Verse. 4315 (AR)

٤٢ - ٱلشُّورىٰ

42 - Ash-Shura (AR)

وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ اِنَّ ذٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْاُمُوْرِ۝۴۳ۧ
Walaman sabara waghafara inna thalika lamin AAazmi alomoori

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولمن صبر» فلم ينتصر «وغفر» تجاوز «إن ذلك» الصبر والتجاوز «لمن عزم الأمور» أي معزوماتها، بمعنى المطلوبات شرعاً.

43

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَمَن صَبَرَ } فلم ينتصر {وَغَفَرَ } تجاوز {إِنَّ ذٰلِكَ } الصبر والتجاوز {لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } أي معزوماتها، بمعنى المطلوبات شرعاً.

ابن عبد السلام

تفسير : {عَزْمِ الأُمُورِ} العزائم التي أمر الله ـ تعالى ـ بها، أو عزائم الصواب التي وفق لها نزلت مع ثلاث آيات قبلها في أبي بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ شتمه بعض الأنصار فرد عليه ثم سكت عنه.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَلَمَن صَبَرَ} الكلام في اللام كما تقدم: فإن جعلناها شرطية فإن جواب القسم المقدر، وحذف الشرط للدلالة عليه، وإن كانت موصولة، كان قوله: "إنَّ ذَلِكَ" هو الخبر. وجوز الحوفي وغيره أن تكون "مَنْ" شرطية و "إنَّ ذَلِكَ" جوابها على حذف الفاء على حدِّ حذفها في قوله: شعر : 4387ـ مَــنْ يَفْعَــل الحَسَنَــات..... ............................. تفسير : وفي الرابط قولان: أحدهما: هو اسم الإشارة، إذا أريد به المبتدأ، ويكون حينئذ على حذف مضاف تقديره: إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ ذَوِي عَزْمِ الأُمُورِ. والثاني: أنه ضمير محذوف تقديره لمن عزم الأمور "منه أو له". وقوله: {وَلَمَن صَبَرَ} عطف على قوله: "ولمن انْتَصَرَ" والجملة من قوله: "إنَّما السَّبِيلُ" اعتراض. فصل المعنى لمن صبر وغفر فلم يقتص وتجاوز، إن ذلك الصبر والتجاوز من عزم الأمور حقها وحزمها. قال مقاتل: من الأمور التي أمر الله بها. وقال الزجاج: الصابر يؤتى بصبره الثواب والرغبة في الثواب أتم عزماً. قوله: {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ} أي فليس له ناصر يتولاه من بعد إضلال الله إياه، وليس له من يمنعه من عذاب الله، وهذا صريح في جواز أن الإضلال من الله وأن الهداية ليست في مقدور أحد سوى الله. قال القاضي: المراد: ومن يضلل الله عن الجنة لجنايته فما له من ولي من بعده ينصره. وأجيب بأن تقييد الإضلال بهذه الصور المعينة خلاف الدليل، وأيضاً فالله تعالى ما أضله عن الجنة في قولكم بل هو أضل نفسه عن الجنة. قوله: {وَتَرَى ٱلظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ} يوم القيامة {يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ} أي يطلبون الرجوع إلى الدنيا لعظم ما شاهدوا من العذاب. ثم ذكر حالهم عند عرض النار. قوله: "يُعْرَضُونَ" حال، لأن الرؤية بصرية، و "خَاشِعِينَ" حال والضمير في "عَلَيْهَا" يعود على النار لدلالة العذاب عليها. وقرأ طلحة: من الذِّلِّ ـ بكسر الذال ـ وقد تقدم الفرق بين الذَّل والذِّل و "مِنَ الذُّلِّ" يتعلق بخاشعين أي من أجل. وقيل: هو متعلق بينظرون. وقوله: "مِنْ طَرَفٍ" يجوز في "مِنْ" أن تكون لابتداء الغاية، وأن تكون تبعيضية وأن تكون بمعنى الباء، والظرف قيل: يراد به العضو وقيل: يراد به المصدر يقال: طرفت عينه تطرف طرفاً أي ينظرون نظراً خفيًّا. فصل اعلم أنه ذكر حالهم عند عرضهم على النار، فقال: خاشعين أي خاضعين حقيرين بسبب ما لحقهم من الذل يسارقون النظر إلى النار خوفاً منها وذلة في أنفسهم، كما ينظر المقتول إلى السيف فلا يقدر أن يملأ عينيه منه، ولا يفتح عينه إنما ينظر ببعضها، وإذا كانت من بمعنى الباء أي بطرف خفي ضعيف من الذل. فإن قيل: إنه قال في صفة الكفار: إنهم يحشرون عمياً فكيف قال هاهنا إنهم ينظرون من طرفٍ خفي؟! فالجواب: لعلهم يكونون في الابتداء هاهنا ثم يصيرون عمياً، أو لعل هذا في قوم وذاك في قوم آخرين. وقيل: معنى ينظرون من طرفٍ خفيٍّ أي ينظرون إلى النار بقلوبهم لأنهم يحشرون عمياً والنظر بالقلب خفيّ. ولما وصف الله تعالى حال الكفار حكى ما يقوله المؤمنون فيهم فقال: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ ٱلْخَاسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} وقيل: خسروا أنفسهم بأن صاروا إلى النار وأهليهم بأن صاروا لغيرهم إلى الجنة. وهذا القول يحتمل أن يكون واقعاً في الدنيا، وإما أن يقولوه يوم القيامة إذا رأوهم على تلك الصفة، ثم قال: {أَلاَ إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ} أي دائم. قال القاضي: هذا يدل على أن الكافر والفاسق يدوم عذابهما والجواب: أنّ لفظ الظالم المطلق في القرآن مخصوص بالكافر قال تعالى: {أية : وَٱلْكَافِرُونَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}تفسير : [البقرة:254] والذي يؤكد هذا قوله تعالى بعد هذه الآية: {وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ} والمعنى أن الأصنام التي كانوا يعبدونها لتشفع لهم عند الله تعالى ما أتوا بتلك الشفاعة وهذا لا يليق إلا بالكافر. قوله: "يَنْصُرُونَهُمْ" صفة "لأولياء"، فيجوز أن يحكم على موضعها بالجرِّ اعتباراً بلفظ موصوفها وبالرفع اعتباراً بمحلة، فإنه اسم لكان. وقوله: "مِنْ سَبِيلٍ" إما فاعل وإما مبتدأ، والمعنى فما له من سبيل إلى الحق في الدنيا والجنة في العُقْبَى وقد أفسد عليهم طريق الخير. قوله: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} يجوز أن يكون ماضياً على حقيقته، ويكون "يَوْمَ القِيَامَةِ" معمولاً "لخَسِرُوا" ويجوز أن يكون بمعنى يقول فيكون يوم القيامة معمولاً له. قله تعالى: {ٱسْتَجِيبُواْ لِرَبِّكُمْ...} الآيات. لما ذكر الوعد والوعيد ذكر بعده ما هو المقصود، فقال: {ٱسْتَجِيبُواْ لِرَبِّكُمْ} أي أجيبوا داعي (ربكم) يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ} أي لا يقدر أحدٌ على دفعه. قوله: "مِنَ اللهِ" يجوز تعلقه بيأتي أي يأتي من الله يومٌ لا مرد له، وأن يتعلق بمحذوف يدل عليه "لاَ مَرَدَّ لَهُ" أي لا يرد ذلك اليوم ما حكم الله به فيه. وجوز الزمخشري أن يتعلق "بِلاَ مَرَدَّ"، ورده أبو حيان: بأنه يكون معمولاً وكان ينبغي أن يعرب فينصب منوناً. واختلفوا في المراد بذلك اليوم، فقيل: هو ورود الموت. وقيل: يوم القيامة، قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يكون معنى قوله: "لا مرد له" أي لا يقبل التقديم ولا التأخير، وأن يكون معناه أنه لا مرد فيه إلى حال التكليف حتى يحصل فيه التلاقي. ثم وصف اليوم فقال فيه: {مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجَأ} تلجأون إليه يقع به المخلص من العذاب {وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ} ينكر تغير ما بكم. ويجوز أن يكون المراد من النكير الإنكار، أي لا تقدرون أن تنكروا شيئاً مما اقترفتموه من الأعمال. قوله: "فَإنْ أَعْرَضُوا" عن الاستجابة ولم يقبلوا هذا الأمر {فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} بأن تحفظ أعمالهم وتُحْصِيهَا {إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ} أي ما عليك إلا البلاغ، وذلك تسلية من الله تعالى له. ثم بين السبب في إصرارهم على الكفر فقال: {وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً} قال ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ يعني الغنى والصحة "فرح بها". واعلم أن نعم الله وإن كانت في الدنيا عظيمة إلا أنها بالنسبة إلى سعادات الآخرة كالقطرة بالنسبة إلى البحر، فلذلك سميت ذوقاً. فبين (الله) تعالى أن الإنسان إذا حصل له هذا القدر الحقير في الدنيا فرح به وعظم غروره، ووقع في العجب والكبر، ويظن أنه فاز بكل المنى، ووصل إلى أقصى السعادات، وهذه طريقة من ضعف اعتقاده في سعادات الآخرة. ثم إنه تعالى بين أنه متى أصابهم سيئة أي شيء يسوءهم في الحال كالمرض والفقر والقحط وغيرها فإنه يظهر الكفر وهو (معنى) قوله: {فَإِنَّ ٱلإِنسَانَ كَفُورٌ}، والكفور: هو المبالغ في الكفران والمراد بقوله: كفور أي لما تقدم من نعمة الله عليه ينسى ويجحد بأول شدة جميع ما سلف من النِّعم. وقوله: فإنَّ الإنسان من وقوع الظاهر موقع المضمر أي فإنه كفور. وقدر أبو البقاء: ضميراً محذوفاً فقال فإن الإنسان (منهم) ولما ذكر إذاقة الإنسان الرحمة وإصابته بعدها اتبع ذلك بقوله: {لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} له التصرف فيهما بما يريد والمقصود منه أن لا يغتر الإنسان بما ملكه من المال والجاه بل إذا علم أن الكل ملك لله وملكه وإنما حصل له القدر إنعاماً من الله عليه فيصير ذلك حاملاً له على مزيد من الطاعة. ثم ذكر من أقسام تصرف الله تعالى في العالم أنه يخص البعض بالأولاد والإناث والبعض بالذكور والبعض بهما، والبعض بأن يجعله محروماً من الكل وهو المراد بقوله: {وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً}. قوله: {ذُكْرَاناً وَإِنَاثا} حال وهي حال لازمة؟ وسوغ مجيئها كذلك أنها بعد ما يجوز أن يكون الأمر على خلافه، لأن معنى يزوجهم يقرنهم. قال الزمخشري: فإن قلت: لم قدم الإناث على الذكور مع تقديمهم عليهن ثم رجع فقدمهم؟! ولم عرف الذكور بعدما نكَّر الإناث؟!. قلت: لأنه ذكر البلاء في آخر الآية الأولى، وكفران الإنسان بنسيانه الرحمة السابقة عنه، ثم عقبه بذكر ملكه ومشيئته وذكر قسمة الأولاد فقد الإناث؛ لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاؤه لا ما يشاؤ (ه) الإنسان، فكان ذكر الإناث اللاتي من جملة ما يشاؤه الإنسان أهم، والأهم واجب التقديم، وليليَ الجنس التي كانت العرب تعده بلاء (ذكر) البلاء، وآخر الذكور، فلما أخرهم تدارك تأخيرهم وهم أحقَّاء بالتقديم وبالتَّعريف، لأن تعريفهم فيه تنويه وتشهير، كأنه قال: ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم. ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسين حظه من التقديم والتأخير وعرف أن تقديمهن لم يكن لتقدمهن ولكن لمقتضى آخر فقال: "ذُكْرَاناً وإنَاثاً" (كَمَا قَالَ: إنَّا) {أية : خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ}تفسير : [الحجرات:13] فجعل فيه {الزوجين الذكر والأنثى}. فصل قال ابن الخطيب: وفي الآية سؤالات: الأول: أنه قدم الإناث في الذكر على الذكور أولاً، ثم قدم الذكور على الإناث ثانياً فما السبب في هذا التقديم والتأخير؟ الثاني: أنه نكّر الإناث وعرف الذكور وقال في الصِّنفين معاً {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً}. الثالث: لما كان حصول الولد هبة من الله تعالى فيكفي في عدم حصوله أن لا يهب فأيّ حاجة في عدم حصوله إلى قوله: {وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً}. الرابع: هل المراد بهذا الحكم جمع معيَّنون أو الحكم على الإنسان المطلق؟. والجواب على الأول: أن الكريم يسعى في أن يقع الحتم على الخير والراحة فإذا وهب الأنثى أولاً ثم أعطي الذكر بعده فكأنه نقله من الغم إلى الفرح، وهذا غاية الكرم، أما إذا أعطي الذكر أولاً ثم أعطي الأنثى ثانياً فكأنه نقله من الفرح إلى الغم، فذكر الله تعالى هبة الأنثى أولاً، ثم ثنَّى بهبة الذكر حتى يكون قد نقله من الغم إلى الفرح فيكون أليق بالكرم. قيل: من يُمْنِ المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر؛ لأن الله بدأ بالإناث وأما تقديم ذكر الذكور على الإناث ثانياً؛ لأن الذكر أكمل وأفضل من الأنثى، والأفضل مقدم على المفضول. وأما الجواب عن تنكير الإناث وتعريف الذكور فهو أن المقصود منه التنبيه على أن الذكر أفضل من الأنثى وأما قوله: {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً} وهو أن كل شيئين يقرن أحدهما بالآخر، فهما زوجان وكل واحد منهما يقال له: زوج والكناية في "يُزَوِّجُهُمْ" عائدة على الإناث والذكور والمعنى يجعل الذكور والإناث أزواجاً أي يجمع له بينهما فيولد له الذكور والإناث. وأما الجواب عن قوله "عقيماً" فالعقيم هو الذي لا يلد ولا يولد له يقال: رَجُلٌ عَقِيمٌ، وامْرَأَةٌ عَقِيمٌ، وأصل العقم القطع ومنه قيل: الملك عقيمٌ، لأنه يقطع فيه الأرحام بالقتل والعقوق. وأما الجواب عن الرابع فقال ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ: يَهبُ لمن يشاء إناثاً، يريد لوطاً وشعيباً لم يكن لهما إلا البنات، {وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ} يريد: إبراهيم لم يكن له إلا الذكور، {أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً} يريد محمداً صلى الله عليه وسلم كان له من البنين ثلاثة على الصحيح القاسم وعبدالله، وإبراهيم، ومن البنات إربع: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة {وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً} يريد يحيى وعيسى ـ عليهما الصَّلاة والسَّلام ـ. وقال أكثر المفسرين: هذا على وجه التمثيل، وإنما الحكم عام في كل الناس؛ لأن المقصود بيان نفاذ قدرة الله تعالى في تكوين الأنبياء كيف شاء، فلا معنى للتخصيص. ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: {إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}. قال ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ: عليم بما خلق قدير على ما يشاء أن يخلقه. والله أعلم.

السلمي

تفسير : قال أبو سعيد القرشى: والصبر على المكاره من علامات الأنبياء فمن صبر على مكروه يصيبه ولم يجزع أورثه الله الرضا وهو أحد الأحوال ومن جزع من المصائب وشكا وَكِلَه الله إلى نفسه ثم لم ينفعه شكواه.

القشيري

تفسير : صَبَرَ على البلاْءِ من غير شكوى، وغَفَرَ - بالتجاوز عن الخَصْمِ - ولم تبقَ لنَفْسه عليه دعوى، بل يُبرئ خَصْمَه من كل دعوى، في الدنيا والعُقبى.. فذلك من عزم الأمور.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولمن صبر} على الاذى واللام للابتدآء ومن موصولة مبتدأ {وغفر} لمن ظلمه ولم ينتصر وفوض امره الى الله تعالى وعن على رضى الله عنه الجزع اتعب من الصبر شعر : درحوادث بصبر كوش كه صبر برضاى خداى مقرونست تفسير : {ان ذلك} منه لانه لا بد من العائد الى المبتدأ فحذف ثقة بغاية ظهوره كما فى قوله السمن منوان بدرهم وفى حواشى سعدى المفتى قد يقال لا حاجة الى تقدير الراجع لان ذلك اشارة الى صبره لا الى مطلق الصبر فهو متضمن للضمير فان قلت ان دلالة الفعل انما هى على الزمان ومطلق الحدث كما قرر فالظاهر رجوع الضمير اليه قلت نعم ولكن اسناده الى ضمير من يفيده {لمن عزم الامور} اى من معزومات الامور اى مما يجب العزم عليه من الامور بايجاب العبد على نفسه لكونه من الامور المحمودة عند الله تعالى والعزم عقد القلب على امضاء الامر والعزيمة الرأى الجد كما فى المفردات وبالفارسية ازمهم ترين كارها اسب واين فى الحقيقة ازكار مردانست كه همه كس راقوات اين نباشدكه جفا كشد و وفاكند (قال الحافظ) جفا خوريم وملامت كشيم وخوش باشيم كه در طريقت ما كافريست رنجيدن. قال فى برهان القرءآن قوله تعالى ان ذلك لمن عزم الامور وفى لقمان من عزم الامور لان الصبر على الوجهين صبر على مكروه ينال الانسان ظلما فمن قتل بعض اعزته وصبر على المكروه ليس كمن مات بعض اعزته فالصبر على الاول اشد والعزم عليه اوكد وكان ما فى هذه السورة من الجنس الاول لقوله ولمن صبر وغفر فأكد الخبر باللام والآية فى المواد التى لا يؤدى العفو فيها الى الشر كما اشير اليه فان العفو مندوب اليه ثم قد ينعكس الامر فى بعض الاحوال فيرجع ترك العفو مندوبا اليه وذلك اذا احتيج الى كف زيادة البغى وقطع مادة الاذى (يحكى) ان رجلا سب رجلا فى مجلس الحسن رحمه الله فكان المسبوب يكظم ويعرق فيمسح العرق ثم قام فتلا هذه الاية فقال الحسن عقلها والله وفهمها اذ ضيعها الجاهلون قال ابو سعيد القرشى رحمه الله الصبر على المكاره من علامات الانتباه فمن صبر على مكروه يصيبه ولم يجزع اورثه الله تعالى حالة الرضى وهو اجل الاحوال ومن جزع من المصائب وشكاها وكله الله الى نفسه ثم لم ينفعه شكواه وقال بعضهم من صبر فى البلوى من غير شكوى وعفا بالتجاوز عن الخصم فلا يبقى لنفسه عليه دعوى بل يبرأ خصمه من جهة ما عليه من كل دعوى فى الدنيا والعقبى ان ذلك لمن عزم الامور حديث : وروى ان ازواج النبى عليه السلام اجتمعن فارسلن فاطمة رضى الله عنها اليه يطلبن منه ان يحبهن كعائشة فدخلت عليه وهو مع عائشة فى مرطها وهو بالكسر كساء من صوف او خز فقالت ما قلن رضى الله عنهن فقال عليه السلام لفاطمة "اتحبيننى" فقال نعم قال "فاحبيها" تفسير : اى عائشة فرجعت اليهن فاخبرتهن بما قال لها اى لفاطمة فقلن لم تصنعى شيئا فاردن ان يرسلنها ثانيا فلم ترض فارسلن زينب بنت جحش رضى الله عنها وكانت ازهد ازواجه حتى قالت عائشة فى حقها لم ار قط امرأة خيرا فى الدين من زينب وكانت لها منزلة عنده عليه السلام تضاهى منزلة عائشة فقالت ان نساءك يسألنك العدل فى بنت ابن ابى قحافة يعنى يسألنك التسوية بينهن وبين عائشة فى المحبة ثم أقبلت على عائشة فشتمتها فلما استطالت عليها استقبلتها عائشة وعارضتها بالمدافعة حتى قهرتها وأسكتتها وفى الكشاف ان زينب اسمعت بحضرته وكان ينهاها فلا تنتهى فقال لعائشة "حديث : دونك فانتصرى" تفسير : اى تقدمى واقربى فانتقمى من زينب فأفحمتها فقال عليه السلام "حديث : انها ابنة ابى بكر" تفسير : اشارة الى كمال فهمها وحسن منطقها قال ابن الملك وفى الحديث دلالة على جواز الانتقام بالحق لكن العفو أفضل لقوله تعالى {أية : فمن عفا وأصلح فأجره على الله} تفسير : (قال الصائب) درجنك ميكندلب خاموش كار تيغ دادن جواب مردم نادان جه لازمست

اطفيش

تفسير : {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ} هذه اللام تصح للابتداء وللقسم أعني تشعر به والله من صبر على الظلم ولم ينتصر وفوض أمره الى الله. {إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} خير من صبر والرابط محذوف أي ان ذلك منه أو ان فعله ذلك فخاف المنعوت أو المبدل منه والاشارة للمذكور الذى هو الصبر والغفر وان رجعت لمن هي فهي الرابط فبتقدير مضاف أي لمن أهل عزم الأمور (وعزم الأمور) احكامها واتقانها وهو مصدر باق أو بمعنى مفعول أو معزوم الأمور أي من الأمور المطلوبة شرعاً قيل عزم الأمور محكمها ومتقنها والحميد العاقبة منها ومن رأى الآية فيما بين المؤمنين والكافرين وان الصبر للمشركين أفضل قال ان الآية نسخت بآية السيف ومن رآها بين المؤمنين قال محكمة والصبر للمؤمن والغفران أفضل اجماعاً. وفي الحديث: "حديث : ينادى يوم القيامة من كان له عند الله أجر فليقم فيقوم خلق وروي عنق من الناس كبير فيقال لهم ما أجركم على الله فيقولون نحن الذين عفونا عمن ظلمنا في الدنيا فيقال لهم ادخلوا الجنة بفضل الله" تفسير : أو باذنه وعن بعض ان الصابر يؤتى بصبره الثواب فالرغبة في الثواب أتم عزم. وسب رجل رجلاً في مجلس الحسن فكان المسبوب يكظم ويعرق فيمسح العرق فتلا الآية فقال الحسن: عقلها والله وفهمها اذ ضيعها الجاهلون. وقال ابن أبي الأحوص: "حديث : يا رسول الله أن لي جاراً يسيء مجاورتى أفأفعل به كما يفعل بي قال: لا ان اليد العليا خير من اليد السفلى"تفسير : . وأراد باساءة المجاورة أنه يضره برائحة طعامه أو اظهاره ولا يعطيه بدليل قوله: "حديث : ان اليد العليا" تفسير : الخ فكأنه قال اعطه ولو لم يعطك فان اليد العليا المنفقة والسفلى الآخذة وان بلا سؤال وقال الجمهور الآخذة بعد السؤال أعنى انها تسأل فتعطى وقيل: المانعة أو أراد بالاساءة المجاورة أنه غير عفيف فيده السفلى والعليا هي المتجففة أو أراد بالاساءة الضر من حيث الطعام وخيره فقال: لا تضره بما ضرك وبين خصوص الضر من حيث المال بعد ذلك بقوله: ان اليد الخ واذا احتج الى كف زيادة البغي وقطع الأذى فترك العفو مندوب اليه كما يدل له قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها "حديث : دونك فانتصري" تفسير : بعد ما أسمعتها زينب رضي الله عنها ما تكره فنهاها ولم تنته

اطفيش

تفسير : {ولَمن صبَرَ} للظلم، أو بمعنى أصلح {وغفَرَ} للظالم حيث لا ينقص دين الله بذلك {إنَّ ذَلكَ} المذكور من الصبر والغفران {لِمَن عَزم الأمور} أى الأمور ذات العزم، أى المعزوم عليها أى التى عالج النفس وقهرها عليها، إذ صبر وغفر مع القدرة، أو الأمور العازمة، واللام للابتداء لا للقسم، إذ لا دليل عليه، ومن موصولة لا شرطية لاحتياجها الى حذف الجواب، أو تقدير الفاء واللام فى قوله: {لمِن عزم الأمور} لام التأكيد، خبر ان لا لام القسم، ورابط المبتدأ محذوف أى ان ذلك منه، أو الإشارة الى ما أضيف الى ضميره، أى إن ذلك المذكور من صبره أو غفره، أو إن فعله ذلك، وفى الحقيقة الربط بهذا الضمير، أو الاشارة الصابر الغافر، فهى الرابط على حذف مضاف، أى ان شأن ذلك الصابر الغافر لمن عزم الأمور. قالت عائشة رضى الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : كنت بين شر جارين بين أبى لهب وعقبة بن أبى معيط ان كانا ليأتيان بالفروث فيطرحانها على بابى حتى إنهما ليأتيان ببعض ما يطرحان فيطرحانه على بابى" تفسير : قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : قال موسى بن عمران: يا رب من أعز عبادك عندك؟ قال من اذا قدر غفر"تفسير : رواه البيهقى، قال أنس: "حديث : اذا أوقف الله العباد الحساب، نادى مناد ليقم من أجره على الله تعالى، فليدخل الجنة، ثم نادى الثانية ليقم من أجره على الله تعالى قالوا: من الذى أجره على الله تعالى؟ قال العافون عن الناس فقام كذا وكذا ألفا فدخلوا الجنة بغير حساب"تفسير : كذا رواه البيهقى. وعن أبى هريرة: شتم أبا بكر رجل فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجب ويتبسم، فلما أكثر رد عليه بعض قوله فغضب النبى صلى الله عليه وسلم وقام، ولحقه أبو بكر رضى الله تعالى عنه، فقال: يا رسول الله كان يشتمنى وأنت جالس، فما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت؟ قال: " حديث : إنه كان معك ملك يرد عنك فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان فلم أكن لأقعد مع الشيطان" تفسير : ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاث من الحق: ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضى عنها الله تعالى إلا أعزه الله عز وجل بنصره، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده الله تعالى بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة إلا زاده الله بها قلة" تفسير : وفى هذه الرواية عتاب الصديق على ترك الأولى، لا منافاة للآية، فقد روى ابن ماجة والنسائى " حديث : أن زينب دخلت على عائشة فجعلت تسبها فنهاها النبى صلى الله عليه وسلم ولم تنته، فقال صلى الله عليه وسلم: سبيها فسبتها حتى جف ريق زينب، ووجهه يتهلل أى زاد تهللا بالانصاف لها، أو بقى على حاله من التهلل لم يتغير " تفسير : ، وقيل الأولى رفع المسىء الى من يحكم بالحق.

الالوسي

تفسير : تحذير عن الظلم والبغي وما يؤدي إلى العذاب الأليم بوجه، وفيه حض على ما حض عليه أولاً اهتماماً به وزيادة ترغيب فيه، فالصبر هنا هو الإصلاح المؤخر فيما تقدم قدم هٰهنا، وعبر عنه بالصبر لأنه من شأن أولي العزم وإشارة إلى أن الإصلاح بالعفو والإغضاء إنما يحمد إذا كان عن قدرة لا عن عجز. و {ذٰلِكَ} إشارة إلى المذكور من الصبر والمغفرة، و {عَزْمِ ٱلأمُورِ} الأمور المعزومة المقطوعة أو العازمة الصادقة، وجوز في {مِنْ} أن تكون موصولة وأن تكون شرطية، وفي اللام أن تكون ابتدائية وأن تكون قسمية واكتفى بجواب القسم عن جواب الشرط، وإذا جعلت اللام للابتداء و {مِنْ} شرطية فجملة {إِنَّ ذٰلِكَ} جواب الشرط وحذفت الفاء منها، ومن يخص الحذف بالشعر لا يجوز هذا الوجه، وذكر جماعة أن في الكلام حذفاً أي إن ذلك منه لمن عزم الأمور، وعلل ذلك بأن الجملة خبر فلا بد فيها من رابط و {ذٰلِكَ} لا يصلح له لأنه إشارة إلى الصبر والمغفرة، وكونه مغنياً عنه لأن المراد صبره أو {ذٰلِكَ} رابط والإشارة لمن بتقدير من ذوي عزم الأمور تكلف. هذا واختار العلامة الطيبـي أن تسمية الفعلية الثانية التي هي الجزاء سيئة من باب التهجين دون المشاكلة، وزعم أن المجازي مسيء وبنى على ذلك ربط جملة {أية : إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظالمين} تفسير : [الشورى: 40] بما قبل فقال: يمكن أن يقال لما نسب المجازي إلى المساءة في قوله سبحانه: {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا} تفسير : [الشورة: 40] والمسيء في هذا المقام مفسداً لما في البين بدليل {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ} علل مفهوم ذلك بقوله سبحانه: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} كأنه قيل: من أخرج نفسه / بالعفو والإصلاح من الانتساب إلى السيئة والإفساد كان مقسطاً إن الله يحب المقسطين فوضع موضعه {فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ} ومن اشتغل بالمجازاة وانتسب إلى السيئة وأفسد ما في البين وحرم نفسه ذلك الأجر الجزيل كان ظالماً نفسه {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} فالآية واردة إرشاداً للمظلوم إلى مكارم الأخلاق وإيثار طريق المرسلين. وقال: إن قوله تعالى: {أية : وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ} تفسير : [الشورى: 41] الخ خطاب للولاة والحكام وتعليم فعل ما ينبغي فعله بدليل قوله سبحانه: {أية : إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ} تفسير : [الشورى: 42] حيث أعاد السبيل المنكر بالتعريف وعلق به {يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ} وفسره بقوله تعالى: {عَذَابٌ أَلِيمٌ} وكذا قوله سبحانه: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ} الخ تعليم لهم أيضاً طريق الحكم يعني أن صاحب الحق إذا عدل من الأولى وانتصر من الظالم فلا سبيل لكم عليه لما قد رخص له ذلك وإذا اختار الأفضل فلا سبيل لكم على الظالم لأن عفو المظلوم من عزم الأمور فتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان انتهى، ولا يخفى ما فيه وفي «الكشف» أن جعل ما ذكر خطاباً للولاة والحكام يوجب التعقيد في الكلام فالمعول عليه ما قدمناه. وقد جاءت أخبار كثيرة في فضل العافين عمن ظلمهم، أخرج البيهقي في «شعب الإيمان» عن أبـي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قال موسى ابن عمران عليه الصلاة والسلام يا رب من أعز عبادك عندك؟ قال: من إذا قدر غفر»تفسير : وأخرج ابن أبـي حاتم وابن مردويه والبيهقي في «الشعب» عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا وقف العباد للحساب نادى مناد ليقم من أجره على الله تعالى فليدخل الجنة ثم نادى الثانية ليقم من أجره على الله تعالى قالوا: ومن ذا الذي أجره على الله تعالى؟ قال: العافون عن الناس فقام كذا وكذا ألفاً فدخلوا الجنة بغير حساب»تفسير : . وأخرج أحمد وأبو داود عن أبـي هريرة أن رجلاً شتم أبا بكر رضي الله تعالى عنه والنبـي صلى الله عليه وسلم جالس فجعل عليه الصلاة والسلام يعجب ويتبسم فلما أكثر رد عليه بعض قوله فغضب النبـي صلى الله عليه وسلم وقام فلحقه أبو بكر رضي الله تعالى عنه فقال: يا رسول الله كان يشتمني وأنت جالس فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت قال: إنه كان معك ملك يرد عنك فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان فلم أكن لأقعد مع الشيطان ثم قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : ثلاث من الحق ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله تعالى ألا أعز الله عز وجل بها نصره وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده الله تعالى بها كثرة وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله تعالى بها قلة»تفسير : استشكل هذا الخبر بأنه يشعر بعتب أبـي بكر رضي الله تعالى عنه وهو نوع من السبيل المنفي في قوله تعالى: {أية : وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مّن سَبِيلٍ} تفسير : [الشورى: 41] وأجيب بأنا لا نسلم ذلك وليس فيه أكثر من تنبيهه رضي الله تعالى عنه على ترك الأولى وهو شيء والعتب شيء آخر، وكذا لا يعد لوماً كما لا يخفى. ومن الناس من خص السبيل في الآية بالإثم والعقاب فلا إشكال عليه أصلاً، وقيل: هو باق على العموم إلا أن الآية في عوام المؤمنين ومن لم يبلغ مبلغ أبـي بكر رضي الله تعالى عنه فإن مثله يلام بالشتم وإن كان بحق بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأذن له به قالاً أو حالاً بل لاح عليه صلى الله عليه وسلم ما يشعر باستحسان السكوت عنه وحسنات الأبرار سيآت المقربين. وقد أمر صلى الله عليه وسلم بعض الأشخاص برد الشتم على الشاتم، أخرج النسائي وابن ماجه / وابن مردويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: دخلت عليَّ زينب رضي الله تعالى عنها وعندي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبلت علي تسبني فوزعها النبـي عليه الصلاة والسلام فلم تنته فقال لي: سبيها فسببتها حتى جف ريقها في فمها ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل سروراً، ولعله كان هذا منه عليه الصلاة والسلام تعزيزاً لزينب رضي الله تعالى عنها بلسان عائشة رضي الله تعالى عنها لما أن لها حقاً في الرد ورأى المصلحة في ذلك وقد ذكر فقهاؤنا أن للقاضي أن يعزر من استحق التعزير بشتم غير القذف وكذا للزوج أن يعزر زوجته على شتمها غير محرم إلى أمور أخر فتأمل. وظاهر قوله تعالى: {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا} تفسير : [الشورى: 40] يقتضي رعاية المماثلة مطلقاً، وفي «تفسير الإمام» ((أن الآية تقتضي وجوب رعاية المماثلة في كل الأمور إلا فيما خصه الدليل لأنه لوحملت المماثلة فيها على المماثلة في أمر معين فهو غير مذكور فيها فيلزم الإجمال وعلى ما قلنا يلزم تحمل التخصيص ومعلوم أن دفع الإجمال أولى من دفع التخصيص، والفقهاء أدخلوا التخصيص فيها في صور كثيرة، تارة بناء على نص آخر أخص، وأخرى بناء على القياس، ولا شك أن من ادعى التخصيص فعليه البيان والمكلف يكفيه أن يتمسك بها في جميع المطالب. وعن مجاهد والسدي إذا قال له: أخزاه الله تعالى فليقل أخزاه الله تعالى وإذا قذفه قذفاً يوجب الحد فليس له ذلك بل الحد الذي أمر الله تعالى به)). ونقل أبو حيان عن الجمهور أنهم قالوا إذا بغى مؤمن على مؤمن فلا يجوز له أن ينتصر منه بنفسه بل يرفع ذلك إلى الإمام أو نائبه. وفي «مجمع الفتاوى» جاز المجازاة بمثله في غير موجب حد للإذن به {وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ} والعفو أفضل {أية : فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ} تفسير : [الشورى: 40] وقال ابن الهمام: الأولى أن الإنسان إذا قيل له ما يوجب التعزير أن لا يجيبه قالوا: لو قال له: يا خبيث الأحسن أن يكف عنه ويرفعه إلى القاضي ليؤدبه بحضوره ولو أجاب مع هذا فقال: بل أنت لا بأس. وفي «التنوير وشرحه» ضرب غيره بغير حق وضربه المضروب أيضاً يعزران كما لو تشاتما بين يدي القاضي ولم يتكافآ. وأنت تعلم ما يقتضيه ظاهر الآية ولا يعدل عنه إلا لنص، وظاهر كلام العلامة الطيبـي أن المظلوم إذا عفا لا يلزم الظالم التعزير بضرب أو حبس أو نحوه، وذكر فقهاؤنا أن التعزير يغلب فيه حق العبد فيجوز فيه الإبراء والعفو واليمين والشهادة على الشهادة وشهادة رجل وامرأتين ويكون أيضاً حقاً لله تعالى فلا عفو فيه إلا إذا علم الإمام انزجار الفاعل إلى آخر ما قالوا، ويترجح عندي أن الإمام متى رأى بعد التأمل والتجرد عن حظوظ النفس ترك التعزير للعفو سبباً للفساد والتجاسر على التعدي وتجاوز الحدود عزر بما تقتضيه المصلحة العامة وليبذل وسعه فيما فيه إصلاح الدين وانتظام أمور المسلمين وإياه أن يتبع الهوى فيضل عن الصراط المستقيم.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة { أية : ولَمَن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل } تفسير : [الشورى: 41]، وموقع هذه الجملة موقع الاعتراض بين جملة { أية : إنما السبيل على الذين يظلمون الناس } تفسير : [الشورى: 42] وجملة {أية : ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده} تفسير : [الشورى: 44]. وهذ الجملة تفيد بيان مزية المؤمنين الذين تحملوا الأذى من المشركين وصبَروا عليه ولم يؤاخذوا به من آمن ممن آذوهم مثل أختِ عمر بن الخطاب قبل إسلامه، ومثل صهره سعيد بن زيد فقد قال "لقد رأيتُني وأن عُمر لمُوثقِي على الإسلام قبل أن يسلم عُمر"، فكان في صبْر سعيدٍ خير دخل به عمر في الإسلام، ومزية المؤمنين الذين يصبرون على ظلم إخوانهم ويغفرون لهم فلا ينتصفون منهم ولا يستَعْدون عليهم على نحو ما تقدم في مسألة التحلل عند قوله تعالى: { أية : فمن عفا وأصلح فأجره على الله } تفسير : [الشورى: 40]. واللام الداخلة على (مَن) لاَم ابتداء و(مَن) موصولة. وجملة {إن ذلك لمن عزم الأمور} خبر عن (مَن) الموصولة، ولام {لمن عزم الأمور} لام الابتداء التي تدخل على خبر {إنَّ} وهي من لامات الابتداء. وقد اشتمل هذا الخبر على أربعة مؤكدات هي: اللام، وإنَّ، ولام الابتداء، والوصف بالمصدر في قوله: {عزم الأمور} تنويهاً بمضمونه، وزيد تنويهاً باسم الإشارة في قوله {إن ذلك} فصار فيه خمسة اهتمامات. والعزم: عقد النية على العمل والثباتُ على ذلك والوصف بالعزم مشعر بمدح الموصوف لأن شأن الفضائل أن يكون عملها عسيراً على النفوس لأنها تعاكس الشهوات، ومن ثَمَّ وصف أفضل الرسل بأولي العزم. و{الأمور}: جمع أمر. والمراد به هنا: الخِلال والصفات وإضافة {عزم} إلى {الأمور} من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي من الأمور العَزم. ووصف {الأمور} بــ(العزم) من الوصف بالمصدر للمبالغة في تحقق المعنى فيها، وهو مصدر بمعنى اسم الفاعل، أي الأمور العامة العازم أصحابها مجازاً عقلياً. والإشارة بــ{ذلك} إلى الصبر والغفران المأخوذين من {صبر وغفر} والمتحمليْن لضمير (مَن) الموصولة فيكون صوغ المصدر مناسباً لما معه من ضمير، والتقدير: إنَّ صبْره وغَفْرَه لَمِن عزم الأمور. وهذا ترغيب في العفو والصبر على الأذى وذلك بين الأمة الإسلامية ظاهر، وأما مع الكافرين فتعتريه أحوال تختلف بها أحكام الغفران، وملاكها أن تترجّح المصلحة في العفو أو في المؤاخذة.

د. أسعد حومد

تفسير : (43) - وَبَعْدَ أَنْ ذَمَّ اللهُ تَعَالَى الظُّلْمَ وَأَهْلَهُ، وَشَرَعَ القِصَاصَ وَالانْتِصَارَ مِنَ الظَّالِمِينَ، نَدَبَ النَّاسَ إِلَى العَفْوِ والمَغْفِرَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا تَمْكِينٌ لِلْفَسَادِ فِي الأَرْضِ، فَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ الصَّبْرَ عَلَى الأَذَى وَمَغْفِرَةَ السَّيئَةِ وَسَتْرَهَا مِنَ الأُمُورِ المَشْكُورَةِ، وَالأَفْعَالِ الحَمِيدَةِ التِي يُجْزِلُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهَا الثَّوَابَ لِفَاعِلِيهَا، وَمِنَ الأُمُورِ التِي يَنْبَغِي عَلَى العَاقِلِ أَنْ يُوَجِبَهَا عَلَى نَفْسِهِ. (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لأَِبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: حديث : يَا أَبَا بَكْرٍ ثَلاَثٌ كُلُّهُنَّ حَقٌّ: مَا مِنْ عَبْدٍ ظُلِمَ بِمَظْلَمَةٍ فَيُغْضِي عَنْهَا إِلاَّ أَعَزَّهُ اللهُ تَعَالَى بِهَا وَنَصَرَهُ. وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ عَطِيَّةٍ يُرِيدُ بِهَا صِلَةً إِلاَّ زَادَهُ اللهُ بِهَا كَثْرَةً. وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ يُرِيدُ بِهَا كَثْرَةً إِلاَّ زَادَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا قِلَّةًتفسير : ). (أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيِْرَةَ). مِنْ عَزمِ الأُمُورِ - مِنَ الأُمُورِ الحَمِيدَةِ المَشْكُورَةِ أَوْ مِنَ الأَمُورِ التِي يُوجِبُهَا الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : جاء في وصية لقمان لابنه: {أية : وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [لقمان: 17] هكذا دون توكيد باللام التي هنا {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} [الشورى: 43]. صحيح أن المعنى العام واحد وهو الدعوة إلى الصبر، لكن فرْق بين الصبر على مصيبة ليس لك فيها غريم، والصبر على مصيبة لك فيها غريم، فوجود الغريم يحتاج إلى قوة في الصبر وتحمُّل، لأنك كلما رأيتَ غريمك هاجتْ عندك دواعي الانتقام، فلقمان يوصي ولده بالصبر على مصيبة ليس فيها غريم، فلم يحتج إلى توكيد. أمَّا هنا فالكلام عن الصبر حينما يكون لك غريم تفكر في الانتقام منه وردّ السيئة بمثلها، فأنت في حاجة إلى قوة تُعينك على الصبر وطاقة تأخذك من مجال الانتصار للنفس إلى مجال العفو والصفح، لذلك أكَّد الكلام باللام مرتين في الآية. وقوله تعالى: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ ..} [الشورى: 43] يعني: أننا أمام مرحلتين: الصبر على الإساءة ثم غفران الإساءة، فكثير من الناس يصبر على مَنْ أساء إليه لكنه لا يغفر له إساءته، لأن مرحلة الغفران تحتاج إلى قوة إيمان وقوة عزيمة {إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} [الشورى: 43]. يعني: الأمور المهمة التي تحتاج منك إلى عزيمة وثبات وقوة تطفئ بها نار الحقد والثأر والانتقام، وقوة أخرى تستمد منها طاقة للمغفرة، وهذه لا تكون إلا للمؤمن الواثق بأن ما عند الله خيرٌ وأبْقى، وأنه سينال بالعفو ما لم يَنلْهُ بالانتقام. إذن: الحق سبحانه أباح لك أنْ تنتقم لنفسك، ثم دعاك إلى العفو ورغَّبك فيه، فمتى يكون الانتقام؟ ومتى يكون العفو؟ قالوا: العفو أوْلَى من الانتقام والانتصار للنفس، إلا إذا كان المسيء الظالم من الجاهلين الذين لا يزيدهم العفو إلا تمادياً في الظلم، ولا يزيده حِلْمك عليه إلا طمعاً فيك، فهذا لا بدَّ له من المعاملة بالمثل ليرتدع ولا يتمادى في ظلم الناس. وقد تنبه إلى هذه الحقيقة كثير من الشعراء العرب القدماء، يقول المتنبي: شعر : مِنَ الحِلْم أنْ تسْتَعْمِل الجهْلَ دُونَه إذَا اتَّسَعَتْ في الحِلْم طُرقُ المظَالِمِ تفسير : وقال أيضاً: شعر : إذَا أنْتَ أكْرمْتَ الكَريمَ مَلَكْتَهُ وإنْ أنتَ أكْرمْتَ اللئيمَ تمرَّدا وَوَضعُ النَّدي فِي مَوْضِعِ السَّيْفِ بِالعُلا مُضِرّ كوضْعِ السَّيْفِ فِي موْضعِ النَّدىَ تفسير : وقال آخر: شعر : ولاَ خَيْر في حِلْم إذَا لم تكُنْ لَهُ بَوَادِرُ تَحْمِي صَفْوَهُ أنْ يُكدَّرا تفسير : وفي تاريخ قبائل العرب ما يؤكد ذلك، فبعض القبائل كانت شرسة وقوية لا تقبل الضيم مثل بني مازن، كانت حجة في الانتصار لنفسها، فصار الناس يرهبونها، ولا يجرؤ أحد على التعدي عليها، ومن القبائل التي كانت تجهل وتغتر بعفو مَنْ عفا عنها قبيلة بني اللقيطة من بني ذهل. أما طيء فكانت قبيلة مسالمة تعفو وتصفح وتقابل السيئة بالإحسان، لذلك طمع فيها بنو ذهل وتمادوا في التعدي عليها حتى فاض بشاعرهم بعد أن استباحوا أرضه وأخذوا إبله، فضاق بما عليه قبيلته من العفو عمَّنْ لا يستحق العفو، فقال في وصفهم: شعر : كَأنَّ ربَّكَ لَمْ يخلُقْ لخَشْيتهِ سِواهُمُ مِنْ جَمِيع النَّاسِ إنْسَانَا ويَجْزُونَ مِن ظُلْم أهلِ الظلْمِ مَغْفرةً وَمِنْ إسَاءةِ أهْلِ السُّوءِ إحْسَانَا تفسير : ثم قال قصيدته المشهورة في الأدب العربي: شعر : صَفَحْنَا عَنْ بَنِي ذُهْل وَقُلْنَا القَوْمُ إخْوَانُ عَسَى الأيَّامُ أنْ يرجعْنَ قَوْماً كَالذِي كَانُوا فَلمَّا صرَّح الشرُّ وَأمْسَى وَهْو عُرْيانُ مَشَيْنَا مشْيةَ الليْثِ غَدَا وَالليْثُ غَضْبَانُ بِضَرْبٍ فيهِ تَوْهِينٌ وَإضْعَافٌ وإقْرَانُ وَطَعْنٍ كَفَمِ الزِّقِّ غَدَا وَالزِّقُّ ملآنُ وَبَعْضُ الحِلْم عنْدَ الجهْلِ للذلَّةِ إذْعَانُ وَفِي الشَّر نجاةٌ حِينَ لاَ يُنجِيكَ إحْسَانُ تفسير : وما أجمل قول الإمام علي رضي الله عنه: شعر : لَئِنْ كُنْتُ مُحتَاجاً إلى الحِلْم إنّني إلَى الجَهْل في بَعْضِ الأحَايينِ أحْوجُ وَلي فَرَسٌ للحِلْم بِالحِلْمِ مُلْجَم وَلِيِ فَرَسٌ لِلْجَهْل بالجهْلِ مُسْرَجُ فَمَنْ رامَ تَقْوِيمي فإنِّي مُقوّم وَمَنْ رامَ تَعْويجِي فَإنِّي مُعْوجُ

الأندلسي

تفسير : {إِنَّ ذَلِكَ} الإِشارة بذلك إلى ما يفهم مصدر صبر وغفر والعائد على الموصولة المبتدأ من الخبر محذوف أي أن ذلك منه لدلالة المعنى عليه. {لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} إن كان ذلك إشارة إلى المصدر المفهوم من قوله: ولمن صبر وغفر لم يكن في عزم الأمور حذف وإن كان ذلك إشارة إلى المبتدأ كان هو الرابط ولا يحتاج إلى تقدير منه وكان في عزم الأمور حذف أي لأنه لمن ذوي عزم الأمور. {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا} أي على النار دل عليها ذكر العذاب. {خَاشِعِينَ} متضائلين صاغرين بما يلحقهم من الذل والصغار. {مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ} قال ابن عباس: دليل. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} الظاهر أن وقال ماض لفظاً ومعنى أي وقال الذين آمنوا في الحياة الدنيا ويكون يوم القيامة معمولاً لخسروا وقدم تعالى هبة الإِناث تأنيساً بهن وتشريفاً لهن ليهتم بصونهن والإِحسان إليهن وفي الحديث حديث : من ابتلي بشىء من هذه البنات فأحسن إليهن كن له ستراً من النارتفسير : . ولما كان العقم ليس بمحمود قال: {وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً} وهو قسيم لمن يولد له ولما كان الخنثى يحزن بوجوده لم يذكره تعالى قالوا وكانت الحلقة مستمرة ذكراً وأنثى إلى أن وقع في الجاهلية الأولى الخنثى فسئل فارض العرب ومعمرها عامر بن الظرب عن ميراثه فلم يدر ما يقول فيه وأرجأهم فلما جن عليه الليل جعل يتقلب وتذهب به الأفكار وأنكرت خادمه عليه الحالة التي هو فيها فسألته فقال لها سهرت لأمر لا أدري ما أقول فيه فقالت له: ما هو فقال شخص له ذكر وفرج كيف حاله في الميراث قالت له الأمة ورثه من حيث يبول فعقلها وأصبح يعرضها عليهم فرضوا بها وجاء الإِسلام على ذلك وقضى بذلك علي كرم الله وجهه. {إِنَّهُ عَلِيمٌ} أي بمصالح العباد. {قَدِيرٌ} على تكوين ما يشاء. {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ} أي ما ينبغي ولا يمكن إلا بأن يوحى إليه أحد وجوه الوحي من الإِلهام قال مجاهد: أو النفث في القلب وقال النقاش أو وحي في المنام وقال النخعي: كان في الأنبياء من يخط له في الأرض أو بأن يسمعه كلامه دون أن يعرف هو للمتكلم جهة ولا حيزاً كموسى عليه السلام وهذا معنى من وراء حجاب أي من خفاء عن المتكلم لا يحده ولا يتصور بذهنه عليه وليس كالحجاب في المشاهد أو بأن يرسل إليه ملكاً يشافهه بوحي الله تعالى. {إِنَّهُ عَلِيٌّ} عن صفات المخلوقين {حَكِيمٌ} تجري أفعاله على ما تقتضيه الحكمة يكلم بواسطة وبغير واسطة. {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ} أي مثل ذلك الإِيحاء المفصل أوحينا إليك إذ كان عليه السلام اجتمعت له الطرق الثلاث النفث في الردع والمنام وتكليم الله له حقيقة ليلة الإِسراء وإرسال رسول الله وهو جبريل عليه السلام. {مَا كُنتَ تَدْرِي} قبل الوحي أن تقرأ القرآن ولا كيف تدعوا الخلق إلى الإِيمان. {وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً} يحتمل أن يعود إلى قوله روحاً وإلى الكتاب وإلى الإِيمان وهو أقرب مذكور. {أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ} أخبر بالمضارع والمراد به الديمومة كقولك زيد يعطي ويمنع أي من شأنه ذلك ولا يراد به حقيقة المستقبل إذ جميع الأمور صائرة إليه على الدوام.

الجيلاني

تفسير : {وَلَمَن صَبَرَ} من المظلومين، ولم ينتصر، ولم ينتقم من الظالم كظماً وهظماً {وَغَفَرَ} أي: عفا وتجاوز مسترجعاً إلى الله، طالباً الأجر منه سبحانه {إِنَّ ذَلِكَ} العفو والصفح عند القدرة {لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} [الشورى: 43] أي: من الأمور التي آثرها أولو العزائم الصحيحة من أرباب العناية، وهم الذين يرون من الله جميع ما يرون منحة أو محنة، ويوطنون نفوسهم على الرضا بما جرى عليهم من القضاء. {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ} يمقتضى قهره وجلاله ويغويه عن طريق توحيده {فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ} سواه ينسره ويدفع عنه ما يخذله {مِّن بَعْدِهِ} أي: من بعد خذلان الله أياه {وَ} بعدما ردهم سبحانه إلى دار الانتقام بأنواع الخيبة والخسران {تَرَى} أيها الرائي {ٱلظَّالِمِينَ} المغرورين بما هم عليه من الجاه والثروة والمفاخر بالأموال والأولاد في دار الدنيا {لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ} النازل عليهم المحيط بهم من جميع جوانبهم {يَقُولُونَ} حينئذ أي: بعضهم لبعض من شدة اضطرابهم واضطراهم: {هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ} رجعة إلى الدنيا وعود إليها {مِّن سَبِيلٍ} [الشورى: 44] حتى نعود ونستعد ليومنا هذا. {وَ} هم في هواجس أنفسهم يتكلمون بهذا الكلام تحسراً وتضجراً {تَرَاهُمْ} أيها الرائي حين {يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا} أي: على النار {خَاشِعِينَ} خاضعين {مِنَ ٱلذُّلِّ} والصغار المفرط الشامل لهم {يَنظُرُونَ} نحو النار {مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ} أي: بنظرة حفية من تحت الأهداب بلا تحريك الأجفان من كمال رعبهم وخشيتهم منها، كنظر من يؤمر بقتله إلى سيف الجلاد. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} حين رأوا أعداءهم معذبين: {إِنَّ ٱلْخَاسِرِينَ} المسرفين المفسدين {ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} بالظلم والضلال {وَأَهْلِيهِمْ} بالضد والإضلال، لذلك استحقوا العذاب المخلد {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} والنكال المؤبد فيها {أَلاَ} أي: تنبهوا أيها الأظلال المستظلون تحت لواء العدالة الإلهية {إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ} الخارجين عن مقتضاها بإغواء الغوائل الإمكانية التسويلات الشيطانية {فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ} [الشورى: 45] وعقاب دائم أليم. { وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ} وينقذونهم من عذابه، والحال أنه قد أضلهم الله بمقتضى قهره وجلاله {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ} المنتقم الغيور {فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ} [الشورى: 46] إلى الهداية والنجاة من وبال ما يترتب على الغي والضلال.