٤٢ - ٱلشُّورىٰ
42 - Ash-Shura (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
29
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي علاماته الدّالة على قدرته. {وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ} قال مجاهد: يدخل في هذا الملائكة والناس، وقد قال تعالى: {أية : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 8]. وقال الفرّاء أراد ما بث في الأرض دون السماء؛ كقوله: {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } تفسير : [الرحمٰن: 22] وإنما يخرج من الملح دون العَذْب. وقال أبو عليّ: تقديره وما بث في أحدهما؛ فحذف المضاف. وقوله: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا} أي من أحدهما. {وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ} أي يوم القيامة. {إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ}.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ} الدالة على عظمته وقدرته العظيمة وسلطانه القاهر {خَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا} أي: ذرأ فيهما؛ أي في السموات والأرض {مِن دَآبَّةٍ} وهذا يشمل الملائكة والإنس والجن وسائر الحيوانات، على اختلاف أشكالهم وألوانهم ولغاتهم وطباعهم وأجناسهم وأنواعهم، وقد فرقهم في أرجاء أقطار السموات والأرض {وَهُوَ} مع هذا كله {عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ} أي: يوم القيامة يجمع الأولين والآخرين وسائرالخلائق في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، فيحكم فيهم بحكمه العدل الحق. وقوله عز وجل: {وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} أي: مهما أصابكم أيها الناس من المصائب، فإنما هي عن سيئات تقدمت لكم، {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} أي: من السيئات، فلا يجازيكم عليها، بل يعفو عنها، {أية : وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ} تفسير : [فاطر: 45] وفي الحديث الصحيح: «حديث : والذي نفسي بيده ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، إلا كفر الله عنه بها من خطاياه، حتى الشوكة يشاكها»تفسير : . وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا أيوب قال: قرأت في كتاب أبي قلابة قال: نزلت: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } تفسير : [الزلزلة:7-8] وأبو بكر رضي الله عنه يأكل، فأمسك وقال: يا رسول الله إني أرى ما عملت من خير وشر؟ فقال: «حديث : أرأيت ما رأيت مما تكره، فهو من مثاقيل ذر الشر، وتدخر مثاقيل الخير حتى تعطاه يوم القيامة» تفسير : وقال: قال أبو إدريس: فإني أرى مصداقها في كتاب الله تعالى: { وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} ثم رواه من وجه آخر عن أبي قلابة عن أنس رضي الله عنه، قال: والأول أصح. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، حدثنا الأزهر بن راشد الكاهلي عن الخضر بن القواس البجلي عن أبي سخيلة عن علي رضي الله عنه قال: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله عز وجل، وحدثنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : وما أصابكم من مصيبة، فبما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير، وسأفسرها لك يا علي: ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا، فبما كسبت أيديكم، والله تعالى أحلم من أن يثني عليه العقوبة في الآخرة، وما عفا الله عنه في الدنيا، فالله تعالى أكرم من أن يعود بعد عفوه» تفسير : وكذا رواه الإمام أحمد عن مروان بن معاوية وعبدة عن أبي سخيلة قال: قال علي رضي الله عنه، فذكر نحوه مرفوعاً. ثم روى ابن أبي حاتم نحوه من وجه آخر موقوفاً فقال: حدثنا أبي، حدثنا منصور ابن أبي مزاحم، حدثنا أبو سعيد بن أبي الوضاح عن أبي الحسن عن أبي جحيفة قال: دخلت على علي ابن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: ألا أحدثكم بحديث ينبغي لكل مؤمن أن يعيه؟ قال: فسألناه، فتلا هذه الآية: { وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} قال: ما عاقب الله تعالى به في الدنيا، فالله أحلم من أن يثني عليه بالعقوبة يوم القيامة، وما عفا الله عنه في الدنيا، فالله أكرم من أن يعود في عفوه يوم القيامة. وقال الإمام أحمد: حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا طلحة، يعني: ابن يحيى، عن أبي بردة عن معاوية، هو ابن أبي سفيان رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ما من شيء يصيب المؤمن في جسده يؤذيه، إلا كفر الله تعالى عنه به من سيئاته» تفسير : وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا حسين عن زائدة عن ليث عن مجاهد عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا كثرت ذنوب العبد، ولم يكن له ما يكفرها، ابتلاه الله تعالى بالحزن ليكفرها»تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا أبو أسامة عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن، هو البصري، قال في قوله تبارك وتعالى: { وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} قال: لما نزلت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : والذي نفس محمد بيده ما من خدش عود، ولا اختلاج عرق، ولا عثرة قدم، إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر»تفسير : . وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا عمر بن علي، حدثنا هشيم عن منصور عن الحسن عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: دخل عليه بعض أصحابه، وقد كان ابتلي في جسده، فقال له بعضهم: إنا لنبأس لك لما نرى فيك، قال: فلا تبتئس بما ترى؛ فإن ما ترى بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر، ثم تلا هذه الآية { وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ}. وحدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، حدثنا جرير عن أبي البلاد قال: قلت للعلاء بن بدر: {وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}، وقد ذهب بصري وأنا غلام؟ قال: فبذنوب والديك. وحدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا وكيع عن عبد العزيز بن أبي داود عن الضحاك قال: ما نعلم أحداً حفظ القرآن ثم نسيه، إلا بذنب، ثم قرأ الضحاك: { وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} ثم يقول الضحاك: وأي مصيبة أعظم من نسيان القرآن؟
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمِنْ ءايَٰتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } خلق {وَ مَا بَثَّ } فرق ونشر {فِيهِمَا مِن دآبَّةٍ } هي ما يدب على الأرض من الناس وغيرهم {وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ } للحشر {إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ } في الضمير تغليب العاقل على غيره.
الشوكاني
تفسير : ذكر سبحانه بعض آياته الدالة على كمال قدرته الموجبة لتوحيده، وصدق ما وعد به من البعث، فقال: {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } أي: خلقهما على هذه الكيفية العجيبة، والصنعة الغريبة {وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ } يجوز عطفه على خلق، ويجوز عطفه على السمٰوات، والدابة اسم لكل ما دبّ. قال الفراء: أراد ما بثّ في الأرض دون السماء كقوله: {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } تفسير : [الرحمٰن: 22]، وإنما يخرج من الملح دون العذب. وقال أبو عليّ الفارسي: تقديره: وما بثّ في أحدهما، فحذف المضاف. قال مجاهد: يدخل في هذا الملائكة، والناس، وقد قال تعالى: {أية : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } تفسير : [النمل: 8] {وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ } أي: حشرهم يوم القيامة {إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ }، الظرف متعلق بجمعهم لا بقدير قال أبو البقاء: لأن ذلك يؤدي، وهو على جمعهم قدير إذا يشاء، فتتعلق القدرة بالمشيئة، وهو محال، قال شهاب الدين: ولاأدري ما وجه كونه محالاً على مذهب أهل السنّة. فإن كان يقول بقول المعتزلة، وهو: أن القدرة تتعلق بما لم يشأ الله مشى كلامه، ولكنه مذهب رديء لا يجوز اعتقاده {وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } أي: ما أصابكم من المصائب كائنة ما كانت، فبسبب ما كسبت أيديكم من المعاصي. قرأ نافع، وابن عامر: (بما كسبت) بغير فاء، وقرأ الباقون بالفاء. «وما» في: {وَمَا أَصَـٰبَكُمْ } هي: الشرطية، ولهذا دخلت الفاء في جوابها على قراءة الجمهور، ولا يجوز حذفها عند سيبويه، والجمهور، وجوّز الأخفش الحذف كما في قوله: {أية : وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } تفسير : [الأنعام: 121]، وقول الشاعر:شعر : من يفعل الحسنات الله يشكرها والشرّ بالشرّ عند الله مثلان تفسير : وقيل: هي الموصولة، فيكون الحذف، والإثبات جائزين، والأوّل أولى. قال الزجاج: إثبات الفاء أجود؛ لأن الفاء مجازاة جواب الشرط، ومن حذف الفاء فعلى أن ما في معنى: الذي، والمعنى: الذي أصابكم وقع بما كسبت أيديكم. قال الحسن: المصيبة هنا الحدود على المعاصي، والأولى الحمل على العموم كما يفيده وقوع النكرة في سياق النفي، ودخول من الاستغراقية عليها {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } من المعاصي التي يفعلها العباد، فلا يعاقب عليها، فمعنى الآية: أنه يكفر عن العبد بما يصيبه من المصائب، ويعفو عن كثير من الذنوب. وقد ثبتت الأدلة الصحيحة أن جميع ما يصاب به الإنسان في الدنيا يؤجر عليه، أو يكفر عنه من ذنوبه. وقيل: هذه الآية مختصة بالكافرين على معنى: أن ما يصابون به بسبب ذنوبهم من غير أن يكون ذلك مكفراً عنهم لذنب، ولا محصلاً لثواب، ويترك عقوبتهم عن كثير من ذنوبهم، فلا يعاجلهم في الدنيا بل يمهلهم إلى الدار الآخرة. والأولى حمل الآية على العموم، والعفو يصدق على تأخير العقوبة كما يصدق على محو الذنب، ورفع الخطاب به. قال الواحدي: وهذه أرجى آية في كتاب الله؛ لأنه جعل ذنوب المؤمنين صنفين: صنف كفره عنهم بالمصائب، وصنف عفا عنه في الدنيا، وهو كريم لا يرجع في عفوه، فهذه سنّة الله مع المؤمنين. وأما الكافر، فإنه لا يعجل له عقوبة ذنبه حتى يوافى به يوم القيامة {وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِى ٱلأَرْضِ } أي: بفائتين عليه هرباً في الأرض، ولا في السماء لو كانوا فيها بل ما قضاه عليهم من المصائب واقع عليهم نازل بهم {وَمَا لَكُم مّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّ } يواليكم، فيمنع عنكم ما قضاه الله {وَلاَ نَصِيرٍ } ينصركم من عذاب الله في الدنيا، ولا في الآخرة. ثم ذكر سبحانه آية أخرى من آياته العظيمة الدالة على توحيده، وصدق ما وعد به، فقال: {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ ٱلْجَوَارِ } قرأ نافع، وأبو عمرو: (الجواري) بإثبات الياء في الوصل، وأما في الوقف، فإثباتها على الأصل، وحذفها للتخفيف، وهي: السفن واحدتها جارية أي: سائرة {فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلَـٰمِ } أي: الجبال جمع علم، وهو الجبل، ومنه قول الخنساء:شعر : وإن صخراً لتأتمّ الهداة به كأنه علم في رأسه نار تفسير : قال الخليل: كلّ شيء مرتفع عند العرب، فهو علم. وقال مجاهد: الأعلام القصور واحدها علم {إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرّيحَ } قرأ الجمهور بهمز: {يشأ}، وقرأ ورش عن نافع بلا همز. وقرأ الجمهور: {الريح} بالإفراد، وقرأ نافع: (الرياح) على الجمع، أي: يسكن الريح التي تجري بها السفن {فَيَظْلَلْنَ } أي: السفن {رَوَاكِدَ } أي: سواكن ثوابت {عَلَىٰ ظَهْرِهِ } البحر، يقال: ركد الماء ركوداً: سكن، وكذلك ركدت الريح، وركدت السفينة، وكل ثابت في مكان، فهو راكد. قرأ الجمهور: (فيظللن) بفتح اللام الأولى، وقرأ قتادة بكسرها، وهي لغة قليلة. {إِنَّ فِى ذَلِكَ } الذي ذكر من أمر السفن {لأَيَاتٍ } دلالات عظيمة {لّكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } أي: لكل من كان كثير الصبر على البلوى كثير الشكر على النعماء. قال قطرب: الصبار الشكور الذي إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر. قال عون بن عبد الله:شعر : فكم من منعم عليه غير شاكر وكم من مبتلي وهو غير صابر تفسير : {أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا } معطوف على يسكن، أي: يهلكهنّ بالغرق، والمراد: أهلكهن بما كسبوا من الذنوب، وقيل: بما أشركوا. والأوّل أولى، فإنه يهلك في البحر المشرك وغير المشرك، يقال: أوبقه، أي: أهلكه {وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ } من أهلها بالتجاوز عن ذنوبهم، فينجيهم من الغرق. قرأ الجمهور: {يعف} بالجزم عطفاً على جواب الشرط. قال القشيري: وفي هذه القراءة إشكال؛ لأن المعنى: إن يشأ يسكن الريح، فتبقي تلك السفن رواكد، أو يهلكها بذنوب أهلها، فلا يحسن عطف {يعف} على هذا، لأنه يصير المعنى: إن يشأ يعف، وليس المعنى ذلك، بل المعنى: الإخبار عن العفو من غير شرط المشيئة، فهو: إذن عطف على المجزوم من حيث اللفظ لا من حيث المعنى، وقد قرأ قوم: (ويعفو) بالرفع، وهي جيدة في المعنى. قال أبو حيان: وما قاله ليس بجيد إذ لم يفهم مدلول التركيب، والمعنى: إلاّ أنه تعالى أهلك ناساً، وأنجى ناساً على طريق العفو عنهم، وقرأ الأعمش: (ويعفو) بالرفع، وقرأ بعض أهل المدينة بالنصب بإضمار أن بعد الواو كما في قول النابغة:شعر : فإن يهلك أبو قابوس يهلك ربيع الناس والشهر الحرام ونأخذ بعده بذناب عيش أجبّ الظهر ليس له سنام تفسير : بنصب ونأخذ {وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِى ءايَـٰتِنَا مَا لَهُمْ مّن مَّحِيصٍ } قرأ الجمهور بنصب: {يعلم} قال الزجاج: على الصرف، قال: ومعنى الصرف: صرف العطف على اللفظ إلى العطف على المعنى، قال: وذلك أنه لما لم يحسن عطف {ويعلم} مجزوماً على ما قبله إذ يكون المعنى: إن يشأ يعلم عدل إلى العطف على مصدر الفعل الذي قبله، ولا يتأتى ذلك إلاّ بإضمار أن، لتكون مع الفعل في تأويل اسم، ومن هذا بيتا النابغة المذكوران قريباً، وكما قال الزجاج. قال المبرّد، وأبو عليّ الفارسي: واعترض على هذا الوجه بما لا طائل تحته. وقيل: النصب على العطف على تعليل محذوف، والتقدير: لينتقم منهم، ويعلم. واعترضه أبو حيان بأنه ترتب على الشرط إهلاك قوم، ونجاة قوم، فلا يحسن تقدير لينتقم منهم. وقرأ نافع، وابن عامر برفع: (يعلم) على الاستئناف، وهي قراءة ظاهرة المعنى واضحة اللفظ. وقرىء بالجزم عطفاً على المجزوم قبله على معنى: وإن يشأ يجمع بين الإهلاك، والنجاة، والتحذير، ومعنى: {مَا لَهُمْ مّن مَّحِيصٍ }: ما لهم من فرار، ولا مهرب، قاله قطرب. وقال السدي: ما لهم من ملجأ، وهو مأخوذ من قولهم: حاص به البعير حيصة: إذا رمى به، ومنه قولهم: فلان يحيص عن الحق، أي: يميل عنه. {فَمَا أُوتِيتُمْ مّن شَىْء فَمَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } لما ذكر سبحانه دلائل التوحيد، ذكر التنفير عن الدنيا، أي: ما أعطيتم من الغنى، والسعة في الرزق، فإنما هو متاع قليل في أيام قليلة ينقضي، ويذهب. ثم رغبهم في ثواب الآخرة، وما عند الله من النعيم المقيم، فقال: {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ } أي: ما عند الله من ثواب الطاعات، والجزاء عليها بالجنات خير من متاع الدنيا، وأبقى؛ لأنه دائم لا ينقطع، ومتاع الدنيا ينقطع بسرعة. ثم بيّن سبحانه لمن هذا، فقال: {لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } أي: صدقوا، وعملوا على ما يوجبه الإيمان. {وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } أي: يفوّضون إليه أمورهم، ويعتمدون عليه في كل شؤونهم لا على غيره {وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰئِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوٰحِشَ } الموصول في محل جرّ معطوف على الذين آمنوا، أو بدلاً منه، أو في محلّ نصب بإضمار: أعني والأوّل أولى، والمعنى: أن ما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وللذين يجتنبون. والمراد بكبائر الإثم: الكبائر من الذنوب، وقد قدّمنا تحقيقها في سورة النساء. قرأ الجمهور: {كبائر} بالجمع. وقرأ حمزة، والكسائي: (كبير) بالإفراد، وهو يفيد مفاد الكبائر، لأن الإضافة للجنس كاللام. والفواحش هي من الكبائر، ولكنها مع وصف كونها فاحشة كأنها فوقها، وذلك كالقتل، والزنا، ونحو ذلك. وقال مقاتل: الفواحش موجبات الحدود. وقال السدّي: هي: الزنا {وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ } أي: يتجاوزون عن الذنب الذي أغضبهم، ويكظمون الغيظ، ويحلمون على من ظلمهم، وخصّ الغضب بالغفران؛ لأن استيلاءه على طبع الإنسان، وغلبته عليه شديدة، فلا يغفر عند سورة الغضب إلاّ من شرح الله صدره، وخصه بمزية الحلم، ولهذا أثنى الله سبحانه عليهم بقوله في آل عمران {أية : وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ } تفسير : [آل عمران: 134] قال ابن زيد: جعل الله المؤمنين صنفين: صنفاً يعفون عن ظالمهم، فبدأ بذكرهم، وصنفا ينتصرون من ظالمهم، وهم الذين سيأتي ذكرهم. {وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبّهِمْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلوٰةَ } أي: أجابوه إلى ما دعاهم إليه، وأقاموا ما أوجبه عليهم من فريضة الصلاة. قال ابن زيد: هم: الأنصار بالمدينة استجابوا إلى الإيمان بالرسول حين أنفذ إليهم اثني عشر نقيباً منهم قبل الهجرة، وأقاموا الصلاة لمواقيتها بشروطها، وهيئاتها {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ } أي: يتشاورون فيما بينهم، ولا يعجلون، ولا ينفردون بالرأي. والشورى مصدر شاورته مثل البشرى، والذكرى. قال الضحاك: هو تشاورهم حين سمعوا بظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم، وورود النقباء إليهم حين اجتمع رأيهم في دار أبي أيوب على الإيمان به، والنصرة له. وقيل: المراد تشاورهم في كلّ أمر يعرض لهم، فلا يستأثر بعضهم على بعض برأي، وما أحسن ما قاله بشار بن برد:شعر : إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن برأي نصيح أو نصيحة حازم ولا تجعل الشورى عليك غضاضة فإن الخوافي قوّة للقوادم تفسير : وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في أموره، وأمره الله سبحانه بذلك، فقال: {أية : وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلأَمْرِ } تفسير : [آل عمران: 159]، وقد قدّمنا في آل عمران كلاماً في الشورى {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ } أي: ينفقونه في سبيل الخير، ويتصدّقون به على المحاويج. ثم ذكر سبحانه الطائفة التي تنتصر ممن ظلمها، فقال: {وَٱلَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْىُ هُمْ يَنتَصِرُونَ } أي: أصابهم بغي من بغى عليهم بغير الحق، ذكر سبحانه هؤلاء المنتصرين في معرض المدح كما ذكر المغفرة عند الغضب في معرض المدح؛ لأن التذلل لمن بغى ليس من صفات من جعل الله له العزة حيث قال: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [المنافقون: 8]، فالانتصار عند البغي فضيلة، كما أن العفو عند الغضب فضيلة. قال النخعي: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم، فيجترىء عليهم السفهاء، ولكن هذا الانتصار مشروط بالاقتصار على ما جعله الله له وعدم مجاوزته كما بينه سبحانه عقب هذا بقوله: {وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا }، فبيّن سبحانه أن العدل في الانتصار هو: الاقتصار على المساواة، وظاهر هذا العموم. وقال مقاتل، والشافعي، وأبو حنيفة، وسفيان: إن هذا خاص بالمجروح ينتقم من الجارح بالقصاص دون غيره. وقال مجاهد، والسدّي: هو جواب القبيح إذا قال: أخزاك الله يقول: أخزاك الله من غير أن يعتدي، وتسمية الجزاء سيئة إما لكونها تسوء من وقعت عليه، أو على طريق المشاكلة لتشابههما في الصورة. ثم لما بيّن سبحانه أن جزاء السيئة بمثلها حق جائز بين فضيلة العفو، فقال: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ } أي: من عفا عمن ظلمه، وأصلح بالعفو بينه، وبين ظالمه أي: أن الله سبحانه يأجره على ذلك، وأبهم الأجر تعظيماً لشأنه، وتنبيهاً على جلالته. قال مقاتل: فكان العفو من الأعمال الصالحة، وقد بينا هذا في سورة آل عمران. ثم ذكر سبحانه خروج الظلمة عن محبته التي هي سبب الفوز، والنجاة، فقال: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي: المبتدئين بالظلم قال مقاتل: يعني: من يبدأ بالظلم، وبه قال سعيد بن جبير. وقيل: لا يحبّ من يتعدّى في الاقتصاص، ويجاوز الحدّ فيه؛ لأن المجاوزة ظلم. {وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ } مصدر مضاف إلى المفعول، أي: بعد أن ظلمه الظالم له، واللام هي: لام الابتداء. وقال ابن عطية: هي: لام القسم، والأوّل أولى. ومن هي الشرطية، وجوابه {فَأُوْلَـئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مّن سَبِيلٍ } بمؤاخذة، وعقوبة، ويجوز أن تكون من هي الموصولة، ودخلت الفاء في جوابها تشبيهاً للموصولة بالشرطية، والأوّل أولى. ولما نفى سبحانه السبيل على من انتصر بعد ظلمه بيّن من عليه السبيل، فقال {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ } أي: يتعدّون عليهم ابتداء كذا قال الأكثر. وقال ابن جريج: أي: يظلمونهم بالشرك المخالف لدينهم {وَيَبْغُونَ فِى ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ } أي: يعملون في النفوس، والأموال بغير الحقّ كذا قال الأكثر. وقال مقاتل: بغيهم عملهم بالمعاصي. وقيل: يتكبرون، ويتجبرون. وقال أبو مالك: هو ما يرجوه أهل مكة أن يكون بمكة غير الإسلام ديناً، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى الذين يظلمون الناس، وهو مبتدأ، وخبره: {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي: لهم بهذا السبب عذاب شديد الألم. ثم رغب سبحانه في الصبر، والعفو، فقال: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ } أي: صبر على الأذى، وغفر لمن ظلمه، ولم ينتصر، والكلام في هذه اللام، ومن كالكلام في، ولمن انتصر {إِنَّ ذٰلِكَ } الصبر، والمغفرة {لَمِنْ عَزْمِ ٱلأَمُورِ } أي: أن ذلك منه، فحذف لظهوره، كما في قولهم: السمن منوان بدرهم. قال مقاتل: من الأمور التي أمر الله بها. وقال الزجاج: الصابر يؤتى بصبره ثواباً، فالرغبة في الثواب أتم عزماً. قال ابن زيد: إن هذا كله منسوخ بالجهاد، وأنه خاصّ بالمشركين. وقال قتادة: إنه عام، وهو ظاهر النظم القرآني {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِىّ مّن بَعْدِهِ } أي: فماله من أحد يلي هدايته، وينصره، وظاهر الآية العموم. وقيل: هي خاصة بمن أعرض عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يعمل بما دعاه إليه من الإيمان بالله، والعمل بما شرعه، والأوّل أولى. وقد أخرج أحمد، وابن راهويه، وابن منيع، وعبد بن حميد، والحكيم الترمذي، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم عن عليّ بن أبي طالب قال: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله حدّثنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ }، وسأفسرها لك يا عليّ: «حديث : ما أصابكم من مرض، أو عقوبة، أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم، والله أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة، وما عفا الله عنه في الدنيا، فالله أكرم من أن يعود بعد عفوه»تفسير : وأخرج عبد بن حميد، والترمذي عن أبي موسى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يصيب عبداً نكبة، فما فوقها أو دونها إلاّ بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر»تفسير : وقرأ: {وَمَا أَصَـٰبَكُمْ } الآية. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في الكفارات، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن عمران بن حصين: أنه دخل عليه بعض أصحابه، وكان قد ابتلي في جسده، فقال: إنا لنبتئس لك لما نرى فيك، قال: فلا تبتئس لما ترى، فإن ما ترى بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر، ثم تلا هذه الآية: {وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ } إلى آخرها. وأخرج أحمد عن معاوية بن أبي سفيان: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ما من شيء يصيب المؤمن في جسده يؤذيه إلاّ كفر الله عنه به من سيئاته»تفسير : وأخرج ابن مردويه عن البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما عثرة قدم، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلاّ بما قدمت أيديكم، وما يعفو الله أكثر»تفسير : وأخرج ابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس في قوله: {فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ } قال: يتحرّكن، ولا يجرين في البحر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله: رواكد قال: وقوفاً {أَوْ يُوبِقْهُنَّ } قال: يهلكهن. وأخرج النسائي، وابن ماجه، وابن مردويه عن عائشة، قالت: دخلت عليّ زينب، وعندي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبلت عليّ، فسبتني، فردعها النبي صلى الله عليه وسلم، فلم تنته، فقال لي: «حديث : سبيها، فسببتها حتى جفّ ريقها في فمها، ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل سروراً»تفسير : وأخرج أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : المستبان ما قالا من شيء، فعلى البادىء حتى يعتدي المظلوم»تفسير : ، ثم قرأ: {وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا }. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا كان يوم القيامة أمر الله منادياً ينادي: ألا ليقم من كان له على الله أجر، فلا يقوم إلاّ من عفا في الدنيا»تفسير : وذلك قوله: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ }. وأخرج البيهقي عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ينادي منادٍ: من كان له أجر على الله، فليدخل الجنة مرتين، فيقوم من عفا عن أخيه» تفسير : قال الله: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَمَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} فيه قولان: أحدهما: أنه الحدود على المعاصي، قاله الحسن. الثاني: أنها البلوى في النفوس والأموال عقوبة على المعاصي والذنوب. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَا يُصِيبُ ابنَ آدَمَ خَدْشُ عُوْدٍ وَلاَ عَثْرَةُ قَدَمٍ وَلاَ اخْتِلاَجُ عِرْقٍ إِلاَّ بِذَنبٍ وَمَا يَعْفُو عَنهُ أَكْثَرَ" تفسير : وقال ثابت البناني. كان يقال ساعات الأذى يذهبن ساعات الخطايا. ثم فيها قولان: أحدهما: أنها خاصة في البالغين أن تكون عقوبة لهم؛ وفي الأطفال أن تكون مثوبة لهم. الثاني: عقوبة عامة للبالغين في أنفسهم وللأطفال في غيرهم من والدٍ أو والدة، قاله العلاء بن زيد. {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} فيه وجهان: أحدهما: عن كثير من المعاصي أن لا يكون عليها حدود، وهو مقتضى قول الحسن. الثاني: عن كثير من العصاة وأن لا يعجل عليهم بالعقوبة. قال علي رضي الله عنه: ما عاقب الله به في الدنيا فالله أحلم من أن يثني عليه العقوبة يوم القيامة، وما عفا الله عنه في الدنيا فالله أكرم من أن يعود في عفوه يوم القيامة.
الخازن
تفسير : {ومن آياته خلق السموات والأرض وما بث} أي أوجد {فيهما} أي في السموات والأرض {من دابة}. فإن قلت كيف يجوز إطلاق لفظ الدابة على الملائكة. قلت الدبيب في اللغة المشي الخفيف على الأرض، فيحتمل أن يكون للملائكة مشي مع الطيران فيوصفون بالدبيب كما يوصف به الإنسان، وقيل: يحتمل أن الله تعالى خلق في السموات أنواعاً من الحيوانات يدبون دبيب الإنسان {وهو على جمعهم إذا يشاء قدير} يعني يوم القيامة. قوله عز وجل: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} المراد بهذه المصائب الأحوال المكروهة نحو الأوجاع والأسقام والقحط والغلاء والغرق والصواعق وغير ذلك من المصائب فبما كسبت أيديكم من الذنوب والمعاصي {ويعفوا عن كثير} قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : والذي نفسي بيده ما من خدش عود ولا عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر" تفسير : وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن أبي سخيلة قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه "ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله حدثنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير} وسأفسرها لكم يا علي {ما أصابكم من مصيبة} أي من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا {فبما كسبت أيديكم} والله أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة وما عفا الله عنه في الدنيا فالله أحلم من أن يعود بعد عفوه" وقال عكرمة: ما من نكبة أصابت عبداً فما فوقها إلا بذنب لم يكن الله ليغفر له إلا بها أو درجة لم يكن الله ليرفعه لها إلا بها (ق). عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يصيب المؤمن شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة" تفسير : {وما أنتم بمعجزين} أي بفائتين {في الأرض} هرباً يعني لا تعجزونني حيثما كنتم {وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير} قوله عز وجل: {ومن آياته الجوار} يعني السفن وهي السيارة {في البحر كالأعلام} أي كالقصور وكل شيء مرتفع عند العرب فهو علم {إن يشأ يسكن الريح} أي التي تجري بها السفن {فيظللن} يعني السفن الجواري {رواكد} أي ثوابت {على ظهره} أي ظهر البحر لا تجري {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} وهذه صفة المؤمن لأنه يصبر في الشدة ويشكر في الرخاء.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ...} الآية قد تقدم الكلام على دلالة خلق السموات والأرض والحيوانات على وجود الإله الحكيم. فإن قيل: كيف يجوز إطلاق لفظ الدابَّة على الملائكة؟!. فالجواب: فيه وجوه: الأول: أنه قد يضاف الفعل إلى جماعة، وإن كان فاعله واحداً منهم كما يقال: "بَنُو فُلاَنٍ فَعَلُوا كََذَا"، وإنما فعله واحدٌ منهم ومنه قوله: {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ}تفسير : [الرحمن:22]. الثاني: أن الدابة عبارة عما فيه الروح والحركة، والملائكة لهم الروح والحركة. الثالث: لا يبعد أن يقال: إنه تعالى خلق في السموات أنواعاً من الحيوانات يمشون مشي الأناس على الأرض. وروى العبَّاس ـ (رضي الله عنه) ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "حديث : فوق السماء السابعة بحر (بين) أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، ثم فوق ذلك ثمانية أوعالٍ بين رُكَبِهِنَّّ وأَظلاَفِهِنَّ كما بين السَّمَاءِ والأرْضِ، ثُمَّ فَوْقَ ذَلِك العَرْش..."تفسير : الحديث. قوله: "وَمَا بَثَّ" يجوز أن تكون مجرورة المحل عطفاً على "السموات" أو مرفوعته عطفاً على "خلق"، على حذف مضاف أي وخلق ما بثَّ. قاله أبو حيان. وفيه نظر؛ لأنه يئول إلى جره بالإضافة "لِخَلق" المقدر فلا يعدل عنه. قوله: "إذَا يَشَاءُ" "إذَا" منصوبة "بجَمْعِهِمْ" لا "بِقَدِيرٍ"، قال أبو البقاء: لأن ذلك يؤدي إلى أن يصير المعنى: وهو على جمعهم قدير إذا يشاء، فتتعلق القدرة بالمشيئة وهو محال. قال شهاب الدين: وَلاَ أدري ما وجه كونه محالاً على مذهب أهل السنة، فإن كان يقول المعتزلة، وهو القدرة تتعلق بما لم يشأ الله مشى كلامه، ولكنه مذهب رديء لا يجوز اعتقاده. ونقول: يجوز تعلق الظرف به أيضاً. قال الزمخشري: "إذا" تدخل على المضارع كما تدخل على الماضي, قال تعالى: {أية : وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ}تفسير : [الليل:1] ومنه: "إذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ"، والمقصود أنه تعالى خلقها لا لعجز ولا لمصلحة ولهذا قال:{وهو على جمعهم إذا يشاء قدير}، يعني الجمع والحشر والمحاسبة. فصل احتج الجبَّائيُّ بقوله: إذا يشاء قدير على أن مشيئة الله تعالى محدثةٌ، قال: لأن كلمة "إذا" ظرف لما (لم) يستقبل من الزمان وكلمة "يَشَاءُ" صيغة المستقبل فلو كانت مشيئته تعالى قديمة لم يكن لتخصيصها بذلك الوقت المستقبل فائدة، ولما دل قوله: "إذَا يَشَاءُ" على التخصيص علمنا أن مشيئته تعالى محدثة. وأجيب: بأن هاتين الكلمتين كما دخلتا على المشيئة فقد دخلتا أيضاً على لفظ "القَدِير" فلزم على هذا أن تكون قدرته صفة محدثة، ولما كان هذا باطلاً فكذا القول في المشيئة. قوله: {وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} قرأ نافع وابن عامر بما كسبت بغير فاء، والباقون بالفاء "فما" في القراءة الأولى الظاهر أنها موصولة بمعنى الذي، والخبر الجار من قوله "بما كسبت". وقال قوم منهم أبو البقاء: إنها شرطية حذفت منها الفاء، قال أبو البقاء: كقوله تعالى: {أية : وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}تفسير : [الأنعام:121] وقول الآخر: شعر : 4382ـ مَـنْ يَفْعَـل الحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا ........................... تفسير : وهذا ليس مذهب الجمهور، إنما قال به الأخفش وبعض البغداديِّين، وأما قوله: "إنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ" فليس جواباً للشرط، إنما هو جواب لقسم مقدر حذفت لامه الموطِّئة قبل أداة الشرط. وأما القراءة الثانية، فالظاهر أنها فيها شرطية. وقال أبو البقاء: إنَّه ضَعيفٌ ولا يلتفت إلى ذلك. ويجوز تكون موصولة، والفاء داخلة في الخبر تشبيهاً للموصول بالشرط بشروط مذكورة في هذا الكتاب. وقد وافق نافع وابن عامر مصاحفهما، فإن الفاء ساطقة من مصاحف المدينة والشام، وكذلك الباقون، فإنها ثابتة في مصاحف مكَّة والعراق. فصل اختلفوا فيما يحصل في الدنيا من الآلام والأسقام، والقَحط، والغَرَق، والمصائب هل هي عقوبات على ذنوب سلفت أم لا؟ فمنهم من أنكر ذلك لوجوه: الأول: قوله تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ}تفسير : [غافر:17] بيّن تعالى أن ذلك إنما يحصل يوم القيامة وقال تعالى: {أية : مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ}تفسير : [الفاتحة:3] أي يوم الجزاء، وأجمعوا على أن المراد منه يوم القيامة. الثاني: مصائب الدنيا يشترك فيها الزنديق، والصِّدِّيق، فيمتنع أن يكون عقوبة على الذنوب، بل حصول المصائب (للصالحين) والمتقين أكثر منه للمذنبين، ولهذا قال ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ: "حديث : خُصَّ البَلاَءُ بالأَنْبِيَاءِ ثُمَّ الأَمْثَل فالأَمْثَلِ ". تفسير : الثالث: أن الدنيا دار تكليف، فلو حصل الجزاء فيها لكانت دار تكليف ودار جزاء معاً وهو محالٌ. وقال آخرون: هذه المصائب قد تكون أَجزيةً على ذنوب متقدمة لهذه الآية، ولما روى الحسن قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ خَدْشِ عُودٍ ولا عَثْرةِ قَدَمٍ وَلاَ اخْتِلاَجِ عِرْقٍ إلاَّ بِذَنْبٍ وَمَا يَعْفُو اللهُ عَنْهُ أَكْثَرُ ". تفسير : قال علي بن أبي طالب: "حديث : أَلا أُخْبِرُكُمْ بأَفْضَلِ آيَةَ في كِتَابِ اللهِ حَدَّثَنا بِهَا رَسُولُ اللهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فبمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوعَنْ كَثِيرٍ} (قال): وَسَأفسِّرُها لَكَ يَا عَلِيُّ مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مَرَضٍ أَوْ عُقُوبَةٍ أَوْ بَلاَءٍ في الدُّنْيَا فبمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ واللهُ عَزَّ وجَلَّ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُثْنِيَ عَلَيْكُمْ العُقُوبَةَ في الآخِرَةِ، وَمَا عَفَا اللهُ عَنْهُ في الدُّنْيَا، فَالله أَحْلَمُ مِنْ أنْ يَعُودَ بعد عَفْوِهِ"تفسير : . وتمسكوا أيضاً بقوله تعالى بعد هذه الآية: {أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا} وذلك تصريح بأن ذلك الاهلاك بسبب كسبهم. وأجاب الأولون بأن حصول هذه المصائب يكون من باب الأمتحان في التكليف، لا من باب العقوبات، كما في حق الإنبياء والأولياء. ويحمل قوله: {بما كسبت أيديكم} على أن الأصلح عند إتيانكم بذلك الكسب إنزال هذه المصائب عليكم. فصل هذه الآية تقتضي إضافة الكسب إلى اليد، والكسب لا يكون باليد بل بالقدرة القائمة باليد فوجب أن يكون المراد من لفظ اليد هاهنا القدرة، وإذا كان هذا المجاز مشهوراً مستعملاً كان لفظ اليد الوارد في حق الله تعالى يجب حمله على القدرة تنزيهاً لله تعالى عن الأعضاء. قوله: {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} أي قد يترك الكثير بفضله ورحمته قال الواحدي ـ بعد أن روى حديث عليٍّ المتقدم ـ: وهذه أرجى آية في كتاب الله؛ لأن الله تعالى جعل ذنوب المؤمنين صنفين، صنف كفَّر عنهم بالمصائب، وصنفٌ عَفَا عنه في الدنيا، وهو كَرَمٌ لا يرجع في عفوه فهذه سنة الله مع المؤمنين. وأما الكافر، فإنه لا يعجل له عقوبة ذنبه حتى يوافي (رَبَّهُ) يوم القيامة. ثم قال: {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ} أي بفائتين "في الأرض" هرباً، أي لا تُعْجِزونَنِي حيث ما كنتم ولا تَسْبِقُونِي {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} والمراد به من يعبد الأصنام، بين أنه لا فائدة فيها ألبتة بل النّصير هو الله تعالى، فلا جرم هو الذي يحْسُنُ عِبَادَتُهُ.
القشيري
تفسير : جعل اللَّهُ في كلِّ شيءٍ من المخلوقات دلالةً على توحُّدِه في جلاله، وتفرُّدِه بنعت كبريائه وجماله. {وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ}: والإشارة منها أَنَّ الحقَّ - سبحانه - يغار على أوليائه أن يَسْكَنَ بعضُهم بقلبه إلى بعضٍ؛ فأبداً يُبَدِّدُ شمْلَهم، ولا تكاد الجماعةُ من أهل القلوب تتفق في موضعٍ واحد إلا نادراً، وذلك لمدةٍ يسيرة.. كما قالوا: شعر : رمى الدهرُ بالفتيان حتى كأنَّهم بأكنافِ أطرافِ السماءِ نجومُ تفسير : وفي بعض الأحايين قد يتفضَّل الحقُّ عليهم فتدنو بهم الديار، ويحصل بينهم - في الظاهر - اجتماعٌ والتقاءٌ، فيكون في ذلك الوقت قد نظر الحقُّ - سبحانه - بفضله إلى أنَّ في اجتماعهم بركاتٍ لحياة العالَم. وهذا - وإن كان نادراً - فإنه على جَمْعِهم - إذا يشاء - قدير.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن آياته} اى دلائل قدرته تعالى {خلق السموات والارض} على ما هما عليه من تعاجيب الصنائع فانها بذاتها او صفاتها تدل على شؤونه العظيمة قال فى الحواشى السعدية قوله فانها اشارة الى ما تقرر فى الكلام من المسالك الاربعة فى الاستدلال على وجود الصانع تعالى حدوث الجواهر وامكانها وحدوث الاعراض القائمة بها وامكانها ايضا وفيه اشارة الى ان خلق السموات من اضافة الصفة الى الموصوف اى السموات المخلوقة انتهى {وما بث فيهما} عطف على السموات او الخلق ومعنى بث فرق يعنى برا كنده كرده. وقال الراغب اصل البث اثارة الشىء وتفريقه كبث الريح التراب وبث النفس ما نطوت عليه من الغم والسرور وقوله وبث اشارة الى ايجاده تعالى ما لم يكن موجودا واظهاره اياه {من دابة} حى على اطلاق اسم المسبب على السبب اى الدبيب مجازا اريد به سببه وهو الحياة فتكون الدابة بمعنى الحى فتتناول الملائكة ايضا لأن الملائكة ذووا حركت طيارون فى السماء وان كانوا لا يمشون على الارض ويجوز أن يكون المعنى مما تدب على الارض فان ما يختص بأحد الشيئين المجاورين يصح نسبته اليهما يعنى ما يكون فى احد الشيئين يصدق انه فيهما فى الجملة كما فى قوله تعالى {أية : يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} تفسير : وانما يخرج من الملح وقد جوز ان يكون للملائكة مشى مع الطيران فيوصفون بالدبيب وان يخلق الله فى السماء حيوانات يمشون فيها مشى الاناسى على الارض كما ينبئ عنه قوله تعالى {أية : ويخلق ما لا تعلمون} تفسير : وقد روى ان النبى عليه السلام قال "حديث : فوق السابعة بحر بين أسفله واعلاه كما بين السماء والارض ثم فوق ذلك ثمانية اوعال بين ركبهن واظلافهن كما بين السماء والارض ثم فوقه العرش العظيم " تفسير : يقول الفقير ان للملائكة احوالا شتى وصورا مختلفة لا يقتضى موطنهم الحصر فى شىء من المشى والطيران فطيرانهم اشارة الى قوتهم فى قطع المسافة وان كان ذلك لا ينافى ان يكون لهم اجنحة ظاهرة فلهم اجنحة يطيرون بها ولهم ارجل يمشون بها والله اعلم {وهو} تعالى {على جمعهم} اى حشر الاجسام بعد البعث للمحاسبة {اذا يشاء} فى اى وقت يشاء {قدير} متمكن منه. يعنى تواناست ومتمكن ازان وغير عاجزدران. قوله هو مبتدأ وقدير خبره وعلى جمعهم متعلق بقدير واذا منصوب بجمعهم لا بقدير لفساد المعنى فان المقيد بالمشيئة جمعه تعالى لا قدرته واذا عند كونها بمعنى الوقت كما تدخل على الماضى تدخل على المضارع قال تعالى {أية : والليل اذا يغشى} تفسير : وفى الآية اشارة الى سموات الارواح وارض الاجساد وما بث فيهما من دابة النفوس والقلوب فلا مناسبة بين كل واحد منهم فان بين الارواح والاجساد بونا بعيدا فى الفناء لان الجسد من اسفل سافلين والروح من اعلى عليين والنفس تميل الى الشهوات الحيوانية الدنيوية والقلب يميل الى الشواهد الروحانية الاخروية الربانية وهو على جمعهم على طلب الدنيا وزينتها وعلى طلب الآخرة ودرجاتها وعلى طلب الحضرة وقرباتها اذا يشاء قدير والحشر على انواع عام وهو خروج الاجساد من القبور الى المحشر يوم النشور وخاص وهو خروج الارواح الاخروية من قبور الاجسام الدنيوية بالسير والسلوك فى حال حياتهم الى عالم الروحانية يحرق الحجب الظلمانية واخص وهو خروج الاسرار من قبور الروحانية الى عالم الهوية بقطع الحجب النورانية فعند ذلك يرجع الانسان الى اصله رجوعا اختياريا مرضيا ليس فيه شائبة غضب اصلا ونعم الرجوع والقدوم وهو قدوم الحبيب على الحبيب والخلوة معه شعر : خلوت كزيده را بتماشا جه حاجتست جون روى دوست هست بصحراجه حاجتست تفسير : ولا يمكن الخروج من النفس الا بالله وكان السلف يجهدون فى اصلاح نفوسهم وكسر مقتضاها وقمع هواها (حكى) ان عمر بن الخطاب رضى الله عنه مر وعلى ظهره قربة ماء فقيل له فى ذلك فقال ليس لى حاجة الى الماء وانما اردت به كسر نفسى لما حصل لها من اطاعة ملوك الاطراف ومجىء الوفود فكما انه لا بعث الى المحشر الا بعد فناء ظاهر الوجود فكذا لا حشر الى الله الا بعد فناء باطنه نسأل الله سبحانه ان يوصلنا الى جنابه
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ومن آياته} الدالة على باهر قدرته ووحدانيته {خلقُ السماواتِ والأرض} على ما هما عليه من تعاجيب الصنعة، فإنها بذاتها وصفاتها تدل على شؤونه العظيمة، {وما بثَّ} أي: فرّق {فيهما من دابةٍ}؛ من حي على الإطلاق، فأطلق الدابة على مطلق الحيوان، ليدخل الملائكة. أو: ما يدب على الأرض، فإن ما يختص أحد الشيئين المجاورين يصح نسبته إليهما، كقوله تعالى: {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} تفسير : [الرحمن: 22] وإنما يخرج المرجان من الملح، ولا يبعدُ أن يخلق الله في السموات حيواناً يمشون مشي الأناسيّ على الأرض، أو: يكون للملائكة مشي مع الطيران، فوصفوا بالدَّبيب لذلك. {وهو على جَمْعِهم} أي: حشرهم بعد البعث للحساب {إِذا يشاء} أي: في الوقت الذي يشاء {قديرٌ} لا يعجزه شيء. الإشارة: مِن تعرفاته: إظهار السموات والأرض، وهذه رسوم المعاني، وما بثّ فيهما من دابة، وهذه أشكال توضح أسرار المعاني، فإذا قبضت المعاني محيت الرسول والأشكال. وقوله تعالى: {وهو على جمعهم إذا يشاء قدير}، قال القشيري: الإشارة في هذا: أنَّ الحقَّ تعالى يغار على أوليائه أن يَسْكنَ بعضُهم بقلبه إلى بعض، فأبداً يُبَدّدُ شملهم، ولا يكاد تتفق الجماعة من أهل القلوب إلا نادراً، وذلك أيضاً مدة يسيرة، كما أنشدوا: شعر : رمى الدهرُ بالفتيان حتى كأنَّهم بأكنافِ أطرافِ السماء نجومُ تفسير : وقد يتفضَّل تعالى باجتماعهم في الظاهر، وذلك وقت نظر الحقّ بفضله إلى العالَم، وفي بركات اجتماعهم حياةُ العالَم، وإذ كان قادراً فهو على جمعهم إذا يشاء قدير. هـ. قلت: مما جرت به عادة الله تعالى في أوليائه: أنه لا يجتمع في موضع واحد منهم اثنان فأكثر إلا قام أحدهما بالآخر، ويفقد نظامهما، فلا تكاد تحد أهل النور القوي إلا متباعدي الأوطان، لئلا يطفي نور إحداهما نورَ الآخر، وقد يجتمعون نادراً في وقت مخصوص، وذلك وقت النفحات. كما تقدّم للقشيري. ثم ذكر سبب نزول المصائب بعباده، فقال: {وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ}.
الجنابذي
تفسير : {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ} فانّ فى خلق السّماوات بهيئةٍ خاصّةٍ وحركةٍ مخصوصةٍ وكوكبٍ ومدارٍ خاصٍّ، وفى خلق الارض بسيطة قابلة لانحاء التّصرّف فيها من بناء الابنية وزرع الزّراعات وغرس الاشجار واجراء المياه على وجهها، وقبولها تأثيرات السّماوات والسّماويّات، وفى خلق المواليد على وجهها كلٌّ بنحو خاصٍّ لائقٍ بنوعه وببقائه آيات عديدة دالّة على علمه بالجزئىّ والكلّىّ واحاطته وقدرته ورأفته بخلقه وغير ذلك {وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ} بمنزلة النّتيجة فانّ الّذى نشر هذه المواليد بعد ما لم تكن اذا شاء ان يجمعهم جمعهم وهو اسهل عليه من نشرهم.
اطفيش
تفسير : {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} فانهن لعظمهن واتقانهن أعظم دليل على وجود صانع قادر تدل بذاتهن وصفاتهن* {وَمَا بَثَّ} أوجد وخلق وفرق ونشر والعطف على السموات والأرض أي وخلق ما بث بسكون اللام أو على خلق أي (ومن آياته ما بث)* {فِيهِمَا} أي فى النوعين أحدهما السموات أو باعتبار انهن كن سماء ففتقت والآخر الأرض المراد بها الجنس فهي الأرضون* {مِن دَآبَّةٍ} أي ملك وناس قاله مجاهد أي وغيرهما من جن وحيوان وغيرهما حتى الطير فانه يدب تارة وأطلق الدابة على الملائكة تغليباً أو شبه طيرانهم بالدبيب أو لهم مشي مع الطيران أو أراد بالدابة الحي والدبيب مسبب والحياة سبب أو خلق فى السموات أنواعاً من الحيوان يدبون قيل: أو أراد الحيوانات التى توجد في السحاب وقد تقع أحياناً كالضفادع ونحوها والسحاب داخل فى اسم السماء أو أراد وما بث فى أحدهما وهي الأرض أو نسب الدابة الى المجموع لانها فى بعضه نحو (في بني تميم شاعر مجيد أو شجاع بطل) وانما هو فى فخذ منهم أو فصيلة ونحو {أية : يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} تفسير : ويحتمل الاضافة أي من أحدهما. {وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ} (اذا) خارجة عن الشرط متعلقة بجمعهم أو شرطية جوابها المتعلقة به هي محذوف أي فهو يجمعهم لا فهو على جمعهم قدير لانه قادر على الجمع فى كل وقت لكن لا يجمعهم الا يوم القيامة وهو المراد ومجيء شرط (اذا) مضارعاً وارد لكنه بالنسبة الى كونه ماضياً قليل وفي الآية دليل على جواز حذف الجواب مع كون الشرط مضارعاً مجرداً من (لم) الا أن قيل يجوز في غير الجازم فقط أو ان (اذا) هذه خارجة عن الشرط.
اطفيش
تفسير : {ومِنْ آياته خَلْق السَّماوات والأرض} العظام جسما وثقلا بلا تعمد على علاقة من فوق، أو شىء من تحت، وان كان فلابد لتلك العلاقة مما تتعلق به، وللعمدة تحت مما تعتقد عليه، فيتسلسل، والتسلسل لا يجوز {ومَا بثَّ فيهما} عطف على السموات، أى وخلق ما بث، أو على خلق أى ومن آياته ما بث، وما اسم لا مصدرية كما يدل له قوله تعالى: {مِن دابَّةٍ} لأن من لبيان المبثوث الذى بثه فيهما لا للمصدر الذى هو البث، لأن البث غير دابة، وان أولته بالمبثوث أغناك عنه، جعل ما اسما واقعا على المبثوث، أى الذى بثه فيهما من دابة على التوزيع فدواب السموات الملائكة، ودواب الأرض الانس والجن وسائر ما يمشى على الأرض لأن الملائكة والطير كما تطير تمشى. ولا مانع من أن تكون دواب فى السماء كدواب الأرض من غير الملائكة لا نعلمها كما قال الله تعالى: "أية : ويخلق ما لا تعلمون" تفسير : [النحل: 8] وتخصيص الدابة فى سورة البقرة بدواب الأرض، لا يوجب تخصيص ما هنا بها كما قيل بذلك، وقيل: الحكم على المجموع، كقوله تعالى: " أية : يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان" تفسير : [الرحمن: 22] وقيل: اطلاق الدابة على الانسان والجن بعيد فى عرف اللغة، فكيف على الملك، قلنا لا بعد فى ذلك، وأهل اللغة يستقر به وعظمة الله عز وجل يهون كل شىء فى مقابلتها، مع أنه لا إهانة فى الوصف بالدبيب، فعم هنا لبيان كمال القدرة، وخص فى سورة البقرة قصدا الى ما هو معروف عند المعاند والمسترشد، وقد قيل: فى السماوات مراكب أهل الجنة، وقيل: السماوات جهات العلو طبقة فوق طبقة، أو جوانب فيها دواب لا تنزل الى الأرض، وهو خلاف الظاهر، ولا تفسر به الآية لعدم الحاجة اليه، ولو صح كما قيل: إن فى الجو بحرا، وان طائرا اصطاد منه حوتا، ولا بأن السماوات السحاب، وأن فيهن دواب، ولا بأن المراد بالدابة الحى اطلاقا للمقيد على المطلق، أو للملزوم على اللازم، أو المسبب على السبب من حيث أن الحياة سبب للدبيب، لأن ذلك خلاف الظاهر ولا دليل عليه. {وهُو عَلى جَمْعهِم} فى الموقف للحساب بعد، لا يخفى عنه حتى لا يبعثه، ولا يقر أحد عن الموقف بعد البعث، وقد دارت على أهل الموقف الملائكة سبعا، والهاء للناس المعلومين من مقام الانذار والاستدلال، والرد، وقيل للدواب، وقيل للسماوات والأرض وما فيهما على التغليب {إذا يَشاء} جمعهم إذا للاستقبال، والمضارع له أى فى الوقت الآتى وهو مشيئته، ودخول اذا على المضارع جائز، ولو لم تخرج عن الشرط، قال: شعر : واذا ما أشاء أبعث منها آخر الليل ناشطا مذعورا تفسير : {قديرٌ} لا يعجر، وجواب اذا أغنى عنه هو قدير، أى على الجمع.
الالوسي
تفسير : {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} على ما هما عليه من تعاجيب الصنائع فإنها بذاتها وصفاتها تدل على شؤونه تعالى العظيمة، ومن له أدنى إنصاف وشعور يجزم باستحالة صدورها من الطبيعة العديمة الشعور. {وَمَا بَثَّ فِيهِمَا} عطف على {ٱلسَّمَـٰوَاتِ} أي ومن آياته خلق ما بث أو عطف على {خُلِقَ} أي ومن آياته ما بث. و {مَا} تحتمل الموصولية والمصدرية والموصولية أظهر ولا حاجة عليه إلى تقدير مضاف أي خلق الذي بث خلافاً لأبـي حيان {مِن دَابَّةٍ} أي حيوان له دبيب وحركة. وظاهر الآية وجود ذلك في السمٰوات وفي الأرض وبه قال مجاهد وفسر الدابة بالناس والملائكة، ويجوز أن يكون للملائكة مشي مع الطيران، واعترض ذلك ابن المنير بأن إطلاق الدابة على الأناسي بعيد في عرف اللغة فكيف بالملائكة؟ وادعى أن الأصح كون الدواب في الأرض لا غير. وما في أحد الشيئين يصدق أنه فيهما في الجملة، فالآية على أسلوب {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } تفسير : [الرحمن: 22] وذلك لقوله تعالى في [البقرة: 164]: {أية : وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دَابَّةٍ} تفسير : فإنه يدل على اختصاص الدواب بالأرض لأن مقام الإطناب يقتضي ذكره لو كان لا للعمل بمفهوم اللقب الذي لا يقول به الجمهور. والجواب أن التي في البقرة لما كانت كلاماً مع الغبـي والفهم والمسترشد والمعاند جىء فيه بما هو معروف عند الكل وهو بث الدواب في الأرض وأما هٰهنا فجىء به مدمجاً مختصراً لما تكرر في القرآن ولا سيما في هذه السورة من كمال قدرته على كل ممكن فقيل: {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا} مؤثراً على لفظ الخلق ليدل على التكثير الدال على كمال القدرة وبين بقوله تعالى: {مِن دَابَّةٍ} تعميماً وتغليباً لغير ذوي العلم في السماوي والأرضي تحقيقاً للمخلوقية فقد ثبت في صحاح الأحاديث ما يدل على وجود الدواب في السماء من مراكب أهل الجنة وغيرها، وكذلك ما يدل على وجود ملائكة كالأوعال بل لا يبعد أن يكون في كل سماء حيوانات ومخلوقات على صور شتى وأحوال مختلفة لا نعلمها ولم يذكر في الأخبار شيء منها فقد قال تعالى: {أية : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 8] وأهل الأرصاد اليوم يتراءى لهم بواسطة نظاراتهم مخلوقات في جرم القمر لكنهم لم يحققوا أمرها لنقص ما في الآلات على ما يدعون، ويحتمل أن يكون فيما عدا القمر ونفي ذلك ليس من المعلوم من الدين بالضرورة ليضر القول به. وقيل: المراد بالسمٰوات جهات العلو المسامتة للأقاليم مثلاً وفي جو كل إقليم بل كل بلدة بل كل قطعة من الأرض حيوانات لا يحصي كثرتها إلا الله تعالى بعضها يحس بها بلا واسطة آلة وبعضها بواسطتها، وقيل: المراد بها السحب وفيها من الحيوانات ما فيها وكل ذلك على ما فيه لا يحتاج إليه، وكذا لا يحتاج إلى ما ذهب إليه كثير من أن المراد بالدابة الحي مجازاً إما من استعمال المقيد في المطلق أو إطلاق الشيء على لازمه أو المسبب على سببه لأن الحياة سبب للدبيب وإن لم تكن الدابة سبباً للحي فيكون مجازاً مرسلاً تبعياً لأن الاحتياج إلى ذلك عدول عن الظاهر ولا يعدل عنه إلا إذا دل دليل على خلافه وأين ذلك الدليل؟ بل هو قائم على وجود الدواب في السماء كما هي موجودة في الأرض. {وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ} أي حشرهم بعد البعث للمحاسبة {إِذَا يَشَآء} ذلك {قَدِيرٌ} تام القدرة كاملها، و {إِذَا} متعلقة بما قبلها لا بقدير لأن المقيد بالمشيئة جمعه تعالى لا قدرته سبحانه وهي كما تدخل على الماضي تدخل على المضارع، ومنه قوله:شعر : وإذا ما أشاء أبعث منها آخر الليل ناشطاً مذعوراً تفسير : وقول صاحب «الكشف»: لقائل أن يفرق بين إذا وإذا ما الظاهر أنه ليس في محله وقد نص الخفاجي على عدم الفرق وجعل القول به توهماً، وكذا نص على أنها تدخل على الفعلين ظرفية كانت أو شرطية، وقيد ذلك الطيبـي بما إذا كانت بمعنى الوقت كما هنا. وضمير {جَمْعِهِمْ} قيل للسمٰوات والأرض وما فيهما على التغليب وهو كما ترى، وقيل: للدواب المفهوم مما تقدم وضمير العقلاء للتغليب المناسب لكون الجمع للمحاسبة، وقيل: للناس المعلوم من ذلك ولعله الأولى.
ابن عاشور
تفسير : لما كان إنزال الغيث جامعاً بين كونه نعمة وكونه آية دالة على بديع صنع الله تعالى وعظيم قدرته المقتضية انفراده بالإلـٰهية، انتقل من ذكره إلى ذكر آيات دالة على انفراد الله تعالى بالإلـٰهية وهي آية خلق العوالم العظيمة وما فيها مما هو مشاهد للناس دون قصد الامتنان. وهذا الانتقال استطراد واعتراض بين الأغراض التي سياق الآيات فيها. والآيات: جمع آية، وهي العلامة والدليل على شيء. والسياق دال على أن المراد آيات الإلـٰهية. والسموات: العوالم العليا غير المشاهدة لنا والكواكب وما تجاوزَ الأرضَ من الجو. والأرضُ: الكرة التي عليها الحيوان والنبات. والبث: وضع الأشياء في أمكنة كثيرة. والدابة: ما يدُبّ على الأرض، أي يمشي فيشمل الطير لأن الطير يمشي إذا نزل وهو مما أريد في قوله هنا: {فيهما} أي في الأرض وفي السماء، أي بعض ما يسمى بالسماء وهو الجو وهو ما يلوح للناظر مثل قبة زرقاء على الأرض في النهار، قال تعالى: { أية : ألم يروا إلى الطير مسخرات في جوّ السماء } تفسير : [النحل: 79] فإطلاق الدابّة على الطير باعتبار أن الطير يدبّ على الأرض كثيراً لالتقاط الحب وغيرِ ذلك. وأمّا الموجودات التي في السموات العُلى من الملائكة والأرواح فلا يطلق عليها اسم دابّة. ويجوز أن تكون في بعض السماوات موجودات تدبّ فيها فإن الكواكب من السماوات. والعلماء يترددون في إثبات سكان في الكواكب، وجوز بعض العلماء المتأخرين أن في كوكب المريخ سكاناً، وقال تعالى: { أية : ويخلق ما لا تعلمون } تفسير : [النحل: 8]، على أنه قد يكون المراد من الظرفية في قوله: {فيهما} ظرفية المجموع لا الجميع، أي ما بَثَّ في مجموع الأرض والسماء من دابّة، فالدابّة إنما هي على الأرض، ولما ذكرت الأرض والسماء مقترنتين وجاء ذكر الدواب جعلت الدواب مظروفة فيهما لأن الأرض محوطة بالسماوات ومتخيّلة منها كالمظروف في ظرفه، والمظروفُ في ظرف مظروف في ظرف مظروفه كما قال تعالى: { أية : مرَج البحرين يلتقيان } تفسير : [الرحمٰن: 19] ثم قال: { أية : يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } تفسير : [الرحمٰن: 22] واللؤلؤ والمرجان يخرجان من أحد البحرين وهو البحر الملح لا من البحر العذب. وجملة {وهو على جمعهم إذا يشاء قدير}، معترضة في جُملة الاعتراض لإدماج إمكان البعث في عُرض الاستدلال على عظيم قدرة الله وعلى تفرده بالإلـٰهية. والمعنى: أن القادر على خلق السماوات والأرض وما فيهما عن عدمٍ قادر على إعادة خلق بعض ما فيهما للبعث والجزاء لأن ذلك كله سواء في جواز تعلق القدرة به فكيف تعدُّونه محالاً. وضمير الجماعة في قوله: {جمعهم} عائد إلى ما بثّ فيهما من دابّة باعتبار أن الذي تتعلق الإرادة بجمعه في الحشر للجزاء هم العقلاء من الدوابّ أي الإنس. والمراد بـــ{جمعهم} حشرهم للجزاء، قال تعالى: { أية : يوم يجمعكم ليوم الجمع } تفسير : [التغابن: 9]. وقد ورد في أحاديث في «الصحيح» أن بعض الدواب تحشر للانتِصاف مِمن ظلمها. و{إذا} ظرف للمستقبل وهو هنا مجرد عن تضمن الشرطية، فالتقدير: حين يشاء في مستقبل الزمان، وهو متعلق بــ {جمعهم}. وهذا الظرف إدماج ثان لإبطال استدلالهم بتأخر يوم البعث على أنه لا يقع كما حُكي عنهم في قوله تعالى: { أية : ويقولون متَى هُو قل عسى أن يكون قريباً } تفسير : [الإسراء: 51] و { أية : يقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون } تفسير : [سبأ: 29، 30].
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَاتِهِ} {ٱلسَّمَاوَاتِ} (29) - وَمِنْ دَلاَئِل عَظَمَتِهِ تَعَالَى، وَقُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ، وَمَا نَشَرَ فِيهِمَا مِنْ مَخْلُوقَاتٍ تَدِبُّ وَتَتَحَرَّكُ، وَيَجْمَعُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ جَمِيعاً فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ لِيُحَاسِبَهُمْ، وَيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِالعَدْلِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى جَمْعِهِمْ وَحِسَابِهِمْ.
الثعلبي
تفسير : {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ * وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} من الإجرام والآثام. {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} منها فلا يؤاخذكم بها. وقرأ أهل المدينة والشام (بما) بغير (فاء)، وكذلك هي في مصاحفهم، وقرأ الباقون {فَبِمَا}، بالفاء، وكذلك في مصاحفهم وأختاره أبو عبيد وأبو حاتم. أخبرنا الحسين بن محمد المقري، حدثنا عبيد الله بن أحمد بن يعقوب، حدثنا رضوان بن أحمد، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا أبو معاوية الضرير عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، قال: لما نزلت هذه الآية {وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من اختلاج عرق ولا خدش عود ولا نكبة حجر إلاّ بذنب ولما يعفو الله عنه أكثر ". تفسير : أخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه، حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي، حدثنا بشر بن موسى الأسدي، حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا مروان بن معاوية، حدثني الأزهر بن راشد الكاهلي، عن الخضر بن القواس العجلي، عن أبي سخيلة، قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله حدثنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم { وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ}، قال: "حديث : وسأفسرها لك يا عليَّ: ما أصابكم في الدنيا من بلاء أو مرض أو عقوبة فاللّه أكرم من أن يثنّي عليكم العقوبة في الآخرة، وما عفا عنه في الدنيا فالله أحلم من أن يعود بعد عفوه ". تفسير : قال: بإسناده عن خلف بن الوليد، عن المبرك بن فضالة، عن الحسن، قال: دخلنا على عمران بن الحصين في مرضه الشديد الّذي أصابه، فقال رجل منّا: إنّي لا بد أن أسألك عما أرى من الوجع بك، فقال عمران: يا أخي لا تفعل فوالله أن أحبّه إليَّ أحبّه إلى الله تعالى. قال الله تعالى: {وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ}. هذا بما كسبت يداي وعفو ربّي تعالى فيما بقي. أخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه، حدثنا موسى بن محمّد بن علي، حدثنا جعفر بن محمد الفرماني، حدثنا أبو خثيمه مصعب بن سعيد،حدثنا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن مرة الهمذاني، قال: رأيت على ظهر كف شريح قرحة، قلت: يا أبا أمامة ما هذا؟ قال: {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ}. أخبرنا الحسين بن فنجويه الدينوري، حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني إبراهيم بن الحسن الباهلي المقري، حدثنا حمّاد بن زيد أبو إسماعيل عن ابن عون، عن محمد بن سيرين، قال: لما ركبه الدَّين اغتمّ لذلك، فقال: إنّي لأعرف هذا العلم، هذا بذنب أصبته منذ أربعين سنة. أخبرنا ابن فنجويه، حدثنا موسى بن محمد، حدثنا أبو بشر أحمد بن بشر الطيالسي، حدثني بعض أصحابنا، عن أحمد بن الحواري، قال: قيل لأبي سلمان الدارابي: ما بال العقلاء أزالوا اللّوم عمن أساء إليهم؟ قال: لأنّهم علموا أنّ الله تعالى إنّما ابتلاهم بذنوبهم، قال الله تعالى: {وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ}. أخبرنا إبن فنجويه، حدثنا محمد بن عبد الله بن [برزة [، حدثنا اسماعيل بن اسحاق القاضي، حدثنا عاصم بن علي، حدثنا ليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعد بن سنان، عن أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا أراد الله تعالى بعبدِه الخير عجّل له العقوبة في الدّنيا، وإذا أراد الله بعبده الشّر أمسك عليه بذنبه حتّى يوافي به يوم القيامة ". تفسير : وقال عكرمة: ما من نكبة أصابت عبداً فما فوقها إلاّ بذنب لم يكن الله ليغفر له إلاّ بها، أو درجة لم يكن الله ليبلّغه إلاّ بها. أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن رجاء، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن ابن أبي داود، عن الضحاك، قال: ما تعلمَّ رجلٌ القرآن ثمّ نسيه إلاّ بذنب، ثمّ قرأ {وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}، ثمّ قال: وأي مصيبة أعظم من نسيان القرآن. وقال الحسن في هذه الآية: هذا في الحدود. {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ} هرباً. {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ * وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ} يعني السّفن، واحدتها جارية وهي السائرة في البحر، قال الله تعالى: {أية : حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ}تفسير : [الحاقة: 11]. {فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ} أي الجبال، مجاهد: القصور، واحدها علم. وقال الخليل بن أحمد: كلّ شيء مرتفع عند العرب فهو علم. قالت الخنساء ترثي أخاها صخراً: شعر : وإنّ صخراً لتأتمّ الهداة به كأنّه علم في رأسه نار تفسير : {إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ} ثوابت وقوفاً {عَلَىٰ ظَهْرِهِ} أي على ظهر الماء. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * أَوْ يُوبِقْهُنَّ} يهلكهنّ. {بِمَا كَسَبُوا} أي بما كسب أصحابها وركبانها من الذنوب. {وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ} فلا يعاقب عليها ويعلم. قرأ أهل المدينة والشام بالرفع على الاستئناف كقوله في سورة براءة: {أية : وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ}تفسير : [التوبة: 15]، وقرأها الآخرون نصباً على الصرف كقوله تعالى: {أية : وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ}تفسير : [آل عمران: 142] صرف من حال الجزم إلى النصب استحقاقاً وكراهة لعوال الجزم، كقول النابغة: شعر : فإن يهلك أبو قابوس يهلك ربيع النّاس والشهر الحرامُ ونمسك بعده بذناب عيش أجبّ الظهر له سنامُ تفسير : وقال آخر: شعر : لا تنه عن خلق وتأتي مثله عارٌ عليك إذا فعلت عظيم تفسير : {وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ} محيد عن عقاب الله تعالى. {فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ} من رياش الدّنيا وقماشها. {فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} وليس من زاد المعاد. {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ} من الثواب. {خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ}. قرأ يحيى بن رثاب وحمزة والكسائي وخلف هاهنا وفي سورة النجم (كبير) على التوحيد وفسروه الشرك عن ابن عباس، وقرأ الباقون {كَبَائِرَ} بالجمع في السورتين، وقد بينا اختلاف العلماء في معنى {الكبائر} والفواحش. قال السدّي: يعني الزنا، وقال مقاتل: موجبات الخلود. {وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ} يتجاوزون ويتحملون.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كلمة {آيَاتِهِ ..} [الشورى: 29] مفردها آية، وهي الشيء العجيب الذي يدعوك إلى التأمل، كما نقول: فلان آية في الأدب أو في العلم. وقلنا: إن الآيات في القرآن الكريم وردتْ بمعانٍ ثلاثة: آيات كونية تدل على قدرته تعالى وبديع صُنْعه كالشمس والقمر والليل والنهار، وآيات معجزات تدل على صِدْق الرسل في البلاغ عن الله، ثم الآيات الحاملة للأحكام وهي آيات القرآن الكريم. الحق سبحانه وتعالى هنا يُحدِّثنا عن بعض آياته الكونية {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ..} [الشورى: 29] فهما شيء عجيب في الخَلْق دلَّ على قدرة الله وحكمته وطلاقة قدرته، وفي موضع آخر قال: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [غافر: 57]. نعم أكبر، لأن الإنسان يُولد ويموت، يموت طفلاً ويموت شاباً، بل ويموت في بطن أمه، وحتى لو عاش مائة عام سيموت، فأين هو إذن مَنْ خلق السماوات والأرض وما فيهما من آيات كونية تعمر ما يشاء الله؟ إذن: على الإنسان أنْ يتذكر هذه الحقائق ويقول لنفسه: هل يُعقل أن تكون هذه الآيات أطول عمراً مني وهي مُسخَّرة في خدمتي؟ إذن: لا بدَّ أن لي عمراً آخر يناسب منزلتي، وما فضَّلني الله به على هذه المخلوقات، إذن: لي حياة أخرى أبقى فيها وأخلد حين تفنى كل هذه المخلوقات. وقوله: {ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ..} [الشورى: 29] يعني: وما فيهما لأنهما ظرف مظروف فيه مخلوقات كثيرة، لذلك قال في موضع آخر: {أية : للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ..} تفسير : [البقرة: 284]. ومعنى {وَمَا بَثَّ ..} [الشورى: 29] أي نشر: {فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ ..} [الشورى: 29] أي: في السماوات وفي الأرض، فما يدب في الأرض أي: ما يمشي عليها من إنسان وحيوان طير، وما يدبّ في السماء يقصد به الملائكة. {وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ ..} [الشورى: 29] يعني: يوم القيامة {قَدِيرٌ} [الشورى: 29] أي: قادر، كما قال: {أية : يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ ..} تفسير : [الشورى: 7]. بعض العلماء ذهب إلى وجود مخلوقات أخرى في العلو، وهم أمثالنا مكلَّفون، ففي المجموعة الشمسية عوالم أخرى غير الأرض مثل عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وغيرها. والعظمة في جمع كل هؤلاء.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ} [الآية: 29]. يعني: من الناس والملائكة. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ} [الآية: 32]. يعني: السفن {كَٱلأَعْلاَمِ}. يعني: كالجبال. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا} [الآية: 34]: يهلكهن بما عملوا. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: الكبائر [الآية: 37]: الموجبات. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: الكبائر، كل شيء وعد الله، وعز وجل، عليه النار [الآية: 37]. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن في قوله: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ} [الآية: 40]. قال: إِذا جثت الأُمم بين يدي الله عز وجل، نادى مناد: ليقم كل من كان أَجره على الله. فلا يقوم إِلا من عفا في الدنيا.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: ومن أدلة قدرته العظيمة، وأنه سيحيي الموتى بعد موتهم، { خَلْقُ } هذه { السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } على عظمهما وسعتهما، الدال على قدرته وسعة سلطانه، وما فيهما من الإتقان والإحكام دال على حكمته وما فيهما من المنافع والمصالح دال على رحمته، وذلك يدل على أنه المستحق لأنواع العبادة كلها، وأن إلهية ما سواه باطلة. { وَمَا بَثَّ فِيهِمَا } أي: نشر في السماوات والأرض من أصناف الدواب التي جعلها اللّه مصالح ومنافع لعباده. { وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ } أي: جمع الخلق بعد موتهم لموقف القيامة { إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ } فقدرته ومشيئته صالحان لذلك، ويتوقف وقوعه على وجود الخبر الصادق، وقد علم أنه قد تواترت أخبار المرسلين وكتبهم بوقوعه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):