Verse. 4312 (AR)

٤٢ - ٱلشُّورىٰ

42 - Ash-Shura (AR)

وَجَزٰۗؤُا سَيِّئَۃٍ سَيِّئَۃٌ مِّثْلُہَا۝۰ۚ فَمَنْ عَفَا وَاَصْلَحَ فَاَجْرُہٗ عَلَي اؘ۝۰ۭ اِنَّہٗ لَا يُحِبُّ الظّٰلِـمِيْنَ۝۴۰
Wajazao sayyiatin sayyiatun mithluha faman AAafa waaslaha faajruhu AAala Allahi innahu la yuhibbu alththalimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وجزاءُ سيئة سيئة مثلها» سميت الثانية سيئة لمشابهتها للأولى في الصورة، وهذا ظاهر فيما يقتص فيه من الجراحات، قال بعضهم: وإذا قال له أخزاك الله، فيجيبه أخزاك الله «فمن عفا» عن ظالمه «وأصلح» الود بينه وبين المعفو عنه «فأجره على الله» أي إن الله يأجره لا محالة «إنه لا يحب الظالمين» أي البادئين بالظلم فيترتب عليهم عقابه.

40

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما قال: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ } تفسير : [الشورى: 39] أردفه بما يدل على أن ذلك الانتصار يجب أن يكون مقيداً بالمثل فإن النقصان حيف والزيادة ظلم والتساوي هو العدل وبه قامت السمٰوات والأرض، فلهذا السبب قال: {وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيئَةٌ مِثْلُهَا } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: لقائل أن يقول جزاء السيئة مشروع مأذون فيه، فكيف سمي بالسيئة؟ أجاب صاحب «الكشاف»: عنه كلتا الفعلتين الأولى وجزاؤها سيئة لأنها تسوء من تنزل به، قال تعالى: {أية : وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ } تفسير : [النساء: 78] يريد ما يسوءهم من المصائب والبلايا، وأجاب غيره بأنه لما جعل أحدهما في مقابلة الآخر على سبيل المجاز أطلق اسم أحدهما على الآخر، والحق ما ذكره صاحب «الكشاف». المسألة الثانية: هذه الآية أصل كبير في علم الفقه فإن مقتضاها أن تقابل كل جناية بمثلها وذلك لأن الإهدار يوجب فتح باب الشر والعدوان، لأن في طبع كل أحد الظلم والبغي والعدوان، فإذا لم يزجر عنه أقدم عليه ولم يتركه، وأما الزيادة على قدر الذنب فهو ظلم والشرع منزّه عنه فلم يبق إلا أن يقابل بالمثل، ثم تأكد هذا النص بنصوص أُخر، كقوله تعالى: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } تفسير : [النحل: 126] وقوله تعالى: {أية : مَنْ عَمِـلَ سَـيّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا } تفسير : [غافر: 40] وقوله عزّ وجلّ: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى } تفسير : [البقرة: 178] والقصاص عبارة عن المساواة والمماثلة وقوله تعالى: { أية : وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ } تفسير : [المائدة: 45] وقوله تعالى: { أية : وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ } تفسير : [البقرة: 179] فهذه النصوص بأسرها تقتضي مقابلة الشيء بمثله. ثم هٰهنا دقيقة: وهي أنه إذا لم يمكن استيفاء الحق إلا باستيفاء الزيادة فههنا وقع التعارض بين إلحاق زيادة الضرر بالجاني وبين منع المجني عليه من استيفاء حقه، فأيهما أولى؟ فههنا محل اجتهاد المجتهدين، ويختلف ذلك باختلاف الصور، وتفرع على هذا الأصل بعض المسائل تنبيهاً على الباقي. المثال الأول: احتج الشافعي رضي الله عنه على أن المسلم لا يقتل بالذمي وأن الحر لا يقتل بالعبد، بأن قال المماثلة شرط لجريان اللقصاص وهي مفقودة في هاتين المسألتين، فوجب أن لا يجري القصاص بينهما، أما بيان أن المماثلة شرط لجريان القصاص فهي النصوص المذكورة، وكيفية الاستدلال بها أن نقول إما أن نحمل المماثلة المذكورة في هذه النصوص على المماثلة في كل الأمور إلا ما خصّه الدليل أو نحملها على المماثلة في أمر معين، والثاني مرجوح لأن ذلك الأمر المعين غير مذكور الآية، فلو حملنا الآية عليها لزم الإجمال، ولو حملنا النص على القسم الأول لزم تحمل التخصيص، ومعلوم أن دفع الإجمال أولى من دفع التخصيص، فثبت أن الآية تقتضي رعاية المماثلة في كل الأمور إلا ما خصّه دليل العقل ودليل نقلي منفصل، وإذا ثبت هذا فنقول رعاية المماثلة في قتل المسلم بالذمي، وقي قتل الحر بالعبد لا تمكن لأن الإسلام اعتبره الشرع في إيجاب القتل، لتحصيله عند عدمه كما في حق الكافر الأصلي، ولإبقائه عند وجوده كما في حق المرتد وأيضاً الحرية صفة اعتبرها الشرع في حق القضاء والإمامة والشهادة، فثبت أن المماثلة شرط لجريان القصاص وهي مفقودة ههنا فوجب المنع من القصاص. المثال الثاني: احتج الشافعي رضي الله عنه في أن الأيدي تقطع باليد الواحدة، فقال لا شك أنه إذا صدر كل القطع أو بعضه عن كل أولئك القاطعين أو عن بعضهم فوجب أن يشرع في حق أولئك القاطعين مثله لهذه النصوص وكل من قال يشرع القطع إما كله أو بعضه في حق كلهم أو بعضهم قال بإيجابه على الكل، بقي أن يقال فيلزم منه استيفاء الزيادة من الجاني وهو ممنوع منه إلا أنا نقول لما وقع التعارض بين جانب الجاني وبين جانب المجني عليه كان جانب المجني عليه بالرعاية أولى. المثال الثالث: شريك الأب شرع في حقه القصاص، والدليل عليه أنه صدر عنه الجرح فوجب أن يقابل بمثله لقوله تعالى: { أية : وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ } تفسير : [المائدة: 45] وإذا ثبت هذا ثبت تمام القصاص لأنه لا قائل بالفرق. المثال الرابع: قال الشافعي رضي الله تعالى عنه من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه والدليل عليه هذه النصوص الدالة على مقابلة كل شيء بمماثله. المثال الخامس: شهود القصاص إذا رجعوا وقالوا تعمدنا الكذب يلزمهم القصاص لأنهم بتلك الشهادة أهدروا دمه، فوجب أن يصير دمهم مهدراً لقوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا }. المثال السادس: قال الشافعي رضي الله عنه المكره يجب عليه القود لأنه صدر عنه القتل ظلماً فوجب أن يجب عليه مثله، أما أنه صدر عنه القتل فالحس يدل عليه وأما أنه قتل ظلماً فلأن المسلمين أجمعوا على أنه مكلف من قبل الله تعالى بأن لا يقتل وأجمعوا على أنه يستحق به الإثم العظيم والعقاب الشديد، وإذا ثبت هذا فوجب أن يقابل بمثله لقوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا }. المثال السابع: قال الشافعي رضي الله عنه القتل بالمثقل يوجب القود، والدليل عليه أن الجاني أبطل حياته فوجب أن يتمكن ولي المقتول من إبطال حياة القاتل لقوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا }. المثال الثامن: الحر لا يقتل بالعبد قصاصاً ونحن وإن ذكرنا هذه المسألة في المثال الأول إلا أنا نذكر ههنا وجهاً آخر من البيان، فنقول إن القاتل أتلف على مالك العبد شيئاً يساوي عشرة دنانير مثلاً فوجب عليه أداء عشرة دنانير لقوله تعالى: {وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } وإذا وجب الضمان وجب أن لا يجب القصاص لأنه لا قائل بالفرق. المثال التاسع: منافع الغصب مضمونة عند الشافعي رضي الله عنه والدليل عليه أن الغاصب فوت على المالك منافع تقابل في العرف بدينار فوجب أن يفوت على الغاصب مثله من المال لقوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مِّثْلُهَا } وكل من أوجب تفويت هذا القدر على الغاصب قال بأنه يجب أداؤه إلى المغصوب منه. المثال العاشر: الحر لا يقتل بالعبد قصاصاً لأنه لو قتل بالعبد هو مساوياً للعبد في المعاني الموجبة للقصاص لقوله { أية : مَنْ عَمِـلَ سَـيّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا } تفسير : [غافر: 40] ولسائر النصوص التي تلوناها ثم إن عبده يقتل قصاصاً بعبد نفسه فيجب أن يكون عبد غيره مساوياً لعبد نفسه في المعاني الموجبة للقصاص لعين هذه النصوص التي ذكرناها، فعلى هذا التقدير يكون عبد نفسه مساوياً لعبد غيره في المعاني الموجبة للقصاص، فكان عبد نفسه مثلاً لمثل نفسه، ومثل المثل مثل فوجب كون عبد نفسه مثلاً لنفسه في المعاني الموجبة للقصاص، ولو قتل الحر بعبد غيره لقتل بعبد نفسه بالبيان الذي ذكرناه ولا يقتل بعبد نفسه فوجب أن لا يقتل بعبد غيره، فقد ذكرنا هذه الأمثلة العشرة في التفريع على هذه الآية، ومن أخذت الفطانة بيده سهل عليه تفريع كثير من مسائل الشريعة على هذا الأصل والله أعلم، ثم ههنا بحث وهو أن أبا حنيفة رضي الله عنه قال في قطع الأيدي لا شك أنه صدر كل القطع أو بعضه عن كلهم أو عن بعضهم إلا أنه لا يمكن استيفاء ذلك الحق إلا باستيفاء الزيادة لأن تفويت عشرة من الأيدي أزيد من تفويت يد واحدة، فوجب أن يبقى على أصل الحرمة، فقال الشافعي رضي الله عنه لو كان تفويت عشرة من الأيدي في مقابلة يد واحدة حراماً لكان تفويت عشرة من النفوس في مقابلة نفس واحدة حراماً، لأن تفويت النفس يشتمل على تفويت اليد فتفويت عشرة من النفوس في مقابلة النفس الواحدة يوجب تفويت عشرة من الأيدي في مقابلة اليد الواحدة فلو كان تفويت عشرة من الأيدي في مقابلة اليد الواحدة حراماً لكان تفويت عشرة من النفوس لأجل النفس الواحدة مشتملاً على الحرام وكل ما اشتمل على الحرام فهو حرام فكان يجب أن يحرم قتل النفوس العشرة في مقابلة النفس الواحدة، وحيث أجمعنا على أنه لا يحرم علمنا أن ما ذكرتم من استيفاء الزيادة غير ممنوع منه شرعاً، والله أعلم. المسألة الثالثة: قد بينا أن قوله {وَجَزَاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } يتقضي وجوب رعاية المماثلة مطلقاً في كل الأحوال إلا فيما خصه الدليل، والفقهاء أدخلوا التخصيص فيه في صور كثيرة فتارة بناء على نص آخر أخس منه وأخرى بناء على القياس، ولا شك أن من ادعى التخصيص فعليه البيان والمكلف يكفيه أن يتمسك بهذا النص في جميع المطالب، قال مجاهد والسدي إذا قال له أخزاه الله، فليقل له أخزاه الله، أما إذا قذفه قذفاً يوجب الحد فليس له ذلك بل الحد الذي أمر الله به. ثم قال تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ } بينه وبين خصمه بالعفو والإغضاء كما قال تعالى: { أية : فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ } تفسير : [فصلت: 34] (، {فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ } وهو وعد مبهم لا يقاس أمره في التعظيم. ثم قال تعالى: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ } وفيه قولان الأول: أن المقصود منه التنبيه على أن المجني عليه لا يجوز له استيفاء الزيادة من الظالم لأن الظالم فيما وراء ظلمه معصوم والانتصار لا يكاد يؤمن فيه تجاوز التسوية والتعدي خصوصاً في حال الحرب والتهاب الحمية، فربما صار المظلوم عند الإقدام على استيفاء القصاص ظالماً، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان له على الله أجر فليقم، قال فيقوم خلق فيقال لهم ما أجركم على الله؟ فيقولون نحن الذين عفونا عمن ظلمنا، فيقال لهم ادخلوا الجنة بإذن الله تعالى » تفسير : الثاني: أنه تعالى لما حثّ على العفو عن الظالم أخبر أنه مع ذلك لا يحبه تنبيهاً على أنه إذ كان لا يحبه ومع ذلك فإنه يندب إلى عفوه، فالمؤمن الذي هو حبيب الله بسبب إيمانه أولى أن يعفو عنه. ثم قال تعالى: {وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ } أي ظالم الظالم إياه، وهذا من باب إضافة المصدر إلى المفعول {فَأُوْلَـئِكَ } يعني المنتصرين {مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ } كعقوبة ومؤاخذة لأنهم أتوا بما أبيح لهم من الانتصار واحتج الشافعي رضي الله تعالى عنه بهذه الآية في بيان أن سراية القود مهدرة، فقال الشرع إما أن يقال إنه أذن له في القطع مطلقاً أو بشرط عدم السريان، وهذا الثاني باطل لأن الأصل في القطع الحرمة، فإذا كان تجويزه معلقاً بشرط أن لا يحصل منه السريان، وكان هذا الشرط مجهولاً وجب أن يبقى ذلك القطع على أصل الحرمة، لأن الأصل فيها هو الحرمة، والحل إنما يحصل معلقاً على شرط مجهول فوجب أن يبقى ذلك أصل الحرمة، وحيث لم يكن كذلك علمنا أن الشرع أذن له في القطع كيف كان سواء سرى أو لم يسر، وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون ذلك السريان مضموناً لأنه قد انتصر من بعد ظلمه فوجب أن لا يحصل لأحد عليه سبيل. ثم قال: {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ } أي يبدأون بالظلم {وَيَبْغُونَ فِى ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }. ثم قال تعالى: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } والمعنى {ولمن صبر} بأن لا يقتص {وغفر} وتجاوز {فإن ذلك} الصبر والتجاوز {لمن عزم الامور} يعني أن عزمه على ترك الانتصار لمن عزم الأمور الجيدة وحذف الراجع لأنه مفهوم كما حذف من قولهم السمن منوان بدرهم ويحكى أن رجلاً سب رجلاً في مجلس الحسن فكان المسبوب يكظم ويعرق فيمسح العرق ثم قام وتلا هذه الآية، فقال الحسن عقلها والله وفهمها لما ضيعها الجاهلون. ثم قال تعالى: {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيّ مّن بَعْدِهِ } أي فليس له من ناصر يتولاه من بعد خذلانه أي من بعد إضلال الله أياه، وهذا صريح في جواز الإضلال من الله تعالى، وفي أن الهداية ليست في مقدور أحد سوى الله تعالى، قال القاضي المراد من يضلل الله عن الجنة فما له من ولي من بعده ينصره والجواب: أن تقييد الإضلال بهذه الصورة المعينة خلاف الدليل، وأيضاً فالله تعالى ما أضله عن الجنّة على قولكم بل هوأضل نفسه عن الجنة. ثم قال تعالى: {وَتَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدّ مّن سَبِيلٍ } والمراد أنهم يطلبون الرجوع إلى الدنيا لعظم ما يشاهدون من العذاب، ثم ذكر حالهم عند عرض النار عليهم فقال: {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَـٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلّ } أي حال كونهم خاشعين حقيرين مهانين بسبب ما لحقهم من الذل، ثم قال: {يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيّ } أي يبتدىء نظرهم من تحريك لأجفانهم ضعيف خفي بمسارقة كما ترى الذي يتيقن أن يقتل فإنه ينظر إلى السيف كأنه لا يقدر على أن يفتح أجفانه عليه ويملأ عينيه منه كما يفعل في نظره إلى المحبوبات، فإن قيل أليس أنه تعالى قال في صفة الكفار إنهم يحشرون عمياً فكيف قال ههنا إنهم ينظرون من طرف خفي؟ قلنا لعلّهم يكونون في الابتداء هكذا، ثم يجعلون عمياً أو لعلّ هذا في قوم، وذلك في قوم آخرين، ولما وصف الله تعالى حال الكفار حكى ما يقوله المؤمنون فيهم فقال: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } قال صاحب «الكشاف»: {يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ } إما أن يتعلق بخسروا أو يكون قول المؤمنين واقعاً في الدنيا،وإما أن يتعلق بقال أي يقولون يوم القيامة إذا رأوهم على تلك الصفة. ثم قال: {أَلاَ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِى عَذَابٍ مُّقِيمٍ } أي دائم قال القاضي، وهذا يدل على أن الكافر والفاسق يدوم عذابهما والجواب: أن لفظ الظالم المطلق في القرآن مخصوص بالكفر قال تعالى: { أية : وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } تفسير : [البقرة: 254] والذي يؤكد هذا أنه تعالى قال بعده هذه الآية {وَمَا كَانَ لَهُم مّنْ أَوْلِيَاء يَنصُرُونَهُم مّن ٱللَّهِ } والمعنى أن الأصنام التي كانوا يعبدونها لأجل أن تشفع لهم عند الله تعالى ما أتوا بتلك الشفاعة ومعلوم أن هذا لا يليق إلا بالكفار ثم قال: {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ } وذلك يدل على أن المضل والهادي هو الله تعالى على ما هو قولنا ومذهبنا، والله أعلم.

ابن كثير

تفسير : قوله تبارك وتعالى: {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} كقوله تعالى: {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} تفسير : [البقرة: 194] وكقوله: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} تفسير : [النحل:126] الآية، فشرع العدل، وهو القصاص، وندب إلى الفضل، وهو العفو؛ كقوله جل وعلا: {أية : وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ}تفسير : [المائدة: 45] ولهذا قال ههنا: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ} أي: لا يضيع ذلك عند الله؛ كما صح ذلك في الحديث: «حديث : وما زاد الله تعالى عبداً بعفو إلا عزاً» تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي: المعتدين، وهو المبتدىء بالسيئة. ثم قال جل وعلا: { وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ} أي: ليس عليهم جناح في الانتصار ممن ظلمهم. قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا معاذ بن معاذ، حدثنا ابن عون قال: كنت أسأل عن الانتصار في قوله تعالى: { وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ} فحدثني علي بن زيد ابن جدعان عن أم محمد امرأة أبيه، قال ابن عون: زعموا أنها كانت تدخل على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت: قالت أم المؤمنين رضي الله عنها: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندنا زينب بنت جحش رضي الله عنها، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصنع بيده شيئاً، فلم يفطن لها، فقلت بيده حتى فطنته لها، فأمسك، وأقبلت زينب رضي الله عنها تقحم لعائشة رضي الله عنها، فنهاها، فأبت أن تنتهي، فقال لعائشة رضي الله عنها: «حديث : سبيها» تفسير : فسبتها، فغلبتها، وانطلقت زينب رضي الله عنها، فأتت علياً رضي الله عنه، فقالت: إن عائشة تقع بكم، وتفعل بكم، فجاءت فاطمة رضي الله عنها، فقال صلى الله عليه وسلم لها: «حديث : إنها حبة أبيك ورب الكعبة» تفسير : فانصرفت، وقالت لعلي رضي الله عنه: إني قلت له صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، فقال لي كذا وكذا، قال: وجاء علي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكلمه في ذلك، هكذا أورد هذا السياق، وعلي بن زيد ابن جدعان، يأتي في رواياته بالمنكرات غالباً، وهذا فيه نكارة، والصحيح خلاف هذا السياق، كما رواه النسائي وابن ماجه من حديث خالد بن سلمة الفأفاء، عن عبد الله البهي عن عروة، قال: قالت عائشة رضي الله عنها: ما علمت حتى دخلت علي زينب بغير إذن، وهي غضبى، ثم قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم حسبك إذا قلبت لك ابنة أبي بكر درعها، ثم أقبلت علي، فأعرضت عنها، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : دونك فانتصري» تفسير : فأقبلت عليها حتى رأيت ريقها قد يبس في فمها، ما ترد علي شيئاً، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتهلل وجهه، وهذا لفظ النسائي. وقال البزار: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أبو غسان، حدثنا أبو الأحوص عن أبي حمزة عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من دعا على من ظلمه، فقد انتصر» تفسير : ورواه الترمذي من حديث أبي الأحوص عن أبي حمزة، واسمه ميمون، ثم قال: لا نعرفه إلا من حديثه، وقد تكلم فيه من قبل حفظه. وقوله عز وجل: {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ} أي: إنما الحرج والعنت {عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} أي: يبدؤون الناس بالظلم؛ كما جاء في الحديث الصحيح: «حديث : المستبان ما قالا فعلى البادىء، ما لم يعتد المظلوم» تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: شديد موجع. قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد، حدثنا عثمان الشحام، حدثنا محمد بن واسع قال: قدمت مكة، فإذا على الخندق منظرة، فأخذت حاجتي، فانطلق بي إلى مروان بن المهلب، وهو أمير على البصرة، فقال: ما حاجتك يا أبا عبد الله؟ قلت: حاجتي إن استطعت أن تكون كما كان أخو بني عدي، قال: ومن أخو بني عدي؟ قال: العلاء بن زياد، استعمل صديقاً له مرة على عمل، فكتب إليه: أما بعد، فإن استطعت أن لا تبيت إلا وظهرك خفيف، وبطنك خميص، وكفك نقية من دماء المسلمين وأموالهم، فإنك إذا فعلت ذلك، لم يكن عليك سبيل {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فقال مروان: صدق والله ونصح، ثم قال: ما حاجتك يا أبا عبد الله؟ قلت: حاجتي أن تلحقني بأهلي، قال: نعم، رواه ابن أبي حاتم. ثم إن الله تعالى، لما ذم الظلم وأهله، وشرع القصاص، قال نادباً إلى العفو والصفح: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ}، أي: صبر على الأذى، وستر السيئة، {إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} قال سعيد بن جبير: يعني: لمن حق الأمور التي أمر الله بها، أي: لمن الأمور المشكورة، والأفعال الحميدة التي عليها ثواب جزيل، وثناء جميل. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمران بن موسى الطرسوسي، حدثنا عبد الصمد بن يزيد خادم الفضيل بن عياض قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: إذا أتاك رجل يشكو إليك رجلاً، فقل: ياأخي اعف عنه؛ فإن العفو أقرب للتقوى، فإن قال: لا يحتمل قلبي العفو، ولكن أنتصر كما أمرني الله عز وجل، فقل له: إن كنت تحسن أن تنتصر، وإلا فارجع إلى باب العفو، فإنه باب واسع، فإنه من عفا وأصلح، فأجره على الله، وصاحب العفو ينام على فراشه بالليل، وصاحب الانتصار يقلب الأمور. وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، يعني: ابن سعيد القطان، عن ابن عجلان، حدثنا سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رجلاً شتم أبا بكر رضي الله عنه، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعجب ويتبسم، فلما أكثر، رد عليه بعض قوله، فغضب النبي وقام، فلحقه أبو بكر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله إنه كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله، غضبت وقمت؟ قال: «حديث : إنه كان معك ملك يرد عنك، فلما رددت عليه بعض قوله، حضر الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان ــــ ثم قال ــــ يا أبا بكر؛ ثلاث كلهن حق: ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله، إلا أعزه الله تعالى بها ونصره، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة، إلا زاده الله بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة، إلا زاده الله عز وجل بها قلة» تفسير : وكذا رواه أبو داود عن عبد الأعلى بن حماد عن سفيان بن عيينة قال، ورواه صفوان بن عيسى كلاهما عن محمد بن عجلان، ورواه من طريق الليث عن سعيد المقبري عن بشير بن المحرر عن سعيد بن المسيب مرسلاً، وهذا الحديث في غاية الحسن في المعنى، وهو مناسب للصديق رضي الله عنه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مّثْلُهَا } سميت الثانية سيئة لمشابهتها للأولى في الصورة، وهذا ظاهر فيما يقتصّ فيه من الجراحات، قال بعضهم: وإذا قال له أخزاك الله، فيجيبه: أخزاك الله {فَمَنْ عَفَا } عن ظالمه {وَأَصْلَحَ } الودّ بينه وبين المعفوّ عنه {فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ } أي إن الله يأجره لا محالة {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْظَّٰلِمِينَ } أي البادئين بالظلم فيرتب عليهم عقابه.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} فيه قولان: أحدهما: أنه محمول على الجراح التي تتمثل في القصاص دون غيرها من سب أو شتم، قاله الشافعي، وأبو حنيفة، وسفيان. الثاني: أنه محمول على مقابلة الجراح، وإذا قال أخزاه الله أو لعنه الله أن يقول مثله، ولا يقابل القذف بقذف ولا الكذب بكذب، قاله ابن أبي نجيح والسدي. وسمي الجزاء سيئة لأنه في مقابلتها وأنها عند المعاقب بها سواء. {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} فأذن في الجزاء وندب إلى العفو. وفي قوله: {وأَصْلَحَ} وجهان: أحدهما: أصلح العمل، قاله سعيد بن جبير. الثاني: أصلح بينه وبين أخيه، قاله ابن زياد، وهذا مندوب إليه في العفو عن التائب دون المصرّ. روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ. مَن كَانَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ فَلْيَدْخُلِ الجَنَّةَ، فَيُقَالُ مَن ذَا الَّذي أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ فَيَقُولُونَ العَافُونَ عَنِ النَّاسِ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيرِ حِسَابٍ ". تفسير : {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظّالِمِينَ} فيه وجهان: أحدهما: الظالمين في الابتداء، قاله سعيد بن جبير. الثاني: المعتدي في الجزاء، قاله ابن عيسى. قوله عز وجل: {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ} أي استوفى حقه بنفسه. {فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ} وهذا ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون قصاصاً في بدن يستحقه آدمي فلا حرج عليه فيه إذا استوفاه من غير عدوان، وثبت حقه عند الحكام، لكن يزجره الإمام في تفرده بالقصاص لما فيه من الجرأة على سفك الدماء، وإن كان حقه غير ثابت عند الحكام فليس عليه فيما بينه وبين الله حرج وهو في الظاهر مطالب وبفعله مؤاخذ. والقسم الثاني: أن يكون حداً لله لا حق فيه لآدمي كحد الزني وقطع السرقة. فإن لم يثبت ذلك عند حاكم أخذ به وعوقب عليه، وإن ثبت عند حاكم نظر فإن كان قطعاً في سرقة سقط به الحد لزوال العضو المستحق قطعه، ولم يجب عليه في ذلك حق إلا التعزير أدباً، وإن كان جلداً لم يسقط به الحد لتعديه به مع بقاء محله وكان مأخوذاً بحكمه. القسم الثالث: أن يكون حقاً في مال فيجوز لصاحبه أن يغالب على حقه حتى يصل إليه إن كان من هو عليه عالماً به، وإن كان غير عالم نظر، فإن أمكنه الوصول إليه عند المطالبة لم يكن له الاستسرار بأخذه، وإن كان لا يصل إليه بالمطالبة لجحود من هو عليه مع عدم بينة تشهد به ففي جواز الاستسرار بأخذه مذهبان: أحدهما: جوازه، وهو قول مالك، والشافعي. الثاني: المنع، قاله أبو حنيفة. قوله عز وجل: {إِنَّما السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ} فيه قولان: أحدهما: يظلمون الناس بعدوانهم عليهم وهو قول كثير منهم. الثاني: يظلمونهم بالشرك المخالف لدينهم، قاله ابن جريج. {وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه بغيهم في النفوس والأموال، وهو قول الأكثرين. الثاني: عملهم بالمعاصي، قاله مقاتل. الثالث: هو ما يرجوه كفار قريش أن يكون بمكة غير الإسلام ديناً، قاله أبو مالك. قوله عز وجل: {وَلَمِنَ صَبَرَ وَغَفَرَ} يحتمل وجهين: أحدهما: صبر على الأذى وغفر للمؤذي. الثاني: صبر عن المعاصي وستر المساوىء. ويحتمل قوله: {إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} وجهين: أحدهما: لمن عزائم الله التي أمر بها. الثاني: لمن عزائم الصواب التي وفق لها. وذكر الكلبي والفراء أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع ثلاث آيات قبلها وقد شتمه بعض الأنصار فرد عليه ثم أمسك، وهي المدنيات من هذه السورة.

ابن عبد السلام

تفسير : {سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} يريد به القصاص في الجراح المتماثلة، أو في الجراح وإذا قال أخزاه الله أو لعنه قابله بمثله ولا يقابل القذف بقذف ولا الكذب بالكذب {وَأَصْلَحَ} العمل، أو بينه وبين أخيه {فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} ندب إلى العفو {الظَّالِمِينَ} بالابتداء، أو بالتعدي في الاستيفاء.

الخازن

تفسير : {وجزاء سيئة سيئة مثلها} سمي الجزاء سيئة وإن لم يكن سيئة لتشابههما في الصورة وقيل لأن الجزاء يسوء من ينزل به، وقيل هو جزاء القبيح إذا قال أخزاك الله فقل له أخزاك الله ولا تزد وإذا شتمك فاشتمه بمثلها ولا تعتدوا وقيل هو في القصاص في الجراحات والدماء يقتص بمثل ما جنى عليه وقيل إن الله تعالى لم يرغب في الانتصار بل بين أنه مشروع ثم بين أن العفو أولى بقوله تعالى: {فمن عفا} أي عمن ظلمه {وأصلح} أي بالعفو بينه وبين الظالم {فأجره على الله} قال الحسن: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان له على الله أجر فليقم فلا يقوم إلا من عفا ثم قرأ هذه الآية {إنه لا يحب الظالمين} قال ابن عباس: الذين يبدؤون بالظلم {ولمن انتصر بعد ظلمه} أي بعد ظلم الظالم إياه {فأولئك} يعني المنتصرين {ما عليهم من سبيل} أي بعقوبة ومؤاخذة {إنما السبيل على الذين يظلمون الناس} أي يبدؤون بالظالم {ويبغون في الأرض بغير الحق} أي يعملون فيها بالمعاصي {أولئك لهم عذاب أليم ولمن صبر} أي لم ينتصر {وغفر} تجاوز عن ظالمه {إن ذلك} أي الصبر والتجاوز {لمن عزم الأمور} يعني تركه الانتصار لمن عزم الأمور الجيدة التي أمر الله عز وجل بها وقيل إن الصابر يؤتي بصبره الثواب فالرغبة في الثواب أتم عزماً {ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده} يعني ما له من أحد يلي هدايته بعد إضلال الله إياه أو يمنعه من عذابه {وترى الظالمين لما رأوا العذاب} يعني يوم القيامة {يقولون هل إلى مرد من سبيل} يعني أنهم يسألون الرجعة إلى الدنيا.

البقاعي

تفسير : ولما كان الإذن في الانتصار في هذا السياق المادح مرغباً فيه مع ما للنفس من الداعية إليه، زجر عنه لمن كان له قلب أولاً بكفها عن الاسترسال فيه وردها على حد المماثلة، وثانياً بتسميته سيئة وإن كان على طريق المشاكلة، وثالثاً بالندب إلى العفو، فصار المحمود منه إنما هو ما كان لإعلاء كلمة الله لا شائبة فيه للنفس أصلاً فقال: {وجزاء سيئة} أي أي سيئة كانت {سيئة مثلها} أي لا تزيد عليها في عين ولا معنى أصلاً، وقد كفلت هذه الجمل بالدعاء إلى أمهات الفضائل الثلاث العلم والعفة والشجاعة على أحسن الوجوه، فالمدح بالاستجابة والصلاة دعاء إلى العلم، وبالنفقة إلى العفة، وبالانتصار إلى الشجاعة، حتى لا يظن ظان أن إذعانهم لما مضى مجرد ذل، والقصر على المماثلة دعاء إلى فضيلة التقسيط بين الكل وهي العدل، وهذه الأخيرة كافلة بالفضائل الثلاث، فإن من علم المماثلة كان عالماً، ومن قصد الوقوف عندها كان عفيفاً، ومن قصر نفسه على ذلك كان شجاعاً، وقد ظهر من المدح بالانتصار بعد المدح بالغفران أن الأول للعاجز والثاني للمتغلب المتكبر بدليل البغي. ولما كان شرط المماثلة نادباً بعد شرع العدل الذي هو القصاص إلى العفو الذي هو الفصل لأن تحقق المثلية من العبد الملزوم للعجز لا يكاد يوجد، سبب عنه قوله: {فمن عفا} أي بإسقاط حقه كله أو بالنقص عنه لتتحقق البراءة مما حرم من المجاوزة {وأصلح} أي أوقع الإصلاح بين الناس بالعفو والإصلاح لنفسه ليصلح الله ما بينه وبين الناس، فيكون بذلك منتصراً من نفسه لنفسه {فأجره على الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال فهو يعطيه على حسب ما يقتضيه مفهوم هذا الاسم الأعظم، وهذا سر لفت الكلام إليه عن مظهر العظمة وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً ". تفسير : ولما كان هذا ندباً إلى العفو بعد المدح بالانتصار، بين أن علته كراهة أن يوضع شيء في غير محله لأنه لا يعلم المماثلة في ذلك إلا الله، فقال مضمراً إشارة إلى أن المثلية من الغيب الخفي مؤكداً لكف النفس لما لها من عظم الاسترسال في الانتصار: {إنه لا يحب الظالمين *} أي لا يكرم الواضعين للشيء في غير محله دأب من يمشي في مأخذ الاشتقاق إذا كان عريقاً في ذلك سواء كان ابتداء أو مجاوزة في الانتقام بأخذ الثأر. ولما كان هذا ساداً لباب الانتصار لما يشعر به من أنه ظلم على كل، قال مؤكداً نفياً لهذا الإشعار: {ولمن انتصر} أي سعى في نصر نفسه بجهده {بعد ظلمه} أي بعد ظلم الغير له وليس قاصد البعد عن حقه ولو استغرق انتصاره جميع زمان البعد. ولما بين تعالى ما لذلك الناظر في مصالح العباد المنسلخ من خط نفسه إحساناً إلى عباد الله من الرتبة العليا، بين ما لهذا الذاب عن نفسه القاصد لشفاء صدره وذهاب غيظه، فقال رابطاً للجزاء بفاء السبب بياناً لقصور نظره على دفع الظلم عن نفسه، ويجوز كون {من} موصولة والفاء لما للموصول من شبه الشرط. ولما عبر أولاً بالإفراد فكان ربما قصر الإذن على الواحد لئلا تعظم الفتنة، جمع إشارة إلى أن الفتنة إنما هي في إقرار الظلم لا في نصر المظلوم واحداً كان أو جماعة فقال: {فأولئك} أي المنتصرون لأجل دفع ظلم الظالم عنهم فقط {ما عليهم} وأكد بإثبات الجار فقال: {من سبيل *} أي عقاب ولا عتاب، وروى النسائي وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها قالت: حديث : ما علمت حتى دخلت عليَّ زينب رضي الله عنها بغير إذن وهي غضبى ثم أقبلت عليّ فأعرضت عنها حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: دونك فانتصري، فأقبلت عليها حتى رأيتها قد يبس ريقها في فيها ما ترد عليّ شيئاً، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتهلل وجهه . تفسير : ولما نفى السبيل عنه بعد تشوف السامع إلى موضع ما أشعر به الكلام السابق من الظلم، بين ذلك فقال: {إنما السبيل} أي الطريق السالك الي لا منع منه أصلاً بالحرج والعنت {على} وجمع إعلاماً بكثرة المفسدين تجرئة على الانتصار منهم وإن كانوا كثيراً فإن الله خاذلهم فقال: {الذين يظلمون الناس} أي يوقعون بهم ظلمهم تعمداً عدواناً {ويبغون} أي يتجاوزن الحدود {في الأرض} بما يفسدها بعد إصلاحها بتهيئتها للصلاح طبعاً وفعلاً وعلماً وعملاً. ولما كان الفعل قد يكون بغياً وإن كان مصحوباً بحق كالانتصار المقترن بالتعدي فيه قال: {بغير الحق} أي الكامل ولما أثبت عليهم بهذا الكلام السبيل، كان السامع جديراً بأن يسأل عنه فقال: {أولئك} أي البغضاء البعداء من الله {لهم عذاب أليم *} أي مؤلم بما آلموا من ظلموه من عباد الله بحيث يعم إيلامه أبدانهم وأرواحهم بما لها من المشاعر الظاهرة والباطنة. ولما أفهم سياق هذا الكلام وترتيبه هكذا أن التقدير: فلمن صبر عن الانتصار أحسن حالاً ممن انتصر، لأن الخطأ في العفو أولى من الخطأ في الانتقام، عطف عليه مؤكداً لما أفهمه السياق أيضاً من مدح المنتصر: {ولمن صبر} عن الانتصار من غير انتقام ولا شكوى {وغفر} فصرح بإسقاط العقاب والعتاب فمحا عين الذنب وأثره: {إن ذلك} أي ذلك الفعل الواقع منه البالغ في العلو جداً لا يوصف {لمن عزم الأمور *} أي الأمور التي هي لما لها من الأهلية لأن يعزم عليها قد صارت في أنفسها كأنها دوات العزم أو متأهلة لأن تعزم على ما تريد، والعزم: الإقدام على الأمر بعد الروية والفكرة، قال أبو علي بن الفراء؛ آيات العفو محمولة على الجاني النادم، وآيات مدح الانتصار على المصر، وذلك إنما يحمد مع القدرة على تمام النصرة كما قال يوسف عليه الصلاة والسلام لإخوته {أية : لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم} تفسير : [الآية: 92] وقال: فعل النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن كثيرة منها الموقف الأعظم الذي وقفه يوم الفتح عند باب الكعبة وقال لقريش وهم تحته كالغنم المطيرة:حديث : ما تظنون أني فاعل بكم يا معشر قريش؟ قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاءتفسير : ، وروى أحمد وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً شتم أبا بكر رضي الله عنه فلما رد عليه قام صلى الله عليه وسلم ثم قال: "حديث : يا أبا بكر! ثلاث كلهن حق ما من عبد ظُلِمَ مظلمة فعفى عنها لله إلا أعز الله بها نصره، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قلة ". تفسير : ولما بان في هذا الكلام المقتصر على الصبر والجامع إليه الغفر والمقتضي بالنصر أدرجهم كلهم في دائرة الحق، أتبعه من خرج عن تلك الدائرة، فقال مخبراً أن ما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن عطفاً على نحو: فمن يهدي الله للوقوف عند هذه الحدود فما له من مضل، مبيناً بلفظ الضلال أن ما شرعه من الطريق في غاية الوضوح لا يزيغ عنه أحد إلا بطرد عظيم: {ومن يضلل الله} أي الذي له صفات الكمال إضلالاً واضحاً بما أفاده الفك بعدم البيان أو بعدم التوفيق لمطلق الصبر أعم من أن يكون الاقتصار على أخذ الحق وبتأخير الحق إلى وقت وبالعفو وبالغفر. ولما كان الضال عن ذلك لا يكون إلا مجبولاً على الشر، سبب عنه قوله: {فما له} أي في ذلك الوقت {من ولي} أي يتولى أمره في الهداية بالبيان لما أخفاه الله عنه أو التوفيق لما بينه له {من بعده} أي من بعد معاملة الله له معاملة البعيد من وكله إلى نفسه وغيره من الخلق في شيء من زمان البعد ولو قل. ولما كان مبنى أمر الضال على الندم ولو بعد حين، قال عاطفاً على نحو: فترى الظالمين قبل رؤية العذاب في غاية الجبروت والبطر والتكذيب بالقدرة عليهم، فهم لذلك لا يرجون حساباً ولا يخافون عقاباً: {وترى} وقال: {الظالمين} موضع "وتراهم" لبيان أن الضال لا يضع شيئاً في موضعه، ولما كان عذابهم حتماً، عبر عنه بالماضي فقال: {لما رأوا العذاب} أي المعلوم مصير الظالم إليه رؤية محيطة بظاهره وباطنه يتمنون الرجعة إلى الدنيا لتدارك ما فات من الطاعات الموجبة للنجاة {يقولون} أي مكررين مما اعتراهم من الدهش وغلب على قلوبهم من الوجل: {هل إلى مرد} أي رد إلى دار العمل وزمانه مخلص من هذا العذاب {من سبيل}.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر، عن ابن جريرج في قوله‏:‏ ‏ {‏وجزاء سيئة سيئة مثلها‏} ‏ قال‏:‏ ما يكون من الناس في الدنيا مما يصيب بعضهم بعضاً والقصاص‏.‏ وأخرج أحمد وابن مردويه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏المستبّان ما قالا من شيء فعلى البادىء حتى يعتدي المظلوم، ثم قرأ ‏ {‏وجزاء سيئة سيئة مثلها‏}‏ ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير، عن السدي رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏وجزاء سيئة سيئة مثلها‏}‏ قال‏:‏ إذا شتمك، فاشتمه بمثلها من غير أن تعتدي‏.‏ وأخرج ابن جرير، عن ابن أبي نجيح، في قوله‏:‏ ‏ {‏وجزاء سيئة سيئة مثلها‏} ‏ قال‏:‏ يقول أخزاه الله، فيقول أخزاه الله‏.‏ وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏‏"‏حديث : إذا كان يوم القيامة أمر الله منادياً ينادي، ألا ليقم من كان له على الله أجر، فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا، وذلك قوله ‏{‏فمن عفا وأصلح فأجره على الله‏}‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إذا كان يوم القيامة، نادى مناد من كان له على الله أجر فليقم، فيقوم عنق كثير، فيقال لهم‏:‏ ما أجركم على الله‏؟‏ فيقولون‏ نحن الذين عفونا عمن ظلمنا‏" وذلك قول الله ‏{‏فمن عفا وأصلح فأجره على الله‏}‏ فيقال لهم‏:‏ "ادخلوا الجنة بإذن الله ‏"‏‏.‏ تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إذا وقف العباد للحساب ينادي منادٍ ليَقُمْ من أجره على الله؛ فليدخل الجنة، ثم نادى الثانية، ليقم من أجره على الله، قالوا‏:‏ ومن ذا الذي أجره على الله‏؟‏ قال‏:‏ العافون عن الناس، فقام كذا وكذا ألفاً، فدخلوا الجنة بغير حساب‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي، عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏ينادي مناد من كان أجره على الله فليدخل الجنة مرتين، فيقوم من عفا عن أخيه‏.‏ قال الله ‏{‏فمن عفا وأصلح فأجره على الله‏}‏ ‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن أول مناد من عند الله يقول‏:‏ أين الذين أجرهم على الله‏؟‏ فيقوم من عفا في الدنيا، فيقول الله أنتم الذين عفوتم لي، ثوابكم الجنة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن محمد بن المنكدر رضي الله عنه قال‏:‏ إذا كان يوم القيامة صرخ صارخ الأرض، ألا من كان له على الله حق، فليقم فيقوم من عفا وأصلح‏. وأخرج ابن مردويه والبيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ينادي مناد يوم القيامة، لا يقوم اليوم أحد، إلا من له عند الله يد، فتقول الخلائق‏:‏ سبحانك بل لك اليد، فيقول بلى، من عفا في الدنيا بعد قدرة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : قال موسى بن عمران عليه السلام‏:‏ يا رب، من أعز عبادك عندك‏؟‏ قال‏:‏ من إذا قدر عفا‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - حديث : أن رجلاً شتم أبا بكر رضي الله عنه، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعجب ويبتسم، فلما أكثر، رد عليه بعض قوله، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقام، فلحقه أبو بكر رضي الله عنه، فقال يا رسول الله، كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت‏؟‏ قال‏: إنه كان معك ملك يرد عنك، فلما رددت عليه بعض قوله، وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان، ثم قال‏: يا أبا بكر، ‏‏"نلت من حق ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله إلا أعز الله بها نصره، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قلة" "‏‏.‏

القشيري

تفسير : (يعني لا تجاوزوا حدَّ ما جنى الجاني عليكم في المكافأة أو الانتقام). {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ}: مَنْ عفا عن الجاني، واصلح ما بينه وبين الله - أَصْلَحَ اللَّهُ ما بينه وبين الناسِ. {فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ}: فالذي للعبد من الله وعلى الله وعند الله خيرٌ مما يعمله باختياره.

اسماعيل حقي

تفسير : {وجزاؤ سيئة} وباداش كرداريد {سيئة مثلها} كرداريست مانند آن. وهو بيان لوجه كون الانتصار من الخصال الحميدة مع كونه فى نفسه اساة الى الغير بالاشارة الى ان البادى هو الذى فعله لنفسه فان الافعال مستتبعة لأجزيتها حتما ان خيرا فخير وان شرا فشر وفيه تنبيه على حرمة التعدى واطلاق السيئة على الثانية مع انها جزاء مشروع مأذون فيه وكل مأذون حسن لا سيىء لانها تسوء من نزلت به او للازدواج يعنى المشاكلة كما فى قوله تعالى فان عاقبتم وعلى هذا فالسيئة مقابل الحسنة بخلافها فى الوجه الاول والمعنى انه يجب اذا قوبلت الاساءة ان تقابل بمثلها من غير زيادة قال الحسن اذا قال لعنك الله او اخزاك الله فلك ان تقول اخزاك الله او لعنك الله واذا شتمك فلك ان تشتمه بما شتم ما لم يكن فيه حد كلفظ الزنى او كلمة لا تصلح فلا تجرى المقابلة فى الكذب والبهتان قال فى التنوير قال لآخر يا زانى فقال له الآخر لا بل انت الزانى حدا بخلاف ما لو قال له مثلا يا خبيث فقال انت تكافئا ولو لم يجب بل رفع الامر الى القاضى ليؤدبه جاز وعن بعض الفقهاء فى هذه الآية وقد قيل انه الشافعى رحمه الله ان للانسان ان يأخذ من مال من خانه مثل ما خانه من غير علمه واستشهد فى ذلك بقول النبى عليه السلام لهند زوجة ابى سفيان "حديث : خذى من ماله ما يكفيك وولدك" تفسير : فأجاز لها اخذ ذلك بغير اذنه كذا ذكره القرطبى فى تفسيره {فمن عفا} عن المسيىء اليه جنايته اى ترك القصاص (وقال الكاشفى) بس هركه عفو كنداز ستمكار خودكه مسلمان باشد وترك انتقام نمايد ازوى {واصلح} بينه وبين من يعاديه بالعفو والاغضاء قال فى الحواشى السعدية الفاء للتفريع اى اذا كان الواجب فى الجزآء رعاية المماثلة من غير زيادة وهى عسرة جدا فالاولى العفو والاصلاح اذا كان قابلا للاصلاح بأن لم يصر على البغى وفى الحديث "حديث : ما زاد الله عبد العفو الا عزا" تفسير : {فأجره على الله} عدة مبهمة منبئة عن عظمة شأن الموعود وخروجه عن الحد المعهود {انه لا يحب الظالمين} البادئين بالسيئة والمتعدين فى الانتقام وهو استئناف تعليلى متعلق بقوله وجزآء الخ وقوله فمن عفا الخ اعتراض يعنى انما شرعت المجازاة وشرطت المساواة لانه لا يحب الظالمين حديث : وذكر ان ابا بكر الصديق رضى الله عنه كان عند النبى صلى الله عليه وسلم ورجل من المنافقين يسبه وابو بكر لم يجبه ورسول الله ساكت يتبسم فأجابه ابو بكر فقام النبى عليه السلام وذهب فقال ابو بكر يا رسول الله ما دام يسبنى كنت جالسا فلما اجبته قمت فقال النبى عليه السلام "ان ملكا كان يجيبه عنك فلما اجبته ذهب الملك وجاء الشيطان وانا لا اكون فى مجلس يكون هناك الشيطان" تفسير : فنزل فمن عفا واصلح فاجره على الله وفى الحديث "حديث : اذا كان يوم القيامة نادى مناد اين العافون عن الناس هلموا الى ربكم وخذوا اجوركم وحق لكل مسلم اذا عفا ان يدخله الجنة" شعر : فو از كناه سيرت اهل فتوتست بى حلم وعفو كار فتوت نمام نيست تفسير : وعنه عليه السلام "حديث : اذا جمع الله الخلائق يوم القيمة نادى مناد أين أهل الفضل فيقوم ناس وهم قليلون فينطلقون سراعا الى الجنة فتتلقاهم الملائكة فيقولون انا نراكم سراعا الى الجنة فمن انتم فيقولون نحن اهل الفضل فيقولون وما كان فضلكم فيقولون كنا اذا ظلمنا صبرنا واذا اسيئ الينا اغتفرنا واذا جهل علينا حلمنا فيقولون لهم ادخلوا الجنة فنعم اجر العاملين" تفسير : وفى التأويلات النجمية يشير الى ان ارباب القلوب الذين اصابهم الظلم من قبل انفسهم هم ينتصرون من الظالم وهو نفسهم بكبح عنانها عن الركض فى ميدان المخالفة وجزاء سيئة صدرت من النفس من قبل الحرص او الشهوة او الغضب او البخل او الجبن او الحسد او الكبر او الغل سيئة تصدر من القلب مثل ما يصادف علاجها اى يضد تلك الاوصاف فان العلاج باضدادها ولا يجاوز عن حد المعالجة فى رياضة النفس وجهادها فان لنفسك عليك حقا فمن عفا عن المبالغة فى رياضة النفس وجهادها بعد ان أصلح النفس بعلاج اضداد أوصافها فاجره على الله بان يتصف بصفاته فان من صفاته العفو وهو عفو يحب العفو فيكون العبد عفوا محبوبا لله تعالى انه لا يحب الظالمين الذين يضعون شدة الرياضة مع النفس موضع العفو

الجنابذي

تفسير : {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} وسمّى الثّانية سيّئةٍ للمشاكلة، او لانّها اساءة بالنّسبة الى الجانى يعنى لا تزيدوا فى الانتصار عن المماثلة {فَمَنْ عَفَا} عن المسيء بترك الانتقام بعد الاقتدار عليه، والجملة معطوفة على جملة جزاء سيّئة سيّئة والفاء للتّرتيب فى الاخبار يعنى اذا علمت انّ التّجاوز فى الانتصار عن المماثلة ليس جزاءً للسّيّئة بل كان ظلماً فاعلم انّ من عفى {وَأَصْلَحَ} اساءة المسيء بالعفو {فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ} غاية تفخيمٍ للعفو حيث لا يوكّل اجره الى غيره {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ} جوابُ سؤالٍ مقدرٍ كأنّه قيل: ايحبّ الله الظّالم فيأمر بالعفو عنه؟ - فقال: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ} فلا يرغّب فى العفو حبًّا لهم بل حبّاً للمؤمنين بتعرّضهم للثّواب الجزيل، او تعليل لقوله ينتصرون او لقوله جزاء سيّئةٍ سيّئةٌ او لقوله فمن عفى واصلح فأجره على الله اى لما يستفاد منه من التّرغيب على العفو كأنّه قال: انّ الانتقام نحو ظلمٍ بالنّسبة الى القوّة العاقلة الّتى شأنها العفو فانّ شأنه شأن الله العفوّ الغفور، وانّه لا يحبّ الظّالمين فاتركوا الانتقام واعفوا عن المسيء.

الأعقم

تفسير : {وجزاء سيئة سيئة مثلها} سمي الجزاء على الشيء باسم الشيء وإن كان الثاني حسناً كقول الشاعر: شعر : ألا لا يجهلن أحد علينا فجهل فوق جهل الجاهلينا تفسير : {فمن عفى وأصلح فأجره} لأنه من الأعمال الصالحة {فأجره} أي ثوابه {على الله} وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : إذا كان يوم القيامة نادى منادي: من له على الله أجر فليقم، قال: فيقوم خلق كثير فيقال لهم: ما أجوركم على الله؟ فيقولون: نحن الذين عفونا عن من ظلمنا، فيقال لهم: ادخلوا الجنة بإذن الله" تفسير : {إنه لا يحب الظالمين} أي لا يريد اعزاز الظالمين {ولمن انتصر بعد ظلمه} أي انتقم من ظالمه بعد أن ظلمه، والانتقام بالقصاص {فأولئك ما عليهم من سبيل} أي يأثم {إنما السبيل} أي الإِثم والعقاب {على الذين يظلمون الناس} ابتداء {ويبغون في الأرض بغير الحق} ويظلموا في الأرض بغير الحق {أولئك لهم عذاب أليم} موجع {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور} أي تحمل المشقة في رضى الله وغفر لأخيه فإن ذلك من عزم الأمور، أي من ثابت الأمور التي أمر الله بها {ومن يضلل الله}، قيل: يعذبه ويهلكه يوم القيامة باستحقاقه ذلك، وقيل: يضله عن رحمته وجنته {فما له من ولي من بعده} أي أضر من بعده سوى الله {وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مردٍ من سبيل} أي إلى رجعة إلى الدنيا {وتراهم يعرضون عليها} أي على النار {خاشعين} أي خاضعين {ينظرون من طرفٍ خفي} أي من عين خفي قيل: دليل، وقيل: يسارقون النظر، وقيل: من عين لا تفتح كلها إلى النار لعظم ما فيها من العذاب، وقيل: ينظرون إلى النار بقلوبهم لأنهم عمي والنظر بالقلب خفي {وقال الذين آمنوا} لما رأوا ما نزل بالظالمين {إن الخاسرين} في الحقيقة {الذين خسروا أنفسهم} لأن رأس المال هو النفس فإذا أوثقوها فلا خسران أعظم منه لأنهم أهلكوها بالعذاب وفوتوها نعيم الجنة {وأهليهم}، قيل: أزواجهم وأولادهم، وقيل: أهليهم من الحور العين {ألا إن الظالمين في عذاب مقيم} دائم، وقيل: هذا تمام كلام المؤمنين، وقيل: خبر مبتدأ من الله في عذاب مقيم، يعني الظلمة {وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله} أي لا ولي لهم ولا ناصر يتولى تخليصهم من العذاب {ومن يضلل الله فما له من سبيل}، قيل: هذا جواب قولهم: {هل إلى مرد من سبيل} يعني من أهلكه الله فما له من طريق إلى النجاة، وقيل: من أبعده الله من الجنة ما يرشده أحد إليها.

اطفيش

تفسير : {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} مثل أن يقول له مثل ما قال فيه اذا قال له أخزاك الله قال له أخزاك الله ونحو ذلك الا أن قال يا مشرك أو يا زاني فانه يقول يا منافق أو يا فاسق أو نحوها واذا ضربه ضربة ضربه مثلها حيث يجوز فان بعض الأفعال لا يفعل مثلها وذلك فى الظهور وأما فى الكتمان فلا يجوز عندنا معشر الأباضية الاقتصاص باليد ذلك انه اذا كان القائل أو الفاعل ظالماً والا لم يرد عليه وقيل المراد القصاص والجراحات فقط وانما سمى الفعلة التي هي جزاء سيئة مع انها مباحة لمشابهتها السيئة صورة أو لمقارنتها فى الذكر أو لانها تسوء من عوقب بها. وقد يقال المراد بالأولى والثانية جميعاً ما يسوء فيشمل ما فعل خطأ لا عمداً فيقتص من فاعله كذا قيل فتأمل وعن الفخر: النقصان حيف والزيادة ظلم والتساوي عدل ونقول انما يكون النقص حيفاً اذا كان المجازى غير المظلوم وكان قادراً ويدل على هذا وعلى أن الانتصار مباح مشرع وانه غير مرغوب فيه وان العفو أولى قوله* {فَمَنْ عَفَا} عمن بغى عليه* {وَأَصْلَحَ} الود بينهما بالعفو وأتى بما يصلح بينهما* {فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ} ولا بد وهو وعد مبهم للتعظيم لا يعلم كنهه. قال الحسن: اذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان على الله له جزاء فليقم فلا يقوم الا من عفا. وفي هذا وفي قوله {أية : واذا ما غضبوا} تفسير : الخ حض على كسر الغضب والتدريب في اطفائه وهو جمرة جهنمية وباب من أبواب جهنم قال رجل للنبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : أوصني قال لا تغضب قال: زدني قال: لا تغضب قال: زدني قال: لا تغضب" تفسير : ومن جاهد هذا العارض من نفسه حتى غلبه فقد كفي أمراً عظيماً في دنياه وآخرته. وأتاه صلى الله عليه وسلم رجل فقال: "حديث : علمني يا رسول الله كلمات أعيش بهن ولا تكثر علي فأنسى فقال صلى الله عليه وسلم "لا تغضب"" تفسير : أي أعيش معهن. وفي رواية: قل لي قولاً ينفعنى الله به وأقلل لي لعلي أعقله فقال لا تغضب فأعاد عليه مراراً قوله زدني فيعاود له لا تغضب. ولما رأى يحيى أن عيسى مفرقه قال أوصني قال لا تغضب قال لا أستطيع قال لا تقتن مالاً قال عسى. وفي الحديث: "حديث : من كف لسانه عن أعراض المسلمين أقال الله عثرته يوم القيامة، ومن كف غضبه عنهم وقاه الله عذاب يوم القيامة"تفسير : . وقال الله عز وجل: "حديث : من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ومن ذكرني حين يغضب ذكرته حين أغضب فلا أمحقه حين أمحق" تفسير : ولم يرد بنفسه تعالى سوى عدم الملأ وسوى ذاته* {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} الذين يبتدئون بالسيئة والذين يتجاوزون في المجازاة وفي الآية تحذير للمجازي أن يتجاوز حقه وتنبيه على أن الانتصار لا يكاد يؤمن فيه التجاوز لا سيما حال الغضب والتهاب الحمية فيكون ظالماً وعن بعضهم الظالمون المشركون وقال ابن عباس: المراد المبتدئون بالسيئة

اطفيش

تفسير : {وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مِثلهَا} مثل أن يقول يا خبيث، فيرد له يا خبيث، قيل أو أنت الخبيث، ولا يبهته ان بهته، سمى الجزاء سيئة، مع أنه جائز باعتبار اللغة، لأنه يسوء من جزى به، واختار هذا اللفظ للمشاكلة لسيئة قبله، وقيل: تهجين للمجازى، واختيار له أن لا ينتقم، وذم له على الانتقام، وأورد عليه قوله تعالى: " أية : ولمن انتصر بعد ظلمه" تفسير : [الشورى: 41] وأجيب بأن المراد بقوله تعالى: " أية : ولمن انتصر "تفسير : [الشورى: 41] إلخ الولاة تعليم لهم كيف يلون الحكم، وهو جواب باطل، لا دليل عليه، وقد أحمل الآية عن التهجين، وان زاد فى العقاب أو عاقب بما لا يجوز، كان غير محمود {فمن عَفا} بترك الانتقام، أو بانتقام أقل مما له عن المسىء {وأصْلح} شأنه فى سائر أعماله، أو أصلح ما بينه وبين المسىء، لأنه قد يعفو، ولا يرجع الى ما كان عليه قبل الاساءة من حسن الحال بينهما {فأجْره عَلى الله} يثبه الله على ذلك العفو إذا عفا لوجه الله، أو لأن الله تعالى أمر بالعفو لا ذاهلا ولا لرياء، ولا لغرض دنيوى، وينفعه ولو ذاهلا إن نوى أول ليلته أو أول يومه أو أول السنة، أو أول الشهر، أو أول الأسبوع لتلك المدة، أو أقل، أو لباقى عمره، أو لوجه الله صالح عمله. {إنَّه لا يُحب الظالمين} مطلقا، ومنهم من يجاوز الحد فى الانتقام، أو هو المراد هنا خصوصا، وتخصيصه أشد فى الوعظ والزجر، ودخل فى الظالمين من ابتدأ بالسيئة، ويجوز أن يراد المبتدىء بها، والمجازى بما لا يجوز أو بالزيادة.

الالوسي

تفسير : {وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا} بيان لما جعل للمنتصر وتسمية الفعلة الثانية وهي الجزاء سيئة قيل للمشاكلة، وقال جار الله: ((تسمية كلتا الفعلتين سيئة لأنها تسوء من تنزل به))، وفيه رعاية لحقيقة اللفظ وإشارة إلى أن الانتصار مع كونه محموداً إنما يحمد بشرط رعاية المماثلة وهي عسرة ففي مساقها حث على العفو من طريق الاحتياط. وقوله تعالى: {فَمَنْ عَفَا} أي عن المسيء إليه {وَأَصْلَحَ} ما بينه وبين من يعاديه بالعفو والإغضاء عما صدر منه {فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ} فيجزيه جل وعلا أعظم الجزاء، تصريح بما لوح إليه ذلك من الحث وتنبيه على أنه وإن كان سلوكاً لطريق الاحتياط يتضمن مع ذلك إصلاح ذات البين المحمود حالاً ومآلا ليكون زيادة تحريض عليه، وابهام الأجر وجعله حقاً على العظيم الكريم جل شأنه الدال على عظمه زيادة في الترغيب، وجيء بالفاء ليفرعه عن السابق أي إذا كان سلوك الانتصار غير مأمون العثار فمن عفا وأصلح فهو سالك الطريق / المأمون العثار المحمود في الدارين. وقوله تعالى: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} المتجاوزين الحد في الانتقام، تتميم لذلك المعنى وتصريح بما ضمن من عسر رعاية طريق المماثلة وأنه قلما تخلو عن الاعتداء والتجاوز لا سيما في حال الحرد والتهاب الحمية فيكون دخولاً في زمرة من لا يحبه الله تعالى، ولا حاجة على هذا المعنى إلى جعل {فَمَنْ عَفَا} الخ اعتراضاً، ثم لو كان كذلك بأن يكون هذا متعلقاً بجزاء سيئة سيئة مثلها على أنه تعليل لما يفهم منه فالفاء غير مانعة عنه كما توهم، وأدخل غير واحد المبتدئين بالسيئة في الظالمين.

ابن عاشور

تفسير : هذه جمل ثلاث مُعترضة الواحدة تلو الأخرى بين جملة { أية : والذين إذا أصابهم البغي } تفسير : [الشورى: 39] الخ وجملة { أية : ولَمَن انتصر بعد ظلمه } تفسير : [الشورى: 41]. وفائدة هذا الاعتراض تحديد الانتصار والترغيب في العفو ثم ذم الظلم والاعتداء، وهذا انتقال من الإذن في الانتصار من أعداء الدين إلى تحديد إجرائه بين الأمة بقرينة تفريع {فمن عفا وأصلح} على جملة {وجزاء سيئة سيئة مثلها} إذ سمى ترك الانتصار عفواً وإصلاحاً ولا عفو ولا إصلاح مع أهل الشرك. وبقرينة الوعد بأجر من الله على ذلك العفو ولا يكون على الإصلاح مع أهل الشرك أجر. و{سيئة} صفة لمحذوف، أي فعلة تسوء من عومل بها. ووزن {سيئة} فَيْعِلة مبالغة في الوصف مِثل: هيّنة، فعينها ياء ولامها همزة، لأنها من ساء، فلما صيغ منها وزن فَيْعِلَة التقت يَاءَانِ فأدغمَتا، أي أن المُجازيء يجازيء من فَعَل معه فَعلةً تسوءه بفعلة سيئة مثل فعلتِه في السوء، وليس المراد بالسيئة هنا المعصية التي لا يرضاها الله، فلا إشكال في إطلاق السيئة على الأذَى الذي يُلحق بالظالم. ومعنى {مثلها} أنها تكون بمقدارها في متعارف الناس، فقد تكون المماثلة في الغرض والصورة وهي المماثلة التامة وتلك حقيقةُ المماثلة مثل القصاص من القاتل ظلماً بمثل ما قَتَل به، ومن المعتدي بجراح عمد، وقد تتعذر المماثلة التامة فيصار إلى المشابهة في الغرض، أي مقدار الضرّ وتلك هي المقاربة مثل تعذر المشابهة التامة في جزاء الحروب مع عدوّ الدين إذ قد يلحق الضر بأشخاص لم يصيبوا أحداً بضرّ ويَسْلَمُ أشخاص أصابوا الناس بضرّ، فالمماثلة في الحَرب هي انتقام جماعة من جماعة بمقدار ما يُشفي نفوس الغالبين حسبما اصطلح عليه الناس. ومن ذلك أيضاً إتلاف بعض الحواس بسبب ضرب على الرأس أو على العين فيصار إلى الدية إذ لا تضبط إصابة حاسّة الباغي بمثل ما أصاب به حاسّة المعتدَى عليه. وكذلك إعطاء قيم المتلفات من المقوَّمات إذ يتعسر أن يكلف الجاني بإعطاء مثل ما أتلفه. ومن مشاكل المماثلة في العقوبة مسألة الجماعة يتمالؤون على قتل أحد عمداً، أو على قطع بعض أعضائه؛ فإن اقتص من واحد منهم كان ذلك إفلاتاً لبقية الجناة من عقوبة جرمهم، وإن اقتص من كل واحد منهم كان ذلك زيادة في العقوبة لأنهم إنما جنَوا على واحد. فمن العلماء من لم يعتدَّ بتلك الزيادة ونظَرَ إلى أن كل واحد منهم جنى على المجني عليه فاستحق الجزاء بمثل ما ألحقه بالمجنّي عليه، وجَعَل التعدّد مُلغى وراعى في ذلك سدّ ذريعة أن يتحيّل المجرم على التنصل من جرمه بضم جماعة إليه، وهذا قول مالك والشافعي أخذاً من قضاءِ عمر بن الخطاب، وقوله: لو اجتمع على قتله أهلُ صنعاء لاقتصصتُ منهم. ومنهم من عدل عن الزيادة مطلقاً وهو قول داود الظاهري، ومنهم من عدل عن تلك الزيادة في القطع ولم يعدل عنها في القتل، ولعل ذلك لأن عمر بن الخطاب قضى به في القتل ولم يؤثر عن أحد في القطع. وربما ألغى بعضهم الزيادة إذا كان طريق ثبوت الجناية ضعيفاً مثل القسامة مع اللوث عند من يرى القصاص بها فإن مالكاً لم ير أن يُقتل بالقسامة أكثرُ من رجل واحد. واعلم أن المماثلة في نحو هذا تحقق بقيمة الغرم كما اعتبرت في الديات وأروش الجِنايات. وجملة {إنه لا يحب الظالمين} في موضع العلة لكلام محذوف دل عليه السياق فيقدر: أنه يحب العافين كما قال { أية : والعافين عن الناس والله يحبّ المحسنين } تفسير : [آل عمران: 134]. ونصْرُه على ظالمه موكول إلى الله وهو لا يحب الظالمين، أي فيؤجر الذين عفوا وينتصر لهم على الباغين لأنه لا يحب الظالمين فلا يهمل الظالم دون عقاب { أية : ومن قُتل مظلوماً فقد جعلنا لوليّه سلطاناً فلا يُسرف في القتل إنه كان منصوراً } تفسير : [الإسراء: 33]. وقد استفيد حبّ الله العافين من قوله: إنه لا يحب الظالمين}، وعلى هذا فمَا صْدَقُ الظالمين: هم الذين أصابوا المؤمنين بالبغي. ويجوز أيضاً أن يكون التعليل بقوله: {إنه لا يحب الظالمين} منصرفاً لمفهوم جملة {وجزاء سيئة سيئة مثلها} أي دون تجاوز المماثلة في الجزاء كقوله: { أية : وإن عاقبتُم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } تفسير : [النحل: 126] فيكون مَا صْدَقُ {الظالمين}: الذين يتجاوزون الحد في العقوبة من المؤمنين على أن يكون تحذيراً من مجاوزة الحدّ، كقول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : من حامَ الحمى يوشك أن يقع فيه »تفسير : . وقد شملت هذه الآية بموقعها الاعتراضي أصول الإرشاد إلى ما في الانتصار من الظالم وما في العفو عنه من صلاح الأمة، ففي تخويل حق انتصار المظلوم من ظالمه ردع للظالمين عن الإقدام على الظلم خوفاً من أن يأخذ المظلوم بحقه، فالمعتدي يحسب لذلك حسابه حين الهمّ بالعدوان. وفي الترغيب في عفو المظلوم عن ظالمه حفظ آصرة الأخوة الإسلامية بين المظلوم وظالمه كيلا تنثَلِم في آحاد جزئياتها بل تزداد بالعفو متانة كما قال تعالى: { أية : ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنّه وليّ حميم } تفسير : [فصلت: 34]. على أن الله تعالى لَمْ يهمل جانب ردع الظالم فأنبأ بتحقيق أنه بمحل من غضب الله عليه إذ قال: {إنه لا يحب الظالمين} ولا ينحصر ما في طي هذا من هول الوعيد. وتنشأ على معنى هذه الآية مسألة غرَّاء تجاذبتها أنظار السلف بالاعتبار، وهي: تحليل المظلوم ظالمه من مظلمته. قال أبو بكر بن العربي في «الأحكام»: روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك وسئل عن قول سعيد بن المسيّب: لا أحلّل أحداً، فقال: ذلك يختلف. فقلت: الرجل يسلف الرجل فيهلِكُ ولا وفاء له قال: أرى أن يحلله، وهو أفضل عندي لقول الله تعالى: { أية : الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه } تفسير : [الزمر: 18]، وإن كان له فضل يُتبع فقيل له: الرجل يظلم الرجل، فقال: لا أرى ذلك، وهو عندي مخالف للأول لقول الله تعالى: { أية : إنما السبيل على الذين يظلمون الناس } تفسير : [الشورى: 42]، ويقول تعالى: { أية : ما على المحسنين من سبيل } تفسير : [التوبة: 91] فلا أرى أن تجعله من ظلمه في حلّ. قال ابن العربي فصار في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: لا يحلّله بحال قاله ابن المسيّب. والثاني: يحلّله، قاله ابن سيرين، زاد القرطبي وسليمان بن يسار، الثالث: إن كان مالاً حلّله وإن كان ظلماً لم يحلّله وهو قول مالك. وجه الأول: أن لا يُحلّ ما حرم الله فيكون كالتبديل لحكم الله. ووجه الثاني: أنه حقه فله أن يسقطه. ووجه الثالث: أن الرجل إذا غُلِب على حقكَ فمن الرفق به أن تحلله، وإن كان ظالماً فمن الحق أن لا تتركه لئلا يغْتَرّ الظَّلَمة ويسترسلوا في أفعالهم القبيحة. وذكَر حديث مسلم عن عُبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: "خرجت أنا وأبي لطلب العلم في هذا الحيّ من الأنصار قبْل أن يهلكوا فكان أول من لقينا أبو اليسر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أبي: أرى في وجهك سنعة من غضب فقال: أجَل كان لي على فلان دين، فأتيت أهله وقلت: أثَمّ هو؟ قالوا: لا فخرج ابن له فقلت له: أين أبوك؟ فقال سمع صوتك فدخل أريكة أمي. فقلتُ: اخرجْ إليَّ، فخرج. فقلت: ما حملك على أن اختبأت مني؟ قال: خشيت والله أن أحدثك فأكذبك وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنتُ والله معسراً. قال: فأتى بصحيفته فمحاها بيده، قال: إن وجدت قضاء فاقض وإلاّ فأنت في حلّ".

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في آخر سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} تفسير : [النحل: 126] الآية. وفي سورة الزمر في الكلام على قوله تعالى: {أية : فَبَشِّرْ عِبَادِ ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} تفسير : [الزمر: 17-18] الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : {جَزَآءُ} {ٱلظَّالِمِينَ} (40) - وَجَزَاءُ مَا يَفْعَلُهُ المُسِيءُ مِنَ السُّوءِ هُوَ أَنْ يُعَاقَبَ وَفْقَ مَا شَرَعَهُ اللهُ مِنْ عُقُوبَةٍ لِجُرْمِهِ، وَقَدْ سمى اللهُ تَعَالَى العُقُوَبَةَ سَيِّئَةً لأَِنَّهَا تَسُوءُ مَنْ تَنْزِلُ بِهِ. فَمَنْ عَفَا عَنْ مُسِيءٍ، وَأَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ عَادَاهُ بِالعَفُو عَنْهُ، وَبِالصَّفْحِ عَنْ ذَنْبِهِ، فَإِنَّ اللهَ يَجْزِيهِ عَلَى فِعْلِهِ أَعْظَمَ الجَزَاءِ، وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، المُتَجَاوِزِينَ للحُدُودِ، المُعْتَدِينَ عَلَى العِبَادِ. السَّيِّئَةُ - الفِعْلُ الذِي يَسُوءُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق سبحانه وتعالى رحيم بعباده لطيف بهم، وحينما أجاز لهم الرد بالمثل في القصاص وفي المظالم أراد سبحانه أنْ يُرضي مواجيد المظلوم وعواطفه، وأنْ يريحه بالانتقام من ظالمه، لكن ضيَّق هذا الباب في حين أوسع باب العفو ورغّب فيه، ضيَّق عليك باب الانتقام حينما قال: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} تفسير : [النحل: 126]. فالحق سبحانه حينما قال {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ...} [الشورى: 40] إنما ليريح قلبك ويُنهي العداوة والبغضاء بين الطرفين، لكن أتضمن حين تنتقم أنْ ترد بالمثل؟ إن المثلية هنا أمر شاقّ جداً لا يقدر أحد عليه، ففي أبسط الأمور لو شخص ضرب الآخر ضربة، أو لطمه لطمة على وجهه، أيستطيع أنْ يردَّ بمثلها دون زيادة؟ ولو زاد عليها لكان هو الآخر ظالماً. إذن: في العفو سَعة ومخرج من هذا الحرج ومن هذا التضييق. لذلك يُحكى أنه كان في إيطاليا رجل مُرابٍ أقرض شخصاً لأجَل، لكن اشترط عليه إذا لم يُؤدّ في الموعد المحدّد بينهما أنْ يقطع رطلاً من لحمه مقابل هذا الدَّيْن، فلما جاء الموعد ولم يدفع المدين ما عليه رفع الدائنُ أمره إلى القاضي، فأقره القاضي على شرطه وقال له من حقك أنْ تأخذ رطلاً من لحمه لكن تذكَّر إنْ زاد أخذنا الزيادة من لحمك أنت، وإنْ نقص أكملناه من لحمك أنت، فلم يملك المرابي إلا التراجع عن شرطه. لذلك يقول تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ} [الشورى: 40] وكأن الانتقام لا بدَّ وأنْ يجر صاحبه إلى منطقة الظلم. وعن الإمام علي رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا كان يومُ القيامة نادى مُنادٍ يقول: مَنْ كان أجره على الله فليقُم للجنة، فلم يرد أحد، فقال: من كان أجره على الله فليقم للجنة - يعني بغير حساب - فقالوا: ومَنْ الذي أجره على الله؟ قال: العافي عَمَّن أساء إليه ". حديث : ورُوي أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ذات يوم بين أصحابه فضحك فسأله عمر رضي الله عنه: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: رأيتُ ربي يفصل في خصومة بين اثنين. فقال أحدهما: ربّ إن هذا أساء إليَّ فخُذْ من حسناته وأعطني بقدر إساءته، فقال له: ليس له حسناتٌ، لكن انظر، فنظر فإذا بقصور وأشياء عجيبة، فقال: لمَنْ هذه يا ربّ؟ قال: لمن عفا عن أخيه. فقال: عفوت عنه، فقال: فخُذْ بيد أخيك وادخُلا الجنة . تفسير : ولك أنْ تتأمل كيف يصلح الخالق الخَلْق بهذه القيم، وما علينا إلا أنْ نُخرجها من المجال النظري إلى التطبيق والعمل. والسيئة في قوله تعالى: {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ..} [الشورى: 40] يعني: عمل فيه إساءة لك بقول أو فعل، وليست سيئة الذنوب والمعاصي في حَقِّ الله تعالى.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : ذكر الله في هذه الآية، مراتب العقوبات، وأنها على ثلاث مراتب: عدل وفضل وظلم. فمرتبة العدل، جزاء السيئة بسيئة مثلها، لا زيادة ولا نقص، فالنفس بالنفس، وكل جارحة بالجارحة المماثلة لها، والمال يضمن بمثله. ومرتبة الفضل: العفو والإصلاح عن المسيء، ولهذا قال: { فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } يجزيه أجرا عظيما، وثوابا كثيرا، وشرط الله في العفو الإصلاح فيه، ليدل ذلك على أنه إذا كان الجاني لا يليق العفو عنه، وكانت المصلحة الشرعية تقتضي عقوبته، فإنه في هذه الحال لا يكون مأمورا به. وفي جعل أجر العافي على الله ما يهيج على العفو، وأن يعامل العبد الخلق بما يحب أن يعامله الله به، فكما يحب أن يعفو الله عنه، فَلْيَعْفُ عنهم، وكما يحب أن يسامحه الله، فليسامحهم، فإن الجزاء من جنس العمل. وأما مرتبة الظلم فقد ذكرها بقوله: { إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } الذين يجنون على غيرهم ابتداء، أو يقابلون الجاني بأكثر من جنايته، فالزيادة ظلم. { وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ } أي: انتصر ممن ظلمه بعد وقوع الظلم عليه { فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ } أي: لا حرج عليهم في ذلك. ودل قوله: { وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ } وقوله: { وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ } أنه لا بد من إصابة البغي والظلم ووقوعه. وأما إرادة البغي على الغير، وإرادة ظلمه من غير أن يقع منه شيء، فهذا لا يجازى بمثله، وإنما يؤدب تأديبا يردعه عن قول أو فعل صدر منه. { إِنَّمَا السَّبِيلُ } أي: إنما تتوجه الحجة بالعقوبة الشرعية { عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ } وهذا شامل للظلم والبغي على الناس، في دمائهم وأموالهم وأعراضهم. { أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي: موجع للقلوب والأبدان، بحسب ظلمهم وبغيهم. { وَلَمَنْ صَبَرَ } على ما يناله من أذى الخلق { وَغَفَرَ } لهم، بأن سمح لهم عما يصدر منهم، { إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمُورِ } أي: لمن الأمور التي حث الله عليها وأكدها، وأخبر أنه لا يلقاها إلا أهل الصبر والحظوظ العظيمة، ومن الأمور التي لا يوفق لها إلا أولو العزائم والهمم، وذوو الألباب والبصائر. فإن ترك الانتصار للنفس بالقول أو الفعل، من أشق شيء عليها، والصبر على الأذى، والصفح عنه، ومغفرته، ومقابلته بالإحسان، أشق وأشق، ولكنه يسير على من يسره الله عليه، وجاهد نفسه على الاتصاف به، واستعان الله على ذلك، ثم إذا ذاق العبد حلاوته، ووجد آثاره، تلقاه برحب الصدر، وسعة الخلق، والتلذذ فيه.