٤٢ - ٱلشُّورىٰ
42 - Ash-Shura (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
32
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وأبو عمرو {الجواري} بياء في الوصل والوقف، فإثبات الياء في الأصل وحذفها للتخفيف. المسألة الثانية: الجواري، يعني السفن الجواري، فحذف الموصوف لعدم الالتباس. المسألة الثالثة: اعام أنه تعالى ذكر من آياته أيضاً هذه السفن العظيمة التي تجري على وجه البحر عند هبوب الرياح، واعلم أن المقصود من ذكره أمران أحدهما: أن يستدل به على وجود القادر الحكيم والثاني: أن يعرف ما فيه من النعم العظيمة لله تعالى على العباد أما الوجه الأول: فقد اتفقوا على أن المراد بالأعلام الجبال، قالت الخنساء في مرثية أخيها:شعر : وإن صخراً لتأتم لهداة به كأنه علم في رأسه نار تفسير : ونقل أن النبي صلى الله عليه وسلم استنشد قصيدتها هذه فلما وصل الراوي إلى هذا البيت، قال: «حديث : قاتلها الله ما رضيت بتشبيهها له بالجبل حتى جعلت على رأسه ناراً!» تفسير : إذا عرفت هذا فنقول: هذه السفن العظيمة التي تكون كالجبال تجري على وجه البحر عند هبوب الرياح على أسرع الوجوه، وعند سكون هذه الرياح تقف، وقد بينا بالدليل في سورة النحل، أن محرك الرياح ومسكنها هو الله تعالى، إذ لا يقدر أحد على تحريكها من البشر ولا على تسكينها، وذلك يدل على وجود الإلٰه القادر، وأيضاً أن السفينة تكون في غاية الثقل، ثم إنها مع ثقلها بقيت على وجه الماء، وهو أيضاً دلالة أخرى وأما الوجه الثاني: وهو معرفة ما فيها من المنافع، فهو أنه تعالى خص كل جانب من جوانب الأرض بنوع آخر من الأمتعة، وإذا نقل متاع هذا الجانب إلى ذلك الجانب في السفن وبالعكس حصلت المنافع العظيمة في التجارة، فلهذه الأسباب ذكر الله تعالى حال هذه السفينة. ثم قال تعالى: {إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ } قرأ أبو عمرو والجمهور: بهمزة {إِن يَشَأْ } لأن سكون الهمزة علامة للجزم، وعن ورش عن نافع بلا همزة، وقرأ نافع وحده {يُسْكِنِ ٱلرّيَاح } على الجمع، والباقون {ٱلرّيحَ } على الواحد، قال صاحب «الكشاف»: قرىء {يظللن} بفتح اللام وكسرها من ظل يظل ويظل، وقوله تعالى: {رَوَاكِدَ } أي رواتب، أي لا تجري على ظهره، أي على ظهر البحر {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لأَيَـٰتٍ لّكُلّ صَبَّارٍ } على بلاء الله {شَكُورٍ } لنعمائه، والمقصود التنبيه، على أن المؤمن يجب أن لا يكون غافلاً عن دلائل معرفة الله ألبتة، لأنه لا بد وأن يكون إما في البلاء، وإما في الآلاء، فإن كان في البلاء كان من الصابرين، وإن كان من النعماء كان من الشاكرين، وعلى هذا التقدير فإنه لا يكون ألبتة من الغافلين. ثم قال تعالى: {أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا } يعني أو يهلكهن، يقال أوبقه، أي أهلكه، ويقال للمجرم أوبقته ذنوبه، أي أهلكته، والمعنى أنه تعالى إن شاء ابتلى المسافرين في البحر بإحدى بليتين: إما أن يسكن الريح فتركد الجواري على متن البحر وتقف، وإما أن يرسل الرياح عاصفة فيها فيهلكن بسبب الإغراق، وعلى هذا التقدير فقوله {أَوْ يُوبِقْهُنَّ } معطوف على قوله {يُسْكِنِ } لأن التقدير إن يشأ يسكن الريح فيركدن، أو يعصفها فيغرقن بعصفها، وقوله {وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ } معناه إن يشأ يهلك ناساً وينج ناساً عن طريق العفو عنهم، فإن قيل فما معنى إدخال العفو في حكم الإيباق حيث جعل مجزوماً مثله، قلنا معناه إن يشأ يهلك ناساً وينج ناساً على طريق العفو عنهم، وأما من قرأ {ويعفو} فقد استأنف الكلام. ثم قال: {وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِى ءايَـٰتِنَا مَا لَهُمْ مّن مَّحِيصٍ } قرأ نافع وابن عامر: يعلم بالرفع على الاستئناف، وقرأ الباقون بالنصب، فالقراءة بالرفع على الاستئناف، وأما بالنصب فللعطف على تعليل محذوف تقديره لينتقم منهم ويعلم الذين يجادلون في آياتنا والعطف على التعليل المحذوف غير عزيز في القرآن ومنه قوله تعالى: {أية : وَلِنَجْعَلَهُ ءايَةً لّلْنَّاسِ } تفسير : [مريم: 21] وقوله تعالى: {أية : وَخَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } تفسير : [الجاثية: 22] قال صاحب «الكشاف»: ومن قرأ على جزم {وَيَعْلَمَ } فكأنه قال أو إن يشأ، يجمع بين ثلاثة أمور: هلاك قوم، ونجاة قوم، وتحذير آخرين. إذا عرفت هذا فنقول معنى الآية {وِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ } أي ينازعون على وجه التكذيب، أن لا مخلص لهم إذا وقفت السفن، وإذا عصفت الرياح فيصير ذلك سبباً لاعترافهم بأن الإلٰه النافع الضار ليس إلا الله. واعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل التوحيد أردفها بالتفسير عن الدنيا وتحقير شأنها، لأن الذي يمنع من قبول الدليل إنما هو الرغبة في الدنيا بسبب الرياسة وطلب الجاه، فإذا صغرت الدنيا في عين الرجل لم يلتفت إليها، فحينئذ ينتفع بذكر الدلائل، فقال: {فَمَا أُوتِيتُمْ مّن شَىْء فَمَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } وسماه متاعاً تنبيهاً على قلته وحقارته، ولأن الحس شاهد بأن كل ما يتعلق بالدنيا فإنه يكون سريع الانقراض والانقضاء. ثم قال تعالى: {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ } والمعنى أن مطالب الدنيا خسيسة منقرضة، ونبه على خساستها بتسميتها بالممتاع، ونبّه على انقراضها بأن جعلها من الدنيا، وأما الآخرة فإنها خير وأبقى، وصريح العقل يقتضي ترجيح الخير الباقي على الخسيس الفاني، ثم بيّن أن هذه الخيرية إنما تحصل لمن كان موصوفاً بصفات: الصفة الأولى: أن يكون من المؤمنين بدليل قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ آمَنُوا}. الصفة الثانية: أن يكون من المتوكلين على فضل الله، بدليل قوله تعالى: {وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } فأما من زعم أن الطاعة توجب الثواب، فهو متكل على عمل نفسه لا على الله، فلا يدخل تحت الآية. الصفة الثالثة: أن يكونوا مجتنبين لكبائر الإثم والفواحش، عن ابن عباس: كبير الإثم، هو الشرك، نقله صاحب «الكشاف»: وهو عندي بعيد، لأن شرط الإيمان مذكور أولاً وهو يغني عن عدم الشرك، وقيل المراد بكبائر الإثم ما يتعلق بالبدع واستخراج الشبهات، وبالفواحش ما يتعلق بالقوة الشهوانية، وبقوله {وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ } ما يتعلق بالقوة الغضبية، وإنما خص الغضب بلفظ الغفران، لأن الغضب على طبع النار، واستيلاؤه شديد ومقاومته صعبة، فلهذا السبب خصّه بهذا اللفظ، والله أعلم. الصفة الرابعة: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبّهِمْ } والمراد منه تمام الانقياد، فإن قالوا أليس أنه لما جعل الإيمان شرطاً فيه فقد دخل في الإيمان إجابة الله؟ قلنا الأقرب عندي أن يحمل هذا على الرضاء بقضاء الله من صميم القلب، وأن لا يكون في قلبه منازعة في أمر من الأمور. ولما ذكر هذا الشرط قال: {وأقاموا الصلاةَ } والمراد منه إقامة الصلوات الواجبة، لأن هذا هو الشرط في حصول الثواب. وأما قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ } فقيل كان إذا وقعت بينهم واقعة اجتمعوا وتشاوروا فأثنى الله عليهم، أي لا ينفردون برأي بل ما لم يجتمعوا عليه لا يقدمون عليه، وعن الحسن: ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم، والشورى مصدر كالفتيا بمعنى التشاور، ومعنى قوله {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ } أي ذو شورى. الصفة الخامسة: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ } والمعنى أن يقتصروا في الانتصار على ما يجعله الله لهم ولا يتعدونه، وعن النخعي أنه كان إذا قرأها قال كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترىء عليهم السفهاء، فإن قيل هذه الآية مشكلة لوجهين الأول: أنه لما ذكر قبله {وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ } فكيف يليق أن يذكر معه ما يجري مجرى الضد له وهو قوله {وَٱلَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ }؟ الثاني: وهو أن جميع الآيات دالة على أن العفو أحسن قال تعالى: {أية : وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ } تفسير : [البقرة: 237] وقال: {أية : وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً } تفسير : [الفرقان: 72] وقال: {أية : خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ } تفسير : [الأعراف: 199] وقال {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لّلصَّـٰبِرينَ } تفسير : [النحل: 126] فهذه الآيات تناقض مدلول هذه الآية والجواب: أن العفو على قسمين أحدهما: أن يكون العفو سبباً لتسكين الفتنة وجناية الجاني ورجوعه عن جنايته والثاني: أن يصير العفو سبباً لمزيد جراءة الجاني ولقوة غيظه وغضبه، والآيات في العفو محمولة على القسم الأول، وهذه الآية محمولة على القسم الثاني، وحينئذ يزول التناقض والله أعلم، ألا ترى أن العفو عن المصر يكون كالإغراء له ولغيره، فلو أن رجلاً وجد عبده فجر بجاريته وهو مصر فلو عفا عنه كان مذموماً، وروي أن زينب أقبلت على عائشة فشتمتها فنهاها النبي صلى الله عليه وسلم عنها فلم تنته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : دونك فانتصري» تفسير : وأيضاً إنه تعالى لم يرغب في الانتصار بل بيّن أنه مشروع فقط، ثم بيّن بعده أن شرعه مشروط برعاية المماثلة، ثم بيّن أن العفو أولى بقوله {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ } فزال السؤال، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ} أي ومن علاماته الدالة على قدرته السفنُ الجارية في البحر كأنها من عظمها أعلام. والأعلام: الجبال، وواحد الجواري جارية، قال الله تعالى: {أية : إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ }تفسير : [الحاقة: 11]. سُمّيت جارية لأنها تجري في الماء. والجارية: هي المرأة الشابة؛ سُميت بذلك لأنها يجري فيها ماء الشباب. وقال مجاهد: الأعلام القصور، واحدها علم؛ ذكره الثعلبي. وذكر الماوَرْدي عنه أنها الجبال. وقال الخليل: كل شيء مرتفع عند العرب فهو علم. قالت الخنساء ترثي أخاها صخراً:شعر : وإنّ صخراً لتأتمّ الهُداة به كأنه علَمٌ في رأسه نار تفسير : «إِن يشَأْ يُسْكِنِ الرِّيَاحَ»كذا قرأه أهل المدينة «الرِّيَاح» بالجمع. {فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ} أي فتبقى السفن سواكن على ظهر البحر لا تجري. رَكَد الماء ركوداً سكن. وكذلك الريح والسفينة، والشمس إذا قام قائم الظهيرة. وكّل ثابت في مكان فهو راكد. وركد الميزان ٱستوى. ورَكد القوم هَدءوا. والمراكد: المواضع التي يَرْكُد فيها الإنسان وغيره. وقرأ قتادة «فَيَظْلِلْنَ» بكسر اللام الأولى على أن يكون لغة، مثلُ ضَلِلت أضِل. وفتح اللام وهي اللغة المشهورة. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ} أي دلالات وعلامات {لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} أي صبار على البَلْوَى شكور على النعماء. قال قُطْرُب: نعم العبد الصبار الشكور، الذي إذا أعطِي شكر وإذا ٱبْتُلي صبر. قال عَوْن بن عبد الله: فكم من مُنْعَم عليه غير شاكر، وكم من مبتلى غير صابر.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: ومن آياته الدالة على قدرته الباهرة وسلطانه تسخيره البحر؛ لتجري فيه الفلك بأمره، وهي الجواري في البحر كالأعلام، أي: كالجبال، قاله مجاهد والحسن والسدي والضحاك، أي: هذه في البحر كالجبال في البر؛ {إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ} أي: التي تسير في البحر بالسفن، لو شاء لسكنها حتى لا تحرك السفن، بل تبقى راكدة لا تجيء ولا تذهب، بل واقفة على ظهره، أي: على وجه الماء {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ} أي: في الشدائد {شَكُورٍ} أي: إن في تسخيره البحر، وإجرائه في الهوى بقدر ما يحتاجون إليه لسيرهم، لدلالات على نعمه تعالى على خلقه لكل صبار، أي: في الشدائد، شكور في الرخاء. وقوله عز وجل: {أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا} أي: ولو شاء لأهلك السفن وغرقها بذنوب أهلها الذين هم راكبون فيها {وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ} أي: من ذنوبهم، ولو آخذهم بجميع ذنوبهم، لأهلك كل من ركب البحر. وقال بعض علماء التفسير، معنى قوله تعالى: {أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا} أي: لو شاء لأرسل الريح قوية عاتية، فأخذت السفن، وأحالتها عن سيرها المستقيم، فصرفتها ذات اليمين أو ذات الشمال آبقة، لا تسير على طريق، ولا إلى جهة مقصد، وهذا القول يتضمن هلاكها، وهو مناسب للأول، وهو أنه تعالى لو شاء لسكن الريح فوقفت، أو لقواه فشردت وأبقت وهلكت، ولكن من لطفه ورحمته أنه يرسله بحسب الحاجة، كما يرسل المطر بقدر الكفاية، ولو أنزله كثيراً جداً، لهدم البنيان، أو قليلاً، لما أنبت الزرع والثمار، حتى إنه يرسل إلى مثل بلاد مصر سيحاً من أرض أخرى غيرها، لأنهم لا يحتاجون إلى مطر، ولو أنزل عليهم، لهدم بنيانهم، وأسقط جدرانهم، وقوله تعالى: { وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىۤ ءَايَـٰتِنَا مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ} أي: لا محيد لهم عن بأسنا ونقمتنا؛ فإنهم مقهورون بقدرتنا.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمِنْ ءَايَٰتِهِ ٱلْجَوَارِ } السفن {فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلَٰمِ } كالجبال في العظم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَمِن ءَايَاتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ} قال مجاهد هي السفن في البحر {كَالأَعْلاَمِ} أي كالجبال، ومنه قول الخنساء: شعر : وإنَّ صَخْراً لتأتَمُّ الهُدَاةُ به كأنَّه علمٌ في رأسِه نار تفسير : {إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ} أي وقوفاً على ظهر الماء، قال قتادة: لأن سفن هذا البحر تجري بالريح. فإذا أمسكت عنها ركدت. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} صبار على البلوى، شكور على النعماء. قال قطرب: نعم العبد الصبار الشكور الذي إذا أعْطِي شكر، وإذا ابتُلِيَ صبر. قال عون بن عبد الله: فكم من منعم عليه غير شاكر، وكم من مبتلٍ غير صابر. {أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُواْ} معناه يغرقهن بذنوب أهلها. {ويَعْفُ عَن كَثِيرٍ} من أهلها فلا يغرقهم معها. {مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ} فيه وجهان: أحدهما: من فرار ومهرب، قاله قطرب. الثاني: ملجأ، قاله السُدي مأخوذ من قولهم حاص به البعير حيصة إذا مال به، ومنه قولهم فلان يحيص عن الحق أي يميل عنه.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْجَوَارِ} السفن {كَالأَعْلامِ} كالجبال.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ} قرأ نافعٌ وأبو عمرو "الجواري" بياء في الوصل. وأما الوقف فإثباتها على الأصل وحذفها للتخفيف، وهي السفن، وأحدثها جاريةٌ، وهي السائرة في البحر. فإن قيل: الصفة متى لم تكن خاصةً بموصوفها امتنع حذف الموصوف، لا تقول: مررت بماشٍ؛ لأن المَشْيَ عامٌّ، وتقول: مررت بمهندس وكاتبٍ، والجري ليس من الصفات الخاصة فما وجه ذلك؟. فالجواب: أن قوله: "في البحر" قرينة دالة على الموصوف، ويجوز أن تكون هذه صفة غالبة كالأبطح والأبرق، فوليت العوامل دون موصوفها. و "في البَحْرِ" متعلق "بالجواري"، إذا لم يجر مجرى الجوامد، فإن جرى مجراه كان حالاً منه، وكذا قوله: "كالأَعْلاَمِ" وهي الجبال قالت الخَنْسَاءُ: شعر : 4383ـ وَإِنَّ صَخْراً لتَأْتَمُّ الهُدَاةُ بِهِ كَأَنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نَارُ تفسير : روي: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ استنشد (بـ) قصيدتها هذه، فلما وصل (الراوي) (إلى) هذا البيت قال: قَاتَلَهَا اللهُ مَا رَضِيَتْ تَشْبِيهَهُ بالجَبَلِ حَتَّى جَعَلتْ في رَأْسِهِ نَاراً. وقال مجاهد: الأعلام القصور، واحدها علم. وقال الخليل بن أحمد: كل شيءٍ مرتفع عند العرب فهو علم وسمع: هذه الجوار، وركبت الجوار، وفي الجوار، بالإعراب على الراء تناسياً للمحذوف، وتقدم هذا في قوله تعالى: {أية : وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ}تفسير : [الأعراف:41]. فصل اعلم أن المقصود من ذكر هذه الآية أمران: أحدهما: أن يستدل به على وجود الإله القادر الحكيم. الثاني: أن يعرف ما فيه من النِّعم العظيمة لله تعالى على العباد، وأما وجه الأول فإن هذه السفن العظيمة التي كالجبال تجري على وجه البحر عند هبوب الريح على أسرع الوجوه وعند سكون الرياح (تقف) وقد تقدم في سورة النحل أن مُحَرِّك الرياح و مُسَكِّنَها هو الله (سبحانه و) تعالى؛ إذْ لا يقدر أحد من البشر على تحريكها ولا على تسكينها، وذلك يدل وجود الإله القادر مع أن تلك السفينة في غاية الثقل ومع ثقلها بقيت على وجه الماء أيضاً. وأما دلالتها على النعم العظيمة، وهو ما فيها من المنافع فإنه تعالى خص كل جانب من الأرض بنوع من الأمتعة، فإذا نقل متاع هذا الجانب إلى الجانب الآخر في السفن وبالعكس حصلت المنافع العظيمة بالتجارة، فلهذه الأسباب ذكر الله تعالى حال هذه السفن. قوله: {إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ} التي تجري بها {فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ} قرأ أبو عمرو والجمهور بهمزة: "إنْ يَشَأْ" لأن السكون علامة الجزم، وورشٌ عن نافع بلا همز وقرأ ناقع "يُسْكِنِ الرِّيَاحَ" على الجمع والباقون "الريحَ" على التوحيد. وقوله: "فَيَظْللْنَ" العامة على فتح اللام التي هي عين الكلمة وهو القياس؛ لأن الماضي بكسرها، تقول ظَلِلْتُ قائماً. وقرأ قتادة بكسرها وهو شاذ، نحو: حسب يحسب وأخواته وقد تقدمت آخر البقرة. وقال الزمخشري: قرىء بفتح اللام وكسرها من ظَلَّ يظل ويظل، نحو: ضَلّ يَضَلّ ويَضِلُّ. قال أبو حيان: وليس كما ذكر؛ لأن يضَلُّ بفتح العين من ضَلِلْت بكسرها في الماضي ويَضِلّ بالكسر من ضَلَلْتُ بالفتح وكلاهما مقيس يعني أن كلاً منهما له أصلٌ يرجع إليه بخلاف "ظَلَّ" فإن ماضيه مكسور العين فقط. والنون أسمها، و "رَوَاكِدَ" خبرها ويجوز: أن يكون "ظل" هنا بمعنى صار؛ لأن المعنى ليس على وقت الظلول، وهو النهار فقط وهو نظير: أين باتت يده، من هذه الحيثية. والرُّكود والثُّبُوتُ الاستقرارُ قال: شعر : 4384ـ وَقَدْ رَكَدَتْ وَسْطَ السَّمَاءِ نُجُومُهَا رُكُوداً بِوَادِي الرَّبْرَب المُتَفَرِّقِ تفسير : والمعنى فيظللن رواكد أي ثوابت على ظهر البحر، لا تجري {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ} على بلاء الله "شَكُورٍ" على نعمائه. قوله: "أوْ يُوبِقْهُنَّ" عطف على "يُسْكِنْ" قال الزمخشري: لأن المعنى: إن يَشَأْ يُسْكِنْ فَيَرْكُدْنَ، أو يَعْصِفْهَا فَيَغْرقْنَ بِعَصْفِهَا، قال أبو حيان: ولا يتعين أن يكون التقدير: أو يعصفها فيغرقن لأن إهلاك السفن لا يتعين أن يكون بعصف الريح، بل قد يهلكها بقلع لوح أو خسفٍ. قال شهاب الدين: والزَّمخشريُّ لم يذكر أن ذلك متعين، وإنما ذكر شيئاً مناسباً؛ لأن قوله: يسكن الرياح يقابله "يعصفها" فهو في غاية الحسن والطِّباق. فصل معنى "يُوبِقْهُنَّ" يُهْلِكْهُنَّ ويغرقهن "بِمَا كَسَبُوا" أي بما كسبت ركابها من الذنوب {وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ} من ذنوبهم فلا يعاقب عليها. يقال: أوْبَقَهُ أي أهلكه، كما يقال للمجرم: أوْبَقَتْهُ ذنوبه أي أهلكته. فإن قيل: ما معنى إدخال العفو في حكم الإيباق حيث جعل مجزوماً مثله؟. فالجواب: معناه إن يشأ يهلك ناساً وينج ناساً على طريق العفو عنهم، وأما من قرأ "ويعفو" فقد استأنف الكلام. والعامة على الجزم عطفاً على جواب الشرط. واستشكله القشيريُّ، وقال: لأن المعنى إن يشأ يسكن الريح فتبقى تلك السفن رواكداً ويهلكها بذنوب أهلها، فلا يحسن عطف: "وَيَعْفُ" على هذا لأن المعنى يصير: إن يشأ يعف، وليس المعنى على ذلك، بل المعنى الإخبار عن العفو من غير شرط المشيئة فهو عطف على المجزوم من حيث اللفظ لا من حيث المعنى. قال أبو حيان: وما قاله ليس بجيّد، إذ لم يفهم مدلول التركيب والمعنى إلا أنه تعالى إن يشأ أهلك ناساً وأنجى ناساً على طريق العفو عنهم. وقرأ الأعمش: ويعفو بالواو. وهي تحتمل أن تكون كالمجزوم، وثبتت الواو في الجزم كثبوت الياء في "مَنْ يَتَّقِي وَيَصْبِرْ". ويحتمل أن يكون الفعل مرفوعاً، أخبر الله تعالى أنه يعفو عن كثير من السَّيِّئات. وقرأ بعض أهل المدينة بالنصب بإضمار "أنْ" بعد الواو كنصبه في قول النابعة: شعراً: شعر : 4385ـ فَإنْ يَهْلِكْ أَبُو قَابُوسَ يَهْلِكْ رَبِيعُ النَّاسِ والبَلَدُ الحَرَامُ وَنَأْخُذُ بَعْدَهُ بذنابِ عَيْشٍ أَجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنَامُ تفسير : بنصب ونأخذ ورفعه وجزمه، وهذا كما ترى بالأوجه الثلاثة بعد الفاء في قوله تعالى: {أية : فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ}تفسير : [البقرة:284] كما تقدم آخر البقرة ويكون قد عطف هذا المصدر المؤول من "أَنْ" المضمرة والفعل على مصدر متوهَّم من الفعل قبله تقديره: أو يقع إيباقٌ، وعفوٌ عن كثيرٍ. فقراءة النصب كقراءة الجزم في المعنى إلا أن في هذه عطف مصدر مؤول على مصدر متوهم وفي تيك عطفُ فعل على مثله. قوله تعالى: {وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ} قرأ نافع وابن عامر برفعه والباقون بنصبه. وقرىء: بجزمه أيضاً. فأما الرفع فواضح جداً، وهو يحتمل وجهين: الاستئناف بجملة فعلية, والاستئناف بجملة اسمية، فتقدر قبل الفعل مبتدأ أي وهو يعلم الذين و "الذين" على الأول فاعل، وعلى الثاني مفعول. وأما قراءة النصب ففيها أوجه: أحدها: قال الزجاج: على الصرف قال: ومعنى الصرف صرف العطف عن اللفظ إلى العطف على المعنى قال: وذلك أنه لم يحسن عطف "ويعلم" مجزوماً على ما قبله؛ إذ يكون المعنى إن يشأ يعلم عدل إلى العطف على مصدر الفعل الذي قبله، ولا يتأتى ذلك إلا بإضمار "أن" ليكون من الفعل في تأويل اسم. وقال البغوي: قرىء بالنصب على الصَّرف والجزم إذا صرف عنه معطوفه نصب كقوله: {أية : وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ}تفسير : [آل عمران:142] نقل من حال الجزم إلى النصب استخفافاً وكراهية توالي الجزم. الثاني: قول الكوفيون: إنه منصوب بواو الصرف يعنون أن الواو نفسها هي الناصبة، لا بإضمار "أنْ" وتقدم معنى الصَّرف. الثالث: قال الفارسي ـ ونقله الزمخشري عن الزجاج ـ إن النصب على إضمار "إنْ"؛ لأن قبلها جزاءً تقول: ما تصنع أصنع، وأكرمك وإن شئت: وأكرمك على: وأنا أكرمك، وإن شئت: وأكرمك جزماً. قال الزمخشري: وفيه نظر؛ لما أورده سيبويه في كتابه قال: واعلم أنَّ النَّصب بالواو والفاء في قوله: إن تَأْتِنِي آتِكَ، وأُعطِيكَ ضعيفٌ، وهو نحو من قوله: شعر : 4386ـ .......................... وَأَلْحَــقَ بِالحِجَــازِ فَأَسْتَرِيحَــا تفسير : فهذا (لا) يجوز، لأنه ليس بحَدٍّ الكلام ولا وجه، إلا أنه في الجزاء صار أقوى قليلاً؛ لأنه ليس بواجب أنه يفعل إلا أن يكون من الأول فعل، فلما ضارع الذي لا يوجبه كالاستفهام ونحوه أجازوا فيه هذا على ضعفه. قال الزمخشري: ولا يجوز أن تحصل القراءة المستفيضة على وجةٍ ليس بحدِّ الكلام ولا وجهه، ولو كانت من هذا الباب لما أخلى سيبويه منها كتابه. وقد ذكر نظائرها من الآيات المشكلة. الرابع: أن ينتصب عطفاً على تعليل محذوف تقديره: لينتقم منهم ويعلم الذين ونحوه في العطف على التعليل المحذوف غير عزيز في القرآن ومنه: {أية : وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِّلْنَّاسِ}تفسير : [مريم:21] {أية : وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ}تفسير : [الجاثية:22] قاله الزمخشري. قال أبو حيان: ويبعد تقديره: لينتقم منهم لأنه مرتب على الشرط إهلاك قوم ونجاة قوم فلا يحسن "لينتقم منهم" وأما الآيتان فيمكن أن تكون اللام متعلقةً بفعل محذوف تقديره "وَلِنجْعَلَهُ آيَةً للِنَّاسِ فَعَلنَا ذلك، ولتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ فَعَلْنَا ذَلِكَ" وهو كثيراً (ما) يقدر هذا الفعل مع هذه اللام إذا لم يكن فعل يتعلق به. وقال شهاب الدين: بل يحسن تقدير: لينتقم؛ لأنه يعود في المعنى على إهلاك قوم المترتب على الشرط. وأما الجزم فقال الزمخشري: فإن قلت كيف يصح المعنى على جزم "وَيَعْلَمْ"؟!. قلت: كأنه قيل: أو إن يشأ يجمع بين ثلاثة أمور إهلاك قوم ونجاة قوم وتحذير آخرين. وإذا قرىء بالجزم فيكسر الميم لالتقاء الساكنين. وقوله: {مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ} في محل نصب، بسدها مسدَّ مفعولي العلم. فصل المعنى وليعلم الذين يجادلون أي يكذبون بالقرآن إذا صاروا إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ بعد البعث لا مهرب لهم من عذاب الله، كما أنه لا مخلص لهم إذا وُقصت السفن وإذا عصفت الرياح، ويكون ذلك سبباً لاعترافهم بأن الإله النافع الضار ليس إلا الله.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {ومن آياته الجوار في البحر} قال: السفن {كالأعلام} قال: كالجبال. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة - رضي الله عنه - في الآية قال: سفن هذا البحر تجري بالريح، فإذا مسكت عنها الريح ركدت. وأخرج ابن المنذر من طريق عطاء، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله: {فيظللن رواكد على ظهره} قال: لا يتحركن ولا يجرين في البحر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - {رواكد} قال: وقوفاً {أو يوبقهن} قال: يهلكن. وأخرج ابن المنذر، عن الضحاك: {أو يوبقهن} قال: يغرقهن. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه {أو يوبقهن} قال: يهلكهن. وأخرج ابن جرير، عن السدي رضي الله عنه {ما لهم من محيص} من ملجأ. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة: {أو يوبقهن بما كسبوا} قال: بذنوب أهلها. وأخرج الحاكم وصححه، عن أبي ظبيان قال: كنا نعرض المصاحف عند علقمة - رضي الله عنه - فقرأ هذه الآية: {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} فقال: قال عبدالله: الصبر نصف الإِيمان. وأخرج سعيد بن منصور، عن الشعبي - رضي الله عنه - قال: الشكر نصف الإِيمان، والصبر نصف الإِيمان، واليقين الإِيمان كله. وقرأ {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} {وآية للموقنين}.
القشيري
تفسير : يريد بها السفن التي تجري في البحار؛ يرسل اللَّهُ الريحَ فتُسَيَّرها مرةً، ويُسَكِّنها أخرى، وما يريهم خلال ذلك من الهلاك أو السلامة... وهو بهذا يَحثُّهم على التفكُّر والتنبُّه دائماً. والإشارة في هذا إلى إمساك الناس في خلال فَتْرَةِ الوقت عن الأنواء المختلفة، وحفظهم في إيواء السلامة، فالواجبُ الشكرُ في كل حالة، وإذا خَلُصَ الشكرُ استوجب جزيلَ المزيد.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ} فى هذه الأية اشارة الى ان نفس قلوب العارفين فى بحار انوار ذاته وصفاته بتجرى على اصطراب من غلبات صدمة صرصر عواطف سطوات احديته وازليته وابديته من حيث انها محدثة عاجزة خائفة من قهر عظمته والفناء فى معارف قاموس كبريائه فتلطف الحق بامساك قهر عظمته عنها فيمسكها بنور جماله فيظلمن رواكد سواكن فى جريانها بشمال جماله ولولا فضله ورحمه لتفتت فى كشوف العظمة وبروز الكبرياء وهذا الاحوال السنية لا تكون الا الصابر بالحق فى الحق شكور برؤية فنائه فى بقائه ووجوده قائم يجوده قال الله {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن آياته} دلائل وحدته تعالى وقدرته وعظمته وحكمته {الجوار} السفن الجارية وهى بالياء فى الاصل حذفت الكسر الدال عليها {فى البحر} در دريا {كالاعلام} جمع علم بفتحتين بمعنى الجبل وكل مرتفع علم أى كالجبال على الاطلاق لا التى عليها النار للاهتداء خاصة وبالفارسية مانند كوها درعظمت. فقوله جوار جمع جارية بمعنى سائرة صفة للسفن المقدرة وفى البحر متعلق على التقديرين
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ومن آياته} للدلالة على قدرته ووحدانيته {الجواري} السفن الجارية {في البحر كالأعلام}؛ كالجبال {إِن يشاء يسكن الرياح} التي تجريها. وقرىء بالإفراد. {فيَظْلَلن رواكدَ على ظهره}؛ فيبقين ثوابت على ظهر البحر، أي: غير جاريات لا غير متحركات أصلاً، {إِن في ذلك لآيات} عظيمة في أنفسها، كثيرة في العدد، دلالة على باهر قدرته {لكل صَبَّارٍ شكورٍ}؛ لكل مَن حبس نفسه عن الهوى، وصرف همته إلى النظر في آلائه، أو: لكل صبّار على بلائه، شكور لنعمائه، أي: لكل مؤمن كامل؛ فإن الإيمان نصفان: نصف شكر، ونصف صبر؛ لأن الإنسان لا يخلو من ضر يمسه، أو نفع يناله، فآداب الضر: الصبر، وآداب النفع: الشكر، وأيضاً: راكب السفن ملزوم، إما للمشقة أو السلامة، فالصبر والشكر لا زمان له. ولم يعطف إحدى الصفتين على الأخرى؛ لأنهما لموصوف واحد. {أو يُوبِقْهُنَّ} أي: يهلكهن، عطف على قوله: {يُسكنِ} أي: إن يشأ يُسكن الريح فيركدن، أو يعصفها فيغرقن بعصفها {بما كسبوا} من الذنوب. وإيقاع الإيباق عليهم مع أنه حال أهلهن؛ للمبالغة والتهويل، {ويعفُ عن كثيرٍ} منها، فلا يُجازي عليها، وإنما أدخل العفو في حكم الإيباق، حيث جُزم جزمَه؛ لأن المعنى: أو إن يشأ يُهلك ويُنج ناساً، على طريق العفو عنهم. وقرىء: "ويعفو" عن الاستئناف. {ويَعلَمَ الذين يجادلونَ في آياتنا} أي: في إبطالها وردها {ما لهم من محيصٍ}؛ من مهرب من العذاب. والجملة معلقة بالنفي، ومن نصب "يعلم" عطفه على عِلة محذوفة، أي: لينتقم منهم وليعلم، كما في قوله: {أية : وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِّلنَّاسِ}تفسير : [مريم: 21]. وقيل غير ذلك. ومَن رفعه فعلى الاستئناف. وقرىء بالجزم، عطفاً على: "يعف"، فيكون المعنى: أو إن يشأ يجمع بين إهلاك قوم وإنجاء آخرين وتحذير قوم. الإشارة: ومن آياته الأفكار الجارية في بحر التوحيد، كالأعلام، أي: أصحابها كالجبال الرواسي، لا يهزهم شيء من الواردات ولا غيرها، إن يشأ يُسكن رياح الواردات عن أسرارهم، فيبقين رواكد على ظهر بحر الأحدية، مستغرقين في شهود الذات العلية، أو يُوبقهن بما كسبوا من سوء الأدب، فيغرقن في الزندقة أو الحلول والاتحاد، ويعفُ عن كثير، ويعلم الذين يطعنون في آياتنا الدالة علينا ما لهم من مهرب. ثم زَهَّد في الدنيا؛ لأنها العائقة للأفكار، عن الجري في بحار الاسرار، فقال: {فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}.
الجنابذي
تفسير : {وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ} قرئ بحذف الياء فى الوصل والوقف اجراءً للوصل بنيّة الوقف، وقرئ باثباتها فيهما، وقرئ بحذفها فى الوصل دون الوقف {فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ} العلم محرّكةً الجبل الطّويل او عامّ.
اطفيش
تفسير : {وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِى} أي السفن الجارية باثبات الياء وقفاً ووصلاً عند ابن كثير ووصلاً عند نافع وأبي عمرو وقرئ الجوار بضم الراء حذفاً للام واعراباً على العين. {فِى الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ} أي الجبال وقيل القصور وكل مرتفع علم ووجه الشبه؛ العظم.
اطفيش
تفسير : {ومِن آياته الجوار} السفن الجوارى جمع جارية اسم فاعل تجرى {في البَحْر} متعلق بجوارى، وهو دليل على تقدير السفن ولو لم يذكر فى البحر لذكِر الموصوف، وهو السفن فيقال: ومن آياته السفن الجوارى، لأن الصفة غير الخاصة لا يحذف موصوفها، ولو سلمنا أنه صفة غالبة لجاز حذف الموصوف بلا دليل آخر غير أغلبيتها، لكن أغلبيتها ينافى التعيق، فتحتاج الى ملاحظة الأصل، فلزم الرجوع الى ما احتج بتركه {كالأعلام} حال من المستتر فى الجوارى أو فى من آياته، أو فى متعلقه وهى الجبال، لأنها تعتبرعلامات على المواضع والمقاصد، وكل ما هو علامة يسمى علما.
الالوسي
تفسير : {وَمِنْ ءايَـٰتِهِ ٱلْجَوَارِ} أي السفن الجواري أي الجارية فهي صفة لموصوف محذوف لقرينة قوله تعالى: {فِي ٱلْبَحْرِ} وبذلك حسن الحذف وإلا فهي صفة غير مختصة والقياس فيها أن لا يحذف الموصوف وتقوم مقامه، وجوز أبو حيان أن يقال: إنها صفة غالبة كالأبطح وهي يجوز فيها أن تلي العوامل بغير ذكر الموصوف. و {فِي ٱلْبَحْرِ} متعلق بالجواري وقوله تعالى: {كَٱلأَعْلَـٰمِ} في موضع الحال. وجوز أن يكون الأول أيضاً كذلك. والأعلام جمع علم وهو الجبل وأصله الأثر الذي يعلم به الشيء كعلم الطريق وعلم الجيش وسمي الجبل علماً لذلك ولا اختصاص له بالجبل الذي عليه النار للاهتداء بل إذا أريد ذلك قيد كما في قول الخنساء:شعر : وإن صخراً لتأتمّ الهداة به كأنه علم في رأسه نار تفسير : وفيه مبالغة لطيفة، وحكي أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال لما سمعه: قاتلها الله تعالى ما رضيت بتشبيهه بالجبل حتى جعلت على رأسه ناراً. وقرأ نافع وأبو عمرو (الجواري) بياء في الوصل دون الوقف. وقرأ ابن كثير بها فيهما والباقون بالحذف فيهما والإثبات على الأصل والحذف للتخفيف، وعلى كل فالإعراب تقديري وسمع من بعض العرب الإعراب على الراء.
ابن عاشور
تفسير : لما جرى تذكيرهم بأنّ ما أصابهم من مصيبة هو مسبب عن اقتراف أعمالهم، وتذكيرهم بحلول المصائب تارة وكشفها تارة أخرى بقوله: { أية : ويعفوا عن كثير } تفسير : [الشورى: 30]، وأعقب بأنهم في الحالتين غير خارجين عن قبضة القدرة الإلـٰهية سيق لهم ذكر هذه الآية جامعة مثالاً لإصابة المصائب وظهور مخائلها المخيفة المذكّرة بما يغفلون عنه من قدرة الله والتي قد تأتي بما أُنذروا به وقد تنكشف عن غير ضر، ودليلاً على عظيم قدرة الله تعالى وأنه لا محيص عن إصابة ما أراده، وإدماجاً للتذكير بنعمة السير في البحر وتسخير البحر للناس فإن ذلك نعمة، قال تعالى: { أية : والفُلْكِ التي تجري في البحر بما يَنْفَعُ الناس } تفسير : في سورة البقرة (164)، فكانت هذه الجملة اعتراضاً مثل جملة { أية : ومن آياته خلق السماوات والأرض } تفسير : [الشورى: 29]. والآيات: الأدلة الدالة على الحق. والجواري: جمع جارية صفة لمحذوف دل عليه ذكر البحر، أي السفن الجواري في البحر كقوله تعالى في سورة الحاقة (11) { أية : إنّا لَمَّا طَغَى الماء حملناكم في الجارية }. تفسير : وعُدل عن: الفلك إلى {الجواري} إيماء إلى محل العبرة لأن العبرة في تسخير البحر لجريها وتفكير الإنسان في صنعها. والأعلام: جمع عَلَم وهو الجبل، والمراد: بالجواري السفن العظيمة التي تسع ناساً كثيرين، والعبرة بها أظهر والنعمة بها أكثر. وكتبت كلمة {الجوار} في المصحف بدون ياء بعد الراء ولها نظائر كثيرة في القرآن في الرسم والقراءة، وللقراء في أمثالها اختلاف وهي التي تُدعى عند علماء القراءات بالياءات الزوائد. وقرأ نافع وأبو عمرو وأبو جعفر {الجواري} في هذه السورة بإثبات الياء في حالة الوصل وبحذفها في حالة الوقف. وقرأ ابن كثير ويعقوب بإثبات الياء في الحالين. وقرأ الباقون بحذفها في الحالين. وإسكان الرياح: قطع هبوبها، فإن الريح حركة وتموّج في الهواء فإذا سكن ذلك التموّج فلا ريح. وقرأ نافع {الريَاح} بلفظ الجمع. وقرأه الباقون {الريح} بلفظ المفرد. وفي قراءة الجمهور ما يدل على أن الريح قد تطلق بصيغة الإفراد على ريح الخير، وما قيل: إن الرياح للخير والريح للعذاب في القرآن هو غالب لا مطّرد. وقد قرىء في آيات أخرى الرياح والريح في سياق الخير دون العذاب. وقرأ الجمهور {يشأ} بهمزة ساكنة. وقرأه ورش عن نافع من طريق الأصفهاني بألف على أنه تخفيف للهمزة. والرواكد: جمع راكدة، والركود: الاستقرار والثبوت. والظهْر: الصلب للإنسان والحيوان، ويطلق على أعلى الشيء إطلاقاً شائعاً. يقال: ظَهْر البيت، أي سطحه، وتقدم في قوله تعالى: { أية : وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها } تفسير : [البقرة: 189]. وأصله: استعارة فشاعت حتى قاربت الحقيقة، فظَهْر البحر سطح مائه البادي للناظر، كما أطلق ظهْر الأرض على ما يبدو منها، قال تعالى: { أية : ما تَرك على ظهرها من دابّة } تفسير : [فاطر: 45]. وجُعل ذلك آيةً لكل صبّار شكور لأن في الحالتين خوفاً ونجاة، والخوف يدعو إلى الصبر، والنجاةُ تدعو إلى الشكر. والمراد: أن في ذلك آيات لكل مؤمن متخلق بخلُق الصبر على الضرّاء والشكرِ للسرّاء، فهو يعتبر بأحوال الفُلْك في البحر اعتباراً يقارنه الصبر أو الشكر. وإنما جعل ذلك آية للمؤمنين لأنهم الذين ينتفعون بتلك الآية فيعلمون أن الله منفرد بالإلـٰهية بخلاف المشركين فإنها تمر بأعينهم فلا يعتبرون بها. وقوله: {أو يوبقهن} عطف على جزاء الشرط. و{يوبقهن}: يهلكهن. والإيباق: الإهلاك، وفعله وَبَق كوَعد. والمراد به هنا الغرق، فيجوز أن يكون ضمير جماعة الإناثِ عائداً إلى {الجواري} على أن يستعار الإيباق للإغراق لأنّ الإغراقَ إتلاف. ويجوز أن يكون الضمير عائداً إلى الراكبين على تأويل معاد الضمير بالجماعات بقرينة قوله: {بما كسبوا} فهو كقوله: { أية : وعلى كل ضامرٍ يأتين من كلّ فجّ عميق ليشهدُوا منافع لهم } تفسير : [الحج: 27]. والباء للسببية وهو في معنى قوله: { أية : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } تفسير : [الشورى: 30]. {ويعف عن كثير} عطف على {يوبقهن} فهو في معنى جزاء للشرط المقدّر، أي وإن يشأ يعفُ عن كثير فلا يوبقهم مع استحقاقهم أن يُوبَقوا. وهذا العطف اعتراض. {وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىۤ ءَايَـٰتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَّحِيصٍ}. قرأ نافع وابن عامر ويعقوب برفع {ويعلمُ} على أنه كلام مستأنف. وقرأه الباقون بالنصب. فأما الاستئناف على قراءة نافع وابن عامر ويعقوب فمعناه أنه كلام أنُف لا ارتباط له بما قبله، وذلك تهديد للمشركين بأنهم لا محيص لهم من عذاب الله لأنه لما قال: { أية : ومن آياته الجوارِ في البحر } تفسير : [الشورى: 32] صار المعنى: ومن آيات انفراده بالإلـٰهية الجواري في البحر. والمشركون يجادلون في دلائل الوحدانية بالإعْراض والانصراف عن سماعها فهددهم الله بأن أعلمهم أنهم لا محيص لهم، أي من عذابه، فحُذف متعلق المحيص إبهاماً له تهويلاً للتهديد لتذهب النفس كل مذهب ممكن فيكون قوله: {ويعلم الذين يجادلون} خبَراً مراداً به الإنشاء والطلب فهو في قوة: وليعلمْ الذين يجادلون، أو اعلموا يا من يجادلون، وليس خبراً عنهم لأنهم لا يؤمنون بذلك حتى يعلموه. وأما قراءة النصب فهي عند سيبويه وجمهور النحاة على العطف على فعلٍ مدخول للام التعليل، وتضمَّن (أنْ) بعده. والتقدير: لينتقم منهم ويعلم الذين يجادلون الخ. وسموا هذه الواو واو الصَّرفْ لأنها تصرف ما بعدها عن أن يكون معطوفاً على ما قبلها، إلى أن يكون معطوفاً على فعل متصيَّد من الكلام، وهذا قول سيبويه في باب ما يرتفع بين الجزمين وينجزم بينهما، وتبعه في «الكشاف»، وذهب الزجاج إلى أن الواو واو المعية التي ينصب الفعل المضارع بعدها بــ (أن) مضمرة. ويجوز أن يجعل الخبر مستعملاً في مقاربة المخبر به كقولهم: قد قامت الصلاة، فلما كان علمهم بذلك يوشك أن يَحصل نُزّل منزلة الحاصل فأخبر عنهم به، وعلى هذا الوجه يكون إنذاراً بعقاب يحصل لهم قريب وهو عذاب السيف والأسْر يوم بدر. وذكر فعل {يعلَم} للتنويه والاعتناء بالخبر كقوله تعالى: { أية : واعْلموا أنكم ملاقُوه } تفسير : في سورة البقرة (223)، وقوله: { أية : واعلموا أنما غنمتم من شيء } تفسير : في سورة الأنفال (41)، حديث : وقول النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى أبا مسعود الأنصاري يضرب غلاماً له فناداه: "اعْلَم أبَا مسعود اعْلم أبَا مسعود، قال أبو مسعود: فالتفتُّ فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يقول: اعلَم أبا مسعود. فألقيت السوط من يدي، فقال لي: إن الله أقدر عليك منكَ على هذا الغلام"تفسير : رواه مسلم أواخر كتاب الإيمان. وتقدم معنى {الذين يجادلون في آياتنا} في هذه السورة. و{مَا} نافية، وهي معلِّقة لفعل {يعلم} عن نصب المفعولين. والمَحِيص: مصدر ميمي من حاص، إذا أخذ في الفرار ومَال في سَيره، وفي حديث أبي سفيان في وصْف مجلس هرقل «فحاصُوا حَيْصة حُمر الوحش وأغلقت الأبواب». والمعنى: ما لهم من فرار ومهرب من لقاء الله. والمراد: ما لهم من محيد ولا ملجأ. وتقدم في قوله تعالى: { أية : ولا يجدون عنها محيصاً } تفسير : في سورة النساء (121).
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ}. قوله: ومن آياته أي من علاماته الدالة على قدرته واستحقاقه للعبادة وحده، الجواري وهي السفن واحدتها جارية، ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ} تفسير : [الحاقة: 11] يعني سفينة نوح، وسميت جارية لأنها تجري في البحر. وقوله {كَٱلأَعْلاَم} أي كالجبال، شبه السفن بالجبال لعظمها. وعن مجاهد أن الأعلام القصور، وعن الخليل: أن كل مرتفع تسميه العرب علماً، وجمع العلم أعلام. وهذا الذي ذكره الخليل معروف في اللغة، ومنه قول الخنساء ترثي أخاها صخراً: شعر : وإن صخراً لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار تفسير : وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن جريان السفن في البحر، من آياته تعالى الدالة على كمال قدرته، جاء موضحاً في غير هذا الموضع، كقوله تعالى {أية : وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ} تفسير : [يس: 41-44] وقوله تعالى {أية : فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [العنبكوت: 15] وقوله تعالى: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ} تفسير : [البقرة: 164] إلى قوله {أية : لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} تفسير : [البقرة: 164] الآية. وقوله تعالى في سورة النحل: {أية : وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} تفسير : [النحل: 14] الآية. وقوله في فاطر: {أية : وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِه} تفسير : [فاطر: 12]. والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. وقرأ هذا الحرف نافع وأبو عمرو "الجواري" بياء ساكنة بعد الراء في الوصل فقط، دون الوقف وقرأه ابن كثير بالياء المذكور في الوصل والوقف معاً، وقرأه الباقون الجوار بحذف الياء في الوصل والوقف معاً.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام: أي ومن علامات ربوبيته للخلق إيجاد السفن كالجبال في البحار وتسخير البحار للسير فيها لمنافع العباد. إن يشأ يسكن الريح: أي يوقف هبوب الريح فلا نسيم ولا عواصف. فيظللن رواكد على ظهره: أي تقف السفن وتظل راكدة حابسة على ظهر البحر. إن في ذلك لآيات: أي في هذه المظاهر من خلق السفن والبحار وتسخير البحار وسير السفن وركودها عند سكون الرياح لدلالات واضحة على وجود الله وقدرته وعلمه وحكمته. لكل صبار شكور: أي إن هذه الآيات لا يراها ولا ينتفع بها إلا من كان صباراً عند الشدايد والمحن شكوراً عند الآلاء والنعم. أو يوبقهن بما كسبوا: أي وإن يشأ يجعل الرياح عواصف فيهلك تلك السفن ويغرقها بمن فيها بسبب ذنوب أصحابها، وهو على ذلك قدير. ويعفو عن كثير: أي وإنه تعالى ليعفو عن كثير من الذنوب والخطايا فلا يؤاخذ بها إذ لو آخذ بكل ذنب ما بقي أحد على وجه الأرض لقلة من لا يذنب فيها. ويعلم الذين يجادلون في آياتنا: أي ويعلم المكذبون بآيات الله من المشركين عندما تعصف العواصف وتضطرب السفن ويخاف الغرق. ما لهم من محيص: أي ليس لهم من مهرب إلا إلى الله فيجأرون بدعائه وحده ناسين آلهتهم الباطلة. معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر مظاهر الربوبية المستلزمة لألوهية الله تعالى ووجوب عبادته وحده دون سواه فقال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ} أي ومن حججه عليكم يا عباد الله الدالة على قدرة الله وعلمه وحكمته ورحمته أيضا هذه السفن الجوار في البحر كأنها جبال عالية تسير من إقليم إلى إقليم بتسخير الله تعالى البحار وإرسال الرياح وهي تجري بمنافعكم حيث تنقل الركاب والبضائع من إقليم إلى آخر. فهذا مظهر قدرة الله ورحمته، وإن يشأ تعالى إسكان الريح فإنها تسكن فلا تهب ولا تنسم بنسيم ألبته فتقف السفن وتركد على سطح الماء فلا تتحرك، وإن يشأ أيضا يرسل عليها عواصف من الريح فتضطرب وتغرق بما فيها ومن فيها وذلك بذنوب أصحابها إن القاعدة الثابتة المقررة أنه ما من مصيبة إلا بذنب. وهذا معنى قوله {إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ}. وقوله تعالى {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} أي إن في هذه المظاهر من خلق السفن والبحار وتسخير البحار وسير السفن عليها وركودها عند سكون الريح لحجج واضحة قوية على وجود الله وقدرته وعلمه ورحمته وحكمته ولكن لا يراها ولا ينتفع بها أمثال البهائم، ولكن هي من نصيب كل عبد صبار على طاعة الله وبلائه شكور لآلائه ونعمه عليه.. وقوله {أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا}. وقوله {وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ} أي ولا يؤاخذ بكل ذنب فقد يعفو عن كثير من الذنوب. إذ لو عاقب على كل ذنب وآخذ بكل خطيئة لما بقي على الأرض أحد إذ ما من أحد إلا ويذنب اللهم إلا ما كان من المعصومين من الأنبياء والمرسلين فإنهم لا يذنبون، ولكن قد يذنب أصولهم وفروعهم فيهلكون ومن أين يوجدون!! وقوله تعالى: {وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ} أي وعندما تكون الريح عاصفة وتضطرب السفن وتشرف على الغرق هنا يعلم المشركون الذين يخاصمون رسول الله ويجادلونه في الوحي الإِلهي ويكذبون به يعلمون أنهم في هذه الحال مالهم من محيص أي من ملجأ ولا مهرب من الله إلا إليه فيجأرون بدعاء الله وحده كما قال تعالى فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- مظاهر ربوبية الله وألوهيته على خلقه. 2- فضل الصبر والشكر وفضيلة الصابرين الشاكرين. 3- تقرير قاعدة ما من مصيبة إلا بذنب مع عفو الله عن كثير. 4- عند معاينة العذاب يعرف الإِنسان ربه ولا يعرف غيره.
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَاتِهِ} {كَٱلأَعْلاَمِ} (32) - وَمِنْ دَلاَئِلِ قُدْرَتِهِ تَعَالَى تَسْخِيْرُهُ البَحْرَ لِتَجْرِيَ فِيهِ السُّفُنُ (الجَوَارِي) بِأَمْرِهِ كَالجِبَالِ الشَّاهِقَاتِ. الجَوَارِي - السُّفُنُ والمَرَاكِبُ أَوِ الفُلْكُ. الأَعْلاَمُ - الجِبَالُ الشَّاهِقَاتُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الجوار في البحر صفة لشيء معروف هي السفن، فهي التي تجري على صفحة الماء، والآن نرى سفناً عملاقة وبواخرَ ذات أوزان عالية يحملها الماء بإذن الله، كما نجد سيارات النقل والحاويات ذات الأوزان العالية تُحمل على الهواء في العجلات، وهذه من آيات الله أنْ يحمل الخفيف الثقيل. ومعنى {كَٱلأَعْلاَمِ} [الشورى: 32] الأعلام: مفردها عَلَم، وهو الجبل، سُمِّي علماً لعُلوِّه وظهوره، لذلك قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر: شعر : كَأنهُ عَلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارٌ تفسير : فقوْل الخنساء عن أخيها: كَأنه عَلَم في رأْسِهِ نَارٌ. كناية عن أنه مشهور معروف للجميع، ولما سمع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا البيت قال: "حديث : قاتلها اللهُ، ما اقتنعت تجعله كالجبل فجعلتْ فوقه ناراً ". تفسير : وفي هذه الآية مظهر من مظاهر الإعجاز وآية للنبي صلى الله عليه وسلم، فلو سألنا رجال الاقتصاد والصناعة: متى وُجدت السفن العملاقة المكوَّنة من عدة أدوار والتي تشبه جبلاً يتحرك على صفحة الماء؟ قالوا: في القرن الثامن عشر، إذن: محمد لم يَرَ مثل هذه السفن، فمَنْ أخبره بهذا التطور؟ ومَنْ قال له أنها ستكون كالأعلام؟ إنه الله الذي يعطينا الآيات الدالة على صدق نبيه صلى الله عليه وسلم. ثم إن الجَواريَ التي تجري في البحر تحتاج إلى طاقة تُجريها، فمن أين هذه الطاقة؟ لما بدأتْ السفن كانت تجري بقوة الهواء أو بقوة دَفْع الماء لها، فإنْ كانت تسير في نفس اتجاه التيار أجراها التيار معه، وإنْ كانت تسير ضد اتجاه التيار استخدموا الهواء في دَفْعها باستخدام القِلْع، فإنْ سكن الريح يظللن رواكد على ظهره. إذن: هي تجري بأمر الله وتسكن بأمر الله، وإن كانت تسير في نهر وتسبح ضد تيار الماء جاءوا بالعمال وبالحبال ليشدُّوا السفينة وهم على الشاطئ ويسيرون بها: {إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى بعض الدلائل على وحدانيته في خلق السماوات والأرض، وما بثَّ فيهما من مخلوقات لا تُحصى، أتبعه بذكر آية أخرى تدل على وجود الإِله القادر الحكيم، وهي السفن الضخمة التي تشبه الجبال تسير بقدرته تعالى فوق سطح البحر، محمَّلة بالأقوات والأرزاق، وختم السورة الكريمة ببيان إثبات الوحي وصدق القرآن. اللغَة: {ٱلْجَوَارِ} جمع جارية وهي السفينة سميت جارية لأنها تجري في الماء {كَٱلأَعْلاَمِ} جمع علم وهو الجبل العظيم الشاهق قالت الخنساء: شعر : وإِنَّ صخْراً لتأْتمُّ الهُداةُ به كأنَّهُ علمٌ في رأسهِ نارُ تفسير : {رَوَاكِدَ} ثوابت ساكنة لا تسير، من ركدَ الماء إذا سكن ووقف عن الجري {مَّحِيصٍ} مهرب ومخلص من العذاب {يُوبِقْهُنَّ} يهلكهنَّ يقال: أوبقه أي أهلكه {ٱلْفَوَاحِشَ} جمع فاحشة وهي ما تناهى قبحه كالزنى والقتل والشرك وغيرها {نَّكِيرٍ} منكِرٌ يُنكِر ما ينزل بكم من العذاب {عَقِيماً} لا تلد. التفسِير: {وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ} أي ومن علاماته الدالة على قدرته الباهرة، وسلطانه العظيم، السفنُ الجارية في البحر كأنها الجبال من عظمها وضخامتها {إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ} أي لو شاء تعالى لأسكن الرياح وأوقفها فتبقى السفن سواكن وثوابت على ظهر البحر لا تجري {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} أي إن في تسييرها لعبراً وعظات لكل مؤمن صابر في البأساء، شاكرٍ في الرخاء قال الصاوي: أي كثير الصبر على البلايا، عظيم الشكر على العطايا وقال أبو حيان: وإِنما ذكر السفن الجارية في البحر، لما فيها من عظيم دلائل القدرة، من جهة أن الماء جسم لطيف شفاف، يغوص فيه الثقيل، والسفن تحمل الأجسام الثقيلة الكثيفة ومع ذلك جعل الله تعالى في الماء قوة يحملها بها ويمنعها من الغوص، ثم جعل الرياح سبباً لسيرها فإِذا أراد أن ترسوا أسكن الريح فلا تبرح عن مكانها، {أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا} أي وإِن يشأ يجعل الرياح عواصف فيغرق هذه السفن وأهلها بسبب ما اقترفوا من جرائم {وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ} أي ويتجاوز عن كثير من الذنوب فينجيهم الله من الهلاك {وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ} أي وليعلم الكفار المجادلون في آيات الله بالباطل، أنه لا ملجأ لهم ولا مهرب من عذاب الله قال القرطبي: أي ليعلم الكفار إِذا توسطوا البحر وغشيتهم الرياح من كل مكان أنه لا ملجأ لهم سوى الله، ولا دافع لهم إن أراد الله إهلاكهم فيخلصون له العبادة {فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي فما أعطيتم أيها الناس من شيء من نعيم الدنيا وزهرتها الفانية، فإِنما هو نعيم زائل، تتمتعون به مدة حياتكم ثم يزول {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} أي وما عند الله من الثواب والنعيم، خيرٌ من الدنيا وما فيها، لأنَّ نعيم الآخرة دائم مستمر، فلا تُقدِّموا الفاني على الباقي {لِلَّذِينَ آمَنُواْ} أي للذين صدَّقوا الله ورسوله وصبروا على ترك الملاذ في الدنيا {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} أي واعتمدوا على الله وحده في جميع أمورهم {وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ} أي وهؤلاء المؤمنون هم الذين يجتنبون كبائر الذنوب كالشرك والقتل وعقوق الوالدين {وَٱلْفَوَاحِشَ} قال ابن عباس: يعني الزنى {وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ} أي إِذا غضبوا على أحدٍ ممَّن اعتدى عليهم عفوا وصفحوا قال الصاوي:من مكارم الأخلاق التجاوز والحلم عند حصول الغضب، ولكن يشترط أن يكون الحلم غير مخلٍ بالمروءة، ولا واجباً كما إِذا انتهكت حرماتُ الله فالواجب حينئذٍ الغضب لا الحلم، وعليه قول الشافعي "من استُغضب ولم يغضب فهو حمار" وقال الشاعر "وحلمُ الفتى في غير موضعه جهل" {وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ} أي أجابوا ربهم إلى ما دعاهم إليه من التوحيد والعبادة قال البيضاوي: نزلت في الأنصار دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإِيمان فاستجابوا {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} أي أدوها بشروطها وآدابها، وحافظوا عليها في أوقاتها {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ} أي يتشاورون في الأمور ولا يعجلون، ولا يُبرمون أمراً من مهمات الدنيا والدين إلا بعد المشورة {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} أي وينفقون مما أعطاهم الله في سبيل الله بالإِحسان إلى خلق الله {وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ} أي ينتقمون ممن بغى عليهم، ولا يستسلمون لظلم المعتدي قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون أن يُذلّوا أنفسهم فتجترىء عليهم الفساق قال أبو السعود: وهو وصفٌ لهم بالشجاعة بعد وصفهم بسائر الفضائل، وهذا لا ينافي وصفهم بالغفران فإِن كلاً في موضعه محمود {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} أي وجزاء العدوان أن ينتصر ممن ظلمه من غير أن يعتدي عليه بالزيادة قال الإِمام الفخر: لما قال تعالى {وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ} أردفه بما يدل على أن ذلك الانتصار يجب أن يكون مقيداً بالمثل دون زيادة، وإِنما سمَّى ذلك سيئة لأنها تسوء من تنزل به {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ} أي فمن عفا عن الظالم، وأصلح بينه وبين عدوه، فإِن الله يثيبه على ذلك الأجر الجزيل قال ابن كثير: شرع تعالى العدل وهو القصاص، وندب إلى الفضل وهو العفو، فمن عفا فإِن الله لا يضيع له ذلك كما جاء في الحديث "حديث : وما زاد اللهُ تعالى عبداً بعفوٍ إلا عزاً"تفسير : {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ} أي إنه جل وعلا يبغض البادئين بالظلم، والمعتدين في الانتقام {وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ} أي انتصر ممن ظلمه دون عدوان {فَأُوْلَـٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ} أي فليس عليهم عقوبة ولا مؤاخذة، لأنهم أتوا بما أبيح لهم من الانتصار {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ} إي إنما العقوبة والمؤاخذة على المعتدين الذين يظلمون الناس بعدوانهم {وَيَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} أي ويتكبرون في الأرض تجبراً وفساداً بالمعاصي والاعتداء على الناس في النفوس والأموال {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي أولئك الظالمون الباغون لهم عذاب مؤلم موجع بسبب ظلمهم وبغيهم {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} أي ولمن صبر على الأذى، وترك الانتصار لوجه الله تعالى، فإِن ذلك الصبر والتجاوز من الأمور الحميدة التي أمر الله بها وأكد عليها قال الصاوي: كرَّر الصبر اهتماماً به وترغيباً فيه وللإِشارة إلى أنه محمود العاقبة {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ} أي ومن يضلله اللهُ فليس له ناصر ولا هادٍ يهديه إلى الحق {وَتَرَى ٱلظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ} أي وترى الكافرين حين شاهدوا عذاب جهنم {يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ} أي يطلبون الرجوع إلى الدنيا لهول ما يشاهدون من العذاب ويقولون: هل هناك طريق لعودتنا إلى الدنيا؟ قال القرطبي: يطلبون أن يُردُّوا إلى الدنيا ليعملوا بطاعة الله عز وجل فلا يجابون {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا} أي وتراهم أيها المخاطب يُعرضون على النار {خَاشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ} أي متضائلين صاغرين مما يلحقهم من الذل والهوان {يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ} أي يسارقون النظر خوفاً منها وفزعاً كما ينظر من قُدِّم ليقتل بالسيف، فإِنه لا يقدر أن ينظر إليه بملء عينه قال ابن عباس: ينظرون بطرفٍ ذابلٍ ذليل وقال قتادة والسدي: يُسارقون النظر من شدة الخوف {وَقَالَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ ٱلْخَاسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي يقول المؤمنون في الجنة لما عاينوا ما حلَّ بالكفار: إن الخسران في الحقيقة ما صار إليه هؤلاء، فإِنهم خسروا أنفسهم وأهليهم بخلودهم في نار جهنم {أَلاَ إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ} أي ألا إنهم في عذاب دائمٍ لا ينقطع {وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ} أي وما كان لهم من أعوان ونصراء ينصرونهم من عذاب الله كما كانوا يرجون ذلك في الدنيا {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ} أي ومن يضلله اللهُ فليس له طريق يصل به إلى الحق في الدنيا، وإِلى الجنة في الآخرة، لأنه قد سُدَّت عليه طريق النجاة قال ابن كثير: من يضلله الله فليس له خلاص {ٱسْتَجِيبُواْ لِرَبِّكُمْ} أي استجيبوا أيها الناسُ إلى ما دعاكم إليه ربكم من الإِيمان والطاعة {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ} أي من قبل أن يأتي ذلك اليوم الرهيب الذي لا يقدر أحدٌ على ردِّه، لأنه ليس له دافع ولا مانع {مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ} أي ليس لكم مفر تلتجئون إليه {وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ} أي وليس لكم منكِرٌ يُنكِر ما ينزل بكم من العذاب وقال أبو السعود: أي ما لكم إنكار لما اقترفتموه لأنه مدوَّن في صحائف أعمالكم وتشهد عليه جوارحكم {فَإِنْ أَعْرَضُواْ} أي فإِن أعرض المشركون عن الإِيمان ولم يقبلوا هداية الرحمن {فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} أي فما أرسلناك يا محمداً رقيباً على أعمالهم ولا محاسباً لهم {إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ} أي ما عليك إلاَّ أن تبلغهم رسالة ربك وقد فعلت قال أبو حيان: والآية تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتأنيسٌ له، وإِزالةٌ لهمِّه بهم، ثم أخبر تعالى أن طبيعة الإِنسان الكفران لنعم الله فقال {وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا} المرادُ بالإِنسان الجنس بدليل قوله {وَإِن تُصِبْهُمْ} والمعنى إنا إذا أكرمنا الإِنسان بنعمةٍ من النعم من صحة وغنى وأمنٍ وغيرها بطر وتكبَّر {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ ٱلإِنسَانَ كَفُورٌ} أي وإِن أصاب الناسَ جدبٌ ونقمة، وبلاءٌ وشدة، بسبب ما اقترفوه من آثام فإِن الإِنسان مبالغٌ في الجحود والكفران، ينسى النعمة ويذكر البلية قال الصاوي: والحكمةُ في تصدير النعمة بـ"إذا" والبلاء بـ "إنْ" هو الإِشارة إلى أن النعمة محققة الحصول بخلاف البلاء، لأن رحمة الله تغلب عضبه وقال الإِمام الفخر: نِعَمُ اللهِ في الدنيا وإِن كانت عظيمة إلا أنها بالنسبة إلى سعادة الآخرة كالقطرة بالنسبة إلى البحر فلذلك سمَّاها ذوقاً، فبيَّن تعالى أن الإِنسان إذا فاز بهذا القدر الحقير في الدنيا فإِنه يفرح بها ويعظم غروره بسببها ويقع في العجب والكبر، ويظن أنه فاز بكل المُنى، وذلك لجهله بحال الدنيا وبحال الآخرة {لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} أي هو تعالى المالك للكون كلِّه، علويه وسفليّه، والمتصرف فيه بالخلق والإِيجاد، كيفما شاء، والمقصودُ من الآية أن لا يغتر الإنسان بما ملكه من المال والجاه، وأن يعلم أن الكل ملك الله وحده، وبيده مقاليد التصرف في السماوات والأرض، يعطي ويمنع، لا رادَّ لقضائه ولا معقّب لحكمه {يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً} أي يخص من شاء من عباده بالإِناث دون البنين {وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ} أي ويخص من شاء بالذكور دون الإِناث {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً} أي يجعلهم إن شاء من النوعين فيجمع للإِنسان بين البنين والبنات {وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً} أي ويجعل بعض الرجال عقيماً فلا يولد له، وبعض النساء عقيماً فلا تلد قال البيضاوي: والمعنى يجعل أحوال العباد في الأولاد مختلفة، على مقتضى المشيئة، فيهب لبعضٍ إمّا صنفاً واحداً من ذكر أو أنثى، أو الصنفين جمعاً، ويُعقم آخرين، والمراد من الآية بيان نفاذ قدرته تعالى في الكائنات كيف يشاء، ولهذا قال {إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} أي مبالغ في العلم والقدرة، يفعل ما فيه مصلحة وحكمة قال ابن كثير: جعل تعالى الناس أربعة أقسام: منهم من يعطيه البنات، ومنهم من يعطيه البنين، ومنهم من يعطيه النوعين الذكر والإِناث، ومنهم من يمنعه هذا وهذا فيجعله عقيماً لا نسل له ولا ولد، فسبحان العليم القدير.. ثم ذكر تعالى الوحي وأقسامه وأنواعه فقال: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً} أي وما صحَّ لأحدٍ من البشر أياً كان أن يكلمه الله إلا بطريق الوحي في المنام أو بالإِلهام، لأن رؤيا الأنبياء حقٌ كما وقع للخليل إبراهيم عليه السلام {أية : إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ}تفسير : [الصافات: 102] {أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} أي أو يكلمه من وراء حجاب كما كلَّم موسى عليه السلام {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ} أي أو يرسل ملكاً فيبلغ الوحي إلى الرسول بأمره تعالى ما يشاء تبليغه كما نزل جبريل بالوحي على الأنبياء قال في التسهيل: بيَّن تعالى في الآية أن كلامه لعباده على ثلاثة أوجه: أحدها الوحي بطريق الإلهام أو المنام، والآخر أن يُسمعه كلامه من وراء حجاب، والثالث: الوحي بواسطة الملك، وهذا خاص بالأنبياء، والثاني خاص بموسى وبمحمد إذ كلمه الله ليلة الإِسراء، وأما الأول فيكون للأنبياء والأولياء وقال الصاوي: وقد يقع الإِلهام لغير الأنبياء كالأولياء، غير أن إلهام الأولياء قد يختلط به الشيطان لأنهم غير معصومين، بخلاف الأنبياء فإِلهامهم محفوظ منه {إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} أي إنه تعالى متعالٍ عن صفات المخلوقين، حكيم في أفعاله وصنعه، تجري أفعاله على موجب الحكمة {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} أي وكما أوحينا إلى غيرك من الرسل أوحينا إليك يا محمد هذا القرآن، وسمَّاه روحاً لأن فيه حياة النفوس من موت الجهل، وكان مالك بن دينار يقول: يا أهل القرآن ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ فإِن القرآن ربيع القلوب كما أن الغيث ربيع الأرض {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ} أي ما كنت يا محمد تعرف قبل الوحي ما هو القرآن، ولا كنت تعرف شرائع الإِيمان ومعالمه على وجه التفصيل {وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا} أي ولكن جعلنا هذا القرآن نوراً وضياءً نهدي به عبادنا المتقين {وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي وإنك يا محمد لترشد إلى دين قيمٍ مستقيم هو الإِسلام {صِرَاطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي هذا الدين الذي لا اعوجاج فيه هو دينُ الله الذي له كل ما في الكون ملكاً وخلقاً وعبيداً {أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ} أي ألا إلى الله وحده ترجع الأمور فيفصل فيها بين العباد بحكمه العادل وقضائه المبرم. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- المجاز المرسل {أية : لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ}تفسير : [الشورى: 7] أي لتنذر أهل مكة لأن الإِنذار لأهل القرية لا لها. وفي الآية احتباك حيث حذف من كل نظير ما أثبته في الآخر وتقديره: لتنذر أم القرى العذاب، وتنذر الناس يوم الجمع. 2- توالي المؤكدات مع صيغة المبالغة {أية : أَلاَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}تفسير : [الشورى: 5] وهي ألا، وإن، وضمير الفصل. 3- الطباق بين {ٱلْجَنَّةِ .. وٱلسَّعِيرِ} وبين {يَبْسُطُ .. ويَقْدِرُ} وبين {ذُكْرَاناً .. وَإِنَاثاً}. 4- طباق السلب {أية : يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا}تفسير : [الشورى: 18]. 5- الاستعارة {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ}تفسير : [الشورى: 20] الآية شبه العمل للآخرة بالزارع يزرع الزرع ليجني منه الثمرة والحب، بطريق الاستعارة التمثيلية وهي من لطائف الاستعارة. 6- المقابلة {أية : وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ}تفسير : [الشورى: 24]. 7- عطف العام على الخاص {أية : يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ}تفسير : [الشورى: 28] فالغيث خاص والرحمة عام. 8- التشبيه المرسل المجمل {وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ} أي كالجبال في الضخامة والعظم. 9- التقسيم {يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً}. 10- جناس الاشتقاق {أية : وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ}تفسير : [الشورى: 30]. 11- صيغة المبالغة {لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} أي عظيم الصبر، كبير الشكر. 12- المشاكلة {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} سميت الثانية سيئة لمشابهتها للأولى في الصورة. 13- توافق الفواصل وهو من المحسنات البديعية وهو كثير في القرآن العظيم.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ} فالجَواري: السفنُ. واحدُها: جاريةٌ. والأَعلامُ: الجِبالُ. واحدُها عَلَمٌ.
الجيلاني
تفسير : {وَ} أيضاً {مِنْ آيَاتِهِ} الدالة على ولايته الكاملة، وتدبيراته الشاملة {ٱلْجَوَارِ} أي: السفن الجارية {فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ} [الشورى: 32] أي: كالجبال الرواسي في العظمة والثقل. {إِن يَشَأْ} سبحانه {يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ} المجرية لهن {فَيَظْلَلْنَ} ويبقين تلك السفن حينئذ {رَوَاكِدَ} سواكن {عَلَىٰ ظَهْرِهِ} أي: ظهر البحر ولججه، فضاع جميع من فيها وما فيها {إِنَّ فِي ذَلِكَ} الإجراء والإرسال {لآيَاتٍ} دلائل واضحات على تولية الحق وتدبيره {لِّكُلِّ صَبَّارٍ} حبس نفسه في مقام الرضا بما قسم له ربه {شَكُورٍ} [الشورى: 33] بما ظهر عليه من آله ونعمائه. {أَوْ} إن يشأ يرسلهن إرسالاً عنيفاً بالرياح العاصفة حتى {يُوبِقْهُنَّ} أي: يغرقهن، ويهلك بعض من فيهن {بِمَا كَسَبُوا} أي: بشؤوم أعمالهم التي اقترفوها من البخل والحسد والحرص المفرط والأمل الطويل، وغير ذلك من الأخلاق المذمومة {وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ} [الشورى: 34] أي: ومع ذلك يتجاوز سبحانه عن إهلاك أكثرهم، وينجيهم من ورطة الهلاط بحسن أعمالهم وخلوص نياتهم تفضلاً منه سبحانه إياهم وتكريماً لهم. كل ذلك ليختبر سبحانه عباده، وينتقم عنهم، ويميز منهم أهل الرضا والتسليم عن غيرهم {وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ} أي: وليعلم المجادلون المكابرون {فِيۤ آيَاتِنَا} ومقتضياتها عناداً وعدواناً {مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ} [الشورى: 35] مهرب ومخلص من عذابنا إن تعلقت إرادتنا بانتقامهم وإهلاكهم. وإن استظهر أهل الجدال بالأموال والأولاد، واستكبروا بها وافتخروا عليها، قل لهم يا أكمل الرسل نيابة عنَّا: {فَمَآ أُوتِيتُمْ} وأعطيتم {مِّن شَيْءٍ} حقير قليل، ما هي إلا من حطام الدنيا ومتاعها {فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} فانية بفنائها، تتمتعون بها فيها مدة يسيرة، ثم تمضون مع حسرة كثيرة وندامة طويلة {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ} من اللذات الروحانية والكرامات المعنوية {خَيْرٌ} من الدنيا وما فيها،ـ بل من آلافها وأضعافها {وَأَبْقَىٰ} أقدم وأدوم {لِلَّذِينَ آمَنُواْ} بوحدة الحق وانكشفوا بكمالات أسمائه وأوصافه، وتحققوا بشهود شئونه وتجلياته {وَ} هم بعدما تمكنوا في مقام الرضا والتسليم، وتوطنوا في أعظم سواد الفقر، وأعلى درجات عالم اللاهوت {عَلَىٰ رَبِّهِمْ} لا على غيره من الوسائل والأسباب العادية {يَتَوَكَّلُونَ} [الشورى: 36] يوفضون أمورهم ويسلمون، غاضبين عيون بصائرهم وأبصارهم عن الالتفات إلى ما سوى الحق مطلقاً، لذلك ما يرون بنوره من مرايا مظاهره ومجاليه إلا لمعات وجهه الكريم.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن آياته البينات بقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ} [الشورى: 32] يحثهم على الفكرة المنبهة لهم في السفن التي تجري في البحار، فيرسل الله تعالى الرياح مرة ويسكنها أخرى وما يريهم من السلامة والهلاك، والإشارة في هذا إلى مسلك الناس في خلال فتن الوقت من الأنواع المختلفة، ثم حفظ العبد في إيواء السلامة، وذلك يوجب خلوص الشكر الموجب له جزيل المزيد فيه إشارة أخرى، {وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ} جواري سنن هممهم العالية في بحر الدنيا، جارية بريح العناية الأزلية إلى ساحل الحضرة الربوبية بغير سكون والتفات إلى ما في بحر الدنيا، {إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ} [الشورى: 33]؛ أي: على ظهر البحر بفضله وكرمه، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [الشورى: 33] يشير إلى كل من صبره بالله وشكره بالله، فإنه تعالى هو الصبور الشكور، {أَوْ يُوبِقْهُنَّ} [الشورى: 34] بعدله وقسطه {بِمَا كَسَبُوا} [الشورى: 34] من موجبات الهلاك، {وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ} [الشورى: 34]؛ أي: وإنه يعفو عن كثير من الذنوب المهلكات، {وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِنَا} [الشورى: 35] بالهوى والطبيعة من غير بينة {مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ} [الشورى: 35] خلاص من الله وعذابه، ثم قال: {فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} [الشورى: 36]؛ يعني: إن الراحات في الدنيا لا تصفو من المشائب ولا تخلو، وإن أنفق البعض منها من الأجانين فإنها سريعة الزوال وشكبة الارتحال، {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ} [الشورى: 36] من الثواب الموعود {خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} [الشورى: 36] من هذا القليل الموجود؛ بل ما عند الله من الألطاف الخفية، والمقامات العلية، والمواهب السنية خير وأبقى مما في الدنيا والآخرة، {لِلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الشورى: 36] لا على الدنيا ولا على الآخرة، {وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ }[الشورى: 37] وهو حب الدنيا ومتابعة الهوى، فإنهما رأس كل خطيئة ومنشؤها، {وَٱلْفَوَاحِشَ} [الشورى: 37] وهي الاشتغال بطلب الدنيا وصرفها في اتباع الهوى، {وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشورى: 37]؛ أي: يتجرعون كاسات الغضب النفسانية بأفواه القلوب الروحانية، ويسكنون سورة الصفة الشيطانية، {وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ} [الشورى: 38] فيما دعاهم إليه بخطاب {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ}تفسير : [الفجر: 28]، {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} [الشورى: 38]؛ أي: أداموا بالحضور والمراقبة والسير، وبقوله: {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38] يشير إلى التمسك بذيل إرادة المشايخ في السلوك إلى الحضرة؛ ليتسلكوا بمشاورتهم وإرشادهم لا باسترسال النفس والهوى وتلقين الشيطان، كما قال الجنيد: "من لم يكن له أستاذ فأستاذه الشيطان"، {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} [الشورى: 38] من الولاية والهداية {يُنفِقُونَ} [الشورى: 38] على طالبي أرباب طلب الله بصدق الإرادة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: ومن أدلة رحمته وعنايته بعباده { الْجَوَار فِي الْبَحْرِ } من السفن، والمراكب النارية والشراعية، التي من عظمها { كَالأعْلامِ } وهي الجبال الكبار، التي سخر لها البحر العجاج، وحفظها من التطام الأمواج، وجعلها تحملكم وتحمل أمتعتكم الكثيرة إلى البلدان والأقطار البعيدة، وسخر لها من الأسباب ما كان معونة على ذلك. ثم نبه على هذه الأسباب بقوله: { إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ } التي جعلها الله سببا لمشيها، { فَيَظْلَلْنَ } أي: الجوار { رَوَاكِدَ } على ظهر البحر، لا تتقدم ولا تتأخر، ولا ينتقض هذا بالمراكب النارية، فإن من شرط مشيها وجود الريح. وإن شاء الله تعالى أوبق الجوار بما كسب أهلها، أي: أغرقها في البحر وأتلفها، ولكنه يحلم ويعفو عن كثير. { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } أي: كثير الصبر على ما تكرهه نفسه ويشق عليها، فيكرهها عليه، من مشقة طاعة، أو ردع داع إلى معصية، أو ردع نفسه عند المصائب عن التسخط، { شَكُورٍ } في الرخاء وعند النعم، يعترف بنعمة ربه ويخضع له، ويصرفها في مرضاته، فهذا الذي ينتفع بآيات الله. وأما الذي لا صبر عنده، ولا شكر له على نعم الله، فإنه معرض أو معاند لا ينتفع بالآيات. ثم قال تعالى: { وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا } ليبطلوها بباطلهم. { مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ } أي: لا ينقذهم منقذ مما حل بهم من العقوبة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):