Verse. 4308 (AR)

٤٢ - ٱلشُّورىٰ

42 - Ash-Shura (AR)

فَمَاۗ اُوْتِيْتُمْ مِّنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيٰوۃِ الدُّنْيَا۝۰ۚ وَمَا عِنْدَ اللہِ خَيْرٌ وَّاَبْقٰى لِلَّذِيْنَ اٰمَنُوْا وَعَلٰي رَبِّہِمْ يَتَوَكَّلُوْنَ۝۳۶ۚ
Fama ooteetum min shayin famataAAu alhayati alddunya wama AAinda Allahi khayrun waabqa lillatheena amanoo waAAala rabbihim yatawakkaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فما أوتيتم» خطاب للمؤمنين وغيرهم «من شيءٍ» من أثاث الدنيا «فمتاع الحياة الدنيا» يتمتع به فيها ثم يزول «وما عند الله» من الثواب «خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون» ويعطف عليه.

36

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ} يريد من الغنى والسعة في الدنيا. {فَمَتَاعُ} أي فإنما هو متاعٌ في أيام قليلة تنقضي وتذهب؛ فلا ينبغي أن يتفاخر به. والخطاب للمشركين. {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} يريد من الثواب على الطاعة {لِلَّذِينَ آمَنُواْ} صدّقوا ووحّدوا {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} نزلت في أبي بكر الصدّيق حين أنفق جميع ماله في طاعة الله فلامه الناس. وجاء في الحديث أنه: أنفق ثمانين ألفاً.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى محقراً لشأن الحياة الدنيا وزينتها، وما فيها من الزهرة والنعيم الفاني بقوله تعالى: {فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَىْءٍ فَمَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} أي: مهما حصلتم وجمعتم، فلا تغتروا به؛ فإنما هو متاع الحياة الدنيا، وهي دار دنيئة فانية زائلة لا محالة {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} أي: وثواب الله تعالى خير من الدنيا، وهو باق سرمدي، فلا تقدموا الفاني على الباقي، ولهذا قال تعالى: {لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ} أي: للذين صبروا على ترك الملاذ في الدنيا، {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} أي: ليعينهم على الصبر في أداء الواجبات وترك المحرمات. ثم قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰئِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَٰحِشَ} وقد قدمنا الكلام على الإثم والفواحش في سورة الأعراف، {وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ} أي: سجيتهم تقتضي الصفح والعفو عن الناس، ليس سجيتهم الانتقام من الناس. وقد ثبت في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما انتقم لنفسه قط، إلا أن تنتهك حرمات الله. وفي حديث آخر كان يقول لأحدنا عند المعتبة: «حديث : ما له تربت جبينه؟» تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن زائدة عن منصور عن إبراهيم قال: كان المؤمنون يكرهون أن يستذلوا، وكانوا إذا قدروا عفوا. وقوله عز وجل: {وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ} أي اتبعوا رسله، وأطاعوا أمره، واجتنبوا زجره، {وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ} وهي أعظم العبادات لله عز جل، {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ} أي: لا يبرمون أمراً حتى يتشاوروا فيه؛ ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجراها؛ كما قال تبارك وتعالى: {أية : وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلأَمْرِ} تفسير : [آل عمران: 159] الآية، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يشاورهم في الحروب ونحوها؛ ليطيب بذلك قلوبهم وهكذا لما حضرت عمر بن الخطاب رضي الله عنه الوفاة حين طعن جعل الأمر بعده شورى في ستة نفر، وهم عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم، فاجتمع رأي الصحابة كلهم رضي الله عنهم على تقديم عثمان عليهم رضي الله عنهم {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ} وذلك بالإحسان إلى خلق الله؛ الأقرب إليهم منهم فالأقرب. وقوله عز وجل: { وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْىُ هُمْ يَنتَصِرُونَ} أي: فيهم قوة الانتصار ممن ظلمهم واعتدى عليهم، ليسوا بالعاجزين ولا الأذلين، بل يقدرون على الانتقام ممن بغى عليهم، وإن كانوا مع هذا إذا قدروا عفوا؛ كما قال يوسف عليه الصلاة والسلام لإخوته: {أية : لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ} تفسير : [يوسف: 92] مع قدرته على مؤاخذتهم ومقابلتهم على صنيعهم إليه، وكما عفا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولئك النفر الثمانين الذين قصدوه عام الحديبية، ونزلوا من جبل التنعيم، فلما قدر عليهم، منَّ عليهم، مع قدرته على الانتقام. وكذلك عفوه صلى الله عليه وسلم عن غورث بن الحارث الذي أراد الفتك به حين اخترط سيفه وهو نائم، فاستيقظ صلى الله عليه وسلم وهو في يده مصلتاً، فانتهره فوضعه من يده، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف في يده، ودعا أصحابه، ثم أعلمهم بما كان من أمره، وأمر هذا الرجل، وعفا عنه، وكذلك عفا صلى الله عليه وسلم عن لبيد بن الأعصم الذي سحره عليه السلام، ومع هذا لم يعرض له ولا عاتبه، مع قدرته عليه. وكذلك عفوه صلى الله عليه وسلم عن المرأة اليهودية ــــ وهي زينب أخت مرحب اليهودي الخيبري الذي قتله محمود بن مسلمة ــــ التي سمت الذراع يوم خيبر ــــ فأخبره الذراع بذلك، فدعاها فاعترفت، فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : ما حملك على ذلك؟» تفسير : قالت: أردت إن كنت نبياً لم يضرك، وإن لم تكن نبياً استرحنا منك، فأطلقها عليه الصلاة والسلام، ولكن لما مات منه بشر بن البراء رضي الله عنه، قتلها به، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جداً، والله سبحانه وتعالى أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَمَا أُوتِيتُمْ } خطاب للمؤمنين وغيرهم {مِن شَىْءٍ } من أثاث الدنيا {فَمَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } يتمتع به فيها ثم يزول {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ } من الثواب {خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } ويعطف عليهم.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ} قال عبد الرحمن بن زيد: هم الأنصار بالمدينة استجابوا إلى الإيمان بالرسول حين أنفذ إليهم قبل الهجرة اثني عشر نقيباً منهم. {وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ} فيها وجهان: أحدهما: أنه المحافظة على مواقيتها، قاله قتادة. الثاني: إتمامها بشروطها، قاله سعيد بن جبير. {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} فيه أربع أوجه: أحدها: أنهم كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إليهم إذا أرادوا أمراً تشاوروا فيه ثم عملواْ عليه فمدحهم الله تعالى به، قاله النقاش. الثاني: يعني أنهم لانقيادهم إلى الرأي في أمورهم متفقون لا يختلفون فمدحوا على اتفاق كلمتهم. قال الحسن: ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم. الثالث: هو تشاورهم حين سمعوا بظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم وورود النقباء إليهم حتى اجتمع رأيهم في دار أبي أيوب على الإيمان به والنصرة له، قاله الضحاك. الرابع: أنهم يتشاورون فيما يعرض لهم فلا يستأثر بعضهم بخير دون بعض. {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُم يُنفِقُونَ} فيه وجهان: أحدهما: يريد به أداء الزكاة من أموالهم، قاله السدي. الثاني: إنفاق الحلال من أكسابهم، وهو محتمل. قوله عز وجل: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُم الْبَغْيُ هُم يَنتَصِرُونَ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أصابهم يعني المشركين على دينهم انتصروا بالسيف منهم. قاله ابن جريج. الثاني: أصابهم يعني باغ عليهم كره لهم أن يستذلوا، فإذا قدروا عفوا، قاله إبراهيم. الثالث: إذا أصابهم البغي تناصروا عليه حتى يزايلوه عنهم ويدفعوه عنهم، قاله ابن بحر.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الشورى:36] الآية لما ذكر دلائل التوحيد أردفها بالتنفير عن الدنيا وتحقير شأنها؛ لأن المانع من قبول الدليل هو الرغبة في الدنيا، فقال: "وَمَا أوتِيتُمْ" "ما" شرطية، وهي في محل نصب مفعولاً ثانياً "لأوتِيتُمْ" والأول هو ضمير المخاطبين قام مقام الفاعل، وإنما قدم الثاني؛ لأن له صدر الكلام، وقوله: "مِنْ شَيْءٍ" بيان لما الشرطية لما فيها من الإيهام. وقوله "فَمَتَاعُ" الفاء جواب الشرط و "متاع" خبر مبتدأ مضمر أي فهو متاع، وقوله "وَمَا عِنْدَ اللَّهِ" "ما" موصولة مبتدأة, و "خَيْرٌ" خبرها، و "لِلَّذِينَ" يتعلق "بَأبْقَى". فصل المعنى: وما أوتيتم من شيء من رياش الدنيا فمتاع الحياة الدنيا ليس من زاد المعاد، وسماه متاعاً تنبيهاً على قلته وحقارته وجعله من متاع الدنيا تنبيهاً على انقراضه، وأما الآخرة فإنها خير وأبقى والباقي خير من الخَسِيس الفاني. ثم بين أن هذه الخيرية إنما تحصل لمن كان موصوفاً بصفات منها أن يكون من المؤمنين فقال {لِلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}. وهذا يدل على من زعم أن الطاعة توجب الثواب؛ لأنه متكل على عمل نفسه لا على الله فلا يدخل تحت الآية. الصفة الثانية: قوله: "وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ" نسقٌ الى "الذين" الأولى. وقال أبو البقاء: "الذين يجتنبون" في موضع جر بدلاً من "الَّذِينَ آمَنُوا" ويجوز أن يكون في محل نصب بإضمار "أعْنِي" أو في موضع رفع على تقدير "هُمْ" وهذا وَهَمٌ منه في التلاوة كأنه اعتقد أن القرآن: وعلى ربهم يتوكلون الذين يجتنبون فبنى عليه الثَّلاثة الأوجه وهو بناء فاسد. قوله: "كَبَائِرَ الإِثْمِ" قرأ الأخوان هنا وفي النجم: "كَبِيرَ الإِثْمِ" بالإفراد، والباقون كَبَائِرَ بالجمع في السورتين، والمفرد هنا في معنى الجمع والرسم الكريم يحتمل القراءتين. فصل تقدم معنى كبائر الإثم في سورة النساء. قال ابن الخطيب: نقل الزمخشري عن ابن عباس: أن كبير الإثم هو الشرك، وهو عندي ضعيف لأن شرط الإيمان مذكور وهو يغني عن عدم الشرك، وقيل: كبائر الإثم ما يتعلق بالبدع واستخراج الشبهات. وأما الفواحش فقال السدي: يعني الزنا. وقال مقاتل: ما يوجب الوحدَّ. قوله: {وَإِذَا مَا غَضِبُواْ} "إذا" منصوبة بيغفرون، و "يَغْفِرُونَ" خير لهم والجملة بأسرها عطف على الصلة وهي "يجتنبون"، والتقدير: والذين يجتنبون وهم يغفرون عطف اسمية على فعلية. ويجوز أن يكون "هم" توكيد للفاعل في قوله: "غضبوا"، وعلى هذا فيغفرون جواب الشرط. وقال أبو البقاء: هم مبتدأ، ويغفرون الخبر، والجملة جواب إذا. قال شهاب الدين: وهذا غير صحيح، لأنه لو كان جواباً لإذا لاقترن بالفاء، تقول: إذا جاء زيدٌ فعمرو منطلق، ولا يجوز: عمرو ينطلق. وقيل: (هم) مرفوع بفعل مقدر يفسره "يغفرون" بعده ولما حذف الفعل انفصل الضمير. ولم يستبعده أبو حيان، وقال: ينبغي أن يجوز ذلك في مذهب سيبويه، لأنه أجازه في الأداة الجازمة تقول: إنْ يَنْطَلِقْ زَيْدٌ ينطلق تقديره: ينطلق زيد ينطلق فينطلق واقع جواباً ومع ذلك فسَّر الفعل فكذلك هذا. وأيضاً فذلك جائز في فعل الشرط بعدها نحو: إذا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ فليجز في جوابها أيضاً. فصل وإذا ما غضبوا هم يغفرون يَحْلِمُونَ ويَكْظِمُونَ الغيظ، وخص الغضب بلفظ الغفران؛ لأن الغضب على طبع النار واستيلاؤه شديد ومقاومته صعبة، فلهذا خصه الله تعالى بهذا اللفظ. قوله (تعالى): {وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ} أي أجابوه إلى ما دعاهم إليه من طاعته. وقال ابن الخطيب: المراد منه تمام الانقياد. فإن قيل: أليس أنه لما حصل الإيمان فيه شرطاً فقد دخل في الإيمان إجابة الله؟!. والجواب: أن يحصل هذا على الرضا بضاء الله من صميم القلب وأن لا يكون في قلبه منازعة. ثم قال: "وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ" أي الواجبة لأن هذا هو الشرط في حصول الثواب. قوله: {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ} أي يتشاورون فيما يبدوا لهم ولا يعجلون. والشُّورَى مصدر كالفتيا بمعنى التَّشاور. {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}. قوله: {وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْيُ} أي الظلم والعدوان "هُمْ يَنْتَصِرُونَ" أي ينتقمون من ظالمهم من غير أن يعتدوا. قال ابن زيد: جعل الله المؤمنين صنفين: صنف يعفون عن ظالمهم فبدأ بذكرهم وهو قوله: {وإذا ما غضبوا هم يغفرون} وصنف ينتصرون من ظالمهم وهم المذكورون في هذه الآية كانوا يكرهون أن يستذلوا، فإذا قدروا عفوا. وقال عطاء: هم المؤمنون الذين أخرجهم الكفار من مكة وبغوا عليهم، ثم مكنهم الله في الأرض حتى انتصروا ممن ظلمهم. وعن النَّخعيِّ أنه كان إذا قرأها قال: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترىء عليهم السفهاء. فإن قيل: هذه الآية مشكلة لوجهين: الأول: أنه لما ذكر قبله: وإذا ما غضبوا هم يغفرون كيف يليق أن يذكر معه ما يَجْرِي مَجْرَى الضد له وهم الذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون؟!. الثاني: أن جميع الآيات دالة على أن العفوا أحسن. قال تعالى: {أية : وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}تفسير : [البقرة:237] وقال: {أية : وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً}تفسير : [الفرقان:72] وقال {أية : خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ}تفسير : [الأعراف:199] وقال: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ}تفسير : [النحل:126]؟. فالجواب: أن العفو على قسمين: أحدهما: أن يصير العفو سبباً لتسكين الفتنة ورجوع الجاني عن جنايته. والثاني: أن يصير العفو سبباً لمزيد جرأة الجاني وقوة غيظه، فآيات العفو محمولة على القسم الأول، وهذه الآية محمولة على القسم الثاني وحينئذ يزول التناقض. روي: "حديث : أن زَيْنَبَ أقبلت على عائشة تشتمها فنهاها النبي ـ صلى الله عليه وسلم عنها فلم تنته فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "دونَكِ فَانْتَصِرِي"تفسير : وأيضاً فإنه تعالى لم يرغِّب في الانتصار، بل بين أنه مشروع فقط، ثم بين أن مشروعيته مشروطة برعاية المماثلة فقال: {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} ثم بين أن العفو أولى بقوله: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ} فزال السؤال. قوله: "هُمْ يَنْتَصِرُونَ" إعرابه كإعراب: {وإذا ما غضبوا هم يغفرون} ففيه ما تقدم، إلا أنه يزيد هنا أنه يجوز أن يكون "هُمْ" توكيداً للضمير المنصوب في "أصَابَهُمْ" أكد بالضمير المرفوع وليس فيه إلا الفصل بين المؤكد والمؤكد، والظاهر أنه غير ممنوعٍ. قوله تعالى: {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا...} الآية لما قال: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} بين بعده أن ذلك الانتصار يجب أن يكون مقيداً بالمثل، فإن العدل هو المساواة، وسمي الجزاء سيئة وإن كان مشروط مأذوناً فيه قال الزمخشري: كلتا الفعلتين: الأولى: وجزاؤها سيئة؛ لأنها تسوء من تنزل به، قال تعالى: {أية : وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ}تفسير : [النساء:78] يريد: ما يسوءهم من المصائب والبلاء. وأجاب غيره بأنه لما جعل أحدهما في مقابلة الآخر أطلق اسم أحدهما على الآخر مجازاً والأول أظهر. وقال آخرون: إنما سمي الجزاء سيئة وإن لم يكن سيئةً لتشابههما في الصُّورة. فصل قال مقاتل: يعني القصاص في الجراحات والدماء. وقال مجاهد والسدي: هو جواب القبيح إذا قال: أخزاك الله تقول: أخزاك الله وإذا شتمك فاشتمه بمثلها من غير أن تعتدي. قال سفيان بن عيينة: قلت لسفيان الثوريِّ: ما قوله عز وجل: وجزاء سيئة سيئة مثلها؟ قال: أن يشتمك رجلٌ فتشتمه أو يفعل بك فتفعل به فلم أجد عنده شيئاً، فسألت هشام بن حجيرٍ عن هذه الآية فقال: الجارح إذا جرح يقتص منه وليس هو أن يشتمك فتشتمه. فصل دلت هذه الآية على أن المسلم لا يقتل بالذمِّيِّ وأن الحرَّ لا يقتل بالعبد؛ لأن المماثلة شرط لجريان القصاص وهي مفقودة في المسألتين، وأيضاً فإن الحر إذا قتل العبد يكون قد أتلف على مالك البعد شيئاً (فـ) ـيساوي عشرة دنانير مثلاً فوجب أن يلزمه أداء عشرة دنانير لهذه الآية وإذا وجب الضَّمان وجب أن لا يجب القصاص، لأنه لا قائل بالفرق، فوجب أن يجري القصاص بينهما. والدليل على أن المماثلة شرط لوجوب القصاص هذه الآية، وقوله: {أية : مَنْ عَمِـلَ سَـيِّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا}تفسير : [غافر:40] وقوله {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ}تفسير : [النحل:126] وقوله تعالى: {أية : وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ}تفسير : [المائدة:45] وقوله تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى}تفسير : [البقرة:178]. والقصاص عبارة عن المساواة والمماثلة فهذه النصوص تقتضي مقابلة الشيء بمثله. ودلت الآية أيضاً على أن الأيدي تقطع باليد الواحدة؛ لأن كل القطع أو بعضه صدر عن (كل) أولئك القاطعين أو عن بعضهم. فوجب أن يشوع في حق أولئك القاطعين مثله بهذه النصوص. فإن قيل: فيلزم استيفاء الزيادة من الجاني وهو ممنوع!. فالجواب: أنه لما وقع التعارض بين جانب الجاني وبين جانب المجنيِّ عليه كان جانب المجني عليه بالرعاية أولى. ودلت الآية أيضاً على مشروعية القصاص في حق شريك الأب لأنه صدر عنه الجرح فوجب أن يقابل بمثله. ودلت الآية أيضاً على أن من حرق حرقناه، ومن غرَّق غرقناه، وعلى أن شهود القصاص إذا رجعوا وقالوا: تعمدنا الكذب يلزمهم القصاص؛ لأنهم بتلك الشهادة أهدروا دمه فوجب أن يهدر دمهم. ودلت أيضاً على أن المكره يجب عليه القود، لأنه صدر منه القتل ظلماً فوجب مثله أما صدور القتل فالحسّ يدل عليه، وأما أنه قتل ظلماً فلإجماع المسلمين على أنه مكلف بأن لا يقتل فوجب أن يقابل بمثله ودلت أيضاً على أن منافع الغصب مضمونة، لأن الغاصب فوَّت على المالك منافع تقابل في العرف بدينار مثلاً فوجب أن يفوّت على الغاصب مثله من المال. قوله: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ} بالعفو بينه وبين ظالمه "فَأَمْرُهُ إلى الله". قال الحسن ـ رضي الله عنه ـ: إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ الله أجْرٌ فَلْيَقُمْ، فَلاَ يَقُومُ إلاَّ مَنْ عَفَا. ثم مقرأ هذه الآية "إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ". قال ابن عباس ـ (رضي الله عنهما): الذين يبدأون بالظلم، وفيه تنبيه على أن المجني عليه لا يجوز له الزيادة والتعدي في الاستيفاء خصوصاً في حال الحرب والتهاب الحمية فربما صار المظلوم عند الاستيفاء ظالماً. وفيه دقيقة وهو أنه تعالى لما حث على العفو عن الظالم وأخبر أنه لا يحب الظالم وإذا كان لا يحبه وندب غيره إلى العفو عنه فالمؤمن الذي يحبه الله بسبب إيمانه أولى أن يعفو الله عنه. قوله: "وَلَمَنِ انْتَصَرَ" هذه لام الابتداء، وجعلها الحوفي وابن عطية للقسم، وليس بجيد إذا جعلنا "مَنْ" شرطية كما سيأتي؛ لأنه كان ينبغي أن يُجاب السابق، وهنا لم يجب إلا الشرط. و "من" يجوز أن تكون شرطية وهو الظاهر، والفاء في "فَأُؤْلَئِكَ" جواب الشرط، وأن تكون موصولة ودخلت الفاء لشبه الموصول بالشرط. و "ظُلْمِهِ" مصدر مضاف للمفعول وأيدها الزمخشري بقراءة من قرأ: "بعدما ظُلِمَ" مبنياً للمفعول. فصل معنى الآية: ولمن انتصر بعد ظلم الظالم إياه فأولئك المنتصرين ما عليهم من سبيل لعقوبة ومؤاخذة، لأنهم ما فعلوا إلا ما أبيح لهم من الانتصار. واحتجوا بهذه الآية على أن سراية القود مُهْدَرَةٌ لأنه فعل مأذون فيه مطلقاً فيدخل تحت هذه الآية. قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ} أي يبدأون بالظلم {وَيَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} يعملون فيها بالمعاصي {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

البقاعي

تفسير : ولما علم أن جميع النعم من الغيث وأثاره، ومن نشر الدواب براً وبحراً بمعرض من الزوال وهو عظيم التقلبات هائل الأحوال سبب عنه قوله محقراً لدنياهم وما فيها من الزهرة بسرعة الذبول والزوال، والأفوال والارتحال، ولهم بأنها مع ما ذكر لا قدرة لهم على شيء منها إلا يموت يمن عليهم بها، وأما هم فقوم ضعفاء لا قدرة لهم على شيء وليس لهم من أنفسهم إلا العجز، فلو عقلوا لعلموا ولو علموا لعملوا عمل العبيد، وأطاعوا القوي الشديد: {فما أوتيتم} أي أيها الناس {من شيء} أي من النعم الظاهرة، وأجاب "ما" الشرطية بقوله: {فمتاع الحياة الدنيا} أي القريبة الدنيئة لا نفع فيه لأحد إلا مدة حياته، وذلك جدير بالإعراض عنه وعما يسببه من الأعمال إلا ما يقرب إلى الله {وما} أي والذي، ولفت الكلام عن مظهر العظمة إلى أعظم منها بذكر الاسم الجامع للترغيب في ذكر آثار الأوصاف الجمالية والترهيب من آثار النعوت الجلالية فقال: {عند الله} أي الملك الأعظم المحيط بكل شيء قدرة وعلماً من نعم الدارين {خير} أي في نفسه وأشد خيرية من النعم الدنيوية المحضة لانقطاع نفعها. ولما كانت النعم الدنيوية قد تصحب الإنسان طول عمره فتسبب بذلك إلى البقاء قال: {وأبقى} أي من الدنيوية لأنه لا بد من نزعها منه بالموت، ولذلك قيد بالحياة فلا تؤثر الفاني على خساسته على الباقي مع نفاسته. ولما بين ما لها من النفاسة ترغيباً فيها، بين من هي له فقال: {للذين آمنوا} أي أوجدوا هذه الحقيقة {وعلى} أي والحال أنهم صدقوها بأنهم على، ولفت القول إلى صفة الإحسان لأنها نسب شيء للمتوكل، وأحكم الأمر بالإضافة إشارة إلى "إنه إحسان" هو في غاية المناسبة لحالهم فقال: {ربهم} أي الذي لم يروا إحساناً قط إلا منه وحده بما رباهم من الإخلاص له {يتوكلون} أي يحملون جميع أمورهم عليه كما يحمل غيرهم متاعه على من يتوسم فيه قوة على الحمل ولا يلتفتون في ذلك إلى شيء غيره أصلاً لينتفي عنهم بذلك الشرك الخفي كما انتفى بالإيمان الشرك الجلي، والتعبير بأداة الاستعلاء تمثيل للإسناد والتفويض إليه بالحمل عليه لأن الحمل أبين في الراحة، وأظهر في البعد من الهم والمشقة، ولعل التعبير بالمضارع للتخفيف في أمر التوكل بالرضى بتجديده كلما تجدد مهم، ومن كان كذلك كان الله كافيه كل ملم، فيشاركون أهل الدنيا في نيل نعمها ويفارقونهم في أن ربهم سبحانه يجعلها على وجه لا حساب عليهم فيها، بل ولهم فيها الأجور الموجبة للنعمة والحبور، وفي أنه يجعلها كافية لمهماتهم وسادّة لخلاتهم، ويزيدهم الباقيات الصالحات التي يتسبب عنها نعيم الآخرة بعد راحة الدنيا. ولما كان كل من الإيمان والتوكل امراً باطناً فكان لا بد من دلائله من ظواهر الأعمال، وكانت تخليات من الرذائل وتحليات بالفضائل وكانت التخليات لكونها درء للمفاسد مقدمة على التحليات التي هي جلب للمصالح قال عاطفاً على {الذين}: {والذين يجتبنون} أي يكلفون أنفسهم أن يجابوا {كبائر الإثم} أي جنس الفعال الكبار التي لا توجد إلا ضمن أفرادها ويحصل بها دنس للنفس، فيوجب عقاباً لها مع الجسم، وعطف على {كبائر} قوله: {والفواحش} وهي ما أنكره الشرع والعقل والطبع التي هي آيات الله الثلاث التي نصبها حجة على عباده وله الحجة البالغة فاستعظم الناس أمرها ولو أنها صغائر لدلالتها على الإخلال بالمروءة كسرقة لقمة والإقرار على المعصية من شيخ جليل القدر لمن لا يخشاه ولا يرجوه، وقرأ حمزة والكسائي: كبير، وهو للجنس، فهو بمعنى قراءة الجمع أو هي أبلغ لشمولها المفرد. ولما ذكر ما قد تقود إليه المطامع دون حمل الغضب الصارع قال منبهاً على عظمته معبراً بأداة التحقق دلالة على أنه لا به منه توطيناً للنفس عليه معلقاً بفعل الغفر: {وإذا} وأكد بقوله: {ما} وقدم الغضب إشارة إلى الاهتمام بإطفاء جمره وتبريد حره فقال: {غضبوا} أي غضباً هو على حقيقته من أمر مغضب في العادة، وبين بضمير الفصل أن بواطنهم في غفرهم كظواهرهم فقال: {هم يغفرون} أي الإحصاء والإخفاء بأنهم كلما تجدد لهم غضب جددوا غفراً أي محواً للذنب عيناً وأثراً مع القدرة على الانتقام فسجاياهم تقتضي الصفح دون الانتقام ما لم يكن من الظالم بغي لأنه لا يؤاخذ على مجرد الغضب إلا متكبر، والكبر لا يصلح لغير الإله وذلك لأنه لا يغيب أحلامهم عند اشتداد الأمر ما يغيب أحلام غيرهم من طيش الجهل وسفاهة الرأي، فدل ذلك على أن الغفر دون غضب لا يعد بالنسبة إلى الغفر معه، وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله، وروى ابن أبي حاتم عن إبراهيم قال: كان المؤمنون يكرهون أن يستذلوا وكانوا أذا قدروا عفوا. ولما أتم ما منه التحلي، أتبعه ما به التخلي، وذكر أوصافاً أربعة هي قواعد النصفة ما انبنى عليها قط ربعها إلا كان الفاعلون لها كالجسد الواحد لا تأخذهم نازلة في الدنيا ولا في الآخرة فقال: {والذين استجابوا} أي أوجدوا الإجابة بمالهم من العلم الهادي إلى سبيل الرشاد {لربهم} أي الداعي لهم إلى إجابته إحسانه إليهم إيجاداً من شدة حمل أنفسهم عليه يطلبونه من أنفسهم طلباً عظيماً صادقاً لم يبق معه لأحدهم نفس ولا بقية من وهم ولا رسم إلا على موافقة رضاه سبحانه لأنهم يعلمون أنه ما دعاهم إليه وهو مربيهم لصلاحهم وسعدهم وفلاحهم، لأنه محيط العلم شديد الرحمة لا يتهم بوجه من الوجوه. ولما كان هذا عاماً لكل خير دعا إليه سبحانه، خص أعظم عبادات البدن، وزاد في عظمتها بالتعبير بالإقامة فقال: {وأقاموا} أي بما لهم من القوة {الصلاة} فأفهم ذلك مع اللام أنهم أوجدوا صورتها محمولة بروحها على وجه يقتضي ثبوتها دائماً. ولما كانت الاستجابة توجب للاتحاد القلوب بالإيمان الموجب للاتحاد في الأقوال والأفعال، والصلاة توجب الاتحاد بالأبدان، ذكر الاتحاد بالأقوال الناشىء عنه عند أولي الكمال الاتحاد في الأفعال، فقال معبراً بالاسمية حثاً على أن جعلوا ذلك لهم خلقاً ثابتاً لا ينفك: {وأمرهم} أي كل ما ينوبهم مما يحوجهم إلى تدبير {شورى} أي يتشاورون فيه مشاورة عظيمة مبالغين مما لهم من قوة الباطن وصفائه في الإخلاص والنصح، من الشور وهو العرض والإظهار {بينهم} أي بحيث إنهم لا فرق في حال المشاورة بين كبير منهم وصغير بل كل منها يصغي إلى كلام الآخر وينظر في صحته وسقمه بتنزيله على أصول الشرع وفروعه، فلا يستبدل أحد منهم برأي لدوام اتهامه لرأيه لتحققه نقصه بما له من غزارة العلم وصفاء الفهم ولا يعجلون في شيء بل صار التأبي لهم خلقاً، وسوق المشورة هذا السياق دال على عظيم جدواها وجلالة نفعها قال الحسن رحمه الله: ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم - على أنه روى الطبراني في الصغير والأوسط لكن بسند ضعيف عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما خاب من استخار ولا ندم من استشار ولا عال من اقتصد"تفسير : , وروى في الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أراد أمراً فشاور فيه أمرأ مسلماً وفقه الله لأرشد أمره ". تفسير : ولما كانت المواساة بالأموال بعد الاتحاد في الأقوال والافتاق في الأفعال أعظم جامع على محاسن الخلال، واظهر دال على ما ادعى من الاتحاد في الحال والمآل قال مسهلاً عليهم أمرها بأنه لا مدخل لهم في الحقيقة في تحصيلها راضياً منهم باليسير منها: {ومما} ولفت القول إلى مظهر العظمة تذكيراً بما يتعارفونه بينهم من أنه لا مطمع في التقرب من العظماء إلا بالهدايا فقال: {رزقناهم} أي بعظمتنا من غير حول منهم ولا قوة {ينفقون *} أي يديمون الإنفاق كرماً منهم وإن قل ما بأيديهم اعتماداً على فضل الله سبحانه وتعالى لا يقبضون أيديهم كالمنافقين، وذلك الإنفاق على حسب ما حددناه لهم فواسوا بالمشورة في فضل عقولهم وبالإنفاق في فضل أموالهم تقوى منهم ومراقبة لله لا شهوة نفس. ولما كان في العقوبة مصلحة ومفسدة فندب سبحانه إلى المغفرة تقديماً لدرء المفسدة لأن الإنسان لعدم علمه بالقلوب لا يصح له بوجه أن يعاقب بمجرد الغضب لأنه قد يخطئ فيعاقب من أغضبه، وهو شريف الذات كريم الطبع على الهمة أبي النفس، ما وقع منه الذنب الذي أغضب إلا خطأ معفواً عنه أو كذب عليه فيه فيربي في نفسه أخته تفسد ذات البين فيجر إلى خراب كبير، وكانت إدامة الغفر جالبة للفساد مجرئة على العناد، وكان البغي هو التمادي في السوء محققاً لقصد الذنب مجوزاً للإقدام على الانتقام، وكان الانتصار من الفجار ربما أحوج مع قوة الجنان إلى إنفاق المال، عقب الإنفاق بمدح الانتصار بقوله: {والذين} وذكر أداة التحقق إشارة إلى أن شرطها لا بد من وقوعه بالفعل أو بالقوة فقال ناصباً بفعل الانتصار مقدماً لما من شأن النفس الاهتمام بدفعه لعدم صبرها عليه: {إذا أصابهم} أي وقع بهم وأثر فيهم {البغي} وهو التمادي على الرمي بالشر {هم} أي بأنفسهم خاصة لما لهم من قوة الجنان والأركان المعلمة بأن ما تقدم من غفرانه ما كان إلا لعلو شأنهم لا لهوانهم {ينتصرون *} أي يوقعون بالعلاج بما أعطاهم الله من سعة العقل وشدة البطش وقوة القلب النصر لأنفسهم في محله على ما ينبغي من زجر الباغي عن معاودتهم وعن الاجتراء على غيرهم مكررين لذلك كلما كرر لهم فيكون ذلك من إصلاح ذات البين، ليسوا بعاجزين ولا في أمر دينهم متوانين، والتعبير في هذه الأفعال بالإسناد إلى الجمع إشارة إلى أنه لا يكون تمام التمكن الرادع إلا مع الاجتماع، ومن كان فيها مفرداً كان همه طويلاً وبثه جليلاً، قال النخعي: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق.

ابو السعود

تفسير : {فَمَا أُوتِيتُمْ مّن شَىْء} مما ترغبونَ وتتنافسونَ فيهِ. {فَمَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} أي فهُو متاعُها تتمتعونَ به مدةَ حياتِكم {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ} من ثواب الآخرةِ {خَيْرٌ} ذاتاً لخلوصِ نفعِه {وَأَبْقَىٰ} زماناً حيثُ لا يزولُ ولا يَفْنى {لِلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} لا على غيرِه أصلاً. والموصولُ الأولُ لما كانَ مُتضمناً لمَعْنى الشرطِ منْ حيثُ أنَّ إيتاءَ مَا أُوتُوا سببٌ للتمتعِ بها في الحياة الدُّنيا دخلتْ جوابَها الفاءُ بخلافِ الثانِي. وعَنْ عليَ رضيَ الله عنه أنَّه تصدقَ أبُو بكرٍ رضيَ الله عنْهُ بمالِه كلِّه فلامَهُ جمعٌ من المسلمينَ فنزلتْ. وقولُه تعالَى: {وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰئِرَ ٱلإِثْمِ}أي الكبائر من هذا الجنس {وَٱلْفَوٰحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ} معَ ما بعدَهُ عطفٌ على الذينَ آمنُوا، أو مدحٌ بالنصبِ أو الرفعِ وبناءُ يغفرونَ على الضميرِ خبراً لهُ للدلالةِ على أنَّهم الأَخِصَّاءُ بالمغفرةِ حالَ الغضبِ لعزةِ منالِها وقُرِىءَ كبـيرَ الإثمِ وعن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهُمَا كبـيرُ الإثمِ الشركُ. {وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبّهِمْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلوٰةَ} نزلَ في الأنصارِ دعاهُم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمانِ فاستجابُوا له. {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ} أي ذُو شُورى لا ينفردونَ برأيٍ حتى يتشاورُوا ويجتمعُوا عليهِ وكانُوا قبلَ الهجرةِ وبعدَهَا إذا حزبَهُم أمرٌ اجتمعُوا وتشاورُوا {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ} أيْ فِي سبـيلِ الخيرِ، وَلعلَّ فصلَهُ عن قرينِه بذكرِ المشاورةِ لوقوعِها عند اجتماعِهم للصلواتِ. {وَٱلَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْىُ هُمْ يَنتَصِرُونَ} أي ينتقمونَ ممَّنْ بَغَى عليهِم على ما جعلَهُ الله تعالَى لهُم كراهةً التذللِ، وهو وصفٌ لهم بالشجاعةِ بعدَ وصفِهم بسائرِ مُهمَّاتِ الفضائلِ وهَذَا لا ينافِي وصفَهُم بالغُفرانِ فإنَّ كلاًّ منهما فضيلةٌ محمودةٌ في موقعِ نفسهِ، ورذيلةٌ مذمومةٌ في موقعِ صاحبهِ، فإنَّ الحِلْمَ عن العاجزِ وعوراءِ الكرامِ محمودٌ وعن المتغلبِ ولغواءِ اللئامِ مذمومٌ فإنَّه إغراءٌ على البَغِي، وعليهِ قولُ مَنْ قالَ شعر : إِذَا أَنْتَ أَكْرَمْتَ الكَرِيْمَ مَلَكْتَه وَإِنْ أَنْتَ أَكْرَمْتَ اللَّئِيمَ تَمرَّدَاً فَوَضْعُ النَّدَى فِي مَوْضِعِ السَّيفِ بالعُلا مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ فِي مَوْضِعِ النَّدَى تفسير : وقولُه تعالَى: {وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا} بـيانٌ لوجهِ كونِ الانتصارِ من الخصالِ الحميدةِ مع كونِه في نفسِه إساءةً إلى الغيرِ، بالإشارةِ إلى أنَّ البادىءَ هُو الذي فعلَهُ لنفسهِ، فإنَّ الأفعالَ مستتبعةٌ لأجزيتِها حَتماً إنْ خيراً فخيرٌ وإنْ شراً فشرٌّ، وفيه تنبـيهٌ على حُرْمةِ التعدِّي، وإطلاقُ السيئةِ على الثانيةِ لأنَّها تسوءُ مَنْ نزلتْ بهِ {فَمَنْ عَفَا} عنِ المسيءِ إليهِ {وَأَصْلَحَ} بـينَهُ وبـينَ مَنْ يعاديهِ بالعفوِ والإغضاءِ كَما في قولِه تعالى: { أية : فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ} تفسير : [سورة فصلت، الآية 34] {فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ} عِدَةٌ مُبهمةٌ منبئةٌ عن عظمِ شأنِ الموعودِ وخُروجِه عن الحدِّ المعهودِ. {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} البادئينَ بالسيئةِ والمتعدِّينَ في الانتقامِ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} [الآية: 36]. قال بعضهم: ما ظهر من أفعالك وطاعاتك أقل نعمة من نعيم الدنيا من سمع وبصر فكيف نرجو بها النجاة فى الآخرة لتعلم أنّ النعم كلها بفضل الاستحقاق.

القشيري

تفسير : يعني أنَّ الراحاتِ في الدنيا لا تصفو، ومن المشائب لا تخلو. وإنْ اتفق وجودُ البعض منها في أحايين فإنها سريعة (الزوال)، وشيكة الارتحال. {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ} من الثواب الموعود "خيرٌ" من هذا القليل الموجود.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} اى ما اوتيم من المقامات والدرجات والكرامات والمعاملات فمتاع المتمتعين بذكر الله وما عند الله من كشف مشاهدته وظهور انواره وصاله وعجائب علومه الغيبية واحكامه المخفية للذين شاهدا والله وعليه يتوكلون فى امتحانه اياهم واستغراقهم فى بحار الوهيته فهو بجلاله ورحمته يخرجهم من لحجها الى سواحل وصاله حتى لا يفنوا فيه ويتمتعون بجماله فى بقائه قال بعضهم ما ظهر من افعالك وطاعتك لا يساوى اقل نعمة من نعم الدنيا من سمع وبصر فكيف ترجو بها النجاة فى الأخرة لتعلم ان النعيم كلها بفضل الا باستحقاق.

اسماعيل حقي

تفسير : {فما اوتيتم} بس آنجه داده شده آيد {من شىء} مما ترغبون ايها الناس وتتنافسون فيه من مال ومعاش واولاد {فمتاع الحياة الدنيا} اى فهو متاعها ومنفعتها تتمتعون وتنتفعون به مدة حياتكم القليلة فيزول ويفنى فما موصولة متضمنة لمعنى الشرط من حيث ان ايتاء ما أوتوا سبب للتمتع به فى الحياة الدنيا ولذا دخلت الفاء فى جوابها وقدر المبتدأ لان الجواب لا يكون الا جملة يعنى ان سببيته مقصود فيها الاعلام لتضمنها الترغيب فى الشكر بخلاف الثانية وهى قوله تعالى وما عند الله الخ فان المقصود فيها بيان حال ان ما عند الله سبب للخيرية والدوام وقد يقال ان ما شرطية على انها مفعول ثان لأوتيتم بمعنى اعطيتم والاول وهو ضمير المخاطبين قائم مقام الفاعل ومن شىء بيان لها لما فيها من الابهام {وما عند الله} من ثواب الآخرة اشير اليه آنفا {خير} ذاتا لخلوص نفعه وهو خبر ما {وابقى} زمان حيث لا يزول ولا يفنى بخلاف ما فى ايدى الناس وفيه اشارة الى ان الرحات فى الدنيا لا تصفو ومن الشوائب لا تخلو وان اتفق لبعضهم منها فى الاحايين فانها سريعة الزوال وشيكة الارتحال وما عند الله من الثواب الموعود خير وابقى من هذا القليل الموجود بل ما عند الله من الالطاف الخفية والمقامات العلية والمواهب السنية خير وابقى مما فى الدنيا والآخرة {للذين آمنوا} اخلصوا فى الايمان وهو متعلق بأبقى وفى الحواشى السعدية الظاهر ان اللام للبيان اى للبيان من له هذه النعمة وقد بينه ابو الليث فى تفسيره بقوله ثم بين لمن يكون ذلك الثواب فقال للذين آمنوا {وعلى ربهم يتوكلون} لا على غيره تعالى اى خصوا ربهم بالتوكل عليه فيما يعرض لهم من الامور لا يسندون امرا الا اليه ولا يعتمدون الا عليه وعن على رضى الله عنه انه تصدق ابو بكر رضى الله عنه بماله كله فلامه جمع من المسلمين فنزلت شعر : مستغرق كار خود جنانم كه دكر برواى ملامتكربى كارم نيست تفسير : بين ان ثواب الاخرة مع كونه خيرا مما فى الدنيا وابقى يحصل لمن اتصف بصفات وجمع بينهما وهو الايمان والتوكل وما ذكر بعدهما فالمؤمن والكافر يستويان فى ان الدنيا متاع لهما يتمتعان بها كما قال فى البستان شعر : اديم زمين سفره عام اوست برين خوان يغماجه دشمسن جه دوست تفسير : واذا صار الى الآخرة كان ما عند الله خيرا للمؤمن فمن عرف فناء متاع الدنيا وتيقن ان ما عند الله خير وابقى ترك الدنيا واختار العتبى وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (حكى) انه كان لهارون الرشيد ابن فى سن ست عشرة فزهد فى الدنيا وتجرد واختار العبادة فمر يوما على الرشيد وحوله وزرآؤه فقالوا لقد فضح هذا الولد امير المؤمنين بين الملوك بهذه الهيئة الدنية فدعاه هرون الرشيد وقال يا بنى لقد فضحتنى بحالك هذه فلم يجبه الولد ثم التفت فرأى طائرا على حائط فقال ايها الطائر بحق خالقك الا جئت على يدى فقعد الطائر على يده ثم قال ارجع الى مكانك فرجع ثم دعاه الى يد امير المؤمنين فلم يأت فقال لابيه بل انت فضحتنى بين الاولياء بحبك للدنيا وقد عزمت على مفارقتك ثم خرج من بلده ولم يأخذ الا خاتما و مصحفا ودخل البصرة وكان يعمل يوم السبت عمل الطين ولا يأخذ الا درهما ودانقا للقوت قال ابو عامر الواعظ البصرى رحمه الله استأجرته يوما فعمل عمل عشرة وكان يأخذ كفا من الطين ويضعه على الحائط ويركب الحجارة بعضها على بعض فقلت هذه افعال الاولياء فانهم معانون ثم طلبته يوما فوجدته مريضا فى خربة فقال شعر : يا صاحبى لا تغتر بتنعم فالعمر ينفد والنعيم يزول واذا حملت الى القبور جنازة فاعلم بانك بعدها محمول تفسير : ثم وصانى بالغسل والتكفين فى جبته فقلت يا حبيبى ولم لا اكفنك فى الجديد فقال الحى احوج الى الجديد من الميت يا ابا عامر الثياب تبلى والاعمال تبقى ثم قال ادفع هذا المصحف والخاتم الى الرشيد وقل له يقول لك ولدك الغريب لا تدومن على غفلتك قال ابو عامر فلما غسلته وكفنته بما اوصى ودفتنه دفعت المصحف والخاتم الى الرشيد وحكيت ما جرى فبكى وقال فبم استعملت قرة عينى وقطعة كبدى قلت فى الطين والحجارة قال استعملته فى ذلك وله اتصال برسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت ما عرفته قال ثم انت غسلته قلت نعم فقبل يدى وجعلها على صدره ثم زار قبره ثم رأيته فى المنام على سرير عظيم فى قبة عظيمة فسألته عن حاله فقال صرت الى رب راض اعطانى ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وآلى على نفسه الشريفة اى قال والله الذى خلقنى لا يخرج عبد من الدنيا كخروجى الا اكرمه مثل كرامتى قال بعضهم ما ظهر من افعالك وطاعتك لا يساوى اقل نعمة من نعيم الدنيا من سمع وبصر وكيف ترجو بها نجاة الآخرة فالنعيم كله بالفضل لا بالاستحقاق ودخل ابن السماك على بعض الخلفاء وفى يده كوز ماء وهو يشربه فقال عظنى فقال لو لم تعد هذه الشربة الا ببذل جميع اموالك والا بقيت عطشانا فهل كنت تعطيه قال نعم فقال لو لم تعط الا بملكك كله فهل كنت تتركه قال نعم فقال لا تفرح بملك لا يستوى بشربة ماء يعنى فشربة ماء عند العطش اعظم من ملك الارض كلها بل كل نفس كذلك فلو أخذ لحظة ثم انقطع الهوآء عنه مات ولو حبس فى بيت حمام حار او بئر عميق مات فعلى العبد التوغل فى العبادة شكرا لنعم الله تعالى ومن أفضل الطاعات التوكل وهو ترك التدبير والانخلاع عن الحول والقوة قال الجنيد قدس سره حقيقة التوكل ان يكون العبد مع الله بعد وجوده كما كان قبل وجوده وهو مقتضى الحال كما ان الكسب مقتضى العلم (روى) ان النورى قدس سره تعبد مع عالم فى مسجد وكان النورى يجمع ما نبذه الناس فى آخر النهار ويغسله ويأكل معه فسأله سائل فاعطاه فقال له رفيقه العالم قد قنعنا من الدنيا بما يطرحه الناس وانت تنفقه ايها العابد لو كان معك علم فبعد ساعة جاء طعام من غنى فأكلا ثم قال النورى ايها العالم لو كان معك حال فانظر حال التوكل واليقين والاتكال على الملك المتعال من خصائص توحيد الافعال الحاصل باصلاح الطبيعة فى مقام الشريعة شعر : باك وصافى شوواز جاه طبيعت بدراى

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {فما أُوتيتم من شيءٍ} مما ترجون وتتنافسون فيه {فمتاعُ الحياةِ الدنيا} أي: فهو متاعها، تتمتعون به مدة حياتكم، ثم يفنى، {وما عند الله} من ثواب الآخرة {خيرٌ} ذاتاً؛ لخلوص نفعه، {وأبقى} زماناً؛ لدوام بقائه. {للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون}، و "ما" الأولى ضُمّنت معنى الشرط، فدخلت في جوابها الفاء، بخلاف الثانية. وعن عليّ رضي الله عنه: أن أبا بكر رضي الله عنه تصدَّق بماله كله، فلامه الناس، فنزلت الآية. ثم قال تعالى: {والذين يجتنبون كبائر الإثم} أي: الكبائر من هذا الجنس. وقرأ الأخوان: "كبير الإثم". قال ابن عباس: هو الشرك، {و} يجتنبون {الفواحِشَ} وهي ما عظم قُبحها، كالزنى ونحوه، {وإِذا ما غَضِبوا} من أمر دنياهم {هم يغفرون} أي: هم الإخِصَّاء بالغفران في حال الغضب، فيحملون، ويتجاوزون. وفي الحديث: "حديث : مَن كظم غيظه في الدنيا ردّ اللهُ عنه غضبَه يوم القيامة ". تفسير : {والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة}؛ أتقنوا الصلوات الخمس، {وأمرُهُم شُورى بينهم} أي: ذو شورى، يعني: لا ينفردون برأيهم حتى يجتمعون عليه. وعن الحسن: ما تشاور قوم إلا هُدوا لأرشد أمورهم. والشورى: مصدر، كالفتيا، بمعنى التشاور. {ومما رزقناهم يُنفقون}؛ يتصدقون. {والذين إذا أصابهم البغيُ}؛ الظلم {هم ينتصرون}؛ ينتقمون ممن ظلمهم، أي: يقتصرون في الانتصار على ما حُدّ لهم، ولا يعتدون، وكانوا يكرهو أن يذلُّوا أنفسَهم فيجترىء عليهم الفسّاق، فإذا قدروا عفوا، وإنما حُمدوا على الانتصار؛ لأن من انتصر، وأخذ حقه، ولم يجاوز في ذلك حدّ الله، فلم يسرف في القتل، إن كان وليّ دم، فهو مطيع لله. وقال ابن العربي: قوله: {والذين إذا أصابهم البغي...} الآية ذكر الانتصار في معرض المدح، ثم ذكر العفو في معرض المدح، فاحتمل أن يكونَ أحدهُما رافعاً للآخر، واحتمل أن يكون ذلك راجعاً إلى حالين، أحَدُهُما: أن يكون الباغي مُعلناً بالفجور وقحاً في الجمهور، ومؤذياً للصغير والكبير، فيكون الانتقامُ منه أفضل، وفي مثله قال إبراهيم النخعي: يُكره للمؤمنين أن يُذِلُّوا أنفسهم، فيجترىء عليهم الفُسّاق. وإما أن تكون الفَلتة، أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة، ويسأل المغفرة، فالعفو ها هنا أفضل، وفي مثله نزل: {أية : وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}تفسير : [البقرة: 277]، {أية : وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ} تفسير : [النور: 22] الآية. هـ. ثم بيّن حدّ الانتصار، فقال: {وجزاءُ سيئةٍ سيئةٌ مثلها}؛ فالأولى سيئة حقيقة، والثانية مجازاً للمشاكلة، وفي تسميتها سيئة نكتة، وهي الإشارة إلى أن العفو أولى، والأخذ بالقصاص سيئة بالنسبة إلى العفو، ولذلك عقبه بقوله: {فمَن عَفَا وأصلحَ} بينه وبين خصمه بالتجاوز والإغضاء {فأجره على الله}، وهي عِدَةٌ مبهمة لا يقادر قدرها، {إِنه لا يحب الظالمين} الذين يبدؤون بالظلم، أو: يتجاوزون حدّ الانتصار. وفي الحديث: "حديث : ينادي منادٍ يوم القيامة: مَن كان له أجر على الله فليقم، فلا يقوم إلا مَن عفا ". تفسير : {ولمَن انتصرَ بعد ظلمه} أي: أخذ حقه بعدما ظُلم ـ على إضافة المصدر إلى المفعول ـ {فأولئك} جمع الإشارة مراعاة لمعنى "مَن" {ما عليهم من سبيلٍ} للمعاقب ولا للمعاتب {إِنما السبيل على الذين يظلمون الناسَ}؛ يبتدئونهم بالظلم، {ويبغون في الأرض}؛ يتكبّرون فيها، ويعْلون، ويفسدون {بغير الحق أولئك لهم عذابٌ أليمٌ} بسبب بغيهم وظلمهم. وفسّر السبيل بالتبعة والحجة. {ولَمَن صَبَرَ} على الظلم والأذى، {وغَفَرَ} ولم ينتصر، أو: وَلَمَن صبر على البلاء من غير شكوى، وغفر بالتجاوز عن الخصم، ولا يُبقي لنفسه عليه دعوى، بل يُبري خصمه من جهته من كل دعوى في الدنيا، والعقبى، {إِنَّ ذلك لَمِن عزم الأمور} أي: إن ذلك الصبر والغفران منه لَمِنْ عزم الأمور، أي: من الأمور التي ندب إليها، وعزم على فعلها، أو: مما ينبغي للعاقل أن يوجبه على نفسه، ولا يترخّص في تركه. وحذف الراجع ـ أي: منه ـ كما حذف في قولهم: السمن مَنْوَانِ بدرهم. وقال أبو سعيد القرشي: الصبر على المكاره من علامات الانتباه، فمَن صبر على مكروه أصابه، ولم يجزع، أورثه الله تعالى حال الرضا، وهو أصل الأحوال؛ ومَن جزع من المصيبات، وشَكى، وكَلَه إلى نفسه، ثم لم تنفعه شكواه. هـ. وانظر تحصيل الآية في الإشارة، إن شاء الله. قال ابن جزي: ويظهر لي أن هذه الآية إشارة إلى ذكر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، لأنه بدأ أولاً بصفات أبي بكر الصدّيق، ثم صفات عُمَر، ثم صفات عثمان، ثم صفات عليّ بن أبي طالب، فأما صفات أبي بكر، فقوله: {الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} وإنما جعلنا هذه صفات أبي بكر، وإن كان جميعهم متصفاً بها، لأن أبا بكر كانت له مزية فيها لم تكن لغيره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو وُزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجح"تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا مدينة الإيمان، وأبو بكر بابها"تفسير : . وقال أبو بكر: "لو كُشف الغطاء ما ازددت يقيناً". والتوكل إنما يقوى بقوة الإيمان. وأما صفات عمر: فقوله: {والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش}؛ لأن ذلك هو التقوى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا مدينة التقوى وعُمَر بابها"تفسير : ، وقوله: {وإذا ما غَضبوا هم يغفرون}، وقوله: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجونَ أيام الله} نزلت في عمر. وأما صفات عثمان؛ فقوله: {والذين استجابوا لربهم}؛ لأن عثمان كان كثير الصلاة بالليل، وفيه نزلت: {أية : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَآءَ اللَّيْلِ سَاجِداً...}تفسير : [الزمر: 9] الآية. ورُوي أنه كان يُحيي الليلَ بركعة، يقرأ فيها القرآن كله. وقوله: {وأمرهم شورى بينهم}؛ لأن عثمان وَلِيَ الخلافة بالشورى، وقوله: {ومما رزقناهم يُنفقون}؛ لأن عثمان كان كثير النفقة في سبيل الله، ويكفيك أنه جهّز جيش العسرة. وأما صفات عليّ؛ فقوله: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون}؛ لأنه لمَّا قاتلته الفئة الباغية قاتلها، انتصاراً للحق، وانظر كيف سمى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المقاتلين لعليّ الفئةَ الباغية، حسبما ورد في الحديث الصحيح، أنه قال لعمّار: "حديث : ويْحَ عمّارٍ، تقتلُه الفئةُ الباغيةُ"تفسير : وذلك هو البغي الذي أصابه، وقوله: {فمَن عفا وأصلح فأجره على الله} إشارة إلى فعل الحسن بن عليّ، حين بايع معاوية، وأسقط حق نفسه، ليصلح أحوال المسلمين، ويحقن دماءهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحسن: "حديث : إنَّ ابني هذا سَيِّدٌ، وسَيُصْلِحُ اللهُ به بين فئتين عظيمتين من المسلمين"تفسير : . وقوله: {ولَمَن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} إشارة إلى انتصار الحسين بعد موت أخيه، وطلبه للخلافة، وانتصاره من بني أمية. وقوله: {إنما السبيل على الذين يظلمون الناس} إشارة إلى بني أمية، فإنهم استطالوا على الناس، كما في الحديث: "حديث : إنهم جعلوا عباد الله خُوَلاً، ومال الله دُولاً"تفسير : ، فيكفيك من ظلمهم أنهم كانوا يلعنون عليّ بن أبي طالب على منابرهم، وقوله: {ولمَن صبر وغفر} إشارة إلى صبر أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم على ما نالهم من الضر والذل، طول مدة بني أمية. هـ. الإشارة: قوله تعالى: {فما أُوتيتم من شيءٍ فمتاع الحياة الدنيا} أي: وينقصُ من درجاتكم في الآخرة بقدر ما تمتعتم به، كما في الخبر، ولذلك زهَّد فيه بقوله: {وما عند الله خيرٌ وأبقى...} الآية، أي: وما عند الله من الثواب الموعود خير من هذا القليل الموجود. {والذين يجتنبون كبائر الإثم} هي أمراض القلوب، كالحسد والكبر والرياء وغيرها، {والفواحش} هي معاصي الجوارح كالزنا وغيره. وقوله تعالى: {وإذا ما غَضِبُوا هم يغفرون} لم يقل الحق تعالى: والذين لم يغضبوا؛ لأن الغضب وصف بشري، لا ينفك عنه مخلوق، فالمطلوب المجاهدة في دفعه، وردّ ما ينشأ عنه، لا زواله من أصله، فعدم وجوده في البشر أصلاً نقص، ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه: "مَن اسْتُغضِب ولم يغضب فهو حمار" فالشرف هو كظمه بعد ظهوره، لا زواله بالكلية. وقوله تعالى: {والذين استجابوا لربهم} قال القشيري: المستجيبُ لربه هو الذي لا يبقى له نَفَسٌ إلا على موافقة رضاه، ولا يبقى لهم منه بقية، {وأمرهم شورى بينهم} أي: لا يستبدُّ أحدهم برأي، ويتَّهِمُ رأيَه وأمرَه، ثم إذا أراد القطعَ توكل على الله. هـ. وحاصل ما اشتملت عليه الآية في رد الغضب: أربع مقامات: الأول: قوم من شأنهم الغفران مطلقاً، قدروا أو عجزوا، لا يتحركون في الانتصار قط، وهو قوله تعالى: {وإِذا ما غَضِبُوا هم يغفرون}. والثاني: قوم قادرون على إنفاذ الغضب، فتحركوا في الانتصار، ثم عفوا بعد الاقتدار، وهذا قوله: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون}، ثم قال: {فمَن عفا وأصلح فأجره على الله}. والثالث: قوم قدروا وانتصروا، وأخذوا حقهم، لكن وقفوا عند ما حدّ لهم، وهو قوله: {ولمَن انتصر بعد ظلمه...} الآية. والرابع: قوم ظُلِموا، فعفوا، وزادوا الإحسان إلى مَن أساء إليهم، والدعاء له بالمغفرة، حتى يصير مرحوماً بهم، وهي رتبة الصدّيقية، أن ينتفع بهم أعداؤهم، وهو قوله تعالى: {ولمَن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور}، ولذلك جعل الله هذا القسم من عزم الأمور. وعند الصوفية: ثلاث طبقات: العامة ينتصرون، والخاصة لا ينتصرون، لكن يرفعون أمرهم إلى الله في أخذ حقهم من ظالمهم، وخاصة الخاصة يُحسنون لمَن أساء إليهم، كما تقدّم. وقال القشيري: {والذين إذا أصابهم البغي} وهو الظلم، ينتصرون؛ لعِلمهم أن الظلمَ أصابهم من قِبَلِ أنفسهم، فينتصرون من الظالم، وهو النفس، ويكبحون عنانها من الركض في ميدان المخالفة. ثم قال: قوله: {ولمَن انتصر...} الآية، عَلِمَ اللهُ أنَّ من عباده مَن لا يجد الحرية من أحكام النَّفْس، ولا يستمكن من محاسن الخُلق، فرخَّص لهم في المكافأة على سبيل العدل والقسط، وإن كان الأوْلى بهم الصفح والعفو. هـ. ثم ذكر وبال الظلم وعقوبته، فقال: {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ}.

الطوسي

تفسير : قرأ اهل الكوفة إلا عاصما {كبير الإثم} على التوحيد. الباقون {كبائر} على الجمع جمع التكسير. ومن وحد قال: إنه اسم جنس يقع على القليل والكثير. وقال قوم: اراد الشرك فقط. ومن جمع، فلان انواع الفواحش، واختلاف اجناسها كثيرة. يقول الله تعالى مخاطباً لمن تقدم وصفه {وما أوتيتم} يعني ان الذي اوتيتموه وأعطيتموه {من شي ء} من الاموال، {فمتاع الحياة الدنيا} أى هو شيء ينتفع به عاجلا لا بقاء له ولا محصول له. والمتاع يخير به عن الامتاع ويعبر به عن الاثاث، ففي ذلك تزهيد في الدنيا وحث على عمل الآخرة. ثم قال {وما عند الله} يعني من الثواب في الجنة {خير وأبقى} من هذه المنافع العاجلة التي هي قليلة والآخرة باقية دائمة، وهذه فانية منقطعة. ثم بين انها حاصلة {للذين آمنوا} بتوحيد الله وتصديق رسله {وعلى ربهم يتوكلون} أى يفوضون أمرهم اليه تعالى دون غيره فالتوكل على الله تفويض الامر اليه باعتقاد أنها جارية من قبله على احسن التدبير مع الفزع اليه بالدعاء في كلما ينوب. والتوكل واجب، الترغيب فيه كالترغيب في جملة الايمان. وقوله {والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش} يحتمل ان يكون (الذين) في موضع جر بالعطف على قوله {للذين} فكأنه قال وما عند الله خير وأبقى للمؤمنين المتوكلين على ربهم المجتنبين كبائر الاثم والذنوب. والفواحش جمع فاحشة، وهي اقبح القبيح. ويحتمل ان يكون في موضع رفع بالابتداء، ويكون الخبر محذوفاً، وتقديره الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش {وإذا ما غضبوا} مما يفعل بهم من الظلم والاساءة {هم يغفرون} ويتجاوزون عنه ولا يكافونهم عليه لهم مثل ذلك. والعفو المراد في الآية هو ما يتعلق بالاساءة الى نفوسهم الذى لهم الاختصاص بها فمتى عفوا عنها كانوا ممدوحين. فأما ما يتعلق بحدود الله ووجوب حدوده فليس للامام تركها ولا العفو عنها، ولا يجوز له ان يعفو عن المرتد وعمن يجرى مجراه. ثم زاد في صفاتهم فقال {والذين استجابوا لربهم} في ما دعاهم اليه {وأقاموا الصلاة} على حقها {وأمرهم شورى بينهم} أى لا ينفردون بأمر حتى يشاوروا غيرهم، لانه قيل: ما تشاور قوم إلا وفقوا لأحسن ما يحضرهم {ومما رزقناهم ينفقون} في طاعة الله وسبيل الخير. ثم قال {والذين إذا أصابهم البغي} من غيرهم وظلم من جهتهم {هم ينتصرون} يعني ممن بغى عليهم من غير ان يعتدوا فيها فيقتلوا غير القاتل ويجنوا على غير الجاني، وفي قوله {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} ترغيب في انكار المنكر. ثم قال {وجزاء سيئة سيئة مثلها} قال ابو نجيح والسدى: معناه إذا قال أخزاه الله متعدياً قال له مثل ذلك اخزاه الله. ويحتمل ان يكون المراد ما جعل الله لنا إلا الاقتصاص منه من {أية : النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص} تفسير : فان للمجني عليه أن يفعل بالجاني مثل ذلك من غير زيادة وسماه سيئة للازدواج، كما قال {أية : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} تفسير : وقال {أية : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} تفسير : ثم مدح العافي عما له أن يفعله، فقال {فمن عفى وأصلح} عما له المؤاخذة فيه {فأجره} في ذلك وجزاؤه {على الله} فانه يثيبه على ذلك. وقوله {إنه لا يحب الظالمين} قيل فى معناه وجهان: احدهما - إني لم ارغبكم في العفو عن الظالم لأني أحبه، بل لأني أحب الاحسان والعفو. والثاني - إني لا أحب الظالم لتعديه ما هو له إلى ما ليس له في القصاص ولا غيره. وقيل الكبائر الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وقذف المحصنات، وعقوق الوالدين، واكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، واكل الحرام. وعندنا كل معصية كبيرة، وإنما تسمى صغيرة بالاضافة إلى ما هو اكبر منها لا انها تقع محبطة، لان الاحباط باطل عندنا. وقيل إن هذه الآيات نزلت في قوم من المهاجرين والانصار.

الجنابذي

تفسير : {فَمَآ أُوتِيتُمْ} عطف وتعقيب باعتبار الاخبار يعنى اذا علمتم ذلك فاعلموا انّ ما اوتيتم {مِّن شَيْءٍ} من حيث انّكم من ابناء الدّنيا {فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} ولا بقاء له ولا خلوص من شوب الآلام وخوف الزّوال {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ} لعدم شوبه بالآلام وخوف الزّوال {وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} متعلّق بخير وابقى، او خبر مبتدءٍ محذوفٍ اى ذلك للّذين آمنوا {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} والمراد بالايمان الاسلام الحاصل بالبيعة العامّة وقبول الدّعوة الظّاهرة فيكون قوله وعلى ربّهم يتوكّلون اشارة الى الايمان الخاصّ الحاصل بالبيعة الخاصّة وقبول الدّعوة الباطنة.

اطفيش

تفسير : {فَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ} (من) البيان ما وضميرها المحذوف أي (ما أوتيتموه) وهو شيء من زينة الدنيا والخطاب للكفار والمؤمنين وقيل للكفار* {فَمَتَاعُ} أي فهو متاع* {الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} يتمتع به قليلاً في الدنيا ثم يزول (ما) شرطية أو موصولة دخلت الفاء في خبرها لشبهها بالشرطية* {وَمَا} لم تضمن معنى الشرط* {عِندَ اللهِ} في الآخرة من الثواب* {خَيْرٌ وَأَبْقَى} من متاع الدنيا وذلك ان الذي في الدنيا يوصف ببقاء بعده زوال وما في الآخرة يبقى أبداً أو أبقى بمعنى باق والذي في الدنيا لا يبقى لفنائه. {لِلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ} متعلق بقوله* {يَتَوَكَّلُونَ} وقدم للحصر والجملة معطوفة على {آمَنُوا} والمناسبة حاصلة بينهما لان فى هذا المضارع استمراراً تجدديا فهو شامل للمضي لانه كلما عراهم أمراً وخطر ببالهم توكلوا أو حال وقرنت بالواو ومع بدئها بمضارع سبق معموله وذلك وعظ للعباد وتحقير لأمر الدنيا وترغيب فى نعيم الآخرة. وعن علي: اجتمع لأبي بكر رضي الله عنه مال فتصدق به كله فلامه المسلمون وخطأه الكافرون فنزلت الآية. {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَآئِرَ الإِثْمِ}

اطفيش

تفسير : {فَما أوتِيتُم} أيها الناس مصف، أو أيها المشركون، وما شرطية مفعول ثان لأوتيتم، ومن الغفلة أن تجعل موصولة مبتدأ، ويقدر أوتيتموه، قرن خبر بالفاء، لأنه ان كان العموم مرادا فالشرطية، أولى به، أو غير مراد فلا وجه لتنزيل الموصولة كالشرطية، ولقرن خبرها بالفاء إلا إن تكلفوا أن ذلك المخصوص فى الصلة لما أجمل وأبهم، نزلت به الموصولة منزلة الشرطية {مِن شيءٍ فمتاع} فهو متاع {الحياة الدنيا} أى شىء منها تمتعون به، ولا يلزم من كون ما فى قوله تعالى: {وما عِنْد الله خيرٌ وأبْقَى} اسما موصولا، كون ما فى " فما أوتيتم" موصولة، ولا يترجم لقيام المانع المذكور، والمراد خير فى نفسه لجودته وكثرته، ولبقائه زمانا لا ينقضى، فهو دائم {للَّذين آمنوا} متعلق بأبقى، أو خبر لمحذوف، أى هو للذين آمنوا {وعلى ربِّهم يتوكَّلونَ} عطف على آمنوا، تصدق أبو بكر رضى الله عنه بمال اجتمع له كله، فلامه المسلمون فى عدم ترك بعضه لنفسه وأهله، والمشركون بأنه تصدق بماله كله فيما لا ينفعه فنزلت الآية.

الالوسي

تفسير : {فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ} أيُّ شيءٍ كان من أسباب الدنيا. والظاهر أن الخطاب للناس مطلقاً، وقيل: للمشركين، و(ما) موصولة مبتدأ والعائد محذوف أي أوتيتموه والخبر ما بعد، ودخلت الفاء لتضمنها معنى الشرط، وقال أبو حيان: هي شرطية مفعول ثان لأوتيتم و {مِن شَيْء} بيان لها وقوله تعالى: {فَمَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} أي فهو متاعها تتمتعون به مدة حياتكم فيها جواب الشرط، والأول أوفق بقوله تعالى: {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ} من ثواب الآخرة {خَيْرٌ} ذاتاً لخلوص نفعه {وَأَبْقَىٰ} زماناً حيث لا يزول ولا يفنى لأن الظاهر أن {مَا} فيه موصولة وإنما لم يؤت بالفاء في خبرها مع أن الموصول المبتدأ إذا وصل بالظرف يتضمن معنى الشرط أيضاً لأن مسببية كون الشيء عند الله تعالى لخيريته أمر معلوم مقرر غني عن الدلالة عليه بحرف موضوع له بخلاف ما عند غيره سبحانه والتعبير عنه بأنه عند الله تعالى دون ما ادخر لذلك. وقوله تعالى: {لِلَّذِينَ ءامَنُواْ} إما متعلق بأبقى أو اللام لبيان من له هذه النعمة فهو خبر مبتدأ محذوف أي ذلك للذين آمنوا. {وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} لا على غيره تعالى أصلاً. وعن علي كرم الله تعالى وجهه اجتمع لأبـي بكر رضي الله تعالى عنه مال فتصدق به كله في سبيل الله تعالى فلامه المسلمون وخطأه الكافرون فنزلت. والموصول في قوله تعالى:{وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ ...}

ابن عاشور

تفسير : تفريع على جملة { أية : ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا } تفسير : [الشورى: 27] إلى آخرها، فإنها اقتضت وجود منعَم عليه ومحْروم، فذُكِّروا بأن ما أوتوه من رزق هو عَرَض زائل، وأن الخير في الثواب الذي ادخره الله للمؤمنين، مع المناسبة لما سبقه من قوله: { أية : ويَعْفُ عن كثير } تفسير : [الشورى: 34] من سلامة الناس من كثير من أهوال الأسفار البحرية فإن تلك السلامة نعمة من نعم الدنيا، ففرعت عليه الذكرى بأن تلك النعمة الدنيوية نعمة قصيرة الزمان صائرة إلى الزوال فلا يَجعلها الموفَّقُ غاية سعيه وليسعَ لعمل الآخرة الذي يأتي بالنعيم العظيم الدائم وهو النعيم الذي ادّخره الله عنده لعباده المؤمنين الصالحين. والخطاب في قوله: أوتيتم} للمشركين جرياً على نسق الخطاب السابق في قوله: { أية : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } تفسير : [الشورى: 30] وقوله: { أية : وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } تفسير : [الشورى: 31]، وينسحب الحكم على المؤمنين بلحن الخطاب، ويجوز أن يكون الخطاب لِجميع الأمة، فالفاء الأولى للتفريع، و{مَا} موصولة ضمنت معنى الشرط والفاء الثانية في قوله: {فمتاع الحياة الدنيا} داخلة على خبر {ما} الموصولة لتضمنها معنى الشرط وإنما لم نَجعل {ما} شرطية لأن المعنى على الإخبار لا على التعليق، وإنما تضمن معنى الشرط وهو مجرد ملازمة الخبر لمدلول اسم الموصول كما تقدم نظيره آنفاً في قوله: { أية : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } تفسير : [الشورى: 30] في قراءة غير نافع وابنِ عامر. ويتعلق قوله: {خَيْرٌ وأبقى للذين آمنوا} على وجه التنازع، واتبعت صلة (الذين آمنوا) بما يدل على عملهم بإيمانهم في اعتقادهم فعطف على الصلة أنهم يتوكلون على ربّهم دون غيره. وهذا التوكل إفراد لله بالتوجُّه إليه في كل ما تعجز عنه قدرة العبد، فإن التوجه إلى غيره في ذلك ينافي التوحيد لأن المشركين يتوكلون على آلهتهم أكثر من توكلهم على الله، ولكون هذا متمّماً لمعنى (الذين آمنوا) عطف على الصلة ولم يُؤت معه باسم موصول بخلاف ما ورد بعده.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: فما أوتيتم من شيء: أي فما أعطيتم من شيء من متاع الدنيا كالمال والولد والمطعم والمشرب والملبس والمسكن والمنكح والمركب. فمتاع الحياة الدنيا: أي يتمتع به زمناً ثم يزول ولا يبقى. وما عند الله خير وأبقى: أي وما عند الله من ثواب الآخرة فهو خير في نوعه وأبقى في مدته. للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون: أي ما عند الله خير وأبقى لأصحاب الصفات التالية: الإِيمان، والتوكل على الله، واجتناب كبائر الإثم والفواحش، والتجاوز عمن أساء إليهم، والاستجابة لربهم في كل ما دعاهم إليه فعلا أو تركاً، وإقام الصلاة والمشورة بينهم والإِنفاق مما رزقهم الله، والانتصار عند البغي عليهم هذه عشر صفات أصحابها ما أعده الله تعالى لهم يوم يلقونه خير من متاع الدنيا بكامله. وجزاء سيئة سيئة مثلها: أي جزاء سيئة المسيء عقوبته بما أوجبه الله عليه. فمن عفا وأصلح فأجره على الله: أي فمن عفا عمن أساء إليه وأصلح ما بينه وبينه فأجره على الله ثابت له. إنه لا يحب الظالمين: أي لا يحب البادئين بالظلم، ومن لم يحبه الله أذن في عقوبته. ولمن انتصر بعد ظلمه: أي ومن ظلمه ظالم فأخذ منه بحقه. فأولئك ما عليهم من سبيل: أي لمؤاخذتهم، لأنهم ما بدأوا بالظلم. معنى الآيات: قوله تعالى: {فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} هذا شروع في بيان صفات الكمال في المسلم التي يستوجب بها نعيم الآخرة ضمن التعريض بزينة الحياة الدنيا الفانية فقال تعالى {فَمَآ أُوتِيتُمْ} أيها الناس من مؤمن وكافر من شيء في هذه الحياة الدنيا من لذيذ الطعام والشراب وجميل اللباس، وفاخر المساكن وأجمل المناكح وأفره المراكب كل ذلك متاع الحياة الدنيا يزول ويفنى. أما ما عند الله أي ما أعده الله لأوليائه في الدار الآخرة فهو خير وأبقى ولكن لمن أعده؟ والجواب للذين آمنوا أي بالله وآياته ولقائه ورسوله وبكل ما جاء به والذين على ربهم لا على سواه يتوكلون ثقة في كفايته واعتماداً عليه، والذين يجتنبون أي يتركون كبائر الإِثم كالشرك والقتل والظلم وشرب الخمر وأكل الحرام والفواحش كالزنى واللواط. والذين إذا غضبوا يتجاوزون عمن أغضبهم ويغفرون له زلته أو إساءته إليهم والذين استجابوا لربهم عندما ناداهم ودعاهم لكل ما طلبه منهم، والذين أقاموا الصلاة فأدوها على وجهها المطلوب لها من خشوع مراعين شرائطها وأركانها وواجباتها وسننها وآدابها، والذين أمرهم شورى بينهم أي أمرهم الذي يهمهم في حياتهم أفراداً وجماعات وأمما وشعوباً يجتمعون عليه ويتشاورون فيه ويأخذون بما يلهمهم ربهم بوجه الصواب فيه. والذين مما رزقهم الله من مال وعلم وجاه وصحة وبدن ينفقون شكراً لله على ما رزقهم واستزاده للثواب يوم الحساب. والذين إذا أصابهم البغي أي إذا بغي عليهم البغاة الظلمة من الكافرين ينتصرون لأنفسهم إعذاراً لها وإكراماً لأنها أنفس الله وليها فالعزة واجبة لها. هذه عشر صفات متى اتصف بها العبد لا يضره شيء لو عاش الدهر كله فقيراً نقيَّاً محروماً من لذيذ الطعام والشراب ومن جميل اللباس، والسكن والمركب إذ ما عند الله تعالى. له خير وأبقى مع العلم أن أهل تلك الصفات سوف لا يحرمون من طيبات الحياة الدنيا هم أولى بها من غيرهم إلا أنها ليست شيئا يذكر إلى جانب ما عند الله يوم يلقونه ويعيشون في جواره. وقوله تعالى: {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} هذا هو الحكم الشرعي جزاء المسيء العقوبة بما أوجب الله تعالى له في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى فمن عفا عمن أساء إليه، وأصلح ما بينه وبينه فعادت المودة وعاد الإِخاء فأجره على الله وهو خير له وأبقى من شفاء صدره بعقوبة أخيه الذي أساء إليه. وقوله تعالى {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ} تعليل لعظم الأجر لمن عفا أي كونه تعالى لا يحب الظالمين ضاعف الأجر وأجزل المثوبة للمظلوم إذا عفا وأصلح. وقوله: {وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ} أي وللذي ظلم فانتصر لنفسه وردَّ الظلم عنها فهؤلاء لا سبيل لكم إلى أذيتهم وعقوبتهم. هذا حكم الله وشرعه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- متاع الحياة الدنيا إذا قوبل بما أعد الله للمؤمنين المتقين لا يعد شيئاً يذكر أبداً. 2- بيان أكمل الشخصيات الإِسلامية وهي الشخصية التي تتصف بالصفات العشر التي تضمنتها الآيات الأربع ذات الرقم، [36- 37- 38- 39]. 3- مشروعية القصاص وعقوبة الظالم. 4- عدم مؤاخذة من ظلم فأخذ بحقه بلا زيادة عنه ما لم يكن حداً فإن الحدود يقيمها الإِمام. 5- فضيلة العفو على الإِخوة المسلمين والإِصلاح بينهم.

القطان

تفسير : فما أُوتيتم: فما اعطيتم. كبائر الإثم: كل ما يوجب حدّا. الفواحش: كل ما عظُم قبحه من السيئات. استجابوا: اجابوا داعي الله. الشورى: المشاورة في الأمور. البغي: الظلم. ينتصرون: ينتقمون لانفسهم. ما عليهم من سبيل: ما عليهم عقاب. لمن عَزْمِ الأمور: لمن الأمور الحسنة المشكورة. يذكّر الله تعالى الناس بأن لا يغترّوا بهذه الحياة الدنيا، فكل ما فيها من متاع ولذة ومال وبنين لهو قليلٌ جدا بالنسبة لما أعدّه الله للمؤمنين عنده من نعيم الجنة الدائم للذين يتوكلون على ربهم، ويبتعدون عن ارتكاب الكبائر. {وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ} والذين يتحكمون في أعصابهم عند الغضب، ويملِكون أنفسهم، ويغفرون لمن أساء اليهم. ومن صفات هؤلاء المؤمنين ايضا انهم يُجيبون ربّهم الى ما دعاهم اليه، ويقيمون الصلاة في اوقاتها على اكمل وجوهها. {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ} وهذا دستور عظيم في الاسلام، فهو يوجب ان يكون الحكْم مبنياً على التشاور. وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يشاور أصحابه الكرام في كثير من الأمور، وكان الصحابة الكرام يتشاورون فيما بينهم. ومثلُ ذلك قوله تعالى {أية : وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ} تفسير : [آل عمران: 159]. قال الحسن البصري: "ما تشاور قوم الا هُدوا لأرشدِ أمرهم". وقال ابن العربي: "الشورى ألفة للجماعة، وصِقال للعقول، وسببٌ الى الصواب، وما تشاور قوم قط الا هدوا". ومن صفات هؤلاء المؤمنين البذلُ والعطاء بسخاء {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}. ومن صفات المؤمنين الصادقين أيضاً: {وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ} الذين اذا بغى عليهم أحد ينتصرون لأنفسهم ممن ظلمهم. ثم بين الله تعالى ان ذلك الانتصار للأنفس مقيَّد بالمِثْلِ: {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} فالزيادة ظلم، والتساوي هو العدل الذي قامت به السماواتُ والأرض. ثم بين الله ان من الافضل العفو والتسامح فقال: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ}. ومثل هذا قوله تعالى: {أية : وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} تفسير : [البقرة: 237]، ومثله ايضاً {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ}تفسير : [النحل: 126]، الى آياتٍ كثيرة وأحاديثَ تحثّ على الصبر والعفو. وهذا سبيل الاسلام. ثم بين الله تعالى أن الانسان اذا انتصر لنفسه ممن ظَلَمه فلا سبيلَ عليه، لكن اللوم والمؤاخذة على المعتدين الذين يظلمون الناسَ ويتكبرون في الأرض ويفسِدون فيها بغير الحق {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. ثم كرر الحث والترغيب في الصبر والعفو فقال: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ}. هنا أكد الترغيبَ في الصبر وضبط النفس. وأفضلُ انواع الصبر تحمّل الأذى في سبيل إحقاق الحق وإعلائه، وافضلُ انواع العفو ما كان سبباً للقضاء على الفتن والفساد. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: والذين يجتنبون كبير الإثم. والباقون: كبائر الاثم.

د. أسعد حومد

تفسير : {فَمَتَاعُ} {ٱلْحَيَاةِ} {آمَنُواْ} (36) - وَكُلُّ مَا حَصَلْتُمْ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مِنْ أَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَأَثَاثٍ وَرِيَاشٍ وَنَعْمَةٍ.. فَهُوَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ تَافِهٌ تَتَمَتَّعُونَ بِهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ الفَانِيَةِ الزَّائِلَةِ، وَمَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الثَّوَابِ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ خَيْرٌ مِنْ مَتَاعِ هَذِهِ الدُّنْيَا، لأَِنَّهُ بَاقٍ دَائِمٌ لاَ يَزُولُ، وَلاَ يَنْضُبُ، وَقَدْ وَعَدَ اللهُ تَعَالَى الذِينَ آمَنُوا بِهِ، وَصَدَّقُوا رُسُلَهُ، وَهُمْ يَتَوكَّلُونَ عَلَى رَبهِمْ، وَيَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ... بِأَنّهُ سَيُعِينُهُمْ عَلَى الصَّبْرِ فِي أَدَاءِ الوَاجِبَاتِ. مَتَاعٌ - مَا يُتَمَتَّعُ بِهِ مِنْ أَثَاثٍ وَرِيَاشٍ وَنِعْمَةٍ. يَتَوَكَّلُونَ - يُفَوِّضُونَ أَمْرَهُمْ إِلَيهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله: {مِّن شَيْءٍ ..} [الشورى: 36] يعني: كل ما يقال له شيء من مُتَع الحياة، كالمال والأولاد والزوجات والمناصب والصحة والجاه ... إلخ. كل هذا متاع الحياة الدنيا فحسب تتمتع به في الدنيا، والدنيا بالنسبة لك ليست هي الفترة من آدم إلى قيام الساعة، بل هي مدة بقائك أنت فيها لا دَخْلَ لك بمدة حياة الآخرين، فأنت لا تمر على الدنيا إنما الدنيا هي التي تمر عليك. إذن: مهما كان متاعك فهو موقوت بعمرك في الدنيا وينتهي {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الشورى: 36] لأنك في الدنيا تتمتع على قدر جهدك فيها وعلى قدر إمكانياتك، أما في الآخرة فالمتعة على قدْر الحق سبحانه، وإنْ كان متاع الدنيا يزول فمتاع الآخرة باقٍ دائم خالد. إذن: عندما تقيس مستوى النعمة التي تعيشها في الدنيا بمستوى النعمة في الآخرة تعلم أن ما عند الله خيرٌ وأبقى، وحين تعلم هذه الحقيقة ينبغي عليك أن تعمل لها، لأن هذه الخيرية، وهذا البقاء موقوفٌ على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، فهنا عقيدة وعمل بالأسباب. وفَرْق بين مَنْ يتوكل على الله بأن يأخذ أولاً بالأسباب ثم يتوكل على الله، ومن يتواكل أي يقول توكلت على الله ويترك السَّعْي والأخْذ بالأسباب. إذن: المؤمن يتوكل بقلبه ويعمل بجوارحه. وقد نزلتْ هذه الآية {فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ..} [الشورى: 36] في جماعة من صناديد قريش وعلى رأسهم الوليد ابن المغيرة، لما حسدوا رسول الله وحقدوا عليه لما اصطفاه الله للرسالة فقالوا: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31] يعني: عنده كذا وكذا، فردَّ الله عليهم أن هذا كله متاع دنيوي زائل، وما عند الله خير منه وأبقى.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة، وذكر الأعمال الموصلة إليها فقال: { فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ } من ملك ورياسة، وأموال وبنين، وصحة وعافية بدنية. { فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } لذة منغصة منقطعة. { وَمَا عِنْدَ اللَّهِ } من الثواب الجزيل، والأجر الجليل، والنعيم المقيم { خَيْرٌ } من لذات الدنيا، خيرية لا نسبة بينهما { وَأَبْقَى } لأنه نعيم لا منغص فيه ولا كدر، ولا انتقال. ثم ذكر لمن هذا الثواب فقال: { لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } أي: جمعوا بين الإيمان الصحيح، المستلزم لأعمال الإيمان الظاهرة والباطنة، وبين التوكل الذي هو الآلة لكل عمل، فكل عمل لا يصحبه التوكل فغير تام، وهو الاعتماد بالقلب على الله في جلب ما يحبه العبد، ودفع ما يكرهه مع الثقة به تعالى. { وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ } والفرق بين الكبائر والفواحش -مع أن جميعهما كبائر- أن الفواحش هي الذنوب الكبار التي في النفوس داع إليها، كالزنا ونحوه، والكبائر ما ليس كذلك، هذا عند الاقتران، وأما مع إفراد كل منهما عن الآخر فإن الآخر يدخل فيه. { وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ } أي: قد تخلقوا بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، فصار الحلم لهم سجية، وحسن الخلق لهم طبيعة حتى إذا أغضبهم أحد بمقاله أو فعاله، كظموا ذلك الغضب فلم ينفذوه، بل غفروه، ولم يقابلوا المسيء إلا بالإحسان والعفو والصفح. فترتب على هذا العفو والصفح، من المصالح ودفع المفاسد في أنفسهم وغيرهم شيء كثير، كما قال تعالى: {أية : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ }. تفسير : { وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ } أي: انقادوا لطاعته، ولبَّوْا دعوته، وصار قصدهم رضوانه، وغايتهم الفوز بقربه. ومن الاستجابة للّه، إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فلذلك عطفهما على ذلك، من باب عطف العام على الخاص، الدال على شرفه وفضله فقال: { وَأَقَامُوا الصَّلاةَ } أي: ظاهرها وباطنها، فرضها ونفلها. { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } من النفقات الواجبة، كالزكاة والنفقة على الأقارب ونحوهم، والمستحبة، كالصدقات على عموم الخلق. { وَأَمْرُهُمْ } الديني والدنيوي { شُورَى بَيْنَهُمْ } أي: لا يستبد أحد منهم برأيه في أمر من الأمور المشتركة بينهم، وهذا لا يكون إلا فرعا عن اجتماعهم وتوالفهم وتواددهم وتحاببهم وكمال عقولهم، أنهم إذا أرادوا أمرا من الأمور التي تحتاج إلى إعمال الفكر والرأي فيها، اجتمعوا لها وتشاوروا وبحثوا فيها، حتى إذا تبينت لهم المصلحة، انتهزوها وبادروها، وذلك كالرأي في الغزو والجهاد، وتولية الموظفين لإمارة أو قضاء، أو غيره، وكالبحث في المسائل الدينية عموما، فإنها من الأمور المشتركة، والبحث فيها لبيان الصواب مما يحبه الله، وهو داخل في هذه الآية. { وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ } أي: وصل إليهم من أعدائهم { هُمْ يَنْتَصِرُونَ } لقوتهم وعزتهم، ولم يكونوا أذلاء عاجزين عن الانتصار. فوصفهم بالإيمان، وعلى الله، واجتناب الكبائر والفواحش الذي تكفر به الصغائر، والانقياد التام، والاستجابة لربهم، وإقامة الصلاة، والإنفاق في وجوه الإحسان، والمشاورة في أمورهم، والقوة والانتصار على أعدائهم، فهذه خصال الكمال قد جمعوها، ويلزم من قيامها فيهم، فعل ما هو دونها، وانتفاء ضدها.