذكر إكرامهم إذا أقبلوا عليه، رهب الذين استمروا على المقاطعة فقال: {والكافرون} أي العريقون في هذا الوصف، الذين منعتهم عراقتهم من التوبة والإيمان {لهم عذاب شديد *} ولا يجيب دعاءهم، فغيرهم من العصاة لهم عذاب غير لازم التقيد بشديد، والآية من الاحتباك: ذكر الاستجابة أولاً دليلاً على ضدها ثانياً, والعذاب ثانياً دليلاً على ضده أولاً، وسره أنه ذكر الحامل على الطاعة والصاد عن المعصية. ولما كان المتبادر من الاستجابة إيجاد كل ما سألوه في هذه الدنيا على ما أرادوه وكان الموجود غير ذلك بل كان أكثر أهل الله مضيقاً عليهم، وكانت الإجابة إلى كل ما يسأل بأن يكون في هذه الدار يؤدي في الغالب إلى البطر المؤدي إلى الشقاء فيؤدي ذلك إلى عكس المراد، قال على سبيل الاعتذار لعباده وهو الملك الأعظم مبيناً أن استجابته تارة تكون كما ورد به الحديث لما سألوه، وتارة تكون بدفع مثله من البلاء وتارة تكون بتأخيره إلى الدار الآخرة {ولو} أي هو يقبل ويستجيب والحال أنه لو {بسط} ولما كان هذا المقام عظيماً لاحتياجه إلى الإحاطة بأخلاقهم وأوصافهم وما يصلحهم ويفسدهم والقدرة على كل بذل ومنع، عبر بالاسم الأعظم فقال: {الله} أي الملك الأعظم الجامع لجميع صفات الكمال تنبيهاً على عظمة هذا المقام: {الرزق} لهم - هكذا كان الأصل، لكنه كره أن يظن خصوصيته ذلك بالتائبين فقيل: {لعباده} أي كلهم التائب منهم وغيره بأن أعطاهم فوق حاجتهم {لبغوا في الأرض} أي لصاروا يريدون كل ما يشتهونه، فإن لم يفعل سعوا في إنفاذه كالملوك بما لهم من المكنة بكل طريق يوصلهم إليه فيكثر القتل والسلب والنهب والضرب ونحو ذلك من أنواع الفساد، وقد تقدم في النحل من الكلام على البغي ما يتقن به علم هذا المكان. ولما كان معنى الكلام أنه سبحانه لا يبسط لهم ذلك بحسب ما يريدونه، بنى عليه قوله سبحانه: {ولكن ينزِّل} أي لعباده من الرزق {بقدر} أي بتقدير لهم جملة ولكل واحد منهم لا يزيد عن تقدير دره ولا ينقصها {ما يشاء} من الماء الذي هو أصل الرزق والبركات التي يدبر بها عباده كما اقتضته حكمته التي بنى عليها أحوال هذه الدرر. ولما كان أكثر الناس يقول في نفسه: لو بسط إليّ الرزق لعملت الخير، وتجنبت الشر، وأصلحت غاية الإصلاح، قال معللاً ما أخبر به في أسلوب التأكيد: {إنه} وكان الأصل: بهم، ولكنه قال: {بعباده} لئلا يظن أن الأمر خاص بمن وسع عليهم أو ضيق عليهم: {خبير بصير *} يعلم جميع ظواهر أمورهم وحركاتهم وانتقالاتهم وكلامهم وبواطنها فيقيم كل واحد فيما يصلح له من فساد وصلاح وبغي وعدل، ويهيئ لكل شيء من ذلك أسبابه. ولما ذكر إنزال الرزق على هذ المنوال، وكان من الناس ممن خذله الإضلال من يقول: إن ما الناس فيه من المطر والنبات وإخراج الأقوات إنما هو عادة الدهر بين أنه سبحانه هو الفاعل لذلك بقدرته واختياره بما هو كالشمس من أنه قد يحبس المطر عن إبانه وإعادته في وقته وأوانه، حتى ييأس الناس منه ثم ينزله إن شاء، فقال معبراً بالضمير الذي هو غيب لأجل أن إنزال الغيث من مفاتيح الغيب: {وهو} أي لا غيره قادر على ذلك فإنه هو {الذي ينزل الغيث} أي المطر الذي يغاث به الناس أي يجابون إلى ما سألوا ويغاثون ظاهراً كما ينزل الوحي الذي يغاثون به ظاهراً وباطناً. ولما كان الإنزال لا يستغرق زمان القنوط، أدخل الجار فقال: {من بعد ما قنطوا} أي يئسوا من إنزاله وعملوا انه لا يقدر على إنزاله غيره، ولا يقصد فيه سواه، ليكون ذلك أدعى لهم إلى الشكر وينشره - هكذا كان الأصل ولكنه لما بين أنه غيث قال بياناً لأنه رحمةً، وتعميماً لأثره من النبات وغيره: {وينشر رحمته} أي على السهل والجبل فينزل من السحاب المحمول بالريح من الماء ما يملأ الأرض بحيث لو اجتمع عليه الخلائق ما أطاقوا حمله، فتصبح الأرض ما بين غدران وأنهار، ونبات ونجم وأشجار، وحب وثمار، وغير ذلك من المنافع الصغار والكبار، فلله ما أعلى هذه القدرة الباهرة والآية الظاهرة، فيخرج من الأرض التي هي من صلابتها تعجز عنها المعاول نجماً هو في لينه ألين من الحرير، وفي لطافته ألطف من النسيم، ومن سوق الأشجار التي تنثني فيها المناقير أغصاناً ألطف من ألسنة العصافير، فما أجلف من ينكر إخراجه الموتى من القبور، أو يحيد من ذلك بنوع من الغرور. ولما أنكر عليهم فيما مضى اتخاذ ولي من دونه بقوله تعالى {أم اتخذوا من دونه أولياء} وأثبت أنه هو الولي، وتعرف إليهم بآثاره التي حوت أفأنين أنواره، وكانت كلها في غاية الكمال موجبة للحمد المتواتر المنوال، قال: {وهو} أي وحده لا غيره {الولي} أي الذي لا أحد أقرب منه إلى عباده في شيء من الأشياء {الحميد *} أي الذي استحق مجامع الحمد مع أنه يحمد من يطيعه فيزيده من فضله ويصل حبله دائماً بحبله. ولما كان ما مضى من بسط الرزق وقبضه، وإنزال الغيث وحبسه. من الآيات العظمية، عمم بذكر ما ذلك بعض منه، وهو دال على جميع ما ختم به الأية السالفة من الحمد الذي هو الاتصاف بجميع صفات الكمال فقال عاطفاً على ما تقديره: فذلك من آيات الله الدالة على قدرته واختياره وإنه هو الذي يحيي هذا الوجود بالمعاني من روح الوحي وغيره تارة والأعيان من الماء وغيره أخرى: {ومن آياته} العظيمة على ذلك وعلى استحقاقه لجميع صفات الكمال {خلق السماوات} التي تعلمون أنها متعددة بما ترون من أمور الكواكب {والأرض} أي جنسها على ما هما عليه من الهيئات وما اشتملا عليه من المنافع والخيرات {وما بث} أي فرق بالأبدان والقلوب على هذا المنوال الغريب من الحس والحركة بالاختيار مع التفاوت في الأشكال، والقدور والهيئات والأخلاق وغير ذلك من النقص والكمال. ولما كانت الأرض بناء والسماء سقفه، فمن كان في أحدهما صح نسبته إلى أنه في كل منهما: الأسفل بالإقلال والأعلى بالإظلال قال تعالى: {فيهما} أي السماوات والأرض ولا سيما وقد جعل لكل منهما تسبباً في ذلك بما أودعهما من الجواهر وأنشأ عنهما من العناصر. ولما كانت الحياة التي هي سبب الانتشار والدب ربنا أورثت صاحبها كبراً وغلظاً في نفسه نظن أنه تام القدرة، أنث تحقيراً لقدرته وتوهية لشأنه ورتبته فقلل {من دابة} أي شيء فيه أهلية الدبيب بالحياة من الإنس والجن والملائكة وسائر الحيوانات على اختلاف أصنافهم وألوانهم وأشكالهم ولغاتهم وطباعهم وأجناسهم وأنواعهم أقطارهم ونواحيهم وأصقاعهم ومن نظر إلى صنائعه سبحانه تيقن وجوده وقدرته واختياره، ثم إذا أمعن في النظر وتابع التدبر في الفكر وصل إلى معرفة الصانع بأسمائه وصفاته وما ينبغي له ويستحيل عليه فيحمده بمحامدة التي لا نهاية لها ويسبحه بسبحانه ثم إن أمعن سما إلى الوقوف على حكمة ما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب. ولما كنا عالمين بأن من أوجد أشياء على ضم أشتاتهم متى شاء مع نقص التصرف والعجز في التقلب كنا جديرين بالعلم القطعي بمضمون قوله تعالى: {وهو} أي بما له من صفات العظمة التي يعلم الظاهر معها، وما غاب عنا أكبر {على جمعهم} أي هذه الدواب من ذوي العقول وغيرهم بعد تفرقهم بالقلوب والأبدان بالموت وغيره من الحظوظ والأهواء وغير ذلك. ولما كان الجمع لا بد منه، عبر بأداة التحقق فقال معلقا بجمع: {إذا} وحقق النظر إلى البعث فعبر بالمضارع فقال: {يشاء قدير *} أي بالغ القدرة كما كان بالغ القدرة عند الإيجاد من العدم بجمعهم في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، ولما ذكرهم سبحانه بنعمه، وكان السياق لتعداد ما ناسب مقصود هذه السورة منها، كان الفكر جديراً بأن يخطر له ما في الدنيا من الأمراض والأنكاد والهموم والفهوم بالإشقاء فيها والإسعاد، قال شافياً لعي سؤاله عن ذلك ببيان ما فيه من نعمته على وجه دال على تمام قدرته، عاطفاً على ما هو مضمون ما مضى بما تقديره: فهو الذي خلقكم ورزقكم وهو المتصرف فيكم بعد بثكم بالعافية والبلاء تمام التصرف، فلا نعمة عندكم ولا نقمة إلا منه، ولا يقدر أصحابها على ردها ولا رد شيء مها فهو وليكم وحده {وما أصابكم} واجههم بالخطاب زيادة في تقريب الطائع وتبكيت العاصي، وعم بقوله: {من مصيبة} وأخبر عن المبتدأ بقوله: {فبما} أي كائن بسبب الذي - هذا على قراءة نافع وابن عامر، وإثبات الفاء في الباقين زيادة في إيضاح السببية فقرأوا "فبما" لتضمن المبتدأ الشرط أي فهو بالذي. ولما كانت النفوس مطبوعة على النقائض، فهي لا تنفك عنها إلا بمعونة من الله شديدة، وكان عملها كله أو جله عليها، فعبر بالفعل المجرد إشارة إلى ذلك فقال: {كسبت}. ولما كان العمل غالباً باليد قال: {أيديكم} أي من الذنوب، فكل نكد لاحق إنما هو بسبب ذنب سابق أقله التقصير، روى ابن ماجة في سننه وابن حبان في صحيحه - والحاكم واللفظ له - وقال: صحيح الإسناد - عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله: "حديث : لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه" تفسير : فالآية داعية لكل أحد إلى المبادرة عند وقوع المصيبة إلى محاسبة النفس ليعرف من أين جاء تقصيره، فيبادر إلى التوبة عنه والإقبال على الله لينقذ نفسه من الهلكة، وفائدة ذلك وإن كان الكل بخلقه وإرادته إظهار الخضوع والتذلل واستشعار الحاجة والافتقار إلى الواحد القهار، ولولا ورود الشريعة لم يوجد سبيل إلى الهدى، ولا إلى هذه الكمالات البديعية، ومثل هذه التنبيهات ليستخرج من العبد ما أودع في طبيعته وركز في غريزته كغرس وزرع سبق إليه ماء وشمس لاستخراج ما أودع في طبيعته من المعلومات الإلهية والحكم العلية. ولما ذكر عدله، أتبعه فضله فقال: {ويعفو عن كثير *} ولولا عفوه وتجاوزه لما ترك على ظهرها من دابة ويدخل في هذا ما يصيب الصالحين لإنالة درجات وفضائل وخصوصيات لا يصلون إليها إلا بها لأن اعمالهم لم تبلغها فهي خير واصل من الله لهم، وقيل لأبي سليمان الداراني: ما بال العقلاء أزالوا اللوم عمن أساء إليهم؟ قال: لأنهم علموا أن الله ابتلاهم بذنوبهم - وقرأ هذه الآية.
ابو السعود
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} التوبةُ هي الرجوعُ عنِ المعاصِي بالندمِ عليها والعزمُ على أنْ لا يعاودها أبداً. ورَوَى جابرٌ رضيَ الله عْنهُ أنَّ أعرابـياً دخلَ مسجدَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وقالَ: اللهمَّ إنِّي أستغفرُكَ وأتوبُ إليكَ وكبَّرَ فلما فرغَ من صلاتِه قالَ له عليٌّ رضيَ الله عُنهُ يا هَذا إنَّ سرعةَ اللسانِ بالاستغفارِ توبةُ الكذَّابـينَ وتوبتُكَ هذهِ تحتاجُ إلى التوبةِ فقالَ يا أميرَ المؤمنينَ، وما التوبةُ قالَ اسمٌ يقع على ستةِ معانٍ: على الماضِي من الذنوبِ الندامةُ، ولتضيـيع الفرائضِ الإعادةُ وردُّ المظالمِ وإذابةُ النفسِ في الطاعةِ كما ربَّـيتها في المعصيةِ وإذقتُها مرارةَ الطاعةِ كما أذقتَها حلاوةَ المعصيةِ والبكاءُ بدلُ كلِّ ضحكٍ ضحكتَهُ. {وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيّئَـٰتِ} صغيرها وكبـيرِها لمنْ يشاءُ {وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} كائناً ما كانَ من خيرٍ وشرَ فيجازِي ويتجاوزُ حسبما تقتضيه مشيئتُه المبنية على الحِكَمِ والمصالحِ. وقُرِىءَ ما تفعلونَ بالتاءِ. {وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} أي يستجيبُ الله لهم فحُذف اللامُ كما في قولِه تعالى: {وَإِذَا كَالُوهُمْ} [سورة المطففين، الآية 3] أي كالُوا لَهُم، والمرادُ إجابةُ دعوتِهم والإثابةُ على طاعتهم فإنَّها كدعاءٍ وطلبٍ لِما يترتبُ عليها، ومنْهُ قولُه عليهِ السَّلامُ: « حديث : أفضلُ الدُّعاءِ الحمدُ لله » تفسير : . أو يستجيبونَ بالطاعةِ إذا دَعَاهُم إليَها. وعنُ إبراهيِمَ بنِ أدهم أنَّه قيلَ لَهُ ما بالُنَا ندعُو فلا نجابُ قالَ لأنَّه دعاكُم ولم تجيبُوه ثمَّ قرأَ: { أية : وَٱللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ} تفسير : [سورة يونس، الآية 25] {وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ} على ما سألوا واستحقوا بموجب الوعد. {وَٱلْكَـٰفِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}. بدلَ مَا للمؤمنينَ من الثوابِ والفضلِ المزيدِ.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [الآية: 25]. قال بعضهم: إنما يقبل التوبة من رزقه التوبة وتاب عليه فتاب فيكون تلك توبة صحيحة لا من يتوب من غير عزم ولا ندامة على معنى العادة والطبع وعلامة قبول التوبة مجران: أخدان السوء وقرناء السوء وعمل السوء ومجانبة البقعة التى فيها باشر الذنوب والخطايا وأن يبدل بالإخوان إخواناً وبالأخدان أخداناً وبالبقاع بقاعاً ثم يكثر الندامة والبكاء على ما سلف منه والأسف على ما ضيّع من أيامه ولا تفارقه حسرة ما فرّط وأهمل أيامه فى البطالات ويرى نفسه مستحقاً لكل عذاب وسخطه، هذه علامات التوبة وقبولها.
القشيري
تفسير : {وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ} الألف واللام للجنس مطلقاً، وهي هنا للعهد؛أي تلك السيئات التي تكفي التوبةُ المذكورةُ في الشريعة لقبولها؛ فإنه يعفو عنها إذا شاء. {وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}: من الأعمال على اختلافها. وهو "الذي"..: الذي من الأسماء الموصولة التي لا يتم معناها إلا بِصِلَةٍ، فهو قد تعرَّف إلى عباده على جهة المدح لنفسه بأنه يقبل توبة العبد؛ فالزَّلّةُ - وإن كانتْ توجِبُ للعبد ذميمَ الصِّفَةِ - فإنَّ قبولَها يوجِبُ للحقِّ حميدَ الاسم. ويقال: قوله: "عباده" اسم يقتضي الخصوصية (لأنه أضافه إلى نفسه) حتى تمنَّى كثير من الشيوخ أن يحاسبه حسابَ الأولين والآخرين لعلّه يقول له: عبدي. ولكن ما طلبوه فيما قالوه موجود في {ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ}؛ وإذاً فلا ينبغي لهم أن يتمنوا كذلك، وعليهم أن أن يتوبوا لكي يَصِلوا إلى ذلك. ويقال لمَّا كان حديثُ العفوِ عن السيئات ذكَرَها على الجمع والتصريح فقال: {وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ}. ثم لمَّا كان حديثُ التهديد قال: {وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} فذكره على التلويح؛ فلم يقل: ويعلم زلَّتك - بل قال ويعلم "ما" تفعلون، وتدخل في ذلك الطاعةُ والزّلةُ جميعاً.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} يقبل توبتهم حين خرجوا من النفس والكون وصاروا اهله مقدسين بقدسه ويعفوا عن سياتهم ما يخطر بقلوبهم من ذكر غيره ويعلم ما يفعلون من التضرع بين يديه فى الخلوات قال الاستاذ لم يتب العبد خوفا من النار ولا طمعا فى الجنة لكان من حقه ان يتوب ليقبل الحق سبحانه توبته.
اسماعيل حقي
تفسير : {وهو الذى يقبل التوبة عن عباده} بالتجاوز عما تابوا عنه لأنه ان لم يقبل كان اغرآء بالمعاصى عدى القبول بعن لتضمنه معنى التجاوز قال ابن عباس رضى الله عنهما هى عامة للمؤمن والكافر والولى والعدو ومن تاب منهم قبل الله توبته والتوبة هى الرجوع عن المعاصى بالندم عليها والعزم ان لا يعاودها ابدا وقال السرى البوشنجى هو ان لا تجد حلاوة الذنب فى القلب عند ذكره (وروى) جابر رضى الله عنه ان اعرابيا دخل مسجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقال اللهم انى استغفرك واتوب اليك وكبر فلما فرغ من صلاته قال له على رضى الله عنه يا هذا ان سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذابين وتوبتك هذه تحتاج الى التوبة فقال يا امير المؤمنين وما التوبة قال التوبة اسم يقع على ستة معان على الماضى من الذنوب بالندامة وتضييع الفرآئض بالاعادة ورد المظالم واذابة النفس فى الطاعة كما ربيتها فى المعصية واذاقتها مرارة الطاعة كما اذقتها حلاوة المعصية والبكاء بدل كل ضحك ضحكته وفى الاثر "حديث : لله تعالى افرح بتوبة العبد من المضل الواجد ومن العقيم الوالد ومن الظمئان الوارد فمن تاب الى الله توبة نصوحا أنسى الله حافظيه وبقاع الارض خطاياه" تفسير : (روى) عبد العزيز بن اسمعيل قال يقول الله تعالى "حديث : ويح ابن آدم يذنب الذنب ثم يستغفر فاغفر له لا هو يترك ذنوبه ولا هو ييأس من رحمتى اشهدكم انى قد غفرت له" تفسير : وفى التأويلات النجمية اذا اراد الله تعالى ان يتوب على عبد من عباده ليرجع من اسفل سافلين البعد الى اعلى عليين القرب يخلصه من رق عبودية ما سواه بتصرف جذبات العناية ثم يوفقه للرجوع بالتقرب اليه كما قال من تقرب اليّ شبرا تقربت اليه ذراعا اى من تقرب الى شبرا بالتوبة تقريب اليه ذراعا بالقبول ولو لم يكن القبول سابقا على التوبة لما تاب كما قال بعضهم لبعض المشايخ ان اتب الى الله هل يقبل قال ان يقبل الله تتوب فى الخبر "حديث : أن بعض مواضع الجنة تبقى خالية فيخلق الله تعالى خلقا جديدا فيملأها بهم " تفسير : اكر روا باشد ازروى كرم كه خلقى آفريند عبادت نابرده ورنج نابرده درجات جنت بايشان دهدا وبرسروسزا واربر كه بندكان ديرينه را ودر ويشان دلخسته رازدر بيرون نكند وازثواب وعطاى خود محروم نكرداند. فكيف بالتائبين منهم والمستغفرين {ويعفو عن السيئات} صغيرها وكبيرها غير الشرك لمن يشاء بمحض رحمته وشفاعة شافع وان لم يتوبوا وهو مذهب اهل السنة وفى التأويلات النجمية ويعفو عن كثير من الذنوب التى لا يطلع العبد عليها ليتوب عنها وايضا ويعفو عن كثير من الذنوب قبل التوبة ليصير العبد به قابلا للتوبة والا لما تاب {ويعلم ما تفعلون} كائنا ما كان من خير وشر فيجازى التائب ويتجاوز عن غير التائب حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح وفى التأويلات النجمية ويعلم ما تفعلون من السيئات والحسنات مما لا تعلمون انها من السيئات والحسنات فبتلك الحسنات يعفو عن السيئات وعن عرائس البقلى يقبل توبتهم حين خرجوا من النفس والكون وصاروا اهلا له مقدسين بقدسه ويعفو عن سيئاتهم ما يخطر بقلوبهم من غير ذكره ويعلم ما تفعلون من التضرع بين يديه فى الخلوات وفى صحف ابراهيم عليه السلام على العاقل ان يكون له ساعات ساعة يناجى فيها ربه ويفكر فى صنع الله وساعة يحاسب نفسه فيما قدم واخر وساعة يخلو فيها بحاجته من الحلال فى المطعم والمشرب وغيرهما وروى ان رجلا قال للدينورى رحمه الله ما اصنع فكلما وقفت على باب المولى صرفنى البلوى فقال كن كالصبى مع امه فكلما ضربته يجزع بين يديها ويتضرع فلا يزال كذلك حتى تضمه اليها وفى الخبر "حديث : ان بعض المذنبين يرفع يده الى جناب الحق فلا ينظر اليه" تفسير : اى بعين الرحمة "حديث : ثم يدعو ثانياً فيعرض عنه ثم يدعو ويتضرع ثالثاً فيقول يا ملائكتى قد استحييت من عبدى وليس له رب غيرى فقد غفرت له" تفسير : واستحيت اى حصلت مرامه فانى استحيى من تضرع العباد شعر : كرم بين ولطف خداوندكار كنه بنده كردست واو شرمسار تفسير : ومعنى استحيائه تعالى تركه تخييب العبد فى رجائه
الجنابذي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ} قد مضى وجه نزول الآية. اعلم انّ اكثر ما ورد من ذكر التّوبة فى الكتاب كان المراد منها التّوبة الّتى تكون على ايدى خلفائه تعالى فى ضمن الميثاق والبيعة، والقابل لتلك التّوبة فى الظّاهر هو خليفة الله الّذى يكون البيعة على يده لكنّه لمّا كان مظهراً لصفاته تعالى خصوصاً حين اخذ البيعة من العباد نسب قبول التّوبة الى نفسه بطريق الحصر كما فى قوله تعالى: {أية : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ..} تفسير : [الأنفال: 17] فلم تقتلوهم ولكنّ الله قتلهم {وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} قرئ بالخطاب وبالغيبة.
اطفيش
تفسير : {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} عن للمجاوزة المجازية أي يصرف توبتهم بأن يقبلها ويعوضهم الثواب عنها ولا يتركها معهم بأن لا يقبلها (لو) للابتداء أي يأخذها منهم وقبولها هو عدم المؤاخذة بما فعلوا وتبديله حسنات واعطاء الثواب على ما فعلوا من الخير فعطف (العفو) عن السيئات عليه بعض بيان له والتوبة أن يندم المذنب على ما فعل ويعيد الفريضة التي تركها ويرد المظالم ان ظلم ولا تصح التوبة بدون الرد الا ان غفر المظلوم وأن يذيب نفسه فى الطاعة كما أذابها فى المعصية ويذيقها مرارة الطاعة كما أذاقها حلاوة المعصية وأن يبكي بدل كل ضحك وأن يعزم على ألا يعود لان المرجوع عنه قبيح واخلال بالواجب. وعن جابر بن عبدالله: دخل اعرابي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال اللهم اني أستغفرك وأتوب اليك وكبر فلما فرغ من صلاته قال له علي: يا هذا ان سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذابين وتوبتك تحتاج الى التوبة فقال له وما التوبة يا أمير المؤمنين فذكر له الستة الأوائل. ولا تصح التوبة الا بالكف عن الذنب وهو داخل فيما مر وعن بعض أن التوبة الاقبال الى الطاعات والاقلاع عن المعصيات والندم على ما فات والعزم على ملازمة الخيرات وعن بعض التوبة العزم على ترك الذنوب والاقبال بالقلب الى علام الغيوب وقيل التائب من كسر شبابه على رأسه وكسر الدنيا على رأس الشيطان ولزم الفطام حتى أتاه الحمام وقيل التوبة ترك المعاصي نية وفعلاً والاقبال على الطاعة نية وفعلاً وقيل الانتقال من الاحوال المذمومة الى الاحوال المحمودة قال صلى الله عليه وسلم "حديث : والله انى لأستغفر الله وأتبو اليه في اليوم أكثر من سبعين مرة" تفسير : وقال "حديث : يا أيها الناس توبوا الى الله فانى أتوب اليه في اليوم مائة مرة" تفسير : وقال "حديث : الله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض دوية أي فلاة ومفازة مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته فطلبها حتى اشتد الحر والعطش أو ما شاء الله قال أرجعوا لي مكان الذي كنت فيه فأنام حتى أموت فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ فاذا راحلته عنده عليها طعامه وشرابه فأخذها فقال غلطاً لشدة فرحه اللهم أنت عبدي وأنا ربك " تفسير : وقال "حديث : ان بالمغرب باباً عرضه مسيرة سبعين عاماً للتوبة لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع" تفسير : الخ وقال "حديث : ان الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" تفسير : وقال "حديث : ان الله يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار وبالنهار ليتوب مسئ الليل حتى تطلع الشمس من مغربها" تفسير : (ويده) هنا رحمته (وفرحه) هو محبته لا السرور لانه لا يوصف به وتوبة المشرك تمحو ما قبلها ولو مات مشركاً أو منافقاً ويؤاخذ بما بعدها ان لم يتب عنه وتوبة الموحد ان شاء محا بها ذنبه وان شاء عاقبه بها دنيا أو أخرى أو فيهما وجزم بعض قومنا بالمحو {وَيَعْفُواْ عِنِ السَّيِّئَاتِ} كباراً ان تيب عنها وصغاراً ان لم يعتقد معاودتها ولم يمتنع من التوبة واجتناب الكبائر* {وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} فيثيب عليه ان كان حسناً ويعاقب ان كان سيئاً. وقرأ حمزة وحفص والكسائى تفعلون بتاء الخطاب
اطفيش
تفسير : {وهُو الذى يقْبل التَّوبة عَن عِباده} فلا يعاقبهم على ما تابوا عنه، وفى الحديث: " حديث : إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" تفسير : كما فى الترمذى، عن ابن عمر، وفى حديث: " حديث : ما دام فيه الروح"تفسير : وشهر أنه لا تقبل إذا عاين، وفى حديث عبد الله بن مسعود وأنس: " حديث : أن الله تعالى أفرح بتوبة العبد من رجل نزل فى أرض مفازة مهلكة ونام ويقضى وقد ذهب عنه بعيره عليه طعامه وثوابه فطلبه حتى اشتد الحر والعطش، فرجع لموضعه، ووضع رأسه على ساعده ليموت فاذا هو على رأسه، فأخذ برسنه أو ذهب الى شجرة فنام تحتها فلم يوقظه إلا بعيره يأكل منها فأخذ بخطامه ". تفسير : والتوبة أن يندم عن الذنب خوفا من عذاب الآخرة، أو طمعا فى الجنة، أو لهما معا، أو إجلالا لله، ويعزم أن لا يعود اليه، ويقضى ما عليه من حق الله فيه، أو حق المخلوق، أو يعفو صاحب الحق، أو وارثه، فان لم يصل الى ذلك أعطى الفقراء، وان لم يصل الى ذلك لعسره أوصى به، وقيل: التوبة الرجوع، والباقى شروط، دخل أعرابى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: اللهم أستغفرك وأتوب اليك وكبر، ولما فرغ من صلاته قال له على: سرعة اللسان بالاستغفار توبة للكذابين، وتوبتك تحتاج الى التوبة، فقال: يا أمير المؤمنين ما التوبة؟ فقال: الندم على الذنب، وقضاء الفرائض، ورد المظالم، وإذابة النفس فى الطاعة كما ربيتها بالمعصية، واذاقة النفس مرارة الطاعة، كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل ضحك ضحكته. قال سهل بن عبد الله التسترى: التوبة الانتقال من الأحوال المذمومة الى الأحوال المحمودة، وفى الصحيحين، عن أبى هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : والله إنى لأستغفر الله وأتوب اليه فى اليوم أكثر من سبعين مرة" تفسير : وفسر الأكثر فى رواية الأغر بن بشار لمسلم، "يا أيها الناس توبوا الى الله فانى أتوب اليه فى اليوم مائة مرة" وروى مسلم، عن أبى موسى أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسىء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسىء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها، وان تاب عن بعض المعاصى، وأصر على بعض صحت توبته عن ذلك البعض، فلا يعاقب فى الآخرة إلا على ما أصر عليه" تفسير : ،وأكثر المعتزلة على أنها غير صحيحة، وقبول التوبة غير واجب على الله عز وجل، ولا واجب على الله عز وجل خلافا للمعتزلة {ويْعفُوا عَن السيئات} الصغائر، باجتناب الكبائر، والكبائر بالتوبة لقوله تعالى: " أية : إلا من تاب" تفسير : [مريم: 60، الفرقان: 70] وانه لغفار لمن تاب، والأشاعرة أجازوا العفو عن الكبائر غير الشرك بلا توبة، ومنها الاصرار على الصغائر وهذا تفسير لما قبله، أو يراد بما قبله، أو يراد بما قبله الكبائر، وبهذا الصغائر {ويعْلُم ما يفْعَلون} من خير وشر فيجازيهم عليه، وهذا تحذير وإغراء.
الالوسي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} بالتجاوز عما تابوا عنه. والقبول يعدى بعن لتضمنه معنى الإبانة وبمن لتضمنه معنى الأخذ كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَـٰتُهُمْ} تفسير : [التوبة: 54] أي تؤخذ، وقيل: القبول مضمن هنا معنى التجاوز والكلام على تقدير مضاف أي يقبل التوبة متجاوزاً عن ذنوب عباده وهو تكلف. والتوبة أن يرجع عن القبيح والإخلال بالواجب في الحال ويندم على ما مضى ويعزم على تركه في المستقبل / وزادوا التفصي منه بأي وجه أمكن إن كان الذنب لعبد فيه حق وذلك بالرد إليه أو إلى وكيله أو الاستحلال منه إن كان حياً وبالرد إلى ورثته إن كان ميتاً ووُجدوا، ثم القاضي لو كان أميناً وهو كالإكسير ومن رأى الإكسير؟ فإن لم يقدر على شيء من ذلك يتصدق عنه وإلا يدع له ويستغفر. وفي «الكشف» التفصي داخل في الرجوع إذ لا يصح الرجوع عنه وهو ملتبس به بعد. واختير أن حقيقتها الرجوع وإنما الندم والعزم ليكون الرجوع إقلاعاً ويتحقق أنه التوبة التي ندبنا إليها وهو موافق لما في «الإحياء» من أنها اسم لتلك الحالة بالحقيقة والباقي شروط التحقق. ويشترط أيضاً أن يكون الباعث على الرجوع مع الندم والعزم دينياً فلو رجع لمانع آخر من ضعف بدن أو غرم لذلك لم يكن من التوبة في شيء، وأشار الزمخشري إلى ذلك بكون الرجوع لأن المرجوع عنه قبيح وإخلال بالواجب وخرج عنه ما لو رجع طلباً للثناء أو رياء أو سمعه لأن قبح القبيح معناه كونه مقتضياً للعقاب آجلاً وللذم عاجلاً فلو رجع لما سبق لم يكن رجوعاً لذلك. وروى جابر أن أعرابياً دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك وكبر فلما فرغ من صلاته قال له علي كرم الله وجهه: إن سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذابين وتوبتك تحتاج إلى التوبة فقال يا أمير المؤمنين: ما التوبة؟ قال: اسم يقع على ستة معان على الماضي من الذنوب الندامة ولتضييع الفرائض الإعادة ورد المظالم وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية والبكاء بدل كلِ ضحك ضحكته، وهذا يحتمل أن تكون التوبة مجموع هذه الأمور فالمراد أكمل أفرادها، ويحتمل أنها اسم لكل واحد منها والأول أظهر. واختلف في التوبة عن بعض المعاصي مع الإصرار على البعض هل هي صحيحة أم لا؟ والذي عليه الأصحاب أنها صحيحة لظواهر الآيات والأحاديث وصدق التعريف عليها، وأكثر المعتزلة على أنها غير صحيحة قال أبو هاشم منهم: لو تاب عن القبيح لكونه قبيحاً وجب أن يتوب عن كل القبائح وإن تاب عنه لا لمجرد قبحه بل لغرض آخر لم تصح توبته. وتعقب بأنه يجوز أن يكون الباعث شدة القبح أو أمراً دينياً آخر وأيضاً يجري نظير هذا في فعل الحسن بل يقال: لو فعل الحسن لكونه حسناً وجب عليه أن يفعل كل حسن وإن فعله لغرض آخر لم يقبل وفيه بحث. واستدل المعتزلة بالآية على أنه يجب عليه تعالى قبول التوبة، واستدل أهل السنة بها على عدم الوجوب لمكان التمدح ولا تمدح بالواجب، وفيه أيضاً بحث، والأنفع في هذا المقام أدلة نفي الوجوب مطلقاً عليه عز وجل. {وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيّئَـٰتِ} صغائرها وكبائرها لمن يشاء من غير اشتراط شيء كالتوبة للكبائر واجتنابها للصغائر. وقال الطيبـي: المعنى من شأنه تعالى شأنه قبول التوبة عن عباده إذا تابوا والعفو عن سيآتهم بمحض رحمته أو بشفاعة شافع، وقال المعتزلة: أي يعفو عن الكبائر إذا تيب عنها وعن الصغائر إذا اجتنبت الكبائر فالعفو عن السيئات عليه أعم من قبول التوبة لشموله الصغائر إذا اجتنبت الكبائر وهو تعميم بعد تخصيص، والظاهر مع أهل السنة إذ لا دلالة في النظم الجليل على تخصيص السيئات نعم المراد بها غير الشرك بالإجماع. {وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} بتاء الخطاب عند حفص. والأخوين وعلقمة وعبد الله وبياء الغيبة عند الجمهور وعلى الأول ففيه التفات و(ما) موصولة والعائد محذوف أي يعلم الذي تفعلونه كائناً ما كان من خير وشر فيجازي بالثواب والعقاب أو يتجاوز سبحانه بالعفو حسبما تقتضيه مشيئته جل وعلا المبنية على الحكم والمصالح. / وقيل: يعلم ذلك فيجازي التائب ويتجاوز عن غيره إذا شاء سبحانه والأول أظهر. وفي «الكشاف» يعلم سبحانه ذلك فيثيب على الحسنات ويعاقب على السيئات. وفي «الكشف» بعد نقله هو أي قوله تعالى: {وَيَعْلَمَ} الخ تذييل للكلام السابق يؤكد ما ذكره من القبول والعفو لأنه تعالى إذا علم العملين والعاملين جازى كلاً بما فعل فأولى أن يجازي هؤلاء المحسنين بأفعالهم، ثم فيه لطف وحث على لزوم الحذر منه تعالى والإخلاص له سبحانه في إمحاض التوبة. ونحن أيضاً لا ننكر أنه تذييل فيه تأكيد كما لا يخفى.
سيد قطب
تفسير : هذا القسم الثاني من السورة يمضي في الحديث عن دلائل الإيمان في الأنفس والآفاق وعن آثار القدرة فيما يحيط بالناس، وفيما يتعلق مباشرة بحياتهم ومعاشهم، وفي صفة المؤمنين التي تميز جماعتهم.. وذلك بعد الحديث في القسم الأول عن الوحي والرسالة من جوانبها المتعددة.. ثم يعود في نهاية السورة إلى الحديث عن طبيعة الوحي وطريقته. وبين القسمين اتصال ظاهر، فهما طريقان إلى القلب البشري، يصلانه بالوحي والإيمان. {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، ويعلم ما تفعلون. ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله، والكافرون لهم عذاب شديد. ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض. ولكن ينزل بقدر ما يشاء، إنه بعباده خبير بصير}.. تجيء هذه اللمسة بعد ما سبق من مشهد الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم، ومشهد الذين آمنوا في روضات الجنات. ونفي كل شبهة عن صدق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما بلغهم به عن الله. وتقرير علم الله بذوات الصدور. تجيء لترغيب من يريد التوبة والرجوع عما هو فيه من ضلالة، قبل أن يقضى في الأمر القضاء الأخير. ويفتح لهم الباب على مصراعيه: فالله يقبل عنهم التوبة، ويعفو عن السيئات؛ فلا داعي للقنوط واللجاج في المعصية، والخوف مما أسلفوا من ذنوب. والله يعلم ما يفعلون. فهو يعلم التوبة الصادقة ويقبلها. كما يعلم ما أسلفوا من السيئات ويغفرها. وفي ثنايا هذه اللمسة يعود إلى جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين. فالذين آمنوا وعملوا الصالحات يستجيبون لدعوة ربهم، وهو يزيدهم من فضله. {والكافرون لهم عذاب شديد}.. وباب التوبة مفتوح للنجاة من العذاب الشديد، وتلقي فضل الله لمن يستجيب. وفضل الله في الآخرة بلا حساب، وبلا حدود ولا قيود. فأما رزقه لعباده في الأرض فهو مقيد محدود؛ لما يعلمه ـ سبحانه ـ من أن هؤلاء البشر لا يطيقون ـ في الأرض - أن يتفتح عليهم فيض الله غير المحدود: {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض، ولكن ينزل بقدر ما يشاء. إنه بعباده خبير بصير}.. وهذا يصور نزارة ما في هذه الحياة الدنيا من أرزاق ـ مهما كثرت ـ بالقياس إلى ما في الآخرة من فيض غزير. فالله يعلم أن عباده، هؤلاء البشر، لا يطيقون الغنى إلا بقدر، وأنه لو بسط لهم في الرزق ـ من نوع ما يبسط في الآخرة ـ لبغوا وطغوا. إنهم صغار لا يملكون التوازن. ضعاف لا يحتملون إلا إلى حد. والله بعباده خبير بصير. ومن ثم جعل رزقهم في هذه الأرض مقدرا محدوداً، بقدر ما يطيقون. واستبقى فيضه المبسوط لمن ينجحون في بلاء الأرض، ويجتازون امتحانها، ويصلون إلى الدار الباقية بسلام. ليتلقوا فيض الله المذخور لهم بلا حدود ولا قيود. {وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا، وينشر رحمته، وهو الولي الحميد}.. وهذه لمسة أخرى كذلك تذكرهم بجانب من فضل الله على عباده في الأرض. وقد غاب عنهم الغيث، وانقطع عنهم المطر، ووقفوا عاجزين عن سبب الحياة الأول.. الماء.. وأدركهم اليأس والقنوط. ثم ينزل الله الغيث، ويسعفهم بالمطر، وينشر رحمته، فتحيا الأرض، ويخضر اليابس، وينبت البذر، ويترعرع النبات، ويلطف الجو، وتنطلق الحياة، ويدب النشاط، وتنفرج الأسارير، وتتفتح القلوب، وينبض الأمل، ويفيض الرجاء.. وما بين القنوط والرحمة إلا لحظات. تتفتح فيها أبواب الرحمة. فتتفتح أبواب السماء بالماء.. {وهو الولي الحميد}.. وهو النصير والكافل المحمود الذات والصفات.. واللفظ القرآني المختار للمطر في هذه المناسبة.. {الغيث}.. يلقي ظل الغوث والنجدة، وتلبية المضطر في الضيق والكربة. كما أن تعبيره عن آثار الغيث.. {وينشر رحمته}.. يلقي ظلال النداوة والخضرة والرجاء والفرح، التي تنشأ فعلاً عن تفتح النبات في الأرض وارتقاب الثمار. وما من مشهد يريح الحس والأعصاب، ويندّي القلب والمشاعر، كمشهد الغيث بعد الجفاف. وما من مشهد ينفض هموم القلب وتعب النفس كمشهد الأرض تتفتح بالنبت بعد الغيث، وتنتشي بالخضرة بعد الموات. {ومن آياته خلق السماوات والأرض، وما بث فيهما من دابة. وهو على جمعهم إذا يشاء قدير. وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير. وما أنتم بمعجزين في الأرض، وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير}.. وهذه الآية الكونية معروضة على الأنظار، قائمة تشهد بذاتها على ما جاء الوحي ليشهد به، فارتابوا فيه واختلفوا في تأويله. وآية السماوات والأرض لا تحتمل جدلا ولا ريبة. فهي قاطعة في دلالتها، تخاطب الفطرة بلغتها، وما يجادل فيها مجادل وهو جاد. إنها تشهد بأن الذي أنشأها ودبرها ليس هو الإنسان، ولا غيره من خلق الله. ولا مفر من الاعتراف بمنشئ مدبر. فإن ضخامتها الهائلة، وتناسقها الدقيق، ونظامها الدائب، ووحدة نواميسها الثابتة.. كل أولئك لا يمكن تفسيره عقلاً إلا على أساس أن هناك إلها أنشأها ويدبرها. أما الفطرة فهي تتلقى منطق الكون تلقياً مباشراً، وتدركه وتطمئن إليه، قبل أن تسمع عنه كلمة واحدة من خارجها! وتنطوي آية السماوات والأرض على آية أخرى في ثناياها: {وما بث فيهما من دابة}.. والحياة في هذه الأرض وحدها ـ ودع عنك ما في السماوات من حيوات أخرى لا ندركها ـ آية أخرى. وهي سر لم ينفذ إلى طبيعته أحد، فضلاً على التطلع إلى إنشائه. سر غامض لا يدري أحد من أين جاء، ولا كيف جاء، ولا كيف يتلبس بالأحياء! وكل المحاولات التي بذلت للبحث عن مصدره أو طبيعته أغلقت دونها الستر والأبواب؛ وانحصرت البحوث كلها في تطور الأحياء ـ بعد وجود الحياة ـ وتنوعها ووظائفها؛ وفي هذا الحيز الضيق المنظور اختلفت الآراء والنظريات. فأما ما وراء الستر فبقي سراً خافياً لا تمتد إليه عين، ولا يصل إليه إدراك.. إنه من أمر الله. الذي لا يدركه سواه. هذه الأحياء المبثوثة في كل مكان. فوق سطح الأرض وفي ثناياها. وفي أعماق البحر وفي أجواز الفضاء ـ ودع عنك تصور الأحياء الأخرى في السماء ـ هذه الأحياء المبثوثة التي لا يعلم الإنسان منها إلا النزر اليسير، ولا يدرك منها بوسائله المحدودة إلا القليل المشهور. هذه الأحياء التي تدب في السماوات والأرض يجمعها الله حين يشاء، لا يضل منها فرد واحد ولا يغيب! وبنو الإنسان يعجزهم أن يجمعوا سربا من الطير الأليف ينفلت من أقفاصهم، أو سرباً من النحل يطير من خلية لهم! وأسراب من الطير لا يعلم عددها إلا الله. وأسراب من النحل والنمل وأخواتها لا يحصيها إلا الله. وأسراب من الحشرات والهوام والجراثيم لا يعلم مواطنها إلا الله. وأسراب من الأسماك وحيوان البحر لا يطلع عليها إلا الله. وقطعان من الأنعام والوحش سائمة وشاردة في كل مكان، وقطعان من البشر مبثوثة في الأرض في كل مكان.. ومعها خلائق أربى عدداً وأخفى مكاناً في السماوات من خلق الله.. كلها.. كلها.. يجمعها الله حين يشاء.. وليس بين بثها في السماوات والأرض وجمعها إلا كلمة تصدر. والتعبير يقابل بين مشهد البث ومشهد الجمع في لمحة على طريقة القرآن؛ فيشهد القلب هذين المشهدين الهائلين قبل أن ينتهي اللسان من آية واحدة قصيرة من القرآن! وفي ظل هذين المشهدين يحدثهم عما يصيبهم في هذه الحياة بما كسبت أيديهم. لا كله. فإن الله لا يؤاخذهم بكل ما يكسبون. ولكن يعفو منه عن كثير. ويصور لهم عجزهم ويذكرهم به، وهم قطاع صغير في عالم الأحياء الكبير: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير. وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير}. وفي الآية الأولى يتجلى عدل الله، وتتجلى رحمته بهذا الإنسان الضعيف. فكل مصيبة تصيبه لها سبب مما كسبت يداه؛ ولكن الله لا يؤاخذه بكل ما يقترف؛ وهو يعلم ضعفه وما ركب في فطرته من دوافع تغلبه في أكثر الأحيان، فيعفو عن كثير، رحمة منه وسماحة. وفي الآية الثانية يتجلى ضعف هذا الإنسان، فما هو بمعجز في الأرض، وما له من دون الله من ولي ولا نصير. فأين يذهب إلا أن يلتجئ إلى الولي والنصير؟ {ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام. إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره. إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور. أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير. ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص}.. والسفن الجواري في البحر كالجبال آية أخرى من آيات الله. آية حاضرة مشهودة. آية تقوم على آيات كلها من صنع الله دون جدال. هذا البحر من أنشأه؟ مَن مِن البشر أو غيرهم يدعي هذا الادعاء؟ ومن أودعه خصائصه من كثافة وعمق وسعة حتى يحمل السفن الضخام؟ وهذه السفن من أنشأ مادتها وأودعها خصائصها فجعلها تطفو على وجه الماء؟ وهذه الريح التي تدفع ذلك النوع من السفن التي كانت معلومة وقتها للمخاطبين (وغير الريح من القوى التي سخرت للإنسان في هذا الزمان من بخار أو ذرة أو ما يشاء الله بعد الآن) من جعلها قوة في هذا الكون تحرك الجواري في البحر كالأعلام؟.. {إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره}.. وإنها لتركد أحياناً فتهمد هذه الجواري وتركد كما لو كانت قد فارقتها الحياة! {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور}.. في إجرائهن وفي ركودهن على السواء آيات لكل صبار شكور. والصبر والشكر كثيراً ما يقترنان في القرآن. الصبر على الابتلاء والشكر على النعماء؛ وهما قوام النفس المؤمنة في الضراء والسراء. {أو يوبقهن بما كسبوا}.. فيحطمهن أو يغرقهن بما كسب الناس من ذنب ومعصية ومخالفة عن الإيمان الذي تدين به الخلائق كلها، فيما عدا بعض بني الإنسان! {ويعف عن كثير}.. فلا يؤاخذ الناس بكل ما يصدر منهم من آثام، بل يسمح ويعفو ويتجاوز منها عن كثير. {ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص}.. لو شاء الله أن يقفهم أمام بأسه، ويوبق سفائنهم، وهم لا يملكون منها نجاة! وهكذا يشعرهم بأن ما يملكون من أعراض هذه الحياة الدنيا، عرضة كله للذهاب، فلا ثبات ولا استقرار لشيء إلا الصلة الوثيقة بالله. ثم يخطو بهم خطوة أخرى، وهو يلفتهم إلى أن كل ما أتوه في هذه الأرض متاع موقوت في هذه الحياة الدنيا. وأن القيمة الباقية هي التي يدخرها الله في الآخرة للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. ويستطرد فيحدد صفة المؤمنين هؤلاء، بما يميزهم، ويفردهم أمة وحدهم ذات خصائص وسمات! {فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا، وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، وإذا ما غضبوا هم يغفرون، والذين استجابوا لربهم، وأقاموا الصلاة، وأمرهم شورى بينهم، ومما رزقناهم ينفقون. والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون. وجزاء سيئة سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله، إنه لا يحب الظالمين. ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل. إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق، أولئك لهم عذاب أليم. ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور}.. لقد سبق في السورة أن صور القرآن حالة البشرية؛ وهو يشير إلى أن الذين أوتوا الكتاب تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم العلم؛ وكان تفرقهم بغيا بينهم لا جهلاً بما نزل الله لهم من الكتاب، وبما سن لهم من نهج ثابت مطرد من عهد نوح إلى عهد إبراهيم إلى عهد موسى إلى عهد عيسى ـ عليهم صلوات الله ـ وهو يشير كذلك إلى أن الذين أورثوا الكتاب بعد أولئك المختلفين، ليسوا على ثقة منه، بل هم في شك منه مريب. وإذا كان هذا حال أهل الأديان المنزلة، وأتباع الرسل ـ صلوات الله عليهم ـ فحال أولئك الذين لا يتبعون رسولا ولا يؤمنون بكتاب أضل وأعمى. ومن ثم كانت البشرية في حاجة إلى قيادة راشدة، تنقذها من تلك الجاهلية العمياء التي كانت تخوض فيها. وتأخذ بيدها إلى العروة الوثقى؛ وتقود خطاها في الطريق الواصل إلى الله ربها ورب هذا الوجود جميعا. ونزل الله الكتاب على عبده محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ قرآناً عربياً، لينذر أم القرى ومن حولها؛ وشرع فيه ما وصى به نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى، ليصل بين حلقات الدعوة منذ فجر التاريخ، ويوحد نهجها وطريقها وغايتها؛ ويقيم بها الجماعة المسلمة التي تهيمن وتقود؛ وتحقق في الأرض وجود هذه الدعوة كما أرادها الله، وفي الصورة التي يرتضيها. وهنا في هذه الآيات يصور خصائص هذه الجماعة التي تطبعها وتميزها. ومع أن هذه الآيات مكية، نزلت قبل قيام الدولة المسلمة في المدينة، فإننا نجد فيها أن من صفة هذه الجماعة المسلمة: {وأمرهم شورى بينهم}.. مما يوحي بأن وضع الشورى أعمق في حياة المسلمين من مجرد أن تكون نظاماً سياسياً للدولة، فهو طابع أساسي للجماعة كلها، يقوم عليه أمرها كجماعة، ثم يتسرب من الجماعة إلى الدولة، بوصفها إفرازاً طبيعيا للجماعة. كذلك نجد من صفة هذه الجماعة: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون}.. مع أن الأمر الذي كان صادراً للمسلمين في مكة هو أن يصبروا وألا يردوا العدوان بالعدوان، إلى أن صدر لهم أمر آخر بعد الهجرة وأذن لهم في القتال. وقيل لهم:{أية : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير}. تفسير : وذكر هذه الصفة هنا في آيات مكية بصدد تصوير طابع الجماعة المسلمة يوحي بأن صفة الانتصار من البغي صفة أساسية ثابتة؛ وأن الأمر الأول بالكف والصبر كان أمراً استثنائياً لظروف معينة. وأنه لما كان المقام هنا مقام عرض الصفات الأساسية للجماعة المسلمة ذكر منها هذه الصفة الأساسية الثابتة، ولو أن الآيات مكية، ولم يكن قد أذن لهم بعد في الانتصار من العدوان. وذكر هذه الصفات المميزة لطابع الجماعة المسلمة، المختارة لقيادة البشرية وإخراجها من ظلام الجاهلية إلى نور الإسلام. ذكرها في سورة مكية وقبل أن تكون القيادة العملية في يدها فعلا، جدير بالتأمل. فهي الصفات التي يجب أن تقوم أولا، وأن تتحقق في الجماعة لكي تصبح بها صالحة للقيادة العملية. ومن ثم ينبغي أن نتدبرها طويلا.. ما هي؟ ما حقيقتها؟ وما قيمتها في حياة البشرية جميعاً؟ إنها الإيمان. والتوكل. واجتناب كبائر الإثم والفواحش. والمغفرة عند الغضب. والاستجابة لله. وإقامة الصلاة. والشورى الشاملة. والإنفاق مما رزق الله. والانتصار من البغي. والعفو. والإصلاح. والصبر. فما حقيقة هذه الصفات وما قيمتها؟ يحسن أن نبين هذا ونحن نستعرض الصفات في نسقها القرآني. إنه يقف الناس أمام الميزان الإلهي الثابت لحقيقة القيم. القيم الزائلة والقيم الباقية؛ كي لا يختلط الأمر في نفوسهم، فيختل كل شيء في تقديرهم. ويجعل هذا الميزان مقدمة لبيان صفة الجماعة المسلمة: {فما أوتيتم من شىء فمتاع الحياة الدنيا، وما عند الله خير وأبقى}.. إن في هذه الأرض متاعاً جذاباً براقاً، وهناك أرزاق وأولاد وشهوات ولذائذ وجاه وسلطان؛ وهناك نعم آتاها الله لعباده في الأرض تلطفا منه وهبة خالصة، لا يعلقها بمعصية ولا طاعة في هذه الحياة الدنيا. وإن كان يبارك للطائع ـ ولو في القليل ـ ويمحق البركة من العاصي ولو كان في يده الكثير. ولكن هذا كله ليس قيمة ثابتة باقية. إنما هو متاع. متاع محدود الأجل. لا يرفع ولا يخفض، ولا يعد بذاته دليل كرامة عند الله أو مهانة؛ ولا يعتبر بذاته علامة رضى من الله أو غضب. إنما هو متاع. {وما عند الله خير وأبقى}.. خير في ذاته. وأبقى في مدته. فمتاع الحياة الدنيا زهيد حين يقاس إلى ما عند الله، ومحدود حين يقاس إلى الفيض المنساب. ومتاع الحياة الدنيا معدود الأيام. أقصى أمده للفرد عمر الفرد، وأقصى أمده للبشرية عمر هذه البشرية؛ وهو بالقياس إلى أيام الله ومضة عين أو تكاد. وبعد تقرير هذه الحقيقة في بيان صفة المؤمنين الذين يذخر الله لهم ما هو خير وأبقى.. ويبدأ بصفة الإيمان. {وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا}.. وقيمة الإيمان أنه معرفة بالحقيقة الأولى التي لا تقوم في النفس البشرية معرفة صحيحة لشىء في هذا الوجود إلا عن طريقها. فمن طريق الإيمان بالله ينشأ إدراك لحقيقة هذا الوجود، وأنه من صنع الله؛ وبعد إدراك هذه الحقيقة يستطيع الإنسان أن يتعامل مع الكون وهو يعرف طبيعته كما يعرف قوانينه التي تحكمه. ومن ثم ينسق حركته هو مع حركة هذا الوجود الكبير، ولا ينحرف عن النواميس الكلية، فيسعد بهذا التناسق، ويمضي مع الوجود كله إلى بارئ الوجود في طاعة واستسلام وسلام. وهذه الصفة لازمة لكل إنسان، ولكنها ألزم ما تكون للجماعة التي تقود البشرية إلى بارئ الوجود. وقيمة الإيمان كذلك الطمأنينة النفسية، والثقة بالطريق، وعدم الحيرة أو التردد، أو الخوف أو اليأس. وهذه الصفات لازمة لكل إنسان في رحلته على هذا الكوكب؛ ولكنها ألزم ما تكون للقائد الذي يرتاد الطريق، ويقود البشرية في هذا الطريق. وقيمة الإيمان التجرد من الهوى والغرض والصالح الشخصي وتحقيق المغانم. إذ يصبح القلب متعلقاً بهدف أبعد من ذاته؛ ويحس أن ليس له من الأمر شىء، إنما هي دعوة الله، وهو فيها أجير عند الله! وهذا الشعور ألزم ما يكون لمن توكل إليه مهمة القيادة كي لا يقنط إذا أعرض عنه القطيع الشارد أو أوذي في الدعوة؛ ولا يغتر إذا ما استجابت له الجماهير، أو دانت له الرقاب. فإنما هو أجير. ولقد آمنت العصبة الأولى من المسلمين إيماناً كاملاً أثر في نفوسهم وأخلاقهم وسلوكهم تأثيراً عجيباً. وكانت صورة الإيمان في نفس البشرية قد بهتت وغمضت حتى فقدت تأثيرها في أخلاق الناس وسلوكهم، فلما أن جاء الإسلام أنشأ صورة للإيمان حية مؤثرة فاعلة تصلح بها هذه العصبة للقيادة التي وضعت على عاتقها. يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه: "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين". عن هذا الإيمان: "انحلت العقدة الكبرى ـ عقدة الشرك والكفر ـ فانحلت العقد كلها؛ وجاهدهم الرسول جهاده الأول، فلم يحتج إلى جهاد مستأنف لكل أمر ونهي؛ وانتصر الإسلام على الجاهلية في المعركة الأولى، فكان النصر حليفه في كل معركة؛ وقد دخلوا في السلم كافة بقلوبهم وجوارحهم وأرواحهم كافة، لا يشاقون الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى، ولا يجدون في أنفسهم حرجاً مما قضى، ولا يكون لهم الخيرة من بعد ما أمر أو نهى...." "حتىإذا خرج حظ الشيطان من نفوسهم ـ بل خرج حظ نفوسهم من نفوسهم ـ وأنصفوا من أنفسهم إنصافهم من غيرهم، وأصبحوا في الدنيا رجال الآخرة، وفي اليوم رجال الغد، لا تجزعهم مصيبة، ولا تبطرهم نعمة، ولا يشغلهم فقر، ولا يطغيهم غنى، ولا تلهيهم تجارة، ولا تستخفهم قوة، ولا يريدون علواً في الأرض ولا فسادا، وأصبحوا للناس القسطاس المستقيم، قوامين بالقسط شهداء لله على أنفسهم أو الوالدين والأقربين.. وطأ لهم أكناف الأرض، وأصبحوا عصمة للبشرية، ووقاية للعالم. وداعية إلى دين الله..." ويقول عن تأثير الإيمان الصحيح في الأخلاق والميول: "كان الناس عرباً وعجماً يعيشون حياة جاهلية، يسجدون فيها لكل ما خلق لأجلهم ويخضع لإرادتهم وتصرفهم، لا يثيب الطائع بجائزة، ولا يعذب العاصي بعقوبة، ولا يأمر ولا ينهى؛ فكانت الديانة سطحية طافية في حياتهم، ليس لها سلطان على أرواحهم ونفوسهم وقلوبهم، ولا تأثير لها في أخلاقهم واجتماعهم. كانوا يؤمنون بالله كصانع أتم عمله واعتزل وتنازل عن مملكته لأناس خلع عليهم خلعة الربوبية؛ فأخذوا بأيديهم أزمة الأمر، وتولوا إدارة المملكة وتدبير شؤونها وتوزيع أرزاقها، إلى غير ذلك من مصالح الحكومة المنظمة. فكان إيمانهم بالله لا يزيد على معرفة تاريخية، وكان إيمانهم بالله، وإحالتهم خلق السماوات والأرض إلى الله لا يختلف عن جواب تلميذ من تلاميذ فن التاريخ، يقال له: من بني هذا القصر العتيق؟ فيسمي ملكا من الملوك الأقدمين من غير أن يخافه ويخضع له؛ فكان دينهم عارياً عن الخشوع لله ودعائه، وما كانوا يعرفون عن الله ما يحببه إليهم، فكانت معرفتهم مبهمة غامضة، قاصرة مجملة، لا تبعث في نفوسهم هيبة ولا محبة".. "... انتقل العرب والذين أسلموا من هذه المعرفة العليلة الغامضة الميتة إلى معرفة عميقة واضحة روحية ذات سلطان على الروح والنفس والقلب والجوارح، ذات تأثير في الأخلاق والاجتماع، ذات سيطرة على الحياة وما يتصل بها. آمنوا بالله الذي له الأسماء الحسنى والمثل الأعلى. آمنوا برب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، العزيز، الحكيم، الغفور، الودود، الرؤوف، الرحيم، له الخلق والأمر، بيده ملكوت كل شيء، يجير ولا يجار عليه.. إلى آخر ما جاء في القرآن من وصفه. يثيب بالجنة ويعذب بالنار، ويبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، يعلم الخبء في السماوات والأرض، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. إلى آخر ما جاء في القرآن من قدرته وتصرفه وعلمه. فانقلبت نفسيتهم بهذا الإيمان الواسع العميق الواضح انقلاباً عجيبا. فإذا آمن أحد بالله وشهد أن لا إله إلا الله انقلبت حياته ظهراً لبطن. تغلغل الإيمان في أحشائه وتسرب إلى جميع عروقه ومشاعره، وجرى منه مجرى الروح والدم، واقتلع جراثيم الجاهلية وجذورها. وغمر العقل والقلب بفيضانه، وجعل منه رجلاً غير الرجل، وظهر منه من روائع الإيمان واليقين والصبر والشجاعة، ومن خوارق الأفعال والأخلاق ما حير العقل والفلسفة وتاريخ الأخلاق، ولا يزال موضع حيرة ودهشة منه إلى الأبد، وعجز العلم عن تعليله بشيء غير الإيمان الكامل العميق". "وكان هذا الإيمان مدرسة خلقية وتربية نفسية تملي على صاحبها الفضائل الخلقية من صرامة إرادة وقوة نفس، ومحاسبتها والإنصاف منها، وكان أقوى وازع عرفه تاريخ الأخلاق وعلم النفس عن الزلات الخلقية والسقطات البشرية؛ حتى إذا جمحت السورة البهيمية في حين من الأحيان، وسقط الإنسان سقطة وكان ذلك حيث لا تراقبه عين، ولا تتناوله يد القانون، تحول هذا الإيمان نفساً لوامة عنيفة، ووخزاً لاذعاً للضمير، وخيالاً مروعاً، لا يرتاح معه صاحبه حتى يعترف بذنبه أمام القانون، ويعرض نفسه للعقوبة الشديدة، ويتحملها مطمئناً مرتاحاً، تفاديا من سخط الله وعقوبة الآخرة".. "... وكان هذا الإيمان حارساً لأمانة الإنسان وعفافه وكرامته، يملك نفسه النّزع أمام المطامع والشهوات الجارفة؛ وفي الخلوة والوحدة حيث لا يراه أحد، وفي سلطانه ونفوذه حيث لا يخاف أحدا. وقد وقع في تاريخ الفتح الإسلامي من قضايا العفاف عند المغنم، وأداء الأمانات إلى أهلها، والإخلاص لله، ما يعجز التاريخ البشري عن نظائره، وما ذاك إلا نتيجة رسوخ الإيمان، ومراقبة الله واستحضار علمه في كل مكان وزمان". "وكانوا قبل هذا الإيمان في فوضى من الأفعال والأخلاق والسلوك والأخذ والترك والسياسة والاجتماع، لا يخضعون لسلطان، ولا يقرون بنظام، ولا ينخرطون في سلك، يسيرون على الأهواء، ويركبون العمياء، ويخبطون خبط عشواء. فأصبحوا الآن في حظيرة الإيمان والعبودية لا يخرجون منها، واعترفوا لله بالملك والسلطان، والأمر والنهي، ولأنفسهم بالرعوية والعبودية والطاعة المطلقة، وأعطوا من أنفسهم المقادة، واستسلموا للحكم الإلهي استسلاماً كاملاً ووضعوا أوزارهم، وتنازلوا عن أهوائهم وأنانيتهم، وأصبحوا عبيداً لا يملكون مالاً ولا نفساً ولا تصرفاً في الحياة إلا ما يرضاه الله ويسمح به، لا يحاربون ولا يصالحون إلا بإذن الله، ولا يرضون ولا يسخطون، ولا يعطون ولا يمنعون، ولا يصلون ولا يقطعون إلا بإذنه ووفق أمره". وهذا هو الإيمان الذي تشير إليه الآية وهي تصف الجماعة التي اختيرت لقيادة البشرية بهذه العقيدة. ومن مقتضيات هذا الإيمان التوكل على الله. ولكن القرآن يفرد هذه الصفة بالذكر ويميزها: {وعلى ربهم يتوكلون}.. وهذا التقديم والتأخير في تركيب الجملة يفيد قصر التوكل على ربهم دون سواه. والإيمان بالله الواحد يقتضي التوكل عليه دون سواه. فهذا هو التوحيد في أول صورة من صوره. إن المؤمن يؤمن بالله وصفاته، ويستيقن أنه لا أحد في هذا الوجود يفعل شيئا إلا بمشيئته، وأنه لا شيء يقع في هذا الوجود إلا بإذنه. ومن ثم يقصر توكله عليه، ولا يتوجه في فعل ولا ترك لمن عداه. وهذا الشعور ضروري لكل أحد، كي يقف رافع الرأس لا يحني رأسه إلا لله. مطمئن القلب لا يرجو ولا يرهب أحدا إلا الله. ثابت الجأش في الضراء؛ قرير النفس في السراء، لا تستطيره نعماء ولا بأساء.. ولكن هذا الشعور أشد ضرورة للقائد، الذي يحتمل تبعة ارتياد الطريق. {والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش}.. وطهارة القلب، ونظافة السلوك من كبائر الإثم ومن الفواحش، أثر من آثار الإيمان الصحيح. وضرورة من ضرورات القيادة الراشدة. وما يبقى قلب على صفاء الإيمان ونقاوته وهو يقدم على كبائر الذنوب والمعاصي ولا يتجنبها. وما يصلح قلب للقيادة وقد فارقه صفاء الإيمان وطمسته المعصية وذهبت بنوره. ولقد ارتفع الإيمان بالحساسية المرهفة في قلوب العصبة المؤمنة، حتى بلغت تلك الدرجة التي أشارت إليها المقتطفات السابقة (ص 77) وأهلت الجماعة الأولى لقيادة البشرية قيادة غير مسبوقة ولا ملحوقة. ولكنها كالسهم يشير إلى النجم ليهتدي به من يشاء في معترك الشهوات! والله يعلم ضعف هذا المخلوق البشري، فيجعل الحد الذي يصلح به للقيادة، والذي ينال معه ما عند الله، هو اجتناب كبائر الإثم والفواحش. لا صغائر الإثم والذنب. وتسعه رحمته بما يقع منه من هذه الصغائر، لأنه أعلم بطاقته. وهذا فضل من الله وسماحة ورحمة بهذا الإنسان؛ توجب الحياء من الله، فالسماحة تخجل والعفو يثير في القلب الكريم معنى الحياء. {وإذا ما غضبوا هم يغفرون}.. وتأتي هذه الصفة بعد الإشارة الخفية إلى سماحة الله مع الإنسان في ذنوبه وأخطائه، فتحبب في السماحة والمغفرة بين العباد. وتجعل صفة المؤمنين أنهم إذا ما غضبوا هم يغفرون. وتتجلى سماحة الإسلام مرة أخرى مع النفس البشرية؛ فهو لا يكلف الإنسان فوق طاقته. والله يعلم أن الغضب انفعال بشري ينبع من فطرته. وهو ليس شراً كله. فالغضب لله ولدينه وللحق والعدل غضب مطلوب وفيه الخير. ومن ثم لا يحرم الغضب في ذاته ولا يجعله خطيئة. بل يعترف بوجوده في الفطرة والطبيعة، فيعفي الإنسان من الحيرة والتمزق بين فطرته وأمر دينه. ولكنه في الوقت ذاته يقوده إلى أن يغلب غضبه، وأن يغفر ويعفو، ويحسب له هذا صفة مثلى من صفات الإيمان المحببة. هذا مع أنه عرف عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه لم يغضب لنفسه قط، إنما كان يغضب لله، فإذا غضب لله لم يقم لغضبه شىء. ولكن هذه درجة تلك النفس المحمدية العظيمة؛ لا يكلف الله نفوس المؤمنين إياها. وإن كان يحببهم فيها. إنما يكتفي منهم بالمغفرة عند الغضب، والعفو عند القدرة، والاستعلاء على شعور الانتقام، ما دام الأمر في حدود الدائرة الشخصية المتعلقة بالأفراد. {والذين استجابوا لربهم}.. فأزالوا العوائق التي تقوم بينهم وبين ربهم. أزالوا هذه العوائق الكامنة في النفس دون الوصول. وما يقوم بين النفس وربها إلا عوائق من نفسها.. عوائق من شهواتها ونزواتها. عوائق من وجودها هي وتشبثها بذاتها. فأما حين تخلص من هذا كله فإنها تجد الطريق إلى ربها مفتوحاً وموصولا. وحينئذ تستجيب بلا عائق. تستجيب بكلياتها. ولا تقف أمام كل تكليف بعائق من هوى يمنعها.. وهذه هي الاستجابة في عمومها.. ثم أخذ يفصل بعض هذه الاستجابة: {وأقاموا الصلاة}.. وللصلاة في هذا الدين مكانة عظمة، فهي التالية للقاعدة الأولى فيه. قاعدة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وهي صورة الاستجابة الأولى لله. وهي الصلة بين العبد وربه. وهي مظهر المساواة بين العباد في الصف الواحد ركعاً سجداً، لا يرتفع رأس على رأس، ولا تتقدم رجل على رجل! ولعله من هذا الجانب أتبع إقامة الصلاة بصفة الشورى ـ قبل أن يذكر الزكاة: {وأمرهم شورى بينهم} والتعبير يجعل أمرهم كله شورى، ليصبغ الحياة كلها بهذه الصبغة. وهو كما قلنا نص مكي. كان قبل قيام الدولة الإسلامية. فهذا الطابع إذن أعم وأشمل من الدولة في حياة المسلمين. إنه طابع الجماعة الإسلامية في كل حالاتها، ولو كانت الدولة بمعناها الخاص لم تقم فيها بعد. والواقع أن الدولة في الإسلام ليست سوى إفراز طبيعي للجماعة وخصائصها الذاتية. والجماعة تتضمن الدولة وتنهض وإياها بتحقيق المنهج الإسلامي وهيمنته على الحياة الفردية والجماعية. ومن ثم كان طابع الشورى في الجماعة مبكراً، وكان مدلوله أوسع وأعمق من محيط الدولة وشؤون الحكم فيها. إنه طابع ذاتي للحياة الإسلامية، وسمة مميزة للجماعة المختارة لقيادة البشرية. وهي من ألزم صفات القيادة. أما الشكل الذي تتم به الشورى فليس مصبوباً في قالب حديدي؛ فهو متروك للصورة الملائمة لكل بيئة وزمان، لتحقيق ذلك الطابع في حياة الجماعة الإسلامية. والنظم الإسلامية كلها ليست أشكالاً جامدة، وليست نصوصاً حرفية، إنما هي قبل كل شيء روح ينشأ عن استقرار حقيقة الإيمان في القلب، وتكيف الشعور والسلوك بهذه الحقيقة. والبحث في أشكال الأنظمة الإسلامية دون الاهتمام بحقيقة الإيمان الكامنة وراءها لا يؤدي إلى شيء.. وليس هذا كلاماً عائماً غير مضبوط كما قد يبدو لأول وهلة لمن لا يعرف حقيقة الإيمان بالعقيدة الإسلامية. فهذه العقيدة ـ في أصولها الاعتقادية البحتة، وقبل أي التفات إلى الأنظمة فيها ـ تحوي حقائق نفسية وعقلية هي في ذاتها شيء له وجود وفاعلية وأثر في الكيان البشري، يهيئ لإفراز أشكال معينة من النظم وأوضاع معينة في الحياة البشرية؛ ثم تجيء النصوص بعد ذلك مشيرة إلى هذه الأشكال والأوضاع، لمجرد تنظيمها لا لخلقها وإنشائها. ولكي يقوم أي شكل من أشكال النظم الإسلامية، لا بد قبلها من وجود مسلمين، ومن وجود إيمان ذي فاعلية وأثر. وإلا فكل الأشكال التنظيمية لا تفي بالحاجة، ولا تحقق نظاماً يصح وصفه بأنه إسلامي.. ومتى وجد المسلمون حقاً، ووجد الإيمان في قلوبهم بحقيقته، نشأ النظام الإسلامي نشأة ذاتية، وقامت صورة منه تناسب هؤلاء المسلمين وبيئتهم وأحوالهم كلها؛ وتحقق المبادئ الإسلامية الكلية خير تحقيق. {ومما رزقناهم ينفقون}.. وهو نص مبكر كذلك على تحديد فرائض الزكاة التي حددت في السنة الثانية من الهجرة. ولكن الإنفاق العام من رزق الله كان توجيها مبكراً في حياة الجماعة الإسلامية. بل إنه ولد مع مولدها. ولا بد للدعوة من الإنفاق. لا بد منه تطهيراً للقلب من الشح، واستعلاء على حب الملك، وثقة بما عند الله. وكل هذه ضرورية لاستكمال معنى الإيمان. ثم إنها ضرورية كذلك لحياة الجماعة. فالدعوة كفاح. ولا بد من التكافل في هذا الكفاح وجرائره وآثاره. وأحياناً يكون هذا التكافل كاملاً بحيث لا يبقى لأحد مال متميز. كما حدث في أول العهد بهجرة المهاجرين من مكة، ونزولهم على إخوانهم في المدينة. حتى إذا هدأت حدة الظروف وضعت الأسس الدائمة للإنفاق في الزكاة. وعلى أية حال فالإنفاق في عمومه سمة من سمات الجماعة المؤمنة المختارة للقيادة بهذه الصفات.. {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون}. وذكر هذه الصفة في القرآن المكي ذو دلالة خاصة كما سلف. فهي تقرير لصفة أساسية في الجماعة المسلمة. صفة الانتصار من البغي، وعدم الخضوع للظلم. وهذا طبيعي بالنسبة لجماعة أخرجت للناس لتكون خير أمة. لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتهيمن على حياة البشرية بالحق والعدل؛ وهي عزيزة بالله. {أية : ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}.. تفسير : فمن طبيعة هذه الجماعة ووظيفتها أن تنتصر من البغي وأن تدفع العدوان. وإذا كانت هناك فترة اقتضت لأسباب محلية في مكة، ولمقتضيات تربوية في حياة المسلمين الأوائل من العرب خاصة، أن يكفوا أيديهم ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فذلك أمر عارض لا يتعلق بخصائص الجماعة الثابتة الأصيلة. ولقد كانت هنالك أسباب خاصة لاختيار أسلوب المسالمة والصبر في العهد المكي: منها أن إيذاء المسلمين الأوائل وفتنتهم عن دينهم لم تكن تصدر من هيئة مسيطرة على الجماعة. فالوضع السياسي والاجتماعي في الجزيرة كان وضعاً قبلياً مخلخلاً. ومن ثم كان الذين يتولون إيذاء الفرد المسلم هم خاصة أهله إن كان ذا نسب، ولم يكن أحد غير خاصة أهله يجرؤ على إيذائه ـ ولم يقع إلا في الندرة أن وقع اعتداء جماعي على فرد مسلم أو على المسلمين كجماعة ـ كما كان السادة يؤذون مواليهم إلى أن يشتريهم المسلمون ويعتقوهم فلا يجرؤ على إيذائهم غالباً. ولم يكن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحب أن تقع معركة في كل بيت بين الفرد المسلم من هذا البيت والذين لم يسلموا بعد. والمسالمة كانت أقرب إلى إلانة القلوب من المخاشنة. ومنها أن البيئة العربية كانت بيئة نخوة تثور لصاحب الحق الذي يقع عليه الأذى. واحتمال المسلمين للأذى وصبرهم على عقيدتهم، كان أقرب إلى استثارة هذه النخوة في صف الإسلام والمسلمين. وهذا ما حدث بالقياس إلى حادث الشعب وحصر بني هاشم فيه. فقد ثارت النخوة ضد هذا الحصار، ومزقت العهد الذي حوته الصحيفة، ونقضت هذا العهد الجائر. ومنها أن البيئة العربية كانت بيئة حرب ومسارعة إلى السيف، وأعصاب متوفزة لا تخضع لنظام. والتوازن في الشخصية الإسلامية كان يقتضي كبح جماح هذا التوفز الدائم، وإخضاعها لهدف، وتعويدها الصبر وضبط الأعصاب. مع إشعار النفوس باستعلاء العقيدة على كل نزوة وعلى كل مغنم. ومن ثم كانت الدعوة إلى الصبر على الأذى متفقة مع منهج التربية الذي يهدف إلى التوازن في الشخصية الإسلامية، وتعليمها الصبر والثبات والمضي في الطريق. فهذه الاعتبارات وأمثالها قد اقتضت سياسة المسالمة والصبر في مكة. مع تقرير الطابع الأساسي الدائم للجماعة المسلمة: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون}.. ويؤكد هذه القاعدة بوصفها قاعدة عامة في الحياة: {وجزاء سيئة سيئة مثلها}.. فهذا هو الأصل في الجزاء. مقابلة السيئة بالسيئة، كي لا يتبجح الشر ويطغى، حين لا يجد رادعاً يكفه عن الإفساد في الأرض فيمضي وهو آمن مطمئن! ذلك مع استحباب العفو ابتغاء أجر الله وإصلاح النفس من الغيظ، وإصلاح الجماعة من الأحقاد. وهو استثناء من تلك القاعدة. والعفو لا يكون إلا مع المقدرة على جزاء السيئة بالسيئة. فهنا يكون العفو وزنه ووقعه في إصلاح المعتدي والمسامح سواء. فالمعتدي حين يشعر بأن العفو جاء سماحة ولم يجئ ضعفا يخجل ويستحيي، ويحس بأن خصمه الذي عفا هو الأعلى. والقوي الذي يعفو تصفو نفسه وتعلو. فالعفو عندئذ خير لهذا وهذا. ولا كذلك عند الضعف والعجز. وما يجوز أن يذكر العفو عند العجز. فليس له ثمة وجود. وهو شر يطمع المعتدي ويذلك المعتدى عليه، وينشر في الأرض الفساد! {إنه لا يحب الظالمين}.. وهذا توكيد للقاعدة الأولى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} من ناحية. وإيحاء بالوقوف عند رد المساءة أو العفو عنها. وعدم تجاوز الحد في الاعتداء، من ناحية أخرى. وتوكيد آخر أكثر تفصيلا: {ولمن انتصر بعد ظلمه، فأولئك ما عليهم من سبيل. إنما السبيل على الذين يظلمون الناس، ويبغون في الأرض بغير الحق. أولئك لهم عذاب أليم}.. فالذي ينتصر بعد ظلمه، ويجزي السيئة بالسيئة، ولا يعتدي، ليس عليه من جناح. وهو يزاول حقه المشروع. فما لأحد عليه من سلطان. ولا يجوز أن يقف في طريقه أحد. إنما الذين يجب الوقوف في طريقهم هم الذين يظلمون الناس، ويبغون في الأرض بغير الحق. فإن الأرض لا تصلح وفيها ظالم لا يقف له الناس ليكفوه ويمنعوه من ظلمه؛ وفيها باغ يجور ولا يجد من يقاومه ويقتص منه. والله يتوعد الظالم الباغي بالعذاب الأليم. ولكن على الناس كذلك أن يقفوا له ويأخذوا عليه الطريق. ثم يعود إلى التوازن والاعتدال وضبط النفس والصبر والسماحة في الحالات الفردية، وعند المقدرة على الدفع كما هو مفهوم؛ وحين يكون الصبر والسماحة استعلاء لا استخذاء؛ وتجملاً لا ذلاً: {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور}.. ومجموعة النصوص في هذه القضية تصور الاعتدال والتوازن بين الاتجاهين؛ وتحرص على صيانة النفس من الحقد والغيظ، ومن الضعف والذل، ومن الجور والبغي. وتعلقها بالله ورضاه في كل حال. وتجعل الصبر زاد الرحلة الأصيل. ومجموعة صفات المؤمنين ترسم طابعاً مميزاً للجماعة التي تقود البشرية وترجو ما عند الله وهو خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون.. وبعد تقرير صفة المؤمنين الذين يدخر الله لهم عنده ما هو خير وأبقى، يعرض في الصفحة المقابلة صورة الظالمين الضالين، وما ينتظرهم من ذل وخسران: {ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده؛ وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون: هل إلى مرد من سبيل؟ وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل، ينظرون من طرف خفي، وقال الذين آمنوا: إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة؛ ألا إن الظالمين في عذاب مقيم، وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله، ومن يضلل الله فما له من سبيل}.. إن قضاء الله لا يرد، ومشيئته لا معقب عليها {ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده}.. فإذا علم الله من حقيقة العبد أنه مستحق للضلال، فحقت عليه كلمة الله أن يكون من أهل الضلال، لم يكن له بعد ذلك من ولي يهديه من ضلاله، أو ينصره من جزاء الضلال الذي قدره الله.. والذي يعرض منه مشهداً في بقية الآية: {وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون: هل إلى مرد من سبيل، وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل، ينظرون من طرف خفي}.. والظالمون كانوا طغاة بغاة، فناسب أن يكون الذل هو مظهرهم البارز في يوم الجزاء. إنهم يرون العذاب، فتتهاوى كبرياؤهم. ويتساءلون في انكسار: {هل إلى مرد من سبيل؟} في هذه الصيغة الموحية باليأس مع اللهفة، والانهيار مع التطلع إلى أي بارقة للخلاص! وهم يعرضون على النار {خاشعين} لا من التقوى ولا من الحياء، لكن من الذل والهوان! وهم يعرضون منكسي الأبصار، لا يرفعون أعينهم من الذل والعار: {ينظرون من طرف خفي}.. وهي صورة شاخصة ذليلة. وفي هذا الوقت يبدو أن الذين آمنوا هم سادة الموقف؛ فهم ينطقون ويقررون: {وقال الذين آمنوا: إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة}.. وهم هؤلاء الذين خسروا كل شيء، والذين يقفون خاشعين من الذل يقولون: هل إلى مرد من سبيل؟ ويجيء التعليق العام على المشهد بياناً لمآل هؤلاء المعروضين على النار: {ألا إن الظالمين في عذاب مقيم. وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله. ومن يضلل الله فما له من سبيل}.. فقد عدم النصير، وقد أغلق السبيل. وفي ظل هذا المشهد يوجه الخطاب إلى المعاندين المكابرين، ليستجيبوا لربهم قبل أن يفجأهم مثل هذا المصير فلا يجدوا لهم ملجأ يقيهم، ولا نصيراً ينكر مصيرهم الأليم، ويوجه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى التخلي عنهم إذا هم أعرضوا فلم يستجيبوا لهذا النذير؛ فما عليه إلا البلاغ، وما هو مكلف بهم ولا كفيل: {استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله، ما لكم من ملجأ يومئذ وما لكم من نكير. فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ}.. ثم يكشف عن طبيعة هذا الإنسان الذي يعارض ويعاند، ويعرض نفسه للأذى والعذاب، وهو لا يحتمل في نفسه الأذى؛ وهو رقيق الاحتمال، يستطار بالنعمة، ويجزع من الشدة، ويتجاوز حده فيكفر من الضيق: {وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها، وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور}.. ويعقب على هذا بأن نصيب هذا الإنسان من السراء والضراء ومن العطاء والحرمان كله بيد الله. فما لهذا الإنسان المحب للخير الجزوع من الشر، يبعد عن الله المالك لأمره في جيمع الأحوال: {لله ملك السماوات والأرض، يخلق ما يشاء، يهب لمن يشاء إناثاً، ويهب لمن يشاء الذكور. أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً، ويجعل من يشاء عقيماً، إنه عليم قدير}.. والذرية مظهر من مظاهر المنح والمنع والعطاء والحرمان؛ وهي قريبة من نفس الإنسان؛ والنفس شديدة الحساسية بها. فلمسها من هذا الجانب أقوى وأعمق. وقد سبق في السورة حديث عن الرزق بسطه وقبضه. فهذه تكملة في الرزق بالذرية. وهي رزق من عند الله كالمال. والتقديم بأن لله ملك السماوات والأرض هو التقديم المناسب لكل جزئية بعد ذلك من توابع هذا الملك العام. وكذلك ذكر: {يخلق ما يشاء}.. فهي توكيد للإيحاء النفسي المطلوب في هذا الموضع. ورد الإنسان، المحب للخير، إلى الله الذي يخلق ما يشاء مما يسرّ وما يسوء ومن عطاء أو حرمان. ثم يفصل حالات العطاء والحرمان: فهو يهب لمن يشا إناثا (وهم كانوا يكرهون الإناث) ويهب لمن يشاء الذكور. ويهب لمن يشاء أزواجاً من هؤلاء وهؤلاء. ويحرم من يشاء فيجعله عقيماً (والعقم يكرهه كل الناس).. وكل هذه الأحوال خاضعة لمشية الله. لا يتدخل فيها أحد سواه. وهو يقدرها وفق علمه وينفذها بقدرته: {إنه عليم قدير}.. وفي ختام السورة يعود السياق إلى الحقيقة التي تدور عليها السورة. حقيقة الوحي والرسالة. يعود إلى هذه الحقيقة ليكشف عن طبيعة هذا الاتصال بين الله والمختارين من عباده، وفي أية صورة يكون. ويؤكد أنه قد وقع فعلاً إلى الرسول الأخير ـ صلى الله عليه وسلم ـ لغاية يريدها الله سبحانه. ليهدي من يشاء إلى صراط مستقيم: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب، أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء إنه عليّ حكيم. وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا، ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا، وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم. صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض. ألا إلى الله تصير الأمور}.. ويقطع هذا النص بأنه ليس من شأن إنسان أن يكلمه الله مواجهة. وقد روي عن عائشة رضي الله عنها: "من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية" إنما يتم كلام الله للبشر بواحدة من ثلاث: "وحيا" يلقى في النفس مباشرة فتعرف أنه من الله،{أو من وراء حجاب}.. كما كلم الله موسى ـ عليه السلام ـ وحين طلب الرؤية لم يجب إليها، ولم يطق تجلي الله على الجبل {أية : وخر موسى صعقاً فلما أفاق قال: سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين}.. تفسير : {أو يرسل رسولاً} وهو الملك {فيوحي بإذنه ما يشاء} بالطرق التي وردت عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم. الأولى: ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه كما قال: صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب"تفسير : .. والثانية أنه كان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتمثل له الملك رجلاً، فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقول. والثالثة: أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس، وكان أشده عليه، حتى إن جبينه ليتفصد عرقاً في اليوم الشديد البرد، وحتى إن راحلته لتبرك به إلى الأرض إن كان راكبها، ولقد جاء الوحي مرة كذلك وفخذه على فخذ زيد بن ثابت فثقلت عليه حتى كادت ترضها. والرابعة: أنه يرى الملك في صورته التي خلق عليها، فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه. وهذا وقع له مرتين كما ذكر الله ذلك في سورة النجم. هذه صور الوحي وطرق الاتصال.. {إنه علي حكيم}.. يوحي من علو، ويوحي بحكمة إلى من يختار.. وبعد فإنه ما من مرة وقفت أمام آية تذكر الوحي أو حديث، لأتأمل هذا الاتصال إلا أحسست له رجفة في أوصالي.. كيف؟ كيف يكون هذا الاتصال بين الذات الأزلية الأبدية التي ليس لها حيز في المكان ولا حيز في الزمان، المحيطة بكل شيء، والتي ليس كمثلها شيء. كيف يكون هذا الاتصال بين هذه الذات العلية وذات إنسان متحيزة في المكان والزمان، محدودة بحدود المخلوقات، من أبناء الفناء؟! ثم كيف يتمثل هذا الاتصال معاني وكلمات وعبارات؟ وكيف تطيق ذات محدودة فانية أن تتلقى كلام الله الأزلي الأبدي الذي لا حيز له ولا حدود؟ ولا شكل له معهود؟ وكيف؟ وكيف؟.. ولكني أعود فأقول: ومالك تسأل عن كيف؟ وأنت لا تملك أن تتصور إلا في حدود ذاتك المتحيزة القاصرة الفانية؟! لقد وقعت هذه الحقيقة وتمثلت في صورة. وصار لها وجود هو الذي تملك أن تدركه من وجود. ولكن الوهلة والرجفة والروعة لا تزول! إن النبوة هذه أمر عظيم حقا. وإن لحظة التلقي هذه لعظيمة حقاً. تلقي الذات الإنسانية لوحي من الذات العلوية.. أخي الذي تقرأ هذه الكلمات، أأنت معي في هذا التصور؟! أأنت معي تحاول أن تتصور؟! هذا الوحي الصادر من هناك. أأقول: هناك؟! كلا. إنه ليس هناك "هناك"! الصادر من غير مكان ولا زمان، ولا حيز ولا حد ولا جهة ولا ظرف. الصادر من المطلق النهائي، الأزلي الأبدي، الصادر من الله ذي الجلال إلى إنسان.. إنسان مهما يكن نبياً رسولاً، فإنه هو هذا الإنسان ذو الحدود والقيود.. هذا الوحي. هذا الاتصال العجيب. المعجز. الذي لا يملك إلا الله أن يجعله واقعة تتحقق، ولا يعرف إلا الله كيف يقع ويتحقق.. أخي الذي تقرأ هذه الكلمات. هل تحس ما أحس من وراء هذه العبارات المتقطعة التي أحاول أن أنقل بها ما يخالج كياني كله؟ إنني لا أعرف ماذا أقول عما يخالج كياني كله من الروعة والرجفة وأنا أحاول أن أتصور ذلك الحدث العظيم العجيب الخارق في طبيعته، والخارق في صورته، الذي حدث مرات ومرات. وأحس بحدوثه ناس رأوا مظاهره رأي العين، على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم. وهذه عائشة رضي الله عنها تشهد من هذه اللحظات العجيبة في تاريخ البشرية فتروي عن واحدة منها تقول: "حديث : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "يا عائشة. هذا جبريل يقرئك السلام" قلت: وعليه السلام ورحمة الله. قالت: وهو يرى ما لا نرى"تفسير : . وهذا زيد بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ يشهد مثل هذه اللحظة وفخذ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على فخذه، وقد جاءه الوحي فثقلت حتى كادت ترض فخذه. وهؤلاء هم الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ في مرات كثيرة يشهدون هذا الحادث ويعرفونه في وجه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيدعونه للوحي حتى يسرى عنه، فيعود إليهم ويعودون إليه.. ثم.. أية طبيعة. طبيعة هذه النفس التي تتلقى ذلك الاتصال العلوي الكريم؟ أي جوهر من جواهر الأرواح ذلك الذي يتصل بهذا الوحي، ويختلط بذلك العنصر، ويتسق مع طبيعته وفحواه؟ إنها هي الأخرى مسألة! إنها حقيقة. ولكنها تتراءى هنالك بعيداً على أفق عال ومرتقى صاعد، لا تكاد المدارك تتملاه. روح هذا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ روح هذا الإنسان. كيف يا ترى كانت تحس بهذه الصلة وهذا التلقي؟ كيف كانت تتفتح؟ كيف كان ينساب فيها ذلك الفيض؟ كيف كانت تجد الوجود في هذه اللحظات العجيبة التي يتجلى فيها الله على الوجود؛ والتي تتجاوب جنباته كلها بكلمات الله؟ ثم.. أية رعاية؟ وأية رحمة؟ وأية مكرمة؟.. والله العلي الكبير يتلطف فيعنى بهذه الخليقة الضئيلة المسماة بالإنسان. فيوحي إليها لإصلاح أمرها، وإنارة طريقها، ورد شاردها.. وهي أهون عليه من البعوضة على الإنسان، حين تقاس إلى ملكه الواسع العريض؟ إنها حقيقة. ولكنها أعلى وأرفع من أن يتصورها الإنسان إلا تطلعاً إلى الأفق السامق الوضيء: {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان. ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا. وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم. صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض. ألا إلى الله تصير الأمور}. {وكذلك}. بمثل هذه الطريقة، وبمثل هذا الاتصال. {أوحينا إليك}.. فالوحي تم بالطريقة المعهودة، ولم يكن أمرك بدعا. أوحينا إليك {روحاً من أمرنا}.. فيه حياة، يبث الحياة ويدفعها ويحركها وينميها في القلوب وفي الواقع العملي المشهود. {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان}.. هكذا يصور نفس رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو أعلم بها، قبل أن تتلقى هذا الوحي. وقد سمع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الكتاب وسمع عن الإيمان، وكان معروفاً في الجزيرة العربية أن هناك أهل كتاب فيمن معهم، وأن لهم عقيدة، فليس هذا هو المقصود. إنما المقصود هو اشتمال القلب على هذه الحقيقة والشعور بها والتأثر بوجودها في الضمير. وهذا ما لم يكن قبل هذا الروح من أمر الله الذي لابس قلب محمد ـ عليه صلوات الله. {ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء}.. وهذه طبيعته الخالصة. طبيعة هذا الوحي. هذا الروح. هذا الكتاب. إنه نور. نور تخالط بشاشته القلوب التي يشاء لها الله أن تهتدي به، بما يعلمه من حقيقتها، ومن مخالطة هذا النور لها. {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم}.. وهناك توكيد على تخصيص هذه المسألة، مسألة الهدى، بمشيئة الله سبحانه، وتجريدها من كل ملابسة، وتعليقها بالله وحده يقدرها لمن يشاء بعلمه الخاص، الذي لا يعرفه سواه؛ والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ واسطة لتحقيق مشيئة الله، فهو لا ينشئ الهدى في القلوب؛ ولكن يبلغ الرسالة، فتقع مشيئة الله. {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم. صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض}.. فهي الهداية إلى طريق الله، الذي تلتقي عنده المسالك. لأنه الطريق إلى المالك، الذي له ما في السماوات وما في الأرض؛ فالذي يهتدي إلى طريقه يهتدي إلى ناموس السماوات والأرض، وقوى السماوات والأرض، ورزق السماوات والأرض، واتجاه السماوات والأرض إلى مالكها العظيم. الذي إليه تتجه، والذي إليه تصير: {ألا إلى الله تصير الأمور}.. فكلها تنتهي إليه، وتلتقي عنده، وهو يقضي فيها بأمره. وهذا النور يهدي إلى طريقه الذي اختار للعباد أن يسيروا فيه، ليصيروا إليه في النهاية مهتدين طائعين. وهكذا تنتهي السورة التي بدأت بالحديث عن الوحي. وكان الوحي محورها الرئيسي. وقد عالجت قصة الوحي منذ النبوات الأولى. لتقرر وحدة الدين، ووحدة المنهج، ووحدة الطريق. ولتعلن القيادة الجديدة للبشرية ممثلة في رسالة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفي العصبة المؤمنة بهذه الرسالة. ولتكل إلى هذه العصبة أمانة القيادة إلى صراط مستقيم. صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض. ولتبين خصائص هذه العصبة وطابعها المميز، الذي تصلح به للقيادة، وتحمل به هذه الأمانة. الأمانة التي تنزلت من السماء إلى الأرض عن ذلك الطريق العجيب العظيم..
ابن عاشور
تفسير : لما جرى وعيد الذين يحاجُّون في الله لتأييد باطلهم من قوله تعالى: { أية : والذين يحاجّون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد } تفسير : [الشورى: 16]. ثم أتبع بوصف سوء حالهم يوم الجزاء بقوله: { أية : ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا } تفسير : [الشورى: 22]، وقوبل بوصف نعيم الذين آمنوا بقوله: { أية : والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات } تفسير : [الشورى: 22]، وكان ذلك مَظنة أن يكسر نفوس أهل العناد والضلالة، أعقب بإعلامهم أن الله من شأنه قبول توبة من يتوب من عباده، وعفوُه بذلك عما سلف من سيئاتهم. وهذا الإخبار تعريض بالتحريض على مبادرة التوبة ولذلك جيء فيه بالفعل المضارع الصالح للاستقبال. وهو أيضا بشارة للمؤمنين بأنه قبل توبتهم مما كانوا فيه من الشرك والجاهلية فإن الذي من شأنه أن يقبل التوبة في المستقبل يكون قد قبل توبة التائبين من قبلُ، بدلالة لحن الخطاب أو فَحواه، وأن من شأنه الاستجابة للذين آمنوا وعملوا الصالحات من عباده. وكل ذلك جرْي على عادة القرآن في تعقيب الترهيب بالترغيب وعكسه. وهذا كله يتضمن وعداً للمؤمنين بقبول إيمانهم وللعصاة بقبول توبتهم. فجملة: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده} معطوفة على جملة { أية : وإن الظالمين لهم عذاب أليم } تفسير : [الشورى: 21] وما اتصل بها ممّا تقدم ذكره وخاصة جملة: { أية : ويمح الله الباطل } تفسير : [الشورى: 24]. وابتِناءُ الإخبار بهذه الجملة على أسلوب الجملة الاسمية لإفادتها ثباتَ حكمها ودوامه. ومَجيءُ المسند اسم موصول لإفادة اتصاف الله تعالى بمضمون صلته وأنها شأن من شؤون الله تعالى عرف به ثابت له لا يتخلف لأنه المناسب لحكمته وعظَمة شأنه وغناه عن خلقه. وإيثار جملة الصلة بصيغة المضارع لإفادة تجدد مضمونه وتكرره ليعلموا أن ذلك وعد لا يتخلف ولا يختلف. وفعل (قَبِلَ) يتعدى بــ (من) الابتدائية تارة كما في قوله: { أية : وما مَنَعَهم أن تقبل منهم نفقاتهم } تفسير : [التوبة: 54] وقوله: { أية : فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً } تفسير : [آل عمران: 91]، فيفيد معنى الأخذ للشيء المقبول صادراً من المأخوذ منه، ويعدَّى بــ{عن} فيفيد معنى مجاوزة الشيء المقبول أو انفصالِه عن معطيه وباذِلِه، وهو أشد مبالغةً في معنى الفعل من تعديته بحرف (من) لأن فيه كناية عن احتباس الشيء المبذول عند المبذول إليه بحيث لا يُردّ على باذلِه. فحصلت في جملة {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده} أربعُ مبالغات: بناء الجملة على الاسمية وعلى الموصولية وعلى المضارعية، وعلى تعدية فعل الصلة بــ{عن} دون (من). و{التوبة}: الإقلاع عن فعل المعصية امتثالاً لطاعة الله، وتقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: { أية : فتلقّى آدم من ربه كلمات فتاب عليه } تفسير : في سورة البقرة (37). وقبول التوبة منّة من الله تعالى لأنه لو شاء لَمَا رضِي عن الذي اقترف الجريمة ولكنه جعلها مقبولة لحكمته وفضله. وفي ذكر اسم العباد دون نحو: الناس أو التائبين أو غير ذلك إيماء إلى أن الله رفيق بعباده لمقام العبودية فإن الخالق والصانع يحب صلاح مصنوعه. والعفو: عدم مؤاخذة الجاني بجنايَته. والسيئات: الجرائم لأنها سيئة عند الشرع. والعفو عن السيئات يكون بسبب التوبة بأن يعفو عن السيئات التي اقترفها العاصي قبل توبته، ويكون بدون ذلك مثل العفو عن السيئات عقب الحج المبرور، ومثل العفو عن السيئات لأجل الشهادة في سبيل الله، ومثل العفو عن السيئات لكثرة الحسنات بأن يُمحَى عن العاصي من سيئاته ما يقابل مقداراً من حسناته على وجه يعلمه الله تعالى، ومثل العفو عن الصغائر باجتناب الكبائر. والتعريف في {السيئات} تعريف الجنس المراد به الاستغراق وهو عام مخصوص بغير الشرك قال تعالى: { أية : إن الله لا يغفر أن يُشْرَك به } تفسير : [النساء: 48] ولك أن تجعله عوضاً عن المضاف إليه، أي عن سيئات عباده فيعم جميع العباد عموماً مخصوصاً بالأدلة لهذا الحكم كما في الوجه الأول. وجملة {ويعلم ما تفعلون} معترضة بين المتعاطفات أو في موضع الحال، والمقصود: أنه لا يخفى عليه شيء من أعمال عباده خيرها وشرها. وقرأ الجمهور {ما يفعلون} بياء الغيبة، أي ما يفعل عبادُه. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف بتاء الخطاب على طريقة الالتفات. والاستجابة: مبالغة في الإجابة، وخُصت الاستجابة في الاستعمال بامتثال الدعوةِ أو الأمر. وظاهر النظم أن فاعل {يستجيب} ضمير يعود إلى ما عاد إليه ضمير {وهو الذي يقبل التوبة} وأن {الذين آمنوا} مفعول {يستجيب} وأن الجملة معطوفة على جملة {يقبل التوبة}. والغالب في الاستعمال أن يقال: استجاب له، كقوله: { أية : ادعوني أستجب لكم } تفسير : [غافر: 60] وقد يحذفون اللام فيعدُّونه بنفسه، كقول كعب بن سعد: شعر : ودَاعٍ دَعا يَا من يجيب إلى الندا فلم يستجبه عند ذَاك مجيب تفسير : والمعنى: أن الله يستجيب لهم ما يرجونه منه من ثواب، وما يدْعُونه. ويجوز أن يكون {الذين آمنوا} فعل {يستجيب} أي يستجيبون لله فيطيعونه وتكون جملة {ويستجيب} عطفاً على مجموع جملة {وهو الذي يقبل التوبة}، أي ذلك شأنه وهذا شأن عباده المؤمنين. ومعنى {ويزيدهم من فضله} على الوجهين أنه يعطيهم ما أمَّلوا من دعائهم وعملهم وأعظم مما أملوا حين استجابوا له ولرسوله، وأنه يعطيهم من الثواب أكثر مما عملوا من الصالحات إذ جعل لهم الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف كما في الحديث، وأنه يعطيهم من خير الدنيا ما لم يسألوه إياه كل ذلك لأنه لطيف بهم ومدبر لمصالحهم. ولما كانت الاستجابة والزيادة كرامةً للمؤمنين، أظهر اسم {الذين آمنوا} وجيء به مَوْصُولاً للدلالة على أن الإيمان هو وجه الاستجابة لهم والزيادة لهم. وجملة {والكافرون لهم عذاب شديد} اعتراض عائد إلى ما سبق من قوله: { أية : ترى الظالمين مُشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم } تفسير : [الشورى: 22] توكيداً للوعيد وتحذيراً من الدوام على الكفر بعد فتح باب التوبة لهم.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ}. بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه هو وحده الذي يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات. وقد جاء ذلك موضحاً في مواضع أخر كقوله تعالى: {أية : أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [التوبة: 104] وقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} تفسير : [التحريم: 8] الآية. وقوله تعالى: {أية : وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران: 135] إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا معنى التوبة وأركانها وإزالة ما في أركانها من الإشكال، في سورة النور في الكلام على قوله تعالى {أية : وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} تفسير : [النور: 31].
د. أسعد حومد
تفسير : {يَعْفُواْ} (25) - وَيَمْتَنُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِأَنَّهُ مِنْ كَرَمِهِ وَحِلْمِهِ يَقْبَلُ تَوْبَتهمْ فِي المُسْتَقْبَلِ، إِذَا تَابُوا وَرَجَعُوا إِلَيْهِ، وَيَعْفُوا عَمَّا فَعَلُوا، مِنَ السِّيِئَاتِ فِيمَا سَلَفَ، وَهُوَ عَالِمٌ بِجَمِيعِ مَا يَفْعَلُونَ وَمَا يَقُولُونَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : من لُطْف الله بعباده ورحمته بهم أنْ شرع لهم التوبة وجعل بابها مفتوحاً لا يُغلق، والتوبة أمل يتعلق به المسيء ويجد فيه حبل النجاة فيعود وتحسن سيرته ويتقوَّم سلوكه وينتفع به مجتمعه، أما إنْ أغلقنا باب التوبة في وجهه وألجأناه إلى اليأس تمادى في عصيانه فشَقِي وشَقِي به مجتمعه. والتوبة تعني رجوع المسيء إلى الله، ولها مراحل: شرع الله التوبة ومجرد مشروعيتها فضل من الله، ثم إذا تاب العبد قبلَ الله منه توبته، لذلك قال تعالى {أية : ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ} تفسير : [التوبة: 118] تاب عليهم. يعني: شرع لهم التوبة ليتوبوا فيقبل توبتهم. والتوبة ليست كلمة تقال: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو وأتوب إليه، إنما التوبة منهج متكامل، وقد بيَّنها لنا الإمام علي رضي الله عنه عندما أقيمت الصلاة فسمع رجلاً في الصف يقول: أستغفر الله العظيم، الله أكبر، فلما انتهى من الصلاة قال له: لقد استعجلتَ في التوبة فتوبتك تحتاج توبة. إذن: ليست مجرد كلمة، إنما منهج وبرنامج تستعرض فيه أولاً ما فاتك من سيئات وما حدث منك من تفريط، فتندم أولاً على ما بدر منك، وقد ورد في الحديث: "حديث : الندم توبة ". تفسير : وفي قصة بني آدم: {أية : فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : [المائدة: 30] فعندما هدأتْ عنده سَوْرة الشر والخصومة عاد إلى الصواب فندم على ما فعل، ثم تتذكر ما فاتك من فروض الصلاة فتقضيها أو تجبرها بصلاة النوافل. ثم ترد المظالم إلى أهلها. فهذه شروط ينبغي توافرها، ثم زدْ على ذلك أن تذوب في الحسنة كما ذُبْتَ في السيئة، وأنْ تذوق مرارة مشقة الطاعة كما ذقتَ حلاوة المعصية. والقياس في اللغة أن نقول: يقبل التوبة من عباده، لكن الحق يقول {عَنْ عِبَادِهِ ..} [الشورى: 25] فكأن الحق سبحانه يرد عنهم ذنوبهم حين يقبل منهم التوبة، فتكون النتيجة مغفرة الذنوب التي ارتكبوها لكن الذنوب التي ارتكبوها لها صفات من الحق تطلب حقَّها فيه. فحين يفعل العبد الذنب تأتي صفة القهار والجبار والمنتقم وهي صفات الجلال، وهذه الصفات تقتضي العقاب، ثم تأتي صفات الجمال من الحق سبحانه صفة الغفور الرحيم التواب .. إلخ. لذلك قال في حديث آخر رمضان: "حديث : شفع المؤمنون، وشفع النبيِّون، وشفعتْ الملائكة، وبقيت شفاعة أرحم الراحمين ". تفسير : فإذا كان المؤمنون والنبيون والملائكة سيشفعون عند الله تعالى فعند مَنْ يشفع أرحم الراحمين؟ قالوا: لأن لله صفات جلال وصفات جمال، فإذا أخذتْ صفات الجلال حقَّها من المذنب العاصي تأتي صفات الجمال لتشفع له عند صفات الجلال في نَفي مستحقاتها عنده. إذن {وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ..} [الشورى: 25] عبَّر بـ (عَنْ) مع أن التوبة منهم، فقال عنهم ليحملهم عنهم. لذلك تجد دقة في استخدام هذه الحروف في القرآن الكريم، ولكل منها معنى لا يؤيده غيره، اقرأ مثلاً قوله تعالى: {أية : فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ ..} تفسير : [طه: 71]. ومعلوم أن الصَّلْب يكون على الجذوع، لذلك قال بعض المفسرين أي: على جذوع النخل، لكن لماذا عدل القرآن عن (على) إلى (في) لا بدَّ أنَّ لها معنى لا تؤديه (على). إذن: المراد لأصلبنكم تصليباً شديداً مُحكماً، بحيث تدخل بعض أجزاء المصلوب في المصلوب عليه، لذلك قال {أية : فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ ..} تفسير : [طه: 71]. كذلك في قوله تعالى {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ ..} تفسير : [إبراهيم: 39] بعضهم قال: يعني مع الكبر. كيف و (على) ثلاثة أحرف و (مع) حرفان. فلا بدَّ أن لها معنى لا تؤديه مع، ما هو؟ قالوا: (على) تفيد الاستعلاء، فالكبر كان مانعاً من الإنجاب، لكن قدرة الله وإرادته عَلَتْ وغلبتْ هذا المانع. ومثلها تماماً قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ..} تفسير : [الرعد: 6] فكأن المعصية التي فعلوها كانت تستوجب العقوبة، لكن عفو الله ومغفرته ورحمته بعباده عَلَتْ على العقوبة. وقوله: {وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ ..} [الشورى: 25] أي: يمحوها {وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ..} [الشورى: 25] لأن علمه تعالى محيط شامل لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، فإذا كنتَ قد اقترفت سيئة ولا يعلم بها أحد فالله يعلمها ولا بدَّ أنْ تتوب عنها، حتى خواطرك التي تجول في نفسك ولم تظهر على جوارحك يجب أن تتوب عنها. ثم يقول الحق سبحانه: {وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا بيان لكمال كرم الله تعالى وسعة جوده وتمام لطفه، بقبول التوبة الصادرة من عباده حين يقلعون عن ذنوبهم ويندمون عليها، ويعزمون على أن لا يعاودوها، إذا قصدوا بذلك وجه ربهم، فإن الله يقبلها بعد ما انعقدت سببا للهلاك، ووقوع العقوبات الدنيوية والدينية. { وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ } ويمحوها، ويمحو أثرها من العيوب، وما اقتضته من العقوبات، ويعود التائب عنده كريما، كأنه ما عمل سوءا قط، ويحبه ويوفقه لما يقر به إليه. ولما كانت التوبة من الأعمال العظيمة، التي قد تكون كاملة بسبب تمام الإخلاص والصدق فيها، وقد تكون ناقصة عند نقصهما، وقد تكون فاسدة إذا كان القصد منها بلوغ غرض من الأغراض الدنيوية، وكان محل ذلك القلب الذي لا يعلمه إلا الله، ختم هذه الآية بقوله: { وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } فالله تعالى، دعا جميع العباد إلى الإنابة إليه والتوبة من التقصير، فانقسموا -بحسب الاستجابة له- إلى قسمين: مستجيبين وصفهم بقوله { وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } أي: يستجيبون لربهم لما دعاهم إليه وينقادون له ويلبون دعوته، لأن ما معهم من الإيمان والعمل الصالح يحملهم على ذلك، فإذا استجابوا له، شكر الله لهم، وهو الغفور الشكور. وزادهم من فضله توفيقا ونشاطا على العمل، وزادهم مضاعفة في الأجر زيادة عن ما تستحقه أعمالهم من الثواب والفوز العظيم. وأما غير المستجيبين للّه وهم المعاندون الذين كفروا به وبرسله، فـ { لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } في الدنيا والآخرة، ثم ذكر أن من لطفه بعباده، أنه لا يوسع عليهم الدنيا سعة، تضر بأديانهم فقال: { وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأرْضِ } أي: لغفلوا عن طاعة الله، وأقبلوا على التمتع بشهوات الدنيا، فأوجبت لهم الإكباب على ما تشتهيه نفوسهم، ولو كان معصية وظلما. { وَلَكِنْ يُنزلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ } بحسب ما اقتضاه لطفه وحكمته { إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ } كما في بعض الآثار أن الله تعالى يقول: "حديث : إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الصحة، ولو أمرضته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا المرض ولو عافيته لأفسده ذلك، إني أدبر أمر عبادي بعلمي بما في قلوبهم، إني خبير بصير". تفسير : { وَهُوَ الَّذِي يُنزلُ الْغَيْثَ } أي: المطر الغزير الذي به يغيث البلاد والعباد، { مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا } وانقطع عنهم مدة ظنوا أنه لا يأتيهم، وأيسوا وعملوا لذلك الجدب أعمالا فينزل الله الغيث { وَيَنْشُرُ } به { رَحْمَتَهُ } من إخراج الأقوات للآدميين وبهائمهم، فيقع عندهم موقعا عظيما، ويستبشرون بذلك ويفرحون. { وَهُوَ الْوَلِيُّ } الذي يتولى عباده بأنواع التدبير، ويتولى القيام بمصالح دينهم ودنياهم. { الْحَمِيدُ } في ولايته وتدبيره، الحميد على ما له من الكمال، وما أوصله إلى خلقه من أنواع الإفضال.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [25] 495 - أخبرنا إسحاق بن منصورٍ، قال: أخبرنا أبو داود، قال: حدَّثنا إبراهيم بن سعدٍ، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لله أفرحُ بتوبةِ عبده من أحدكم قد أضلَّ راحلته في أرضٍ مُهلكةٍ، يخاف أن يقتله الجوع ".
همام الصنعاني
تفسير : 2738- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزّهري، في قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ}: [الآية: 25]، أَنَّ أ با هُرَيْرَةَ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لله أشَدُّ فَرَحاً بتوبة عبده من أحدُكم يجد ضالته في المكان الذي يخاف أن يقتله فيه الْعَطَش ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):