Verse. 4317 (AR)

٤٢ - ٱلشُّورىٰ

42 - Ash-Shura (AR)

وَتَرٰىہُمْ يُعْرَضُوْنَ عَلَيْہَا خٰشِعِيْنَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُوْنَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ۝۰ۭ وَقَالَ الَّذِيْنَ اٰمَنُوْۗا اِنَّ الْخٰسِرِيْنَ الَّذِيْنَ خَسِرُوْۗا اَنْفُسَہُمْ وَاَہْلِيْہِمْ يَوْمَ الْقِيٰمَۃِ۝۰ۭ اَلَاۗ اِنَّ الظّٰلِـمِيْنَ فِيْ عَذَابٍ مُّقِيْمٍ۝۴۵
Watarahum yuAAradoona AAalayha khashiAAeena mina alththulli yanthuroona min tarfin khafiyyin waqala allatheena amanoo inna alkhasireena allatheena khasiroo anfusahum waahleehim yawma alqiyamati ala inna alththalimeena fee AAathabin muqeemin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وتراهم يعرضون عليها» أي النار «خاشعين» خائفين متواضعين «من الذل ينظرون» إليها «من طرف خفيّ» ضعيف النظر مسارقه، ومن ابتدائية، أو بمعنى الباء «وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة» بتخليدهم في النار وعدم وصولهم إلى الحور المعدة لهم في الجنة لو آمنوا، والموصول خبر إن «ألا إن الظالمين» الكافرين «في عذاب مقيم» دائم هو من مفعول الله تعالى.

45

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا} أي على النار لأنها عذابهم؛ فكنى عن العذاب المذكور بحرف التأنيث؛ لأن ذلك العذاب هو النار، وإن شئت جهنم، ولو راعى اللفظ لقال عليه. ثم قيل: هم المشركون جميعاً يعرضون على جهنم عند انطلاقهم إليها؛ قاله الأكثرون. وقيل: آل فرعون خصوصاً، تُحبس أرواحهم في أجواف طير سود تغدو على جهنم وتروح؛ فهو عرضهم عليها؛ قاله ابن مسعود. وقيل: إنهم عامة المشركين، تعرض عليهم ذنوبهم في قبورهم، ويعرضون على العذاب في قبورهم؛ وهذا معنى قول أبي الحجاج. {خَاشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ} ذهب بعض القراء إلى الوقف على «خَاشِعِينَ». وقوله: «مِنَ الذُّلِّ» متعلق بـ «ـيَنْظُرُونَ». وقيل: متعلق بـ «ـخَاشِعِينَ» والخشوع الانكسار والتواضع. ومعنى {يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ} أي لا يرفعون أبصارهم للنظر رفعاً تاماً؛ لأنهم ناكسو الرؤوس. والعرب تصف الذليل بغَضِّ الطرف، كما يستعملون في ضدّه حديد النظر إذا لم يُتَّهم بريبة فيكون عليه منها غضاضة. وقال مجاهد: «مِنْ طَرْفٍ خَفيٍّ» أي ذليل، قال: وإنما ينظرون بقلوبهم لأنهم يُحشرون عمياً، وعين القلب طرفٌ خفِيّ. وقال قتادة والسدّي والقُرَظِيّ وسعيد بن جبير: يسارقون النظر من شدّة الخوف. وقيل: المعنى ينظرون من عين ضعيفة النظر. وقال يونس: «مِن» بمعنى الباء؛ أي ينظرون بطرف خفي، أي ضعيف من الذل والخوف، ونحوه عن الأخفش. وقال ابن عباس: بطرف ذابل ذليل. وقيل: أي يفزعون أن ينظروا إليها بجميع أبصارهم لما يرون من أصناف العذاب. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ ٱلْخَاسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي يقول المؤمنون في الجنة لما عاينوا ما حلّ بالكفار إن الخسران في الحقيقة ما صار إليه هؤلاء، فإنهم خسروا أنفسهم لأنهم في العذاب المخلّد، وخسروا أهليهم لأن الأهل إن كانوا في النار فلا انتفاع بهم، وإن كانوا في الجنة فقد حيل بينه وبينهم. وقيل: خسران الأهل أنهم لو آمنوا لكان لهم أهل في الجنة من الحور العِين. وفي سنن ابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما منكم من أحد إلا له منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله فذلك قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ } [المؤمنون: 10]»تفسير : . وقد تقدّم. وفي المسند الدّارِمِيّ عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من أحد يدخله الله الجنة إلا زوّجه اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين وسبعين من ميراثه من أهل النار وما منهنّ واحدة إلا ولها قُبُلٌ شهِيّ وله ذكر لا ينثني»تفسير : . قال هشام بن خالد: «مِن ميراثه من أهل النار» يعني رجالاً أدخلوا النار فورث أهل الجنة نساءهم كما ورثت ٱمرأة فرعون. {أَلاَ إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ} أي دائم لا ينقطع. ثم يجوز أن يكون هذا من قول المؤمنين، ويجوز أن يكون ابتداء من الله تعالى.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا } أي النار {خٰشِعِينَ } خائفين متواضعين {مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ } إليها {مِن طَرْفٍ خَفِىّ } ضعيف النظر مسارقة، و من ابتدائية أو بمعنى الباء {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ ٱلْخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ } بتخليدهم في النار وعدم وصولهم إلى الحور المعدّة لهم في الجنة لو آمنوا، والموصول خبر إن {أَلاَ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ } الكافرين {فِى عَذَابٍ مُّقِيمٍ } دائم هو من مقول الله تعالى.

ابن عبد السلام

تفسير : {يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا} المشركون يعرضون على جهنم عند انطلاقهم إليها قاله الأكثر، أو آل فرعون خاصة تحبس أرواحهم في أجواف طيور سود تغدوا على جهنم وتروح، أو المشركون يعرضون على العذاب في قبورهم وتعرض عليهم ذنوبهم في قبورهم {يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىِّ} ببصائرهم لأنهم يحشرون عمياً، أو يسارقون النظر إلى النار حذراً، أو بطرف ذابل ذليل "ع".

الخازن

تفسير : {وتراهم يعرضون عليها} أي على النار {خاشعين من الذل} أي خاضعين متواضعين {ينظرون من طرف خفي} يعني يسارقون النظر إلى النار خوفاً منها وذلة في أنفسهم، وقيل ينظرون بطرف خفي أي ضعيف من الذل، وقيل ينظرون إلى النار بقلوبهم لأنهم يحشرون عمياً والنظر بالقلب خفي {وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم} يعني بأن صاروا إلى النار. {وأهليهم يوم القيامة} يعني وخسروا أهليهم بأن صاروا لغيرهم في الجنة {ألا إن الظالمين في عذاب مقيم وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل الله فما له من سبيل} أي وصول إلى الحق في الدنيا والجنة في العقبى فقد استدت عليهم طرق الخير {استجيبوا لربكم} أي أجيبوا داعي الله يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {من قبل من أن يأتي يوم لا مرد له من الله} أي لا يقدر أحد على دفعه وهو يوم القيامة وقيل هو يوم الموت {ما لكم من ملجأ يومئذ} أي ما لكم من مخلص من العذاب وقيل من الموت {وما لكم من نكير} أي ينكر حالكم وقيل النكير الإنكار يعني لا تقدرون أن تنكروا من أعمالكم شيئاً {فإن أعرضوا} أي عن الإجابة {فما أرسلناك عليهم حفيظاً} أي تحفظ أعمالهم {إن عليك إلا البلاغ} أي ليس عليك إلا البلاغ وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم {وإنا أذا أذقنا الإنسان منا رحمة} قال ابن عباس: يعني الغنى والصحة {فرح بها وإن تصبهم سيئة} أي قحط {ما قدمت أيديهم} أي من الأعمال الخبيثة {فإن الإنسان كفور} أي لما تقدم من نعمة الله تعالى عليه. قوله عز وجل: {لله ملك السموات والأرض} يعني له التصرف فيهما بما يريد {يخلق ما يشاء} أي لا يقدر أحد أن يعترض عليه في ملكه وإرادته {يهب لمن يشاء إناثاً} أي فلا يولد له ذكر {ويهب لمن يشاء الذكور} أي فلا يولد له أنثى.

البقاعي

تفسير : ولما أثبت رؤيتهم العذاب، أثبت دنوهم من محله وبين حالهم في ذلك الدنو فقال: {وتراهم} أي يا أكمل الخلق ويا أيها المتشوف إلى العلم بحالهم بعينك حال كونهم {يعرضون} أي يجدد عرضهم ويكرر، وهو إلجاؤهم إلى أن يقارنوها بعرضهم الذي يلزم محاذاتهم لها أيضاً بطولهم ليعلموا أنها مصيرهم فلا مانع لها منهم {عليها} أي النار التي هي دار العذاب مكرراً عرضهم في طول الموقف مع ما هم فيه من تلك الأهوال بمقاساة ما عليهم من الأحمال الثقال حال كونهم {خاشعين} أي في غاية الضعة والإلقاء باليد خشوعاً هو ثابت لهم. ولما كان الخشوع قد يكون محموداً قال: {من الذل} لأنهم عرفوا إذ ذاك ذنوبهم وانكشفت لهم عظمة من عصوه. ولما كان الذل ألواناً، صوره بأقبح صورة فقال معبراً بلفظ النظر الذي هو مماسة البصر لظاهر المبصر: {ينظرون} أي يبتدئ نظرهم المتكرر {من طرف} أي تحريك للأجفان {خفي} يعرف فيه الذل لأنه لا يكاد من عدم التحديق يظن أنه يطرف لأنهم يسارقون النظر مسارقة كما ترى الإنسان ينظر إلى المكاره، والصبور ينظر إلى السيف الذي جرد له فهو بحيث لا يحقق منظوراً إليه، بل ربما تخيله بأعظم مما هو عليه. ولما صور حالهم وكان من أفظع الأشياء وأقطعها للقلوب شماتة العدو، قال مبشراً لجميع أصناف أهل الإيمان ورادعاً لأهل الكفران: {وقال} أي في ذلك الموقف الأعظم على سبيل التعبير لهم والتبكيت والتوبيخ والتقريع {الذين آمنوا} أي أوقعوا هذه الحقيقة سواء كان إيقاعهم لها في أدنى الرتب أو أعلاها عند رؤيتهم إياهم على هذا الحال، مؤكدين لتحقيق مقالهم عند من قضى بضلالهم والإعلام بما لهم من السرور بصلاح حالهم، والحمد لمن من عليهم بحس منقلبهم ومآلهم، ويجوز أن يكون قولهم هذا في الدنيا لما غلب على قلوبهم من الهيبة عندما تحققوا هذه المواعظ: {إن الخاسرين} أي الذين كملت خسارتهم هم خاصة {الذين خسروا أنفسهم} بما استغرقها من العذاب {وأهليهم} بمفارقتهم لهم إما في إطباق العذاب إن كانوا مثلهم في الخسران أو في دار الثواب إن كانوا من أهل الإيمان. ولما أخبر بخسارتهم بين ظرفها تهويلاً لها، ويجوز أن يكون ظرفاً لهذا القول وهو أردع لمن له مسكة لأن من جوز أن يخسر وأن عدوه يطلع على خسارته ويظهر الشماتة به، كان جديراً بأن يترك السبب الحامل على الخسارة فقال: {يوم القيامة} أي الذي هو يوم فوت التدراك لأنه للجزاء لا للعمل لفوات شرطه بفوات الإيمان بالغيب لانكشاف الغطاء. ولما كان هذا نهاية الخسارة، أنتج قوله منادياً ذاكراً سبب هذه الخسارة المعينة مؤكداً لأجل إنكار الظالمين لها وإن كان من تتمه قول المؤمنين هناك، فالتأكيد مع ما يفيد الإخبار به في هذه الدار من ردع المنكر للإعلام بما لهم من اللذة فيما رأوا من سوء حالهم وتقطع أوصالهم ورجائهم من أن ينقطع عنهم ذلك كما ينقطع عن عصاة المؤمنين: {ألا إن الظالمين} أي الراسخين في هذا الوصف فهم بحيث لا ينفكون عن فعل الماشي في الظلام بوضع الأشياء في غير مواضعها {في عذاب مقيم *} لا يزايلهم أصلاً، فلذلك لا يفرغون منه في وقت من الأوقات، فلذلك كان خسرانهم لكل شيء. ولما كانت العادة جارية بأن من وقع في ورطة وجد في الأغلب ولياً ينصره لأو سبيلاً ينجيه، قال عاطفاً على {وتراهم} أو "ألا إن": {وما كان} أي صح ووجد {لهم} وأعرق في النفي فقال: {من أولياء} فما لهم من ولي لأن النصرة إذا انتفت من الجمع انتفت من الواحد من باب الأولى. ولما كان من يفعل فعل القريب لا يفيد إلا إن كان قادراً على النصرة قال: {ينصرونهم} أي يوجدون نصرهم في وقت من الأوقات لا في الدنيا بأن يقدروا على إنقاذهم من وصف الظلم ولا في الآخرة بإنقاذهم مما جرى عليهم من العذاب. ولما كان الله تعالى يصح منه أن يفعل ما يشاء بواسطة أو غيرها قال: {من دون الله} أي ما صح ذلك وما استقام بوجه بغيره، وأما هو فيصح ذلك منه ويستقيم له لإحاطته بأوصاف الكمال, ولو أراد لفعل, ولما بين ما لهم بين ما لمن اتصف بوصفهم كائناً من كان، فقال بناء على نحو: لأنه هو الذي أضلهم: {ومن يضلل الله} أي يوجد ضلاله إيجاداً بليغاً بما أفاده الفك على سبيل الاستمرار بعدم البيان له أو بعدم التوفيق بعد البيان: {فما له} بسبب إضلال له جميع صفات الجلال والإكرام، وأعرق في النفي بقوله: {من سبيل *} أي تنجية من الضلال ولا مما تسبب عنه من العذب. ولما كان هذا، أنتج قطعاً قوله: {استجيبوا} أي اطلبوا الإجابة وأوجدوها، ولفت القول إلى الوصف الإحساني تذكيراً بما يحث على الوفاق، ويخجل من الخلاف والشقاق، فقال: {لربكم} الذي لم تروا إحساناً إلا وهو منه فيما دعاكم إليه برسوله صلى الله عليه وسلم من الوفاء بعهده في أمره ونهيه، ولا تكونوا ممن ترك ذلك فتكونوا ممن علم أنه أضله فانسد عليه السبيل. ولما كان الخوف من الفوت موجباً للمبادرة، قال مشيراً بالجار إلى أنه يعتد بأدنى خير يكون في أدنى زمن يتصل بالموت: {من قبل أن يأتي يوم} أي يكون فيه ما لا يمكن معه فلاح؛ ثم وصفه بقوله لافتاً إلى الاسم الأعظم الجامع لأوصاف الإحسان والإنعام على المطيعين والقهر والانتقام من العاصين: {لا مرد} أي لا رد ولا موضع رد ولا زمان رد {له} كائن {من الله} أي الذي له جميع العظمة وإذا لم يكن له مرد منه لم يكن له مرد من غيره، ومتى عدم ذاك أنتج قوله: {ما لكم} وأعرق في النفي بقوله: {من ملجأ يومئذ} أي مكان تلجؤون إليه في ذلك اليوم وحصن تتحصنون فيه من شيء تكرهونه، وزاد في التأكيد بإعادة النافي وما في حيزه إبلاغاً في التحذير فقال: {وما لكم من نكير *} أي من إنكار يمكنكم به من النجاة لأن الحفظة يشهدون عليكم فإن صدقتموهم وإلا شهدت عليكم أعضاؤكم وجلودكم، ولا لكم من أحد ينكر شيئاً مما تتجاوزون به ليخلصكم منه. ولما أنهى ما قدمه في قوله {شرع لكم من الدين} نهايته، ودل عليه وعلى كل ما قادته الحكمة في حيزه حتى لم يبق لأحد شبهة في شيء من الأشياء، كان ذلك سبباً لتهديدهم على الإعراض عنه وتسلية رسولهم صلى الله عليه وسلم فقال معرضاً عن خطابهم إيذاناً بشديد الغضب: {فإن أعرضوا} أي عن إجابة هذا الدعاء الذي وجبت إجابته والشرع الذي وضحت وصحت طريقته بما تأيد به من الحجج، ولفت القول إلى مظهر العظمة دفعاً لما قد يوهم الإرسال من الحاجة فقال: {فما أرسلناك} مع ما لنا من العظمة {عليهم حفيظاً} أي نقهرهم على امتثال ما أرسلناك به. ولما كان التقدير. فأعرض عن غير إبلاغهم لأنا إنما أرسلناك مبلغاً، وضع موضعه: {إن} أي ما {عليك إلا البلاغ} لما أرسلناك به، وأما الهداية والإضلال فإلينا. ولما ضمن لهذه الآية ما أرسله له، أتبعه ما جبل عليه الإنسان بياناً لأنه صلى الله عليه وسلم لا حكم له على الطباع وأن الذي عليه إنما هو الإسماع لا السماع، فقال عاطفاً على ما قبل آية الشرع من قوله {يبسط الرزق لمن يشاء} حاكياً له في أسلوب العظمة تنبيهاً على أنه الذي حكم عليهم بالإعراض عما هو جدير بأن لا يعرض عنه عاقل، وإيماء إلى أن الإنسان لغلبه جهله وقلة عقله يجترىء بأدنى تأنيس على من تجسد الجبال لعظمته وتندك الشوامخ من هيبته: {وإنا إذا أذقنا} بعظمتنا التي لا يمكن مخالفتها. ولما كان من يفرح بالنعمة عند انفراده بها مذموماً، عبر بالجنس الصالح للواحد فما فوقه تنبيهاً على أن طبع الإنسان عدم الاهتمام بشدائد الإخوان إلا من أقامه الله في مقام الإحسان فقال: {الإنسان} أي بما جبلناه عليه من النقص بالعجلة وعدم التمالك {منا رحمة} أي نوعاً من أنواع الإكرام من صحة أو غنى ونحو ذلك، وأفرد الضمير إشارة إلى أنه مطبوع على أنه ليس عليه إلا من نفسه ولو كان أهل الأرض كلهم على غير ذلك، وكذا عبر بالإنسان فقال: {فرح بها} أي ولو أن أهل الأرض كلهم في نقمة وبؤس وعمى فأخرجه الفرح عن تأمل ما ينفعه ليشكر، فكان ذلك لذلك كافراً للنعمة لأنه أبدل الشكر بالفرح والكفر فتوصل بالعافية إلى المخالفة، فأوقع نفسه في أعظم البلاء. ولما دل باداة التحقق على أن النعمة هي الأصل لعموم رحمته، وأنها سبقت غضبه، دل على أن السيئة قليلة بالنسبة إليها بأداة الشك والمضارع فقال: {وإن} ولما كانت المشاركة في الشدائد تهون المصائب، فكان من يزيد غمه بخصوص مصيبته عند العموم مذموماً، نبه على نقص الإنسان بذلك بالجمع فقال: {تصبهم سيئة} أي نقمة وبلاء وشدة. ولما كانت الرحمة فضلاً منه، أعلمهم أن السيئة مسببة عنهم فقال: {بما قدمت أيديهم} وعبر باليد عن الجملة لأن أكثر العمل بها. ولما كان الجواب على نهج الأول: حزنوا فكفروا، وعدل عنه إلى ما يدل على أن جنس الإنسان موضع الكفران، ولما كانوا يدعون الشكر وينكرون الكفر، أكد قوله وسبب عن تلك الإصابة والإذاقة معاً إشارة إلى أنه لا أصل له غيرهما، فقال مظهراً موضع الضمير لينص على الحكم على الجنس من حيث هو: {فإن الإنسان} أي الآنس بنفسه المعرض عن غيره بما هو طبع له بسبب مسه بضر {كفور *} أي بليغ الستر للنعم نساء له، ينسى بأول صدمة من النقمة جميع ما تقدم له من النعم، ولا يعرف إلا الحالة الراهنة، فإن كان في نعمه أشر وبطر، وإن كان في نقمه أيس وقنط، وهذا حال الجنس من حيث هو، ومن وفقه الله جنبه ذلك كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : المؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له"تفسير : . وليس ذلك إلا للمؤمن، والآية من الاحتباك: قكر الفرح أولاً دالاً على الحزن ثانياً، وذكر الكفران ثانياً دال على حذفه أولاً.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏{‏ينظرون من طرف خفي‏}‏ قال‏:‏ ذليل‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه مثله‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر، عن محمد بن كعب رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏ينظرون من طرف خفي‏}‏ قال‏:‏ يسارقون النظر إلى النار‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه مثله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، عن خلف بن حوشب رضي الله عنه قال‏:‏ قرأ زيد بن صوحان رضي الله عنه ‏ {‏استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مردّ له من الله‏}‏ فقال‏:‏ لبيك من زيد لبيك‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏من ملجأ يومئذ‏} ‏ قال‏:‏ تحرز ‏ {‏وما لكم من نكير‏} ‏ ناصر ينصركم‏.‏

اسماعيل حقي

تفسير : {وتراهم} تبصرهم ايها الرائى حال كونهم {يعرضون عليها} اى على النار المدلول عليها بالعذاب وقد سبق معنى العرض فى حم المؤمن عند قوله {أية : النار يعرضون عليها} تفسير : {خاشعين من الذل} من للتعليل متعلق بخاشعين اى حال كونهم خاضعين حقيرين بسبب ما لحقهم من الذل والهوان وقد يعلق من الذل بينظرون ويوقف على خاشعين {ينظرون من طرف خفى} الطرف مصدر فى الاصل ولهذا لم يجمع وهو تحريك الجفن وعبر به عن النظر اذ كان تحريك الجفن يلازم النظر كما فى المفردات والمعنى حال كونهم يبتدئ نظرهم الى النار من تحريك لاجفانهم ضعيف يعنى يسارقون النظر الى النار خوفا منها وذلة فى انفسهم كما ينظرون الى المقتول الى السيف فلا يقدر ان يملأ عينيه منه وهكذا نظر الناظر الى المكاره لا يقدر ان يفتح أجفانه عليها ويملأ عينيه منها كما يفعل فى نظره الى المحاب وقال الكلبى ينظرون بأبصار قلوبهم ولا ينظرون بأبصار ظواهرهم لانهم يسحبون على وجوههم او لانهم يحشرون عميا فينظرون كنظر الاعمى اذا خاف حسا. يقول الفقير لا حاجة الى حمل الآية على ما ذكر من الوجهين لان لهم يوم القيامة احوالا شتى بحسب المواطن فكل من النظر والسحب والحشر اعمى ثابت صحيح وفى الآية اشارة الى ان النفوس التى لم تقبل الصلاح بالعلاج فى الدنيا تتمنى الرجوع الى الدنيا يوم القيامة لتقبل الصلاح بعلاج الرياضات الشرعية والمجاهدات الطريقية وتخشع اذ لم تخشع فى الدنيا من القهار فلا تنفعها ندامة ولا تسمع منها دعوة ولها نظر من طرف خفى من خجالة المؤمنين اذ يعيرونها بما ذكروها فلم تسمع وهى نفوس الظالمين (كما قال السعدى) تراخود بماند سراز تنك بيش كه كردت برآيد عملهاى خويش برادرز كار بدان شرم دار كه درروى نيكان شوى سرمسار {وقال الذين آمنوا} وجاهدوا فى الله تعالى حق جهاده وربحوا على ربهم {ان الخاسرين} اى المتصفين بحقيقة الخسران وهو انتقاص رأس المال وينسب الى الانسان فيقال خسر فلان والى الفعل فيقال خسرت تجارته ويستعمل ذلك فى القنيات الخارجة كالمال والجاه فى الدنيا وهو الاكثر وفى القنيات النفسية كالصحة والسلامة والعقل والايمان والثواب وهو الذى جعله الله الخسران المبين وكل خسران ذكره الله فى القرءآن فهو على هذا المعنى الاخير دون الخسران المتعلق بالقنيات الدنيوية والتجارات البشرية وخبر ان قوله تعالى {الذين خسروا انفسهم وأهليهم} آنانندكه زيان كردند بنفسهاى خويش و كسان خود. بالتعريض للعذاب الخالد {يوم القيامة} اما ظرف لخسروا والقول فى الدنيا او لقال اى يقولون لهم حين يرونهم على تلك الحال وصيغة الماضى للدلالة على تحققه (وقال الكاشفى) زيان در نفسها آنست آنرا بعبادت بتان مستوجب آتش دوزخ كردانيدند وزمان زيان دراهالى اكردوزخى اندبانكه ايشانرا ازايمان بازداشتندوا كر بهشتى اندبانكه ازديد از ايشان محروم ماندند. قال ابن الملك فى شرح المشارق الاهل يفسر بالازواج والاولاد وبالعبيد والاماء وبالاقارب وبالاصحاب وبالمجموع وفى التأويلات النجمية ان الخاسرين الذين خسروا انفسهم بابطال استعدادهم اذ صرفوه فى طلب الدنيا وزخارفها والالتذاذ بها وخسروا اهليهم اذ لم يقوا انفسهم واهليهم نارا بقبول الايمان وادآء الشرآئع {ألا} بدانيد {ان الظالمين} اى المشركين الذين كانوا فى جهنم شهوات النفس جثيا فى الدنيا {فى عذاب مقيم} فى الآخرة الى الابد وبالفارسية درعذابى بيوسته انديعنى باقى وبى انقطاع. اما من تمام كلامهم او تصديق من الله لهم

اطفيش

تفسير : {وَتَرَاهُمْ} بعينيك* {يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا} أي على النار دل عليها ذكر العذاب* {خَاشِعِينَ} خائفين متواضعين* {مِنَ الذُّلِّ} متعلق بخاشعين أى لأجل الذل {يَنظُرُونَ} الى النار خوفاً منها* {مِن طَرْفٍ} من العين* {خَفِيٍّ} ضعيف النظر غير ظاهر لما كانوا فيه من الهم وسوء الحال حتى انهم لا يستطيعون النظر بجميع العين بل ينظرون ببعضها بتحريك ضعيف للجفن يسارقون النظر كالمحبوس أحضر اليه السيف فهو لا يقدر أن يفتح أجفانه ويملأ عينيه وهكذا نظر المكاره وذلك تفسير قتادة والسدي وقيل يحشرون عمياً فلا ينظرون الا بقلوب فهو النظر من طرف خفي فان نظر القلوب خفي وهو تعسف (ومن) للابتداء أي يبتدئ نظرهم اليها من تحريك الجفن فلا يكاد يتحرك وقيل (من) بمعنى الباء وعليه يونس والاخفش وعلقا {مِنَ الذُّلِّ} بـ (ينظرون) فالوقف على (خاشعين) وفى ذلك كله تحقير لأمر الكفرة ووصف لحالهم ليجتنب وتصبير. {وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُواْ} يوم القيامة أو بعد دخول الجنة* {إِنَّ الْخَاسِرِينَ} هم {الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ} بتعرضهم لدخول النار والخلود وعدم الوصول الى الحور المعدة لهم لو آمنوا وعملوا الصالحات {وَأَهْلِيهِمْ} أى أهلكوهم بالاضلال أو خسروهم بمفارقة الأهل لهم الى الجنة أو خسروا أملهم المعد لهم فى الجنة* {يَوْمَ الْقِيَامَةِ} متعلق بـ (قال) أي يقول الذين آمنوا يوم القيامة اذا رأوا العذاب والنعيم وتحسروا يقولون خسروا أنفسهم فى يومنا هذا وهو يوم القيامة وعبر بيوم القيامة ويجوز أن يكون قولهم فى الدنيا فيتعين التعليق بخسروا. {أَلآَ إِنَّ الظَّالِمِينَ فِى عَذَابٍ مُّقِيمٍ} أي دائم وهذا مقول لله أو مقول للمؤمنين فعلى الأولى فهو مستأنف تصديق من الله لقولهم (والظالمون) عام وقيل المشركون.

اطفيش

تفسير : {وتراهم} بعينك {يُعرضُون عَليْها} على النار المدلول عليها بذكر العذاب {خاشعين} متغيرى الأبدان باللون والرقة {من الذُّلّ} لعظم ما لحقهم متعلق بخاشعين، أو بقوله: {ينظُرون} والأول أوضح، وهو على الأصل، لا داعى الى غيره {مِن طَرفٍ خفي} الطرف تحريك أجفان العين، ومن للابتداء أى يبتدىء نظرهم من تحريك ضعيف خفى كالخائف يسارق النظر، كما يفعل المحاط به ليقتل، أو يضرب،وكما ينظر الناظر الى المكروه لا يفتحها، كما يفتحها فى سائر أحواله، وفى النظر الى ما يجب، أو من بمعنى الباء، وعن ابن عباس خفى دليل، فالطرف عليه العين لا مصدر، وقيل: يحشرون عميا فالنظر الخفى من قلوبهم وفيه بعد. {وقال الَّذين آمنُوا} قالوا فى الدنيا، فيوم القيامة متعلق بخسروا، أو يقولون فى الآخرة: إذا رأوهم على تلك الصفة، والمضى لتحقق الوقوع، ويوم القيامة متعلق بقال، قيل: أو تنازع قال، وخسر فى يوم وعمل فيه خسر وأضمر لقال لفظ فيه، وأسند القول للذين آمنوا دلالة على أنهم يبتهجون برؤية أعدائهم فى السوء الدائم، وإلا فكل من حضر الموقف، ويرى يقل ذلك من الملائكة والأشقياء أنفسهم، يقولون لأنفسهم، وبعض لبعض {إنَّ الخاسرين} أى إنهم أى الظالمين، فوضع الظاهر للفظ الخسران الكامل، أو المراد العموم فيدخلون {الَّذينَ خسروا أنفُسَهم} أجسادهم {وأهْليهِم} أتباعهم من الأولاد المكلفين، والأزواج والأصحاب المتبعين لهم فى الكفر، وأزواجهم من الحور العين، وولدان الجنة {يَوم القيامة} خسروهم حين كفروا، وأصروا فى الدنيا، أو حين ماتوا لكن يظهر خسرانهم الظهور الكامل يوم القيامة {إلا أن الظالمين فى عذابٍ مُقيم} دائم، الجملة مستأنفة، أو هى قول الذين آمنوا.

الالوسي

تفسير : {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا} أي على النار المدلول عليها بالعذاب، والجملة كالسابقة {خـٰشِعِينَ} متضائلين متقاصرين {مِّنَ ٱلذُّلِّ} أي بسبب الذل لعظم ما لحقهم فمن سببية متعلقة بخاشعين وهو وكذا ما بعده حال. وجوز أن يعلق الجار بقوله تعالى: {يَنظُرُونَ} ويوقف على {خـٰشِعِينَ} {مِن طَرْفٍ خَفِيّ} والأول أظهر. والطرف مصدر طرف إذا حرك عينه ومنه طرفة العين، والمراد بالخفي الضعيف. ومن ابتدائية أي يبتدىء نظرهم من تحريك لأجفانهم ضعيف بمسارقة كما ترى المصبور ينظر إلى السيف وهكذا نظر الناظر إلى المكاره لا يقدر أن يفتح أجفانه عليها ويملأ عينيه منها كما يفعل في نظره إلى المحاب، ويجوز أن تكون من بمعنى الباء. وعن ابن عباس {خَفِيّ} ذليل فالطرف عليه جفن العين، وقيل: يحشرون عمياً فلا ينظرون إلا بقلوبهم وذاك نظر من طرف خفي، وهو تأويل متكلف. والجملتان السابقتان أعني {تَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} و{تَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ} معطوفان على {وَمَن يُضْلِلِ} وأصل الكلام والظالمون لما رأوا العذاب يقولون وهم يعرضون عليها خاشعين، ثم قيل: {وَتَرَى} {وَتَرَاهُمْ} خطاباً لكل من يتأتى منه الرؤية ويعتبر بحالهم زيادة للتهويل كأنه يعجبهم مما هم فيه ليعتبروا ويبتهجوا، ومنه يظهر أنه خطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم وأتباعه. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ} أي إنهم {ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ} بالتعريض للعذاب الخالد أو على ما مر في الزمر. وعدل عن انهم إلى المنزل تسجيلاً عليهم بأكمل الخسران إذ المراد إن الكاملين في صفة الخسران المتصفين بحقيقته {يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ} متعلق بخسروا والقول في الدنيا، وجوز أن يكون متعلقاً بقال، والماضي لتحقق الوقوع أي ويقولون إذا رأوهم على تلك الصفة. وفي «الكشف» الظاهر أنه قول يوم القيامة كالخسران من باب التنازع بين الفعلين، وآثر صاحب «الكشاف» على ما يؤذن به صنيعه أن يتعلق بالخسران وحده لأن الأصل في {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ} الخ هم الخاسرون كما أن الأصل في {وَتَرَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} والظالمون لما رأوا ثم قيل: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} على نحو ما قيل {وَتَرَى} الخ وكما أن الرؤية رؤية الدنيا استحضاراً لعذابهم الكائن في الآخرة تهويلاً كذلك القول كأنهم جعلهم حضوراً يعاين عذابهم ويسمع ما يقول المؤمنون فيهم ورد على الخطاب في الرؤية والغيبة في القول لأن معاينة العذاب لما كانت أدخل في التهويل جعل العذاب قريباً مشاهداً وخصوا بالخطاب على سبيل استحضار الحال لمزيد الابتهاج ولم يكن في الخسران ذلك المعنى لأنه أمر معقول والمحسوسات أقوى لا سيما إذا كن موجبات الخسران فجيء به على الأصل من الغيبة. وعدل من المضارع إلى الماضي لأنه قول صادر عن مقتضى الحال قد حق ووقع تفوهوا به أولاً وأسند إلى المؤمنين دلالة على الابتهاج المذكور واغتباطهم بنجاتهم عما هم فيه وإلا فالقول والرؤية لكل من يتأتى منه القول والرؤية، وجعله حالاً كما فعل الطيبـي على معنى وتراهم وقد صدق فيهم قول المؤمنين في الدنيا {إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ} الخ من أسلوب قوله:شعر : إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة تفسير : وفيه أنه إنما يرتكب عند تعذر الحقيقة وقد أمكن الحمل على التنازع فلا تعذر. ثم إنه على التقدير لا يظهر أنه قول فيها إلا بدليل خارج، وهذا بخلاف ما ذكره جار الله في قوله تعالى: {أية : وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ} تفسير : [ق: 28] من تقدير وقد صح عندكم أني قدمت لأن في اللفظ إشعاراً به بيناً انتهى، ولعمري لقد أبعد قدس سره المغزى في هذه الآيات العظام وأتى بما تستحسنه النظار من ذي الأفهام فليفهم. وقوله تعالى: / {أَلاَ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ} إما من تمام كلام المؤمنين ويجري فيه ما سمعت من الأصل ونكتة العدول أو استئناف إخبار منه تعالى تصديقاً لذلك.

ابن عاشور

تفسير : {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَـٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىٍّ}. أعيد فعل (ترى) للاهتمام بهذه الرؤية وتهويلها كما أعيد فعل (تلاقوا) في قول ودَّاكٍ بن ثُمْيل المازني: شعر : رويداً بني شيبان بعضَ وعيدكم تُلاَقوا غداً خيلي على سَفَوَانِ تُلاقوا جياداً لا تَحِيدُ عن الوغَى إذا ظَهَرتْ في المَأْزِق المُتَدَانِي تفسير : والعَرْض: أصله إظهار الشيء وإراءته للغير، ولذلكَ كان قول العرب: عَرَضْتُ البَعير على الحوض معدوداً عند علماء اللغة وعلماء المعاني من قبيل القَلْب في التركيب، ثم تتفرع عليه إطلاقات عديدة متقاربة دقيقة تحتاج إلى تدقيق. ومن إطلاقاته قولهم: عَرْض الجندِ على الأمير، وعرض الأسرى على الأمير، وهو إمرارهم ليرى رأيه في حالهم ومعاملتهم، وهو إطلاقه هنا على طريق الاستعارة، استعير لفظ {يعرضون} لمعنى: يُمَرُّ بهم مَرًّا عاقبته التمكن منهم والحكمُ فيهم فكأنَّ جهنم إذا عرضوا عليها تحكم بما أعدّ الله لهم من حريقها، ويفسره قوله في سورة الأحقاف (20) { أية : ويَوم يُعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها } تفسير : الآية. وقد تقدم إطلاق له آخر عند قوله تعالى: { أية : ثم عَرَضَهم على الملائكة } تفسير : في سورة البقرة (31). وبني فعل {يعرضون} للمجهول لأن المقصود حصول الفعل لا تعيين فاعله. والذين يَعرِضون الكافرين على النار هم الملائكةُ كما دلت عليه آيات أخرى. وضمير {عليها} عائد إلى العذاب بتأويل أنه النار أو جهنم أو عائد إلى جهنم المعلومة من المقام. وانتصب {خاشعين} على الحال من ضمير الغيبة في {تراهُم} لأنها رؤية بصرية. والخشوع: التطامن وأثَر انكسار النفس من استسلام واستكانة فيكون للمخافة، وللمهابة، وللطاعة، وللعجز عن المقاومة. والخشوع مثل الخضوع إلاّ أن الخضوع لا يسند إلاّ إلى البدن فيقال: خضع فلان، ولا يقال: خضع بَصَرُه إلا على وجه الاستعارة، كما في قوله تعالى: { أية : فلا تخْضَعْنَ بالقول } تفسير : [الأحزاب: 32]، وأما الخشوع فيسند إلى البدن كقوله تعالى: { أية : خاشعين لله } تفسير : في آخر سورة آل عمران (199). ويُسند إلى بعض أعضاء البدن كقوله تعالى: { أية : خُشَّعاً أبصارُهم } تفسير : في سورة القمر (7)، وقوله: {وخشعت الأصوات للرحمان فلا تسمع إلا همساً} في سورة طه (108). والمراد بالخشوع في هذه الآية ما يبدو عليهم من أثر المذلة والمخافة. فقوله: {من الذل} متعلق بـــ {خاشعين} وتعلقه به يغني عن تعليقه بــ{ينظرون} ويفيد ما لا يفيده تعليقه به. و{مِنْ} للتعليل، أي خاشعين خشوعاً ناشئاً عن الذل، أي ليس خشوعهم لتعظيم الله والاعتراف له بالعبودية لأن ذلك الاعتقاد لم يكن من شأنهم في الدنيا. وجملة {ينظرون من طرف خفي} في موضع الحال من ضمير {خاشعين} لأن النظر من طرف خفيّ حالة للخاشع الذليل، والمقصود من ذكرها تصوير حالتهم الفظيعة. وفي قريب من هذا المعنى قول النابغة يصف سبايا: شعر : يَنْظُرْن شزْراً إلى مَن جاءَ عن عُرُض بأوْجُهٍ منكِراتِ الرِقّ أحْرَارِ تفسير : وقول جرير: شعر : فغضَّ الطرف إنك من نُمير فلا كعباً بلغتَ ولا كِلابا تفسير : والطرْف: أصله مصدر، وهو تحريك جفْن العين، يقال: طَرَفَ من باب ضرب، أي حرّك جفنه، وقد يطلق على العين من تسمية الشيء بفعله، ولذلك لا يثنّى ولا يجمع قال تعالى: { أية : لا يرتَدُّ إليهم طَرْفُهم } تفسير : [إبراهيم: 43]. ووَصْفُه في هذه الآية بــ {خفي} يقتضي أنه أريد به حركة العين، أي ينظرون نظراً خفيّاً، أي لا حِدّة له فهو كَمُسَارَقَةِ النظر، وذلك من هول ما يرونه من العذاب، فهم يحجمون عن مشاهدته للروع الذي يصيبهم منها، ويبعثهم ما في الإنسان من حب الاطلاع على أن يتطلعوا لما يساقون إليه كحال الهارب الخائف ممن يتبعه، فتراه يُمعن في الجرْي ويلتفت وراءه الفَينة بعد الفَينة لينظر هل اقتربَ منه الذي يجري وراءه وهو في تلك الالتفاتة أفات خطوات من جريه لكن حب الاطلاع يغالبه. و{من} في قوله: {من طرف خفي} للابتداء المجازي. والمعنى: ينظرون نظراً منبعثاً من حركة الجفن الخفيّة. وحُذف مفعول {ينظرون} للتعميم أي ينظرون العذاب، وينظرون أهوال الحشر وينظرون نعيم المؤمنين من طَرف خفيّ. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَلاَ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِى عَذَابٍ مُّقِيمٍ}. يترجح أن الواو للحال لا للعطف، والجملة حال من ضمير الغيبة في {تراهم}، أي تراهم في حال الفظاعة الملتبسين بها، وتراهم في حال سماع الكلام الذامّ لهم الصادر من المؤمنين إليهم في ذلك المشهد. وحُذفت (قد) مع الفعل الماضي لظهور قرينة الحال. وهذا قول المؤمنين يوم القيامة إذ كانوا يومئذ مطمئنين من الأهوال شاكرين ما سبق من إيمانهم في الدنيا عارفين بِرِبْحِ تجارتهم ومقابلين بالضد حالة الذين كانوا يسخرون بهم في الدنيا إذ كانوا سبباً في خسارتهم يوم القيامة. والظاهر: أن المؤمنين يقولون هذا بمسمع من الظالمين فيزيد الظالمين تلهيباً لندامتهم ومهانتهم وخزيهم. فهذا الخبر مستعمل في إظهار المسرّة والبهجة بالسلامة مما لحق الظالمين، أي قالوه تحدثاً بالنعمة واغتباطاً بالسلامة يقوله كل أحد منهم أو يقوله بعضهم لبعض. وإنما جيء بحرف {إنَّ} مع أن القائل لا يشك في ذلك والسامع لا يشك فيه للاهتمام بهذا الكلام إذ قد تبيّنت سعادتهم في الآخرة وتوفيقهم في الدنيا بمشاهدة ضد ذلك في معانديهم. والتعريف في {الخاسرين} تعريف الجنس، أي لا غيرهم. والمعنى: أنهم الأكملون في الخسران وتسمّى (ألْ) هذه دالة على معنى الكمال وهو مستفاد من تعريف الجزءين المفيد للقصر الادعائي حيث نُزل خسران غيرهم منزلة عدم الخسران. فالمعنى: لا خسران يشبه خسرانهم، فليس في قوله: {إن الخاسرين} إظهار في مقام الإضمار كما توهم، وقد تقدم نظيره في قوله: { أية : قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة } تفسير : في سورة الزمر (15). والخسران: تلف مال التاجر، واستعير هنا لانتفاء الانتفاع بما كان صاحبه يُعِده للنفع، فإنهم كانوا يأمُلون نعيم أنفسهم والأنس بأهليهم حيثما اجتمعوا، فكُشف لهم في هذا الجمع عن انتفاء الأمرين، أو لأنهم كانوا يحسبون أن لا يحيوا بعد الموت فحسِبوا أنهم لا يَلْقَوْن بعده ألماً ولا توحشهم فرقة أهليهم فكُشف لهم ما خيَّب ظنهم فكانوا كالتاجر الذي أمّل الربح فأصابه الخسران. وقوله: {يوم القيامة} يتعلق بفعل {خسروا} لا بِفعل {قال}. وجملة {ألا إن الظالمين في عذاب مقيم} تذييل للجمل التي قبلها من قوله: { أية : وترى الظالمين لمَّا رأوا العذاب } تفسير : [الشورى: 44] الآيات. لأن حالة كونهم في عذاب مقيم أعم من حالة تلهفهم على أن يُردّوا إلى الدنيا، وذلِهم وسماعِهم الذم. وإعادة لفظ {الظالمين} إظهار في مقام الإضمار اقتضاه أن شأن التذييل أن يكون مستقل الدلالة على معناه لأنه كالمثل. وليست هذه الجملة من قول المؤمنين إذ لا قِبَل للمؤمنين بأن يحكموا هذا الحكم، على أن أسلوب افتتاحه يقتضي أنه كلام مَن بيده الحكم يوم القيامة وهو مَلِكُ يوم الدين، فهو كلام من جانب الله، أي وَهم معَ الندم وذلك الذل والخزي بسماع ما يكرهون في عذابٍ مستمر. وافتتحت الجملة بحرف التنبيه لكثرة ذلك في التذييلات لأهميتها. والمقيم: الذي لا يرتحل. ووصف به العذاب على وجه الاستعارة، شبه المستمر الدائم بالذي اتخذ دار إقامة لا يبرحها.

د. أسعد حومد

تفسير : {تَرَاهُمْ} {خَاشِعِينَ} {آمَنُوۤاْ} {ٱلْخَاسِرِينَ} {ٱلْقِيَامَةِ} {ٱلظَّالِمِينَ} (45) - وَيُعْرَضُ هَؤُلاَءِ الكَفَرَةُ المُشْرِكُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى النَّارِ وَهُمْ خَاشِعُونَ مِنَ الذُّلِّ الذِي اعْتَرَاهُمْ لِمَا عَرَفُوهُ مِنْ عِظَمِ ذُنُوبِهِمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَيَنْظُرُونَ إِلَى النَّارِ مِنْ طَرفٍ خَفِيٍّ وَهُمْ يَدْرِكُونَ أَنَّهُمْ صَائِرُونَ إِلَيهَا لاَ مَحَالَةَ. وَيَقُولُ المُؤْمِنُونَ فِي ذَلِكَ اليَومِ العَصِيبِ: إِنَّ الخَاسِرِينَ أَعْظَمَ الخَسَارَةِ هُمْ الذِينَ يَصِيرُونَ إِلَى النَّارِ فَيُنْسِيهِمُ العَذَابُ فِيهَا لَذَائِذَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَحْبَابِهِمْ وَأَصْحَابِهِمْ فَيَخْسَرُونَهُمْ. أَلاَ إِنَّ الكَافِرِينَ لَفِي عَذَابٍ دَائِمٍ لاَ يَفْتُرُ وَلاَ يَتَوَّقَفُ وَلاَ يَنْقَطِعُ. خَاشِعِينَ - خَاضِعِينَ مُتَضَائِلِينَ. مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ - يُسَارِقُونَ النَّظَرَ إِلَيهَا مِنْ شِدَّةِ الخَوْفِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله سبحانه: {وَتَرَاهُمْ} أي الكفار {يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا} على النار {خَاشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ} أي: خاضعين أذلاء من شدة الخوف، لذلك {يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ} [الشورى: 45] يعني: يختلسون النظرة ولا يستطيعون المواجهة بأعينهم، فما هم فيه من خزي يكسر أعينهم. لذلك تقول لخصمك الذي يفتري عليك كذباً (هات عيني في عينك) لماذا؟ لأن المواجهة بالأعين تُظهر الحق، فصاحب الحق عينه قوية جريئة، تستمد قوتها من قوة الحق الذي يُدافع عنه، أما عين المُبطل فمنكسرة ذليلة تتوارى من شعاع الحق الذي يكشف زيفها. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ ٱلْخَاسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ أَلاَ إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ} [الشورى: 45] هذه المقولة يُردِّدها المؤمن الذي نجا من العذاب وفاز بالجنة، يقول: إن الخسارة الحقيقة هي ما فيه هؤلاء، لأنهم خسروا كل شيء {أَلاَ إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ} [الشورى: 45] يعني: دائم لا ينقطع.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ} [الآية: 45]. يقول: ذليل. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم /69 ظ/ قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله، عز وجل: {مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ}. يعني: محرزا {وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ} [الآية: 47]. يعني: من ناصر ينصر لكم. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً} [الآية: 50]. يقول: يخلط بينهم بالتزويج. يقول: تلد المرأَة غلاماً ثم تلد جارية ثم تلد غلاماً ثم تلد جارية.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ} معناه انما ينظرُ ببعضِ عَينهِ. وقال: يسارقونَ بالنَّظرِ إِلى جهنمَ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا} [الشورى: 45] على النار {خَاشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ} [الشورى: 45] إذ لم يخشعوا في الدنيا من عزة العناية لا ينفعهم ندامة ولا يسمع منهم دعوة، {يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ} [الشورى: 45] من خجالة المؤمنين إذ يعيرونهم بما ذكروهم فلم يسمعوا، وذكروا أنه لا ناصر لهم لينصرهم ولا راحم يرحمهم، {وَقَالَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} [الشورى: 45]، {أية : وَجَاهِدُوا فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ}تفسير : [الحج: 78] الذين ربحوا على ربهم، {إِنَّ ٱلْخَاسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} [الشورى: 45] بإبطال استعدادهم، إذ صرفوه في طلب الدنيا وزخارفها والالتذاذ بها {وَأَهْلِيهِمْ} [الشورى: 45]؛ أي: وخسروا أهليهم {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [الشورى: 45] إذا لم يقوا أنفسهم وأهليهم ناراً بقبول الإيمان وأداء الشرائع {أية : يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَٰحِبَتِهِ وَبَنِيهِ}تفسير : [عبس: 34-36]، {أَلاَ إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ} [الشورى: 45] الذين كانوا في جهنم شهوات النفس جنياً في الدنيا {فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ} [الشورى: 45] في الآخرة، {وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَآءَ} [الشورى: 46] من المؤمنين {يَنصُرُونَهُم} [الشورى: 46] بالشفاعة، ولا الذين اتخذوا {مِّن دُونِ ٱللَّهِ} [الشورى: 46] من دون أن ينصرونهم بالنجاة من أولياء الله، {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ} [الشورى: 46] بأن يشغلهم بغيره {فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ} [الشورى: 46] يصل به إلى الله. ثم أخبر عن الاستجابة بالعبودية للربوبية بقوله تعالى: {ٱسْتَجِيبُواْ لِرَبِّكُمْ} [الشورى: 47] للعوام: إلى الوفاء بعهده والقيام بحقه والرجوع من مخالفته إلى موافقته، وللخواص: إلى الاستسلام للأحكام الأزلية والإعراض عن الدنيا وزينتها وشهواتها؛ إجابة لقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ}تفسير : [يونس: 25]. ولأخص الخواص: من أهل المحبة إلى صدق الطلب بالإعراض عن الدارين متوجهاً بحضرة الجلال، ببذل الوجود في نيل الوصول والوصال مجيباً لقوله: {أية : وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ} تفسير : [الأحزاب: 46]، والطريق إلى الاستجابة مفتوح وعن قريب سيغلق الباب على القلوب بغتة ويؤخذ قلبه وذلك قوله تعالى: {مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ} [الشورى: 47].