٤٢ - ٱلشُّورىٰ
42 - Ash-Shura (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
39
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى ـ قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْيُ} أي أصابهم بغي المشركين. قال ابن عباس: وذلك أن المشركين بَغَوْا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه وآذوهم وأخرجوهم من مكة، فأذن الله لهم بالخروج ومكن لهم في الأرض ونصرهم على من بغى عليهم؛ وذلك قوله في سورة الحج: {أية : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ}تفسير : [الحج: 39 - 40] الآيات كلها. وقيل: هو عام في بَغْي كل باغ من كافر وغيره، أي إذا نالهم ظلم من ظالم لم يستسلموا لظلمه. وهذه إشارة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود. قال ٱبن العربي: ذكر الله الانتصار في البغي في معرض المدح، وذكر العفو عن الجرم في موضع آخر في معرض المدح؛ فاحتمل أن يكون أحدهما رافعاً للآخر، وٱحتمل أن يكون ذلك راجعاً إلى حالتين؛ إحداهما أن يكون الباغي معلناً بالفجور، وقِحاً في الجمهور، مؤذياً للصغير والكبير؛ فيكون الانتقام منه أفضل. وفي مثله قال إبراهيم النَّخَعِيّ: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فتجترىء عليهم الفساق. الثانية ـ أن تكون الفلتة، أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة ويسأل المغفرة؛ فالعفو هاهنا أفضل، وفي مثله نزلت: {أية : وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}تفسير : [البقرة: 237]. وقوله: {أية : فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ}تفسير : [المائدة: 45]. وقوله: {أية : وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ} تفسير : [النور: 22]. قلت: هذا حسن، وهكذا ذكر الكِيا الطبري في أحكامه قال: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ} يدل ظاهره على أن الانتصار في هذا الموضع أفضل؛ ألا ترى أنه قرنه إلى ذكر الاستجابة للّه سبحانه وتعالى وإقام الصلاة؛ وهو محمول على ما ذكر إبراهيم النَّخَعِيّ أنهم كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فتجترىء عليهم الفساق؛ فهذا فيمن تعدّى وأصر على ذلك. والموضع المأمور فيه بالعفو إذا كان الجاني نادماً مقلعاً. وقد قال عقيب هذه الآية: {وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ }. ويقتضي ذلك إباحة الانتصار لا الأمر به؛ وقد عقبه بقوله: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ }. وهو محمول على الغفران عن غير المُصِرّ، فأما المصرّ على البغي والظلم فالأفضل الانتصار منه بدلالة الآية التي قبلها. وقيل: أي إذا أصابهم البغي تناصروا عليه حتى يزيلوه عنهم ويدفعوه؛ قاله ابن بحر. وهو راجع إلى العموم على ما ذكرنا. الثانية ـ قوله تعالى: {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} قال العلماء: جعل الله المؤمنين صِنفين؛ صنف يعفون عن الظالم فبدأ بذكرهم في قوله: {وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ}. وصنف ينتصرون من ظالمهم. ثم بين حدّ الانتصار بقوله: {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} فينتصر ممن ظلمه من غير أن يعتدي. قال مقاتل وهشام بن حُجَير: هذا في المجروح ينتقم من الجارح بالقصاص دون غيره من سب أو شتم. وقاله الشافعي وأبو حنيفة وسفيان. قال سفيان: وكان ابن شُبْرُمَة يقول: ليس بمكة مثل هشام. وتأوّل الشافعي في هذه الآية أن للإنسان أن يأخذ من مال من خانه مثل ما خانه من غير علمه؛ واستشهد في ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم لهند زوج أبي سفيان: «حديث : خذي من ماله ما يكفيك وولدك»تفسير : فأجاز لها أخذ ذلك بغير إذنه. وقد مضى الكلام في هذا مستوفى في «البقرة». وقال ٱبن أبي نجيح: إنه محمول على المقابلة في الجراح. وإذا قال: أخزاه الله أو لعنه الله أن يقول مثله. ولا يقابل القذف بقذف ولا الكذب بكذب. وقال السُّدِّي: إنما مدح الله من انتصر ممن بغى عليه من غير اعتداء بالزيادة على مقدار ما فعل به؛ يعني كما كانت العرب تفعله. وسُمي الجزاء سيئةً لأنه في مقابلتها؛ فالأوّل ساء هذا في مال أو بدن، وهذا الاقتصاص يسوءه بمثل ذلك أيضاً؛ وقد مضى هذا كله في «البقرة» مستوفى. الثالثة ـ قوله تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ} قال ابن عباس: من ترك القصاص وأصلح بينه وبين الظالم بالعفو {فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ} أي إن الله يأجره على ذلك. قال مقاتل: فكان العفو من الأعمال الصالحة. وقد مضى في «آل عمران» في هذا ما فيه كفاية، والحمد لله. وذكر أبو نعيم الحافظ عن علي بن الحسين رضي الله عنهم قال: إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ أيكم أهل الفضل؟ فيقوم ناس من الناس؛ فيقال: انطلقوا إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة؛ فيقولون إلى أين؟ فيقولون إلى الجنة؛ قالوا قبل الحساب؟ قالوا نعم قالوا من أنتم؟ قالوا أهل الفضل؛ قالوا وما كان فضلكم؟ قالوا كنا إذا جُهل علينا حَلِمنا وإذا ظُلمنا صَبَرْنَا وإذا سِيء إلينا عفونا؛ قالوا ٱدخلوا الجنة فنعم أجر العاملين. وذكر الحديث. {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ} أي مَن بدأ بالظلم؛ قاله سعيد بن جبير. وقيل: لا يحبّ مَن يتعدى في الاقتصاص ويجاوز الحد؛ قاله ابن عيسى. الرابعة ـ قوله تعالى: {وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ} أي المسلم إذا انتصر من الكافر فلا سبيل إلى لَوْمه، بل يُحمد على ذلك مع الكافر. ولا لوم إن ٱنتصر الظالم من المسلم؛ فالانتصار من الكافر حتم، ومن المسلم مباح، والعفو مندوب. الخامسة ـ في قوله تعالى: {وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ } دليلٌ على أن له أن يستوفي ذلك بنفسه. وهذا ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها ـ أن يكون قصاصاً في بدن يستحقه آدمي، فلا حرج عليه إن ٱستوفاه من غير عدوان وثبت حقه عند الحكام، لكن يزجره الإمام في تفوته بالقصاص لما فيه من الجرأة على سفك الدم. وإن كان حقه غير ثابت عند الحاكم فليس عليه فيما بينه وبين الله حرج، وهو في الظاهر مطالب وبفعله مؤاخذ ومعاقب. القسم الثاني ـ أن يكون حدّ الله تعالى لا حق لآدمي فيه كحدّ الزنى وقطع السرقة؛ فإن لم يثبت ذلك عند حاكم أخذ به وعوقب عليه، وإن ثبت عند حاكم نُظر، فإن كان قطعاً في سرقة سقط به الحدّ لزوال العضو المستحق قطعه، ولم يجب عليه في ذلك حق لأن التعزير أدب، وإن كان جلداً لم يسقط به الحدّ لتعدّيه مع بقاء محله فكان مأخوذاً بحكمه. القسم الثالث ـ أن يكون حقاً في مال؛ فيجوز لصاحبه أن يغالب على حقه حتى يصل إليه إن كان ممن هو عالم به، وإن كان غير عالم نُظر، فإن أمكنه الوصول إليه عند المطالبة لم يكن له الاستسرار بأخذه. وإن كان لا يصل إليه بالمطالبة لجحود من هو عليه من عدم بيّنة تشهد له ففي جواز استسراره بأخذه مذهبان: أحدهما ـ جوازه؛ وهو قول مالك والشافعي. الثاني ـ المنع؛ وهو قول أبي حنيفة. السادسة ـ قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ} أي بعدوانهم عليهم؛ في قول أكثر العلماء. وقال ٱبن جريج: أي يظلمونهم بالشرك المخالف لدينهم. {وَيَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} أي في النفوس والأموال؛ في قول الأكثرين. وقال مقاتل: بَغْيُهم عَملُهم بالمعاصي. وقال أبو مالك: هو ما يرجوه كفار قريش أن يكون بمكة غير الإسلام ديناً. وعلى هذا الحدّ قال ٱبن زيد: إن هذا كله منسوخ بالجهاد، وإن هذا للمشركين خاصة. وقول قتادة: إنه عام؛ وكذا يدل ظاهر الكلام. وقد بيناه والحمد لله. السابعة ـ قال ٱبن العربي: هذه الآية في مقابلة الآية المتقدّمة في «براءة» وهي قوله: {أية : مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ}تفسير : [التوبة: 19]؛ فكما نفى الله السبيل عمن أحسن فكذلك نفاها على من ظلم؛ واستوفى بيان القسمين. الثامنة ـ وٱختلف علماؤنا في السلطان يضع على أهل بلد مالاً معلوماً يأخذهم به ويؤدّونه على قدر أموالهم؛ هل لمن قدر على الخلاص من ذلك أن يفعل، وهو إذا تخلص أخذ سائر أهل البلد بتمام ما جعل عليهم. فقيل لا؛ وهو قول سحنون من علمائنا. وقيل: نعم، له ذلك إن قدر على الخلاص؛ وإليه ذهب أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي ثم المالكي. قال: ويدل عليه قول مالك في الساعي يأخذ من غنم أحد الخلطاء شاة وليس في جميعها نصاب إنها مظلمة على من أخذت له لا يرجع على أصحابه بشيء. قال: ولست آخذ بما روِي عن سحنون؛ لأن الظلم لا أسوة فيه، ولا يلزم أحد أن يولج نفسه في ظلم مخافة أن يضاعف الظلم على غيره، والله سبحانه يقول: {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ}. التاسعة ـ وٱختلف العلماء في التحليل؛ فكان ابن المُسَيِّب لا يحلل أحداً من عِرض ولا مال. وكان سليمان بن يَسار ومحمد بن سِيرين يحللان من العِرض والمال. ورأى مالك التحليل من المال دون العرض. روى ٱبن القاسم وٱبن وهب عن مالك وسئل عن قول سعيد بن المسيب «لا أحلل أحداً» فقال: ذلك يختلف؛ فقلت له يا أبا عبد الله، الرجلُ يسلف الرجلَ فيهلك ولا وفاء له؟ قال: أرى أن يحلله وهو أفضل عندي؛ فإن الله تعالى يقول: {أية : ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} تفسير : [الزمر: 18]. فقيل له: الرجل يظلم الرجل؟ فقال: لا أرى ذلك، هو عندي مخالف للأوّل؛ يقول الله تعالى: {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ} ويقول تعالى: {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ} فلا أرى أن يجعله من ظلمه في حِلّ. قال ٱبن العربي: فصار في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها لا يحلّله بحالٍ؛ قاله سعيد بن المسيّب. الثاني ـ يحلّله؛ قاله محمد بن سيرين. الثالث ـ إن كان مالاً حلّله وإن كان ظلماً لم يحلله؛ وهو قول مالك. وجه الأوّل ألاّ يحلل ما حرّم الله؛ فيكون كالتبديل لحكم الله. ووجه الثاني أنه حقه فله أن يسقط كما يسقط دمَه وعرْضه. ووجه الثالث الذي اختاره مالك هو أن الرجل إذا غلب على أداء حقك فمن الرفق به أن يتحلله، وإن كان ظالماً فمن الحق ألا تتركه لئلا تغتر الظلمة ويسترسلوا في أفعالهم القبيحة. وفي صحيح مسلم حديثُ أبي اليَسَر الطويل وفيه أنه قال لغريمه: أُخرج إليّ، فقد علمت أين أنت؛ فخرج؛ فقال: ما حملك على أن ٱختبأت مني؟ قال: أنا والله أحدّثك ثم لا أكذبك، خشيت والله أن أحدّثك فأكذبك، وأن أعِدك فأخلِفك، وكنتَ صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنتُ والله مُعْسِراً. قال قلت: آللّهِ؟ قال اللّهِ؛ قال: فأتى بصحيفة فمحاها فقال: إن وجدتَ قضاءً فٱقض، وإلا فأنت في حِلّ... وذكر الحديث. قال ٱبن العربي: وهذا في الحي الذي يرجى له الأداء لسلامة الذمة ورجاء التَّمَحُّل، فكيف بالميت الذي لا محاللة له ولا ذِمّة معه. العاشرة ـ قال بعض العلماء: إن مَن ظُلم وأخِذ له مال فإنما له ثواب ما ٱحتبِس عنه إلى موته، ثم يرجع الثواب إلى ورثته، ثم كذلك إلى آخرهم؛ لأن المال يصير بعده للوارث. قال أبو جعفر الداودي المالكي: هذا صحيح في النظر؛ وعلى هذا القول إن مات الظالم قبل مَن ظلمه ولم يترك شيئاً أو ترك ما لم يعلم وارثه فيه بظلم لم تنتقل تباعة المظلوم إلى ورثة الظالم؛ لأنه لم يبقَ للظالم ما يستوجبه ورثة المظلوم. الحادية عشرة ـ قوله تعالى: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ} أي صبر على الأذى و «غفر» أي ترك الانتصار لوجه الله تعالى؛ وهذا فيمن ظلمه مسلم. ويحكى أن رجلاً سبّ رجلاً في مجلس الحسن رحمه الله فكان المسبوب يكظِم ويعرق فيمسح العرق، ثم قام فتلا هذه الآية؛ فقال الحسن: عقلها والله! وفهمها إذ ضيّعها الجاهلون. وبالجملة العفو مندوب إليه، ثم قد ينعكس الأمر في بعض الأحوال فيرجع ترك العفو مندوباً إليه كما تقدّم؛ وذلك إذا ٱحتيج إلى كفّ زيادة البغي وقطع مادّة الأذى، وعن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل عليه، وهو حديث : أن زينب أسمعت عائشة رضي الله عنهما بحضرته فكان ينهاها فلا تنتهي، فقال لعائشة: «دونِك فانتصري» تفسير : خرجه مسلم في صحيحه بمعناه. وقيل: «صَبَر» عن المعاصي وستر على المساوىء. {إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} أي من عزائم الله التي أمر بها. وقيل من عزائم الصواب التي وفق لها. وذكر الكلبي والفراء أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع ثلاث آيات قبلها، وقد شتمه بعض الأنصار فردّ عليه ثم أمسك. وهي المدنيات من هذه السورة. وقيل: هذه الآيات في المشركين، وكان هذا في ابتداء الإسلام قبل الأمر بالقتال ثم نسختها آية القتال؛ وهو قول ٱبن زيد، وقد تقدّم. وفي تفسير ٱبن عباس «وَلَمَنِ ٱنْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ» يريد حمزة بن عبد المطلب وعبيدة وعليًّا وجميع المهاجرين رضوان الله عليهم. {فَأُوْلَـٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ} يريد حمزة بن عبد المطلب وعبيدة وعليًّا رضوان الله عليهم أجمعين. {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ} يريد عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأبا جهل والأسود، وكل من قاتل من المشركين يوم بدر. {وَيَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ} يريد بالظلم والكفر. {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} يريد وجيع. {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ} يريد أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح ومُصعب بن عُمير وجميع أهل بدر رضوان الله عليهم أجمعين. {إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} حيث قبلوا الفِداء وصبروا على الأذى.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْىُ } الظلم {هُمْ يَنتَصِرُونَ } صنف، أي ينتقمون ممن ظلمهم بمثل ظلمه، كما قال تعالى:
ابن عطية
تفسير : مدح الله تعالى في هذه الآية قوماً بالانتصار من البغي، ورجح ذلك قوم من العلماء وقالوا: الانتصار بالواجب تغيير منكر، ومن لم ينتصر مع إمكان الانتصار فقد ترك تغيير المنكر واختلف الناس في المراد بالآية بعد اتفاقهم على أن من بغي عليه وظلم فجائز له أن ينتصر بيد الحق وحاكم المسلمين، فقال مقاتل: الآية في المجروح ينتصف من الجارح بالقصاص. وقالت فرقة: إنها نزلت في بغي المشرك على المؤمن، فأباح الله لهم الانتصار منهم دون تعدٍّ، وجعل العفو والإصلاح مقروناً بأجر، ثم نسخ ذلك بآية السيف، وقالت هذه الفرقة وهي الجمهور؛ إن المؤمن إذا بغى على مؤمن وظلمه، فلا يجوز للآخر أن ينتصف منه بنفسه ويجازيه على ظلمه، مثال ذلك: أن يخون الإنسان آخر ثم يتمكن الإنسان من خيانته، فمذهب مالك رحمه الله أن لا يفعل، وهو مذهب جماعة عظيمة معه، ولم يروا هذه الآية من هذا المعنى، واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك". تفسير : وهذا القول أنزه وأقرب إلى الله تعالى. وقالت طائفة من أهل العلم: هذه الآية عامة في المشركين والمؤمنين، ومن بغي عليه وظلم فجائز له أن ينتصف لنفسه ويخون من خانه في المال حتى ينتصر منه، وقالوا إن الحديث: "حديث : ولا تخن من خانك"تفسير : ، إنما هو في رجل سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يزني بحرمة من زنا بحرمته؟ فقال له النبي عليه السلام: ذلك يريد به الزنا، وكذلك ورد الحديث في معنى الزنا، ذكر ذلك الرواة، أما أن عمومه ينسحب في كل شيء. وقوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة} قال الزجاج: سمى العقوبة باسم الذنب. قال القاضي أبو محمد: وهذا إذا أخذنا السيئة في حق الله تعالى بمعنى المعصية، وذلك أن المجازاة من الله تعالى ليست سيئة إلا بأن سميت باسم موجبتها، وأما إن أخذنا السيئة بمعنى المعصية في حق البشر، أي يسوء هذا هذا ويسوء الآخر، فلسنا نحتاج إلى أن نقول سمى العقوبة باسم الذنب، بل الفعل الأول والآخر {سيئة} وقال ابن أبي نجيح والسدي معنى الآية: أن الرجل إذا شتم بشتمة فله أن يردها بعينها دون أن يتعدى. قال الحسن بن أبي الحسن: ما لم يكن حداً أو عوراء جداً واللام في قوله: {لمن انتصر} لام التقاء القسم. وقوله: {من سبيل} يريد {من سبيل} حرج ولا سبيل حكم، وهذا إبلاغ في إباحة الانتصار، والخلاف فيه هل هو بين المؤمن والمشرك، أو بين المؤمنين على ما تقدم.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ} بغي المشركين عليهم في الدين انتصروا منهم بالسيف أو إذا بغى عليهم باغٍ كُرِه أن يُستذلوا لئلا يجترىء عليهم الفساق وإذا قدروا عفواً وإذا بغي عليهم تناصروا عليه وأزالوه.
السيوطي
تفسير : أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن إبراهيم النخعي - رضي الله عنه - في قوله: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} قال: كانوا يكرهون للمؤمنين أن يستذلوا، وكانوا إذا قدروا عَفَوْا. وأخرج عبد بن حميد، عن منصور قال: سألت إبراهيم عن قوله: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} قال: كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم، فيجترىء الفساق عليهم. وأخرج النسائي وابن ماجة وابن مردويه، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: دخلت عليّ زينب وعندي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبلت عليّ تسبني، فردعها النبي صلى الله عليه وسلم، فلم تنته، فقال لي: سبيها، فسببتها حتى جف ريقها في فمها، ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم متهلل سروراً. وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن علي بن زيد بن جدعان - رضي الله عنه - قال: لم أسمع في الأنصار مثل حديث حدثتني به أم ولد أبي محمد، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كنت في البيت، وعندنا زينب بنت جحش، فدخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم، فأقبلت عليه زينب، فقالت: ما كل واحدة منا عندك إلا على خلابة، ثم أقبلت عليّ تسبني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قولي لها كما تقول لك، فأقبلت عليها - وكنت أطول وأجود لساناً منها - فقامت. وأخرج ابن جرير، عن السدي رضي الله عنه {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} قال: ينتصرون ممن بغى عليهم من غير أن يعتدوا. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: {والذين إذا أصابهم البغي} قال: هذا محمد - صلى الله عليه وسلم - ظُلم وبغي عليه وكذب {هم ينتصرون} قال: ينتصر محمد صلى الله عليه وسلم بالسيف.
القشيري
تفسير : "البغيُ": الظلمُ، فيعلم أحدهم أن الظلمَ الذي أصابه هو من قِبَلِ نَفسِه، فينتصر على الظالم وهو نفسه؛ بأَنْ يكبحَ عنانها عن الركض في ميدان المخالفات.
اسماعيل حقي
تفسير : {والذين اذا اصابهم البغى هم ينتصرون} معطوف على ما قبله من الموصول والاصابة بالفارسية برسيدن. والبغى الظلم والتجاوز عن الحد والقصر المفهوم من تقديم هم اضافى والانتصار طلب النصرة وفى تاج المصادر دادستدن. والمعنى اذا وصل اليهم الظالم والتعدى من ظالم متعد ينتقمون ويقتصون ممن بغى عليهم على الوجه الذى جعله الله ورخصه لهم لا يتجاوزون ذلك الحد المعين وهو رعاية المماثلة واما غيرهم فليسوا كذلك فهذا هو معنى التخصيص هنا وبه ايضا تندفع المخالفة بين وصفين كل منهما على طريق القصر وهذا وصف لهم بالشجاعة بعد وصفهم بسائر امهات الفضائل من الدين والتيقظ والحلم والسخاء وذلك لان البغى انما يصيبهم من اهل الشوكة والغلبة واذا انتقموا منهم على الحد المشروع كراهة التذلل باجترآء الفساق عليهم وردعا للجانى على الجرآءة على الضعفاء فقد ثبت شجاعتهم وصلابتهم فى دين الله وكان النخعى رحمه الله اذا قرأ هذه الآية يقول كانوا يكرهون ان يذلوا انفسهم فتجترئ عليهم السفهاء قال الشاعر شعر : ولا يقيم على ضيم يراد به الا الاذلان غير الحى والوتد هذا على الخسف مربوط برمته وذا يشج فلا يرثى له احد تفسير : اى لا يصبر على ظلم يراد فى حقه الا الاذلان اللذان هما فى غاية الذل وهما الحمار المربوط على الذل بقطعة حبل بالية والوتد الذى يدق ويشق رأسه فلا يرحم له احد ولفظ البيت خبر والمعنى نهى عن الصبر على الظلم وتحذير وتنفير للسامعين عنه فان قلت لما كان عطف الذين استجابوا من عطف الخاص تضمن وصف المعطوف عليه وصف المعطوف قلت هذا الانتصار لا ينافى وصفهم بالغفران فان كلا منهما فضيلة محمودة فى موقع نفسه ورزيلة مذمومة فى موقع صاحبه فان الحلم عن العاجز وعورات الكرام محمود وعن المتغلب وهفوات اللئام مذموم فانه اغرآء على البغى وعليه قول من قال شعر : اذا انت اكرمت الكريم ملكته وان انت اكرمت اللئيم تمردا فوضع الندافى موضع السيف بالعلى مضر كوضع السيف فى موضع الندا تفسير : فالعفو على قسمين احدهما ان يصير العفو سببا لتسكين الفتنة ورجوع الجانى عن بغايته فايات العفو محمولة على هذا القسم فزال التناقض فمن اخذ حقه من ظالم غير عادلا مرالله فهو مطيع وقال ابن زيدو بعض المالكية جعل الله المؤمنين صنفين صنفا يعفون عن ظالميهم فبدأ بذكرهم فى قوله {أية : واذا ما غضبوا هم يغفرون} تفسير : وصنفا ينتصرون من ظالميهم وقال بعضهم الاول وصف الخواص وهذا وصف العوام (وقال الكاشفى) جون برسد ايشانرا ستمى از كافران ايشان از دشمنان خود انصاف بستانند بشمشير يعنى از ايشان انتقام كشند زيرا كه انتقام از كفار فرض است وجهاد كردن باايشان لازم. واشارت الآية الى ان الظالم مغلوب قال على كرم الله وجهه لا ظفر مع البغى شعر : هركه ازراه بغى خيرى جست ظفر ازراء اوعتان برتافت و رظفر يافت منفعت نكرفت بس جنانست آن ظفركه بتافت
الجنابذي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ} هم تأكيد للضّمير المنصوب، او مبتدء مثل هم يغفرون، ولمّا كان الانظلام مذموماً ومعدوداً من الرّذائل ذكرهم بوصف الانتصار يعنى انّ شأنهم الانتصار، وامّا العفو عن المسيء وترك الانتقام مع وجود قوّة المدافعة فى المظلوم فليس انظلاماً مذموماً بل هو عفو ممدوح، والانظلام ان لا يكون فى المظلوم قوّة ثوران الغضب عند الظّلم، ولمّا كان النّفس المنتصرة لا تقنع فى الانتصار بقدر الظّلم بل تطلب الزّيادة على الجناية قال تعالى: تأديباً لعباده {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}.
اطفيش
تفسير : {وَالَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ} أي الظلم من أي ظالم* {هُمْ يَنتَصِرُونَ} وقيل: المراد من المشركين وان الانتصار باللسان لانهم لم يؤمروا بالقتال حينئذ والصحيح ان الظلم من أي ظالم وان الانتصار باللسان أو بالفعل. قال ابن زيد: جعل الله المؤمنين صنفين صنفا يعفون عمن ظلمهم وصنفا ينتصرون. وقال ابراهيم النخعي: اذا قدروا عفوا والا كرهوا الذل لان فى عدم الانتصار اغراء المتغلب على الظلم فهم يعفون عن الضعيف وينتصرون من القوي الذي لم يذعن للحق. وقال عطاء: المراد المؤمنون الذين أخرجهم الكفار من مكة وبغوا عليهم ثم مكنهم الله فى الأرض حتى انتصروا. وقيل: المراد اذا أصاب بعضهم البغى انتصروا له تغييراً للمنكر وانما مدحهم للانتصار اما لان انتصارهم لأجل أن لا يهان بدين الله لانهم لأجله ظلموا واما لئلا يجترئ العاصي على المعاصي ويزيد واما بغضاً لعصيان الله ولان المظلوم أخوه المسلم أو لأنه انتصر بمثل ما ظلم ولم يزد كما قال.
اطفيش
تفسير : انتقاماً بالقدر الجائز فقط، لا يتجاوزون الحد كما يتجاوزه المشركون والمنافقون، فذلك وصف لهم بأنهم يغفرون، وأنهم يقتصرون على القدر الجائز اذا لم يغفروا، وكلتا الحالتين حسن، أو بأنهم يغفرون تارة، وينتصرون أخرى، أو بأنهم يغفرون فيما هو حق لهم، وينتظرون فيما لدين الله عز جل، أو ينتصرون من المصر القبيح، الذى لا يرعوى، فان الانتصار منه محمود، ولا سيما إذا كان العفو عنه ذلا للاسلام كما قيل: شعر : إذا أنت أكرمت الكريم ملكتـه إن أنت أكرمت اللئيم تمـردا فوضع الندى فى موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف فى موضع الندا تفسير : قال النابغة: شعر : ولا خير فى حلم إذا لم يكن له بوادر تحصى صفوه أن يكدرا ولا خير فى جهل إذا لم يكن له حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا تفسير : قال النخعى: كانوا يكرهون أن يجترىء عليهم الفساق فينتصرون منهم، والعفو عن السفيه اغراء له على السفه، وذل للعافى، وعن عطاء: الآية فى المؤمنين، أخرجهم الكفار من مكة، ثم مكنهم الله حتى انتصروا، والاعراب مثل ما مر فى قوله تعالى: " أية : وإذا ما غضبوا" تفسير : [الشورى: 37] إلخ، إلا أنه اذا جعلناهم توكيدا لهاء أصابهم لزم الفصل، ولا بأس.
الالوسي
تفسير : أي ينتقمون ممن بغى عليهم على ما جعله الله تعالى لهم ولا يعتدون. ومعنى الاختصاص أنهم الأخصاء بالانتصار وغيرهم يعدو ويتجاوز، ولا يراد أنهم ينتصرون ولا يغفرون ليتناقض هو والسابق، فكأنه وصفهم سبحانه بأنهم الأخصاء بالغفران لا يغول الغضب أحلامهم كما يغول في غيرهم وأنهم الأخصاء بالانتصار على ما جوز لهم إن كافؤا ولا يعتدون كغيرهم فهم محمودون في الحالتين بين حسن وأحسن مخصوصون بذلك من بين الناس. وقال غير واحد: إن كلاً من الوصفين في محل وهو فيه محمود فالعفو عن العاجز المعترف بجرمه محمود ولفظ المغفرة مشعر به والانتصار من المخاصم المصر محمود، ولفظ الانتصار مشعر به ولو أوقعا على عكس ذلك كانا مذمومين وعلى هذا جاء قوله:شعر : إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا فوضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى تفسير : وقد يحمد كل ويذم باعتبارات أخر فلا تناقض أيضاً سواء اتحد الموصوفان في الجملتين أو لا. وقال بعض المحققين: الأوجه أن لا يحمل الكلام على التخصيص بل على التقوى أي يفعلون المغفرة تارة والانتصار أخرى لا دائماً للتناقض وليس بذاك. وعن النخعي أنه كان إذا قرأ هذه الآية قال: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترىء عليهم الفساق. وفيه إيماء إلى أن الانتصار من المخاصم المصر وإلا فلا إذلال للنفس بالعفو عن العاجز المعترف. ثم إن جملة {هُمْ يَنتَصِرُونَ} من المبتدأ والخبر صلة الموصول و {إذا} ظرف {يَنتَصِرُونَ} وجوز كونها شرطية والجملة جواب الشرط وجملة الجواب والشرط هي الصلة. وتعقبه أبو حيان بما مر آنفاً، وجوز أيضاً كون {هُمْ} فاعلاً لمحذوف وهو كما سمعت في {أية : وَإِذَا مَا غَضِبُواْ} تفسير : [الشورى: 37] الخ، وقال الحوفي: يجوز جعل {هُمْ} توكيداً لضمير {أَصَابَهُمُ} وفيه الفصل بين المؤكد والمؤكد بالفاعل ولعله لا يمتنع، ومع هذا فالوجه في الإعراب ما أشرنا إليه أولاً.
ابن عاشور
تفسير : هذا موصول رابع وصلته خلق أراده الله للمسلمين، والحظ الأول منه للمؤمنين الذين كانوا بمكة قبل أن يهاجروا فإنهم أصابهم بغي المشركين بأصناف الأذى من شتم وتحقير ومصادرة الأموال وتعذيب الذوات فصبروا عليه. و{البغي}: الاعتداء على الحق، فمعنى إصابتِه إياهم أنه سُلّط عليهم، أي بغي غيرهم عليهم وهذه الآية مقدَّمة لقوله في سورة الحج [39، 40] { أية : أُذِن للذين يقاتَلون بأنهم ظُلموا وإنَّ الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق } تفسير : فإن سورة الحج نزلت بالمدينة. وإنما أثنى الله عليهم بأنهم ينتصرون لأنفسهم تنبيهاً على أن ذلك الانتصار ناشىء على ما أصابهم من البغي فكان كل من السبب والمسبب موجِب الثناء لأن الانتصار محمدة دينية إذ هو لدفع البغي اللاحق بهم لأجل أنهم مؤمنون، فالانتصار لأنفسهم رادع للباغين عن التوغل في البغي على أمثالهم، وذلك الردع عون على انتشار الإسلام، إذ يقطع ما شأنه أن يخالج نفوس الراغبين في الإسلام من هَوَاجِس خوفهم من أن يُبغى عليهم. وبهذا تعلم أن ليس بين قوله هنا {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} وبين قوله آنفاً { أية : وإذا ما غضِبوا هم يغفرون } تفسير : [الشورى: 37] تعارضٌ لاختلاف المقامين كما علمت آنفاً. وعن إبراهيم النَّخعي: كان المؤمنون يكرهون أن يُستذلّوا وكانوا إذا قدَروا عفَوا. وأدخل ضمير الفصل بقوله: {هم ينتصرون} الذي فصل بين الموصول وبين خبره لإفادة تقوّي الخبر، أي لا ينبغي أن يترددوا في الانتصار لأنفسهم. وأوثر الخبر الفعلي هنا دون أن يقال: منتصرون، لإفادة معنى تجدد الانتصار كلما أصابهم البغي. وأما مجيء الفعل مضارعاً فلأن المضارع هو الذي يجيء معه ضمير الفصل.
د. أسعد حومد
تفسير : (39) - وَهُمُ الذِينَ إِذَا اعْتَدَى عَلَيْهِمْ مُعْتَدٍ بَاغٍ يَنْتَصِرُونَ مِنْهُ، وَيَنْتَصِفُونَ لأَِنْفُسِهِمْ، وَلاَ يَسْتَكِينُونَ وَلاَ يَخْضَعُونَ، فَهُمْ كِرَامٌ أَعِزَّةٌ أُبَاةٌ، وَلَيْسُوا بِأَذِلاَّء وَلاَ ضُعَفَاء، وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى رَدِّ الظُّلْمِ والعُدْوَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ إِذَا قَدرُوا صَفَحُوا وَعَفَوْا. أَصَابَهُم البَغْيُ - نَالَهُمُ الظُّلْمُ والعُدْوَانُ. يَنْتَصِرُونَ - يَنْتَقِمُونَ مِمَّنْ ظَلَمَهُمْ وَلاَ يَعْتَدُونَ عَلَى النَّاسِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : معنى {إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْيُ} [الشورى: 39] لحقهم ظلم واعتداء والبغي: مجاوزة الحد في الظلم {هُمْ يَنتَصِرُونَ} [الشورى: 39] أي: ينتقمون من الظالم بنفس القدر دون زيادة، وهذه الآية تُقرِّر حكماً لله عز وجل هو جواز الانتقام من الظالم، لكن لا تنتهي المسألة عند هذا الحكم، إنما يُتبِعه الحق سبحانه بحكم آخر لتكتمل الصورة، فيقول تعالى في الآية بعدها: {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن انتصار ذوي الأبصار بقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْيُ} [الشورى: 39] يشير إلى أرباب القلوب الذين أصابهم الظلم من قبل أنفسهم، {هُمْ يَنتَصِرُونَ} [الشورى: 39] من الظالم، وهو نفسهم بكبح عنانها عن الركض في ميدان المخالفة، {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ} [الشورى: 40] صدرت من النفس من قبل الحرص والشهوة، أو الغضب، أو البخل، أو الجبن، أو الحسد، أو الكبر والغل {سَيِّئَةٌ} [الشورى: 40] تصدر من القلب {مِّثْلُهَا} [الشورى: 40]؛ أي: مثل ما يصادف علاجها؛ أي: بصد تلك الأوصاف فإن العلاج بأضدادها، ولا يجاوز عن حد المعالجة في رياضة النفس وجهادها، فإن لنفسك عليك حقاً، {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ} [الشورى: 40]؛ أي: عفا عن المبالغة في رياضة النفس وجهادها بعد أن تصلح النفس بعلاج أضداد أوصافها، {فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ} [الشورى: 40] بأن يتصف بصفاته فإن من صفاته العفو، وهو عفو يحب العفو فيكن العبد العفو محبوباً لله تعالى، {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ} [الشورى: 40] الذين يضعون شدة الرياضة على النفس موضع العفو، {وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ} [الشورى: 41] من القلوب على النفوس {بَعْدَ ظُلْمِهِ} [الشورى: 41]؛ أي: بعد أن ظلم النفس عليه، {فَأُوْلَـٰئِكَ} [الشورى: 41]؛ يعني: النفوس {مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ} [الشورى: 41]؛ يعني: من القلوب على النفوس المرتاضة المطمئنة بذكر الله، {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ} [الشورى: 42] للقلوب على النفوس، {ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ} [الشورى: 42]؛ أي: القلوب {وَيَبْغُونَ} [الشورى: 42] ويظلمون {فِي ٱلأَرْضِ} [الشورى: 42] أرض القلوب {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} [الشورى: 42] أي: أتوا بغير المأذون لهم من الأفعال الخبيثة والأوصاف الذميمة، {أُوْلَـٰئِكَ} [الشورى: 42]؛ أي: النفوس {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى: 42] هي الرياضات الشديدة الأليمة على خلاف هواها، {وَلَمَن صَبَرَ} [الشورى: 43] على الرياضة {وَغَفَرَ} [الشورى: 43]؛ أي: لمن غفر من القلوب؛ أي: عفا عن النفوس المرتاضة {إِنَّ ذَلِكَ} [الشورى: 43]؛ أي: ذلك الصبر والمغفرة {لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} [الشورى: 43]؛ يعني: الأمور المحمودة عند الله، {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ} [الشورى: 44] من النفوس الأمارة بالسوء {فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ} [الشورى: 44] من القلوب والأرواح بأن يخرجه من الأمارية، {مِّن بَعْدِهِ} [الشورى: 44]؛ أي: من بعد الله فله أن يخرجه من الصفة الأمارية كما قال: {أية : إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ} تفسير : [يوسف: 53]؛ أي: إلا ما يخرجها برحمته عن الصفة الأمارية ولهذا المعنى قال: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}تفسير : [البقرة: 257]، {وَتَرَى ٱلظَّالِمِينَ} [الشورى: 44] من النفوس التي لم تقبل الصلاح بالعلاج في الدنيا، {لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ} [الشورى: 44] يوم القيامة {يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ} [الشورى: 44]؛ لنقبل الصلاح بعلاج الرياضات الشرعية والمجاهدات الطريفة.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 866 : 2 : 6 - عن سفين عن منصور عن إبراهيم في قوله {وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ} قال، كانوا يكرهون ان يستذلوا. [الآية 39].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):