Verse. 4302 (AR)

٤٢ - ٱلشُّورىٰ

42 - Ash-Shura (AR)

وَمَاۗ اَصَابَكُمْ مِّنْ مُّصِيْبَۃٍ فَبِمَا كَسَبَتْ اَيْدِيْكُمْ وَيَعْفُوْا عَنْ كَثِيْرٍ۝۳۰ۭ
Wama asabakum min museebatin fabima kasabat aydeekum wayaAAfoo AAan katheerin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما أصابكم» خطاب للمؤمنين «من مصيبة» بلية وشدة «فبما كسبت أيديكم» أي كسبتم من الذنوب وعبر بالأيدي لأن أكثر الأفعال تزاول بها «ويعفو عن كثير» منها فلا يجازي عليه وهو تعالى أكرم من أن يثني الجزاء في الآخرة، وأما غير المذنبين فما يصيبهم في الدنيا لرفع درجاتهم في الآخرة.

30

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} قرأ نافع وابن عامر «بمَا كَسَبَتْ» بغير فاء. الباقون «فَبِمَا» بالفاء، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم للزيادة في الحرف والأجر. قال المهدَوِيّ: إن قدرت أن «ما» الموصولة جاز حذف الفاء وإثباتها، والإثبات أحسن. وإن قدرتها التي للشرط لم يجز الحذف عند سيبويه، وأجازه الأخفش واحتج بقوله تعالى: {أية : وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}تفسير : [الأنعام: 121]. والمصيبة هنا الحدود على المعاصي؛ قاله الحسن. وقال الضحاك: ما تعلّم رجل القرآن ثم نسيه إلا بذنب؛ قال الله تعالى: {وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} ثم قال: وأيّ مصيبة أعظم من نسيان القرآن؛ ذكره ابن المبارك عن عبد العزيز بن أبي روّاد. قال أبو عبيد: إنما هذا على الترك، فأما الذي هو دائب في تلاوته حريص على حفظه إلا أن النسيان يغلبه فليس من ذلك في شيء. ومما يحقق ذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان ينسى الشيء من القرآن حتى يذكره؛ من ذلك حديث عائشة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: سمع قراءة رجل في المسجد فقال: «حديث : ما له رحمه الله! لقد أذكرني آيات كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا»تفسير : . وقيل: «ما» بمعنى الذي، والمعنى الذي أصابكم فيما مضى بما كسبت أيديكم. وقال عليّ رضي الله عنه: هذه الآية أرجى آية في كتاب الله عز وجل. وإذا كان يكفّر عني بالمصائب ويعفو عن كثير فما يبقى بعد كفارته وعفوه! وقد روى هذا المعنى مرفوعاً عنه رضي الله عنه، حديث : قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: ألاَ أخبركم بأفضل آية في كتاب الله حدّثنا بها النبي صلى الله عليه وسلم {وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} الآية: «يا عليّ ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبِما كسبت أيديكم. والله أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة وما عفا عنه في الدنيا فالله أحلم من أن يعاقب به بعد عفوه»تفسير : . وقال الحسن: لما نزلت هذه الآية قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من اختلاج عِرْق ولا خَدْش عُود ولا نكبة حجر إلاّ بذنب ولما يعفو الله عنه أكثر»تفسير : . وقال الحسن: دخلنا على عمران بن حُصين فقال رجل: لا بد أن أسألك عما أرى بك من الوجع؛ فقال عمران: يا أخي لا تفعل! فوالله إني لأحِبّ الوجع ومن أحبه كان أحبّ الناس إلى الله، قال الله تعالى: {وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } فهذا مما كسبت يدي، وعَفْوُ ربي عما بقي أكثر. وقال مُرَّة الْهَمْداني: رأيت على ظهر كف شُريح قُرحة فقلت: يا أبا أمية، ما هذا؟ قال: هذا بما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير. وقال ابن عَون: إن محمد بن سِيرين لما ركبه الدَّين ٱغتم لذلك فقال: إني لأعرف هذا الغم، هذا بذنب أصبته منذ أربعين سنة. وقال أحمد بن أبي الحَوَارِي قيل لأبي سليمان الدّاراني: ما بال العقلاء أزالوا اللوم عمن أساء إليهم؟ فقال: لأنهم علموا أن الله تعالى إنما ابتلاهم بذنوبهم، قال الله تعالى: {وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ }. وقال عِكرمة: ما من نكبة أصابت عبداً فما فوقها إلا بذنب لم يكن الله ليغفره له إلا بها أو لينال درجة لم يكن يوصّله إليها إلا بها. وروي أن رجلاً قال لموسى: يا موسى سل الله لي في حاجة يقضيها لي هو أعلم بها؛ ففعل موسى؛ فلما نزل إذ هو بالرجل قد مزّق السّبْع لحمه وقتله؛ فقال موسى: ما بال هذا يا رب؟ فقال الله تبارك وتعالى له: يا موسى إنه سألني درجة علمت أنه لم يبلغها بعمله فأصبته بما ترى لأجعلها وسيلة له في نيل تلك الدرجة. فكان أبو سليمان الدَّارَاني إذا ذكر هذا الحديث يقول: سبحان من كان قادراً على أن ينيله تلك الدرجة بلا بلوى! ولكنه يفعل ما يشاء. قلت: ونظير هذه الآية في المعنى قوله تعالى: {أية : مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ}تفسير : [النساء: 123] وقد مضى القول فيه. قال علماؤنا: وهذا في حق المؤمنين، فأما الكافر فعقوبته مؤخرة إلى الآخرة. وقيل: هذا خطاب للكفار، وكان إذا أصابهم شرّ قالوا: هذا بشؤم محمد؛ فردّ عليهم وقال بل ذلك بشؤم كفركم. والأوّل أكثر وأظهر وأشهر. وقال ثابت البُنانِيّ: إنه كان يقال ساعات الأذى يذهبن ساعات الخطايا. ثم فيها قولان: أحدهما ـ أنها خاصة في البالغين أن تكون عقوبة لهم، وفي الأطفال أن تكون مثوبة لهم. الثاني ـ أنها عقوبة عامة للبالغين في أنفسهم والأطفال في غيرهم من والد ووالدة. {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} أي عن كثير من المعاصي ألا يكون عليها حدود؛ وهو مقتضى قول الحسن. وقيل: أي يعفو عن كثير من العصاة ألاّ يعجل عليهم بالعقوبة. {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ} أي بفائتين الله؛ أي لن تعجزوه ولن تفوتوه {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} تقدّم في غير موضع.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَآ أَصَٰبَكُمْ } خطاب للمؤمنين {مِّن مُّصِيبَةٍ } بلية وشدة {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } أي كسبتم من الذنوب وعبر بالأيدي لأن أكثر الأفعال تزاول بها {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } منها فلا يجازي عليه وهو تعالى أكرم من أن يثني الجزاء في الآخرة، أما غير المذنبين فما يصيبهم في الدنيا لرفع درجاتهم في الآخرة.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَمَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ} الحدود لأجل المعاصي "ح"، أو البلوى في النفوس والأموال عقوبة على المعاصي للبالغين وثواباً للأطفال أو عامة للأطفال أيضاً في غيرهم من والد ووالدة قاله العلاء بن زيد. {عَن كَثِيرٍ} من العصاة فلا يعاجلهم بالعقوبة، أو عن كثير من المعاصي فلا حد فيها.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ} قرأ جمهور القُرَّاء: «فَبِمَا» بفاء، وكذلك هي في جُلِّ المصاحف، وقرأ نافع وابن عامر: «بِمَا» دون فاء، قال أبو علي الفارسيُّ: أصاب من قوله: {وَمَا أَصَـٰبَكُمْ} يحتمل أنْ يكون في موضع جَزْمٍ، وتكون «ما» شرطيةً، وعلَىٰ هذا لا يجوزُ حَذْفُ الفاءِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وجَوَّزَ حَذْفَهَا أبو الحَسَنِ الأخْفَشُ، وبعضُ البغداديِّينَ؛ على أَنَّها مُرَادَةٌ في المعنى، ويحتمل أنْ يكون «أصاب» صلة لـــ«مَا»، وتكون «ما» بمعنى «الذي»، وعلى هذا يتجه حذفُ الفاء وثبوتها، لكن معنى الكلام مع ثبوتها التلازم، أي: لولا كَسْبُكُمْ ما أصابتكم مصيبة، والمصيبة إنَّما هي بكسب الأيدي، ومعنى الكلام مع حذفها يجوز أن يكون التلازم، ويجوز أنْ يُعَرَّىٰ منه، قال * ع *: وأَمَّا في هذه الآية، فالتلازم مُطَّرِدٌ مع الثبوت والحذف، وأمَّا معنى الآية، فاختلف الناسُ فيه، فقالت فرقة: هو إخبار من اللَّه تعالى بأَنَّ الرزايا والمصائبَ في الدنيا إِنَّما هي مجازات من اللَّه تعالى على ذنوب المرء وخطاياه، وأنَّ اللَّه تعالى يعفو عن كثير، فلا يعاقب عليه بمصيبة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لاَ يُصِيبُ ابْنَ آدَمَ خَدْشُ عُودٍ، أوْ عَثْرَةُ قَدَمٍ، وَلاَ اخْتِلاَجُ عِرْقٍ إلاَّ بِذَنْبٍ، وَمَا يَعْفُو عَنْهُ أَكْثَرُ» تفسير : ، وقال مُرَّةُ الهَمَدَانِيُّ: رأيتُ عَلَىٰ ظهر كَفِّ شُرَيْحٍ قُرْحَةً، فقلتُ: ما هذا؟ فقال: هذا بما كَسَبَتْ يَدَيَّ، ويعفو [اللَّه] عن كثير، وقيل لأبي سليمانَ الدَّارَانِيِّ: ما بالُ الفضلاء لا يَلُومُونَ مَنْ أساءَ إليهم؟ فقال: لأَنَّهُمْ يعلَمُونَ أَنَّ اللَّه تعالى هو الذي ٱبْتَلاَهُمْ بذنوبهم، ورَوَى عليُّ بْنُ أبي طَالِبٍ ـــ رضي اللَّه عنه ـــ عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: «حديث : مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ عُقُوبَةٍ، أوْ بَلاَءٍ في الدُّنْيَا ـــ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، وَاللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أنْ يُثَنِّيَ عَلَيْكُمُ الْعُقُوبَةَ في الآخِرَةِ، وَمَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ في الدُّنْيَا، فَاللَّهُ أَحْلَمُ مِنْ أَنْ يَعُودَ فِيهِ بَعْدَ عَفْوِهِ»تفسير : وقال الحَسَنُ: معنى الآية في الحُدُودِ، أي: ما أصابكم من حَدٍّ من حُدُودِ اللَّه، فبما كسبَتْ أيديكم، ويعفو اللَّه عن كثير، فيستره على العبد حتى لا يُحَدَّ عليه، ثم أَخبر تعالَىٰ عن قُصُورِ ٱبْنِ آدَمَ وَضَعْفِهِ، وأَنَّه في قبضة القدرة لا يعجز طَلَب رَبِّه، ولا يُمْكِنُه الفِرَارُ منه، و«الجواري»: جمع جارية وهي السفينةُ، و {ٱلأَعْلاَمِ}: الجبال، وباقي الآية بَيِّنٌ، فيه الموعظةُ وتشريفُ الصَّبَّارِ الشَّكُورِ.

السيوطي

تفسير : أخرج أحمد وابن راهويه وابن منيع وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال‏:‏ حديث : ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله، حدثنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم {‏وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير‏} وسأفسرها لك يا علي، ما أصابك من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا، فيما كسبت أيديكم، والله أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة، وما عفا الله عنه في الدنيا، فالله أكرم من أن يعود بعد عفوه‏ ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن البصري رضي الله عنه قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية ‏ {‏وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم‏} ‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏"حديث : ‏والذي نفسي بيده ما من خَدْش عودٍ ولا اختلاج عرق ولا نكبة حجر ولا عثرة قدم إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد والترمذي، عن أبي موسى رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏لا يصيب عبداً نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر‏"‏تفسير : وقرأ ‏ {‏وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير‏}‏‏ . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في الكفارات وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن عمران بن حصين رضي الله عنه، أنه دخل عليه بعض أصحابه وكان قد ابتلي في جسده، فقال انا لنبأس لك لما نرى فيك قال‏:‏ فلا تبتئس لما ترى؛ وهو بذنب وما يعفو الله عنه أكثر، ثم تلا ‏ {‏وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير‏}‏ ‏. وأخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب، عن الضحاك قال‏:‏ ما تعلم أحد القرآن، ثم نسيه، إلا بذنب يحدثه، ثم قرأ هذه الآية ‏{‏وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم‏} ‏ وقال‏:‏ وأي مصيبة أعظم من نسيان القرآن‏؟‏‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن العلاء بن بدر رضي الله عنه، أن رجلاً سأله عن هذه الآية‏؟‏ وقال‏:‏ قد ذهب بصري وأنا غلام صغير‏.‏ قال‏:‏ ذلك بذنوب والديك‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان، عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏وما أصابكم من مصيبة‏}‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ ذكر لنا، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏لا يصيب ابن آدم خدش عود ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن البراء رضي الله عنه قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ما عثرة قدم ولا اختلاج عرق ولا خدش عود، إلا بما قدمت أيديكم، وما يعفو الله عنه أكثر ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن سعد، عن ابن أبي مليكة - رضي الله عنه - أن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما - كانت تصدع، فتضع يدها على رأسها وتقول بذنبي، وما يغفره الله أكثر‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن الحسن رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم‏} ‏ قال‏:‏ الحدود‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ} أيُّ مصيبةٍ كانتْ {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} أي فهيَ بسببِ معاصيكُم التي اكتسبتمُوها. والفاءُ لأنَّ ما شرطيةٌ أو متضمنةٌ لمَعْنى الشرطِ. وقُرِىءَ بدونِها اكتفاءً بما في الباء من مَعْنى السببـيةِ. {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} من الذنوبِ فلا يعاقبُ عليها. والآيةُ مخصوصةٌ بالمجرمينَ فإنَّ ما أصابَ غيرَهُم لأسبابٍ أُخرى منها تعريضُه للثوابِ بالصبرِ عليهِ {وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِى ٱلأَرْضِ} فائتينَ ما قُضِيَ عليكُم من المصائبِ وإن هربتُم من أقطارِها كلَّ مهربٍ. {وَمَا لَكُم مّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّ} يحميكُم منَها {وَلاَ نَصِيرٍ} يدفعُها عنكُم. {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ ٱلْجَوَارِ} السفنُ الجاريةُ {فِى ٱلْبَحْرِ} وقُرِىءَ الجَوَارِي {كَٱلأَعْلَـٰمِ} أي كالجبالِ على الإطلاقِ لا التي عليها النارُ للاهتداءِ خاصَّة. {إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرّيحَ} التي تُجريَها. وقُرُىءَ الرياحَ. {فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ} فيبقينَ ثوابتَ على ظهرِ البحرِ أي غيرَ جارياتٍ لا غيرَ متحركاتٍ أصلاً. {إِنَّ فِى ذَلِكَ} الذي ذُكِرَ من السفنِ اللاتِي يجرينَ تارةً ويركُدنَ أُخْرى على حسب مشيئتِه تعالَى {لاَيَاتٍ} عظيمةً في أنفسها كثيرةً في العددِ دالةً على ما ذُكِرَ منْ شؤونِه تعالَى. {لّكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} لكلِّ مَنْ حبسَ نفسَهُ عن التوجِه إلى ما لا ينبغِي ووكَّلَ همَّتَهُ بالنظرِ في آياتِ الله تعالَى والتفكرِ في آلائِه أو لكلِّ مؤمنٍ كاملٍ، فإنَّ الإيمانَ نصفُهُ صبرٌ ونصفُهُ شكرٌ. {أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا} عطفٌ على يُسكنْ والمعنى إن يشأ يسكن الريحَ فيركدنَ أو يرسلْهَا فيغرقنَ بعصفِها. وإيقاعُ الإيباقِ عليهنَّ مع أنَّه حالُ أهلهنَّ للمبالغةِ والتهويلِ. وإجراءُ حُكمِه على العفوِ في قولِه تعالَى {وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ} لِما أنَّ المَعْنى أو يُرسلْها فيوبقْ ناساً ويُنجِ آخرينَ بطريق العفوِ عنهُم. وقُرِىءَ ويعفُو على الاستئناف {وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِى ءايَـٰتِنَا} عطفٌ على علة مقدرةٍ مثل لينتقمَ منهم وليعلم الخ كما في قولِه تعالَى: { أية : وَلِنَجْعَلَهُ ءايَةً لّلْنَّاسِ} تفسير : [سورة مريم، الآية 21] وقوله: { أية : وَلِنُعَلّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} تفسير : [سورة يوسف، الآية 31] ونظائِرِهِما. وقُرِىءَ بالرفعِ على الاستئنافِ وبالجزمِ عطفاً على يعفُ فيكونُ المَعْنى وإنْ يشأْ يجمعْ بـينَ إهلاكِ قومٍ وإنجاءِ قومٍ وتحذيرِ قومٍ. {مَا لَهُمْ مّن مَّحِيصٍ} أي منْ مهربٍ من العذابِ. والجملةُ معلّقٌ عنها الفعلُ.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الآية: 30]. قال ابن عطاء: من لم يعلم أن ما وصل إليه من الفتن والمصائب باكتسابه وإنما عفا عنه مولاه أكثر كان قليل النظر فى إحسان ربه إليه لأن الله يقول: {وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} فمن لم يشهد ذنبه وجنايته ويندم عليه لا يرجى له النجاة من المصائب والفتن. قال محمد بن حامد: العبد ملازم للجنايات فى كل وقت وأوان وجناياته فى طاعاته أكثر من جناياته فى معصيته لأن جناية المعصية من وجهٍ وجناية الطاعة من وجوه الله يطهر عبده من جناياته بأنواع المصائب ليخفف عنه أثقاله فى القيامة ولولا عفوه ورحمته لهلك فى أو خطوة قال الله تعالى: {وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}.

القشيري

تفسير : إذا تحقَّق العبدُ بهذه الآية فإنه إذا أصابته شظيةٌ او حالةٌ مما يسوءُه، وعلِمَ أن ذلك جزاءٌ له، وعقابٌ على ما بَدَرَ منه من سوءِ الأدب لاستحيى بخجلته مِنْ فِعْلِه، ولَشغَلَه ذلك عن رؤية الناس، فلا يحاول أن ينتقمَ منهم أو يكافئَهم أو يدعوَ عليهم، وإنما يشغله تلافي ما بَدَرَ منه من سوءِ الفعلِ عن محاولة الانتصاف لنفسه ممن يتسلَّط عليه من الخَلْق.. تاركاً الأمرَ كلَّه لربِّه. ويقال: إذا كَثُرَت الأسبابُ من البلايا على العبد، وتوالى عليه ذلك.. فَلْيُفَكِرْ في أفعاله المذمومة.. كم يحصل منه حتى يبلغَ جزاء ما يفعله - مع العفو الكثير - هذا المبلغ؟! فعند ذلك يزداد حُزْنُه وتأسُّفُه؛ لِعِلْمِه بكثرة ذنوبه ومعاصيه.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} ان الله سبحانه قدر المقادير فى الازل ومن مقاديره المقدرة كسب العباد كما قال خلقكم وما تعملون وجزاء اكتسابهم من الثواب والعقاب منها صدق فاذا كسب العبد شيئا من الجرائم فهى من اسباب القهر ويكون محجوبا به فاذا كان اهلا لله تعالى يعاقبه الله فى الدنيا ببعض المصائب ويخرجه به من ذلك الحجاب وان لم يكن من اهل الحق فمصائبه امهاله فى ضلالته وان ترك العبد الصالح بما بدا منه من المعصية يكوم محجوبا بها ولكن يداويه بعض الامتحان حتى يكون صافيا عن كدر الخليقة ولكن بكرمه وفضله لا يواخذه الا بقليل من عمله.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما اصابكم} وهرجه شمارا رسدا اى مؤمنان. فما شرطية وقال بعضهم موصول مبتدأ دخلت الفاء فى خبره لتضمنه معنى الشرط اى الذى وصل اليكم ايها الناس {من مصيبة} اى مصيبة كانت من الآلام والاسقام والقحط والخوف حتى خدش العود وعثرة القدم واختلاج العرق وغير ذلك فى البدن او فى المال او فى الاهل والعيال ويدخل فيها الحدود على المعاصى كما انه يدخل فى قوله ويعفوا عن كثير ما لم يجعل له حد {فبما كسبت ايديكم} اى فهو بسبب معاصيكم التى اكتسبتموها فان ذكر الايدى لكون اكثر الاعمال مما يزاول بها فكل نكد لاحق انما هو بسبب ذنب سابق أقله التقصير (وفى المثنوى) شعر : هرجه برتو آيد از ظلمات غم آن ربى باكى وكستاخيست هم تفسير : وفى الحديث "حديث : لا يرد القدر الا بالدعاء ولا يزيد فى العمر الا البر وان الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه" تفسير : قوله لا يرد الخ لان من جملة القضاء رد البلاء بالدعاء فالدعاء سبب لدفع البلاء وجلب الرحمة كما ان الترس سبب لدفع السلاح والماء سبب لخروج النباتات من الارض قال الضحاك ما تعلم رجل القرءآن ثم نسيه الا بذنب واى معصية اقبح من نسيان القرءآن وتلا الآية {ويعفوا عن كثير} من الذنوب فلا يعاقب عليها ولولا عفوه وتجاوزه ما ترك على ظهرها من دابة وفى الآية تسلية لقلوب العباد واهل المصائب يعنى ان اصابتكم مصيبة الذنوب والمعاصى الموجبة للعقوبة الاخروية الابدية تداركناها باصابة المصيبة الدنيوية الفانية لتكون جزآء لما صدر منكم من سوء الادب وتطهير لما تلوثتم به من المعاصى ثم اذا كثرت الاسباب من البلايا على عبد وتوالى عليه ذلك فليفكر فى افعاله المذمومة لم حصلت منه حتى يبلغ جزآء ما يفعله مع عفو الكثير هذا المبلغ فعند هذا يزداد حزنه وأسفه وخجلته لعلمه بكثرة ذنوبه وعصيانه وغاية كرم ربه وعفوه وغفرانه قيل لابى سليمان الدارانى قدس سره ما بال العقلاء ازالوا اللوم عمن اساء اليهم قال لانهم علموا ان الله تعالى انما ابتلاهم بذنوبهم وقرأ هذه الاية

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وما أصابكم من مصيبةٍ} غمّ، أو ألم، أو مكروه {بما كسبتْ أيديكم} أي: بجنايةٍ كسبتموها، عقوبةً لكم. ومَن قرأ بالفاء؛ فـ "ما" شرطية. ومَن قرأ بغيرها فموصلة. وتَعَلقَ بهذه الآية من يقول بالتناسخ، ومعناه عندهم: أن أرواح المتقدمين حين تموت أشباحها تنتقل إلى أشباح أُخر، فإن كانت صالحة انتقلت إلى جسم صالح؛ وإن كانت خبيثة انتقلت إلى جسم خبيث، وهو باطل وكفر. ووجه التعلُّق: أنه لو لم يكن للأطفال حالة كانوا عليها قبل هذه الحالة لما تألّموا. ويجاب: بأن تألم الأطفال إما زيارة في درجات آبائهم إن عاشوا، أو في درجاتهم إن ماتوا؛ لأنهم يلحقون بآبائهم في الدرجة، ولا عمل لهم إلا هذا التألُّم. والله أعلم. والآية مخصوصة بالمكلّفين بدليل السياق وهو قوله: {ويعفو عن كثير} أي: من الذنوب فلا يُعاقب عليها، أو: عن كثير من الناس، فلا يعاجلُهم بالعقوبة. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : واللهُ أكرم من أن يُثَنّي عليكم العقوبة في الآخرة، وما عفا عنه فالله أحلم من أن يعود فيه بعد عفوه" تفسير : وقال ابن عطاء: مَن لم يعلم أنَّ ما وصل إليه من الفتن والمصائب باكتسابه، وأن ما عفا عنه مولاه أكثر، كان قليل النظر في إحسان ربه إليه. وقال محمد بن حامد: العبدُ ملازِمٌ للجنايات في كلّ أوان، وجناياته في طاعته أكثر من جناياته في معاصيه؛ لأن جناية المعصية من وجه، وجناية الطاعة من وجوه، والله يُطهِّر العبد من جناياته بأنواع من المصائب ليخفّف عنه أثقاله في القيامة، ولولا عفوه ورحمته لهلك في أول خطوة. وعن عليّ ـ كرّم الله وجهه ـ: هذه أرجى آيةٍ للمؤمنين في القرآن؛ لأنّ الكريمَ إذا عاقب مرةً لا يُعاقِب ثانياً، وإذا عفا لا يعود. هـ. وقد تقدّم حديثاً. قال في الحاشية الفاسية: قلت: وإنما يعفو في الدنيا عما يشاء، ويؤخر عقوبة مَن شاء إلى الآخرة، فلا يلزم إبطال وعيد الآخرة. ثم الآية إما خاصة بالحدود، أو بالمجرم المذنب، وأما مَن لا ذنب له فما يُصيبه من البلاء اجتباء، وتخصيص، لا تمحيص. هـ. قلت: لكل مقام ذنب، حسنات الأبرار سيئات المقربين، فالتمحيص جار في كل مقام، وراجع ما تقدم عند قوله: {أية : لَّقَد تَّابَ اللهُ عَلَى النَّبِىِّ...}تفسير : [التوبة: 117] وسيأتي عند قوله: {أية : وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ...}تفسير : [محمد: 19] ما يبين هذا. والله أعلم. {وما أنتم بمعجزين في الأرض} أي: ما أنتم بفائتين ما قُضيَ عليكم من المصائب، وإن هجرتم في أقطارها كل مهرب، {وما لكم من دون الله من وليّ} متولِّ يحميكم منها {ولا نصيرٍ} يدفعها عنكم، أو يدفع عذابه إن حلّ. الإشارة: إذا كان العبد عند الله في عين العناية أدّبه في الدنيا، ويبقى في حال قربه، وإذا كان عنده في عين الإهمال؛ أمهل عقوبته إلى دار البقاء، وربما استدرجه بالنعم في حال إساءته، والعياذ بالله من مكره. وإذا علم العبد أن ما يصيبه في هذه الدار من الأكدار كلها تخليص وتمحيص؛ لم يستوحش منها، بل يفرح بها؛ إذ هي علامة العناية، وإذا كانت على أيدي الناس، لم يقابلهم بالانتصار، بل يعفو ويصفح؛ لعِلمه أن ذلك زيارة وترقية. وقوله تعالى: {ويعفو عن كثير} هذا ـ والله أعلم ـ في حق العامة، وأما الخاصة؛ فيشدد عليهم المحاسبة والتأديب؛ ليرفع مقامهم، ويُكرم مثواهم. ثم ذكر برهاناً آخر على قدرته تعالى، فقال: {وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ}.

الجنابذي

تفسير : {وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ} عطف فيه ايضاً رفع توهّم انّه لو كان ينشر رحمته وكان وليّاً لعباده حميداً فى صفاته فلم يصاب العباد بالمصائب {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ} برحمته وتربيته {عَن كَثِيرٍ} ممّا كسبت ايديكم وهل ذلك عامّ لكلّ من يصاب او خاصّ ببعضٍ والبعض الآخر مصيبته لرفع درجته لا لذنبٍ وقع منه كما فى الاخبار، ويمكن التّعميم بتعميم الذّنب للذّنوب الّتى عدّوها فى الشّريعة ذنوباً ولما يعدّ فى الطّريق ذنوباً ولما يعدّ من المقرّبين ذنوباً، فانّ خطرات القلوب ذنوب الاولياء (ع)، والالتفات الى غير الله ذنوب الانبياء (ع)، مع انّهم كانوا مأمورين بالتّوجّه الى الكثرات، وعن الصّادق (ع) انّه سئل: ارأيت ما اصاب عليّاً (ع) واهل بيته (ع) من بعده؟! اهو بما كسبت ايديهم؟ وهم اهل بيت طهارة معصومون؟! فقال: انّ رسول الله (ص) كان يتوب الى الله ويستغفره فى كلّ يوم وليلة مائة مرّة من غير ذنبٍ، انّ الله يخصّ اولياءه بالمصائب ليأجرهم عليها من غير ذنبٍ، وعن علىٍّ (ع) انّه قال: قال رسول الله (ص): حديث : خير آيةٍ فى كتاب الله هذه الآية، يا علىّ ما من خدش عودٍ ولا نكبة قدمٍ الاّ بذنبٍ، وما عفا الله عنه فى الدّنيا فهو اكرم من ان يعود فيه، وما عاقب عليه فى الدّنيا فهو اعدل من ان يثنّى على عبده .

الهواري

تفسير : قوله: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} أي: فبما عملتم {وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} وهو مثل قوله: (أية : مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا) تفسير : [الحديد:22] أي من قبل أن نخلق تلك المصيبة. في تفسير الحسن: إن الله كتب عنده كتاباً: إن ذنب كذا عقوبته كذا، فيعفو الله عن أكثر ذلك، ويعاقب من ذلك ما يشاء. ذكروا عن علي بن أبي طالب قال: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً حق على المسلمين أن يعوه، سمعته يقول: حديث : ما عاقب الله عليه في الدنيا ثم عفا عن صاحبه بعد التوبة فالله أحلم من أن يثني عقوبته في الآخرة، وما عفا عنه في الدنيا فالله أكرم من أن يرجع في عفوه . تفسير : ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : أنه رأى بوجه رجل خدشاً فقال: ما هذا؟ قال يا رسول الله، كنت في طريق، فرأيت امرأة فجعلت أنظر إليها حتى صدمت بوجهي الحائط ولم أشعر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أراد الله بعبد خيراً عجّل عقوبة ذنبه في الدنيا، وإذا أراد الله بعبد شراً أمسك عليه بذنبه حتى يوافيه يوم القيامة . تفسير : ذكروا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا تزال البلايا للمؤمن في جسده وماله وولده حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة .

اطفيش

تفسير : {وَمَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} فاسقاط الفاء عند نافع وابن عباس وهو قراءة ابن عامر وأردت بالاسقاط عدم الاتيان بها (وما) موصولة و (بما كسبت أيديكم) خبرها لا شرطية الا عند من أجاز حذف الفاء من الجواب مطلقاً والجمهور يقرأون بالفاء على انها زائدة في خبر ما الموصولة لتضمن معنى الشرطية أو رابطة على انها شرطية والباء سببية وما مصدرية أو موصول اسمي والايدي جمع يد والمراد تقبيح المعاصي الى الخلق فان ما يصيبهم من المكاره هو بسبب عملهم باليد أو غيرها وعبر بالأيدى لكثرة العمل بها والحاصل انه كنى بعمل اليد عن عمل الجوارح وغيرها والمراد بسبب بعض عملهم بدليل* {وَيَعْفُ} بحذف الواو عطفاً على جملة الجواب اذا جعلت ما شرطية والا فحذفها تخفيف وقرئ باثباتها استئنافاً {وَيَعْفُو} ويجوز العطف* {عَن كَثِيرٍ} أي فلا يصيبكم بسببه مكروه وذلك في المحرم وغيره فان المؤمن يصيبه مكروه لعمل قبيح صدر منه ويغفر له كثيراً بلا اصابة مصيبة أي شدة وبلاء. وفي الحديث: "حديث : ما من اختلاج عرق، ولا خدش عود، ولا نكبة حجر، الا بذنب، ولما يعفو عنه الله أكثر"تفسير : . ورأى مرة الهمداني على ظهر كف شريح قرحة فقال: ما هذا قال: بما كسبت يدي ويعفو عن كثير. وفي الحديث "حديث : ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء فى الدنيا فبما كسبت أيديكم والله أكرم من أن يثنى عليكم العقوبة فى الآخرة وما عفا الله عنه فى الدنيا فالله أحلم من أن يعود فيه بعد عفوه". تفسير : قال علي: حق على المسلمين يعفون وهذا فى المؤمن وهو أرجى حديث وعن علي، هذه الآية أرجى آية في كتاب الله عز وجل وفي الحديث: "حديث : لا يصيب المؤمن شوكة فما فوقها الا رفع الله بها له درجة وحط خطيئة ". تفسير : وقال عكرمة: ما من نكبة أصابت عبداً فما فوقها الا بذنب لا يغفر الا بها أو درجة لا ترفع الا بها. وقيل لابى سليمان الداراني: ما بال العقلاء أزالوا اللوم عمن سواهم؟ فقال: لانهم علموا ان الله تعالى انما ابتلاهم بذنوبهم؛ قيل: من لم يعلم ان ما وصل اليه من الفتن والمصائب باكتسابه وان ما عفا عنه مولاه أكثر كان قليل النظر في احسان ربه اليه وقيل: أيضاً العبد ملازم للجنايات في كل أوان وجنايته في طاعته أكثر من جنايته فى معاصيه لان جناية المعصية من وجه وجناية الطاعة من وجوه والله مطهر عبده من جناياته بأنواع المصائب ليخفف عنه أثقاله في القيامة ولولا عفوه ورحمته لهلك فى أول خطوة وزعم بعضهم ان الآية مخصوصة بالمجرمين وما أصاب الانبياء والاطفال والمجانين والمؤمنين فللتعريض للأجر العظيم قلت بل يصيب الأطفال أيضاً من ذنوب آبائهم فيما قيل ويصيب الأنبياء أيضاً لشيء فعلوه أو زيادة درجة صبرهم وكذا المؤمنون. وعن الحسن ان الله كتب عنده كتاباً ان ذنب كذا عقوبته كذا فيعفو عن أكثره "حديث : وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجه رجل فقال: ما هذا؟ قال يا رسول الله كنت في طريق فرأيت امرأة فجعلت أنظر اليها حتى صدمت بوجهي الحائط ولم أشعر فقال صلى الله عليه وسلم: ان أراد الله بعبد خيراً عجل عقوبة ذنبه فى الدنيا واذا أراد بعبد شراً أمسك عليه بذنبه حتى يوافيه يوم القيامة ولا تزال البلايا بالمؤمن في جسده وماله وولده حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة ". تفسير : وروى بعضهم عن الحسن ان معنى الآية (في الحدود) أي ما أصابكم من حد من حدود الله فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير فيستره على العبد حتى لا يحد عليه

اطفيش

تفسير : {وما أصابكُم} أيها المكلفون المؤمنون والكافرون {مِنْ مُصيبةٍ} كمرض وحزن واحتياج {فبما كَسَبت أيديكُم} من الذنوب، أو من سوء التدبير لأبدانكم وأحوالكم، وما موصولة لعدم الفاء فى جوابها، ولداع مثل هذا يقال بموصوليتها، لأن الأصل أن لا تحذف الفاء فى جواب الشرط، ولو كان الشرط ماضياً، وليس أنكم لمشركون جوابا لأن فى سورة الأنعام "بما كسبت أيديكم" خبر، ويجوز أن تكون شرطية، ويقدر الجواب بما يصلح شرطا، فلا يحتاج للفاء، أى أصابكم بما كسبت أيديكم، ويدل على ذلك قراءة فيما بالفاء، التى هى أصل فى الشرطية، أى فاصابته إياكم بما كسبت أيديكم {ويعْفو عن كَثيرٍ} من ذنوبكم، وسوء تدبيركم، لا يرتب عليه سوءا، أو عن كثير من الناس، والمتبادر الأول، ويدل له رواية أبى موسى، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يصيب عبدا نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر" تفسير : وقرأ {ما أصابكم} الآية رواه الترمذى. ولما نزلت قال رسُول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : والذي نفسي بيده ما من خدش عود أو اختلاج عرق ولا نكبة حجر، ولا عثرة قدم إلا بذنب وما يعفو الله عز وجل عنه أكثر" تفسير : وعن عكرمة: ما من نكبة أصابت عبدا فما فوقها الا بذنب لم يكن الله ليغفر له إلا بها أو درجة لم يكن الله ليرفعه لها إلا بها " وفى الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يصيب المؤمن شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها سيئة" تفسير : وكانت أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنه تصدع فتقع يدها على رأسها وتقول: بذنبى وما يغفر الله تعالى أكثر. وقيل لشريح: بم هذه الفرحة فى كفك؟ فقال: بما كسبت يدى وما أصاب الأنبياء ونحوهم ممن لا ذنب له، فهو لرفع الدرجات، أو لتأديب عن شىء ما، وما أصاب الطفل ونحوه ممن لم يكلف يثاب عليه فى الآخرة، ويثاب عليه أبواه، ومن يشق عليه بحسن الصبر، قال على: ألا أخبركم بأفضل آية فى كتاب الله تعالى حدثنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير" وسأفسرها لك يا على، وما أصابك من مرض أو عقوبة أو بلاء فى الدنيا، فبما كسبت أيديكم، والله تعالى أكرم من أن يثنى عليكم العقوبة فى الآخرة، وما عفا الله عنه فى الدنيا فالله سبحانه أكرم من أن يعود بعد عفوه، ولا يخفى أن المراد ما تيب عنه، وأما ذنب أصيب ولم يتب عنه، فمعاقب عليه فى الآخرة، وما أصيب به من جلد وقطع ونحوهما لا يكفر عنه ذنبه إن لم يتب عوقب بذنبه فى الآخرة.

الالوسي

تفسير : {وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ} أيُّ مصيبةٍ كانت من مصائب الدنيا كالمرض وسائر النكبات {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} أي فبسبب معاصيكم التي اكتسبتموها. و {مَا} اسم موصول مبتدأ والمبتدأ إذا كان موصولاً صلته جملة فعلية تدخل على خبره الفاء كثيراً لما فيه من معنى الشرط لإشعاره بابتناء الخبر عليه فلذا جىء بالفاء هنا. وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر في رواية وشيبة {بِمَا} بغير فاء لأنها ليست بلازمة وإيقاع المبتدأ موصولاً يكفي في الإشعار المذكور، وحكي عن ابن مالك أنه قال: اختلاف القراءتين دل على أن (ما) موصولة فجىء تارة بالفاء في خبرها وأخرى لم يؤت بها حطاً للمشبه عن المشبه به، وجوز كون (ما) شرطية واستظهره أبو حيان في القراءة بالفاء وجعلها موصولة في القراءة الأخرى بناءً على أن حذف الفاء من جواب الشرط مخصوص بالشعر عند سيبويه نحو:شعر : من يفعل الحسنات الله يشكرها تفسير : والأخفش وبعض نحاة بغداد أجازوا ذلك مطلقاً، ومنه / قوله تعالى: {أية : وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} تفسير : [الأنعام: 121]. وقال أبو البقاء: حذف الفاء من الجواب حسن إذا كان الشرط بلفظ الماضي ويعلم منه مزيد حسن حذفها هنا على جعل (ما) موصولة. {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} أي من الذنوب فلا يعاقب عليها بمصيبة عاجلاً قيل وآجلاً. وجوز كون المراد بالكثير الكثير من الناس والظاهر الأول وهو الذي تشهد له الأخبار. روى الترمذي عن أبـي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يصيب عبداً نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب وما يعفو الله تعالى عنه أكثر وقرأ {وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ}»تفسير : . وأخرج ابن المنذر وجماعة عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية {وَمَا أَصَـٰبَكُمْ} الخ، قال عليه الصلاة والسلام «حديث : والذي نفسي بيده ما من خدش عود ولا اختلاج عرق ولا نكبة حجر ولا عثرة قدم إلا بذنب وما يعفو الله عز وجل عنه أكثر»تفسير : ، وأخرج ابن سعد عن أبـي مليكة أن أسماء بنت أبـي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما كانت تصدع فتضع يدها على رأسها وتقول بذنبـي وما يغفره الله تعالى أكثر، ورؤى على كف شريح قرحة فقيل: بم هذا؟ فقال: بما كسبت يدي، وسئل عمران بن حصين عن مرضه فقال: إن أحبه إليَّ أحبه إلى الله تعالى وهذا بما كسبت يدي. والآية مخصوصة بأصحاب الذنوب من المسلمين وغيرهم فإن من لا ذنب له كالأنبياء عليهم السلام قد تصيبهم مصائب، ففي الحديث «حديث : أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل»تفسير : ويكون ذلك لرفع درجاتهم أو لحكم أخرى خفيت علينا، وأما الأطفال والمجانين فقيل غير داخلين في الخطاب لأنه للمكلفين وبفرض دخولهم أخرجهم التخصيص بأصحاب الذنوب فما يصيبهم من المصائب فهو لحكم خفية، وقيل: في مصائب الطفل رفع درجته ودرجة أبويه أو من يشفق عليه بحسن الصبر ثم إن المصائب قد تكون عقوبة على الذنب وجزاء عليه بحيث لا يعاقب عليه يوم القيامة، ويدل على ذلك ما رواه أحمد في «مسنده» والحيكم الترمذي وجماعة عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله تعالى حدثنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} وسأفسرها لك يا علي ما أصابك من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم والله تعالى أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة وما عفا الله تعالى عنه في الدنيا فالله سبحانه أكرم من أن يعود بعد عفوه. وزعم بعضهم أنها لا تكون جزاء لأن الدنيا دار تكليف فلو حصل الجزاء فيها لكانت دار جزاء وتكليف معاً وهو محل فما هي إلا امتحانات، وخبر علي كرم الله وجهه يرده وكذا ما صح من أن الحدود ـ أي غير حد قاطع الطريق ـ مكفرات وأي محالية في كون الدنيا دار تكليف ويقع فيها لبعض الأشخاص ما يكون جزاء له على ذنبه أي مكفراً له. وعن الحسن تفسير المصيبة بالحد قال: المعنى ما أصابكم من حد من حدود الله تعالى فإنما هو بكسب أيديكم وارتكابكم ما يوجبه ويعفو الله تعالى عن كثير فيستره على العبد حتى لا يحد عليه، وهو مما تأباه الأخبار ومع هذا ليس بشيء ولعله لم يصح عن الحسن. وفي «الانتصاف» أن هذه الآية تبلس عندها القدرية ولا يمكنهم ترويج حيلة في صرفها عن مقتضى نصها فإنها حملوا قوله تعالى: {أية : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 48] على التائب وهو غير ممكن لهم هٰهنا فإنه قد أثبت التبعيض / في العفو ومحال عندهم أن يكون العفو هنا مقيداً بالتوبة فإنه يلزم تبعيضها أيضاً وهي عندهم لا تتبعض كما نقل الإمام عن أبـي هاشم وهو رأس الاعتزال والذي تولى كبره منهم فلا محمل لها إلا الحق الذي لا مرية فيه وهو رد العفو إلى مشيئة الله تعالى غير موقوف على التوبة. وأجيب عنهم بأن لهم أن يقولوا: المراد ويعفو عن كثير فلا يعاقب عليه في الدنيا بل يؤخر عقوبته في الآخرة لمن لم يتب. وأنت تعلم ما دل خبر علي كرم الله تعالى وجهه.

ابن عاشور

تفسير : لما تضمنت المنةُ بإنزال الغيث بعدَ القُنوط أن القوم أصابهم جهد من القحط بلغ بهم مبلغ القنوط من الغيث أعقبت ذلك بتنبيههم إلى أن ما أصابهم من ذلك البؤس هو جزاء على ما اقترفوه من الشرك تنبيهاً يبعثهم ويبعث الأمة على أن يلاحظوا أحوالهم نحو امتثال رضى خالقهم ومحاسبة أنفسهم حتى لا يحسبوا أن الجزاء الذي أُوعدوا به مقصور على الجزاء في الآخرة بل يعلموا أنه قد يصيبهم الله بما هو جزاء لهم في الدنيا، ولما كان ما أصاب قريشاً من القحط والجوع استجابةً لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم عليهم كما تقدم، وكانت تلك الدعوة ناشئة على ما لاقوْه به من الأذى، لا جرم كان ما أصابهم مسبَّباً على ما كسبت أيديهم. فالجملة عطف على جملة { أية : وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا } تفسير : [الشورى: 28]، وأطلق كسب الأيدي على الأفعال والأقوالِ المنكرة على وجه المجاز بعلاقة الإطلاق، أي بما صدر منكم من أقوال الشرك والأذَى للنبي صلى الله عليه وسلم وفعلِ المُنكرات الناشئة عن دين الشرك. والخطاب للمشركين ابتداء لأنهم المقصود من سياق الآيات كلها وهم أوْلى بهذه الموعظة لأنهم كانوا غير مؤمنين بوعيد الآخرة ويشمل المؤمنين بطريق القياس وبما دل على شمول هذا الحكم لهم من الأخبار الصحيحة ومن آيات أخرى. والباء للسببية، أي سبب ما أصابكم من مصيبة هو أعمالكم. وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر {بما كسبت أيديكم} على أن (مَا) موصولة وهي مبتدأ. و{بما كسبت أيديكم} ظَرف مستقر هو خبر المبتدأ. وكذلك كتبت في مصحف المدينة ومصحف الشام وقرأ الباقون {فبما كسبت أيديكم} بفاء قبل الباء وكذلك كتبت في مصحف البصرة ومصحف الكوفة، على أن (مَا) متضمنة معنى الشرط فاقترن خبرها بالفاء لذلك، أو هي شرطية والفاء رابطة لجواب الشرط ويكون وقوع فعل الشرط ماضياً للدلالة على التحقق. و{مِن} بيانية على القراءتَيْن لما في الموصول واسم الشرط من الإبهام. والمصيبة: اسم للحادثة التي تصيب بضُرّ ومكروه، وقد لزمتها هاء التأنيث للدلالة على الحادثة فلذلك تنوسيت منها الوصفية وصارت اسماً للحادثة المكروهة. فقراءة الجمهور تُعيِّنُ معنى عموم التسبب لأفعالهم فيما يصيبهم من المصائب لأن (ما) في هذه القراءةِ إما شرطية والشرط دال على التسبب وإمّا موصولة مشبَّهة بالشرطية، فالموصولية تفيد الإيماء إلى علة الخبر، وتشبيهها بالشرطية يفيد التسبب. وقراءةُ نافع وابن عامر لا تعيِّن التسبب بل تُجوزه لأن الموصول قد يراد به واحد معيَّن بالوصف بالصلة، فتحمل على العموم بالقرينة وبتأييد القراءة الأخرى لأن الأصل في اختلاف القراءات الصحيحة اتحاد المعاني. وكلتا القراءتين سواء في احتمال أن يكون المقصود بالخطاب فريقا معيناً وأن يكون المقصود به جميع الناس، وكذلك في أن يكون المراد مصائب معيّنة حصلت في الماضي، وأن يراد جميع المصائب التي حصلت والتي تحصل. ومعنى الآية على كلا التقديرين يفيد: أن مما يصيب الناس من مصائب الدنيا ما هو جزاء لهم على أعمالهم التي لا يرضاها الله تعالى كمثل المصيبة أو المصائب التي أصابت المشركين لأجل تكذيبهم وأذاهم للرسول صلى الله عليه وسلم. ثم إن كانت (مَا) شرطية كانت دلالتها على عموم مفهومها المبين بحرف {مِن} البيانية أظهر لأن شرطها الماضي يصح أن يكون بمعنى المستقبل كما هو كثير في الشروط المصوغة بفعل المضيّ والتعليقُ الشرطي يمحّضها للمستقبل، وإن كانت (مَا) موصولة كانت دلالتها محتملة للعموم وللخصوص لأن الموصول يكون للعهد ويكون للجنس. وأيَّاً مَّا كان فهو دال على أن من المصائب التي تصيب الناس في الدنيا ما سلطه الله عليهم جزاء على سوء أعمالهم وإذا كان ذلك ثابتاً بالنسبة لأناس معيَّنين كان فيه نِذارة وتحذير لغيرهم ممن يفعل من جنس أفعالهم أن تحل بهم مصائب في الدنيا جزاء على أعمالهم زيادة في التنكيل بهم إلا أن هذا الجزاء لا يطّرد فقد يجازي الله قوماً على أعمالهم جزاء في الدنيا مع جزاء الآخرة، وقد يترك قوماً إلى جزاء الآخرة، فجزاء الآخِرةِ في الخير والشر هو المطَّرد الموعود به، والجزاء في الدنيا قد يحصل وقد لا يحصل كما قال تعالى: {ويعفو عن كثير} كما سنبينه. وهذا المعنى قد تكرر ذكره في آيات وأحاديث كثيرة بوجه الكلية وبوجه الجزئية، فَمِمّا جاء بطريق الكلية قوله تعالى: { أية : فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعَّمه فيقول ربي أكرمَنِ وأما إذا ما ابتلاه فقَدَر عليه رزقه فيقول ربي أهاننِ كَلاَّ بل لا تكرمون اليتيم ولا تحضّون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلاً لَمًّا } تفسير : [الفجر: 15 ـــ 19] الآيات، فقوله: {بل لا تكرمون اليتيم} مرتب على قوله: {كَلاَّ} المرتب على قوله: {فيقول ربّي أكرمنِ} وقولِه: {فيقول ربي أهاننِ}، فدل على أن الكرامة والإهانة إنما تسببا على عدم إكرام اليتيم والحضّ على طعام المسكين، وقال تعالى: { أية : ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون } تفسير : [الروم: 41]. وفي «سُنن الترمذي»: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : لا تصيب عبداً نَكبة فما فوقها أو دونَها إلا بذنْب وما يعفو الله عنه أكثر »تفسير : . وهو ينظر إلى تفسير هذه الآية، وأما ما جاء على وجه الجزئية فمنه قوله تعالى حكاية عن نوح { أية : فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفّاراً يرسل السماء عليكم مدراراً ويُمْدِدكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً } تفسير : [نوح: 10 ـــ 12] وقوله حكاية عنه { أية : أن اعبُدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى } تفسير : في سورة نوح [3، 4]. وقولُه خطاباً لبني إسرائيل { أية : فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا } تفسير : الآية في سورة البقرة (85)، وقوله { أية : إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين } تفسير : [الأعراف: 152] وقال حكاية عن موسى { أية : أتهلكنا بما فعل السفهاء منّا } تفسير : [الأعراف: 155] { أية : وإذ تأذّن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب } تفسير : في الأعراف (167)، وقال في فرعون { أية : فأخذه الله نكال الآخرة والأولى } تفسير : [النازعات: 25]، وقال في المنافقين { أية : أو لا يرون أنهم يُفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذَّكرون } تفسير : في براءة (126). وفي حديث الترمذي قال النبي "حديث : نقل الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في المكروهات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، من يحافظ عليهن عاش بخير ومات بخير"تفسير : . وفي باب العقوبات من آخر سنن ابن ماجه عن النبي: "حديث : وإن الرجل ليُحْرم الرزق بالذنب يصيبه"تفسير : . وفي البخاري حديث : قال خبّاب بن الأرتِّ: إنّا آمنا بالله وجاهدنا في سبيله فوجب أجرنا على الله فمِنّا من ذهب لم يأخذ من أجره شيئاً منهم مصعب بن عُمير، مات وما ترك إلا... كنا إذا غطّينا بها رأسه بدَت رجلاه وإذا غطّينا رجليه بدا رأسه فأمرنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نغطي بها رأسه ونضع على رجليه من الإذخرتفسير : ، ومنهم من عُجّلت له ثمرته فهو يهدبُها. وإذا كانت المصيبة في الدنيا تكون جزاء على فعل الشر فكذلك خيرات الدنيا قد تكون جزاء على فعل الخير قال تعالى: { أية : ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة } تفسير : [يونس: 62، 64]، وقال حكاية عن إخوة يوسف { أية : قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كُنّا لخاطئين } تفسير : [يوسف: 91] أي مُذنبين، أي وأنت لم تكن خاطئاً، وقال: { أية : فآتاهم الله ثوابَ الدنيا وحسنَ ثواب الآخرة } تفسير : في آل عمران (148) وقال: { أية : وكان أبوهما صالحاً فأراد ربك أن يَبْلُغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك } تفسير : في سورة الكهف (82)، وقال: { أية : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليسْتَخلِفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم } تفسير : [النور: 55] إلى قوله: { أية : وليبدلَنّهم من بعد خَوفهم أمناً } تفسير : في سورة النور (55). وهذا كله لا ينقض الجزاء في الآخرة، فمن أنكروا ذلك وقالوا: إن الجزاء إنما يحصل يوم القيامة لقوله تعالى: { أية : ملك يوم الدين } تفسير : [الفاتحة: 4] أي يوم الجزاء وإنما الدنيا دار تكليف والآخرة دار الجزاء، فالجواب عن قولهم هو: أنه ليس كون ما يصيب من الشر والخير في الدنيا جزاء على عمل بمطّرد، ولا متعيّن له فإن لذلك أسباباً كثيرة وتدفعه أو تدفع بعضاً منه جوابر كثيرة والله يقدّر ذلك استحقاقاً ودفعاً ولكنه مما يزيده الله به الجزاء إن شاء. وقد تصيب الصالحين نكبات ومصائب وآلام فتكون بلوَى وزيادة في الأجر ولِما لا يعلمه إلا الله، وقد تصيب المسرفين خيرات ونعم إمهالاً واستدراجاً ولأسباب غير ذلك مما لا يحصيه إلا الله وهو أعلم بخفايا خلقه ونواياهم ومقادير أعمالهم من حسنات وسيئات، واستعدادِ نفوسهم وعقولهم لمختلف مصادر الخير والشر قال تعالى: { أية : ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولّوا وهم معرضون } تفسير : [الأنفال: 23]. ومما اختبط فيه ضعفاء المعرفة وقُصَّار الأنظار أنْ زَعَم أهلُ القول بالتناسخ أن هذه المصائب التي لا نرى لها أسباباً والخيرات التي تظهر في مواطن تحفّ بها مقتضِيات الشرور إنما هي بسبب جزاء الأرواح المودعة في الأجسام التي نشاهدها على ما كانت أصابته من مقتضيات الأحوال التي عرضت لها في مَرْآنا قبل أن توضع في هذه الأجساد التي نراها، وقد عَمُوا عما يرد على هذا الزعم من سؤال عن سبب إيداع الأرواح الشريرة في الأجساد الميسرة للصالحات والعكس فبئس ما يَفترون. فقوله: {ويعفو عن كثير} عطف على جملة {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم}، وضمير {يعفو} عائد إلى ما عاد إليه ضمير { أية : ومِن آياته خَلْق السماوات } تفسير : [الشورى: 29]. وهذا يشير إلى ما يتراءى لنا من تخلف إصابة المصيبة عن بعض الذين كسبت أيديهم جرائم، ومن ضد ذلك مما تصيب المصائب بعض الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهو إجمال يبيّنُه على الجملة أن ما يعلمه الله من أحوال عباده وما تغلب من حسناتهم على سيئاتهم، وما تقتضيه حكمة الله من إمهال بعض عباده أو من ابتلاء بعض المقربين، وتلك مراتب كثيرة وأحوال مختلفة تتعارض وتتساقط والموفَّق يبحث عن الأسباب فإن أعجَزته فوّض العلم إلى الله. والمعنى: أنه تعالى يعفو، أي يصفح فلا يصيب كثيراً من عباده الذين استحقّوا جزاء السوء بعقوبات دنيوية لأنه يعلم أن ذلك أليق بهم. فالمراد هنا: العفو عن المؤاخذة في الدنيا ولا علاقة لها بجزاء الآخرة فإن فيه أدلة أخرى من الكتاب والسنة. و{كثير} صفة لمحذوف، أي عن خلق أو ناس.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَصَابَكُمْ} {يَعْفُواْ} (30) - مَا يَحِلُّ بِكُمْ مِنَ مَصَائِبِ الدُّنْيَا فَإِنَّمَا تُصَابُونَ بِهِ عُقُوبَةً لَكُمْ عَلَى مَا اجْتَرَحْتُمْ مِنَ السَّيِّئَاتِ والذُنُوبِ والآثَامِ، وَمَا عَفَا اللهُ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا، أَوْ آخَذَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لاَ يُعَاقِبُ عَلَيْهِ فِي الآخِرَةِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى اتَّصَفَ بِالرَّحْمَةِ، وَتَنَزَّهَ عَنِ الظُّلْمِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كلمة أصاب مأخوذة من إصابة السهم للهدف، فإذا كان الرامي حاذقاً أصاب الهدف دون انحراف، فكأن المصائب في الدنيا سهام أُطْلقت بالفعل، وهي لا بدَّ صائبة أصحابها. لذلك يقولون: إن المصيبة ليست ناشئة حال وقوعها، إنما هي مُقدَّرة أزلاً، وسهم أُطلق بالفعل، فوقتها هو مسافة سفر السهم إليك، كما سبق أنْ قُلْنا في مصيبة الموت. فهو إذن مسألة مفروغ منها وأمر مُسجَّل ومكتوب عليه أزلاً ليس حادثاً، فالكون كله له (ماكيت) مُسجَّل ومُوضَّح به كل شيء. لذلك قال تعالى: {أية : مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} تفسير : [الحديد: 22] إذن: لا مفرَّ أبداً من المصيبة ولا مهربَ منها، ولا يمكن أبداً أنْ نحتاط لها، لأن السهم الذي أُطلِق لا يُرد. والمصائب التي تصيب الإنسان على نوعين: نوع لك فيه دَخْل ويد، ونوع لا دخلَ لك فيه، فمثلاً التلميذ الذي يرسب آخر العام لأنه أهمل دروسه ولم يجتهد لا شكَّ أن له دخلاً في هذه المصيبة التي حلَّت به آخر العام، فإذا كنت لا تريد أن تصيبك هذه المصيبة فخُذْ بأسباب النجاح واحذر أسباب الفشل وسوف تجد النجاح. الأخرى: مصيبة لا دخْلَ لك فيها، كالتلميذ يذاكر ويجتهد ويحفظ دروسه لكن يصيبه دوار ساعة الامتحان أو مرض مفاجئ فلا يستطيع إكمال الامتحان فيرسب، هذا حدث بقدر الله والذي أجرى عليه القدر ربه عز وجل، ولا بدَّ أنَّ له فيه حكمة، لذلك يجب الرضا بهذه المصيبة على أنها قضاء الله وقدره، والمصيبة تهون مهما كانت عظيمة حينما يؤمن المصاب بها أنها من الله لا من أحد سواه. وسبق أنْ أوضحنا هذه المسألة بمثال من الواقع. قلنا: هَبْ أنك جالس فدخل عليك ابنك الصغير ووجهه يسيل منه الدم، وإن أول ما يتبادر إلى ذهنك أن تسأله: مَنْ فعل بك هذا؟ إذن: لم تحكم على الحدث إنما سألتَ عن صاحبه؛ لأن الحدث في ذاته لا يُحزن ولا يُفرح إلا بمصاحبة الفاعل. فإنْ قال لك الولد: عمِّي فلان ضربني تهدأ. وتقول له: لا بدَّ أنكَ فعلتَ شيئاً يستحق العقاب، أما إنْ قال لك: ضربني فلان جارنا تغضب وتقيم الدنيا ولا تقعدها. إذن: الحدث إنْ كان من مُحبٍّ قبلناه، وعلمنا أن وراءه مصلحة ورضينا به، وإنْ كان من عدو فلا مصلحةَ فيه واعترضنا عليه. فالحق سبحانه يريد أنْ يُعلِّمنا كيفية استقبال المصائب وأنَّ كلَّ مصيبة تأتي لها سبب، فإنْ عرفناه كان بها، وإنْ جهلناه قلنا لا بدَّ أن لله فيه حكمة ودخلنا من باب الرضا والتسليم بدل أن ندخل من باب السخط والاعتراض. فالطالب الذي أصابه دوار ولم يؤدِّ الامتحان يقول في نفسه: لعلَّني كنت مغروراً، فأراد الله أنْ يقضي على غروري، أو لعلَّني كنت سأحصل على مجموع أقل مما أريد، أو لعلَّ الله دفع عني بذلك عيون الحاسدين. ألم يقل الحق سبحانه في حق نبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ ..} تفسير : [القلم: 51]. والحق سبحانه وتعالى في سورة الكهف يعطينا مثالاً ونموذجاً يُعلِّمنا كيف نستقبل الأحداث؟ وكيف نتقبل المصائب؟ فما دام أنه لا دخْلَ لك فيها فلا بدَّ أن لله فيها حكمة، تقرأون قصة العبد الصالح مع سيدنا موسى عليهما السلام، فالعبد الصالح لم يكُنْ نبياً ومع ذلك تعلَّم منه النبي وطلب مصاحبته، فالعبد حينما يرتقي في علاقته بربه يفتح الله عليه فتوحات من عنده ويعلمه علماً لا يعطيه إلا لخاصته. العبد الصالح كان يعبد الله على منهج سيدنا موسى، ومع ذلك تبعه موسى ليتعلم منه، لأن مهمة الرسول أن يصل المرسل إليه بربه، فإذا ما وصله بربه تركه وشأنه مع الله، وعندها يكون كل عبد (وشطارته) في علاقته بالله تعالى، فهذا العبد الصالح تقرَّب إلى الله ودخل معه سبحانه في وُدٍّ، فكان له معه شأن خاص. انظر سيدنا موسى يقول للعبد الصالح: {أية : قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} تفسير : [الكهف: 66-67] ذلك لأنك سترى أموراً لا تعجبك وأفعالاً لا تدرك أنت حكمتها {أية : وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً * قَالَ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً * قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً} تفسير : [الكهف: 68-70]. ثم تبدأ الرحلة وينطلق موسى في صحبة العبد الصالح، وأول حدث بينهما كانت السفينة {أية : فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً} تفسير : [الكهف: 71]. هذا أول اعتراض من موسى، لأن الفعل في ظاهره غريب يستحق الاعتراض. {أية : قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً * فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً} تفسير : [الكهف: 72-74] يعني: منكراً. نعم موسى لم يستطع أن يصبر وهو يرى هذا الفعل العجيب المنكر في نظره {أية : قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً * فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} تفسير : [الكهف: 75-77]. وكانت هذه هي الثالثة، وتحقق الشرط الذي قطعه موسى على نفسه، فقرر العبد الصالح مفارقته، لكن قبل أن يفترقا قال له: تعالَ أوضح لك ما لم يحتمله صبرك في هذه الأحداث: {أية : قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً * أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً} تفسير : [الكهف: 78-79] أي: يأخذ كل سفينة صالحة. ولا شكَّ أن خرق السفينة مصيبة لأصحابها في ظاهر الأمر، لكن لله تعالى فيها حكمة، حيث كان وراء هؤلاء المساكين ملك ظالم يأخذ كل سفينة جيدة ويغتصبها، فأردتُ أنْ أُحدِثَ بها عيباً حتى لا يأخذها. إذن: فنحن هنا لا نقارن بين سفينة مخروقة وسفينة صالحة، إنما بين سفينة مخروقة وعدم وجود سفينة أصلاً، فخرْق السفينة أهونُ بالنسبة لأصحابها من أخذها كلية، ثم بإمكانهم أنْ يُصلحوها بعد ذلك، المهم أنْ تسلم لهم من هذا الملك. {أية : وَأَمَّا ٱلْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَـاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً} تفسير : [الكهف: 80-81] ففي علم الله تعالى أنه سيكون ولداً عاقاً يُحدث فتنة لأبويه، كما قال سبحانه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ ..} تفسير : [التغابن: 14] فكان في القضاء عليه حكمة. فإنْ قلت: فما ذنبُ الغلام يُقتل وهو صغير؟ قالوا: لا ذنب له لكنه لم يخْلُ من مصلحة وخير يلحقه هو أيضاً حيث أُخِذ وهو صغير، فقد اختصرنا له الحياة فلم يُعانِ فيها، ولم يقترف شيئاً من سيئاتها، ومات قبل سِنِّ التكليف فلن يُحاسب على شيء، ثم سيكون في عداد الشهداء، ومسكنه في الجنة يتجول فيها حيث أراد ويدخل منها أيَّ مكان حتى على رسول الله، فهو من (دعاميص) الجنة، إذن: فقتله جاء رحمة به. {أية : وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع عَّلَيْهِ صَبْراً} تفسير : [الكهف: 82]. أولاً عرفنا أن هذه القرية فيها ناس لئآم لا خير فيهم، بدليل أنهم منعوهما الطعام ومَنْع الطعام فيه لُؤْم وخِسَّة، لأن الذي يسأل الطعام غير الذي يسأل المال، الذي يسألك مالاً ربما ليكنزه، أمَّا سؤال الطعام فلا يكون إلا عن حاجة. لذلك قالوا: أصدق سؤال مَنْ يسألكم طعاماً، فلما منعوهما الطعام كان أمراً عجيباً أنْ يبني لهم العبد الصالح الجدار، فما قصته؟ كان الجدار لغلامين يتيمين في المدينة، وتصوَّر حال اليتيمين بين هؤلاء اللئام، كيف لو ظهر لهم هذا الكنز؟ وقد فهمنا من هذه المسألة أن صلاح الآباء ينفع الأبناء، وأن الغلامين كانا توأماً، بدليل قوله تعالى {أية : أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا ..} تفسير : [الكهف: 82] فلو كان أحدهما أكبر من الآخر ربما أخذه لنفسه، وأن العبد الصالح بنى الجدار بناء موقوتاً، بحيث يعيش فقط حتى سِنِّ البلوغ لهذين الغلامين، ثم ينهار فيجدا الكنز ويستطيعا حمايته من هؤلاء اللئام، ثم في بناء الجدار عقاب لهؤلاء البخلاء وقصاص منهم على بخلهم، حيث منعهم من أخذ أموال هذا الكنز. وأخيراً لم يَفُتْ العبد الصالح أنْ يُبيِّن لسيدنا موسى أنَّ ما فعله لم يكُنْ من عنده، إنما بأمر من الله {أية : وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ..} تفسير : [الكهف: 82] إنما عن أمر الله، إذن: حين تنزل المصيبة وليس لك فيها دَخْل فابحث عن الحكمة منها، ولا بدَّ أنك ستجدها وتهتدي إليها. والخطاب في {وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ..} [الشورى: 30] خطاب للعموم يشمل المؤمنين والكفار، الكافر لأنه دخل المعركة فهُزم فإنْ أخذ ماله أو قتل فبكفره، أما المؤمن فقد يكون ارتكب مخالفات ومعاصي تستوجب أنْ يعاقب كما في حدّ الزنا، وحدّ شرب الخمر مثلاً، أو أن يُعزَّز. والحق سبحانه وتعالى أوحى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم أنْ يُنبِّه أمته، وأنْ يُعلِّمها كيف تستقبل المصائب، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما يصيب المؤمن من نصيب ولا وصب حتى الشوكة يُشاكها إلا كفَّر الله بها من خطاياه ". تفسير : لذلك يقول أحد العارفين: إنِّي لأعرف مقامي عند ربي من خُلُق دابتي، يعني: حين تحرَن منه دابته أو تتعثَّر يسأل نفسه: ماذا فعلتُ حتى تحرنَ الدابة؟ وسيدتنا أسماء بنت سيدنا أبي بكر كان يلازمها شيء من الصداع، فكانت تمسك برأسها وتقول: بذنبي ويعفو الله عن كثير. ولتوضيح هذه المسألة قلنا: إن الحق سبحانه خلق الإنسان وحدَّد مهمته في الحياة، ووضع له منهجاً يحميه ويُنظم حركته فيها، فإنْ خالف هذا المنهج لا بدَّ أنْ يحدث له عطب، مثل الآلة يصنعها الإنسان، ويضع لها (كتالوجاً) يوضح كيفية استخدامها، فإنْ خالفت هذه التعليمات تعطلتْ الآلة. فالحق سبحانه يريد منَّا أنْ نعِيَ هذه القضية، ليطمئن المؤمن حين تصيبه مصيبة أو تنزل به نازلة، فيصبر ولا يجزع ولا يتسخط، بل يبحث عن الحكمة أو ينظر في نفسه: ماذا فعلتُ لتنزل بي هذه المصيبة، فهي ولا بدَّ تغسل عني شيئاً اقترفتُه وذنباً ارتكبته. هذا حال المؤمن الناصح أنْ يعود لنفسه وأنْ يحاسبها؛ لأنه يعلم مما علَّمه الله أن الدنيا دارُ عمل لا دار جزاء، الجزاء في الآخرة {أية : ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ ..} تفسير : [غافر: 17] إذن: ما يقع لي في الدنيا من ابتلاءات ومصائب ليس جزاءً؛ إنما لفْتُ نظر للعمل الصالح، ولأتعلم من مادية الأشياء أنَّ المخالفة لا بدَّ أنْ يكون لها عقاب. ثم نحن نشاهد المصائب تحلُّ بالصديق وبالزنديق وتعمُّ الجميع حتى الأنبياء، لذلك ورد في حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أشدُّ الناس بلاءً: الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل ". تفسير : فالابتلاءات للأنبياء ليستْ لذنوب ارتكبوها، إنما امتحان في التكليف وأُسْوة للغير، أُسْوة تصلح حال القوم وتُعلِّمهم الصبر عند المصيبة، فحين تنزل بنا المصائب نتذكر مصائب الأنبياء، وكيف أنهم صبروا فنصبر مثلهم، ونصحِّح من سلوكنا مع الله. وقوله: {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} [الشورى: 30] يعني: كثير من ذنوبنا وخطايانا، ولولا عفوه تعالى ورحمته بخَلْقه ما نجا أحد. لذلك نقول لمن تصيبه مصيبة (كفارة إنْ شاء الله) يعني: جعلها الله كفارةً لذنوبك، وقد ورد في الحديث القدسي: "حديث : وعِزَّتي وجلالي لا أُخرِج عبدي من الدنيا وقد أردتُ به الخير حتى أوفيه ما عمله من السيئات، من مرض في جسمه، أو خسارة في ماله، أو فَقْد ولده، فإذا بقيتْ عليه سيئة ثقَّلْتُ عليه سكرات الموت حتى يأتي كما ولدتْه أمه. وعزتي وجلالي لا أُخرج عبدي من الدنيا وقد أردتُ به الشر حتى أُوفِّيه ما عمله من الحسنات: من صحة في جسمه، وكثرة في ماله، وسلامة في ولده حتى يأتي يوم القيامة، وليس له عندي حسنة، لأنني قلت: لا أضيع أجر من أحسن عملاً"تفسير : . نعم يغدق الله عليه الخير في دار الفناء لأنه لا حظَّ له في دار البقاء.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى، أنه ما أصاب العباد من مصيبة في أبدانهم وأموالهم وأولادهم وفيما يحبون ويكون عزيزا عليهم، إلا بسبب ما قدمته أيديهم من السيئات، وأن ما يعفو اللّه عنه أكثر، فإن اللّه لا يظلم العباد، ولكن أنفسهم يظلمون {أية : وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ } تفسير : وليس إهمالا منه تعالى تأخير العقوبات ولا عجزا. { وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ } أي: معجزين قدرة اللّه عليكم، بل أنتم عاجزون في الأرض، ليس عندكم امتناع عما ينفذه اللّه فيكم. { وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ } يتولاكم، فيحصل لكم المنافع { وَلا نَصِيرٍ } يدفع عنكم المضار.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 865 : 1 : 5 - سفين عن اسماعيل المكي عن الحسن في قوله {وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} قال (ما) من خدش عود ولا عثرة قدم ولا اختلاج عرق الا هو بذنب. وما يعفوا الله عنا أكثر. ثم قرأ {وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ}. [الآية 30].

همام الصنعاني

تفسير : 2740- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن، في قوله: {وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}: [الآية: 30]، قَالَ: الْحُدُودُ. 2741- حدثنا عبد الرزاق، قال معمر، وقال قتادة، قال: الحسن: {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ}: [الآية: 30]، قال بلغنا أنه ليس مِنْ أحَدٍ تصيبه عَثْرة قَدَمٍ، أو خدش عُودٍ، أو كذا أو كذا إلاَّ بذنب، وما يعفوا الله عنه أكثر. 2742- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثَّوري، عن إسماعيل عن الحسن، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما مِنْ خدش عُودٍ، ولا عَثْرَةُ قَدَمٍ، ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفوا الله عنه أكثر"،تفسير : ثم قرأ: {وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ}.