Verse. 433 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

اِنْ يَّمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُہٗ۝۰ۭ وَتِلْكَ الْاَيَّامُ نُدَاوِلُھَا بَيْنَ النَّاسِ۝۰ۚ وَلِيَعْلَمَ اللہُ الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُہَدَاۗءَ۝۰ۭ وَاللہُ لَا يُحِبُّ الظّٰلِـمِيْنَ۝۱۴۰ۙ
In yamsaskum qarhun faqad massa alqawma qarhun mithluhu watilka alayyamu nudawiluha bayna alnnasi waliyaAAlama Allahu allatheena amanoo wayattakhitha minkum shuhadaa waAllahu la yuhibbu alththalimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن يمسَسْكم» يصبكم بأحد «قرح» بفتح القاف وضمها جهد من جرح ونحو «فقد مسَّ القومَ» الكفار «قرحٌ مثله» ببدر «وتلك الأيام نداولها» نصرِّفها «بين الناس» يوماً لفرقة ويوماً لأخرى ليتعظوا «وليعلم الله» علم ظهور «الذين آمنوا» أخلصوا في إيمانهم من غيرهم «ويتخذ منكم شهداء» يكرمهم بالشهادة «والله لا يحب الظالمين» الكافرين أي يعاقبهم وما ينعم به عليهم استدراج.

140

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أن هذا من تمام قوله: {أية : وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ } تفسير : [آل عمران: 139] فبين تعالى أن الذي يصيبهم من القرح لا يجب أن يزيل جدهم واجتهادهم في جهاد العدو، وذلك لأنه كما أصابهم ذلك فقد أصاب عدوهم مثله قبل ذلك، فاذا كانوا مع باطلهم، وسوء عاقبتهم لم يفتروا لأجل ذلك في الحرب، فبأن لا يلحقكم الفتور مع حسن العاقبة والتمسك بالحق أولى، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم {قُرْحٌ } بضم القاف وكذلك قوله: {أية : مِن بَعْدِ مَا أَصَـٰبَهُمُ ٱلْقَرْحُ } تفسير : [آل عمران: 172] والباقون بفتح القاف فيهما واختلفوا على وجوه: فالأول: معناهما واحد، وهما لغتان: كالجهد والجهد، والوجد والوجد، والضعف والضعف. والثاني: أن الفتح لغة تهامة والحجاز والضم لغة نجد. والثالث: أنه بالفتح مصدر وبالضم اسم. والرابع: وهو قول الفرّاء انه بالفتح الجراحة بعينها وبالضم ألم الجراحة. والخامس: قال ابن مقسم: هما لغتان إلا أن المفتوحة توهم انها جمع قرحة. المسألة الثانية: في الآية قولان: أحدهما: إن يمسسكم قرح يوم أحد فقد مسهم يوم بدر، وهو كقوله تعالى: {أية : أَوَ لَمَّا أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا } تفسير : [آل عمران: 165] والثاني: أن الكفار قد نالهم يوم أحد مثل ما نالكم من الجرح والقتل، لأنه قتل منهم نيف وعشرون رجلا، وقتل صاحب لوائهم والجراحات كثرت فيهم وعقر عامة خيلهم بالنبل، وقد كانت الهزيمة عليهم في أول النهار. فان قيل كيف قال: {قَرْحٌ مّثْلُهُ } وما كان قرحهم يوم أحد مثل قرح المشركين؟ قلنا: يجب أن يفسر القرح في هذا التأويل بمجرد الانهزام لا بكثرة القتلى. ثم قال تعالى: {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: {تِلْكَ } مبتدأ {والأيام} صفة و {نداولها} خبره ويجوز أن يقال: تلك الأيام مبتدأ وخبر كما تقول: هي الأيام تبلي كل جديد، فقوله: {تِلْكَ ٱلأَيَّامِ } إشارة إلى جميع أيام الوقائع العجيبة، فبين أنها دول تكون على الرجل حينا وله حينا والحرب سجال. المسألة الثانية: قال القفال: المداولة نقل الشيء من واحد إلى آخر، يقال: تداولته الأيدي إذا تناقلته ومنه قوله تعالى: {أية : كَى لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ ٱلأَغْنِيَاء مِنكُمْ } تفسير : [الحشر: 7] أي تتداولونها ولا تجعلون للفقراء منها نصيباً، ويقال: الدنيا دول، أي تنتقل من قوم الى آخرين، ثم عنهم إلى غيرهم، ويقال: دال له الدهر بكذا إذا انتقل اليه، والمعنى أن أيام الدنيا هي دول بين الناس لا يدوم مسارها ولا مضارها، فيوم يحصل فيه السرور له والغم لعدوه، ويوم آخر بالعكس من ذلك، ولا يبقى شيء من أحوالها ولا يستقر أثر من آثارها. واعلم أنه ليس المراد من هذه المداولة أن الله تعالى تارة ينصر المؤمنين وأخرى ينصر الكافرين وذلك لأن نصرة الله منصب شريف وإعزاز عظيم، فلا يليق بالكافر، بل المراد من هذه المداولة أنه تارة يشدد المحنة على الكفار وأخرى على المؤمنين والفائدة فيه من وجوه: الأول: أنه تعالى لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميع الأوقات لحصل العلم الاضطراري بأن الايمان حق وما سواه باطل، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب فلهذا المعنى تارة يسلط الله المحنة على أهل الايمان، وأخرى على أهل الكفر لتكون الشبهات باقية والمكلف يدفعها بواسطة النظر في الدلائل الدالة على صحة الاسلام فيعظم ثوابه عند الله. والثاني: أن المؤمن قد يقدم على بعض المعاصي، فيكون عند الله تشديد المحنة عليه في الدنيا أدباً له وأما تشديد المحنة على الكافر فإنه يكون غضبا من الله عليه. والثالث: وهو أن لذات الدنيا وآلامها غير باقية وأحوالها غير مستمرة، وإنما تحصل السعادات المستمرة في دار الآخرة، ولذلك فإنه تعالى يميت بعد الاحياء، ويسقم بعد الصحة، فاذا حسن ذلك فلم لا يحسن أن يبدل السراء بالضراء، والقدرة بالعجز، وروي أن أبا سفيان صعد الجبل يوم أحد ثم قال: أين ابن أبي كبشة أين ابن أبي قحافة أين ابن الخطاب، فقال عمر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أبو بكر، وها أنا عمر، فقال أبو سفيان: يوم بيوم والأيام دول والحرب سجال، فقال عمر رضي الله عنه لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، فقال: ان كان كما تزعمون، فقد خبنا إذن وخسرنا. {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } ففيه مسائل. المسألة الأولى: اللام في قوله: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ } متعلق بفعل مضمر، اما بعده أو قبله، أما الاضمار بعده فعلى تقدير وليعلم الله الذين آمنوا فعلنا هذه المداولة، وأما الإضمار قبله فعلى تقدير {وتلك الأيام نداولها بين الناس لأمور، منها ليعلم الله الذين آمنوا، ومنها ليتخذ منكم شهداء، ومنها ليمحص الله الذين آمنوا، ومنها ليمحق الكافرين، فكل ذلك كالسبب والعلة في تلك المداولة. المسألة الثانية: الواو في قوله: {وليعلم الله الذين آمنوا} نظائره كثيرة في القرآن، قال تعالى: {أية : وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ } تفسير : [الأنعام: 75] وقال تعالى: {أية : وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ }تفسير : [الأنعام: 113] والتقدير: وتلك الأيام نداولها بين الناس ليكون كيت وكيت وليعلم الله، وإنما حذف المعطوف عليه للإيذان بأن المصلحة في هذه المداولة ليست بواحدة، ليسليهم عما جرى، وليعرفهم أن تلك الواقعة وأن شأنهم فيها، فيه من وجوه المصالح ما لو عرفوه لسرهم. المسألة الثالثة: ظاهر قوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } مشعر بأنه تعالى إنما فعل تلك المداولة ليكتسب هذا العلم، ومعلوم أن ذلك محال على الله تعالى، ونظير هذه الآية في الإشكال قوله تعالى: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } تفسير : [آل عمران: 142] وقوله: {أية : وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ } تفسير : [العنكبوت: 3] وقوله: {أية : لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُواْ أَمَدًا } تفسير : [الكهف: 12] وقوله: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ } تفسير : [محمد: 31] وقوله: {أية : إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ}تفسير : [البقرة: 143] وقوله {أية : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } تفسير : [هود: 7، الملك: 2] وقد احتج هشام بن الحكم بظواهر هذه الآيات على أن الله تعالى لا يعلم حدوث الحوادث إلا عند وقوعها، فقال: كل هذه الآيات دالة على أنه تعالى إنما صار عالما بحدوث هذه الأشياء عند حدوثها. أجاب المتكلمون عنه: بأن الدلائل العقلية دلت على أنه تعالى يعلم الحوادث قبل وقوعها، فثبت أن التغيير في العلم محالا الا أن اطلاق لفظ العلم على المعلوم والقدرة على المقدور مجاز مشهور، يقال: هذا علم فلان والمراد معلومه، وهذه قدرة فلان والمراد مقدوره، فكل آية يشعر ظاهرها بتجدد العلم، فالمراد تجدد المعلوم. إذا عرفت هذا، فنقول: في هذه الآية وجوه: أحدها: ليظهر الاخلاص من النفاق والمؤمن من الكافر. والثاني: ليعلم أولياء الله، فأضاف الى نفسه تفخيما. وثالثها: ليحكم بالامتياز، فوضع العلم مكان الحكم بالامتياز، لأن الحكم بالامتياز لا يحصل إلا بعد العلم. ورابعها: ليعلم ذلك واقعاً منهم كما كان يعلم أنه سيقع، لأن المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم الذي لم يوجد. المسألة الرابعة: العلم قد يكون بحيث يكتفى فيه بمفعول واحد، كما يقال: علمت زيداً، أي علمت ذاته وعرفته، وقد يفتقر إلى مفعولين، كما يقال: علمت زيداً كريما، والمراد منه في هذه الآية هذا القسم الثاني، إلا أن المفعول الثاني محذوف والتقدير: وليعلم الله الذين آمنوا متميزين بالايمان من غيرهم، أي الحكمة في هذه المداولة أن يصير الذين آمنوا متميزين عمن يدعي الايمان بسبب صبرهم وثباتهم على الاسلام، ويحتمل أن يكون العلم ههنا من القسم الأول، بمعنى معرفة الذات، والمعنى وليعلم الله الذين آمنوا لما يظهر من صبرهم على جهاد عدوهم، أي ليعرفهم بأعيانهم إلا أن سبب حدوث هذا العلم، وهو ظهور الصبر حذف ههنا. أما قوله: {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء } فالمراد منه ذكر الحكمة الثانية في تلك المداولة، وفيه مسائل: المسألة الأولى: في هذه الآية قولان: الأول: يتخذ منكم شهداء على الناس بما صدر منهم من الذنوب والمعاصي، فإن كونهم شهداء على الناس منصب عال ودرجة عالية. والثاني: المراد منه وليكرم قوماً بالشهادة، وذلك لأن قوما من المسلمين فاتهم يوم بدر، وكانوا يتمنون لقاء العدو وأن يكون لهم يوم كيوم بدر يقاتلون فيه العدو ويلتمسون فيه الشهادة، وأيضا القرآن مملوء من تعظيم حال الشهداء قال تعالى: {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوٰتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ } تفسير : [آل عمران: 169] وقال: {أية : وَجِـىء بِٱلنَّبِيّيْنَ وَٱلشُّهَدَاء } تفسير : [الزمر: 69] وقال: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّنَ ٱلنَّبِيّينَ وَٱلصّدّيقِينَ وَٱلشُّهَدَاء وَٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [النساء: 69] فكانت هذه المنزلة هي المنزلة الثالثة للنبوة، وإذا كان كذلك فكان من جملة الفوائد المطلوبة من تلك المداولة حصول هذا المنصب العظيم لبعض المؤمنين. المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن جميع الحوادث بارادة الله تعالى فقالوا: منصب الشهادة على ما ذكرتم، فان كان يمكن تحصيلها بدون تسليط الكفار على المؤمنين لم يبق لحسن التعليل وجه، وإن كان لا يمكن فحينئذ يكون قتل الكفار للمؤمنين من لوازم تلك الشهادة، فاذا كان تحصيل تلك الشهادة للعبد مطلوباً لله تعالى وجب أن يكون ذلك القتل مطلوباً لله تعالى، وأيضاً فقوله: {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء } تنصيص على أن ما به حصلت تلك الشهادة هو من الله تعالى، وذلك يدل على أن فعل العبد خلق الله تعالى. المسألة الثالثة: الشهداء جمع شهيد كالكرماء والظرفاء، والمقتول من المسلمين بسيف الكفار شهيداً، وفي تعليل هذا الاسم وجوه: الأول: قال النضر بن شميل: الشهداء أحياء لقوله: {أية : بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ } تفسير : [آل عمران: 169] فأرواحهم حية وقد حضرت دار السلام، وأرواح غيرهم لا تشهدها، الثاني: قال ابن الانباري: لأن الله تعالى وملائكته شهدوا له بالجنة، فالشهيد فعيل بمعنى مفعول، الثالث: سموا شهداء لأنهم يشهدون يوم القيامة مع الأنبياء والصديقين، كما قال تعالى: {أية : لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ } تفسير : [البقرة: 143] الرابع: سموا شهداء لأنهم كما قتلوا أدخلوا الجنة، بدليل أن الكفار كما ماتوا أدخلوا النار بدليل قوله: {أية : أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً } تفسير : [نوح: 25] فكذا ههنا يجب أن يقال: هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله، كما ماتوا دخلوا الجنة. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي المشركين، لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تفسير : [لقمان: 13] وهو اعتراض بين بعض التعليل وبعض، وفيه وجوه: الأول: والله لا يحب من لا يكون ثابتاً على الايمان صابراً على الجهاد. الثاني: فيه إشارة إلى أنه تعالى إنما يؤيد الكافرين على المؤمنين لما ذكر من الفوائد، لا لأنه يحبهم. ثم قال: {وَلِيُمَحّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } أي ليطهرهم من ذنوبهم ويزيلها عنهم، والمحص: في اللغة التنقية، والمحق في اللغة النقصان، وقال المفضل: هو أن يذهب الشيء كله حتى لا يرى منه شيء، ومنه قوله تعالى: {أية : يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرّبَوٰاْ } تفسير : [البقرة: 276] أي يستأصله. قال الزجاج: معنى الآية أن الله تعالى جعل الأيام مداولة بين المسلمين والكافرين، فان حصلت الغلبة للكافرين على المؤمنين كان المراد تمحيص ذنوب المؤمنين، وإن كانت الغلبة للمؤمنين على هؤلاء الكافرين كان المراد محق آثار الكافرين ومحوهم، فقابل تمحيص المؤمنين بمحق الكافرين، لأن تمحيص هؤلاء بإهلاك ذنوبهم نظير محق أولئك بإهلاك أنفسهم، وهذه مقابلة لطيفة في المعنى. والأقرب أن المراد بالكافرين ههنا طائفة مخصوصة منهم وهم الذين حاربوا الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وإنما قلنا ذلك لعلمنا بأنه تعالى لم يمحق كل الكفار، بل كثير منهم بقي على كفره، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ} القرح الجرح. والضم والفتح فيه لغتان عن الكسائي والأخفش؛ مثل عَقْر وعُقْر. الفراء: هو بالفتح الجُرح، وبالضم ألَمُه. والمعنى: إن يمسسكم يوم أُحُدٍ قَرْح فقد مَسّ القوم يوم بَدْرٍ قَرْح مثله. وقرأ محمد بن السَّمَيْقَع «قرح» بفتح القاف والراء على المصدر. {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ} قيل: هذا في الحرب، تكون مرة للمؤمنين لينصر الله عز وجل دينه، ومرة للكافرين إذا عصى المؤمنون ليبتليَهم ويُمَحِّصَ ذنوبهم؛ فأما إذا لم يَعْصوا فإنّ حزب الله هم الغالبون. وقيل: {نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النّاسِ} من فَرَح وَغمّ وصحّةِ وسُقْم وغِنًى وفقْرٍ. والدُّولَةُ الكَرَّة؛ قال الشاعر:شعر : فيومٌ لنا ويومٌ علينا ويومٌ نُسَاءُ ويَوْمٌ نُسَرّ تفسير : قوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} معناه، وإنما كانت هذه المدَاولَةُ ليُرَى المؤمنُ من المنافق فيُمَيَّز بعضُهم من بعض؛ كما قال: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجمعَانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَم المُؤْمِنِينَ. ولِيَعْلَم الّذينَ نَافَقُوا}. وقيل: ليعلَم صبر المؤمنين، العلمَ الذي يقع عليه الجزاء كما علمه غَيْباً قبل أن كَلّفَهم. وقد تقدّم في «البقرة» هذا المعنى. قوله تعالى: {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ} فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ} أي يكرمكم بالشهادة؛ أي لِيُقتلَ قومٌ فيكونوا شهداء على الناس بأعمالهم. وقيل: لهذا قيل شهيد: وقيل: سمي شهيداً لأنه مشهود له بالجنة وقيل: سمى شهيداً لأن أرواحهم احتضرت دار السلام، لأنهم أحياء عند ربهم، وأرواح غيرهم لا تصل إلى الجنة؛ فالشهيد بمعنى الشاهد أي الحاضر للجنة، وهذا هو الصحيح على ما يأتي والشهادة فضلها عظيم، ويكفيك في فضلها قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ} تفسير : [التوبة: 111] الآية. وقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ.تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ}تفسير : [الصف:10] إلى قوله تعالى: {أية : ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} تفسير : [الصَّف: 12]. وفي صحيح البُسْتيّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما يجِد الشهيد من القتل إلا كما يجد أحدُكم من القُرْحة»تفسير : . وروى النسائي عن راشد بن سعد عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً قال: يا رسول الله، ما بال المؤمنين يُفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: «حديث : كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة»تفسير : . وفي البخاري: «من قُتل من المسلمين يوم أُحد» منهم حمزةُ واليَمَان والنضر بن أنس ومصعب بن عُمير. حدّثني عمرو بن عليّ أن معاذ بن هشام قال حدّثني أبي عن قتادة قال: «ما نعلم حيّاً من أحياء العرب أكثر شهيداً أعزّ يوم القيامة من الأنصار قال قتادة: وحدّثنا أنس بن مالك أنه قُتل منهم يوم أُحُد سبعون، ويوم بِئْر مَعُونَة سبعون، ويوم اليَمَامَة سبعون. قال: وكان بئر معونة على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، ويوم اليَمَامةَ على عهد أبي بكر يوم مُسَيْلِمة الكذّاب» وقال أنس: حديث : أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعليّ بن أبي طالب وبه نيف وسِتون جراحة من طعنةٍ وضربةٍ ورمْيَةٍ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسحها وهي تَلْتَئم بإذن الله تعالى كأن لم تكن.تفسير : الثانية: في قوله تعالى: {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ} دليل على أن الإرادة غير الأمر كما يقوله أهل السنة؛ فإن الله تعالى نهى الكفار عن قتل المؤمنين: حمزةَ وأصحابِه وأراد قتلهم، ونهى آدم عن أكل الشجرة وأراده فواقَعه آدم، وعكسه أنه أمر إبليس بالسجود ولم يرِده فامتنع منه؛ وعنه وقعت الإشارة بقوله الحق: {أية : وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ} تفسير : [التوبة: 46]. وإِن كان قد أمر جميعهم بالجهاد، ولكنه خلق الكَسَل والأسباب القاطعة عن المسِير فقعدوا. الثالثة: رُوي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: حديث : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقال له: «خَيِّر أصحابك في الأسارى إن شاءوا القتل وإن شاءوا الفِداء على أن يقتل منهم عام المقبِل مثلهم فقالوا الفداء ويقتل منا» تفسير : أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن. فأنجز الله وعده بشهادة أوليائه بعد أن خَيَّرهم فاختاروا القتل. {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ} أي المشركين، أي وإِن أنال الكفارَ من المؤمنين فهو لا يحِبُّهم، وإن أحلّ ألَماً بالمؤمنين فإنه يحب المؤمنين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِن يَمْسَسْكُمْ } يصبكم بأحد {قَرْحٌ } بفتح القاف وضمها، جهد من جرح ونحوه {فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ } الكفار {قَرْحٌ مِّثْلُهُ } ببدر {وَتِلْكَ ٱلاْيَّامُ نُدَاوِلُهَا } نُصَرِّفُها {بَيْنَ ٱلنَّاسِ } يوماً لفرقة ويوماً لأخرى ليتعظوا {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ } علم ظهور {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} أخلصوا في إيمانهم من غيرهم {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ } يكرمهم بالشهادة {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ } الكافرين أي يعاقبهم وما ينعم به عليهم استدراج.

ابن عطية

تفسير : أخبر تعالى على جهة التسلية أن {الأيام} على قديم الدهر وغابره أيضاً إنما جعلها دولاً بين البشر، أي: فلا تنكروا أن يدال عليكم الكفار، وقال تعالى: {نداولها} فهي مفاعلة من جهة واحدة، وإنما ساغ ذلك لأن المداولة منه تعالى هي بين شيئين، فلما كان ذلك الفريقان يتداولان حسن ذلك، و"الدُّولة" بضم الدال المصدر، و"الدَّولة" بفتح الدال الفعلة الواحدة من ذلك، فلذلك يقال في دولة فلان لأنها مرة في الدهر، وسمع بعض العرب الأَقحاح قارئاً يقرأ هذه الآية، فقال: إنما هو، "وتلك الأيام نداولها بين العرب"، فقيل له: إنما هو "بين الناس" فقال: إنّا لله، ذهب ملك العرب ورب الكعبة، وقوله تعالى: {وليعلم الله الذين آمنوا} دخلت الواو لتؤذن أن اللام متعلقة بمقدر في آخر الكلام، تقديره: وليعلم الله الذين آمنوا، فعل ذلك، وقوله تعالى: {وليعلم} معناه: ليظهر في الوجود إيمان الذين قد علم أزلاً أنهم يؤمنون وليساوق علمه إيمانهم ووجودهم، وإلا فقد علمهم في الأول، وعلمه تعالى لا يطرأ عليه التغيير ونحو هذا: أن يضرب حاكم أحداً ثم يبين سبب الضرب ويقول: فعلت هذا التبيين لأضرب مستحقاً، معناه: ليظهر أن فعلي وافق استحقاقه، وقوله تعالى: {ويتخذ منكم شهداء}، معناه: أهل فوز في سبيله حسبما ورد في فضائل الشهيد. ثم أخبر تعالى: أن إدالته الكفار على المؤمنين إنما هي {ليمحص} المؤمنين، وأن إدالة المؤمنين على الكفار إنما هي لمحق الكفار، هذا مقتضى ألفاظ الآية، وقد قال ابن عباس وغيره: جعل الله الدولة لرسوله يوم بدر، وعليه يوم أحد وذهب كثير من أهل العلم إلى العبارة عن إدالة المؤمنين بالنصر، وعن إدالة الكفار بالإدالة، وروي في ذلك عن النبي عليه السلام حديث: إنهم يدالون كما تنصرون، و"التمحيص": التنقية. قال الخليل: التمحيص من العيب يقال: محص الحبل إذا زال عنه بكثرة مره على اليد زئبره وامّلس هكذا ساق الزجّاج اللفظة "الحبل" ورواها النقاش محص الجمل: إذا زال عنه وبره وامّلس، وقال حنيف الحناتم، وقد ورد ماء يقال له طويلع: إنك لمحص الرشاء، بعيد المستقى، مطل على الأعداء، فالمعنى: إنه لبعده يلمس حبله بالطين الحر ومد الأيدي، فمعنى الآية: أن الله يمحص المؤمنين إذا أدال عليهم، بأنه ينقي المتشهدين من ذنوبهم، وينقي الأحياء من منافقهم إذ يميزهم، وأنه {يمحق الكافرين} إذا نصر عليهم أي ينقصهم والمحق: الذهاب شيئاً شيئاً، ومنه محاق القمر.

ابن عبد السلام

تفسير : {إِن يَمْسَسْكُمْ} يوم أُحُد {قَرْحٌ} فقد مسهم يوم بدر مثله، واللمس: مباشرة وإحساس، والمس: مباشرة بغير إحساس. {قَرْحٌ} وقَرح: واحد، أو بالفتح الجراح، وبالضم: ألم الجراح قاله الأكثر {نُدَاوِلُهَا} مرة لقوم، ومرة لآخرين، والدولة: الكرة، أدال الله فلاناً من فلان جعل له الكرة عليه.

ابن عادل

تفسير : قرأ الأخوان، وأبو بكر: قُرْح - بضم القاف - وكذلك "القُرْحُ" معرَّفاً. والباقون بالفتح فيهما. فقيل: هما بمعنى واحد، ثم اختلف القائلون بهذا. فقال بعضهم: المراد بهما: الجُرْح نفسه، وقال بعضهم- منهم الأخفش - المراد بهما المصدر، يقال: قَرِحَ الجُرح، يَقْرحُ، قَرْحاً، وقُرْحاً. قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 1629- وَبُدِّلْتُ قَرْحاً دَامِياً بَعْدَ صِحَّةٍ لَعَلَّ مَنَايَانَا تَحَوَّلْنَ أبْؤُسَا تفسير : والفتح لغة الحجاز، والضم لغة تميم، فهما كالضَّعْف والضُّعْف، والكَرْه والكُرْه، والوَجْد والوُجْد. وقال بعضهم: المفتوح: الجُرْح، والمضموم: ألَمُه، وهو قول الفراء. وقرأ ابن السميفع بفتح القاف والراء، كالطرْد والطرَد. وقال أبو البقاءِ: "وهو مصدر قَرِحَ يَقْرح، إذا صار له قُرْحَة، وهو بمعنى: دَمِيَ". وقُرِئَ قُرُح - بضمهما -. قيل: وذلك على الإتباع كاليُسْر واليُسُر، والطُّنْب والطُّنُب. وقرأ الأعمش: "إن تمسسكم قروح" - بالتاء من فوق، [وصيغة الجمع في الفاعل]، وأصل المادة: الدلالة على الخُلُوص، ومنه الماء القَرَاح، الذي لا كُدُورةَ فيه. قال الشاعر: [الوافر] شعر : 1630- فَسَاغَ لِيَ الشَّرَابُ، وَكُنْتُ قَبْلاً أكَادُ أغَصُّ بِالْمَاءِ الْقَرَاح تفسير : وأرض قرحة - أي: خالصة الطين - ومنه قريحة الرجل - أي: خالص طَبْعه -. وقال الراغب: "القَرْح الأثر من الجراحة من شيء يُصيبه من خارج، والقُرْح - يعني: بالضم - أثرها من شيء داخل - كالبثرة ونحوها- يقال: قَرَحْته، نحو جَرَحْته. قال الشاعر: [البسيط] شعر : 1631- لا يُسْلِمُونَ قَرِيحاً حَلَّ وَسَطَهُمُ يَوْمَ اللِّقَاءِ، ولا يُشْوُونَ مَنْ قَرَحُوا تفسير : أي: جرحوا. وقرح: خرج به قرح. ويقال: قَرَحَ قلبُه، وأقرحه الله - يعني: فَعَل وأفْعَل فيه بمعنًى - والاقتراح: الابتداع والابتكار ومنه: اقترح عليَّ فلانٌ كذا، واقترحْتُ بِئراً: استخرجت منها ماءً قَرَاحاً. والقريحة - في الأصل - المكان الذي يجمتع فيه الماء المستنبط - ومنه استُعِيرت قريحةُ الإنسان - وفرس قارح، إذا أصابه أثَرٌ من ظُهور نَابِهِ، والأنْثَى قارحة، وروضة قرحاء، إذا كان في وسطها نَوْر؛ وذلك لتشبيهها بالفرس القرحاء". قوله: {فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ} للنحويين - في مثل هذا - تأويل، وهو أن يُقَدِّرُوا شيئاً مستقبلاً؛ لأنه لا يكون التعليق إلا في المستقبل - وقوله: {فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ} ماضٍ مُحَقَّق - وذلك التأويل هو التبيين، أي: فقد تَبَيَّن مَسُّ القرح للقوم وسيأتي له نظائر، نحو: {أية : إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ} تفسير : [يوسف: 26] و {أية : وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ} تفسير : [يوسف: 27]. وقال بعضهم: جواب الشرط محذوف، تقديره: فتأسَّوا، ونحو ذلك. وقال أبو حيان: "ومَنْ زعم أن جواب الشرط هو "فَقَدْ مَسَّ"، فهو ذاهل". قال شهابُ الدين: "غالب النحويين جعلوه جواباً، متأولين له بما ذكرت". فصل هذا خطاب للمسلمين حين انصرفوا من أحُد مع الكآبة، يقول: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ} يوم أحد فقد مَسَّهُمْ قَرْحٌ مِثْلُهُ يوْمَ بَدْرٍ، وهو كقوله تعالى: {أية : أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا}تفسير : [آل عمران: 165]. وقيل: إن الكفار قد نالهم يوم أُحُد مثل ما نالكم من الجُرح، والقتل؛ لأنه قُتِل منهم نيفٌ وعشرون رجلاً، وقتل صاحبُ لوائهم، والجراحات كَثُرَتْ فيهم، وعُقِرَ عامةُ خَيْلهم بالنبل، وكانت الهزيمة عليهم في أول النهار. فإن قيل: كيف قال: {قَرْحٌ مِّثْلُهُ}، وما كان قَرْحُهم يومَ أُحُد مثل قَرْح المشركين. فالجواب: أن تفسير القرح - في هذا التأويل - بمجرد الانهزام، لا بكَثْرة القَتْلَى. قوله: {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ} يجوز في "الأيَّامُ" أن تكون خبراً لِـ "تِلْكَ" و "نُدَاوِلُهَا" جملة حالية، العامل فيها معنى اسم الإشارة، أي: أشيرُ إليها حال كونها مداوَلةً، ويجوز أن تكون "الأيَّامُ" بدلاً، أو عَطْفَ بيان، أو نَعْتاً لاسم الإشارة، والخبر هو الجملة من قوله: {نُدَاوِلُهَا} وقد مر نحوه في قوله: {أية : تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا} تفسير : [أل عمران: 108] إلا أن هناك لا يجيء القول بالنعت؛ لما عرفت أنَّ اسم الإشارة لا ينعت إلا بذي أل و "بَيْنَ" متعلق بـ "نُدَاوِلُهَا"، وجَوَّزَ أبُو البقاءِ أن يكون حالاً من مفعول "نُدَاوِلُهَا" ولَيْسَ بِشَيءٍ. والمداوَلة: المناوَبة على الشيء، والمُعَاودة، وتعهَّده مرةَ بعد أخْرَى، يقال: دَاوَلْتُ بينهم الشيء فتداولوه، كأن "فَاعَل" بمعنى: "فَعَل". قال الشاعر: [الكامل] شعر : 1632- تَرِدُ الْمِيَاهَ، فَلاَ تَزَالُ تَدَاوُلاً في النَّاسِ بَيْنَ تَمَثُّل وَسَمَاعِ تفسير : وأدال فلانٌ فلاناً: جعل له دولة. وقال القفَّال: المداولة: نَقْل الشيء من واحد إلى آخر، يقال: تداولته الأيدي - إذا تناولته ومنه قوله تعالى: {أية : كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ ٱلأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ} تفسير : [الحشر: 7] أي: تتداولونها، ولا تجعلون للفقراء منها نصيباً، ويقال: الدُّنيا دول، أي: تنتقل من قوم إلى آخرين. ويقال دال له الدهرُ بكذا - إذا انتقل إليه. ويقال: دُولة، ودَوْلة - بفتح الفاء وضمها - وقد قُرِئَ بهما في سورة الحشر كما سيأتي إن شاء الله تعالى. واختلفوا، هل اللفظتان بمعنًى، أو بينهما فَرْقٌ. فقال الراغب: "إنهما سِيَّانِ، فيكون في المصدر لغتان". وفرَّق بعضُهم بينهما، واختلف هؤلاء في الفرق. فقال بعضُهم: الدَّوْلَة - بالفتح - في الحرب والجاه، وبالضم: في المال، وهذا تردُّه القراءتان في سورة الحشر. وقيل: بالضم اسم الشيء المتداوَل، وبالفتح نفس المصدر، وهذا قريب. وقيل: بالضم هي المصدر، وبالفتح الفَعْلة الواحدة، فلذلك يقال: في دَوْلة فلان؛ لأنها مرة في الدهر. والدَّوْر والدَّوْل متقاربان في المعنى، ولكن بينهما عموم وخصوص؛ فإن الدولة لا تقال إلا في الحظ الدنيويّ. والدُّؤلُولُ: الداهية، والجمع الدآليل والدُّؤلات. وقرئ شاذًّا: "يُدَاوِلَهَا" - بياء الغيبة - وهو موافق لما قبله، ولما بعده. وقرأ العامةُ على الالتفات المفيد للتعظيم. فصل ومعنى مداولة الأيام بين الناس أن مسارَّها لا تدوم، وكذلك مضارُّها، فيوم يكون السرور لإنسان والغمّ لعدوه، ويوم آخر بالعكس، وليس المراد من هذه المداولة أن الله تعالى تارةً ينصر المؤمنين، وأخْرَى ينصر الكافرين؛ لأن نَصْر الله مَنْصِب شريف عظيم، فلا يليق بالكافر، بل المراد من هذه المداولة: أنه تارة يُشَدَّد المحنة على الكفار، وتارة على المؤمنين، وتشديد المحنة على المؤمن أدَبٌ له في الدنيا، وتشديد المِحْنةِ على الكافر غضب من الله تعالى عليه. ورُوِيَ أن أبا سفيان صعد الجَبَل يوم أُحُد، قال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هَذَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهذا أبو بكر، وهذا أنا عمر، فقال أبو سفيان: يوم بيوم والأيام دُوَلٌ والحرب سجال، فقال عمر: لا سواء؛ قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار، فقال أبو سفيان: إن كان كما تزعمون فقد خِبنا - إذَنْ وخَسِرْنا. وروى البراء بن عازب قال: حديث : جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الرُّماة يوم أحد - وكانوا خمسين رجلاً - عبدَ الله بن جبير، فقال صلى الله عليه وسلم: إن رأيتمونا تَخَطَّفُنَا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرْسِل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أُرْسِل إليكم، وكان على يمنة المشركين خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل، ومعهم النساء يضربْنَ بالدفوف، ويقُلْنَ الأشعارَ، فقاتلوا حتى حميت الحربُ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفاً، فقال: مَنْ يأخذ هذا السيف بحقه، ويَضْرب به العدو حتى ينحني؟ فأخذه أبو دُجانة سماك بن خَرْشَة الأنصاري، فلما أخذه اعتَمَّ بعمامة حمراء، وجعل يتبختر، - فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّها لمِشْيَة يبغضُهَا اللهُ ورسولُه إلا فِي هَذَا المَوْضِعِ" فَفلَقَ به هَامَ المشركين، وحمل النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابهُ على المشركين، فهزموهم، قال: فأنا - والله - رأيتُ النساء يشتدّون - قد بدت خلاخِلُهن وأسْوُقُهن رافعات ثيابهن، فقال أصحاب عبد الله: الغنيمةَ، أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم، فما تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جُبَيْر: أنسيتم ما قال لكم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: والله لنأتِيَنَّ الناسَ فلنصيبن من الغنيمة، فلما أتَوْهُم صُرِفَتْ وُجوهُهم، فأقْبَلُوا منهزمين، فذاك إذْ تدعوهم، والرسول في أخراهم، فلم يَبْقَ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم غيرُ اثني عَشَرَ رَجُلاً، فأصابوا مِنَّا سَبْعِينَ، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يومَ بدر أربعين ومائة - سبعين أسيراً، وسبعين قتيلاً - فقال أبو سفيان ثلاثَ مرات: أفي القوم محمدٌ؟ فنهاهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يُجيبوه، فقال: أفي القوم ابن أبي قُحَافَةَ ثلاث مرات؟ أفي القوم عُمَر ثلاث مرات؟ فرجع إلى أصْحَابه، فقال: أما هؤلاء فقد قُتِلوا، فما مَلَكَ عمرُ نفسه؛ فقال: كذبتَ - والله - يا عدوّ الله؛ إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسوؤك، قال: يوم بيوم بدر، والحرب سِجَال، إنكم ستجدون في القوم مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بها ولم تَسُؤنِي، ثم جعل يزمجر: اعْلُ هُبَلُ، اعْلُ هُبَلُ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجِيبُوهُ، قالوا يا رسول الله ما نقول؟ قال: قُولُوا: اللهُ أعْلَى وأجَلُّ، قال: إنَّ لَنَا العُزَّى ولا عُزَّى لَكُمْ، فقال صلى الله عليه وسلم: أجِيبُوه، قالوا ما نقول؟ قال: قُولُوا: اللهُ مَوْلاَنَا وَلاَ مَوْلَى لَكُمْتفسير : . وروي هذا المعنى عن ابن عباس. قوله: "وليعلم الله" ذكر أبو بكر بن الأنباري في تعلُّق هذه اللام وجهين: أحدهما: أن اللام صلة لفعل مُضْمَر، يدل عليه أول الكلم، تقديره: وليعلم الله الذين آمنوا نُدَاوِلها. الثاني: أن العامل فيها (نُدَاوِلُهَا) المذكور، بتقدير: نداولها بين الناس ليظهر أمرهم، ولنبين أعمالهم، وليعلم الله الذين آمنوا، فلما ظهر معنى اللام المضمر في "ليظهر"، و "لتتبين" جرت مجرى الظاهرة، فجاز العطف عليها. وَجَوَّز أبو البقاء أن تكون الواو زائدة، وعلى هذا، فاللام متعلقة بـ (نُدَاوِلُهَا) من غير تقدير شيء، ولكن هذا لا حاجة إليه. ولم يَجْنَحْ إلى زيادة الواو إلا الأخفش في مواضع - ليس هذا منها - ووافقه بعض الكوفيين على ذلك. وقدَّرَه الزَّمَخْشَرِيُّ: "فعلنا ذلك ليكون كيت وكيت، وليعلم". فقدر عاملاً، وعلق به علة محذوفة، عطف عليها هذه العلة. قال أبو حيان: "ولم يُعَيِّن فاعل العلة المحذوفة، إنما كَنَّى عنه بـ "كيت وكيت"، ولا يُكَنَّى عن الشيء حتى يُعْرَف، ففي هذا الوجه حذف العلة، وحذف عاملها، وإبهام فاعلها، فالوجه الأول أظهر؛ إذْ ليس فيه غير حذف العامل". ويعني بالوجه الأول أنه قَدَّره: وليعلم الله فعلنا ذلك - وهو المداولة، أو نَيْل الكفار منكم -. وقال بعضهم: "اللام المتعلقة بفعل مُضْمَر، إما بعده، أو قبلَه، أما الإضمار بعده فبتقدير: وليعلمَ الله الذين آمنوا فعلنا هذه المداولةَ، وأما الإضمار قبلَه فعلى تقدير: وتلك الأيام نداولها بين الناس لأمور: منها: ليعلم الله الذين آمنوا، ومنها: ليتخذ منكم شهداء، ومنها: ليمحص الله الذي آمنوا، ومنها: ليمحق الكافرين. فكل ذلك كالسبب والعِلَّةِ في تلك المداولة". والعلم هنا - يجوز أن يتعدَّى لواحد، قالوا: لأنه بمعنى: عَرَفَ - وهو مشكل؛ لأنه لا يجوز وَصْف الله تعالى بذلك لما تقدم أن المعرفة تستدعي جَهْلاً بالشيء - أو أنَّها متعلقة بالذات دون الأحوال. ويجوز أن يكون متعدياً لاثنين، فالثاني محذوف، تقديره: وليعلم الله الذين آمنوا مميزين بالإيمان من غيرهم. والواو في قوله: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ} لها نظائر كثيرة في القرآن، كقوله: {أية : وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ} تفسير : [الأنعام: 75] وقوله: {أية : وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [الأنعام: 113]. فصل تقدير الكلام: وتلك الأيام نداولها بين الناس، ليكون كيت وكيت، وليعلم الله، وإنما حُذِف المعطوف عليه، للإيذان بأن المصلحة في هذه المداولة ليست بواحدة؛ ليُسَلِّيَهم عما جرى، ليُعَرِّفَهم تلك الواقعة، وأن شأنهم فيها فيه من وجوه المصالح ما لو عرفوه لسرَّهم. فإن قيل: ظاهر قوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مُشْعِر بأنه - تعالى - إنما فعل تلك المداولة، ليكتسِبَ هذا العلم، وذلك في حقه تعالى محال، ونظير هذه الآية - في الإشكال - قوله تعالى: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 142] وقوله: {أية : وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ} تفسير : [العنكبوت: 3]. وقوله: {أية : لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً} تفسير : [الكهف: 12] وقوله: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ} تفسير : [محمد: 31] وقوله: {أية : إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ} تفسير : [البقرة: 143] وقوله: {أية : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} تفسير : [هود: 7]. ولقد احتج هشام بن الحكم بظواهر هذه الآياتِ على أن الله تعالى لا يعلم حدوثَ الحوادث إلا عند وقوعها، فقال: كل هذه الآيات دالة على أنه - تعالى - إنما صار عالماً بحدوث هذه الأشياء عند حدوثها. وأجاب المتكلمون عنه بأن الدلائل العقليةَ دلَّتْ على أنه - تعالى - يعلم الحوادث قبل وقوعها فثبت أن التغيير في العِلْم محال، إلا أن إطلاقَ لفظ العلم على المعلوم، والقُدْرة على المقدور مجاز مشهور، يقال: هذا عِلْم فلان - والمراد: معلومه - وهذه قدرة فلان - والمراد: مقدوره، فكل آية يُشْعر ظاهرها بتجدُّد العلم، فالمراد: تجدُّد المعلوم. إذا عُرِفَ هذا فنقول: في هذه الآية وجوه: أحدها: لِيَظْهَرَ الإخْلاَصُ من النفاق، والمؤمنُ من الكافر. وثانيها: ليَعْلَم أولياء الله، فأضاف العلم إلى نفسه تفخيماً. وثالثها: ليحكم بالامتياز فوُضِع العلم مكان الحكم بالامتياز؛ لأن الحُكْم لا يحصل إلا بعد العلم. ورابعها: ليعلم ذلك واقعاً كما كان يعلم أنه سيقع؛ لأنَّ المجازاة تقع على الواقع، دُونَ المعلوم الذي لم يُوجَد. قوله: {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ} الظاهر أن "مِنْكُمْ" متعلِّق بالاتخاذ، وجوزوا فيه أن يتعلق بمحذوف، على أنه حال من "شُهَدَاءَ"؛ لأنه - في الأصل - صفة له. فصل والمرادُ بقوله: {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ} أي: شهداء على النَّاس بما صدر منهم من الذنوب والمعاصي، فإن كونهم شهداء على الناس منصب عالٍ، ودرجة عالية. وقيل: المراد منه: ويُكِرِم قوماً بالشهادة؛ وذلك: لأن قوماً من المسلمين فاتهم يومُ بدر، وكانوا يتمنَّوْن لقاء العدو، وأن يكون لهم يوم كيوم بدر؛ يقاتلون فيه العدو، ويلتمسون فيه الشهادة، والقرآن مملوءٌ من تعظيم حال الشهداء، فإنه قرنهم مع النبيين في قوله: {أية : وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ} تفسير : [الزمر: 69] وقوله: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [النساء: 69] وهذه الآيات تدلُّ على أن جميع الحوادث بإرادة الله تعالى. والشُّهداء: جمع شهيد كالكُرَماء، والظُّرَفَاء. فصل في تسميتهم "شهداء" وجوه: أحدها: قال النَّضْر بن شميل: الشهداء أحياء، لقوله تعالى: {أية : بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} تفسير : [آل عمران: 169] فأرواحهم حية، وقد حضرت دار السلام، وأرواح غيرهم لا تشهدها. الثاني: قال ابن الأنباريّ: لأن الله تعالى وملائكته شهدوا لهم بالجنة، فالشهداء جمع شهيد، "فعيل" بمعنى: "مفعول". الثالث: لأنهم يشهدون يوم القيامة مع النبيِّين والصِّدِّيقين، فيكونون شهداءَ على الناسِ. الرابع: سُمُّوا شهداء، لأنهم لما ماتوا أدْخِلوا الجنة، بدليل أنَّ الكُفَّار لما ماتوا أدخِلوا النار؛ قال تعالى: {أية : أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً}تفسير : [نوح: 25]. فأما: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ} فهذا اعتراض بين بعض التعليل وبعض. قال ابن عباس: أي: المشركين؛ لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13]. قوله: {وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} التمحيص: التخليص من الشيء. وقيل: المَحْص كالفَحْص، لكن الفَحْص يقال في إبراز الشيء من أثناء ما يختلط به وهو منفصل، والمَحْص: يقال في إبرازه عما هو متصل به، يقال: مَحَصْتُ الذهب، ومحَّصته - إذا أزلْت عنه ما يشوبه من خَبَث، ومَحَص الثوب: إذا زال عنه زئبره ومَحَصَ الحَبْل - إذا أخلق حتى ذهب عنه زئبره، ومحص الظَّبْيُ: عدا. فـ "محص" - بالتخفيف - يكون قاصراً ومتعدياً، هكذا روى الزجاج هذه اللفظةَ - الحبل - ورواها النقاش: مَحَص الجمل - إذا ذهب وَبَرُه وامَّلَسَ - والمعنيان واضحان. وقال الخليل: التمحيص: التخليصُ من الشيء المعيب. وقيل: هو الابتلاء والاختبار. قال الشاعر: [الطويل] شعر : 1633- رَأيْتُ فُضَيْلاً كَانَ شَيْئاً مُلَفَّفاً فَكَشَّفَهُ التَّمْحِيصُ حَتَّى بَدَا لِيَا تفسير : وروى الواحِديُّ عن المبرد بسند متصل: مَحَصَ الحبلُ يمحص مَحْصاً - إذا ذهب زئبره حتى يتملص، وحبل محيص ومليص بمعنًى واحدٍ، قال: ويستحب في الفرس أن تُمَحَّصَ قوائمُه أي: تُخَلَّص من الرَّهَل. [وأنشد ابن الأنباريّ على ذلك] - يصف فرساً -: [البسيط] شعر : 1634- صُمُّ النُّسُورِ، صِحَاحٌ، غَيْرُ عَاثِرَةٍ رُكِّبْنَ فِي مَحِصَاتٍ مُلْتَقَى العَصَبِ تفسير : أي: في قوائم متجرِّدات من اللحم، ليس فيها إلا العظم والجلد. قال المبرد: ومعنى قول الناس مَحِّصْ عنا ذُنوبَنَا: أذهِب عنا ما تعلَّق من الذنوب. قال الواحديُّ: "وهذا - الذي قاله المبردُ - تأويل المحَص - بفتح الحاء - وهو واقع، والمَحْص - بسكون الحاء - "مصنوع" - وقال الخليل: يقال: مَحَصْت الشيء أمحصه مَحْصاً - إذا أخلصته من كل عيب". وفي جعله محْصاً - بتسكين الحاء - مصنوعاً نظر؛ لأن أهل اللغة نقلوه ساكنها، وهو قياس مصدر الثلاثي. ومَحَصْت السيف والسنان: جَلَوتُهما حتى ذهب صدأهما. قال أسامة الهذليّ: [الطويل] شعر : 1635- وَشَقُّوا بِمَمْحُوصِ السِّفَانِ فُؤادَهُ لَهُمْ قُتُرَاتٌ قَدْ بُنِيْنَ مَحَاتِد تفسير : أي: بمجلُوٍّ، ومنه استُعِير ذلك في وَصْف الحبل بالملاسة والبريق. قال العجاج: [الرجز] شعر : 1636- شَدِيدُ جَلْزِ الصُّلْبِ مَمْحُوصُ الشَّوَى كَالْكَرِّ، لا شَخْتٌ وَلاَ فِيهِ لَوَى تفسير : والشوى: الظهر، قَصَره ضرورةً، سُمِع: فعلتُه حتى انقطع شَوَاي، أي: ظَهْري. والمحق - في اللغة - النقصان. وقال المفضَّل: هو أن يذهب الشيءُ كلُّه، حتَّى لا يُرَى منه شيء، ومنه قوله تعالى: {أية : يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَا} تفسير : [البقرة: 276] أي: يستأصله، وقد تقدم الكلام عليه في البقرة. قال الزجاج: معنى الآية: أن الله تعالى جعل الأيام مداولةً بين المسلمين والكافرين، فإن حصلت الغلبة للكافرين كان المراد: تمحيص ذنوب المؤمنين - أي: تطهيرها - وإن كانت الغلبة للمؤمنين كان المراد: مَحْق آثار الكافرين، ومَحْوَهم، فقابل تمحيص المؤمنين بمحق الكافرين؛ لأن تمحيص هؤلاء باهلاك ذنوبهم نظير مَحْق أولئك بإهلاك نفوسهم، وهذه مقابلة لطيفة، والأقرب أن المراد بالكافرين - هنا - طائفة مخصوصة منهم - وهم الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد، لأن الله تعالى لم يَمْحَق كل الكافرين، بل بَقِي كثير منهم على كُفره.

السيوطي

تفسير : وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس {إن يمسسكم} قال: أن يصبكم. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله} برفع القاف فيهما. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {إن يمسسكم قرح} قال: جراح وقتل. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله} قال: إن يقتل منكم يوم أحد فقد قتلتم منهم يوم بدر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: نام المسلمون وبهم الكلوم ـ يعني يوم أحد ـ قال عكرمة: وفيهم أنزلت {إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس} وفيهم أنزلت {أية : إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون}تفسير : [النساء: 104]. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس {وتلك الأيام نداولها بين الناس} فانه كان يوم أحد بيوم بدر. قتل المؤمنون يوم أحد اتخذ الله منهم شهداء، وغلب رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين يوم بدر، فجعل له الدولة عليهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس {وتلك الأيام نداولها بين الناس} قال: فانه أدال المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وبلغني أن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد بضعة وسبعين رجلاً، عدد الأسارى الذين أسروا يوم بدر من المشركين، وكان عدد الأسارى ثلاثة وسبعين رجلاً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن {وتلك الأيام نداولها بين الناس} قال: جعل الله الأيام دولاً. مرة لهؤلاء، ومرة لهؤلاء. أدال الكفار يوم أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير عن قتادة في الآية قال: والله لولا الدول ما أودى المؤمنون، ولكن قد يدال للكافر من المؤمن ويُبْتَلى المؤمن بالكافر، ليعلم الله من يطيعه ممن يعصيه، ويعلم الصادق من الكاذب. وأخرج عن السدي {وتلك الأيام نداولها بين الناس} يوماً لكم ويوماً عليكم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي حاتم عن ابن سيرين {وتلك الأيام نداولها بين الناس} يعني الأمراء. وأخرج ابن المنذر عن أبي جعفر قال: إن للحق دولة وإن للباطل دولة من دولة الحق. إن إبليس أمر بالسجود لأدم فأديل آدم على إبليس، وابتلي ادم بالشجرة فأكل منها فأديل إبليس على آدم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس {وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء} قال: إن المسلمين كانوا يسألون ربهم اللهم: ربنا أرنا يوماً كيوم بدر، نقاتل فيه المشركين، ونبليك فيه خيراً، ونلتمس فيه الشهادة. فلقوا المشركين يوم أحد، فاتخذ منهم شهداء. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في الآية قال: كان المسلمون يسألون ربهم أن يريهم يوماً كيوم بدر. يبلون فيه خيراً، ويرزقون فيه الشهادة، ويرزقون الجنة والحياة والرزق. فلقوا يوم أحد، فاتخذ الله منهم شهداء، وهم الذين ذكرهم الله تعالى فقال {أية : ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أمواتاً}تفسير : [البقرة: 154] الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة {وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء} قال: يكرم الله أولياءه بالشهادة بأيدي عدوهم، ثم تصير حواصل الأمور وعواقبها لأهل طاعة الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن عبيدة {وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء} يقول: أن لا تقتلوا لا تكونوا شهداء. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الضحى قال: نزلت {ويتخذ منكم شهداء} فقتل منهم يومئذ سبعون، منهم أربعة من المهاجرين: منهم حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير أخو بني عبد الدار، والشماس بن عثمان المخزومي، وعبد الله بن جحش الأسدي، وسائرهم من الأنصار. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لما أبطأ على النساء الخبر خرجن يستخبرن فإذا رجلان مقتولان على دابة أو على بعير فقالت امرأة من الأنصار: من هذان؟ قالوا: فلان وفلان. أخوها وزوجها. أو زوجها وابنها، فقالت: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: حي... قالت: فلا أبالي يتخذ الله من عباده الشهداء. ونزل القرآن على ما قالت {ويتخذ منكم شهداء}. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن ابن عباس {وليمحص الله الذين آمنوا} قال: يبتليهم {ويمحق الكافرين} قال: ينقصهم. وأخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين. إنه كانَ إذا تلا هذه الآية قال: اللهمَّ محصناً ولا تجعلنا كافرين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن إسحق {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة} وتصيبوا من ثوابي الكرامة {ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} يقول: ولمَ اختبركم بالشدة وأبتليكم بالمكاره؟ حتى أعلم صدق ذلك منكم. الإيمان بي، والصبر على ما أصابكم فيّ.

ابو السعود

تفسير : {ِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مّثْلُهُ} القرحُ بالفتح والضم لغتان كالضَّعف والضُّعف وقد قرىء بهما، وقيل: هو بالفتح الجراحُ وبالضم ألَمُها، وقرىء بفتحتين، وقيل: القرح والقرح كالطرد والطرد، والمعنى إن نالوا منكم يومَ أحُدٍ فقد نِلتم منهم قبله يومَ بدرٍ ثم لم يُثَبِّطْهم عن معاودتكم بالقتال فأنتم أحقُّ بأن لا تضعُفوا فإنكم ترجون من الله ما لا يرجون. وقيل: كلا المَسَّيْنِ كان يوم أحُد فإن المسلمين نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمرَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، قَتلوا منهم نيفاً وعشرين رجلاً منهم صاحبُ لوائِهم وجرحوا عدداً كثيراً وعقَروا عامة خيلِهم بالنبل {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ} إشارةٌ إلى الأيام الجاريةِ فيما بـين الأممِ الماضيةِ والآتيةِ كافةً لا إلى الأيامِ المعهودةِ خاصةً من يوم بدرٍ ويومِ أحدٍ بل هي داخلةٌ فيها دخولاً أولياً، والمرادُ بها أوقاتُ الظَفَرِ والغَلَبةِ {نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ} نُصَرِّفها بـينهم نُديلُ لهؤلاء تارةً ولهؤلاء أخرى كقول من قال: [المتقارب] شعر : فيوماً علينا ويوماً لنا ويوماً نُساءُ ويوماً نُسَرُّ تفسير : والمداولةُ كالمعاورة، يقال: داولتُه بـينهم فتداولوه أي عاورْتُه فتعاوروه. واسمُ الإشارةِ مبتدأ والأيامُ إما صفةٌ له أو بدلٌ منه أو عطفُ بـيانٍ له ونداولها خبرُه أو خبره ونداولها حالٌ من الأيام والعاملُ معنى اسمِ الإشارةِ أو خبرٌ بعد خبرٍ وصيغةُ المضارعِ الدالةُ على التجدد والاستمرارِ للإيذان بأن تلك المداولةَ سنةٌ مسلوكةٌ فيما بـين الأممِ قاطبةً سابقتِها ولاحقتِها وفيه ضربٌ من التسلية، وقوله عز وجل: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} إما من باب التمثيلِ أي ليعامِلَكم معاملةَ من يريد أن يَعلمَ المخلِصين الثابتين على الإيمان من غيرهم، أو العلمُ فيه مجازٌ عن التميـيز بطريق إطلاقِ اسمِ السببِ على المسبَّب أي ليُميِّزَ الثابتين على الإيمان من غيرهم كما في قوله تعالى: {أية : مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيّبِ} تفسير : [آل عمران، الآية 179] أو هو على حقيقته معتبَرٌ من حيث تعلُّقُه بالمعلوم من حيث إنه موجودٌ بالفعل إذ هو الذي يدور عليه فلكُ الجزاءِ لا من حيث أنه موجودٌ بالقوة. وإطلاقُ الإيمانِ مع أن المرادَ هو الرسوخُ والإخلاصُ فيه للإيذان بأن اسمَ الإيمانِ لا ينطلق على غيره، والالتفاتُ إلى الغَيبة بإسناده إلى اسم الذاتِ المستجمِعِ للصفات لتربـية المهابةِ والإشعارِ بأن صدورَ كلِّ واحدٍ مما يُذكر بصدد التعليلِ من أفعاله تعالى باعتبار منشإٍ معيّنٍ من صفاته تعالى مغايرٌ لمنشإ الآخَر، والجملةُ علةٌ لما هو فردٌ من أفراد مُطلقِ المداولةِ التي نطقَ بها قولُه تعالى: {نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ} من المداولة المعهودةِ الجاريةِ بـين فريقي المؤمنين والكافرين، واللامُ متعلقةٌ بما دل عليه المطلقُ من الفعل المقيَّدِ بالوقوع بـين الفريقين المذكورين أو بنفس الفعلِ المطلقِ باعتبار وقوعِه بـينهما، والجملةُ معطوفةٌ على علة أخرى لها معتبرةٍ إما على الخصوص والتعيـينِ محذوفة لدَلالة المذكورةِ عليها لكونها من مبادئها، كأنه قيل: نداولها بـينكم وبـين عدوِّكم ليظهرَ أمرُكم وليَعلَمَ الخ، فإن ظهورَ أعمالِهم وخروجَها من القوة إلى الفعل من مبادىء تميـيزِهم عن غيرهم ومواجبِ تعلّقِ العلمِ الأزليِّ بها من تلك الحيثيةِ، وكذا الحالُ في باب التمثيل فتأملْ. وإما على العموم والإبهامِ للتنبـيه على أن العللَ غيرُ منحصِرَةٍ فيها عُدِّد من الأمور وأن العبدَ يسوؤه ما يجري عليه من النوائب، ولا يشعُر بأن الله تعالى جعل له في ذلك من الألطاف الخفيةِ ما لا يخطرُ ببال. كأنه قيل: نداولُها بـينكم ليكونَ من المصالح كيت وكيت وليَعلَمَ الخ، وفيه من تأكيد التسليةِ ومزيدِ التبصِرَة ما لا يخفى. وتخصيصُ البـيان بعلة هذا الفردِ من مطلقِ المداولةِ دون سائر أفرادِها الجاريةِ فيما بـين بقيةِ الأممِ ــ تعيـيناً أو إبهاماً ــ لعدم تعلقِ الغرضِ العلميِّ ببـيانها ولك أن تجعلَ المحذوفَ المبْهَمَ عبارةً عن علل سائرِ أفرادِها للإشارة إجمالاً إلى أن كلَّ فردٍ من أفرادها له علةٌ داعيةٌ إليه كأنه قيل: نداولها بـين الناس كافةً ليكونَ كيت وكيت من الحِكَم الداعيةِ إلى تلك الأفرادِ وليَعلمَ الخ، فاللامُ الأولى متعلقةٌ بالفعل المطلقِ باعتبار تقيُّدِه بتلك الأفرادِ، والثانيةُ باعتبار تقيّدِه بالفرد المعهودِ، وقيل: هي متعلقةٌ بمحذوفٍ مؤخَّرٍ تقديرُه وليعلمَ الله الذين آمنوا فَعَل ذلك. {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء} جمعُ شهيدٍ أي ويُكرِمَ ناساً منكم بالشهادة، وهم شهداءُ أحُدٍ. فمِنْ ابتدائيةٌ أو تبعيضيةٌ متعلقةٌ بـيتخذ، أو بمحذوف وقعَ حالاً من شهداءَ أو جمعُ شاهدٍ أي ويتخذ منكم شهوداً معدلين بما ظهر منهم من الثبات على الحق والصبرِ على الشدائد وغيرِ ذلك من شواهد الصدقِ ليشهدوا على الأمم يومَ القيامةِ، فمِنْ بـيانيةٌ لأن تلك الشهادةَ وظيفةُ الكلِّ دون المستشهَدين فقط، وأياً ما كان ففي لفظ الاتخاذ ـــــ المُنْبىءِ عن الاصطفاء والتقريبِ من تشريفهم وتفخيمِ شأنِهم ــ ما لا يخفى. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} اعتراضٌ مقررٌ لمضمون ما قبله، ونفيُ المحبةِ كنايةٌ عن البغض، وفي إيقاعه على الظالمين تعريضٌ بمحبته تعالى لمقابليهم، والمرادُ بهم إما غيرُ الثابتين على الإيمان فالتقريرُ من حيث إن بغضَه تعالى لهم من دواعي إخراجِ المخلِصينَ المصطَفَيْنَ للشهادة من بـينهم، وإما الكفرةُ الذين أُديل لهم، فالتقريرُ من حيث إن ذلك ليس بطريق النُصرةِ لهم، فإنها مختصةٌ بأوليائه تعالى، بل لِما ذُكر من الفوائد العائدةِ إلى المؤمنين.

القشيري

تفسير : إن نالكم فينا مشقة فالذين تقدموكم لقوا مثل ما لقيتم، ومُنوا بمثل ما به مُنيتم، فمن صبر منهم ظفر، ومَنْ ضجر مِنْ حَمْلِ ما لقي خَسِر، والأيام نُوَبٌ والحالات دُوَلٌ، ولا يخفى على الحق شيء.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: القرح - بالفتح والضم -: الجرح، وقيل: بالفتح: الجرح، وبالضم: ألمه ووجعه. والمداولة: المفاعلة من الدولة، وهي الغلبة، و {الأيام}: نعت أو خبر، و {نداولها}: خبر أو حال، و {ليعلم}: متعلق بمحذوف، أي: وفعل ما فعل من الادالة ليعلم، أو عطف على علة محذوفة، أي: نداولها ليكون كيت وكيت، وليعلم... الخ، إيذاناً بأن العلة فيه غير واحدة، وأن ما يصيب المؤمن: فيه من المصالح ما لا يُعلم، و {يعلم الصابرين}: منصوب بأن، على أنَّ الواو للجمع. يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن يمسسكم} في غزوة أحد {قرح} كقتل أو جرح، {فقد مس القوم} من أعدائكم يوم بدر {قرح مثله}، فإن كان قُتل منكم خمسة وسبعون يوم أحد، فقد قتل منهم يوم بدر سبعون وأسُرَ سبعون: أو: {فقد مسّ القوم} يوم أحد {قرح} مثل ما أصابكم، فإنكم نلتم منهم وهزمتموهم، قبل أن تخالفوا أمر الرسول - عليه الصلاة -، كما نالوا منكم يومئذ. {وتلك الأيام نداولها بين الناس} أي: نُصرف دولتها بينهم، فنديل لهؤلاء تارة ولهؤلاء أخرى، كما قال الشاعر: شعر : فَيَوْمٌ عَلَيْنَا ويَوْمٌ لنَا، ويَوْمٌ نُسَاءُ، ويَوْمٌ نُسَرْ تفسير : فقد أديل المسلمون على المشركين يوم بدر، فكانت الدولة لهم، وأديل المشركون يوم أحد. والمراد بالأيام: أيام الدنيا، أو أيام النصر والغلبة. وإنما أديل للمشركين يوم أحد ليتميز المؤمنون من المنافقين، ويظهر علمهم للناس، وليتخذ الله {منكم شهداء} حين ماتوا في الجهاد، أكرمهم الله بالشهادة، ولا تدل إدالة المشركين على أن الله يحبهم، فإن الله {لا يحب الظالمين}. وإنما أدلهم {ليمحص الله الذي آمنوا} أي: ليطهرهم ويصفيهم من الذنوب، وأنما أدال المسلمين على المشركين ليمحق الكافرين ويقطع دابرهم. والمحق: نقص الشيء قليلاً قليلاً. ثم عاتب المسلمين فقال: {أم حسبتم} أي: ظننتم {أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} علم ظهور، {ويعلم الصابرين} أي: لا تظنوا أن تدخلوا الجنة كما دخلها مَنْ قُتل منكم، ولم يقع منكم مثل ما وقع لهم من الجهاد والصبر على القتل والجرح؛ حتى يقع العلم ظاهراً بجهادكم وصبركم. {ولقد كنتم} قبل خروجكم إلى الجهاد {تمنون الموت} أي: الحرب؛ لأنه سبب الموت، وتقولون: ليت لنا يوماً مثل يوم بدر، فلقد لقيتموه وعينتموه يوم أحد {وأنتم تنظرون} من مات من إخوانكم، فما لكم حين رأيتموه جبنتم وانهزمتم؟ وهو عتاب لمن طلب الخروج يوم أحد، ثم انهزم عن الحرب، ثم تداركهم بالتوبة والعفو، على ما يأتي إن شاء الله. والله تعالى أعلم. الإشارة: إن يمسسكم يا معشر الفقراء قرح؛ كحبس أو ضرب أو سجن أو حَرج أو جلاء، فقد مس العموم مثل ذلك، غير أنكم تسيرون به إلى الله تعالى لمعرفتكم فيه، وهم لا سير لهم لعدم معرفتهم، أو إن يمسسكم قرح فقد مسَّ القوم المتقدمين من أهل الخصوصية مثل ما أصابكم، ففيهم أسوة لكم، وهذه عادة الله في أوليائه، يديل عليهم حتى يتطهروا ويتخلصوا، ثم يُديل لهم، وإنما أديل عليهم حتى تيطهروا ويتخلصوا، ثم يُديل لهم، وإنما أديل عليهم أولاً ليتطهروا من البقايا وتكمل فيهم المزايا، وليعلم الصادق في الطلب من الكاذب، فإنَّ محبة الله مقرونة بالبلاء، وليتخذ منهم شهداء إن ماتوا على ذلك، كالحلاج وغيره، أو يتخذ منهم شهداء الملكوت إن صبرا حتى ظفروا بالشهود. {والله لا يحب الظالمين} أي: المؤذين لأولياءه، بل يمقتهم ويبعدهم. {وليمحص الله الذي آمنوا} بطريق الخصوص، أي: يخلصهم من بقايا الحس، سلط عليهم الناس، وليَمحق المنكرين عليهم بما يصيبهم من إذايتهم، فإن المنكر على أهل النسبة كمن يدخل يده في الغيران، فإذا سلم من الأول والثاني، قال: لا يلحقني منهم شيء، فإذا أدخل يده في غار آخر لدغته حية فأهلكته. أم حسبتم يا معشر المريدين أن تدخلوا جنة المعارف، ولما يعلم الله الذين جاهدوا نفوسهم، ويعلم الصابرين على إيذاية من آذاهم، ولقد كنتم تمنون موت نفوسكم وتطلبون ما يعينكم على موتها من قبل أن تلقوا الجلال، فقد رأيتموه وعاينتموه وأنتم تنظرون ما أصاب الأولياء غيركم، فما لكم تجزعون منه وتفرون من مواطنه؟. وكان شيخ شيوخنا رضي الله عنه يقول: العجب كل العجب، ممن يطلب معرفة الله، فإذا تعرف إليه أنكره. وفي الحِكَم: "إذا فتح الله لك وجهة من التعرف فلا تبال معها، وإن قلَّ عملك، فإنه ما فتحها إلا وهو يريد أن يتعرف إليك فيها، ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك، والأعمال أنت مهديها إليه، وأين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك؟". وبالله التوفيق.

الجنابذي

تفسير : {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ} قرئ بالفتح والضّمّ وهما مصدران، او القرح بالفتح مصدر وبالضّم اسم المصدر بمعنى الم الجراح {فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ} ببدر او فى تلك الغزوة {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ} اى ايّام الغلبة والسّرور والنّعمة فانّه يكنّى بالايّام عن النّعمة والسّرور فيقال: هذه ايّام فلان يعنى وقت سروره ونعمته {نُدَاوِلُهَا} اى نديرها بالنّوبة {بَيْنَ ٱلنَّاسِ} فنعطى السّرور والظّفر والغنيمة يوماً للمؤمنين ويوماً للكافرين لئلاّ يغترّ المؤمنون ويسكنوا الى الدّنيا ويجعلوا ايمانهم وسيلة لراحة دنياهم ولئلاّ يدخل المنافقون فى الاسلام طلباً للدّنيا فيزاحموا الانبياء ويفتنوا المؤمنين {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} اى ليظهر علمه بالّذين اسلموا حقيقةً او ليعلم نبيّه الّذى هو مظهر اسمه الجامع الّذى هو الله ولذلك التفت من التّكلّم الى الغيبة {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ} بالابتلاء والامتحان {شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ} او امناء فى الشّهادة او رجالاً لا يغيب عن علمهم شيء كالاوصياء والاولياء او قتلى فى سبيل الله ويظهر ظلم الظّلمة منكم ومن الكفّار بسبب الغلبة والمغلوبيّة واكتفى عنه بقوله {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ} فانّه يدلّ عليه مع شيءٍ زائد والمراد بنفى المحبّة فى مثل المقام اثبات الغضب عليهم كما مرّ مراراً.

اطفيش

تفسير : {إِن يَمْسَسْكُمْ}: يوم أحد. {قَرْحٌ}: جرح، وقيل: قتل، وبالأول قال مجاهد، وقرأ حمزة والكسائى وعاصم فى رواية ابن عباس عنه، بضم القاف وهم لغتان بمعنى واحد كالضعف والضعف، وقرأ أبو السماك بفتح والراء وهو لغة ثالثة بمعناها وكذا قرئك قرح الثانى بثلاث لغات، وقيل بالفتح تبع القاف لسكون الوسط مع كون حرف الحلق غير فاء الكلمة، وقيل: الجرح بفتح الجيم وإسكان الراء مصدر وبضمها وإسكان الراء اسم للأثر الحاصل به، وقيل: بالضم: ألم الجراح وبالفتح: الجراح، أعنى الآثار. {فَقَدْ مَسَّ}: منكم. {الْقَوْمَ}: أى المشركين فى بدر. {قَرْحٌ مِّثْلُهُ}: فلم يضعفوا، ولم يجبنوا، ولم يمنعهم ذلك عن معاودة القتال، فأنتم أولى بأن لا تضعفوا ولا تجبنوا، ولا تحزنوا، وبأن تعاوِدُوهم بالقتال، ومعنى المماثلة مطلق وقوع جنس القرح والانهزام، ولو تفاوت ذلك، فإن المشركين وقع فيهم الضر، ببدر أكثر مما فى المسلمين بأحد، وقيل للسان بأحد ومعنى المماثلة ما ذكر، فإن الضر الواقع فى المسلمين أقل مما فى المشركين، وقد مر الكلام فى ذلك، وقد قال من قال: قتل من المسلمين فى أحد سبعون وأسر سبعون، وقد جرحوا سبعين، وقتلوا خمساً وسبعين. وقيل: المراد بالمماثلة: الإخبار بالكثرة حتى قاربت المساواة فى أحد، لولا مخالفة الرماة ما حد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى: {أية : ولقد صدقكم الله وعده إذ تَحُسّونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم فى الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون}تفسير : بل قيل: قتل من المشركين يوم أحد سبعون رجلا أيضاً منهم صاحب لوائهم، وهو طلحة بن أبى طلحه قتله على فأخذ اللواء عثمان بن أبى طلحة فقتله حمزة، ثم أخذه أبو سعيد بن أبى طلحة فرماه سعد بن أبى وقاص بسهم فمات مكانهُ، فأخذه نافع بن طلحة فقتل أيضاً وكان على ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبى جهل، وعلى مقدمتهم سفيان بن أمية. {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}: نجعلها دولا بينهم يوم لفرقة، ويوم لأخرى، فكان الدولة للمؤمنين يوم بدر، وللمشركين يوم أحد، والإشارة إلى أيام الدنيا، وأيام القتال فيها، وتلك مبتدأ، والأيام تابع له، ونداولها: خبراً، وتلك الأيام: مبتدأ، والأيام خبر، ونداولها حال من الأيام، والمراد بالناس: المؤمنون والكافرون، لأنه يد للمؤمن على الكافر، وللكافر على المؤمن، وللكافر على الكافر، وللموحد على الموحد. {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ}: عطف على محذوف، أى نداولها بين الناس ليثاب الصابر المصاب المحق والمصيب المحق، وينتقم الله من الظالم بالظالم وبالمحق، وليعلم الله الذين آمنوا، أو متعلق بمحذوف اى وفعلنا ذلك ليعلم الله الذين آمنوا أى ليعلم الذين آمنوا وإن فسر الناس بالمسلمين والكافرين الذين وقع الدول بينهم تارة للمؤمنين وتارة للكافرين، فالتقدير نداولها بين الناس ليتميز الثابت على الإيمان من الذى على حرف، وليعلم الله الذين آمنوا منكم والله عالم بكل شىء على الإطلاق بلا أول، ولا آخر، وليس علمه تعالى حادثاً، فالمعنى: ليعلم الله الذين آمنوا إذا وجدوا وآمنوا، وذلك أنه إذا وقع شىء، فقد علم الله بوقوعه، كما علمه قبل وقوعه، ولك أن تفسر العلم بالتمييز لأنه سبب التمييز، فتعلقه بمحذوف، أى وقولنا ذلك لتمييز الذين آمنوا ولك أن تقول ذلك كناية عن تحقق الذين آمنوا، لأنه يلزم من تحققهم علمه به وقيل: فى الكلام حذف مضاف، أى وليعلم أولياء الله، والكلام فى التعليق على حد ما مر، أى فعلنا ذلك ليعلم أولياء الله الذين آمنوا أو ليثاب إلخ وليعلم أولياء الله.. إلخ، وحكمة الحذف تفخيم أمر الأولياء بنسبة علمهم إلى الله، والمراد بالذين آمنوا الذين أخلصوا فى إيمانهم، والدولة تطلق فى غلبة المؤمن والكافر، وقيل: أصلها فى أن يكون الكافر غالباً، وأما المؤمن فيعبر فى كونه غالباً بالنصر، ويناسبه ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أنهم يدالوه كما تنصروه"تفسير : وعلى هذا فذكر المؤمن والكافر بالدولة فى الآية للجواز، لكن يكون استعمالا للفظ فى حقيقته ومجازه، على هذا القول. {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ}: متعلق بيتخذ ومن للابتداء، ويجوز أن تكون للتبعيض، فتعلق بمحذوف حال من قوله: {شُهَدَآءَ}: أى وليحصل الله منكم شهداء، أى موتى بالقتل فى سبيله تبارك وتعالى، فيثيبهم وهم شهداء أحد، تمنى قوم من المسلمين ممن فاتهم قتال بدر، أن يكون لهم يوم كيوم بدر، يستشهدون فيه، فأكرمهم بأحد. قال النضر بن شميل: سمى الله من قتل فى سبيل الله شهيداً لأنه حى يشاهد الأشياء فى دار السلام، قيل وأرواح غيرهم لا تشهدها، وقالهُ ابن الإنبارى لأن الله مشهده لهُ بالجنة فى غير الموضع الذى سماه فيد شهيد، أو يشهدوا له يوم القيامة وهو والملائكة، ومثله ما قيل أنه يشبهه لهُ بالأمان من النار، وقيل: لأنهم الذين يشهدون يوم القيامة على الأمم مع الأنبياء والصديقين، لأن الشهادة منصب عظيم، وقيل لأنه يشهد عند خروج روحه ما أعد له من الكرامة، قبل أن يدخل قبره، وقيل: لأن الملائكة تشهد لهُ بحسن الخاتمة وقيل: لأن الأنبياء تشهد له بحسن الاتباع لهم، وقيل: لأن الله يشهد لهُ بحسن نيته، وإخلاصه. وقيل: لأنه لا يشهده عند خروج روحه إلا ملائكة الرحمة وقيل؛ لأنه يشاهد الملائكة عند احتضاره، وقيل: لأنه مشاهد الملكوت من دار الدنيا، ودار الآخرة، وقيل: لأن عليه علامة شاهدة بأنه نجا وهى دمه وريح دمه، إذ هو كالمسك. والمفرد شهيد، وقيل الشهداء هنا جمع شاهد على غيره، وليس خصوص من قتل فى الجهاد، أى من يشهد على الناس بما صدر منهم من المعاصى، فهم من أهل العدالة منزهون عن الرذائل، ومحلون بالفضائل، إذ ثبتوا وصبروا على الشدائد. {وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِين}: الذين يضمرون خلاف ما يظهرون، بأن أظهروا الإيمان أو الطاعة وأضمروا الشرك، والمعصية، أو يخالف فعلهم قولهم، أو الظالمون هو المشركون المجاهرون بالشرك، وعلى كل فهم مقاتلون للذين آمنوا، أى صدقوا فى إيمانهم فإذا علمت أنه تعالى لا يحب الكفار، علمت أنه إذا غلبهم على المؤمنين، فليس ذلك نصرا لهم، على الحقيقة، بل استدراجا لهم، وزيادة فى ذنوبهم، وابتلاء للمؤمنين وزيادة فى إحسانهم كما يزيدهم بالعقرب وغيرها مما يصيبهم، كما قال: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ}.

اطفيش

تفسير : {إن يَمْسَسْكُمْ} أيها المسلمون، شبه الإصابة بالمس {قَرْحٌ} جرح، شبه مطلق الضر بنفس الجرح فى أُحد {فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ} المشركين فى بدر {قَرْحٌ مِثْلُهُ} فنسلوا أيها المؤمنون بما أصابهم، لأنه قد مس القوم ولم يهنوا ولم يحزنوا، فكيف تهنون وتحزنون إذ قتلوا منكم مثل ما قتلتم لا أكثر، وقيل: قتلوا من المسلمين خمسة وسبعين، وقيل سبعين , وجرحوا سبعين، ولا يلزم من قوله تعالى مثله مساواة العددين، وقيل: الفرح رجوعهم خائبين مع كثرتهم، مع أنكم ترجون من الله ما لا يرجون وقد وعدتم النصر، بل قيل المسّان فى أحد، قال الله جل وعلا: ولقد صدقكم الله وعده الخ، وقد قيل: فى أحد من المشركين سبعون رجلا، وعقرتم خيلهم وكثرت فيهم الجراحات، وهزموا أول النهار، وقتل على ابن أبى طالب طلحة بن أبى طلحة، كيس الفئة حامل لوائهم، وأخذ اللواء بعده عثمان بن أبى طلحة فقتله حمزة، ثم أخذه أبو سعيد بن أبى طلحة فقتل وفرق الله شملهم، وجرح منهم عدد كثير، وعقر عامة خيلهم، ومن أول الأمر قتل منهم نيف وعشرون رجلا، ولعنهم الله عز شأنه، وأنزل نصره، قال الزبير بن العوام فرأيت المشركين قد بدت أشرافهم ونساؤهم وعلى ميمنتهم خالد، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبى جهل، وعلى مقدمتهم سفيان بن أمية،وهند امرأة أبى سفيان وصواحبها، أخذن الدفوف حين حميت الحرب يضربن بها ويقلن: نحن بنات طارق، نمشى على النمارق، إن يقبلوا نعانق،أو يّدبروا نفارق، فراق غير وامق، ثم إن خالد لما رأى إقبال المسلمين على الغنائم خرج فى خيله، مائتين وخمسين ففرقوا المسلمين، فهزم المسلمين، وقصد عبدالله بن قمئة قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فذب عنه مصعب بن عمير، وهو مصعب بن عمرو، صاحب راية بدر وأُحد، فقتله عبد الله بن قمثة، وظن أنه قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قد قتلت محمداً، وصرخ صارخ، هو إبليس، قد قتل محمد، فزاد المسلمون انهزاما، وروى أنه حمله طلحة لماغشى عليه بالشج وكسر الرباعية ودافع عنه على وأبو بكر ونفر آخرون، ويروى أنه يقول صلى الله عليه وسلم: إلىّ عباد الله، فانحاز إليه ثلاثون، فحموه حتى كشفوا عنه المشركين، وتفرق عنه الباقون {وَتِلْكَ الأَيَّامُ} مجموع الماضية والآنية، مطلق أوقات النصروالغلبة والذل والعزة، ومثل ذلك الغنى والفقر والخمول والشهرة، {تَدَاوِلُهَا} نصرفها دولا، تارة لهؤلاء {بَيْنَ النَّاسِ} المشركين والموحدين ومثل ذلك بين الموحدين بالبغى منهم، أو من طائفة مع محقة، وقد بينت فى شرح التبيين أو شرح الدماء أنه قد تحق الفئتان، وهو خلاف المشهور، وتقدير الآية نداولها بين الناس ليتعظوا {وَلِيَعْلَمَ اللهُ} لا يخفى من الله تعالى شىء لكن المراد ليعاملكم معاملة الختبر، فذلك استعارة تمثيلية {الَّذِينَ ءَامَنُوا} اى ثبتوا على الإيمان ولم يكونوا على حرف، أو يقدر، وفعلنا ذلك ليعلم الله الخ، أو يقدر وفعلنا مؤخراً، أى، وليعلم الله الذين آمنوا فعلنا ذلك أو نداولها بينكم وبين عدوكم، ليظهر أمركم، وليعلم..الخ، أو نداولها بين الناس ليظهر حكم وليعلم {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ} قدر بعض، وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء، فعلنا ذلك، أو يقدر، وفعل ذلك بالبناء للمفعول، أو فعل الله ذلك والله عالم بكل شىء قبل وقوعه بلا أول ولا آخر، وعلمه تعالى لا يتجدد ولا تبدو له البدوات، فكل آية دلت بظاهرها على خلاف ذلك كهذه الآية، فالمراد بالعلم فيها التمييز من الله لخلقه ما خفى عنهم إطلاقا للسبب على المسبب، أو للملزوم على اللازم، وإطلاق العلم على المعلوم، والقدرة على المقدور مجاز مشهور، يقال، هذا علم فلان، أى معلومه، وهذه قدرته، أى مقدوره، فكل آية دلت بظاهرها على تجدد العلم، فالمراد تحدد المعلوم كهذه الآية، وقوله تعالى: {أية : فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} تفسير : [العنكبوت: 3]، وقوله: {أية : لنعلم أى الحزبين} تفسير : [الكهف: 12]، وقوله: {أية : حتى نعلم المجاهدين} تفسير : [محمد: 31]، وقوله: {أية : لنعلم من يتبع الرسول} تفسير : [البقرة: 143]، وقوله تعالى: {أية : ليبلوكم أيكم أحسن عملا} تفسير : [هود: 7]، وكل آية دلت بظاهرها على نفى العلم، فالمراد فيها نفى المعلوم، كقوله تعالى: {أية : ولما يعلم الله} تفسير : [آل عمران: 142]، وعلم الله تعالى بشىء برهان لنحققه، وعدم اللازم برهان لعدم الملزوم، فمعنى الآية ليمييز لكم الثابت على الإيمان من المتزلزل، أو ليعلم الله الذين آمنوا موجودين كما علم قبل وجودهم، أنهم سيوجدون ومعنى شهداء قتلى أحد فى سبيل الله اصطفاهم الله جمع شهيد، أو عدول يشهدون يوم القيامة بما وقع، سألت امرأة عن قتيلين ربطا على جمل، فقيل، أخوها وزوجها أو زوجها وابنها، فقالت، ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل: حى، فقالت، فلا أبالى، يتخذ الله من عبده الشهداء فنزلت الآية على لفظها {وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} أُبيَّا وأتباعه الذين فارقوا جيش الإسلام، أو الكافرين مطلقا، أى لا يحب من لا يؤمن، أى لم يثبت على الإيمان،بأن تزلزل، أو كان مشركا صراحا، وهو مقابل لقوله، الذين آمنوا مع الزيادة، أو الظالمون الكافرون، ونفى الحب عنهم كناية عن عقابه، ونفى لنصرهم، فغلبتهم استدراج له وابتلاء للمؤمنين لا نصر لهم.

الالوسي

تفسير : {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مّثْلُهُ } قرأ حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم بضم القاف والباقون بالفتح، وهما لغتان ـ كالدف والدف، والضعف والضعف ـ وقال الفراء: القرح بالفتح الجراحة، وبالضم ألمها، ويقرأ بضم القاف والراء على الاتباع ـ كاليسر واليسر، والطنب والطنب ـ وقرأ أبو السمال بفتحهما وهو مصدر قرح يقرح إذا صار له قرحة والمعنى إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر، ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ولم يثبطهم عن معاودتكم بالقتال وأنتم أحق بأن لا تضعفوا فإنكم ترجون من الله تعالى ما لا يرجون، والمضارع على ما ذهب إليه العلامة التفتازاني لحكاية الحال لأن المساس مضى، وأما استعمال ـ إن ـ فبتقدير كان أي إن كان مسكم قرح، و إن لا تتصرف في ـ كان ـ لقوة دلالته على المضي، أو على ما قيل: إن {إِنْ} قد تجيء لمجرد التعليق من غير نقل فعله من الماضي إلى المستقبل، وما وقع في موضع جواب الشرط ليس بجواب حقيقة لتحققه قبل هذا الشرط بل دليل الجواب، والمراد إن كان مسكم قرح فذلك لا يصحح عذركم وتقاعدكم عن الجهاد بعد لأنه قد مس أعداءكم / مثله وهم على ما هم عليه، أو يقال: إن مسكم قرح فتسلوا فقد مسّ القوم قرح مثله، والمثلية باعتبار كثرة القتلى في الجملة فلا يرد أن المسلمين قتلوا من المشركين يوم بدر سبعين وأسروا سبعين، وقتل المشركون من المسلمين يوم أحد خمسة وسبعين وجرحوا سبعين، والتزم بعضهم تفسير القرح بمجرد الانهزام دون تكثير القتلى فراراً من هذا الإيراد، وأبعد بعض في توجيه الآية وحملها على ما لا ينبغي أن يحمل عليه كلام الله تعالى فقال: الأوجه أن يقال: إن المراد إن يمسسكم قرح فلا تهنوا لأنه مس القوم أي الرجال قرح مثله والقرح للرجال لا للنساء فمن هو من زمرة الرجال ينبغي أن لا يعرض عما هو سمته بل ينبغي أن يسعى له، وبهذا يظهر بقاء وجه التعبير بالمضارع وأنه على ظاهره، وكذا يندفع ما قيل: إن قرح القوم لم يكن مثل قرحهم ولا يحتاج إلى ما تقدم من الجواب. وقيل: إن كلا المسَّين كان في أحد فإن المسلمين نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم قتلوا منهم نيفاً وعشرين رجلاً أحدهم صاحب لوائهم، وجرحوا عدداً كثيراً وعقروا عامة خيلهم بالنبل، وقيل: إن ذلك القرح الذي مسهم أنهم رجعوا خائبين مع كثرتهم وغلبتهم بحفظ الله تعالى للمؤمنين. {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ } اسم الإشارة مشار به إلى ما بعده كما في الضمائر المبهمة التي يفسرها ما بعدها نحو ـ ربه رجلاً ـ ومثله يفيد التفخيم والتعظيم، و الأيام بمعنى الأوقات لا الأيام العرفية، وتعريفها للعهد إشارة إلى أوقات الظفر والغلبة الجارية فيما بين الأمم الماضية والآتية، ويوما بدر وأحد داخلان فيها دخولاً أولياً. {نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ } نصرفها بينهم فنديل لهؤلاء مرة ولهؤلاء أخرى كما وقع ذلك يوم بدر ويوم أحد، والمداولة نقل الشيء من واحد إلى آخر، يقال: تداولته الأيدي إذا انتقل من واحد إلى واحد، و {ٱلنَّاسِ } عام، وفسره ابن سيرين بالأمراء، واسم الإشارة مبتدأ، و (الأيام) خبره، و {نُدَاوِلُهَا } في موضع الحال، والعامل فيها معنى الإشارة أو خبر بعد خبر، ويجوز أن تكون الأيام صفة أو بدلاً أو عطف بيان، و {نُدَاوِلُهَا } هو الخبر، و {بَيْنَ ٱلنَّاسِ } ظرف لنداولها، وجوز أن يكون حالاً من الهاء، وصيغة المضارع الدالة على التجدد والاستمرار للإعلام بأن تلك المداولة سنة مسلوكة فيما بين الأمم قاطبة إلى أن يأتي أمر الله تعالى ومن كلامهم: الأيام دول والحرب سجال، وفي هذا ضرب من التسلية للمؤمنين، وقرىء ـ يداولها ـ. {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } تعليل لما هو فرد من أفراد مطلق المداولة المشار إليها فيما قبل، وهي المداولة المعهودة الجارية بين فريقي المؤمنين والكافرين، واللام متعلقة بما دل عليه المطلق من الفعل المقيد بالوقوع بين الفريقين المذكورين؛ أو بنفس الفعل المطلق باعتبار وقوعه بينهما، والجملة معطوفة على علة أخرى لها معتبرة إما على الخصوص والتعيين [محذوفة] للدلالة المذكورة عليها كأنه قيل: نداولها بينكم وبين عدوكم ليظهر أمركم وليعلم، وإما على العموم والإبهام للتنبيه على أن العلل غير منحصرة فيما عد من الأمور، وأن العبد يسوؤه ما يجري عليه ولا يشعر بما لله في طيه من الألطاف، كأنه قيل: نجعلها دولاً بينكم لتكون حكماً وفوائد جمة وليعلم الخ، وفيه من تأكيد التسلية ما لا يخفى، وتخصيص البيان بعلة هذا الفرد من مطلق المداولة دون سائر أفرادها الجارية بين بقية الأمم تعييناً أو إبهاماً لعدم تعلق الغرض العلمي ببيانها، ولك أن تجعل المحذوف المبهم عبارة عن علل سائر أفرادها للإشارة إجمالاً إلى أن كل فرد من أفرادها له علة داعية في الظاهر إليه كأنه قيل: / نداولها بين الناس كافة ليكون كيت وكيت من الحكم الداعية إلى تلك الأفراد وليعلم الخ، فاللام الأولى: متعلقة بالفعل المطلق باعتبار تقييده بتلك الأفراد، والثانية: باعتبار تقييده بالفرد المعهود ـ قاله مولانا شيخ الإسلام ـ. وجوزوا أن يكون الفعل معطوفاً على ما قبله باعتبار المعنى كأنه قيل: داولت بينكم الأيام لأن هذه عادتنا وليعلم الخ، وقيل: إن الفعل المعلل به محذوف ويقدر مؤخراً، والتقدير: وليعلم الله الذين آمنوا فعل ذلك، ومنهم من زعم زيادة الواو وهو من ضيق المجال والكلام من باب التمثيل أي ليعاملكم معاملة من يريد أن يعلم المخلصين الثابتين على الإيمان من غيرهم، والعلم فيه مجاز عن التمييز من باب إطلاق اسم السبب على المسبب أي ليميز الثابتين على الإيمان من غيرهم. وحمل العلم على التمييز في حال التمثيل تطويل من غير طائل، واختار غير واحد حمل العلم على التعلق التنجيزي المترتب عليه الجزاء. وقد تقدم بعض الكلام على ذلك في البقرة. وبالجملة لا يرد لزوم حدوث العلم الذي هو صفة قائمة بذاته تعالى وإطلاق الإيمان مع أن المراد هو الرسوخ والإخلاص فيه للإشعار بأن اسم الإيمان لا ينطلق على غيره. وزعم بعضهم أن التقدير ليعلم الله المؤمن من المنافق إلا أنه استغنى بذكر أحدهما عن الآخر ولا حاجة إليه، ومثله القول بحذف المضاف أي صبر الذين، والالتفات إلى الغيبة بإسناده إلى الاسم الجليل لتربية المهابة والإشعار بأن صدور كل واحد مما ذكر بصدد التعليل من أفعاله تعالى باعتبار منشأ معين من صفاته التي استجمعها هذا الاسم الأعظم مغاير لمنشأ الآخر. {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ } جمع شهيد وهو قتيل المعركة وأراد بهم شهداء أحد ـ كما قاله الحسن وقتادة وابن إسحق، و (من) ابتدائية أو تبعيضية متعلقة ـ بيتخذ ـ أو بمحذوف وقع حالاً من {شُهَدَآءَ }، وقيل: جمع شاهد أي ويتخذ منكم شهوداً معدلين بما ظهر [منهم] من الثبات على الحق والصبر على الشدائد وغير ذلك من شواهد الصدق ليشهدوا على الأمم يوم القيامة، و (من) على هذا بيانية لأن تلك الشهادة وظيفة الكل كما يشير إليه قوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَآء عَلَى ٱلنَّاسِ } تفسير : [البقرة: 143] ويؤيد الأول ما أخرجه ابن أبـي حاتم عن عكرمة قال: لما أبطأ على النساء الخبر خرجن يستخبرن فإذا رجلان مقتولان على دابة أو على بعير فقالت امرأة من الأنصار: من هذان؟ قالوا: فلان وفلان أخوها وزوجها أو زوجها وابنها فقالت: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: حيّ قالت: فلا أبالي يتخذ الله تعالى من عباده الشهداء ونزل القرآن على ما قالت، {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ } وكنى بالإتخاذ عن الإكرام لأن من اتخذ شيئاً لنفسه فقد اختاره وارتضاه فالمعنى ليكرم أناساً منكم بالشهادة. {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي يبغضهم، والمراد من الظالمين إما المنافقون كابن أبـيّ وأتباعه الذين فارقوا جيش الإسلام على ما نقلناه فيما قبل فهم في مقابلة المؤمنين فيما تقدم المفسر بالثابتين على الإيمان الراسخين فيه الذين توافق ظواهرهم بواطنهم، وإما بمعنى الكافرين المجاهرين بالكفر، وأياً ما كان فالجملة معترضة لتقرير مضمون ما قبلها، وفيها تنبيه على أنه تعالى لا ينصر الكافر على الحقيقة وإنما يغله أحياناً استدراجاً له وابتلاءاً للمؤمن، وأيضاً لو كانت النصرة دائماً للمؤمنين لكان الناس يدخلون في الإيمان على سبيل اليمن والفأل، والمقصود غير ذلك.

ابن عاشور

تفسير : تسلية عمَّا أصاب المسلمين يوم أُحُد من الهزيمة بأن ذلك غير عجيب في الحرب، إذ لا يخلو جيش من أن يغلب في بعض مواقع الحرب، وقد سبق أنّ العدوّ غُلب. والمسّ هنا الإصابة كقوله في سورة [البقرة:214] {أية : مستهم البأساء والضراء}تفسير : . والقَرح بفتح القاف في لغة قريش الجرح، وبضمِّها في لغة غيرهم، وقرأه الجمهور: بفتح القاف، وقرأه حمزة والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وخلف: بضمّ القاف، وهو هنا مستعمل في غير حقيقته، بل هو استعارة للهزيمة الَّتي أصابتهم، فإنّ الهزيمة تشبّه بالثلمة وبالانكسار، فشبّهت هنا بالقرح حين يصيب الجسد، ولا يصحّ أن يراد به الحقيقة لأنّ الجراح الَّتي تصيب الجيش لا يعبأ بها إذا كان معها النصر، فلا شكّ أنّ التسلية وقعت عمّا أصابهم من الهزيمة. والقوم هم مشركو مكة ومن معهم. والمعنى إن هُزِمتم يوم أُحُد فقد هزم المشركون يوم بدر وكنتم كفافاً. ولذلك أعقبه بقوله: وتلك الأيام نداولها بين الناس}. والتَّعبير عمَّا أصاب المسلمين بصيغة المضارع في {يمسسكم} لقُربه من زمن الحال، وعمّا أصاب المشركين بصيغة الماضِي لبعده لأنَّه حصل يوم بدر. فقوله: {فقد مس القوم قرح} ليس هو جواب الشرط في المعنى ولكنّه دليل عليه أغنى عنه على طريقة الإيجاز، والمعنى: إن يمسكم قرح فلا تحْزنوا أو فلا تهنوا وهَناً بالشكّ في وعد الله بنصر دينه إذ قد مسّ القومَ قرح مثله فلم تكونوا مهزومين ولكنّكم كنتم كفافاً، وذلك بالنِّسبة لقلّة المؤمنين نصر مبين. وهذه المقابلة بما أصاب العدوّ يوم بدر تعيِّن أن يكون الكلام تسلية وليس إعلاماً بالعقوبة كما قاله جمع من المفسّرين. وقد سأل هرقل أبا سفيان: كيف كان قتالكم له قال «الحرب بيننا سِجَال يَنَالُ مِنَّا وننال منه، فقال هرقل: وكذلك الرسل تبتلَى وتكون لهم العاقبة». وقوله: {وتلك الأيام نداولها بين الناس} الواو اعتراضية، والإشارة بتلك إلى ما سيُذكر بعدُ، فالإشارة هنا بمنزلة ضمير الشأن لقصد الاهتمام بالخبر وهذا الخبر مكنّى به عن تعليل للجواب المحذوف المدلول عليه بجملة: {فقد مس القوم قرح مثله}. و{الأيَّام} يجوز أن تكون جمع يوم مراد به يوم الحرب، كقولهم: يوم بدر ويوم بُعاث ويوم الشَّعْثَمَيْن، ومنه أيّام العرب، ويجوز أن يكون أطلق على الزّمان كقول طرفة: شعر : وما تَنْقُصِ الأيَّامُ والدهرُ يَنْفَدِ تفسير : أي الأزمان. والمداولة تصريفها غريب إذ هي مصدر دَاول فلان فلاناً الشيء إذا جعله عنده دُولة ودوُلة عند الآخر أي يَدُولُه كُلٌّ منهما أي يلزمه حتَّى يشتهر به، ومنه دال يَدُول دَوْلاً اشتهر، لأنّ الملازمة تقتضِي الشهرة بالشيء، فالتداول في الأصل تفاعل من دال، ويكون ذلك في الأشياء والكلام، يقال: كلام مُدَاوَل، ثُمّ استعملوا داولت الشيء مجازاً، إذا جعلت غيرك يتداولونه، وقرينة هذا الاستعمال أن تقول: بينهم. فالفاعل في هذا الإطلاق لا حظّ له من الفعل، ولكن له الحظّ في الجعل، وقريب منه قولهم: اضطررته إلى كذا، أي جعلته مضطرّاً مع أنّ أصل اضطرّ أنَّه مطاوع ضَرّه. و {النَّاس} البشر كلهم لأنّ هذا من السنن الكونية، فلا يختصّ بالقوم المتحدّث عنهم. عطف على جملة {وتلك الأيام نداولها بين الناس}، فمضمون هذه علّة ثانية لجواب الشرط المحذوف المدلول عليه بقوله: {فقد مس القوم قرح مثله} وعلم الله بأنّهم مؤمنون متحقق من قبل أن يمسهم القرح. فإن كان المراد من {الَّذين آمنوا} هنا معنى الَّذين آمنوا إيماناً راسخاً كاملاً فقد صار المعنى: أنّ علم الله برسوخ إيمانهم يحصل بعد مَسِّ القرح إيّاهم، وهو معنى غير مستقيم، فلذلك اختلف المفسّرون في المراد من هذا التَّعليل على اختلاف مذاهبهم في صفة العِلم، وقد تقرّر في أصول الدّين أن الفلاسفة قالوا: إنّ الله عالم بالكلّيات بأسرها، أي حقائق الأشياء على ما هي عليه، علماً كالعِلم المبحوث عنه في الفلسفة لأنّ ذلك العلم صفة كمال، وأنَّه يعلم الجزئيات من الجواهر والأعراض علماً بوجه كلّي. ومعنى ذلك أنَّه يعلمها من حيث إنَّها غير متعلّقة بزمان، مِثالُه: أن يعلم أنّ القمر جسم يوجد في وقت تكوينه، وأنّ صفته تكون كذا وكذا، وأنّ عوارضه النورانية المكتسبة من الشَّمس والخسوف والسَّير في أمد كذا. أمَّا حصوله في زمانه عندما يقع تكوينه، وكذلك حصول عوارضه، فغير معلوم لله تعالى، قالوا: لأنّ الله لو علم الجزئيات عند حصولها في أزمنتها للزم تغيّر علمه فيقتضي ذلك تغيّر القديم، أو لزم جهل العالِم، مثاله: أنَّه إذا علم أنّ القمر سيخسف ساعة كذا علماً أزلياً، فإذا خسف بالفعل فلا يخلو إمّا أن يزول ذلك العلم فيلزم تغيّر العلم السابق فيلزم من ذلك تغيّر الذات الموصوفةِ به من صفة إلى صفة، وهذا يستلزم الحدوث إذ حدوث الصّفة يستلزم حدوث الموصوف، وإمّا أن لا يزول العلم الأول فينقلب العلمُ جهلاً، لأنّ الله إنَّما علم أنّ القمر سيخسف في المستقبل والقمر الآن قد خسف بالفعل. ولأجل هذا قالوا: إنّ علم الله تعالى غير زماني. وقال المسلمون كلّهم: إنّ الله يعلم الكلّيات والجزئيات قبل حصولها، وعند حصولها. وأجابوا عن شبهة الفلاسفة بأن العلم صفة من قبيل الإضافة أي نسبة بين العالِم والمعلوم، والإضافات اعتباريات، والاعتباريات عدميات، أو هو من قبيل الصّفة ذات الإضافة: أي صفة وجودية لها تعلّق، أي نسبة بينها وبين معلومها. فإن كان العلم إضافة فتغيّرها لا يستلزم تغيّر موصوفها وهو العالم، ونظَّروا ذلك بالقديم يوصف بأنَّه قبل الحادث ومعه وبعده، من غير تغيّر في ذات القديم، وإن كان العلم صفة ذات إضافة أي ذات تعلّق، فالتغيّر يعتري تعلّقها ولا تتغيّر الصّفة فضلاً عن تغيّر الموصوف، فعلمُ اللَّهِ بأن القمر سيخسف، وعلمُه بأنَّه خاسف الآن، وعلمُه بأنَّه كان خاسفاً بالأمس، علم واحد لا يتغيّر موصوفة، وإن تغيّرت الصّفة، أو تغيّر متعلّقها على الوجهين، إلاّ أن سلف أهل السنّة والمعتزلة أبوا التَّصريح بتغيّر التعلُّق ولذلك لم يقع في كلامهم ذكر تعلقين للعلم الإلهي أحدهما قديم والآخر حادث، كما ذكروا ذلك في الإرادة والقدرة، نظراً لكون صفة العلم لا تتجاوز غيرَ ذات العالم تجاوزاً محسوساً. فلذلك قال سلفهم: إنّ الله يعلم في الأزل أنّ القمر سيخسف في سنتنا هذه في بلد كذا ساعة كذا، فعند خسوف القمر كذلك عَلِم اللَّه أنَّه خسف بذلك العلم الأوّل لأنّ ذلك العلم مجموع من كون الفعل لم يحصل في الأزل، ومن كونه يحصل في وقته فيما لا يزال، قالوا: ولا يقاس ذلك على علمنا حين نعلم أنّ القمر سيخسف بمقتضى الحساب ثمّ عند خسوفه نعلم أنَّه تحقّق خسوفه بعلم جديد، لأنّ احتياجنا لعلم متجدّد إنَّما هو لطريان الغفلة عن الأول. وقال بعض المعتزلة مثل جَهْم بن صَفْوَان وهِشام بن الحَكم: إنّ الله عالم في الأزل بالكلّيات والحقائق، وأمَّا علمه بالجزئيات والأشخاص والأحوال فحاصل بعد حدوثها لأنّ هذا العلم من التصديقات، ويلزمه عَدم سبق العلم. وقال أبو الحُسين البصري من المعتزلة، رادّاً على السلف: لا يجوز أن يكون علم الله بأنّ القمر سيخسف عين علمه بعد ذلك بأنَّه خسف لأمور ثلاثة: الأوّل التغايُر بينهما في الحقيقة لأنّ حقيقة كونه سيقع غيرُ حقيقة كونه وقع، فالعلمُ بأحدهما يغاير العلم بالآخر، لأنّ اختلاف المتعلّقين يستدعي اختلاف العالم بهما. الثَّاني التغاير بينهما في الشرط فإنّ شرط العلم بكون الشيء سيقع هو عدم الوقوع، وشرط العلم بكونه وقَع الوقوعُ، فلو كان العلمان شيئاً واحداً لم يختلف شرطاهُما. الثَّالث أنّه يمكن العلم بأنَّه وقع الجهل بأنَّه سيقع وبالعكس وغير المعلوم غير المعلوم (هكذا عبّر أبو الحسين أي الأمر الغير المعلوم مغاير للمعلوم) ولذلك قال أبو الحسين بالتزام وقوع التَّغير في علم الله تعالى بالمتغيِّرات، وأنّ ذاته تعالى تقتضي اتّصافه بكونه عالماً بالمعلومات الَّتي ستقع، بشرط وقوعها، فيحدث العلم بأنَّها وجدت عند وجودها، ويزول عند زوالها، ويحصل علم آخر، وهذا عين مذهب جهم وهشام. ورُدّ عليه بأنَّه يلزم أن لا يكون الله تعالى في الأزل عالماً بأحوال الحوادث، وهذا تجهيل. وأجاب عنه عبد الحكيم في «حاشية المواقف» بأنّ أبا الحسين ذهب إلى أنَّه تعالى يعلم في الأزل أنّ الحادث سيقع على الوصف الفلاني، فلا جهل فيه، وأنّ عدم شهوده تعالى للحوادث قبل حدوثها ليس بجهل، إذ هي معدومة في الواقع، بل لو علمها تعالى شهودياً حينَ عدمها لكان ذلك العلم هو الجهل، لأنّ شهود المعدوم مخالف للواقع، فالعلم المتغيّر الحادث هو العلم الشهودي. فالحاصل أنّ ثمة علمين: أحدهما قديم وهو العلم المشروط بالشروط، والآخر حادث وهو العلوم الحاصلة عند حصول الشروط وليست بصفة مستقلّة، وإنَّما هي تعلّقات وإضافات، ولذلك جرى في كلام المتأخّرين، من علمائنا وعلماء المعتزلة، إطلاق إثباتِ تعلّقٍ حادثٍ لعلم الله تعالى بالحوادث. وقد ذكر ذلك الشَّيخ عبد الحكيم في «الرسالة الخاقانية» الَّتي جعلها لِتحقيق علم الله تعالى غير منسوب لقائل، بل عبّر عنه بقيل، وقد رأيت التفتزاني جرى على ذلك في «حاشية الكشّاف» في هذه الآية فلعل الشَّيخ عبد الحكيم نسي أن ينسبه. وتأويل الآية على اختلاف المذاهب: فأمَّا الّذين أبو إطلاق الحدوث على تعلّق العلم فقالوا في قوله: {وليعلم الله الذين آمنوا} أطلق العلم على لازمه وهو ثبوت المعلوم أي تميّزه على طريقة الكناية لأنَّها كإثبات الشيء بالبرهان، وهذا كقول إياس بن قبيصة الطائي: شعر : وأقبلت والخطيّ يخطِر بينا لأَعْلَمَ مَن جَبَانَها مِنْ شجاعها تفسير : أي ليظهر الجبان والشُّجاع فأطلق العلم وأريد ملزومه. ومنهم من جعل قوله: {وليعلم الله} تمثيلاً أي فعل ذلك فِعْلَ من يريد أن يعلم وإليه مال في «الكشاف»، ومنهم من قال: العلّة هي تعلّق علم الله بالحادث وهو تعلّق حادث، أي ليعلم الله الَّذين آمنوا موجودين. قاله البيضاوي والتفتزاني في «حاشية الكشّاف». وإن كان المراد من قوله: {الذين آمنوا} ظاهرَهُ أي ليعلم من اتَّصف بالإيمان، تعيّن التأويل في هذه الآية لاَ لأجل لزوم حدوث علم الله تعالى، بل لأنّ علم الله بالمؤمنين من أهل أُحُد حاصل من قبلِ أن يمسّهم القرح، فقال الزجاج: أراد العِلمَ الَّذي يترتّب عليه الجزاء وهو ثباتهم على الإيمان، وعدم تزلزلهم في حال الشدّة، وأشار التفتزاني إلى أنّ تأويل صاحب «الكشاف» ذلك بأنَّه وارد مورد التمثيل، ناظر إلى كون العلم بالمؤمنين حاصلاً من قبل، لا لأجل التحرّز عن لزوم حدوث العلم. وقوله: {ويتخذ منكم شهداء} عطف على العلّة السابقة. وجعل القتل في ذلك اليوم الَّذي هو سبب اتِّخاذ القتلى شهداء علَّة من علل الهزيمة، لأنّ كثرة القتلى هي الَّتي أوقعت الهزيمة. والشهداء هم الَّذين قُتلوا يوم أُحُد، وعبّر عن تقدير الشهادة لهم بالاتّخاذ لأنّ الشهادة فضيلة من الله، واقتراب من رضوانه، ولذلك قوبل بقوله: {والله لا يحب الظالمين} أي الكافرين فهو في جانب الكفّار، أي فقتلاكم في الجنَّة، وقتلاهم في النَّار، فهو كقوله: {أية : قل هل تربّصون بنا إلاّ إحدى الحسنيين}تفسير : [التوبة: 52]. والتَّمحيص: التنقية والتخليص من العيوب. والمحق: الإهلاك. وقد جعل الله تعالى مسّ القرح المؤمنين والكفار فاعلاً فِعلاً واحداً: هو فضيلة في جانب المؤمنين، ورزّية في جانب الكافرين، فجعله للمؤمنين تمحيصاً وزيادة في تزكية أنفسهم، واعتباراً بمواعظ الله تعالى، وجعله للكافرين هلاكاً، لأنّ ما أصابهم في بدر تناسوه، وما انتصروه في أحُد يزيدهم ثقة بأنفسهم فيتواكلون؛ يظنون المسلمين قد ذهب بأسهم، على أنّ المؤمنين في ازدياد، فلا ينقصهم من قُتل منهم، والكفّار في تناقض فمن ذهب منهم نفد. وكذلك شأن المواعظ والنذر والعبر قد تكسب بعض النُّفوس كمالاً وبَعْضها نقصاً قال أبو الطيب: شعر : فحُبّ الجبان العيش أورده التُّقى وحبّ الشجاع العيش أورده الحربا ويختلف القصدَان والفعل واحد إلى أن نَرى إحسانَ هذا لنا ذنبا تفسير : وقال تعالى: {أية : وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم}تفسير : [التوبة: 124، 125]، وقال: {أية : وننزّل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً}تفسير : [الإسراء: 82] وهذا من بديع تقدير الله تعالى.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ}. المراد بالقرح الذي مس المسلمين هو ما أصابهم يوم أحد من القتل والجراح، كما أشار له تعالى في هذه السورة الكريمة في مواضع متعددة كقوله: {أية : وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} تفسير : [آل عمران: 143] وقوله: {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ} [آل عمران: 140] الآية وقوله: {أية : حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} تفسير : [آل عمران: 152] وقوله: {أية : إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيۤ أُخْرَاكُمْ} تفسير : [آل عمران: 153]ٍ ونحو ذلك من الآيات. وأما المراد بالقرح الذي مس القوم المشركين فيحتمل أنه هو ما أصابهم يوم بدر من القتل والأسر، وعليه فإليه الإشارة بقوله: {أية : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} تفسير : [الأنفال: 12-13] ويحتمل أيضاً أنه هزيمة المشركين أولاً يوم أُحد كما سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى، وقد أشار إلى القرحين معاً بقوله: {أية : أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا} تفسير : [آل عمران: 165] فالمراد بمصيبة المسلمين القرح الذي مسهم يوم أُحُد، والمراد بمصيبة الكفار بمثليها قبل القرح الذي مسهم يوم بدر. لأن المسلمين يوم أحد قتل منهم سبعون والكفار يوم بدر قتل منهم سبعون، وأسر سبعون. وهذا قول الجمهور وذكر بعض العلماء أن المصيبة التي أصابت المشركين هي ما اصابهم يوم أحد من قتل وهزيمة، حيث قتل حملة اللواء من بني عبد الدار، وانهزم المشركون في أول الأمر هزيمة منكرة وبقي لواؤهم ساقطاً حتى رفعته عمرة بنت علقمة الحارثية وفي ذلك يقول حسان: شعر : فلولا لواء الحارثية أصبحوا يباعون في الأسواق بيع الجلائب تفسير : وعلى هذا الوجه: فالقرح الذي أصاب القوم المشركين يشير إليه قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} [آل عمران: 152] الآية. ومعنى تحسونهم: تقتلونهم وتستأصلونهم وأصله من الحس الذي هو الإدراك بالحاسة فمعنى حسه أذهب حسه بالقتل ومنه قول جرير: شعر : تحسهم السيوف كما تسامى حريق النار في أجم الحصيد تفسير : وقول الآخر: شعر : حسسناهم بالسيف حساً فأصبحت بقيتهم قد شردوا وتبددوا تفسير : وقول رؤبة: شعر : إذا شكونا سنة حسوسا تأكل بعد الأخضر اليبيسا تفسير : يعني بالسنة الحسوس: السنة المجدبة التي تأكل كل شيء، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب أن الآية قد يكون فيها احتمالان وكل منهما يشهد له قرآن، وكلاهما حق فنذكرهما معاً، وما يشهد لكل واحد منهما. قال بعض العلماء: وقرينة السياق تدل على أن القرح الذي أصاب المشركين ما وقع بهم يوم أحد. لأن الكلام في وقعة أحد ولكن التثنية في قوله مثليها تدل على أن القرح الذي أصاب المشركين ما وقع بهم يوم بدر. لأنه لم ينقل أحد أن الكفار يوم أحد أصيبوا بمثلي ما أصيب به المسلمون، ولا حجة في قوله: {أية : تَحُسُّونَهُمْ} تفسير : [آل عمران: 152]. لأن ذلك الحس والاستئصال في خصوص الذين قتلوا من المشركين، وهم أقل ممن قتل من المسلمين يوم أحد، كما هو معلوم. فإن قيل: ما وجه الجمع بين الإفراد في قوله: {قَرْحٌ مِّثْلُهُ} [آل عمران: 140] وبين التثنية في قوله: {أية : قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا} تفسير : [آل عمران: 165] فالجواب والله تعالى أعلم أن المراد بالتثنية قتل سبعين وأسر سبعين يوم بدر، في مقابلة سبعين يوم أحد، كما عليه جمهور العلماء. والمراد بإفراد المثل: تشبيه القرح بالقرح في مطلق النكاية والألم، والقراءتان السبعيتان في قوله: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ} [آل عمران: 140] بفتح القاف وضمها في الحرفين معناهما واحد فهما لغتان كالضعف والضعف. وقال الفراء: القرح بالفتح الجرح وبالضم ألمه اهـ. ومن إطلاق العرب القرح على الجرح قول متمم بن نويرة التميمي: شعر : قعيدك ألا تسمعيني ملامة ولا تنكئي قرح الفؤاد فييجعا

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 140- إن يكن قد مسّكم بأُحُدْ قتل أو جراح عميقة فى أجسامكم، وأثَّرت فى نفوسكم فلا تهنوا ولا تحزنوا، لأنه قد أصاب خصومكم مثله يوم بدر. وإن أوقات النصر يصرفها الله بين الناس، فيكون النصر لهؤلاء أحياناً ولأولئك أخرى، اختباراً للمؤمنين، وليميز الله الثابتين على الإيمان، وليكرم قوماً بالاستشهاد فى سبيله، والله لا يحب المشركين الظالمين ولو ظفروا بنصر من غيرهم. 141- وينقى الله بهذه الهزيمة الوقتية جماعة المؤمنين، ويطهرهم من مرضى القلوب وضعفاء الإيمان، ودعاة الهزيمة والتردد، ويستأصل بذلك الكفر وأهله. 142- لا تظنوا - أيها المؤمنون - أنكم تدخلون الجنة دون أن يتبين منكم المجاهدون الصابرون الذين تطهرهم المحن والشدائد. 143- لقد كنتم تطلبون الموت فى سبيل الله من قبل أن تشاهدوه وتعرفوا هوله، فقد رأيتم الموت حين قتل إخوانكم بين أيديكم وأنتم تنظرون. 144- لما أشيع قتل محمد فى غزوة أُحد، همّ بعض المسلمين بالارتداد، فأنكر الله عليهم ذلك قائلا: ليس محمد إلا رسول قد مات من قبله المرسلون أمثاله، وسيموت كما ماتوا، وسيمضى كما مضوا، أفإن مات أو قتل رجعتم على أعقابكم إلى الكفر؟، ومن يرجع إلى الكفر بعد الإيمان فلن يضر الله شيئاً من الضرر، وإنما يضر نفسه بتعريضها للعذاب، وسيثيب الله الثابتين على الإسلام الشاكرين لنعمه.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلظَّالِمِينَ} (140) - إنْ كُنْتُمْ قَدْ أَصَابَتْكُمْ جِرَاحٌ، وَقُتِلَ مِنْكُمْ رِجَالٌ يَوْمَ أحُدٍ، فَقَدْ أَصَابَ أَعْدَاءَكُمْ قَرِيبٌ مِمَّا أَصَابَكُمْ، فَلاَ يَنْبَغِي لَكُمْ أنْ تَقْعُدُوا وَتَتَقَاعَسُوا عَنِ الجِهَادِ بِسَبَبِ مَا أَصَابَكُمْ، فَالمُشْرِكُونَ قَدْ سَبَقَ أنْ أَصَابَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ مِثْلَ مَا أَصَابَكُمْ أَنْتُمْ فِي أحُدٍ، فَلَمْ يَتَقَاعَسُوا، وَلَمْ يَقْعُدُوا عَنِ الإِعْدَادِ لِلْحَرْبِ وَمُبَاشَرَتِهَا، وَهُمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ، فَكَيْفَ تَتَرَدَّدُونَ وَأَنْتُمْ عَلَى حَقٍّ، وَاللهُ وَعَدَكُمْ نَصْرَهُ، وَجَعَلَ العَاقِبَةَ لَكُمْ؟ وَمِنْ سُنَنِ اللهِ تَعَالَى مُدَاوَلَةُ الأَيَّامِ بَيْنَ النَّاسِ، فَمَرَّةً تَكُونُ الغَلبَةُ لِلْبَاطِلِ عَلَى الحَقِّ، إذَا أَعَدَّ لَهُ أَهْلُهُ وَاحْتَاطُوا، وَتَرَاخَى أَهْلُ الحَقِّ، وَمَرَّةً تَكُونُ الغَلَبَةُ لِلْحَقِّ عَلَى البَاطِلِ. وَلَكِنَّ العَاقِبَةَ تَكُونُ دَائِماً لِلْحَقِّ وَأهْلِهِ. وَاللهُ تَعَالَى يَبْتَلِي المُؤْمِنينَ لِيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ الصَّادِقِينَ مِنْهُمْ، وَلِيَتّخِذَ مِنَ المُؤمِنينَ رِجَالاً يُكْرِمُهُمْ بِالشَّهَادَةِ. إنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ - إنْ يُصِبْكُمْ جِرَاحٌ. نُدَاوِلُهَا - نُصَرِّفُها، فَنُدِيلُ تَارَةً لِهؤلاءِ وَتَارَةً لِهَؤلاءِ، وَالمُدَاوَلَةُ نَقْلُ الشَّيءِ مِنْ شَخْصٍ إلى شَخْصٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقد تكلمنا - من قبل - عن "المس" وهو: إصابة بدون حس .. أي لمس لكنك لا تحس بحرارة أو نعومة مثلاً، إنما "اللمس" هو أن تحس في الشيء حرارة أو نعومة ويحتاج إلى الالتصاق المؤقت، إنما "المس" هو ما لا تكاد تدرك به شيئاً، "والقَرْح" هو: الجراح، وفي لغة أخرى تقول "القُرح" - بضم القاف - وأقول: القُرح وهو الألم الناشئ من الجراح، كي يكون لفظ معنى. وأنت قد ترى بعض الألفاظ فتظن أن معناها واحد في الجملة، إلا أن لكل معنى منها ملحظاً، أنت تسمع مثلاً: رأى، ونظر، ولمح، ورمق، ورنا. كل هذه تدل على البصر. لكن كل لفظ له معنى: رمق: رأى بمؤخر عينيه، ولمح: أي شاهد من بعد، ورنا: نظر بإطالة، وهكذا. ويقال أيضاً: جلس، وقعد، فالمعنى العام يكاد يكون واحداً، لكن المعنى الدقيق يوضح أن الجلوس يكون عن اضطجاع. والقعود عن قيام، كان قائماً فقعد، والاثنان ينتهيان إلى وضع واحد، فكذلك "قَرح" و"قُرح" كل لفظ له معنى دقيق. ويقولون - مثلاً -: إن للأسد أسماء كثيرة، فقال : "الأسد" و"الغضنفر" و"الرئبال" و"الوَرْد" و"القسْورة". صحيح هذه أسماء للأسد، ولكن لكل اسم معنى محدد، فـ "الأسد" هو اللفظ العام والعَلَم على هذا الحيوان، و"الغضنفر" هو الأسد عندما ينفش لبدته، و"الوَرْد" هو حالة للأسد عندما يكون قد مط صلبه، فكل موقف للأسد له معنى خاص به. وقوله الحق: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ} [آل عمران: 140] لاحظ أن المتكلم هو الله فافطن جيداً إلى مرادات كلامه. ونعرف أنه في الشرط والجواب،، أن الشرط يأتي أولاً ثم يأتي الجواب من بعد ذلك مترتباً عليه ونتيجه له، كقولنا "إن تذاكر تنجح" إن النجاح هو جواب لشرط وهو الاستذكار. وقوله الحق: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ} [آل عمران: 140] فهل المعنى المراد من هذه الجملة الشرطية أن مس القرح للكافرين الذي حدث في بدر كان كجزاء لمس القرح للمؤمنين في أحد؟ لا، إنه لا يكون أبداً جواباً لشرط؛ لأنه لو كان جواب شرط لقال الحق: إن يمسسكم قرح فسيمس القوم قرح مثله. ولكنه لم يقل ذلك لأن القرح الذي أصاب المشركين في بدر كان أسبق من القرح الذي أصاب المؤمنين في أحد. وكأن الحق يقول: إن يمسسكم قرح فلا تبتئسوا؛ فقد مس القوم قرح مثله، وليس ذلك جواب الشرط، ولكنه جاء ليُستدل به على جواب الشرط، أي أنه تعليل لجواب الشرط، أقول ذلك حتى لا يتدخل دعيّ من الأدعياء ويتهم القرآن - والعياذ بالله - بما ليس فيه. إنه - سبحانه - يثبت المؤمنين ويسلّيهم. ومثال ذلك ما نقوله نحن لواحد إذا أصابته كارثة: إن كان قد حدث لك كذا، فقد حدث لخصمك مثله. إذن فنحن نسليه. والمقصود هنا أن الحق يسلّي المؤمنين: إن يمسسكم قرح فلا تبتئسوا، فليكن عندكم سُلوٌ ولْتجتازوا هذا الأمر ولترض به نفوسكم؛ لأن القوم قد مسهم قرح مثله. والأسوة والتسلية، هل تأتي بما وقع بالفعل أم بما سيقع؟. إنها تأتي بما وقع بالفعل، إذن فهي تعلل تعليلاً صحيحاً: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ} [آل عمران: 140]. وأطلق الحق سبحانه من بعد ذلك قضية عامة: {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ} [آل عمران: 140]. ما معنى المداولة؟ داول أي نقل الشيء من واحد لآخر. ونحن هنا أمام موقعتين؛ غزوة بدر وغزوة أُحُد. وكان النصر للمسلمين في غزوة بدر بالإجماع، أما غزوة أُحُد فلم يكن فيها هزيمة بالإجماع ولم يكن فيها نصر. إذن فقوله الحق: {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ} [آل عمران: 140] أي مع التسليم جدلاً بأن الكفار قد انتصروا - رغم أن هذا لم يحدث - فإننا نقلنا النصر منكم أيها المؤمنون إليهم. وإياك أن تفوتك هذه الملاحظة، بأن النصر لم ينتقل إليهم إلا بمخالفة منكم أيها المؤمنون. ومعنى مخالفة منكم، أي أنكم طرحتم المنهج، ومعنى أنكم طرحتم المنهج، أي أنكم أصبحتم مجرد "ناس" مثلهم. وما دمتم قد صرتم مجرد ناس بدون منهج مثلهم ومتساوين معهم، فإن النصر لكم يوم، ولهم يوم. ولنلحظ ان الحق لم يقل: إن المداولة بين الناس هي مداولة بين مؤمنين وكافرين. فإن ظللتم مؤمنين فلا يمكن أن ينتقل النصر إلى الكفار، إنما النصر يكون لكم، انظر ماذا قال: {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ} [آل عمران: 140] ولم يقل بين المؤمنين والكافرين، أي بينكم وبين قريش. وليس المقصود بالأيام ما هو معروف لدى الناس من أوقات تضم الليل والنهار، ولكن المقصود بـ "الأيام" هنا هو أوقات النصر أو أوقات الغلبة. ويقال أيضاً: "يوم فلان على فلان" إذن {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ} [آل عمران: 140] لم تتضمن المداولة بين المؤمنين والكافرين، ولكنها مداولة بين الذين مالت أبصارهم إلى الغنائم فتخلخل إيمانهم، ففازت قريش ظاهرياً. فلو ظللتم على إيمانكم لما حدث ذلك أبداً. لكنكم تخليتم عن منهج ربكم، وبذلك استويتم وتساويتم مع غير المؤمنين، وبذلك تكون الأيام لذلك مرة ولهذا مرة أخرى، إنها مطلق عدالة. علينا أن نتذكر الشرط السابق، لا لعدم الهزيمة. بل للعلو والنصر: {أية : وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 139]. إن الحق سبحانه في مسألة مداولة الأيام ينبه المؤمنين الذين تخلخل إيمانهم: ما دمتم اشتركتم معهم في كونكم مجرد "أناس" فيصبح النصر يوماً لهم ويوماً لكم، والذكي العبقريّ الفطن الذي يحسن التصرف هو من يغلب؛ لأن المعركة هنا تدور بين قوة بشر مقابل قوة البشر. وما دام المسلمون قد تخلوا عن منهج الله فقد صاروا مجرد بشر في مواجهة بشر. ولذلك قلنا: إنه عندما تخلى الرماة عن إنفاذ أمر القائد الأعلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهرت عبقرية خالد بن الوليد على عبقرية المقاتلين المسلمين. ويجب أن نلحظ في قوله الحق: {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ} [آل عمران: 140] إننا لا يمكن أن نقول: إن مداولة الأيام تكون بين المؤمنين والكافرين، إنما هي بين الناس؛ لأن الناس هم مجموعة الإنسان، فإن تجردوا عن منهج السماء فهم سواسية، وصاحب الحيلة يغلب، أو صاحب القوة يغلب، أو صاحب العدد أو العُدَّة يغلب. ولكن ما الذي يعوض كل تلك الإمكانات ويحقق النصر؟ إنك إن تأخذ الله في جانبك فلن يجرؤ مخلوق أن يكون في مواجهة الحق في معركة. لقد قلنا قديماً وعلينا أن نعيها جيداً: إن الولد الصغير حينما يضطهده زملاؤه فيلجأ إلى حِضن أبيه، عندئذ ينصرف كل منهم إلى حاله، لكن أقرانه يستطيعون أن يهزموه عندما يبتعد عن أبيه. فما بالنا ونحن عيال الله؟ وكذلك شأن الكفار مع المؤمنين. إن الكفار قادرون على الانفراد بالمؤمنين حينما يتخلى المؤمنون عن منهج الله؛ لأن الله لن ينصر أناساً ليسوا على منهجه، فلو نصر الله أناساً على غير منهجه فإن ذلك يبطل قضية الإيمان. وعندما نستقرئ القرآن الكريم؛ نجد أن كل خبر عن الإنسان وهو معزول عن المنهج الإلهي هو خبر كله شر. فسبحانه يقول: {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ}تفسير : [العصر: 1-2]. إن الإنسان على إطلاقه لفي خسر، ولكن من الذي ينجو من الخسران؟ وتأتي الإجابة من الحق فيقول:{أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ}تفسير : [العصر: 3]. وتتأكد القضية في موضع آخر من القرآن الكريم فيقول - سبحانه -: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ}تفسير : [المعارج: 19-22]. إذن كل كلام - في القرآن - عن الإنسان على إطلاقه يأتي من ناحية الشر. وما الذي ينجيه من ذلك؟ إنه المنهج الإلهي. إذن فقوله الحق: {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ} [آل عمران: 140] تحمل تأنيباً ولذعة خفيفة لمن أعلنوا الإيمان ولكنهم تخلفوا عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أُحُد. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ} [آل عمران: 140]. ففي وقت النصر نجد حتى الذي لم يشترك في المعركة يريد أن يُدخل نفسه ضِمن المنتصرين. لكن وقت الهزيمة فالحق يَظْهر، والذي يظل في جانب الهزيمة معترفاً بأنه شارك في نزولها بالمسلمين وإن لم يكن شارك فقد عذر أو لام من كان سبباً فيها، وهو مع ذلك يسهم في حمل أوزارها وآثارها الضارة، ويتحمل ويشارك في المسئولية، إنه بذلك يكون صادقاً. وقد يقول قائل: هل الله لا يعلم الذين آمنوا؟ لا، إنه سبحانه وتعالى يعلم الذين آمنوا سواء حدثت معركة أو لم تحدث. لكن علم الله الأزلي الغيبيّ لا نرى نحن به الحُجَّة، ولذلك لا تكون الحجَّة ظاهرة بيننا، ولكن حين يبرزُ علم الله إلى الوجود أمامنا فإنه علم تقوم به الحُجة واضحة على من آمن، وعلى من لم يحسن الإيمان، وذلك حتى لا يدَّعي أحد لنفسه أنه كان سيفعل، لكن الفرصة لم تواته. وهكذا تأتي المواقف الاختبارية والابتلاءات ليعلم كل منا نفسه وتبرز الحُجة علينا جميعاً. إذن: فهناك فرق بين علم الله الأزليّ للأشياء كما سوف تحدث، ولكن لا تقوم به الحُجة علينا. فقد يدعي البعض أنه لو قامت معركة شديدة فإنهم سوف يصمدون، ولكن عندما تقوم المعركة بالفعل فنحن نرى مَنْ الصّامد ومَنْ هو غير ذلك من المتخاذلين الفارين؟ ولنضرب لذلك مثلاً ولله المثل الأعلى: نحن في حياتنا العادية نجد أن عميد إحدى الكليات يأتي إلى المدرس ويقول له: نحن نريد أن نعقد امتحاناً لنتعرف على المتفوقين من الطلاب، ونمنح كُلاً منهم جائزة. فيرد المدرس: ولماذا الامتحان؟ إنني أستطيع أن أقول لك: من هم المتفوقون، وأن أرتبهم لك من الأول ومن الثاني وهكذا. لكن عميد الكلية يصر على أن يعقد امتحاناً حتى لا يكون لأحد حجة، ويختَار العميد مدرساً آخر ليضع هذا الامتحان. وتظهر النتيجة ويكون توقع المدرس الأول هو الصائب، وهكذا يكون تفُوق هؤلاء الطلاب تفوقاً بحُجة. وإذا كان ذلك يحدث في المستوى البشري فما بالنا بعلم الله الأزلي المطلق؟ إن الحق بعلمه الأزلي يعلم كل شيء ومُحيط بكل شيء، وهو سبحانه لا يقول لنا: أنا كنت أعلم أنكم لو دخلتم معركة ستفعلون كذا وكذا.. وكان يمكن أن يجادلوا ويدعوا لأنفسهم أشياء ليست فيهم، لكن الحق يضع المعركة وتكون النتيجة مطابقة لما يعلمه الله أزلاً. إذن فالتغيير هنا لا يكون في علم الله، لكن التغيير يكون في المعلوم لله، ليس في العالِم بل في المعلوم بحيث نراه حُجة علينا. ويقول الحق: {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ} [آل عمران: 140] وساعة تسمع كلمة "يتخذ" هذه؛ اعرف أنها اصطفاء واختيار. وسبحانه يقول: {أية : وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً}تفسير : [النساء: 125]. أي أنه جل وعلى قد آثر إبراهيم واصطفاه، إذن فالاتخاذ دائماً هو أن يَأخذه إلى جانبه لمزية له ورفعة لمكانته. وحين يقول الحق: {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ} [آل عمران: 140] فنحن نعرف أن "شهداء" هي جمع شهيد، وكلمة شهيد لها معانٍ متعددة، فالشهيد في القتال هو الذي يُقتل في المعركة، وهذا سيكون حياً ويرزق عند ربه. وإياك أن تقول: إننا عندما نفتح قبر الشهيد سنجده عظماً وتراباً. وهذا يعني أنه سلب الحياة .. لا، إن الله وضح أن الشهيد حيّ عِنده، وليس حيا عند البشر. وإذا فتح أحد من الناس القبر على الشهيد فسيراه عظاماً وتراباً؛ فقد جعل الله سبحانه للشهيد حياة عنده لا عندنا: {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}تفسير : [آل عمران: 169]. إذن فللشهداء عند ربهم حياة لا نعرف كنهها، ويوم نفتح عليهم قبورهم تصير أمراً مُحساً، ولكن الله نبهنا أن الشهداء أحياء عند ربهم. وعندما نتأمل كلمة "شهداء" نجد أنها تعني أيضاً الشهادة على الحق الذي قامت من أجله المعركة، وكل إنسان يُحب الخير لنفسه، فلو لم يعلم هؤلاء أن إقدامهم على ما يؤدي إلى قتلهم خير لهم من بقائهم على حياتهم لما فعلوا. وبذلك يكون الواحد منهم شاهداً للدعوة وشهيداً عليها. وقد ينصرف المعنى في "شهداء" إلى أنهم بَلَّغوا الدعوة حتى انتهت دماؤهم, ويذيل الحق الآية بقوله: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ} [آل عمران: 140]. ومعنى هذا التذييل أن المعركة يجب أن تدور في إطار الحق، ومثلما قلنا: ما دام الناس متخلفين عن المنهج فإن الله لا يظلمهم بل ستدور المعركة صراع بشر لبشر، والقادر من الطرفين هو الذي يغلب. فالحق سبحانه بالرغم من كراهيته للكفر إلا انه لا يُحابي المسلم الذي لا يتمسك بمطلوب الإيمان؛ لذلك قد يغلب الكافرُ المسلمَ الذي لا يتمسك بمطلوب الإيمان، ولكن إن تمسك المؤمنون بمطلوب الإيمان فالنصر مضمون لهم بأمر الله. وبعد ذلك يقول الحق: {وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ} قالَ: القَرحُ: الجِرَاحُ والقَتلُ.

الجيلاني

تفسير : {إِن يَمْسَسْكُمْ} ويصبكم أيها المجاهدون في سبيل الله؛ لإعلاء كلمته {قَرْحٌ} ضيق ومشقة من أعداء الله يوم أُحد، لا تبالوا به ولا تضعفوا بسببه، ولكم أن تذكروا يوم بدر {فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ} العدو {قَرْحٌ مِّثْلُهُ} بل أشد من ذلك، ومع ذلك لم يضعفوا ولم يجنبوا، مع كونهم ساعين على الباطل، وأنتم أحقاء بألاَّ تجبنوا ولا تشعفوا؛ لكونكم مجاهدين في طريق الحق، ساعين لترويجه {وَ} اعلموا أن {تِلْكَ ٱلأَيَّامُ} أي: أيام النصر والظفر والقرح والغنيمة أيام وأزمان {نُدَاوِلُهَا بَيْنَ} جميع {ٱلنَّاسِ} محقهم ومبطلهم، مؤمنهم وكافرهم؛ ليعلموا أنهم جميعاً تحت حيطة أوصافنا الجمالية والجلالية، واللطفية والقهرية. {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ} أي: ينبه ويرشد خصوصاً {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بتوحيد الله بأمورهم على الجهاد طريق الفناء فيه؛ ليفوزوا بشرف بقائه {وَ} لذلك {يَتَّخِذَ مِنكُمْ} أيها المؤمنون {شُهَدَآءَ} واصلين، أحياء دائمين {وَٱللَّهُ} المتوحد بذاته {لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ} [آل عمران: 140] المتجاوزين عن طريق توحيده المائلين عن صراطه المستقيم. {وَلِيُمَحِّصَ} يطهر ويصفي {ٱللَّهُ} بلطفه قلوب {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تيقنوا وتحققوا بصفاء التوحيد {وَيَمْحَقَ} ويهلك في ظلمة البعد والإمكان {ٱلْكَافِرِينَ} [ال عمران: 141] الساترين بهوياتهم الباطلة، المظلمة الكثيفة نور صفاء الوجود. أتحسبون وتطمعون أيها المريدون، القاصدون سلوك طريق التوحيد، أنكم مستوون عند الله في السلوك {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ} الوحدة الذاتية {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ} أي: لم يفرق، ولم يميز الله بعلمه الحضري {ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ} في سبيله ظاهراً وباطناً، وبذلوا جهودهم فيها إلى أن بذلوا مهجهم فتفانوا في الله حتى صاروا شهداء حضراء أمناء عند الله، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون عن المتقاعدين المتكاسلين {وَ} أيضاً {يَعْلَمَ} وليميز منكم {ٱلصَّابِرِينَ} [آل عمران: 142] المتمكنين في مرمى القضاء الرضا بما جرى عليهم من سهام التقدير، بلا إقدام ولا إحجام. {وَلَقَدْ كُنْتُمْ} أيها المحمديون، المستكشفون عن سرائر التوحيد الذي {تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ} الموصل إلى مرتبة اليقين العيني والحقي عند وصولكم إلى مربتة اليقين العلمي، مسرعين عليها؛ شوقاً واستلذاذاً {مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ} متى ظهرت أمارات التوحيد، ولمع سراب الفناء، وبرق صوارم القضاء المفضية إلى هلاك الغير والسوى مطلقاً {وَأَنْتُمْ} أيها الطالبون للوصول إلى جنة الذات {تَنظُرُونَ} [آل عمران: 143] تبطئون وتغتبرون.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 163 : 27 : 37 - سفين قال، كان أصحاب عبد الله يقرءونها. {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ}. [الآية 140].