٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
139
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن الذي قدمه من قوله: {أية : قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ } تفسير : [آل عمران: 137] وقوله: {أية : هذا بيان للناس}تفسير : [آل عمران: 138] كالمقدمة لقوله: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا } كأنه قال إذا بحثتم عن أحوال القرون الماضية علمتم أن أهل الباطل وإن اتفقت لهم الصولة، لكن كان مآل الأمر إلى الضعف والفتور، وصارت دولة أهل الحق عالية، وصولة أهل الباطل مندرسة، فلا ينبغي أن تصير صولة الكفار عليكم يوم أحد سبباً لضعف قلبكم ولجبنكم وعجزكم، بل يجب أن يقوى قلبكم فان الاستعلاء سيحصل لكم والقوة والدولة راجعة إليكم. ثم نقول قوله: {وَلاَ تَهِنُواْ } أي لا تضعفوا عن الجهاد، والوهن الضعف قال تعالى: حكاية عن زكريا عليه السلام {أية : إِنّى وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنّى } تفسير : [مريم: 4] وقوله: {وَلاَ تَحْزَنُواْ } أي على من قتل منكم أو جرح وقوله: {وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ } فيه وجوه: الأول: أن حالكم أعلى من حالهم في القتل لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أحد، وهو كقوله تعالى: {أية : أَوَ لَمَّا أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا } تفسير : [آل عمران: 165] أو لأن قتالكم لله وقتالهم للشيطان، أو لأن قتالهم للدين الباطل وقتالكم للدين الحق، وكل ذلك يوجب كونكم أعلى حالا منهم. الثاني: أن يكون المراد وأنتم الأعلون بالحجة والتمسك بالدين والعاقبة الحميدة. الثالث: أن يكون المعنى وأنتم الأعلون من حيث إنكم في العاقبة تظفرون بهم وتستولون عليهم وهذا شديد المناسبة لما قبله، لأن القوم انكسرت قلوبهم بسبب ذلك الوهن فهم كانوا محتاجين الى ما يفيدهم قوة في القلب، وفرحا في النفس، فبشرهم الله تعالى بذلك، فأما قوله: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } ففيه وجوه: الأول: وأنتم الأعلون ان بقيتم على إيمانكم، والمقصود بيان أن الله تعالى إنما تكفل باعلاء درجتهم لأجل تمسكهم بدين الاسلام. الثاني: وأنتم الأعلون فكونوا مصدقين لهذه البشارة ان كنتم مصدقين بما يعدكم الله ويبشركم به من الغلبة. والثالث: التقدير: ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون ان كنتم مؤمنين، فان الله تعالى وعد بنصرة هذا الدين، فان كنتم من المؤمنين علمتم أن هذه الواقعة لا تبقى بحالها، وأن الدولة تصير للمسلمين والاستيلاء على العدو يحصل لهم.
القرطبي
تفسير : عزّاهم وسَلاّهم بما نالهم يوم أحد من القتل والجراح، وحثّهم على قتال عدوّهم ونهاهم عن العجز والفشل فقال {وَلاَ تَهِنُوا} أي لا تضعفوا ولا تجبنُوا يا أصحاب محمد عن جهاد أعدائكم لما أصابكم. {وَلاَ تَحْزَنُوا} على ظهورهم، ولا على ما أصابكم من الهزيمة والمصيبة. {وأَنْتُم الاٌّعْلَوْنَ} أي لكم تكون العاقبة بالنصر والظفر {إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} أي بصدق وَعْدِي. وقيل: «إن» بمعنى «إذ». قال ابن عباس: حديث : انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد فبينا هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل من المشركين، يريد أن يعلُوا عليهم الجبل؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «اللّهم لا يعلُنّ علينا اللّهم لا قوة لنا إلا بك اللّهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر»تفسير : . فأنزل الله هذه الآيات. وثاب نفر من المسلمين رماة فصعِدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم؛ فذلك قوله تعالى: {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ} يعني الغالبين على الأعداء بعد أُحد. فلم يُخرِجوا بعد ذلك عسكراً إلاّ ظفِروا في كل عسكر كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي كل عسكر كان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان فيه واحدٌ من الصحابة كان الظفر لهم، وهذه البلدان كلها إنما افتتِحت على عهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ثم بعد انقراضهم ما افتتِحت بلدة على الوجه كما كانوا يفتتحون في ذلك الوقت. وفي هذه الآية بيان فضلِ هذه الأُمة؛ لأنه خاطبهم بما خاطب به أنبياءه؛ لأنه قال لموسى: {أية : إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [طۤه: 68] وقال لهذه الأُمة: {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ}. وهذه اللفظة مشتقة من اسمه الأعلى فهو سبحانه العلي، وقال للمؤمنين: {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلاَ تَهِنُواْ } تضعفوا عن قتال الكفار {وَلاَ تَحْزَنُواْ } على ما أصابكم بأُحد {وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ } بالغلبة عليهم.{إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } حقاً، وجوابه دل عليه مجموع ما قبله.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ولا تهنوا ولا تحزنوا} نزلت يوم أحد حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بطلب القوم مع ما أصابهم من الجراح فاشتد ذلك على المسلمين فأنزل الله تعالى هذه الآية وحث فيها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على الجهاد على ما أصابهم من الجراح والقتل. وكان قد قتل يوم أحد من الأنصار سبعون رجلاً ومن المهاجرين خمسة رجال منهم حمزة بن عبدالمطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومصعب بن عمير. ومعنى الآية ولا تهنوا أي ولا تضعفوا عن الجهاد ولا تحزنوا يعني على من قتل منكم لأنهم في الجنة {وأنتم الأعلون} يعني بالنصر والغلبة عليهم وأن العاقبة لكم وقال ابن عباس: انهزم أصحاب رسول الله صلى عليه وسلم في الشعب فأقبل خالد بن الوليد في خيل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم لا يعلوه علينا اللهم لا قوة لنا إلاّ بك" تفسير : فثاب نفر من المسلمين رماة فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى انهزموا وعلا المسلمون الجبل فذلك قوله تعالى: {وأنتم الأعلون} وقيل أنتم الأعلون لأن حالكم خير من حالهم لأن قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار وأنتم تقاتلون على الحق وهم يقاتلون على الباطل. وقيل وأنتم الأعلون في العاقبة لأنكم تظفرون بهم وتستولون عليهم {إن كنتم مؤمنين} أي إذ كنتم مؤمنين وقيل معناه إن كنتم مصدقين بأن ناصركم هو الله تعالى فصدقوا بذلك فإنه حق وصدق. وقوله تعالى: {إن يمسكم قرح} قرئ بضم القاف وبفتحها وهما لغتان ومعناهما واحد وقيل إنه بالفتح مصدر وبالضم اسم وقيل إنه بالفتح اسم للجراحة وبالضم ألم للجراحة الآية خطاب للمسلمين حين انصرفوا من أحد مع الحزن والكآبة يقول: إن يمسسكم أيها المسلمون قرح يوم أحد {فقد مس القوم} يعني في يوم بدر وقيل إن الكفار قد نالهم يوم أحد مثل ما نالكم من الجراح والقتل فقد قتل منهم نيف وعشرون رجلاً وكثرت الجراحات فيهم {وتلك الأيام نداولها بين الناس} المداولة نقل الشيء من واحد إلى آخر يقال تداولته الأيدي إذا انتقل من واحد إلى آخر ويقال الدنيا دول أي تنتقل من قوم إلى آخرين ثم منهم إلى غيرهم والمعنى أن أيام الدنيا هي دول بين الناس فيوم لهؤلاء ويوم لهؤلاء فكانت الدولة للمسلمين على المشركين في يوم بدر حتى قتلوا منهم سبعين رجلاً وأسروا سبعين وأديل المشركون من المسلمين يوم أحد حتى جرحوا منهم سبعين وقتلوا خمساً وسبعين (خ) عن البراء بن عازب قال: حديث : جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الرجالة يوم أحد وكانوا خمسين رجلاً وهم الرماة عبدالله بن جبير. فقال: إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا من مكانكم هذا حتى أرسل إليكم وإن رأيتمونا هزمنا القوم ووطئناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم فهزمهم الله. قال: فأنا والله رأيت النساء يشتددن قد بدت خلاخلهن وأسوقهن رافعات ثيابهن فقال أصحاب عبدالله بن جبير الغنيمة أي قوم الغنيمة ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فقال عبدالله بن جبير أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين فذلك قوله والرسول يدعوكم في اخراكم فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلاً فأصابوا منا سبعين رجلاً وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائة: سبعين أسيراً وسبعين قتيلاً فقال أبو سفيان أفي القوم محمد؟ ثلاث مرات فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه ثم قال أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ثلاث مرات ثم قال أفي القوم عمر بن الخطاب؟ ثلاث مرات ثم رجع إلى أصحابه فقال أما هولاء فقد قتلوا فما ملك عمر نفسه فقال كذبت والله يا عدو الله إن الذي عددت لأحياء كلهم وقد بقي لك ما يسوءك قال يوم بيوم بدر والحرب سجال إنكم ستجدون في القوم مثله لم آمر بها ولم تسؤني ثم أخذ يرتجز اعل هبل اعل هبل فقال النبي صلى الله عليه وسلم "ألا تجيبوه؟ فقالوا: يا رسول الله ما نقول؟ قال قولوا الله أعلى وأجل قال أبو سفيان. إن لنا عزى ولا عزى لكم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ألا تجيبوه قالوا يا رسول الله ما نقول قال قولوا الله مولانا ولا مولى لكم"تفسير : . قال البغوي وقد روي هذا المعنى عن ابن عباس وفي حديثه قال أبو سفيان يوم بيوم وإن الأيام دول والحرب سجال فقال عمر لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار قال الزجاج الدولة تكون للمسلمين على الكفار لقوله تعالى وإن جندنا لهم الغالبون فكانت يوم أحد للكفار على المسلمين لمخالفتهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {وليعلم الله الذين آمنوا} يعني إنما جعل الدولة للكفار على المسلمين ليميز المؤمن المخلص ممن يرتد عن الدين إذا أصابته نكبة وشدة وقيل معناه وليعلم الله الذين آمنوا بما يظهر من صبرهم على جهاد عدوهم أي ليعرفهم بأعيانهم إلاّ أن السبب العلم وهو ظهور الصبر حذف هنا وقيل معناه ليعلم الله ذلك واقعاً منهم لأن الله تعالى يعلم الشيء قبل وجوده ولا يحتاج إلى سبب حتى يعلم والمعنى ليقع ما علمه عياناً ومشاهدة للناس والمجازاة إنما تقع على الواقع دون المعلوم الذي لم يوجد وقيل معناه ليعلم أولياء الله فأضاف علمهم إلى نفسه تفخيماً. وقيل معناه ليحكم الله بالامتياز بين المؤمن والمنافق فوضع العلم موضع الحكم لأن الحكم لا يحصل إلاّ بعد العلم {ويتخذ منكم شهداء} يعني وليكرم قوماً منكم بالشهادة ممن أراد أن يكرمهم بها وذلك لأن قوماً من المسلمين فاتهم يوم بدر وكانوا يتمنون لقاء العدو وأن يكون لهم يوم كيوم بدر فيقاتلون فيه العدو ويلتمسون فيه الشهادة والشهداء جمع شهيد وهو من قتل من المسلمين بسيف الكفار في المعركة واختلفوا في معنى الشهيد فقيل الشهيد الحي لقوله تعالى بل أحياء عند ربهم يرزقون فأرواحهم حية حضرت دار السلام وشهدتها وأرواح غيرهم لا تشهدها وقيل سمي شهيداً لأن الله تعالى شهد له بالجنة. وقيل سموا شهداء لأنهم يشهدون يوم القيامة مع الأنبياء والصديقين على الأمم لأن الشهادة تكون للأفضل فالأفضل من الأمة لأن منصب الشهادة منصب عظيم ودرجة عالية {والله لا يحب الظالمين} يعني المشركين وقيل هم الذين ظلموا أنفسهم بالمعاصي وقيل هم المنافقون الذين يظهرون الإيمان بألسنتهم ويسرون الكفر، والمعنى والله لا يحب من لا يكون ثابتاً على الإيمان صابراً على الجهاد.
ابن عادل
تفسير : الأصل: تُوْهِنوا، فحُذِفت الواو؛ لوقوعها بين تاء وكسرة في الأصل، ثم أجْريت حروف المضارعة مُجْراها في ذلك، ويقال: وَهَنَ - بالفتح في الماضي - يَهِنُ - بالكسر في المضارع. ونُقِلَ أنه يُقال: وَهُن، ووَهِنَ - بضم الهاء وكسر في الماضي - و "وَهَنَ" يُستعمل لازماً ومتعدياً، تقول: وَهَنَ زيدٌ، أي: ضَعُفَ، قال تعالى: {أية : وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي} تفسير : [مريم: 4]، ووَهَنْتُه وأضعفته، ومنه الحديث: "حديث : وَهَنْتُهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ"تفسير : والمصدر على الوهَن - بفتح الهاء وسكونها. وقال زهير: [البسيط] شعر : 1628-........................ فَأصْبَحَ الْحَبْلُ مِنْهَا وَاهِناً خَلَقَا تفسير : أي: ضعيفاً. قوله: {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ} جملة حالية من فاعل {تَهِنُوا}، أو {تَحْزَنُوا}، والاستئناف فيها غير ظاهر، و {الأَعْلَوْنَ} جمع أعْلَى، والأصل: أعْلَيَوْنَ، فتحرَّكت الياء، وانفتح ما قبلها، فقُلبَت ألفاً فحُذِفت لالتقاء الساكنين، وبقيَت الفتحةُ لتدلَّ عليها. وإن شئت قُلْتَ: استثقلت الضمةُ على الياء، فحُذِفت، فالتقى ساكنان أيضاً - الياء والواو - فحُذِفتَ الياء؛ لالتقاء الساكنين، وإنَّما احتجنا إلى ذلك؛ لأن واو الجمع لا يكون ما قبلها إلا مضموماً، لفظاً، أو تقديراً. وهذا من مثال التقدير. فصل اعلم أن الآياتِ المتقدمة، كالمقدمة لهذه الآية، كأنه قال: إن بحثتم عن أحوال القرون الماضية، علمتم أن أهل الباطل، وإن اتفقت لهم [الصَّولة]، فمآل أمْرهم إلى الضَّعْف، ومآل أهل الحق إلى العُلُو والقوة، فلا ينبغي أن تصير صَولَةُ الكفَّار عليكم يوم أحد سبباً لضعف قلوبكم، وهذا حَثٌّ لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على الجهاد على ما أصابهم من القتل، والجراح يوم أُحُد، يقول: {وَلاَ تَهِنُوا} أي: لا تضعُفوا ولا تجبنُوا عن جهاد أعدائكم بما نالكم من القتل والجرح، {وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ} أي: تكون لكم العاقبة بالنصر والظَّفَر، وهذا مناسب لما قبله، لأن القومَ انكسرت قلوبُهم بذلك الوَهْن، فكانوا محتاجين إلى ما يُقَوِّي قلوبهم. وقيل: {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ} أي: أن حالكم أعلى من حالهم في القتل، لأنكم أصَبْتُم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أُحُد، وهو كقوله: {أية : أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا} تفسير : [آل عمران: 165] أو لأن قتالكم لله تعالى، وقتالهم للشيطان؛ أو لأن قتالكم للدين الحق، وقتالهم للدين الباطل، فكل ذلك يُوجِب أن تكونوا أعْلَى حالاً منهم. وقيل: "وأنتم الأعلون بالحجة". قوله: {إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} جوابه محذوف. فقيل: تقديره: فلا تَهِنُوا ولا تحزنوا. وقيل: تقديره: إن كنتم مؤمنين علمتم أن هذه الموقعةَ لا تَبْقَى بحالها، وأن الدولة تصير للمسلمين. فصل معنى: {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} أي: بقيتم على إيمانكم. وقيل: وأنتم الأعلون فكونوا مصدِّقين بما يَعِدُكم الله، ويُبَشِّركم به من الغَلَبَة. وقيل: إن كنتم مؤمنين، معناه: إذا كنتم مؤمنين، أي: لأنكم مؤمنون. وقال ابنُ عباس: "حديث : انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب، فأقبل خالدُ بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يَعْلُوَ عليهم الجبلَ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا يَعْلُونَّ عَلَيْنَا، اللهُمَّ لا قُوَّةَ إلاَّ بِكَ"، وثاب نَفَرٌ من المسلمين، رُماة، فصعدوا الجبل ورموا خَيْلَ المشركين، حتى هزموهم، فذلك قوله: {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ} ". تفسير : وقال الكلبيُّ: نَزَلَتْ هذه الآية بعد يوم أُحُد، حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بطلب القوم - مع ما أصابهم من الجراح - فاشتدَّ ذلك على المسلمين، فأنزل الله هذه الآية؛ دليله قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَهِنُواْ فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ} تفسير : [النساء: 104].
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن الزهري قال: كثر في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم القتل والجراح حتى خلص إلى كل امرئ منهم البأس. فأنزل الله القرآن، فآسى فيه بين المؤمنين بأحسن ما آسى به قوماً كانوا قبلهم من الأمم الماضية فقال {ولا تهنوا ولا تحزنوا} إلى قوله {لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم}. وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال: أقبل خالد بن الوليد يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : اللهمَّ لا يعلون علينا. فأنزل الله {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب يوم أحد، فسألوا ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وما فعل فلان؟ فنعى بعضهم لبعض، وتحدثوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل، فكانوا في هم وحزن. فبينما هم كذلك علا خالد بن الوليد بخيل المشركين فوقهم على الجبل، وكان على أحد مجنبتي المشركين وهم أسفل من الشعب، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم فرحوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : اللهم لا قوّة لنا إلا بك، وليس أحد يعبدك بهذا البلد غير هؤلاء النفر، فلا تهلكهم "تفسير : . وثاب نفر من المسلمين رماة، فصعدوا فرموا خيل المشركين حتى هزمهم الله، وعلا المسلمون الجبل، فذلك قوله {وأنتم الأعْلَوْنَ إن كنتم مؤمنين}. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {ولا تهنوا} قال: لا تضعفوا. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك {وأنتم الأعلون} قال: وأنتم الغالبون.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ} [الآية: 139]. سُئل محمد بن موسى ما بال الإنسان يحزن مرة ويفرح أخرى؟ فقال: إن الأرواح غذاؤها وتهذيبها فى الاستتار والتجلى، يطرب عند التجلى ويحزن عند الاستتار، فمن حجبه حزن ومن طالعه بعين البر واللطف فرح، ومن طالعه بعين السخط خاف وقلق.
القشيري
تفسير : يعني إذا قلتم بالله (ووصلتم) بالله فلا ينبغي أن تخافوا من غير الله، ولا تَهِنوا ولا تضعفوا فإن النصرة من عند الله، والغالب الله، وما سوى الله فليس منهم ذرة ولا منهم سينة. قوله: {إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} أي ينبغي للمؤمن ألا تظله مهابةٌ من غير الله.
البقلي
تفسير : {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ} اعلمهم الله حقائق الايمان وهو اليقين وسكون القلب بوعد الرب تعالى وبين اذا كنتم فى معارج الايمان والتصديق يجزة فى نصركم وعلوكم على عدوكم فما معنى الحزن والضعف فان من عائن حقيقة الام قوى يقينه وذهب عنه جميع الاحزان يبسطه وروحه من كشف ملكوت ربه قال محمد بن موسى ما بال الانسان يحزن مرة ويفرح اخرى قال لان غذاء الارواح وتهذيبها فى الاستناء والتجلى يطرب عند التجلى ويحزن عند الاستسار فمتى حجب حزن ومتى طالعه بعين البر واللطف فرح وان طالعه عين السخط خاف وقلق.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولا تهنوا} من الوهن وهو الضعف اى لا تضعفوا عن الجهاد بما اصابكم من الجراح يوم احد {ولا تحزنوا} على من قتل منكم وهى صيغة نهى ورد للتسكين والتصبير لا النهى عن الحزن {وانتم الاعلون} اى والحال انكم الاعلون الغالبون دون عدوكم فان مصير امرهم الى الدمار حسبما شاهدتم فى احوال اسلافهم لان الباطل يكون زهوقا واصله اعليون فكرهوا الجمع بين اخت الكسرة والضمة {ان كنتم مؤمنين} والجواب محذوف دل عليه المذكور اى ان كنتم مؤمنين فلا تهنوا ولا تحزنوا فان الايمان يوجب قوة القلب والثقة بصنع الله وقلة المبالاة باعدائه ولا يتعلق بالنهى المذكور لان الجزاء لا يتقدم على الشرط لكونهما كالكلمة الواحدة {ان يمسسكم} اى يصبكم {قرح} فتحا وضما اى جراحة {فقد مس القوم} اى الكفار ببدر {قرح مثله} قيل قتل المسلمون من الكافرين ببدر سبعين واسروا سبعين وقتل الكافرون من المسلمين باحد سبعين واسروا سبعين والمعنى ان نالوا منكم يوم احد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ولم يثبطهم عن معاودتكم بالقتال فانتم اولى بان لا تضعفوا فانكم ترجون من الله ما لا يرجون {وتلك الايام} اشارة الى الايام الجارية فيما بين الامم الماضية والآتية كافة لا الى المعهودة خاصة من يوم بدر ويوم احد بل هى داخلة فيها دخولا اوليا والمراد بها اوقات الظفر والغلبة {نداولها بين الناس} ونصرفها بينهم نديل لهؤلاء تارة ولهؤلاء اخرى كقول من قال شعر : فيوما علينا ويوما لنا ويوما نساء ويوما نسرّ تفسير : والمداولة نقل الشىء من واحد الى واحد وقالوا تداولته الايدى اى تناقلته واليس المراد من هذه المداولة ان الله تعالى تارة ينصر المؤمنين واخرى ينصر الكافرين وذلك لان نصره تعالى منصب شريف فلا يليق بالكفار بل المراد انه تعالى تارة يشدد المحنة على الكفار واخرى على المؤمنين وانه لو شدد المحنة على الكفار فى جميع الاوقات وازالها عن المؤمنين فى جميع الاوقات لحصل العلم الضرورى والاضطرارى بان الايمان حق وما سواه باطل ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب فلهذا المعنى تارة يسلط الله المحنة على اهل الايمان واخرى على اهل الكفر لتكون الشبهات باقية والمكلف يدفعها بواسطة النظر فى الدلائل الدالة على صحة الاسلام فيعظم ثوابه عند الله ولان المؤمن قد يقدم على بعض المعاصى فيكون اما تشديد المحنة عليه فى الدنيا ادبا له واما تشديد المحنة على الكافر فانه يكون غضبا من الله {وليعلم الله الذين آمنوا} عطف على علة محذوفة اى نداولها بينكم ليكون من المصالح كيت وكيت وليعلم الله ايذانا بان العلة فيما فعل غير واحدة وانما يصيب المؤمن فيه من المصالح مالا يعلم وهو اما من باب التمثيل اى ليعاملكم معاملة من يريد ان يعلم المخلصين الثابتين على الايمان من غيرهم او العلم فيه مجاز عن التمييز بطريق اطلاق اسم السبب على المسبب اى ليميز الثابتين على الايمان من غيرهم او هو على حقيقة معتبرة من حيث تعلقه بالمعلوم من حيث انه موجود بالفعل اذ هو الذى يدور عليه فلك الجزاء لا من حيث انه موجود بالقوة فالمعنى ليعلم الله الذين آمنوا علما يتعلق به الجزاء {ويتخذ منكم شهداء} جمع شهيد اى ويكرم ناسا منكم بالشهادة وهم شهداء احد {والله لا يحب الظالمين} ونفى المحبة كناية عن البغض اى يبغض الذين يضمرون خلاف ما يظهرون او الكافرين وهو اعتراض. وفيه تنبيه على انه تعالى لا ينصر الكافرين على الحقيقة وانما يغلبهم احيانا استدراجا لهم وابتلاء للمؤمنين {وليمحص الله الذين آمنوا} عطف على يتخذ اى ليصفيهم ويطهرهم من الذنوب ان كانت الدولة عليهم {ويمحق الكافرين} ويهلكهم ان كانت عليهم. والمحق نقص الشىء قليلا قليلا والمراد بهم الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم احد واصروا على الكفر وقد محقهم الله عز وجل جميعا. قال القاشانى ومن فوائد الابتلاءخروج ما فى استعداداتهم من الكمالات الى الفعل كالصبر والشجاعة وقوة اليقين وقلة المبالاة بالنفس واستيلاء القلب عليها والتسليم لامر الله وامثالها. قال نجم الدين الكبرى {ولا تهنوا} يا سائرين الى الله فى السير اليه {ولا تحزنوا} على ما فاتكم من التنعمات الدنيوية والكرامات الاخروية {وانتم الاعلون} من اهل الدنيا والآخرة فى المقام عند ربكم {ان كنتم مؤمنين} مصدقين بهذه الاخبار تصديق الائتمار به {ان يمسسكم قرح} فى اثناء السير من المجاهدات وانواع البلاء والابتلاء {فقد مس القوم} من الانبياء والاولياء {قرح} من المحن {مثله وتلك الايام} وايام المحن والبلاء والابتلاء والامتحان {نداولها بين الناس} بين السائرين يوما نعمة ويوما نقمة ويوما منحة ويوما محنة {وليعلم الله الذين آمنوا} وليختبرهم الله بالامتحان ويجعلهم مستعدين لمقام الشهادة {ويتخذ منكم شهداء} يا مبتلين بالنعمة والنقمة فى اثناء السير ارباب الشهود والمشاهدة {والله لا يحب الظالمين} الذين يصرفون استعدادهم فى طلب غير الحق والسير اليه {وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين} يعنى ان كل غم وهم ومصيبة تصيب المؤمنين فى الله يكون تكفيرا لذنوبهم وتطهيرا لقلوبهم وتخليصا لارواحهم وتمحيصا لاسرارهم وما يصيب الكافرين من نعمة ودولة وحبور يكون سببا لكفرانهم ومزيدا لطغيانهم وعمى لقلوبهم وتمردا لنفوسهم ومحقا لارواحهم وسحقا لاسرارهم فاهل المحبة والمعرفة لا يخلون عن الابتلاء بقلة او ذلة او علة فان مقتضى الحكمة ذلك ألا ترى الى قوله عليه الصلاة والسلام "حديث : اشد البلاء على الانبياء ثم الاولياء ثم الأمثل فالامثل " .تفسير : ـ حكى ـ ان عيسى عليه السلام اجتاز جبلا فيه عابد يعبد الله عند عين من ماء لطهارته وشربه وبستان ينبت له الهندباء لقوته فسلم عليه المسيح فرد السلام عليه فقال له منذ كم انت ههنا تعبد الله قال منذ ثمانين سنة اسأل حاجة من الله فلم يقضها لى فقال عيسى وما هى قال ان يسكن قلبى ذرة من معرفته ومحبته فلا يفعل وانت نبيه فسل لى هذه الحاجة فتوضأ عيسى من العين وصلى ركعتين وسأل حاجته ثم مضى وبقى ما بقى فى سفره فلما رجع الى ذلك المكان رآه خاليا والعين غائرة والبستان خراب فقال يا رب سألتك له المعرفة والمحبة قبضت روحه فاوحى الله اليه يا عيسى أما علمت ان خراب الدنيا فى محبتى ومعرفتى ومن عرفنى واحبنى لا يسكن الا الىّ ولا يقر قرارا فان احببت ان تراه فاشرف عليه فى هذا الوادى فاشرف عليه فاذا هو جالس قد ذهل وتحير وخرج لسانه على صدره شاخصا ببصره نحو السماء فناداه عيسى والعابد لا يسمع فناداه وحركه فلم يشعر فاوحى الله الى عيسى فوعزتى وجلالى لو قطعته بالسيف ما شعر به لانى اسكنت قلبه معرفتى ومحبتى وهو اقل من ذرة ولو زدته ادنى شىء لطار بين السماء والارض وطاش فانظر الى اهل الله كيف تكون دنياهم خرابا لا يخلون من البلايا فاجتهد انت ايضا ايها العبد فى تصحيح الدين لعلك تصل مقام اليقين والتمكين والمجاهدة تورث المشاهدة شعر : جو يوسف كسى در صلاح وتميز بسى سال بايدكه كردد عزيز
الطوسي
تفسير : القراءة، واللغة: قرأ أهل الكوفة إلا حفصاً {قرح} بضم القاف. والباقون بفتحها. والفرق بينهما أن القرح - بفتح القاف - الجراح، والقرح - بالضم - ألم الجراح على قول أكثر المفسرين. وقيل هما لغتان. المعنى، والنزول: وقال ابن عباس، والحسن، والربيع: القرح ما أصاب المسلمين يوم أحد وأصاب المشركين يوم بدر. وقال الزهري، وقتادة، وابن أبي نجيح: هذه الآية نزلت تسلية للمسلمين لما نالهم يوم أحد من القتل، والجراح، وكان سبب نزول الآية ما قدمنا ذكره من أن الله تعالى أراد أن يرعب الكفار، فأمر المسلمين أن يتبعوا المشركين على ما بهم من الجراح، والألم وحثهم على ذلك ونهاهم عن الوهن والحزن، ووعدهم بأنهم الاعلون إن تمسكوا بالايمان، لأن المشركين كانوا هموا بالعود إلى المدينة، والغارة فيها، فلما بلغهم عزيمة المسلمين على تتبعهم خافوهم. وقال بعضهم لبعض يوشك أن يكون انضم إليهم من كان قعد عنهم، وأعانهم أحلافهم من بني قريظة، والنضير فدسوا نعيم بن مسعود الأشجعي وبذلوا له عشر قلائص على أن يثبط المسلمين عن تتبعهم، ويقول: إنهم تجمعوا وانضم إليهم حلفاؤهم، وهم يريدونكم ولا طاقة لكم بهم، وأسرعوا المسير إلى مكة فأوحى الله بذلك إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) وأعلمه ما قالوا لنعيم، فلما قال لهم ما قال، قال المسلمون: {حسبنا الله ونعم الوكيل} وفيهم نزلت الآية {أية : الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم} تفسير : إلى قوله: {أية : والله ذو فضل عظيم}تفسير : وما بعده. وإنما قال: {إن كنتم مؤمنين} مع أنهم كانوا مؤمنين للبيان عن ان الايمان يوجب تلك الحال، وتقديره إن من كان مؤمناً يجب عليه ألا يهن ولا يحزن، لثقته بالله. ويحتمل أيضاً أن يكون معناه إن كنتم مصدقين بوعدي لكم بنصرتي إياكم حتى تستعلوا على عدوكم، وتظفروا بهم. اللغة، والاعراب، والمعنى: والوهن الضعف، وهن يهن وهنا، فهو واهن: إذا ضعف. وأوهنه يوهنه ايهاناً. وتوهن توهناً، ووهنه توهيناً. والوهن: ساعة تمضي من الليل. والواهن عرق مستبطن حبل العاتق إلى الكتف. وقوله: {وأنتم الأعلون} جملة في موضع الحال، كأنه قال لا تحزنوا عالين أي منصورين على عدوكم، ويحتمل أن لا يكون لها موضع من الاعراب، لأنها اعتراض بوعد مؤكد، وتقديره {ولا تهنوا ولا تحزنوا} {إن كنتم مؤمنين} {وأنتم} مع ذلك {الأعلون}. وأصل الاعلون الأعلوون، فحذفت احدى الواوين استثقالا، وهي الاصلية وبقيت واو الجمع، لأنها لمعنى. فأما في التثنية فتقول: إنتما الاعليان، فتقلب الواو ياء، ولا تحذفها، لأنه ليس هناك ضرورة. وقوله: {إن يمسسكم} فالمس هو اللمس بعينه، وقيل الفرق بينهما أن اللمس لصوق باحساس والمس لصوق فقط وقال ابن عباس: معناه إن يصبكم. وقوله: {وتلك الأيام نداولها بين الناس} قال الحسن، وقتادة، والربيع، والسدي، وابن اسحاق: يصرفها مرة لفرقة، ومرة عليها، والدولة: الكرة لفرقة بنيل المحبة. وادال الله فلاناً من فلان: إذا جعل الكرة له عليه. وقال الحجاج: إن الارض ستدال منا كما ادلنا منها، {ونداولها} إنما هو بتخفيف المحنة تارة وتشديدها أخرى بدليل {إن الله لا يحب الظالمين} ولو كانت المداولة بالنصر لا محالة، للمؤمنين تارة وللكافرين تارة، لكان محبهم من حيث هو ناصر لهم، والعامل في قوله، وليعلم الله يحتمل أمرين: أحدهما - ان يكون محذوفاً يدل عليه أول الكلام، وتقديره وليعلم الله الذين آمنوا نداولها. الثاني - أن يعمل فيه {نداولها} الذي في اللفظ، وتقديره نداولها بين الناس لضروب من التدبير {وليعلم الله الذين آمنوا} وخبر ليعلم يحتمل أمرين: أحدهما - أن يكون محذوفاً وتقديره {وليعلم الله الذين آمنوا} متميزين بالايمان من غيرهم، ولا يكون على هذا يعلم بمعنى يعرف، لأنه ليس المعنى على تعرف الذوات بل المعنى على أن يعلم تميزها بالايمان. والثاني - {وليعلم الله الذين آمنوا} بما يظهر من صبرهم على جهاد عدوهم أي يعاملهم معاملة من يريد أن يعرفهم الله بهذه الحال. وقال أبو علي: معناه وليصبروا فعبر عن الصبر بالعلم. وقال البلخي {وليعلم الله} ايمانكم موجوداً أي تفعلونها، فيعلمه الله كذلك. ومعنى قوله: {ويتخذ منكم شهداء} فيه قولان: أحدهما - قال الحسن، وقتادة، وابن اسحاق، ليكرم بالشهادة من قتل يوم أحد. الثاني - ويتخذ منكم شهداء على الناس بما يكون منهم من العصيان، لما لكم فيه من التعظيم، والتبجيل - هذا قول البلخي والجبائي - والأول أقوى لأنه في ذكر القتل، فان قيل لم جعل الله مداولة الايام بين الناس، وهلا كانت ابداً لأولياء الله دون أعدائه؟ قلنا ذلك تابع للمصلحة، وما تقتضيه الحكمة أن يكونوا تارة في شدة وتارة في رخاء فيكون ذلك داعياً لهم إلى فعل الطاعة، واحتقار الدنيا الفانية المنتقلة من قوم إلى قوم حتى يصير الغني فقيراً، والفقير غنياً، والنبيه خاملا، والخامل نبيهاً، فتقل حينئذ الرغبة فيها والحرص على جمعها، ويقوي الحرص على غيرها مما نعيمه دائم، وسروره غير منقطع. وقوله: {والله لا يحب الظالمين} معناه لا يريد منافعهم، وعلى مذهبنا ينبغي أن يكون ذلك مخصوصاً بالكفار، لأنهم إذا كانوا مؤمنين، فلهم ثواب. والله تعالى لا بد أن يريد فعل ذلك بهم ويحتمل أن يكون المراد بذلك {لا يحب الظالمين} إذا كانوا مؤمنين محبة خالصة لا يشوبها إرادة عقابهم، لأن ذلك يختص من لا عقاب عليه.
الجنابذي
تفسير : {وَلاَ تَهِنُوا} عطف على سارعوا لانّ الفاصل بينهما من متعلّقات المعطوف عليه اى لا تضعفوا عن الجهاد بما اصابكم يوم احد وقد اصبتم مثليه يوم بدر {وَلاَ تَحْزَنُوا} على قتلاكم لانّهم بلغوا بالقتل مقاماتهم العالية من الجنان وعانقوا ازواجهم من الحور العين، ولا على ما فات منكم من الغنيمة {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ} بالصّعود على الجبل او انتم الاعلون شأناً لانّكم على الحقّ وعدوّكم على الباطل وقتلاكم فى الجنّة وقتلاهم فى النّار، او انتم الاعلون فى العاقبة بالغلبة عليهم وعلى اىّ تقدير فهو تسلية قيل: نزلت الآية تسليةً للمؤمنين لما نالهم يوم احد من القتل والجراح، وقيل: لمّا انهزم المسلمون اقبل خالد بن وليد بخيلٍ من المشركين يريد ان يعلو عليهم الجبل فقال النّبىّ (ص) لا يعلنّ علينا ووثب نفر رماة فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتّى هزموهم وعلا المسلمون الجبل ونزلت الآية، وقيل: نزلت بعد يوم احدٍ حين امر الله رسوله (ص) بطلب القوم وقد أصابهم من القتل والجراح ما أصابهم وقال رسول الله (ص) "حديث : لا يخرج الاّ من شهد معنا بالامس"تفسير : فاشتدّ ذلك على المسلمين فنزلت الآية {إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} يعنى ان كنتم باقين على الايمان كنتم اعلون او هو شرط تهييجىّ لقوله: {لا تهنوا}.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {ولا تهنوا ولا تحزنوا} الآية نزلت يوم أُحُد تسلية من الله تعالى لرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وللمؤمنين يعني لا تضعفوا عن الجهاد لما أصابكم ولا تحزنوا على من قتل منكم، وأنتم الأعلون، وحالكم أنكم أعلا منهم وأغلب لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أُحُد، قوله تعالى: {وأنتم الأعلون} شأناً لأن قتالكم لله ولإعلاء كلمته وقتالهم للشيطان ولإعلاء كلمة الكفر، وقيل: لأن قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار، قوله تعالى: {ان يمسسكم قرح} قيل: هو الجراح والمعنى أن نالوا منكم يوم أُحد فقد نلتم منهم يوم بدر {وتلك الأيام نداولها بين الناس} تارةً لهؤلاء وتارة لهؤلاء {وليعلم الله الذين آمنوا} وليتميز الثابتون على الإِيمان من الذين آمنوا، وهذا من باب التمثيل بمعنى: فعلنا ذلك فعل من يريد أن يعلم مَنْ الثابت منكم على الإِيمان من غير الثابت، وإلا فالله عزّ وجل لم يزل عالماً بالأشياء، وقيل: معناه وليعلمهم علماً يتعلق به الجزاء وهو أن يعلمهم موجوداً منهم الثبات {ويتخذ منكم شهداء} يعني وليكرم ناساً منكم بالشهادة يريد المستشهدين يوم أُحُد {والله لا يحب الظالمين} أي والله لا يحب من ليس من هؤلاء الثابتين على الإِيمان المجاهدين، قوله تعالى: {وليمحص الله الذين آمنوا} التمحيص: التطهير، وقيل: الإِختبار، {ويمحق الكافرين} اي يهلكهم، قوله تعالى: {ولقد كنتم تمنون الموت} خوطب به الذين لم يشهدوا بدراً، فكانوا يتمنون أن يحضروا مشهداً مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، {فقد رأيتموه وأنتم تنظرون} أي رأيتموه معاينين مشاهدين حتى قتل بين أيديكم من قتل من إخوانكم وأقاربكم وشارفتم أن تقتلوا وهذا توبيخ لهم، قوله تعالى: {وما محمد إلاَّ رسول قد خلت من قبله الرسل} الآية نزلت يوم أُحُد لما نودي أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قُتِل وصَرَخ صارخٌ ألا أن محمداً قد قُتل، قيل: أن الصارخ الشيطان نعوذ بالله منه ففشا في الناس خبر قتله فانكفَّوا وجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يدعوا: "إليَّ عباد الله" حتى انحازت إليه طائفة من أصحابه، فلامهم على هزيمتهم، فقالوا: يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمَّهاتنا أتانا خبر قتلك، فرعبت قولبنا فولينا هاربين، فنزلت الآية، وقيل: أنه لما صرَخ الصارخ قال بعض المسلمين: ليت عبد الله بن أبي يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان، وقال ناس من المنافقين: لو كان نبيَّاً لما قُتِل، ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك يا قوم: إن كان قُتِل محمد فإن رب محمد حيٌّ لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه، ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء ثم شهر سيفه فقاتل حتى قُتِل رحمه الله تعالى، قوله تعالى: {فلن يضرَّ الله شيئاً} يعني فما ضر إلا نفسه وسيجزي الله الشاكرين الذين لم ينقلبوا كأنس بن النضر واضرابه، وسمَّاهم شاكرين لأنهم شكروا نعمة الإِسلام.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تَهِنُوا} أى لا تضعفوا عن الجهاد، بما أصابكم يوم أحد. {وَلاَ تَحْزَنُوا}: على من قتل منكم يوم أحد أو جرح، نزلت الآية فى التسلية عما وقع بأحد. {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ}: بالْغَلَبَةِ على المشركين إن كنتم مؤمنين، فى عاقبة الأمر فهذه بشارة بالنصر، والغلبة وتقوية لقلوبهم، لأن أمر الشرك باطل زهوق، والواو للاستئناف، أو الحال، المقدرة لكن هذا التقدير يفيد إنزال الجملة كما لو قيل لك جىء مكرماً، وأريد جىء مقدراً للإكرام، ويجوز أن يكون المعنى وأنتم الأعلون شأناً، لأنكم على الحق، وهو على الباطل وقتالكم لله، وقتالهم للشيطان، وقتلاكم فى الجنة، وقتلاهم فى النار، أو أنكم أصبتم منهم يومد بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أحد، فالحال فى هذه الأوجه محكية، بمعنى أنكم قد نلتم ذلك العلو، أو مقارنة بمعنى أنكم متصفون الآن، بذلك العلو الماضى، وكذا فى قول ابن عباس إنهُ إنهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الشعب، فأقبل خالد بن الوليد بخل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تعل علينا اللهم لا قوة لنا إلا بك"تفسير : ، وتأهب نفر من المسلمين، رماة فصعدوا الجب ورموا حتى هزموهم، فذلك قوله تعالى {وأنتم الأعلون}. {إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ}: وعلى قول ابن عباس هذا، وغيره يكون قوله {إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِين} شرطاً فى تحقق العلو والأنتفاع به، أى إن كنتم مؤمنين حقا، فقد حصل لكم الغلبة، بالنفر الصاعدين الجبل، وإلا لم تنتفعوا بها فكأنها غير واقعة، وكأنكم غير عالين، أو شرطاً فى النهى عن الوهن، والحزن، لأنه إن لم يتحقق إيمانهم وهنو ا وحزنوا، فجواب {إن} محذوف دل عليه لا تهنوا، ولا تحزنوا، أو قوله {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ}، والإيمان: التوحيد، وامتثال الأمر واجتناب النهى هنا، وقيل بمعنى التصديق بما يعبدهم والله ويبشرهم به من الغلبة على المشركين، فيما بعد.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تَهِنُوا} تضعفوا عن قتال الكفار فى سائر الحروب بعد أحد كبدر الصغرى بل كبقية يوم أحد أيضاً، فإنه بعد ما وقع القتل فى المسلمين والأسر، وافترقوا مع المشركين أمرهم النبى صلى الله عليه وسلم باتباعهم وطلهم، إما مطلقا وإما ليمنعوهم عن القتلى لئلا يمثل بهم، وعن من بقيت فيه حياة، فاشتد عليهم، فقد قيل: إن الآية نزلت فى ذلك {وَلاَتَحْزَنُوا} بما أصابكم فى أحد قيل: وبما فاتكم من الغنائم، قيل: المعنى لا تفعلوا مايترتب على الوهن والحزن مما هو اختيارى أولا وهن قيهم، ولا حزن لكن تسلية لهم {وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ} والحال أنكم الغالبون فى العاقبة ومآلهم إلى الذل، فهذا تبشير بالنصر مستقبلا، فما خرجوا بعد إلا نصروا، ولو كان فيهم صحابى واحد، وأنكم غلبتموهم يوم بدر مع ما قتلتم منهم قبل التحول عن المركز، وأسرتم منهم سبعين يوم بدر، ولم يأسروا مثل ذلك منكم يوم أُحد على الصحيح، وسبق رماة فوق أُحد حين أراد خالد ومن معه أن يعلوكم فرددتموهم، وهذا تذكير للنعمة وأنتم الأعلون بالحق والجنة بخلافهم، أو أنتم أعلى منهم، إذ لهم بعض علو فى الدنيا بغلبة القتال {إن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} أى إن صح إيمانكم، وهو قيد لقوله: لا تهنوا، وقوله، لا تحزنوا، أو أنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين بوعد النصر لكم، وإلا فلستم الأعلين.
الالوسي
تفسير : {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا } أخرج الواحدي عن ابن عباس أنه قال: «حديث : انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فبينما هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريدون أن يعلوا عليهم الجبل فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا قوة لنا إلا بك اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر تفسير : فأنزل الله تعالى هذه الآية: وثاب نفر من المسلمين فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم» وعن الزهري وقتادة أنها نزلت تسلية للمسلمين لما نالهم يوم أحد من القتل والجراح. وعن الكلبـي أنها نزلت بعد يوم أحد حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله تعالى عنهم بطلب القوم وقد أصابهم من الجراح ما أصابهم وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يخرج إلا من شهد معنا بالأمس فاشتد ذلك على المسلمين فأنزل الله هذه الآية»، وأياً ما كان فهي معطوفة على قوله تعالى: {أية : فَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ }تفسير : [آل عمران: 137] بحسب اللفظ ومرتبطة به بحسب المعنى إن قلنا إنه عود إلى التفصيل، وبما تقدم من قصة أحد ـ إن لم نقل ذلك ـ وبه قال جمع، وجعلوا توسيط حديث الربا استطراداً أو إشارة إلى نوع آخر من عداوة الدين ومحاربة المسلمين، وبه يظهر الربط وقد مر توجيهه بغير ذلك أيضاً. ومن الناس من جعل ارتباط هذه الآية لفظاً بمحذوف أي كونوا مجدين ولا تهنوا، ومضى على الخلاف وهو تكلف مستغنى عنه، والوهن ـ الضعف أي لا تضعفوا عن قتال أعدائكم والجهاد في سبيل الله تعالى بما نالكم من الجراح ولا تحزنوا على ما أصبتم به من قتل الأعزة وقد قتل في تلك الغزوة خمسة من المهاجرين حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبد الله بن جحش / ابن عمة النبـي صلى الله عليه وسلم وعثمان بن شماس، وسعد مولى عتبة رضي الله تعالى عنهم، وسبعون من الأنصار، وقيل: لا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة ولا يخفى بعده والظاهر أن حقيقة النهي غير مرادة هنا بل المراد التسلية والتشجيع وإن أريدت الحقيقة فلعل ذلك بالنسبة إلى ما يترتب على الوهن والحزن من الآثار الاختيارية أي لا تفعلوا ما يترتب على ذلك. {وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ } جملة حالية من فاعل الفعلين أي والحال أنكم الأعلون الغالبون دون أعدائكم فإن مصيرهم مصير أسلافهم المكذبين فهو تصريح بعد الإشعار بالغلبة والنصر. حكى القرطبـي أنهم ((لم يخرجوا بعد ذلك [عسكراً] إلا ظفروا في كل عسكر كان في عهده عليه الصلاة والسلام وكذا في كل عسكر كان بعد، ولو لم يكن فيه إلا واحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم)). أو المراد والحال أنكم أعلى منهم شأناً فإنكم على الحق وقتالكم لإعلاء كلمة الله تعالى وقتلاكم في الجنة وأنهم على الباطل وقتالهم لنصرة كلمة الشيطان وقتلاهم في النار، واشتراكهم على هذا في العلو بناءاً على الظاهر وزعمهم، وإذا أخذ العلو بمعنى الغلبة لا يحتاج إلى هذا لما أن الحرب سجال وأن العاقبة للمتقين، وقيل: المراد: وأنتم الأعلون حالاً منهم حيث أصبتم منهم يوم بدر أكبر مما أصابوا منكم اليوم. ومن الناس من جوز كون الجملة لا محل لها من الإعراب وجعلها معترضة بين النهي المذكور وقوله سبحانه {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } لأنه متعلق به معنى وإن كان الجواب محذوفاً أي ـ إن كنتم مؤمنين فلا تهنوا ولا تحزنوا ـ فإن الإيمان يوجب قوة القلب ومزيد الثقة بالله تعالى وعدم المبالاة بأعدائه، ولا يخفى أن دعوى التعلق مما لا بأس بها لكن الحكم ـ بكون تلك الجملة معترضة ـ معترض بالبعد، ويحتمل أن يكون هذا الشرط متعلقاً ـ بالأعلون ـ والجواب محذوف أيضاً أي إن كنتم مؤمنين ـ فأنتم الأعلون ـ فإن الإيمان بالله تعالى يقتضي العلو لا محالة، ويحتمل أن يراد بالإيمان التصديق بوعد الله تعالى بالنصرة والظفر على أعداء الله تعالى، ولا اختصاص لهذا الاحتمال بالاحتمال الأخير من احتمالي التعلق كما يوهمه صنيع بعضهم، وعلى كل تقدير المقصود من الشرط هنا تحقيق المعلق به كما في قول الأجير: إن كنت عملت لك فأعطني أجري، أو من قبيل قولك لولدك: إن كنت ابني فلا تعصني، وحمل بعضهم الشرط على التعليل أي لا تهنوا ولا تحزنوا لأجل كونكم مؤمنين، أو وأنتم الأعلون لأجل ذلك والقول بأن المراد إن بقيتم على الإيمان ليس له كمال ملاءمة للمقام.
ابن عاشور
تفسير : قوله: {ولا تهنوا ولا تحزنوا} نهي للمسلمين عن أسباب الفشل. والوهن: الضعف، وأصله ضعف الذات: كالجسم في قوله تعالى: {أية : ربِّ إنِّي وهَن العظم منِّي}تفسير : [مريم: 4]، والحبْل في قول زهير: شعر : فأصبح الحَبْل منها واهنا خَلَقا تفسير : وهو هنا مجاز في خور العزيمة وضعف الإرادة وانقلاب الرجاء يأساً، والشَّجاعة جبناً، واليقين شكّاً، ولذلك نهوا عنه. وأمَّا الحزن فهو شدّة الأسف البالغة حدّ الكآبة والانكسار. والوهنُ والحزن حالتان للنفس تنشآن عن اعتقاد الخيبة والرزء فيترتّب عليهما الاستسلام وترك المقاومة. فالنهي عن الوهن والحزن في الحقيقة نهي عن سببهما وهو الاعتقاد، كما يُنهى عن النسيان، وكما يُنهى أحد عن فعل غيره في نحو لا أرَيَنّ فلاناً في موضع كذا أي لا تَتْركْه يحلّ فيه، ولذلك قدّم على هذا النَّهي قوله: {أية : قد خلت من قبلكم سنن}تفسير : [آل عمران: 137] إلخ... وعقب بقوله: {وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين}. وقوله: {وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين}، الواو للعطف وهذه بشارة لهم بالنَّصر المستقبل، فالعلوّ هنا علوّ مجازيّ وهو علوّ المنزلة. والتَّعليق بالشرط في قوله: {إن كنتم مؤمنين} قصد به تهييج غيرتهم على الإيمان إذ قد علِم الله أنَّهم مؤمنون ولكنَّهم لمّا لاح عليهم الوهن والحزن من الغلبة، كانوا بمنزلة من ضعف يقينه فقيل لهم: إن علمتم من أنفسكم الإيمان، وجيء بإن الشرطية الَّتي من شأنها عدم تحقيق شرطها، إتماماً لِهذا المقصد.
الواحدي
تفسير : {ولا تهنوا} ولا تضعفوا عن جهاد عدوِّكم بما نالكم من الهزيمة {ولا تحزنوا} أَيْ: على ما فاتكم من الغنيمة {وأنتم الأعلون} أَيْ: لكم تكون العاقبة بالنَّصر والظَّفر {إن كنتم مؤمنين} أَيْ: إنَّ الإِيمان يُوجب ما ذكر من ترك الوهن والحزن. {إن يمسسكم} يصبكم {قرحٌ} جراحٌ وألمها يوم أُحدٍ {فقد مسَّ القوم} المشركين {قرحٌ مثله} يوم بدرٍ {وتلك الأيام} أَيْ: أيَّام الدُّنيا {نداولها} نُصرِّفها {بين الناس} مرَّةً لفرقةٍ ومرَّةً عليها {وليعلم الله الذين آمنوا} مُميَّزين بالإٍيمان عن غيرهم. أَيْ: إِنَّما نجعل الدَّولة للكفَّار على المؤمنين ليميَّز المؤمن المخلص ممَّن يرتدُّ عن الدِّين إذا أصابته نكبة، والمعنى: ليعلمهم مشاهدةً كما علمهم غيباً {ويتخذ منكم شهداء} أَيْ: ليكرم قوماً بالشَّهادة {والله لا يحبُّ الظالمين} أَي: المشركين، أَيْ: إنَّه إنما يُديل المشركين على المؤمنين لما ذُكر؛ لا لأنَّه يحبُّهم. {وليمحص الله الذين آمنوا} أَيْ: ليخلِّصهم من ذنوبهم بما يقع عليهم من قتلٍِ وجرحٍ وذهاب مال {ويمحق الكافرين} يستأصلهم إذا أدال عليهم: يعني: أنه يُديل على المؤمنين لما ذُكر، ويُديل على الكافرين لإِهلاكهم بذنوبهم. {أم حسبتم} بل أحسبتم: أَي: لا تحسبوا {أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله...} الآية: أَيْ: ولمَّا يقع العلم بالجهاد مع العلم بصبر الصَّابرين، والآية خطابٌ للذين انهزموا يوم أُحدٍ. قيل لهم: أحسبتم أن تدخلوا الجنَّة كما دخل الذين قُتلوا وثبتوا على ألم الجرح والضَّرب من غير أن تسلكوا طريقهم وتصبروا صبرهم؟! {ولقد كنتم تمنون الموت} كانوا يتمنَّون يوماً مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم ويقولون: لنفعلنَّ ولنفعلنَّ، ثمَّ انهزموا يوم أُحدٍ، فاستحقُّوا العقاب، وقوله: {من قبل أن تلقوه} أَيْ: من قبل يوم أحدٍ {فقد رأيتموه} رأيتم ما كنتم تتمنُّون من الموت، أَيْ رأيتم أسبابه [ولم تثبتوا مع نبيّكم. نزلت في معاتبة الرسول إياهم، فقالوا: بلغنا أنَّك قد قُتلْتَ لذلك انهزمنا {وأنتم تنظرون} ] وأنتم بُصراءُ تتأمَّلون الحال في ذلك كيف هي، فَلِمَ انهزمتم؟ {وما محمدٌ إلاَّ رسول قد خلت من قبله الرسل} أَيْ: يموت كما ماتت الرُّسل قبله {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} ارتددتم كفَّاراً بعد إيمانكم، وذلك لمَّا نُعي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحدٍ وأُشيع أنَّه قد قُتل قال ناس من أهل النِّفاق للمؤمنين: إن كان محمد قد قُتل فالحقوا بدينكم الأوَّل، فأنزل الله تعالى هذه الآية. {ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً} أَيْ: فإنما يضرُّ نفسه باستحقاق العذاب {وسيجزي الله} بما يستحقون من الثَّواب {الشاكرين} الطَّائعين لله من المهاجرين والأنصار، ثمَّ عاتب المنهزمين.
القطان
تفسير : لا تهنوا: لا تضعفوا. لا تحزنوا: لا تتألموا. الحزن ألم يعرض للنفس اذا فقدت ما تحب. القرح: الجرح، وألم الجرح. نداولها: نصرفها، ونعاقبها فنجعل الغلبة لهؤلاء تارة ولأولئك أخرى. وليمحص: ليطهر. وأصل التمحيص تخليص الشيء مما فيه من عيب. يمحق الكافرين: يُنقصهم. ولا تضعفوا عن الجهاد في سبيل الله بسبب ما نالكم من القتل والجروح والفشل يوم أُحد، ولا تحزنوا على ما فقدتم من الشهداء في ذلك اليوم. وكيف يلحقكم الوهن والحزن، وانتم الغالبون بتأييد الله، جزاء ايمانكم، وحفاظاً للحق الذي تدافعون عنه!؟ لقد مضت سُنة الله أن يجعل العاقبة للمتقين. وان يكن قد لحقكم يوم أُحدٍ قتل او جرح، فقد أصاب خصومكم مثلُه. لقد أوقعتم بهم يوم بدر، والأيام دُولة بين الناس. هذه سنة الله في خلقه، يكون النصر لهؤلاء أحياناً ولأولئك أخرى، ولكن الغلبة النهائية دائما لمن اتبع الحق. وما هو الا اختبار للمؤمنين ليعلم الله الثابتين على الإيمان، وليكرم أناساً بالاستشهاد. كذلك ليخلّص الله أحباءه المؤمنين من الذنوب، ويطهرهم من مرضى القلوب وضعفاء الإيمان، فيغدون صلاباً على أيديهم يُستأصل الكفر كله. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم "قرح" بضم القاف، والباقون بفتح القاف. وهما لغتان.
د. أسعد حومد
تفسير : (139) - وَلاَ تَضْعُفُوا عَنِ الجِهَادِ، وَمَا يَتَطَلَّبُهُ مِنْ حُسْنِ التَّدْبيرِ وَالإِعْدَادِ، بِسَبَبِ مِا أَصَابَكُمْ مِنَ الفَشَلِ وَالجِرَاحِ يَوْمَ أحُدٍ، وَلاَ تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَقَدْتُمْ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، فَإِنَّ العَاقِبَةَ وَالنَّصْرَ سَيَكُونَانِ لَكُمْ إذَا تَمَسَّكْتُمْ بِحَبْلِ اللهِ، وَرَاعَيْتُمْ تَعَالِيمَهُ، فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ اللهِ أنْ يَجْعَلَ العَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ. الوَهْنُ - الضَّعْفُ.
الثعلبي
تفسير : {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا} الآية، هذا تعزية من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين على ما أصابهم من القتل والجرح يوم أُحد، وحثّ منه إياهم على قتال عدوهم، ونهي عن العجز والفشل فقال: {وَلاَ تَهِنُوا} أي ولا تضعفوا ولا تخيبوا يا أصحاب محمد على جهاد أعدائكم بما قاتلوكم يوم أُحد من القتل والقرح {وَلاَ تَحْزَنُوا} على ظهور أعدائكم وعلى ما أصابكم من المصيبة والهزيمة، وكان قد قتل يومئذ خمسة من المهاجرين: حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن جحش ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعثمان بن شماس وسعد مولى عتبة، ومن الأنصار سبعون رجلا. {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ} أي لكم تكون العاقبة والنصر والظفر. {إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} يعني إذ كنتم، ولأنكم مؤمنون. قال ابن عباس: حديث : انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشعب فبينا هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلوا عليهم الجبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم"اللهم لا تعَلُ علينا اللهم لا قوة لنا إلاّ بك اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر" فأنزل الله تعالى هذه الآية، تفسير : فثاب نفر من المسلمين رماة فصعدوا الجبل، فرموا خيل المشركين حتى هزموهم وعلا المسلمون الجبل، فذلك قوله: {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ}. وقال الكلبي: نزلت هذه الآية بعد يوم أُحد، حين حديث : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بطلب القوم وقد أصابهم من الجراح ما أصابهم، وقال صلى الله عليه وسلم «لا يخرج إلاّ من شهد معنا بالأمس" واشتد ذلك على المسلمين فأنزل الله تعالى هذه الآية، تفسير : ودليله قوله عزّ وجلّ: {أية : وَلاَ تَهِنُواْ فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ} تفسير : [النساء: 104] الآية. وقيل: (ولا تهنوا) لما نالكم من الهزيمة (ولا تحزنوا) على ما فاتكم من الغنيمة (إن كنتم مؤمنين) بقضاء الله ووعده. {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ} الآية. قال راشد بن سعد: حديث : لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم كئيباً حزيناً جعلت المرأة تجيء بزوجها وابنها وأبيها مقتولين وهي تلدم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أهكذا يفعل برسولك؟" فأنزل الله تعالى {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ} تفسير : جرح يوم أُحد {فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ} يوم بدر. وقرأ محمد بن السميقع: قَرَح بفتح القاف والراء على المصدر. وقرأ الأعمش وعاصم وحمزة والكسائي وخلف: بضم القاف حيث كان، وهي قراءة ابن مسعود. وقرأ الباقون: بفتح القاف، وهي قراءة عائشة واختيار أبي عبيدة وأبي حاتم، قالا: لأنهما لغة تهامة والحجاز، لغتان مثل الجُهد والوَجد والوُجد. وقال بعضهم: القَرح بالفتح الجراحات واحدتها قرحة، والقُرح بالضم وجع الجراحة. {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ} فيوماً عليهم ويوماً لهم وذلك أنّ الله عزّ وجلّ أدال المسلمين من المشركين يوم بدر حتى قتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين وأدال المشركون من المسلمين يوم أحد حتى جرحوا منهم سبعين وقتلوا منهم خمسة وسبعين. قال أنس بن مالك: حديث : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه وعليه نيف وسبعون جراحة من طعنة وضربة ورمية، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسحها وهي تلتئم بإذن الله كأن لم تكنتفسير : ، ونظير هذه الآية قوله: {أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ} [آل عمران: 165] يوم أُحد قد أصبتم مثليها يوم بدر، يعني المثلي والأسرى. عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: حديث : لما كان يوم أُحد صعد أبو سفيان الجبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنه ليس لهم أن يعلونا" تفسير : قال: فمكث أبو سفيان ساعة ثم قال: أين ابن أبي كبشة أين ابن أبي قحافة اين ابن الخطاب؟ فقال عمر (رضي الله عنه): هذا رسول الله وهذا أبو بكر وها أنا عمر. فقال أبو سفيان: يوماً بيوم وأن الأيام دول والحرب سجال. فقال عمر: لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. فقال: إنكم لتزعمون ذلك فقد خبنا إذاً وخسرناهم. قال أبو سفيان: أما إنكم سوف تجدون قتلاكم مثلى ولم يكن ذلك على رأي سراتنا ثم ركبته حمية الجاهلية، فقال: أما إنه إذا كان ذلك لم نكرهه. قال الثعلبي: أنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدنا أبو الحسن الكارزي قال: أنشدنا محمد بن القاسم الجمحي: شعر : أرى الناس قد أحدثوا شيمة وفي كل حادثة يؤتمر يهينون من حقروا فقره وإن كان فيهم تقي أو تبر فيوماً علينا ويوماً لنا ويوم نساء ويوماً نسر تفسير : {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} يعني وإنما كانت هذه المداولة {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ} ليرى الله الذين كفروا منكم ممّن نافقوا فيهزأ بعضهم من بعض. وقيل: معناه {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بأفعالهم موجودة كما علمها منهم قبل أن يكلّفهم {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ} يكرم أقواماً بالشهادة، وذلك أن المسلمين قالوا: أرنا يوماً كيوم بدر نقاتل فيه المشركين ونلتمس الشهادة. فلقوا المشركين يوم أُحد فاتخذ الله منهم شهداء {وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} يعني يطهّرهم من ذنوبهم {وَيَمْحَقَ ٱلْكَافِرِينَ} يفنيهم ويهلكهم وينقصهم ثم عزّاهم فقال {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ} (ويعلم) نصب على الظرف، وقيل: بإضمار أن الخفيفة. {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ} وذلك أنهم تمنوا أن يكون لهم يوم كيوم بدر فأراهم الله تعالى يوم أُحد فذلك قوله: {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ} أي أسبابه وآثاره {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ * وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ} الآية. قال أهل التفسير وأصحاب المغازي: حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشعب في سبعمائة رجل وأمر عبد الله بن جبير أحد بني عمر وعمر بن عوف وهو أخو خوات بن جبير على الرماة وهم خمسون رجلا. فقال: "أقيموا بأصل الجبل وانضحوا عنّا بالنبل لانؤتا من خلفنا وإن كان لنا أو علينا، ولا تبرحوا مكاناً لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم" فجاءت قريش وعلى ميمنتهم خالد بن الوليد وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي، جهل ومعهم النساء يضربن بالدفوف ويقلن الأشعار وكانت هند تقول: * نحن بنات طارق * نمشي على النمارق * * الدر في المخانق * والمسك في المفارق * * إن تقبلوا نعانق ونفرّق * النمارق أو تدبروا نفارق * * فراق غير وامق * وكان أبو عامر عبد عمرو بن الصيفي أول من لقيهم بالأحابيش وعبيد أهل مكة، فقاتلهم قتالا شديداً حتى حميت الحرب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من يأخذ هذا السيف بحقه ويضرب به العدو حتى ينحني" فأخذه أبو دجانة سماك بن خرشبة الأنصاري وكان رجلا شجاعاً يحتال عند الحرب، فلما أخذ السيف اعتمَّ بعمامة حمراء وجعل يتبختر ويقول: * أنا الذي عاهدني خليلي * ونحن بالسفح لدى النخيل * * ألاّ أقوم الدهر في الكيول * أضرب بسيف الله والرسول * فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنها لمشية يبغضها الله إلاّ في هذا الموضع" ثم حمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على المشركين فهزموهم. وقتل علي بن أبي طالب طلحة بن أبي طلحة وهو يحمل لواء قريش، فأنزل الله نصره على المؤمنين. قال الزبير بن العوّام: فرأيت هنداً وصواحبها هاربات مصعدات في الجبل باديات خدادهن ما دون أخدهن شيء، فلما نظرت الرماة إلى القوم قد انكشفوا ورأوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ينتهبون الغنيمة أقبلوا يريدون النهب. واختلفوا، فقال بعضهم: لا نترك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: ما بقي من الأمر شيء، ثم انطلقوا عامتهم ولحقوا بالعسكر، فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة واشتغال المسلمين بالغنيمة ورأوا ظهورهم خالية، صاح في خيل المشركين ثم حمل على أصحاب النبي من خلفهم، فهزموهم وقتلوهم، ورمى عبد الله بن قمية الحارثي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر أنفه ورباعيته وشجّه في وجهه فأثقله، وتفرّق عنه أصحابه، فأقبل عبد الله بن قميه يريد قتل رسول الله فذب مصعب بن عمير وهو صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، ويوم أُحد وكان اسم رايته العقاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل مصعب دونه، قتله ابن قميه فرجع وهو يظن أنه قتل رسول الله، فقال: إني قتلت محمداً وصاح صارخ: ألا أن محمداً قد قتل، ويقال: إن ذلك الصارخ إبليس لعنه الله فانكفأ الناس وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوا الناس ويقول: "إليَّ عباد الله إليَّ عباد الله" فاجتمع إليه ثلاثون رجلا فحموه حتى كشفوا عنه المشركين، ورمى سعد بن أبي وقاص حتى اندقت سية قوسه وأصيبت يد طلحة بن عبد الله فيبست، وقى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصيبت عين قتادة بن النعمان يومئذ حتى وقعت على وجنته فردّها رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانها فعادت كأحسن ما كانت، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركه أُبي بن خلف الجمحي وهو يقول: لا نجوت إن نجوت، فقال القوم: يا رسول الله ألا يعطف عليه رجل منّا فقال: «دعوه" حتى إذا دنا منه، وكان أُبي قبل ذلك يلقى رسول الله فيقول: عندي رمكة أعلفها كل يوم فرق ذرة أقتلك عليها. قال رسول الله: "بل أنا أقتلك إن شاء الله" فلما كان يوم أُحد ودنا منه تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة ثم استقبله فطعنه في عنقه وخدشه خدشة فتدهده عن فرسه وهو يخور كما يخور الثور ويقول: قتلني محمد، واحتمله أصحابه فقالوا: ليس عليك شيء، فقال: بلى، لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر لقتلهم أليس قال لي: أقتلك إن شاء الله، فلو بزق عليَّ بعد هذه المقالة لقتلني. فما لبث إلاّ يوماً حتى مات بموضع يقال له صرف. فقال حسان بن ثابت في ذلك: * لقد ورث الضلالة عن أبيه *أُبي حين بارزه الرسول * * أتيت إليه تحمل رم عظم * وتوعده وأنت به جهول * * يقول فكيف يحيى الله هذا * وهذا العظم عار ومستحيل * * [وقد قتلت بنو النجار منكم * أمية إذا يغوث: يا عقيل * * وتب ابنا ربيعة إذ أطاعا * أبا جهل لأمهما الهبول * * وأفلت حارث لما شغلنا * بأسر القوم،أسرته فليل] * وقال حسان بن ثابت أيضاً: * ألا من مبلغ عني أُبيّا * فقد القيت في جوف السعير * * تمنى بالضلالة من بعيد * وقول الكفر يرجع في غرور * * فقد لاقتك طعنة ذي حفاظ * كريم الأصل ليس بذي فجور * * له فضل على الأحياء طرّاً * إذا نابت مُلمّات الأمور * قالوا: وفشا في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قُتل، فقال بعض المسلمين: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أُبي فيأخذ لنا أماناً من أبي سفيان، وبعض الصحابة جلسوا والقوا بأيديهم، وقال أناس من أهل النفاق: إن كان محمد قد قُتل فالحقوا بدينكم الأول. فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك وسمي أنس: يا قوم إن كان محمد قد قُتل فإن ربّ محمد لم يقتل، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتلوا على ما قاتل عليه رسول الله وموتوا على ما مات عليه، ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك ممّا يقول هؤلاء يعني المسلمين، وأبرأ إليك ممّا جاء به هؤلاء يعني المنافقين ثم شد بسيفه فقاتل حتى قُتل، ثم إن رسول الله انطلق إلى الصخرة وهو يدعوا الناس، فأول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك فقال: عرفت عينيه تحت المغفر تزهران فناديت بأعلى صوتي يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله، فأشار إليَّ أن اسكت، فانحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم النبي على الفرار فقالوا: يا نبي الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا أتانا الخبر بأنك قد قتلت فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين، فأنزل الله تعالى {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ} تفسير : ومحمد هو المستغرق بجميع المحامد، لأن الحمد لا يستوجبه إلاّ الكامل، والتحميد فوق الحمد فلا يستحقه إلاّ المستولي على الأمد في الكمال، وأكرم الله عزّ وجلّ نبيّه وصفيّه بإسمين مشتقين من اسمه تعالى: محمد وأحمد، وفيه يقول حسان بن ثابت: شعر : ألم تر أن الله أرسل عبده ببرهانه والله أعلى وأمجد قد شق له من اسمه ليجله فذوا العيش محمود وهذا محمد نبي أتانا بعد يأس وفترة من الدين والأوثان في الأرض تعبد فأرسله ضوءاً منيراً وهادياً يلوح كما لاح الصقيل المهنّد تفسير : روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : ألم تروا كيف صرف الله عني لعن قريش وشتمهم يسبون مذمّما وأنا محمد ". تفسير : وروى علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن جدّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا سمّيتم الولد محمداً فأكرموه وأوسعوا له في المجلس ولا تقبحوا له وجهاً فما من قوم كانت لهم مشورة فحضر معهم من اسمه أحمد أو محمد فأدخلوه في مشورتهم إلاّ خيراً لهم وما من مائدة وضعت فحضرها من اسمه أحمد أو محمد إلاّ قدّس في كل يوم ذلك المنزل مرتين ". تفسير : وعن حميد الطويل قال: سمعت أنس بن مالك يقول: حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم في السوق، فقال رجل: يا أبا القاسم، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الرجل: إنما أدعوا ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تسمّوا باسمي ولا تكنّوا بكنيتي" . تفسير : وروى محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي أنا أبو القاسم الله يعطي وأنا أقسم" ثم رخص في ذلك لعلي وابنه" . تفسير : وروى ليث عن محمد بن بشير عن محمد بن الحنفية عن علي (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن ولدَ لك غلام نحلته اسمي وكنيتي ". تفسير : {أَفإِنْ مَّاتَ} على فراشه {أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} رجعتم إلى دينكم الأول الكفر {وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} فيرتد عن دينه {فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً} بارتداده وإنما يضر نفسه {وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ} المؤمنين. روى الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: حديث : لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) فقال: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي، وأن رسول الله والله ما مات ولكنه ذهب إلى ربّه، كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع بعد أن قيل قد مات، والله ليرجعن رسول الله وليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات قال: فأقبل أبو بكر(رضي الله عنه)حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر وعمر يكلّم الناس، فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجّى ببردة خيبر، فأقبل حتى كشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبّله ثم قال: بأبي أنت وأُمي، أما الموتة التي كتبها الله عزّ وجلّ عليك فقد ذقتها ثم لم تصبك بعدها موتة أبداً، ثم ردَّ الثوب على وجهه ثم خرج وعمر يكلم الناس فقال: على رسلك يا عمر فأنصت قال: فأبى إلاّ أن يتكلم، فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا هذه الآية {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ}. فقال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تلاها أبو بكر يومئذ، قال: فأخذها الناس عن أبي بكر فإنما هي في أفواههم . تفسير : قال أبو هريرة: قال عمر: والله ما هو إلاّ أن سمعت أن أبا بكر يتلوها فعقرت حتى وقعت على الأرض ما تحملني رجلاي، وعرفت أن رسول الله قد مات. {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله} يعني وما ينبغي لنفس أن تموت. وقال الأخفش: اللام في قوله: (لنفس) مقتولة تقديره: ما كانت نفس لتموت (إلاّ بإذن الله) بعلم الله، وقيل: بأمره. {كِتَاباً مُّؤَجَّلاً} يعني أنّ لكل نفس أجلا هو بالغه ورزقاً مستوفيه، لا يقدر أحد على تقديمه وتأخيره. قال مقاتل: من اللوح المحفوظ، ونصب الكتاب على المصدر يعني: كتب الله كتاباً مؤجلا، كقوله: {أية : رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ} تفسير : [الإسراء: 28] وصنع الله وكتاب الله عليكم، وقيل: هو إغراء أي: آمنوا بالقدر المقدور. {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} يعني ومن يرد بطاعته الدنيا ويعمل لها نؤته منها ما يكون جزاءاً لعمله، ونظيرها قوله: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ} تفسير : [الشورى: 20] الآية. وقال أهل المعاني: الآية مجملة ومعناها: نؤته من نشاء ما قدرناه له، دليله قوله عزّ وجلّ: {أية : مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ} تفسير : [الإسراء: 18] نزلت في الذين تركوا المركز يوم أُحد طلباً للغنيمة. {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا} يعني الذين ثبتوا مع أميرهم عبد الله بن جبير حتى قُتلوا {وَسَنَجْزِي ٱلشَّاكِرِينَ} أي الموحدين المطيعين. والقراءة بالنون لقوله تعالى: {نُؤْتِهِ مِنْهَا}. قرأ الأعمش: وسيجزي بالياء، يعني الله سبحانه. وعن عمر بن الخطاب قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الأعمال بالنيّات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه ".
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والمقصود بقوله: {وَلاَ تَهِنُوا} [آل عمران: 139] أي لا تضعفوا، وهي أمر خاص بالمسألة البدنية؛ لأن الجراحات أنهكت الكثيرين في موقعة أُحُد لدرجة أن بعضهم أقعد، ولدرجة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقدر أن يصعد الجبل، وحمله طلحة بن عبيد الله على ظهره ليقوم، لذلك قال الحق: {وَلاَ تَهِنُوا} [آل عمران: 139]، لأنك عندما تستحضر أنك مؤمن وأن الله لن يخلي بينك وبين جنود الباطل لأنك نصير للحق، والحق من الله وهو الحق لا يسلم نبيه وقومه لأعدائهم، فيوم تأتي لك هذه المعاني إياك أن تضعف. والضعف هو نقصان قوة البدن. {وَلاَ تَحْزَنُوا} [آل عمران: 139] والحزن مواجيد قلبية، وهم قد حزنوا فقد مات منهم كثير. مات منهم خمسة وسبعون شهيداً، خمسة من المهاجرين، وسبعون من الأنصار، وهذه عملية صعبة وشاقة، وقد حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم على الشهداء، وغضب لمقتل حمزة - رضي الله عنه - وقال: "لن أُصاب بمثلك أبداً! وما وقفت موقفاً قط أغيظ إليّ من هذا" ثم قال: "لئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلاً منهم مكانك". فقال الحق: {وَلاَ تَحْزَنُوا} [آل عمران: 139]؛ لماذا؟ لأنك يجب أن تقارن الحدث بالغاية من الحدث. صحيح أن القتل صعب وإزهاق للنفس، ولكن انظر إلى أين ذهب. وانظر ماذا خلف من بعده. أما هو فقد ذهب إلى حياة عند ربه وهي ليست كالحياة عندكم. إن الحياة عندنا لها مقاييس، والحياة عند ربنا لها مقاييس، فهل مقاييسنا أعلى من مقاييسه؟ لا، حاشا لله. إذن فإذا نظرت إليه هو فاعلم أنه ذهب لخير مما ترك، فلا تحزن عليه بل تفرح له؛ لأنه ما دامت الغاية ستصل إلى هذه المسألة. إذن فقد قصر له مسافة الحياة، وما دامت الغاية أن يصل إلى رحمة الله وإلى حياة عند الله بكافة معانيها، فهو سعيد بجوار ربه، ونحن في الغايات الدنيوية عندما نريد أن نذهب إلى مكان نُسَرّ ممن يعجل لنا الزمن لنصل إلى هذا المكان. فبدلاً من أن أذهب إلى الإسكندرية ماشياً أذهب راكباً حصاناً أو أذهب راكباً سيارة، والمترفه يذهب راكباً طائرة، فإذا كانت الغاية مرجوَّة ومحببّة إلى النفس، وبعد ذلك يجيء لك حدث يقرب لك المسافة من الغاية، فلماذا تحزن إذن؟ لقد استشهد. إياك أن تقول: إنّ الله حرمني قوته في نصرة الحق، لا. هو أعطى قوة أخرى لكثير من خلقه نصر بهم الحق، إنك عندما تعرف أن إنساناً باع نفسه لله، لا بد أن تعرف أن الغاية عظيمة؛ ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم في معركة بدر، يقدم أهله؛ لأنه يعرف أنه إن قُتل واحد منهم إلى أين سيذهب، إذن فهو يحب أهله، لكنه يحبهم الحب الكبير، والناس تحب أهلها هنا أيضاً لكن الحب الدنيوي. {وَلاَ تَحْزَنُوا} [آل عمران: 139] على ما فاتكم من الغنائم أو لا تحزنوا على ما فاتكم من النصر لماذا؟ وتأتي الإجابة، {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ} [آل عمران: 139] .. ولذلك جاء مصداق ذلك حينما نادى أبو سفيان فقال: "اعل هبل" أي أن إلههم صار عالياً، فقال الرسول لأصحابه: ألا تردون عليهم؟ قالوا: بماذا نرد قال: قولوا لهم: الله أعلى وأجلّ فقال أبو سفيان: "لنا العزى ولا عزى لكم"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أجيبوه" قالوا: ما نقول؟ قال: "قولوا الله مولانا ولا مولى لكم" ثم قال أبو سفيان: إن موعدكم "بدر" العام المقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه: "قل نعم هو بيننا وبينك موعد". فـ {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139] فما دمتم على الإيمان فأنتم الأعلون، وإذا أردتم أن تعرفوا معنى "الأعلون" حقاً، فقارنوا معركة "أُحُد" بمعركة "بدر"، هم قتلوا منكم في أُحُد، وأنتم قتلتم منهم في بدر. ولكنكم أسرتم منهم في بدر، ولم يأسروا منكم أحداً في "أُحُد". وأنتم غنمتم في بدر، ولم يغنموا شيئاً في أُحُد. وأنتم الأعلون لأن الله حمى مدينتكم مع أنه لا حامية فيها ممن يكون فيه معنى الجندية. كل ذلك وأنتم الأعلون، هذا إذا نظرنا إلى معركة بمعركة. وإن نظرنا إلى المعركة نفسها "أُحُد" وندع بدراً وحدها، في ظل قوله تعالى: {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139] لقد ثبتت تلك القضية لأنكم حينما كنتم مؤمنين - ومن شرط الإيمان اتباع أمر الذي لا ينطق عن الهوى - انتصرتم. وانتصرتم انتصاراً رائعا؛ لأنكم قتلتم في أول جولة للحرب بضعاً وعشرين من صناديدهم وفيهم صاحب الراية. ولكنكم حينما خالفتم أمرالنبي صلى الله عليه وسلم، تلخلخ الإيمان في قلوبكم. إذن فالعملية التي حدثت تؤكد صدق {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139]. فأنتم علوتم في أول الأمر، وعندما خالفتم الأمر صار لكم ما صار؛ فقد صدقت القضية في قول الله: {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139]. وأيضا فإنكم لو نظرتم إلى المعركة نفسها لوجدتم أن عدوّكم لم يبق في أرض المعركة، بل أنتم الذين بقيتم في موضع المعركة. وأين ذهب هو؟ أذهب إلى موقع آخر ينال فيه غلبة ونصراً؟ لم يكن هناك إلا المدينة، والمدينة ليس فيها أحد، ولم يذهب عدوكم إلى هناك، وإنما ذهب ناحية مكة، إذن فهو الذي هرب. وبعد ذلك ماذا حدث؟ ألم يؤذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس ويطلب العدوّ مرهباً له ليظنوا به القوة، وإن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم؟ ولقد خرج رسول الله، مع من؟ أجاء بحامية لم تشهد المعركة؟ لا. بل قال عليه الصلاة والسلام منادياً المسلمين: "إليّ عباد الله"، فالذين شهدوا المعركة سبعمائة، جرح منهم الكثير وقتل منهم خمسة وسبعون، فيهم حمزة، ومصعب بن عمير، وعبد الله بن جحش، وشماس بن عثمان، وسعد مولى عتبة، هؤلاء خمسة من المهاجرين، والباقي من الأنصار, هؤلاء مطروحون من العدد الذي شاهد أول الموقعة، حتى أن رسول الله لم يأخذ بدلاً منهم من المدينة من القوم الذين عرضوا أنفسهم ليكونوا مع الجيش الذي يطارد قريشاً، بل آثر الرسول أن يذهب بمن ذهب معه إلى المعركة أنفسهم، ولم يكن منهم بطبيعة الحال الشهداء أو الجرحى. لم يقبل الرسول صلى الله عليه وسلم ممن لم يشهد المعركة إلا واحداً. وهو سيدنا جابر بن عبد الله. الذي لم يخرج في معركة أُحُد واعتذر إلى رسول الله بأن أباه عبد الله بن عمرو بن حرام قد خلّفه على بنات له سبع وقال له: يا بنيّ إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رَجَل فيهن ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي فتخلّفْ على أخواتك فتخلف عليهن فقبل رسول الله عذره, وأذن له فخرج معه وطاردهم رسول الله ومن معه إلى حمراء الأسد، أما والده عبد الله بن عمرو فقد استشهد في أحُد ومع ذلك فقد طلب من رسول الله على الرغم من استشهاد أبيه أن يخرج إلى حمراء الأسد. وذلك لتعلم أن الله يقول: {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ..}تفسير : [المدثر: 31]. هذا وإن واحداً من المشركين الذين كانوا موضع سر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن حلفائه وهو معبد الخزاعي، مَرَّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أُحد وقال له: يا محمد: أما والله لقد عز علينا ما أصابك، ثم لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال له أبو سفيان: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله، ولم يزل بهم حتى ثنى أبا سفيان ومن معه فولوا وجوههم إلى مكة خائفين مسرعين، وقد ذهب رسول الله إلى حمراء الأسد فلم يجد أحداً فعسكر رسول الله ثلاثة أيام هناك، ومعنى ذلك أنهم هم الذين فروا من المعركة. إذن فأنتم الأعلون، ولكن لا حظوا الشرط {إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139]. ثم بعد ذلك يُسَلّى الله المؤمنين فيقول: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا} معناهُ لاَ تَضْعُفُوا.
الأندلسي
تفسير : {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا} حديث : لما انهزم من انهزم من المؤمنين أقبل خالد يريد أن يعلو الجبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يعلن علينا اللهم لا قوة لنا إلا بكتفسير : . فنزلت، قاله ابن عباس. ولا تهنوا أي لا لا تضعفوا عن الحرب ولا تحزنوا على ما فاتكم من الظفر بالكفار. {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ} المعنى ان نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم يوم بدر ثم لم يضعفوا إن قاتلوكم بعد ذلك فلا تضعفوا أنتم أو فقد مس القوم في غزوة أحد قبل مخالفة مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحوه وهذه تسلية منه تعالى للمؤمنين. والتأتي فيه أعظم مسلاة. وقرىء أن تمسسكم بالتاء وبالياء فبالتاء على تأنيث القرح بمعنى الجراحة. وقرىء قرح بفتح القاف وضمّها مع سكون الراء. وقرىء قرح بفتح القاف والراء وهما لغتان. وبفتح القاف وضمّها مع سكون الراء. كالطرد والطرد. {وَلِيُمَحِّصَ} التمحيص التطهير من الذنوب وقيل الابتلاء والاختبال. {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ} هذه الآية وما بعدها عتب شديد لمن وقعت منهم الهفوات يوم أحد واستفهم على سبيل الانكار أن يظن أحد أنه يدخل الجنة وهو فحل بما افترض عليه من الجهاد والصبر عليه. {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ} جملة حالية. والمعنى: ولما يكن جهاد يعلمه الله تعالى. وقال الزمخشري: ولما بمعنى لم إلا أن فيه ضرباً من التوقع فدل على نفي الجهاد فيما مضى وعلى توقعه فيما يستقبل، وتقول: وعدني أن يفعل كذا ولما تريد ولم يفعل وأنا متوقع فعله. انتهى كلامه. وهذا الذي قاله في لمّا انها تدل على توقع الفعل المنفيّ بها فيما يستقبل لا أعلم أحداً من النحويين ذكره بل ذكروا أنك إذا قلت: لما يخرج زيد، دل ذلك على انتفاء الخروج فيما مضى متصلاً نفيه إلى وقت الاخبار أما أنها تدل على توقعه في المستقبل فلا. وقرىء ولما يعلم الله بفتح الميم وخرّج على أنه اتباع لفتحة اللام أو على أنه دخلته النون الخفيفة وحذفت كما حذفت في قوله: لا تهين الفقير فأصله يعلمْن وتهينن أو على أنه نصب بالجازم وهي لغيّة كما جزموا بالناصب في قوله: شعر : لن يخب الآن من رجائك من حرك من دون بابك الحلقْه تفسير : وقرأ الجمهور ويعلم بفتح الميم فقيل: هو مجزوم واتبع الميم اللام في الفتح كقراءة من قرأ ولما يعلم بفتح الميم على أحد التخاريج. وقيل: هو منصوب فعلى مذهب البصريين بإِضمار إنْ بعد واو مع نحو: لا تأكل السمك وتشرب اللبن وعلى مذهب الكوفيين بواو الصرف. وقرىء ويعلم بكسر الميم عطفاً على ولما يعلم. وقرىء ويعلم برفع الميم. قال الزمخشري على أن الواو للحال كأنه قيل: ولما تجاهد واو وأنتم صابرون. انتهى. ولا يصح ما قال لأن واو الحال لا تدخل على المضارع المثبت لا يجوز: جاء زيد ويضحك، وأنت تريد جاء زيد يضحك، لأن المضارع واقع موقع اسم الفاعل فكما لا يجوز: جاء زيد وضاحكاً، كذلك لا يجوز: جاء زيد ويضحك، فإِن أوّل على أن المضارع خبر مبتدأ محذوف أمكن ذلك التقدير وهو يعلم الصابرين.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى مشجعا لعباده المؤمنين، ومقويا لعزائمهم ومنهضا لهممهم: { ولا تهنوا ولا تحزنوا } أي: ولا تهنوا وتضعفوا في أبدانكم، ولا تحزنوا في قلوبكم، عندما أصابتكم المصيبة، وابتليتم بهذه البلوى، فإن الحزن في القلوب، والوهن على الأبدان، زيادة مصيبة عليكم، وعون لعدوكم عليكم، بل شجعوا قلوبكم وصبروها، وادفعوا عنها الحزن وتصلبوا على قتال عدوكم، وذكر تعالى أنه لا ينبغي ولا يليق بهم الوهن والحزن، وهم الأعلون في الإيمان، ورجاء نصر الله وثوابه، فالمؤمن المتيقن ما وعده الله من الثواب الدنيوي والأخروي لا ينبغي منه ذلك، ولهذا قال [تعالى]: { وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين } . ثم سلاهم بما حصل لهم من الهزيمة، وبيَّن الحكم العظيمة المترتبة على ذلك، فقال: { إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله } فأنتم وإياهم قد تساويتم في القرح، ولكنكم ترجون من الله ما لا يرجون كما قال تعالى: {أية : إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون } . تفسير : ومن الحكم في ذلك أن هذه الدار يعطي الله منها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، فيداول الله الأيام بين الناس، يوم لهذه الطائفة، ويوم للطائفة الأخرى؛ لأن هذه الدار الدنيا منقضية فانية، وهذا بخلاف الدار الآخرة، فإنها خالصة للذين آمنوا. { وليعلم الله الذين آمنوا } هذا أيضا من الحكم أنه يبتلي الله عباده بالهزيمة والابتلاء، ليتبين المؤمن من المنافق؛ لأنه لو استمر النصر للمؤمنين في جميع الوقائع لدخل في الإسلام من لا يريده، فإذا حصل في بعض الوقائع بعض أنواع الابتلاء، تبين المؤمن حقيقة الذي يرغب في الإسلام، في الضراء والسراء، واليسر والعسر، ممن ليس كذلك. { ويتخذ منكم شهداء } وهذا أيضا من بعض الحكم، لأن الشهادة عند الله من أرفع المنازل، ولا سبيل لنيلها إلا بما يحصل من وجود أسبابها، فهذا من رحمته بعباده المؤمنين، أن قيَّض لهم من الأسباب ما تكرهه النفوس، لينيلهم ما يحبون من المنازل العالية والنعيم المقيم، { والله لا يحب الظالمين } الذين ظلموا أنفسهم، وتقاعدوا عن القتال في سبيله، وكأن في هذا تعريضا بذم المنافقين، وأنهم مبغضون لله، ولهذا ثبطهم عن القتال في سبيله. {أية : ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين } . تفسير : { وليمحص الله الذين آمنوا } وهذا أيضا من الحكم أن الله يمحص بذلك المؤمنين من ذنوبهم وعيوبهم، يدل ذلك على أن الشهادة والقتال في سبيل الله يكفر الذنوب، ويزيل العيوب، وليمحص الله أيضا المؤمنين من غيرهم من المنافقين، فيتخلصون منهم، ويعرفون المؤمن من المنافق، ومن الحكم أيضا أنه يقدر ذلك، ليمحق الكافرين، أي: ليكون سببا لمحقهم واستئصالهم بالعقوبة، فإنهم إذا انتصروا، بغوا، وازدادوا طغيانا إلى طغيانهم، يستحقون به المعاجلة بالعقوبة، رحمة بعباده المؤمنين. ثم قال تعالى: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين } هذا استفهام إنكاري، أي: لا تظنوا، ولا يخطر ببالكم أن تدخلوا الجنة من دون مشقة واحتمال المكاره في سبيل الله وابتغاء مرضاته، فإن الجنة أعلى المطالب، وأفضل ما به يتنافس المتنافسون، وكلما عظم المطلوب عظمت وسيلته، والعمل الموصل إليه، فلا يوصل إلى الراحة إلا بترك الراحة، ولا يدرك النعيم إلا بترك النعيم، ولكن مكاره الدنيا التي تصيب العبد في سبيل الله عند توطين النفس لها، وتمرينها عليها ومعرفة ما تئول إليه، تنقلب عند أرباب البصائر منحا يسرون بها، ولا يبالون بها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ثم وبخهم تعالى على عدم صبرهم بأمر كانوا يتمنونه ويودون حصوله، فقال: { ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه } وذلك أن كثيرا من الصحابة رضي الله عنهم ممن فاته بدر يتمنون أن يحضرهم الله مشهدا يبذلون فيه جهدهم، قال الله [تعالى] لهم: { فقد رأيتموه } أي: رأيتم ما تمنيتم بأعينكم { وأنتم تنظرون } فما بالكم وترك الصبر؟ هذه حالة لا تليق ولا تحسن، خصوصا لمن تمنى ذلك، وحصل له ما تمنى، فإن الواجب عليه بذل الجهد، واستفراغ الوسع في ذلك. وفي هذه الآية دليل على أنه لا يكره تمني الشهادة، ووجه الدلالة أن الله تعالى أقرهم على أمنيتهم، ولم ينكر عليهم، وإنما أنكر عليهم عدم العمل بمقتضاها، والله أعلم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):