Verse. 4303 (AR)

٤٢ - ٱلشُّورىٰ

42 - Ash-Shura (AR)

وَمَاۗ اَنْتُمْ بِمُعْجِزِيْنَ فِي الْاَرْضِ۝۰ۚۖ وَمَا لَكُمْ مِّنْ دُوْنِ اللہِ مِنْ وَّلِيٍّ وَلَا نَصِيْرٍ۝۳۱
Wama antum bimuAAjizeena fee alardi wama lakum min dooni Allahi min waliyyin wala naseerin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما أنتم» يا مشركون «بمعجزين» الله هرباً «في الأرض» فتفوتوه «وما لكم من دون الله» أي غيره «من وليّ ولا نصير» يدفع عذابه عنكم.

31

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِى ٱلأَرْضِ } فائتين ما قضى عليكم من المصائب. {وَمَا لَكُم مّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّ } يحرصكم عنها. {وَلاَ نَصِيرٍ } يدفعها عنكم. {وَمِنْ ءَايَـٰتِهِ ٱلْجَوَارِ } السفن الجارية. {فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلَـٰمِ } كالجبال. قالت الخنساء:شعر : وَإِنَّ صَخْراً لَتَأْتَمُّ الهُدَاةُ بِه كَأَنَّهُ عَلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارٌ تفسير : {إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرّيحَ } وقرىء «الرياح». {فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ } فيبقين ثوابت على ظهر البحر. {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } لكل من وكل همته وحبس نفسه على النظر في آيات الله والتفكر في آلائه، أو لكل مؤمن كامل الإِيمان فإن الإِيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر. {أَوْ يُوبِقْهُنَّ } أو يهلكهن بإرسال الريح العاصفة المغرقة، والمراد إهلاك أهلها لقوله تعالى: {بِمَا كَسَبُواْ } وأصله أو يرسلها فيوبقهن لأنه قسيم يسكن فاقتصر فيه على المقصود كما في قوله تعالى: {وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ } إذ المعنى أو يرسلها فيوبق ناساً بذنوبهم وينج ناساً على العفو منهم، وقرىء «ويعفو» على الاستئناف. {وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِى ءَايَـٰتِنَا } عطف على علة مقدرة مثل لينتقم منهم {وَيَعْلَمَ}، أو على الجزاء ونصب نصب الواقع جواباً للأشياء الستة لأنه أيضاً غير واجب، وقرأ نافع وابن عامر بالرفع على الاسئتناف، وقرىء بالجزم عطفاً على {يعف} فيكون المعنى ويجمع بين إهلاك قوم وإنجاء قوم وتحذير آخرين. {مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ} محيد من العذاب والجملة معلق عنها الفعل. {فَمَا أُوتِيتُمْ مّن شَىْءٍ فَمَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا} تمتعون به مدة حياتكم. {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ } من ثواب الآخرة. {خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } لخلوص نفعه ودوامه و {مَا} الأولى موصولة تضمنت معنى الشرط من حيث أن إيتاء ما أوتوا سبب للتمتع بها في الحياة الدنيا فجاءت الفاء في جوابها بخلاف الثانية. وعن علي رضي الله تعالى عنه: تصدق أبو بكر رضي الله تعالى عنه بماله كله فلامه جمع فنزلت. {وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰئِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوٰحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ} {وَٱلَّذِينَ } بما بعده عطف على {لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ } أو مدح منصوب أو مرفوع، وبناء {يَغْفِرُونَ} على ضميرهم خبراً للدلالة على أنهم الأخصاء بالمغفرة حال الغضب، وقرأ حمزة والكسائي «كبير الإِثم». {وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبّهِمْ } نزلت في الأنصار دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإِيمان فاستجابوا له. {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلوٰةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ } ذو شورى بينهم لا ينفردون برأي حتى يتشاوروا ويجتمعوا عليه، وذلك من فرط تدبرهم وتيقظهم في الأمور، وهي مصدر كالفتيا بمعنى التشاور. {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ } في سبيل الله الخير. {وَٱلَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْىُ هُمْ يَنتَصِرُونَ } على ما جعله الله لهم كراهة التذلل، وهو وصفهم بالشجاعة بعد وصفهم بسائر أمهات الفضائل وهو لا يخالف وصفهم بالغفران، فإنه ينبىء عن عجز المغفور والانتصار عن مقاومة الخصم، والحلم عن العاجز محمود وعن المتغلب مذموم لأنه إجراء وإغراء على البغي، ثم عقب وصفهم بالانتصار للمنع عن التعدي. {وَجَزَاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا} وسمى الثانية {سَيّئَةٌ} للازدواج، أو لأنها تسوء من تنزل به. {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ } بينه وبين عدوه. {فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ } عدة مبهمة تدل على عظم الموعود. {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ } المبتدئين بالسيئة والمتجاوزين في الانتقام.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَآ أَنتُمْ } يا مشركون {بِمُعْجِزِينَ } الله هرباً {فِى ٱلأَرْضِ } فتفوتونه {وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ } أي غيره {مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ } يدفع عذابه عنكم.

البقاعي

تفسير : ولما كان من يعاقب بما دون الموت ربما ظن أنه عاجز قال: {وما أنتم بمعجزين} لوأريد محقكم بالكلية ولا في شيء أراد سبحانه منكم كائناً ما كان. ولما كان من ثبت قدرته على محل العلو بخلقه وما أودعه من المصنوعات أجدر بالقدرة على ما دونه، أشار إلى ذلك بقوله: {في الأرض} ولما كان الكلام في العقوبة في الدنيا قبل الموت، ولم يكن أحد يدعي فيها التوصل إلى السماء، لم يدع داع إلى ذكرها بخلاف ما مضى في العنكبوت. ولما نفى امتناعهم بأنفسهم، وكان له سبحانه من العلو ما تقصر عنه العقول، فكان كل شيء دونه، فكان قادراً على كل شيء قال: {وما لكم} أي عند الاجتماع فكيف عند الانفراد. ولما كانت الرتب في غاية السفول عن رتبته والتضاؤل دون حضرته، أثبت الجار منبهاً على ذلك فقال: {من دون الله} أي المحيط بكل شيء عظمة وكبراً وعزة، وعم بقوله: {من ولي} أي يكون متولياً لشيء من أموركم بالاستقلال {ولا نصير *} يدفع عنكم شيئاً يريده سبحانه بكم. ولما دل سبحانه على تمام قدرته واختياره وختم بنفي الشريك اللازم للوحدانية التي اعتقادها أساس الأعمال الصالحة، دل عليها بأعظم الآيات عندهم وأوضحها في أنفسهم وأقربها إلى إفهامهم لما لهم من الإخلاص عندها فقال تعالى: {ومن آياته} أي الدالة على تمام قدرته واختياره ووحدانيته وعظيم سلطانه تسخيره وتذليله لسير الفلك فيه حاملة ما لا يحمله غيرها، وهو معنى قوله: {الجوار} أي من السفن، وهي من الصفات التي جرت مجرى الأعلام، ودل على الموصوف ما بعده فلذلك حذف لأن القاعدة أن الصفة إذا لم تخص الموصوف امتنع حذفه فنقول: مررت بمهندس، ولا تقول: مررت بماشٍ - إلا بقرينة كما هنا. ولما كانت ثقيلة في أنفسها، وكان يوضع فيها من الأحمال ما يثقل الجبال، وكان كل ثقيل ليس له من ذاته إلا الغوص في الماء، كانت كأنها فيه لا عليه لأنها جديرة بالغرق فقال تعالى محذراً من سطواته متعرفاً بجليل نعمته معرفاً بحقيقة الجواري: {في البحر كالأعلام *} أي الجبال الشاهقة بما لها من العلو في نفسها عن الماء ثم بما يوصلها وما فيه من الشراع عليها من الارتفاع، وقال الخليل: كل شيء مرتفع عند العرب فهو علم. ولما كان كأنه قيل: وما تلك الآيات؟ ذكر ما يخوفهم منها ويعرفهم أن جميع ما أباحهم إياه من شؤونها إنما هو بقدرته واختياره فقال: {إن يشاء} أي الله الذي حملكم فيها على ظهر الماء آية بينة سقط اعتبارها عندكم لشدة الفكر لها {يسكن الريح} التي يسيرها وانتم مقرّون أن أمرها ليس إلا بيده {فيظللن} أي فتسبب عن ذلك أنهن يظللن أن يقمن ليلاً كان أو نهاراً، ولعله عبر به مع أن أصله الإقامة نهاراً لأن النهار موضع الاقتدار على الأشياء وهو المنتظر عند كل متعسر للسعي في إزالة عسره وتيسر أمره {رواكد} أي ثوابت مستقرات من غير سير {على ظهره} ثباتاً ظاهراً بما دل عليه إثبات اللامين وفتح لامه الأولى للكل. ولما كان ذلك موضع إخلاصهم الدعوة لله والإعراض عن الشركاء فإنهم كانوا يقولون في مثل هذا الحال: اخلصوا فإن آلهتكم - أي من الأصنام وغيرها من دون الله - لا تغني في البحر شيئاً، وكانوا ينسبون ذلك شركاء مع طلوعهم إلى البر كانوا بمنزلة من لا يعد ذلك آية أصلاً، فلذلك أكد قوله: {إن في ذلك} أي ما ذكر من حال السفن في سيرها وركودها مما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه بدليل ما للناس كافة من الإجماع على التوجه في ذلك إليه خاصة والانخلاع مما سواه {لآيات} أي على أن إحاطته سبحانه بجميع صفات الكمال أمر مركوز في العقول ثابت في الفطر الأولى مما لا يصد عنه إلا الهوى، وعلى أن بطلان أمر ما دونه لذلك هو من الظهور بمكان لا يجهل. ولما كانوا يتمادحون بالصبر على نوازل الحدثان والشكر لكل إحسان ويتذامون بالجزع والكفران، وكان ذلك يقتضي ثباتهم على حال واحد فإن كان الحق عليهم لمعبوداتهم فرجوعهم عنها عند الشدائد مما لا ينحو نحوه ولا يلتفت لفتة أحد من كمل الرجال الذين يجانبون العار والاتسام بمسيم الإغمار، وإن كان الحق كما هو الحق لله فرجوعهم عنه عند الرخاء بعد إنعامه عليهم بإنجائهم من الشدة لا يفعله ذو عزيمة، قال مشيراً إلى ذلك بصيغتي المبالغة: {لكل صبار} أي في الشدة {شكور *} أي في الرخاء وإن كثر مخالفوه، وعظم نزاعهم له، وهاتان صفتا المؤمن المخلص الذي وكل همته بالنظر في الآيات فهو يستملي منها العبر ويجلو بها من البصيرة عين البصر. ولما نبه بهذا الاعتراض بين الجزاء ومعطوفه على ما فيه من دقائق المعاني في جلائل المباني، قال مكملاً لما في ذلك من الترغيب في صورة الترهيب: {أو} أي أو أن يشاء في كل وقت أراده، واسند الإيباق إلى الجواري تأكيداً لإرادة العموم في هلاك الركاب فقال: {يوبقهن} أي يهلكهن بالإغراق بإرسال الريح وغير ذلك من التباريح حتى كأنهن بعد ذلك العلو في وقبه أي حفره، وطاق في الماء وقعره، وقد تقدم تحقيق معنى "وبق" بجميع تقاليبه في سورة الكهف، ومنه أن وبق كوعد ووجل وورث وبوقاً وموبقاً: هلك، والموبق كمجلس: المهلك وكل شيء حال بين شيئين لأن الوقبة تحول بين ما فيها وبين غيره، ومنه قيل للموعد: موبق، وأوبقه: حبسه أو أهلكه. ولما كان الإهلاك لهن إهلاكاً للركاب، قال مبيناً أنهم المقصودون مجرداً الفعل إشارة إلى أن ابن آدم لما طبع عليه من النقائص ليس له من نفسه فعل خال عن شوب نقص حثاً له على اللجوء إلى الله في تهذيب نفسه وإخلاص فعله: {بما كسبوا} أي فعلوا من المعاصي بجدهم فيه واجتهادهم. ولما كان التقدير تفصيلاً للإيباق: فيغرق كل من فيهن إن شاء ويغرق كثيراً منهم إن شاء عطف عليه قوله: {ويعف} أي إن يشاء {عن كثير *} أي من الناس الذين في هذه السفن الموبقه، فينجيهم بعوم أو حمل عى خشبة أو غير ذلك، وإن يشأ يرسل الريح طيبة فينجيها ويبلغها أقصى المراد إلى غير ذلك من التقادير الداخلة تحت المشيئة، فالفعل كما ترى عطف على يوبق، وعطف بالواو لأنه قسم من حالي الموبقة، وهو بمعنى ما ورى عن أهل المدينة من نصب "يعفو" بتقدير "إن" ليكون المعنى: يوقع إيباقاً وعفواً. ولما كان هذا كله على صورة الاختبار لن يستبصر فيدوم إخلاصه، ومن يرجع إلى العمى فلا يكون خلاصه، قال مبيناً بالنصب للصرف عن العطف على شيء من الأفعال الماضية لفساد المعنى لكونها في حيز الشرط، فيصير العلم أيضاً مشروطاً: {ويعلم الذين يجادلون} أي عند النجاة بالعفو. ولما كان مقام العظمة شديد المنافاة للمجادلة، لفت القول إليه فقال: {في آياتنا} أي هذه التي لا تضاهي عظمتها ولا تقايس جلالتها وعزتها رجوعاً إلى ما كانوا عليه من الشرك والنزاع في تمام القدرة بإنكار البعث، ومن واو الصرف يعرف أن مدخولها مفرد في تأويل المصدر لأن النصب فيها بتقدير أن فيكون مبتدأ خبره ما يدل عليه السياق فالتقدير هنا: وعلمه سبحانه بالمجادلين عند هذا حاصل، والتعبير عنه بالمضارع لإفادة الاستمرار لتجدد تعلق العلم بكل مجادل كلما حصل جدال، وقراءة نافع وابن عامر بالرفع دالة على هذا، فإن التقدير: وهو يعلم - فالرفع هنا والنصب سواء، قال الرضي في شرح قول ابن الحاجب في نواصب الفعل: والفاء - أي ناصبة - بشرطين: السببية، والثاني أن يكون قبلها أحد الأشياء الثمانية، والواو الواقعتين بعد الشرط قبل الجزاء نحو أن تأتني فتكرمني أو تكرمني أنت، أو بعد الشرط والجزاء: إن تأتني إنك فأكرمك أو وأكرمك، وذلك لمشابهة الشرط في الأول والجزاء في الثاني النفي، إذ الجزاء مشروط ووجوده بوجود الشرط، ووجود الشرط مفروض، فكلاهما غير موصوفين بالوجود حقيقة، وعليه حمل قوله تعالى {ويعلم الذين} في قراءة النصب، ثم قال: وكذا يقول في الفعل المنصوب بعد واو الصرف أنهم لما قصدوا فيها معنى الجمعية نصبوا المضارع بعدها ليكون الصرف عن سنن الكلام المتقدم مرشداً من أول الأمر أنها ليست للعطف فهي إذن إما واو الحال وأكثر دخولها على الاسمية فالمضارع بعدها في تقدير مبتدأ محذوف الخبر وجوباً، فمعنى قم وأقوم: قم وقيامي ثابت: أي في حال ثبوت قيامي، وأما بمعنى مع وهي لا تدخل إلا على الاسم قصدوا ها هنا مصاحبة الفعل للفعل منصوباً ما بعدها، فمعنى قم وأقوم: قم مع قيامي كما قصدوا في المفعول معه مصاحبة الاسم للاسم فنصبوا ما بعد الواو، ولو جعلنا الواو عاطفة للمصدر متصيد من الفعل قبله النجاة، أي لم يكن منك قيام وقيام مني، لم يكن فيه نصوصية على معنى الجمع، والأولى في قصد النصوصية في شيء على معنى أن يجعل على وجه يكون ظاهراً فيما قصدوا النصوصية عليه، وإنما شرطوا في نصب ما بعد فاء السببية كون ما قبلها أحد الأشياء المذكورة أي الأمر والنهي والنفي والاستفهام والتمني والعرض والتحضيض والرجاء لأنها غير حاصلة المصادر فتكون كالشرط الذي ليس بمتحقق الوقوع، ويكون ما بعد الفاء كجزائها ثم حملوا ما قبل واو الجمعية في وجوب كون أحد الأشياء المذكورة على ما قبل فاء السببية التي هي أكثر استعمالاً من الواو في مثل هذا الموضع أعني في انتصاب المضارع بعدها، وذلك لمشابهة الواو للفاء في أصل العطف، وفي صرف ما بعدهما عن سنن العطف لقصد السببية في إحداهما والجمعية في الأخرى، ولقرب الجمعية من التعقب الذي هو لازم السببية ثم قال: وكذا ربما لم يصرف بعد واو الحال قد تدخل على المضارع المثبت كما ذكرنا في باب الحال، نحو قمت وأضرب زيداً أي وأنا أضرب. ولما كان علم القادر بالمعصية موجباً لعذاب من عصاه، كان كأنه قيل: قد خسر من فعل ذلك فيا ليت شعري ما يكون حالهم؟ أجاب بقوله: {ما لهم من محيص *} أي محيد ومفر أصلاً عن عذابه، ولا بشيء يسير، وإن تأخر في نظركم إيقاع العذاب بهم فإن عذابه سبحانه منه ما هو باطن وهو الاستدراج بالنعم وهذا لا يدركه إلا أرباب القلوب المقربون لدى علام الغيوب، ومنه ما هو ظاهر، ويجوز أن يكون "الذين" فاعل "يعلم"، وحينئذ تكون هذه الجملة في محل نصب لسدها مسد مفعول العلم.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما انتم بمعجزين فى الارض} فائتين ما قضى عليكم من المصائب وان هربتم من اقطار الارض كل مهرب يعنى اذا اراد الله ابتلاءكم وعقوبتكم فلا تفوتونه حيثما كنتم ولا تسبقونه ولا تقدرون ان تمنعوه من تعذيبكم وبالفارسية ونيستيد عاجز كنندكان خدا يرا از انفاذ امريا از عذاب كردن مستحق. قال اهل اللغة اعجزته اى صيرته عاجزا واعجزته فيه سبقته قال فى تفسير المناسبات لما كان من يعاقب بما دون الموت ربما ظن انه عاجز قال وما انتم اى اجمعون العرب وغيرهم بمعجزين فى الارض لو أريد محقكم بالكلية ولا فى شىء اراده منكم كائنا ما كان {وما لكم} اى عند الاجتماع فكيف عند الانفراد {من دون الله} المحيط بكل شىء عظمة وكبرا وعزة {من ولى} يكون متوليا لشىء من اموركم بالاستقلال يحميكم من المصائب {ولا نصير} يدفعها عنكم وهذه الآية الكريمة داعية لكل احد الى المبادرة عند وقوع المعصية الى محاسبة النفس ليعرف من اين أتى فيبادر الى التوبة عنه لينقذ نفسه من الهلكة وفائدة ذلك وان كان الكل بخلقه وارادته اظهار الخضوع والتذلل واستشعار الحاجة والافتقار الى الله الواحد القهار ولولا ورود الشريعة لم يوجد سبيل الى هذه الكمالات البديعة ومثل هذه التنبيهات تستخرج من العبد ما اودع فى طبيعته وركز فى غريزته كغرس وزرع سيق اليه ماء وشمس لاستخراج ما فى طبيعته من المعلومات الالهية والحكم العلية. قال الامام الواحدى رحمه الله هذه الآية ارجى آية فى كتاب الله لان الله جعل ذنب المؤمن صنفين صنفا كفر عنهم بالمصائب وصنفا عفا عنه فى الدنيا وهو كريم ولا يرجع فى الآخرة فى عفوه فهذه سنة الله مع المؤمنين واما الكافر فلا يعجل له عقوبة ذنبه حتى يوافى به يوم القيامة قال بعضهم اذا كسب العبد شيئا من الجرائم فهو من اسباب القهر ويكون محجوبا به فاذا كان اهلا لله تعالى يعاقبه الله فى الدنيا ببعض المصائب ويخرجه من ذلك الحجاب والا فيمهله فى ضلالته والآية مخصوصة بالمجرمين فان ما أصاب غيرهم من الانبياء وكمل الالياء والاطفال والمجانين فلاسباب اخر لا بما كسبت ايديهم لانهم معصومون محفوظون. منها التعريض للاجر العظيم بالصبر عليه قال بعضهم شوهد منه عليه السلام كرب عند الموت ليحصل لمن شاهده من اهله ومن غيرهم من المسلمين الثواب لما يلحقهم عليه من المشقة كما قيل بمثل ذلك فى حكمة ما يشاهد من حال الاطفال من الكرب الشديد وفى نوادر الاصول للحكيم الترمذي قدس سره البلاء على ثلاثة اضرب منها تعجيل عقوبة للعبد كمثل ما نزل بيوسف عليه السلام من لبثه فى السجن بالهم الذى هم به ومن لبثه بعد مضى المدة فى السجن بقوله اذكرنى عند ربك فانساه الشيطان ذكر ربه ولبث فى السجن بضع سنين. ومنها امتحانه ليبرز ما فى ضميره فيظهر لحلقه درجته اين هو من ربه كمثل ما نزل بأيوب عليه السلام قال تعالى {أية : انا وجدناه صابرا نعم العبد انه اواب} تفسير : ومنها كرامته ليزداد عنده قربة وكرامة كمثل ما نزل بيحيى بن زكريا عليهما السلام ولم يعمل خطيئة قط ولم يهم بها فذبح ذبحا واهدى رأسه الى بغى من بغايا بنى اسرائيل وقد سأل النبى عليه السلام العافية من كل ذلك حيث قال "حديث : واسأل الله العافية من كل بلية" تفسير : والعافية ان يكون فى كل وجه من هذه الوجوه اذا حل به شىء من ذلك ان لا يكله الى نفسه ولا يخذله اى يكلاءه ويرعاه فى كل من هذه الوجوه هذا وجه والوجه الآخر ان يسأله ان يعافيه من كل شىء فيه شدة فان الشدة انما يحل اكثرها من اجل الذنوب فكانه يسأل ان يعافيه من البلاء ويعفو عنه الذنوب التى من اجلها تحل الشدة بالنفس فقد قال عز وجل {أية : وما اصابكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم ويعفوا عن كثير} تفسير : وقال تعالى {أية : ولنذيقنهم من العذاب الادنى دون العذاب الاكبر} تفسير : فعلى العاقل ان يسأل العفو والعافية فى الدين والدنيا والآخرة فاذا ابتلى بشىء من البلايا صبر عليه ليكون مأجورا ومفكرا عنه ذنوبه ومصححا له حاله ومصفى باله ونعم ما قيل. ترى الناس دهنا فى القوارير صافيا * ولم تدر ما يجرى على رأس سمسم (وقال الحافظ) شكر كمال حلاوت بس از رياضت يافت نخست درشكن تنك ازان مكان كيرد (وما قال) كويند سنك لعل شود درمقام صبر. آرى شود وليك بخون جكر شود. نسأل الله العافية

الطوسي

تفسير : خمس آيات كوفي وأربع في ما عداه عدّ الكوفيون {كالأعلام} ولم يعد، الباقون. قرأ ابو عمرو، ونافع {الجواري في البحر} بياء في الوصل، ووقف/ ابن كثير بياء ايضاً. الباقون بغير ياء في الوصل والوقف. وقرأ نافع وابو جعفر وابن عامر {ويعلم الذين} رفعاً على الاستئناف، لان الشرط والجزاء قد تم، فجاز الابتداء بما بعده. الباقون بالنصب. فمن نصبه فعلى الصرف، كما قال النابغة: شعر : فان يهلك ابو قابوس يهلك ربيع الناس والبلد الحرام ونأخذ بعده بذناب عيش اجب الظهر ليس له سنام تفسير : قال الكوفيون: هو مصروف من مجزوم إلى منصوب، وقال البصريون: هو نصب بأضمار (أن) وتقديره ان يعلم، كما قال الشاعر: شعر : ولبس عباءة وتقر عيني احب إليّ من لبس الشفوف تفسير : وتقديره وأن تقر عيني، قال ابو علي: ومن نصب {ويعلم} فلان قبله شرط وجزاء، وكل واحد منهما غير واجب، تقول فى الشرط إن تأتني وتعطيني اكرمك فينصب وتعطيني، وتقديره إن يكون منك اتيان وإعطاء أكرمك، والنصب بعد الشرط إذا عطفته بالفاء أمثل من النصب بالفاء بعد جزاء الشرط فأما العطف على الشرط نحو إن تأتني وتكرمني اكرمك، فالذي يختار سيبويه فى العطف على الشرط نحو إن تأتني وتكرمني الجزم، فيختار {ويعلم الذين} إذا لم يقطعه عن الأول فيرفعه، وإن عطف على جزاء الشرط، فالنصب أمثل. ومن اثبت الياء فى الحالين فى قوله {الجواري} فلأنها الأصل، لكن خالف المصحف، ومن اثبتها وصلا دون الوقف استعمل الاصل وتبع المصحف، ومن حذفها في الحالين يتبع المصحف، واجتزأ بالكسوة الدالة على الياء. وواحد الجواري جارية، وهي السفينة، وحكي عن ابن مسعود انه قرأ بضم الراء كأنه قلب، كما قالوا (شاك) فى (شائك) فأراد الجوائر فقلب. قوله {وما أنتم بمعجزين في الأرض} خطاب من الله تعالى للكفار بأنكم لستم تفوتون الله بالهرب منه في الارض ولا في السماء، فانه يقدر عليكم في جميع الأماكن ولا يمكن النجاة من عذابه إلا بطاعته، فواجب عليكم طاعته، ففي ذلك استدعاء إلى عبادة الله وترغيب فى كل ما أمر به وتحذير عما نهى عنه. ووجه الحجة بذلك على العبد انه إذا كان لا يعجز الله، ولا يجد دافعاً عن عقابه خف عليه عمل كل شيء فى جنب ما توعد به. وقوله {وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير} اي ليس لكم من يدفع عنكم عقاب الله إذا اراد فعله بكم ولا ينصركم عليه، فيجب أن ترجعوا إلى طاعة من هذه صفته. وقوله {ومن آياته الجواري في البحر كالأعلام} معناه من آياته الدالة على انه تعالى مختص بصفات لا يشركه فيها احد، السفن الجارية فى البحر مثل الجبال، لأنه تعالى يسيرها بالريح لا يقدر على تسييرها غيره، ووجه الدلالة فى السفن الجارية هو ان الله خلق الماء العظيم وعدل الريح بما يمكن أن يجري فيه على حسب المراد لأنه إذا هبت الريح فى جهة وسارت بها السفينة فيها، فلو اجتمعت الخلائق على صرفها إلى جهة أخرى لما قدروا، وكذلك لو سكنت الريح لوقفت. وما قدر احد على تحريكها، ولا إجرائها غيره تعالى. ثم بين ذلك بأن قال {إن يشأ يسكن الريح} وتقديره إن يشأ يسكن الريح أسكنها او إن يشأ ان يسكنها سكنت، وليس المعنى إن وقعت منه مشيئة أسكن لا محالة، لانه قد وقعت منه مشيئة لاشياء كثيرة ولم تسكن الريح. والجواري السفن - فى قول مجاهد والسدي - والاعلام الجبال - فى قولهما - وقوله {فيظللن رواكد على ظهره} قال ابن عباس: معناه تظل السفن واقفة على ظهر الماء، قال الشاعر: شعر : وإن صخراً لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار تفسير : وقوله {إن في ذلك} يعني فى تسخير البحر وجريان السفن فيها لآيات أي حججاً واضحات {لكل صبار} على أمر الله {شكور} على نعمه، وإنما اضاف الآيات إلى كل صبار وإن كانت دلالات لغيرهم أيضاً من حيث هم الذين انتفعوا بها دون غيرهم، ممن لم ينظر فيها. وقوله {أو يوبقهن بها كسبوا} معناه يهلكهن بالغرق - في قول ابن عباس والسدي ومجاهد - {بما كسبوا} أي جزاء على ما فعلوه من المعاصي {ويعفو عن كثير} اخبار منه تعالى انه يعفو عن معاصيهم لا يعاجلهم الله بعقوبتها. وقوله {ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص} اخبار منه تعالى أن الذين يجادلون في إبطال آيات الله تعالى ويدفعونها سيعلمون انه ليس لهم محيص أي ملجأ يلجؤن اليه - في قول السدي -.

الجنابذي

تفسير : {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ} قانتين عن الله {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} قد مضى مكرّراً بيان الولىّ والنّصير.

الهواري

تفسير : قوله: {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ} يقوله للمشركين، أي: وما أنتم بالذين يسبقوننا حتى لا نبعثكم ثم نعذبكم {وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ} أي: يمنعكم من عذابه {وَلاَ نَصِيرٍ} أي: ينتصر لكم. قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ} أي: السفن، كقوله: (أية : وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ) تفسير : [الحج:65] قال: {فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلَامِ} أي: كالجبال، وهي كقوله: (أية : وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلَامِ) تفسير : [الرحمن:24]، وهي السفن إذا كان عليها قلوعها. قوله: {إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ} يعني السفن {رَوَاكِدَ} أي: سواكن {عَلَى ظَهْرِهِ} أي: على ظهر البحر. قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} أي: لكل مؤمن. قال: {أَوْ يُوبِقْهُنَّ} أي: يغرقهن، يعني السفن، أي يغرق أهلها {بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ}. قال: {وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا} يعني المشركين يجحدون بها {مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ} أي: من ملجأ يلجأون إليه من عذاب الله. قوله: {فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ} يعني المشركين {فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي: ينفد ويذهب {وَمَا عِندَ اللَّهِ} في الآخرة، يعني الجنة {خَيْرٌ وَأَبْقَى} أي: يبقى، وما في الدنيا يذهب {لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}. قوله: {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ} أي: ويجتنبون الفواحش، وقد فسّرنا ذلك في سورة النساء. قال: {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ}. كان هذا بمكة قبل الهجرة يغفرون للمشركين، كقوله: (أية : قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ) تفسير : [الجاثية:14]، وهو منسوخ، نسخه القتال، فصار ذلك العفو فيما بين المؤمنين.

اطفيش

تفسير : {وَمَآ أَنتُم بِمَعْجِزِينَ} الله أي بفائتيه فيما أراد اتصاله بهم من المصائب وغيرها* {فِي الأَرْضِ} أي لا تفوتونه هرباً في الأرض أو لا تفوتونه حيث كنتم من الأرض وقيل: هذا الخطاب للمشركين فقط أي لا يفوتنا بعثكم حيث كنتم فنعذبكم* {وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِّن وَلِيٍّ} متول بالرحمة يمنعكم من المصائب أو من البعث والعذاب* {وَلاَ نَصِيرٍ} ينصركم بدفع العذاب أو المصائب بعد المجيء.

اطفيش

تفسير : {وما أنْتُم بمُعْجِزين} الله أى بمصيرين الله عاجزا عن أن يصيبكم بما كسبت أيديكم، ولو استترتم بأقوى سترة، ولو هربتم إلى أقطار الأرض أو لا تعجزون جنود الله التى فى الأرض فكيف بجنوده التى فى السماء، أو لا تعجزون الله بمصائبكم عن أن يدفعها هو قادر على دفعها كائنة ما كانت {ومَالكُم من دون الله من ولي} يليكم بالرحمة اذا أصابتكم المصائب، أو يحميكم عنها فلا تصيبكم {ولا نصير} يدفعها بعد وقوعها.

الالوسي

تفسير : {وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ} أي بجاعلين الله سبحانه وتعالى عاجزاً عن أن يصيبكم بالمصائب بما كسبت أيديكم وإن هربتم في أقطار الأرض كل مهرب، وقيل: المراد أنكم لا تعجزون من في الأرض من جنوده تعالى فكيف من في السماء {وَمَا لَكُمْ مِن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيّ} من متول بالرحمة يرحمكم إذا أصابتكم المصائب وقيل يحميكم عنها {وَلاَ نَصِيرٍ} يدفعها عنكم. والجملة كالتقرير لقوله تعالى: {أية : وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} تفسير : [الشورى: 30] أي إن الله تعالى يعفو عن كثير من المصائب إذ لا قدرة لكم أن تعجزوه سبحانه فتفوتوا ما قضى عليكم منها ولا لكم أيضاً من متول بالرحمة غيره عز وجل ليرحمكم إذا أصابتكم ولا ناصر سواه لينصركم منها ولهذا جاء عن علي كرم الله تعالى وجهه أن هذه أرجى آية في القرآن للمؤمنين، ويقوي أمر الرجاء على ما قيل ان معنى {مَا أَنتُمْ} الخ ما أنتم بمعجزين الله تعالى في دفع مصائبكم أي إنه سبحانه قادر على ذلك.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة { أية : ويعفوا عن كثير } تفسير : [الشورى: 30]، وهو احتراس، أي يعفو عن قدرة فإنكم لا تعجزونه ولا تغلبونه ولكن يعفو تفضلاً. والمعجز: الغالب غيره بانفلاته من قبضته. والمعنى: ما أنتم بفالتين من قدرة الله. والخطاب للمشركين. والمعنى: أن الله أصابكم بمصيبة القحط ثم عفا عنكم برفع القحط عنكم وما أنتم بمفلتين من قدرة الله إن شاء أن يصيبكم، فهو من معنى قوله: { أية : إنَّا كَاشفُوا العذابِ قليلاً إنَّكُم عائدون } تفسير : [الدخان: 15]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي سفيان حين دعا برفع القحط عنهم: تعودون بعد، وقد عادوا فأصابهم الله ببطشة بدر قال: { أية : يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون } تفسير : [الدخان: 16]. وتقييد النفي بقوله: {في الأرض} لإرادة التعميم، أي في أي مكان من الأرض لئلا يحسبوا أنهم في منعة بحلولهم في مكة التي أمّنها الله تعالى، وذلك أن العرب كانوا إذا خافوا سطوة ملك أو عظيم سكنوا الجهات الصعبة، كما قال النابغة ذاكراً تحذيره قومه من ترصد النعمان بن المنذر لهم وناصحاً لهم: شعر : إِمَّا عُصيت فإني غير منفلت مني اللِصاب فجنبا حَرة النار أو أضع البيت في صَماء مُظلمةٍ من المظالم تُدْعَى أمَّ صبار تدافع الناسَ عنّا حين نركبها تقيد العَيْر لا يسري بها الساري تفسير : وجيء بالخبر جملة اسمية في قوله: {وما أنتم بمعجزين} للدلالة على ثبات الخبر ودوامه، أي نَفي إعجازهم ثابت لا يتخلف فهم في مكنة خالقهم. ولما أفاد قوله: {وما أنتم بمعجزين في الأرض} أن يكون لهم منجى من سُلطة الله أُتبع بنفي أن يكون لهم ملْجَأٌ يلجأُون إليه لينصرهم ويقيهم من عذاب الله فقال: {وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير} أي ليس لكم وليّ يتولاكم فيمنعكم من سلطان الله ولا نصير ينصركم على الله إن أراد إصابتكم فتغلبونه، فجمَعت الآية نفي ما هو معتاد بينهم من وجوه الوقاية. و{من دون الله} ظرف مستقرّ هو خبر ثان عن {ولي} و{نصير}، والخبر الأول هو {لكم}. وتقديم الخبرين للاهتمام بالخبر ولتعجيل يأسهم من ذلك.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ} الآية. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النور في الكلام على قوله تعالى: {أية : لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ} تفسير : [النور: 57] الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : (31) - وَإِنَّكُمْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ لاَ تُعْجِزُونَ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتُمْ، فَلاَ تَسْتَطِيعُونَ بِهَرَبِكُمْ مِنْهُ فِي الأَرْضِ النَّجَاةَ مِنْ بَطْشِهِ، فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَخْذِكُمْ وَعِقَابِكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ. وَلَيْسَ لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌّ يَتَوَلَّى الدِّفَاعَ عَنْكُمْ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَراً أَوْ عُقُوبَةً، وَلَيْسَ لَكُمْ نَصِيرٌ يَنْصُرُكُمْ إِذَا هُوَ عَاقَبَكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق سبحانه وتعالى يخاطب القوم الذين عاندوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصادموا دعوته وجادلوه، يقول لهم: لن تُفلتوا من عدالة السماء، ومَنْ أفلت من عقاب الدنيا منكم لن يفلت من عقاب الآخرة، كما قال سبحانه مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} تفسير : [غافر: 77]. وهنا يقول لهم {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ ..} [الشورى: 31] المُعْجز هو الذي ينسبني للعجز، ويُعجزني يعني: يأتي بأمر لا أقدر أنا عليه، فالحق يقول لهم: لن تعجزونا ولن تهربوا منا أبداً، فأينما كُنتم سنأتي بكم. لذلك اتضح لنا ذكاء الجن، حينما قالوا: {أية : وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً} تفسير : [الجن: 12] فالجن وهم أقدر على الهرب من الإنس، ومع ذلك يعترفون أنه لن يستطيع أحد منهم أنْ يهرب أو يفر من الله عز وجل. لذلك حديث : مدح سيدنا رسول الله المؤمنين من الجن لما قرأ سورة الرحمن على بعض صحابته، ثم قال لهم: "لقد قرأتُ هذه السورة على الجن، فكانوا أحسن استجابةً منكم، كانوا كلما سمعوا {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} قالوا: ولا بشيء من نعمائك ربنا نُكذِّب فلك الحمد ". تفسير : ثم إن الحق سبحانه يُملي للظالم ويُمهله، حتى إذا أخذه لم يُفلته، فكوْن الحق سبحانه يُملي لهؤلاء لا يعني أنه عاجز عن أَخذهم، لأنه سبحانه قوي قادر وله طلاقة القدرة، بحيث يأتي بهم متى شاء، أما الضعيف فإنه يستغل أول فرصة للانتقام ولا يُفوِّتها، لأنه يعرف أنها لن تعود، كما قال الشاعر: شعر : وَضَعِيفَة فإذا أصَابَتْ فُرْصةً قَتلَتْ كذلك قدرة الضُّعَفاءِ تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} [الشورى: 31] الولي: القريب أو الصديق المقرَّب منك دائماً، والمفروض فيه أن يدفع عنك المصيبة قبل أن تقع، والنصير: المعين الذي ينصرك ويُعينك إذا وقعتْ بك المصيبة. فالحق سبحانه يُعلمنا أنْ يستقيم فينا أمر التكليف، وأنْ تكون صلتنا بالله مباشرة، وألاَّ نعتقد أننا نَفوت منه سبحانه، وألاَّ نعتقد في أحد من خَلْقه أن يكون ولياً لنا أو نصيراً.