Verse. 4320 (AR)

٤٢ - ٱلشُّورىٰ

42 - Ash-Shura (AR)

فَاِنْ اَعْرَضُوْا فَمَاۗ اَرْسَلْنٰكَ عَلَيْہِمْ حَفِيْظًا۝۰ۭ اِنْ عَلَيْكَ اِلَّا الْبَلٰــغُ۝۰ۭ وَاِنَّاۗ اِذَاۗ اَذَقْنَا الْاِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَۃً فَرِحَ بِہَا۝۰ۚ وَاِنْ تُصِبْہُمْ سَيِّئَۃٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ اَيْدِيْہِمْ فَاِنَّ الْاِنْسَانَ كَفُوْرٌ۝۴۸
Fain aAAradoo fama arsalnaka AAalayhim hafeethan in AAalayka illa albalaghu wainna itha athaqna alinsana minna rahmatan fariha biha wain tusibhum sayyiatun bima qaddamat aydeehim fainna alinsana kafoorun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فإن أعرضوا» عن الإجابة «فما أرسلناك عليهم حفيظاً» تحفظ أعمالهم بأن توافق المطلوب منهم «إن» ما «عليك إلا البلاغ» وهذا قبل الأمر بالجهاد «وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة» نعمة كالغنى والصحة «فرح وإن تصبهم» الضمير فلإنسان باعتبار الجنس «سيئة» بلاء «بما قدمت أيديهم» أي قدموه وعبر بالأيدي لأن أكثر الأفعال تزاول بها «فإن الإنسان كفور» للنعمة.

48

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{فَإِنْ أَعْرَضُواْ} أي عن الإيمان {فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} أي حافظاً لأعمالهم حتى تحاسبهم عليها. وقيل: موكلاً بهم لا تفارقهم دون أن يؤمنوا؛ أي ليس لك إكراههم على الإيمان. {إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ} وقيل: نسخ هذا بآية القتال. {وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا ٱلإِنسَانَ} الكافر. {مِنَّا رَحْمَةً} رخاءً وصحة. {فَرِحَ بِهَا} بطِربها. {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} بلاء وشدّة. {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ ٱلإِنسَانَ كَفُورٌ} أي لما تقدّم من النعمة فيعدّد المصائب وينسى النعم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَإِنْ أَعْرَضُواْ } عن الإِجابة {فَمَا أَرْسَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً } تحفظ أعمالهم بأن توافق المطلوب منهم {إِن} ما {عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلَٰغُ } وهذا قبل الأمر بالجهاد [4:47] {وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا ٱلإنسَٰنَ مِنَّا رَحْمَةً } نعمة كالغنى والصحة {فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ } الضمير للإِنسان باعتبار الجنس {سَيّئَةٌ } بلاء {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } أي قدموه وعبر بالأيدي لأن أكثر الأفعال تزاول بها {فَإِنَّ ٱلإنسَٰنَ كَفُورٌ } للنعمة.

ابن عبد السلام

تفسير : {رَحْمَةً} عافية، أو مطراً {سَيِّئَةٌ} قحط، أو مرض.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ}. فإن أعرضوا عن الإجابة فليس عليك إلا تبليغُ الرسالة، ثم نحن أعلمُ بما نعاملهم به. قوله جلّ ذكره: {وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ ٱلإِنسَانَ كَفُورٌ}. إذا أذقنا الإنسان مِنَّا رفاهيةً ونعمةً فَرِحَ بتلك الحالة، وقابلها بالبـَطَرِ، وتوصَّل بتمام عافيته إلى المخالفة، وجعل السلامةَ ذريعةً للمخالفة. وإنْ أصابته فتنةٌ وبلية، ومَسَّتْهُ مصيبةٌ ورزية فإنه كفورٌ بنعمائنا، جحودُ لآياتنا.

اسماعيل حقي

تفسير : {فان اعرضوا فما ارسلناك عليهم حفيظا} تلوين للكلام وصرف له عن خطاب الناس بعد امرهم بالاستجابة وتوجيه له الى الرسول عليه السلام اى فان لم يستجيبوا واعرضوا عما تدعوهم اليه فما ارسلناك رقيبا ومحاسبا عليهم وحافظا لاعمالهم وبالفارسية نكهبانى كه ازعمل بد ايشانرا نكاه دارى وفيه تسلية لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم {ان عليك الا البلاغ} اى ما يجب عليك الا تبليغ الرسالة وقد فعلت فلا يهمنك اعراضهم وفى التأويلات النجمية فان أعرضوا عن الله بالاقبال على الدارين ولم يجيبوا فما أرسلناك عليهم حفيظا تحفظهم من الالتفات الى الدارين لان الحفظ من شانى لا من شأنك فانى حفيظ فليس عليك الا تبليغ الرسالة ثم نحن نعلم بما نعاملهم بالتوفيق او بالخذلان. قال الغزالى رحمه الله فى شرح الاسماء الحفيظ من العباد من يحفظ جوارحه وقلبه ويحفظ دينه من سطوة الغضب وخلابة الشهوة وخداع النفس وغرور الشيطان فانه على شفا جرف هار وقد اكتنفته هذه المهلكات المفضية الى النار وقد عرف كلها من لسان الشارع صلى الله عليه وسلم فليسارع العبد الى دفع الموبقات وجلب المنجيات باصلاح النفس والتخلق بالاخلاق الالهية فان النفس طاغية مؤدية الى الافلاس والخسار وفى الحديث "حديث : اتدرون من المفلس" قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع قال عليه السلام "المفلس من امتى من يأتى يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتى قد شتم هذا وقذف هذا واكل مال هذا او سفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته فان فنيت حسناته قبل ان يقضى أخذ من خطاياهم وطرحت عليه ثم يطرح فى النار" تفسير : فلا ينبغى للعاقل ان يبقى مع النفس فانه اذا نزل عليه العذاب غضبا للنفس لا يجد وليا يتولاه ولا نصيرا ينصره ولا ملجأ يفر اليه فهذه حال المعرضين واما حال المقبلين القابلين للبلاغ والارشاد فالله تعالى يحفظهم مما يخافونه يوم المعاد. خجل آنكس كه رفت وكار نساخت كوس رحلت زدند وبارنساخت {وانا اذا اذقنا الانسان منا} از نزديك خود {رحمة} اى نعمة من الصحة والغنى والأمن {فرح بها} بطر لاجلها (وقال الكاشفى) خوش شودبدان وشادى كند. اعلم ان نعمة الله وان كانت فى الدنيا عظيمة الا انها بالنسبة الى سعادات الآخرة كالقطرة بالنسبة الى البحر فلذلك سمى الانعام بها اذاقة وبالفارسية جشانيدن. فالانسان اذا حصل له هذا القدر الحقير فى الدنيا فرح به ووقع فى العجب والكبر وظن انه فاز بكل المنى ودخل فى قصر السعادات ولذا ضعف اعتقاده فى سعادات الآخرة والا لاختار الباقى على الفانى لان الفانى كالخزف مع انه قليل والباقى كالذهب مع انه كثير. افتد هماى دولت اكردر كمندما از همت بلند رها ميكنيم ما {وان تصبهم} اى الانسان لان المراد به الجنس {سيئة} اى بلاء من مرض وفقر وخوف مما يسوءهم {بما قدمت ايديهم} بسبب ما عملت انفسهم من كفرانهم بنعم الله وعصيانهم فيها وذكر الايدى لان اكثر الاعمال تباشر بها فجعل كل عمل كالصادر بالايدى على طريق التغليب {فان الانسان كفور} قال الراغب كفر النعمة وكفرانها سترها بترك ادآء شكرها وأعظم الكفر جحودهم الوحدانية او النبوة او الشريعة والكفران فى جحود النعمة اكثر استعمالا والكفر فى الدين اكثر والكفور فيهما جميعا والمعنى فان الانسان بليغ الكفر ينسى النعمة بالكلية ويذكر البلية ويستعظمها ولا يتأمل سببها بل يزعم انها اصابته بغير استحقاق لها واسناد هذه الخصلة الى الجنس مع كونها من خواص المجرمين لغلبتهم فيما بين الافراد يعنى انه حكم على الجنس بحال اغلب افراده للملابسة على المجاز العقلى وتصدير الشرطية الاولى باذا مع اسناد الاذاقة الى نون العظمة للتنبيه على ان ايصال النعمة محقق الوجود كثير الوقوع وانه مقتضى الذات كما ان تصدير الثانية بان واسناد الاصابة الى السيئة وتعليلها باعمالهم للايذان بندرة وقوعها وانها بمعزل عن الانتظام فى سلك الارادة بالذات ووضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل على ان هذا الجنس مرسوم بكفران النعم. امام ابو منصور ماتريدى رحمه الله فرموده كه كفران مؤمن آنست كه ترك شكر كند قال بعض الكبار (ع) درشكر همجو جشمه ودرصبر خاره ايم. وعن على رضى الله عنه اذا وصلت اليكم اطراف النعمة فلا تنفروا اقصاها بقلة الشكر يعنى من لم يشكر النعم الحاصلة لديه الواصلة اليه حرم النعم الغائبة منه القاصية عنه. جون بيابى تونعمتى درجند خرد باشد جونقطه موهوم شكران يافته فرومكزار كه زنايافته شوى محروم. وعنه رضى الله عنه ايضا أقل ما يلزمكم لله ان لا تستعينوا بنعمه على معاصيه قال الحسن اذا استوى يوماك فانت ناقص قيل كيف ذاك قال ان الله زادك فى يومك هذا نعما فعليك ان تزداد فيه شكرا وقد مد الله عمر بعض الانسان واكثر عليه فضله كنمرود وفرعون ونحوهما ثم انهم لم يزدادوا كل يوم الا كفرانا فعاملهم الله بالعدل حتى هلكوا اقبح الهلاك وفى الآية اشارة الى ان من خصوصية الانسان اذا وكله الله الى نفسه ان لا يشكر على ما فتح الله عليه من المواهب الالهية وفتوحات الغيب وانواع الكرامات التى تربى بها اطفال الطريقة ليزيده الله بل ينظر الى نفسه بالعجب ويفشى سره على الحاق ارأة وسمعة فيغلق الله ابواب الفتوحات بعد فتحها (قال الصائب) نجام بت برست بودبه زخود برست درقيد خود مباش وبقيد فرنك باش ومن الله العون

الجنابذي

تفسير : {فَإِنْ أَعْرَضُواْ} صرف الخطاب عنهم الى محمّدٍ (ص) {فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} يعنى لا تغتمّ باعراضهم لانّا ما ارسلناك عليهم حفيظاً {إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ} وقد بلّغت {وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً} نعمةً دنيويّةً او نعمةً اخرويّةً من العلوم والالهامات والمكاشفات {فَرِحَ بِهَا} اى بالرّحمة من حيث صورتها لا من حيث انعامنا لانّ نفس الانسان ما دامت حاكمة فى وجوده لا تنظر الى المنعم وانعامه فى النّعمة بل تنظر الى صورة النّعمة ونسبتها الى نفسها لا نسبتها الى المنعم والاّ لم يفرح بصورة النّعمة بل بالمنعم او يغتمّ بصورة النّعمة لاحتمال استدراجه تعالى بالنّعمة {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ ٱلإِنسَانَ كَفُورٌ} للنّعمة السّابقة ولا يتذكّرها ولا يشكرها، وتكرار الانسان للاشارة الى انّ ذلك من مقتضى خلقته، ولا يخفى وجه تخالف الفقرتين فانّ الرّحمة لمّا كانت ذاتيّةً لمشيّته تعالى أتى فى جانبها بالتّأكيدات وباداة التّحقيق ونسب اذاقتها الى نفسه ونسب الرّحمة ايضاً الى نفسه، وأتى فى جانب المصيبة باداة الشّكّ ولم يأت بالتّأكيد ولم ينسب المصيبة الى نفسه وجعل سبب وصولها اليهم ما كسبت ايديهم.

الهواري

تفسير : قال: {فَإِنْ أَعْرَضُوا} أي: لم يؤمنوا {فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} أي تحفظ عليهم أعمالهم حتى تجازيهم بها. {إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاَغُ} وليس عليك أن تكرههم على الإيمان، كقوله: (أية : أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ) تفسير : [يونس:99]. وقد أمر بقتالهم بعد، ولكن لم يكن عليه إلا القتال، والله يهدي من يشاء. قوله: {وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنسَانَ} يعني المشرك {مِنَّا رَحْمَةً} وهذه رحمة الدنيا، أي: ما فيها من الرخاء والعافية {فَرِحَ بِهَا} لأنه لا يهمه إلا الدنيا ولا يقر بالآخرة، كقوله: (أية : وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا) تفسير : [الرعد:26]. {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} أي: شدة من ذهاب مال أو مرض {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنسَانَ كَفُورٌ} يعني المشرك. أي: ليس له صبر على المعصية ولا حسبة، لأنه لا يرجو ثواب الله في الآخرة ولا يؤمن بها. قوله: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا} يعني الجواري {وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ} أي: الغلمان. ذكروا عن ابن عباس قال: وهب للوط بنات وليس فيهن ذكر، ووهب لإبراهيم ذكوراً ليس معهم بنات، ووهب لنبيكم محمد صلى الله عليه وسلم أربعة بنين: القاسم، وإبراهيم، وطاهراً، ومطهراً، وأربع بنات. وجعل من يشاء عقيماً، يعني يحيى بن زكريا، لا يشتهي النساء ولا يريدهن.

اطفيش

تفسير : {فَإِنْ أَعْرَضُواْ} عن الاجابة. {فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} يحفظ أعمالهم فيجازيهم بها أي لست رقيباً ومحاسباً* {إِنْ عَلَيْكَ} أي ما عليك* {إِلاَّ الْبَلاَغُ} وقد بلغت وليس عليك سواه مثل أن تكرههم وقد نسخ ذلك بآية الجهاد وفى ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم. {وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا الإِنسَانَ} أي الجنس بدليل مراعاة معنى الجمع في {وَإِن تصبهم} وان راعى لفظه في (فرح) ولم يرد الا المجرمين المشركين* {مِنَّا رَحْمَةً} نعمة كالصحة والغنى وأمور الدنيا* {فَرِحَ بِهَا} لانه لا همة له فى غير الدنيا* {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} قحط أو مرض وغيره من المكاره* {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} من القبائح* {فَإِنَّ الإِنسَانَ} المشرك ولو فسر هنا وهنالك بالمنافق والمشرك لصح والمراد فانه كفور ووضع الظاهر موضع الضمير للدلالة على أن الجنس موسوم بكفران النعمة ولهذا أيضاً وضع علة الجزاء مقامه أي وان تصبه سيئة بعمله نسى النعمة رأساً ويذكر البلية ويعظمها ولا يتأمل سببها لان الانسان* {كَفُورٌ} بليغ الكفران فان المشرك كفر كفر شرك لا يصبر على البلاء ولا يشكر على الرخاء لانه لا يؤمن بيوم الجزاء والمنافق كافر كفر نفاق تغلبت عليه شهواته فلم يصبر ويشكر وعبر (بإذا) فى اذاقة النعمة لانها كثيرة متحققة الوقوع ظاهرة عادة مطلوبة بالذات وعبر فى اصبة السيئة (بأن) لانها وان تحقق وقوعها لكن غير مجزوم بها عندهم وقليلة بخلاف اذاقة النعمة ولما ذكر اذاقة النعمة واصابة السيئة أشار الى أنه يقسمها كيف أراد بقوله {للهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}

اطفيش

تفسير : {فإنْ أعْرضُوا} عما تقول {فَما أرسلناك علَيْهم} أى فلا تهتم بهم، لأنا ما أرسلناك عليهم {حفيظا} رقيبا تحاسبهم {إنْ عَليْك إلا البلاغ} حصول البلاغ وقد حصل، أو اسم مصدر أى التبليغ وقد بلغت، ولا يعطف بعد إلا بلا، لا تقول إلا البلاغ لا الحفظ، ويجوز بعد إنما مثل إنما عليك البلاغ لا الحفظ {وإنَّا إذا أذَقْنا الإنسان} الجنس {منَّا رحْمةً} كسمة رزق وصحة وجاه وعافية {فرح} فرح بطر، كقوله تعالى: "أية : إن الله لا يحب الفرحين" تفسير : [القصص: 76] أو مطلق فرح، وأما الفرح للطاعة بلا عجب بل شكراً فمحمود، ففى الحديث: " حديث : المؤمن إذا أحسن استبشر وإذا أساء حزن" تفسير : ومجرد الفرح للدنيا لا يحسن، وأفرد مراعاة للفظ الانسان {بها وإن تُصِبْهُم} جمع مراعاة لمعناه {سيئة} ضد الرحمة {بما قدَّمت أيْديهم} من المعاصى، وإذا ذموا على ذلك الجزع، فأولى أن يذموا لو اصابتهم لا بسبب كسبهم كذا قيل. وفيه أن جزعهم باصابتها لأجل السيئة أسهل لبادىء الرأى من جزعهم بها اذا أصابتهم بلا سيئة، لأنهم يقولون: أصابتنا مع أنا لم نعمل سيئة توجبها {فإنَّ الإنسان} المذكور فأل للعهد، قيل أو للجنس استقلالا لا اعتمادا على العهد {كَفُورٌ} بليغ الكفر كقوله تعالى: "أية : لظَلُوم كفَّار"تفسير : [إبراهيم: 34] وقوله تعالى: " أية : إن الإنسان لربه لكنود " تفسير : [العاديات: 6] والجملة جواب إن، لأقامة العلة مقام المعلول، أى فانه معاقب على جزعه بها، وكفره الرحمة التى أصابته، ولا يخلو منها ينساها ويستحضر السيئة، يغتاظ بها كأنه لم يتأهل لها، وكأنه ظلم بها، وعبر بأن فى السيئة لقلتها بالنسبة الى الرحمة جداً، حتى كأنها مشكوك فى وقوعها، تعالى الله، وناسب ذلك ذكر تسببهم لها حتى كأنها شىء خارج عن الأصل، بخلاف الرحمة، فعبر فيها باذا المعبر بها فى مقامات التحقق، وبنون العظمة ايذانا بأنها مرادة بالذات محققة كثيرة، ألا ترى أنها سبقت غضبه، سبحان الله الرحمن الرحيم.

الالوسي

تفسير : {فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} تلوين للكلام وصرف له عن خطاب الناس بعد أمرهم بالاستجابة وتوجيه له إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أي فإن لم يستجيبوا وأعرضوا عما تدعوهم إليه فلا تهتم بهم فما أرسلناك رقيباً ومحاسباً عليهم {إِنْ عَلَيْكَ} أي ما عليك {إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ} لا الحفظ وقد فعلت. {وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا ٱلإنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةً} أي نعمة من الصحة والغنى والأمن ونحوها {فَرِحَ بِهَا} أريد بالإنسان الجنس الشامل للجميع وهو حينئذ بمعنى الأناسي أو الناس ولذا جمع ضميره في قوله سبحانه: {وَإِن تُصِبْهُمْ} وليست للاستغراق والجمعية لا تتوقف عليه فكأنه قيل: وإن تصب الناس أو الأناسي {سَيِّئَةٌ} بلاء من مرض وفقر وخوف وغيرها {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} بسبب ما صدر منهم من السيئات {فَإِنَّ ٱلإنسَـٰنَ كَفُورٌ} بليغ الكفر ينسى النعمة رأساً ويذكر البلية ويستعظمها ولا يتأمل سببها بل يزعم أنها أصابته من غير استحقاق لها. وأل فيه أيضاً للجنس، وقيل: هي فيهما للعهد على أن المراد المجرمون، وقيل: هي في الأول للجنس وفي الثاني للعهد. وقال الزمخشري: أراد بالإنسان الجمع لا الواحد لمكان ضمير الجمع ولم يرد إلا المجرمين لأن إصابة السيئة بما قدمت أيديهم إنما يستقيم فيهم، ثم قال: ولم يقل فإنه لكفور ليسجل على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعم كما قال سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} تفسير : [إبراهيم: 34] {أية : إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لِرَبّهِ لَكَنُودٌ} تفسير : [العاديات: 6] ففهم منه العلامة الطيبـي أنها في الأول للعهد / وأن المراد الكفار المخاطبون في قوله تعالى: {أية : ٱسْتَجِيبُواْ لِرَبّكُمْ} تفسير : [الشورى: 47] لترتب {فَإِنْ أَعْرَضُواْ} عليه. ووضع المظهر موضع المضمر للإشعار بتصميمهم على الكفران والإيذان بأنهم لا يرعوون مما هم فيه وأنها في الثاني للجنس ليكون المعنى ليس ببدع من هذا الإنسان المعهود الإصرار لأن هذا الجنس موسوم بكفران النعم فيكون ذم المطلق دليلاً على ذم المقيد. وفي «الكشف» أنه أراد أن الإنسان أي الأول للجنس الصالح للكل وللبعض وإذا قام دليل على إرادة البعض تعين وقد قام لما سلف أن الإصابة في غير المجرمين للعوض الموفي ولم يذهب إلى أن اللام للعهد وجعل قوله تعالى: {فَإِنَّ ٱلإنسَـٰنَ كَفُورٌ} للجنس ليكون تعليلاً للمقيد بطريق الأولى ومطابقاً لما جاء في مواضع عديدة من الكتاب العزيز؛ ولا بأس بأن يجعل إشارة إلى السالف فإنه للجنس أيضاً، ويكون في وضع المظهر موضع المضمر الفائدة المذكورة مراراً بل هو أدل على القانون الممهد في الأصول وبكون كليهما للجنس أقول. وإسناد الكفران مع أنه صفة الكفرة إلى الجنس لغلبتهم فهو مجاز عقلي حيث أسند إلى الجنس حال أغلب أفراده لملابسته الأغلبية، ويجوز أن يعتبر أغلب الأفراد عين الجنس لغلبتهم على غيرهم فكيون المجاز لغوياً، وكذا يقال في إسناد الفرح إذا كان بمعنى البطر فإنه أيضاً من صفات الكفرة بل إن كان أيضاً بمعناه المعروف وهو انشراح الصدر بلذة عاجلة وأكثر ما يكون ذلك في اللذات البدنية الدنيوية فإنه وإن لم يكن من خواص الكفار بل يكون في المؤمنين أيضاً اضطراراً أو شكراً إلا أنه لا يعم جميع أفراد الجنس وإن قلت بعمومه لم تحتج إلى ذلك كما إذا فسرته بالبطر على إرادة العهد في الإنسان، وإصابة السيئة بالذنوب غير عامة للأفراد أيضاً فحال إسنادها يعلم مما ذكرنا. وتصدير الشرطية الأولى بإذا مع إسناد الإذاقة بلفظ الماضي إلى نون العظمة للتنبية على أن إيصال النعمة محقق الوجود كثير الوقوع وأنه مراد بالذات من الجواد المطلق سبحانه وتعالى كما أن تصدير الثانية بإن وإسناد الإصابة بلفظ المضارع إلى السيئة وتعليلها بأعمالهم للإيذان بندرة وقوعها وأنها بمعزل عن الانتظام في سلك الإرادة بالذات والقصد الأولى. وإقامة علة الجزاء مقام الجزاء مبالغة في ذمهم.

ابن عاشور

تفسير : {فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ}. الفاء للتفريع على قوله: { أية : استجيبوا لربكم } تفسير : [الشورى: 47] الآية، وهو جامع لما تقدم كما علمت إذ أمر الله نبيئه بدعوتهم للإيمان من قوله في أول السورة { أية : وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتُنذر أم القُرى ومَن حولها } تفسير : [الشورى: 7] ثم قوله: { أية : فلذلك فادعُ واستقم } تفسير : [الشورى: 15]. وما تخلل ذلك واعترضه من تضاعيف الأمر الصريح والضمني إلى قوله: { أية : استجيبوا لربكم } تفسير : [الشورى: 47] الآية، ثم فرّع على ذلك كله إعلام الرسول صلى الله عليه وسلم بمقامه وعَمله إنْ أعْرَض معرضون من الذين يدعوهم وبمعذرته فيما قام به وأنه غير مقصر، وهو تعريض بتسليته على ما لاقاه منهم، والمعنى: فإن أعرضوا بعد هذا كله فما أرسلناك حفيظاً عَلَيهم ومتكفلاً بهم إذ ما عليك إلا البلاغ. وإذ قد كان ما سبق من الأمر بالتبليغ والدعوة مصدَّراً بِقَوْله أوائل السورة { أية : والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل } تفسير : [الشورى: 6]، لا جرم ناسب أن يفرع على تلك الأوامر بعد تمامها مثل ما قدم لها فقال: {فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ}. وهذا الارتباط هو نكتة الالتفات من الخطاب الذي في قوله: { أية : استجيبوا لربكم } تفسير : [الشورى: 47] الآية، إلى الغيبة في قوله هنا {فإن أعرضوا} وإلا لقيل: فإن أعرضتم. والحفيظ تقدم في صدر السورة وقوله: {فما أرسلناك عليهم حفيظاً} ليس هو جواب الشرط في المعنى ولكنه دليل عليه، وقائم مقامه، إذ المعنى: فإن أعرضوا فلستَ مقصراً في دعوتهم، ولا عليك تَبعة صدّهم إذ ما أرسلناك حفيظاً عليهم، بقرينة قوله: {إن عليك إلا البلاغ}. وجملة {إن عليك إلا البلاغ} بيان لجملة {فما أرسلناك عليهم حفيظاً} باعتبار أنها دالّة على جواب الشرط المقّدر. و{إنْ} الثانية نافية. والجمع بينها وبين {إنْ} الشرطية في هذه الجملة جناس تام. و{البلاغ}: التبليغ، وهو اسم مصدر، وقد فهم من الكلام أنه قد أدى ما عليه من البلاغ لأن قوله {فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً} دلّ على نفي التبعة عن النبي صلى الله عليه وسلم من إعراضهم، وأن الإعراض هو الإعراض عن دعوته، فاستفيد أنه قد بلّغ الدعوة ولولا ذلك ما أثبت لهم الإعراض.{وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ كَفُورٌ}. تتصل هذه الجملة بقوله: {فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ}. لِما تضمنته هذه من التعريض بتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم على ما لاقاه من قومه كما علمت، ويؤذن بهذا الاتصال أن هاتين الجلمتين جُعلتا آيةً واحدة هي ثامنة وأربعون في هذه السورة، فالمعنى: لا يحزنك إعراضهم عن دعوتك فقد أعرضوا عن نِعمتي وعن إنذاري بزيادة الكفر، فالجملة معطوفة على جملة {فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً} وابتداء الكلام بضمير الجلالة المنفصل مسنَداً إليه فعل دون أن يقال: وإذا أذقنا الإنسان الخ، مع أن المقصود وصف هذا الإنسان بالبطَر بالنعمة وبالكفر عند الشدة، لأن المقصود من موقع هذه الجملة هنا تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عن جفاء قومه وإعراضهم، فالمعنى: أن معاملتهم ربهم هذه المعاملة تسلّيك عن معاملتهم إياك على نحو قوله تعالى: { أية : يسألك أهل الكتاب أن تنزّل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك } تفسير : [النساء: 153]، ولهذا لا تجد نظائر هذه الجملة في معناها مفتتحاً بمثل هذا الضمير لأن موقع تلك النظائر لا تماثل موقع هذه وإن كان معناهما متماثلاً، فهذه الخصوصية خاصة بهذه الجملة. ولكن نظم هذه الآية جاء صالحاً لإفادة هذا المعنى ولإفادة معنى آخر مقارب له وهو أن يكون هذا حكاية خُلق للناس كلهم مرتكزٍ في الجِبلة لكن مظاهره متفاوتة بتفاوت أفراده في التخلق بالآداب الدينية، فيُحمل {الإنسان} في الموضعين على جنس بني آدم ويحمل الفرح على مُطلقه المقولِ عليه بالتشكيك حتى يبلغ مبلغ البطر، وتحمل السيئة التي قدمتْها أيديهم على مراتب السيئات إلى أن تبلغ مبلغ الإشراك، ويُحمل وصف {كفور} على ما يشمل اشتقاقه من الكُفر بتوحيد الله، والكُفر بنعمة الله. ولهذا اختلفت محامل المفسرين للآية. فمنهم من حملها على خصوص الإنسان الكافر بالله مثل الزمخشري والقرطبي والطيبي، ومنهم من حملها على ما يعم أصناف الناس مثل الطبري والبغوي والنَسفي وابنِ كثير. ومنهم من حملها على إرادة المعنيين على أن أولهما هو المقصود والثاني مندرج بالتبع وهذه طريقة البيضاوي وصاحب الكشْف ومنهم من عكس وهي طريقة الكَواشي في تلخيصه. وعلى الوجهين فالمراد بــ {الإنسان} في الموضع الأول والموضِع الثاني معنى واحد وهو تعريف الجنس المرادُ به الاستغراق، أي إذا أذقنا الناس، وأن الناس كفُورون، ويكون استغراقاً عرفياً أريد به أكثر جنس الإنسان في ذلك الزمان والمكان لأن أكثر نوع الإنسان يومئذٍ مشركون، وهذا هو المناسب لقوله: {فإن الإنسان كفور} أي شديد الكفر قويه، ولقوله: {بما قدمت أيديهم} أي من الكفر. وإنما عدل عن التعبير بالناس إلى التعبير بالإنسان للإيماء إلى أن هذا الخُلق المخبر به عنهم هو من أخلاق النوع لا يزيله إلا التخلق بأخلاق الإسلام فالذين لم يسلموا باقون عليه، وذلك أدخل في التسلية لأن اسم الإنسان اسم جنس يتضمن أوصاف الجنس المسمى به على تفاوت في ذلك وذلك لغلبة الهوى. وقد تكرر ذلك في القرآن مراراً كقوله: { أية : إن الإنسان خُلق هلوعاً } تفسير : [المعارج: 19] وقوله: { أية : إن الإنسان لربه لَكَنُود } تفسير : [العاديات: 6] وقوله: { أية : وكان الإنسانُ أكثر شيء جدلاً } تفسير : [الكهف: 54]. وتأكيد الخبر بحرف التأكيد لمناسبة التسلية بأن نُزِّل السامع الذي لا يشك في وقوع هذا الخبر منزلة المتردد في ذلك لاستعظامه إعراضهم عن دعوة الخيْر فشبّه بالمتردد على طريقة المكنية، وحرف التأكيد من روادف المشبه به المحذوف. والإذاقة: مجاز في الإصابة. والمراد بالرحمة: أثر الرحمة، وهو النعمة. فالتقدير: وإنا إذا رَحِمْنا الإنسان فأصبناه بنعمة، بقرينة مقابلة الرحمة بالسيئة كما قوبلت بالضراء في قوله: { أية : ولئن أذقناه رحمة منّا من بعد ضراء مسته } تفسير : في سورة فصّلت (50). والمراد بالفرح: ما يشمل الفَرح المجاوز حَد المسرة إلى حد البَطر والتجبر، على نحو ما استعمل في آيات كثيرة مثل قوله تعالى: { أية : إذ قال له قومه لا تَفرح إن الله لا يحب الفَرِحين } تفسير : [القصص: 76] لا الفرح الذي في مثل قوله تعالى: { أية : فَرِحين بما آتاهم الله من فضله } تفسير : [آل عمران: 170]. وتوحيد الضمير في {فرح} لمراعاة لفظ الإنسان وإن كان معناه جمعاً، كقوله: { أية : فقاتلوا التي تبغي } تفسير : [الحجرات: 9] أي الطائفة التي تبغي، فاعتدّ بلفظ طائفة دون معناه مع أنه قال قبله { أية : اقتتلوا } تفسير : [الحجرات: 9]. ولذلك جاء بعده {وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم} بضميري الجماعة ثم عاد فقال {فإن الإنسان كفور}. واجتلاب {إذا} في هذا الشرط لأن شأن {إذا} أن تدل على تحقق كثرة وقوع شرطها، وشأن {إن} أن تدل على ندرة وقوعه، ولذلك اجتلب {إنْ} في قوله: {وإن تصبهم سيئة} لأن إصابتهم بالسيئة نادرة بالنسبة لإصابتهم بالنعمة على حد قوله تعالى: { أية : فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطَّيَّروا بموسى ومن معه } تفسير : [الأعراف: 131]. ومعنى قوله: {وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم} تقدم بسطه عند قوله آنفاً { أية : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } تفسير : [الشورى: 30]. والحكم الذي تضمنته جملة {فإن الإنسان كفور} هو المقصود من جملة الشرط كلها، ولذلك أعيد حرف التأكيد فيها بعد أن صُدِّرت به الجملة المشتملة على الشرط ليحيط التأكيد بكلتا الجملتين، وقد أفاد ذلك أن من عوارض صفة الإنسانية عروض الكفر بالله لها، لأن في طبع الإنسان تطلب مسالك النفع وسَدّ منافذ الضر مما ينجرّ إليه من أحوال لا تدخل بعض أسبابها في مقدوره، ومن طبعه النظر في الوسائل الواقية له بدلائل العقل الصحيح، ولكن من طبعه تحريك خياله في تصوير قوى تخوله تلك الأسباب فإذا أملى عليه خياله وجود قوى متصرفة في النواميس الخارجة عن مقدوره خالها ضالَّته المنشودة، فركن إليها وآمن بها وغاب عنه دليل الحق، إمّا لقصور تفكيره عن دركه وانعدامِ المرشد إليه، أو لغلبة هواه الذي يُملي عليه عصيانَ المرشدين من الأنبياء والرسل والحكماء الصالحين إذ لا يتبعهم إلا القليل من الناس ولا يهتدي بالعقل من تلقاء نفسه إلا الأقل مثلُ الحكماء، فغلب على نوع الإنسان الكفر بالله على الإيمان به كما بيناه آنفاً في قوله: {وإنا إذا أذقنا الإنسان منّا رحمة فرح بها}. ولذلك عقب هذا الحكم على النوع بقوله: { أية : لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء } تفسير : [الشورى: 49]. ولم يخرج عن هذا العموم إلا الصَالِحُونَ من نوع الإنسان على تفاوت بينهم في كمال الخلق وقد استفيد خروجهم من آيات كثيرة كقوله: { أية : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } تفسير : [التين: 4 ـــ 6]. وقد شمل وصف {كفور} ما يشمل كفران النعمة وهما متلازمان في الأكثر.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَرْسَلْنَاكَ} {ٱلْبَلاَغُ} {ٱلإِنسَانَ} (48) - فَإِنْ أَعْرَضَ المُشْرِكُونَ عَمَّا أَتَيتَهُمْ بِهِ مِنْ الحَقِّ، وَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ، فَدَعْهُمْ وَشَأْنَهُمْ، فَإِنَّنَا أَرْسَلْنَاكَ لِتُبَلِّغَهُمْ مَا أَوْحَيْنَا إِلَيكَ مِنَ الدينِ والقُرْآنِ، وَلَمْ نُرْسِلْكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً تُحْصِي عَلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ وَتَحْفَظُهَا. وَإِنَّا إِذَا أَصَبْنَا الإِنْسَانَ بِنِعْمَةِ مِنَّا وَرَحْمَةٍ وَرِزْقٍ فَرِحَ بِذَلِكَ وَسُرَّ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ أَوْ مَرَضٌ (سَيِّئَةٌ) بِسَبَبِ مَا عَمِلَ مِنَ المَعَاصِي، جَحَدَ نِعْمَتَنَا، وَآيَسَ مِنَ الخَيرِ؛ وَالإِنْسَانُ مِنْ طَبْعِهِ الجُحُودُ وَكُفْرَانُ النِّعْمَةِ. فَرِحَ بِهَا - بَطِرَ لأَِجْلِهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُواْ ..} [الشورى: 48] أي: عن كل هذه المسائل وتركوك وانصرفوا عن المنهج الذي جئتهم به، ومنه قوله سبحانه: {أية : وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ} تفسير : [الإسراء: 83] فإن انصرفوا عنك يا محمد {فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ..} [الشورى: 48]. هذه تسلية لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه كان دائماً حريصاً على هداية القوم يحزنه إعراضهم وانصرافهم عن الهدى الذي جاء به، وقد كان يشق على نفسه في هذه المسألة حتى يكاد أن يهلكها، لذلك خاطبه ربه في أكثر من موضع يُسلِّيه ويُخفِّف عنه وينهاه أنْ يُحمِّل نفسه فوق طاقتها. قال تعالى: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 3] وقال في الكهف: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً} تفسير : [الكهف: 6]. وهنا يقول له: {فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ..} [الشورى: 48] يعني: مراقباً لهم مَنْ آمن وَمَنْ كفر، فمهمتك يا محمد هي مجرد البلاغ {إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ..} [الشورى: 48] وليس لك أنْ تجبر أحداً على الإيمان. ثم يُقرر الحق سبحانه حقيقة طبع عليها الإنسان {وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا ..} [الشورى: 48] هذا أمر منطقي أنْ يفرح الإنسانُ بالرحمة وبالخير يُساق إليه، والفرح هنا بمعنى البطر، والإنسان هنا اسمُ جنس يفيد العموم. {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ ٱلإِنسَانَ كَفُورٌ} [الشورى: 48] لاحظ أن الرحمة لم تُنسب إلى الإنسان لأنها ليستْ من عمل يده، إنما نُسبت إليه السيئة لأنها نتيجة سَعْيه وجني يديه. إذن: لا تُنسب السيئة إلى الله لأنها بعملك أنت، فإنْ نسبَتها لله فقد كفرتَ به {فَإِنَّ ٱلإِنسَانَ كَفُورٌ} [الشورى: 48] كفور لنعمة الله عليه، ومن كفران النعمة أنْ تنسب الأسباب لغير المسبب. وكفران النعمة وجحودها طَبْع في الإنسان إلا مَنْ رحم الله، فمثلاً يأتيك رجل يطرق بابك لتتوسط له في مصلحة فتقف إلى جواره وتساعده حتى يقضي مصلحته، الحقيقة أن الله هو الذي يقضي ويُيسِّر، وما أنت إلا سبب، وقد صادف تدخلك فيها وقت قضائها. يعني: كانت ستُقضى بدون واسطة. إذن: شفاعتك لم تأتِ بالمصلحة للغير إنما صادفتْ القبول، العجيب بعد ذلك أنْ تجد الإنسان مُتغطرساً لا يعترف بالجميل لصاحبه وينسبها لنفسه: أنا عملتُ كذا وكنتُ على استعداد لكذا وكذا، لماذا؟ لأن الجميلَ إحسانٌ، والإحسانُ يجعلك ذليلاً لمن أحسن إليك. شعر : أحسِنْ إلَى النّاسِ تستعبِد قُلُوبَهُم فَطَالَما اسْتَعْبدَ الإنْسَانَ إحْسَانُ تفسير : فمَنْ ينكر الجميل يريد أنْ يتحرر من هذه الذِّلة، وما أشبه مُنكِر الجميل بقارون الذي قال: {أية : إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ ..} تفسير : [القصص: 78] وقديماً قالوا: اتَّقِ شر مَنْ أحسنتَ إليه، لماذا؟ لأنك تُذكِّره بحال ضعفه وحاجته للمساعدة. إذن: {فَإِنَّ ٱلإِنسَانَ كَفُورٌ} [الشورى: 48] أي: للنعمة يحب أنْ ينسبها لنفسه، وفي ذات الوقت يُبعد عنها الشر والسيئة، وكلاهما كُفرانٌ لنعمة الله. والحق سبحانه حينما يُحدِّثنا عن نعمته يقول: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} تفسير : [إبراهيم: 34] أولاً: استخدام (إنْ) التي تفيد الشك، لأن نِعَم الله من الكثرة بحيث لا تُعَدّ، ولا يُقدِم أحد على عَدِّها لأنك لا تقبل على العَد إلا لشيء مظنة الإحصاء، فلا أحدَ يقول مثلاً: أعد حبَّات الرمال. كذلك نِعَم الله فوق إمكان العَدِّ والإحصاء، ثم جاء بلفظ {نِعْمَتَ} [إبراهيم: 34] بصيغة المفرد ولم يقل نِعَم، فالنعمة الواحدة لا تُعدُّ، فما بالك بالنِّعَم؟ وهذه الآية {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} تفسير : [إبراهيم: 34] جاءت بهذا اللفظ في موضعين من كتاب الله، واحدة خُتمتْ بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} تفسير : [إبراهيم: 34] والأخرى بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [النحل: 18]. فاختلاف تذييل الآيتين له معنى، لأن أمر النعمة له عناصر، مُنعِم وهو الله عز وجل، ومُنعَم عليه وهو العبد، ثم النعمة وهي التي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى. فصفة المنعِم سبحانه أنه كريم يعطي عبده ويتفضَّل عليه حتى وإنْ جحد النعمة أو كفر بها، لذلك قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [النحل: 18] والمنعَم عليه من صفته أنْ يجحد النعمة، وأنْ يكفرَ بها ظلماً وعدواناً، لذلك قال في الأخرى: {أية : إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} تفسير : [إبراهيم: 34].

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {فَإِنْ أَعْرَضُواْ} [الشورى: 48] عن الله بالإقبال على الدارين ولم يجيبوا {فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} [الشورى: 48] يحفظهم عن الالتفات إلى الدارين لأن الحفظ من شأني لا من شأنك فإني حفيظ، {إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ} [الشورى: 48] فليس عليك إلا بتبليغ الرسالة، ثم نحن نعلم بما نعاملهم بالتوفيق أو بالخذلان. وبقوله: {وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا} [الشورى: 48] يشير إلى ما يفتح الله تعالى به على القلوب من رحمته الخاصة؛ يعني: المواهب الإلهية، وفتوحات الغيب، وأنواع الكرامات التي تربى بها أطفال الطريقة، ثم من ضيق سخطات البشرية استمالت الطبيعة إلى البطر بها فيجيبه، والعجب أنها تداخله وتغلق أبواب الفتوحات بعد فتحها وذلك قوله: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ ٱلإِنسَانَ كَفُورٌ} [الشورى: 48]؛ يعني: إذ لم يشكر على ما فتح الله عليه من المواهب ليزيده؛ بل نظر إلى نفسه بالعجب، وأفشى سره على الخلق وإراءته شمعة من خصوصيته للإنسانية، إذ وكله الله إلى نفسه، ثم قال: {لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} [الشورى: 49]؛ أي: سماوات القلوب {وَٱلأَرْضِ} [الشورى: 49] أرض النفوس {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} [الشورى: 49] فيهما، وبقوله: {يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ} [الشورى: 49] يشير إلى أرباب الولاية من المشايخ المسلكين، يهب لبعضهم من المريدين الصادقين الأتقياء الصلحاء وهم بمثابة الإناث لا تصرف لهم في غيرهم بالتخريج والتسليك، ويهب لبعضهم من المريدين والصديقين المحبين الواصلين، الكاملين المسلكين المخرجين وهم بمثابة الذكور لاستعداد تصرفهم في الطالبين، {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً} [الشورى: 50]؛ يعني: يهب لبعضهم من الجنسين المذكورين متصرفين في الغير وغير المتصرف، {وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ} [الشورى: 50] لبعضهم من المشايخ {عَقِيماً} [الشورى: 50] لا يقوم منهم المريدون، {إِنَّهُ عَلِيمٌ} [الشورى: 50] لمن يجعله متصرفاً وغير متصرف في المريد، {قَدِيرٌ} [الشورى: 50] على من يشاء أن يجعله متصرفاً أو غير متصرف. ثم أخبر عن معاملة أهل المكالمة بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً} [الشورى: 51] يشير إلى أن البشر متى كان محجوباً بصفات البشرية، موصوفاً بأوصاف الخلقية الظلمانية الإنسانية لا يكون مستعداً أن يكلمه الله إلا بالإلهام والوحي في النوم أو اليقظة، {أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} [الشورى: 51] بالكلام الصريح {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً} [الشورى: 51] من الملائكة، {فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ} [الشورى: 51] إنه علي بعلو القدم لا يجانسه محدث، {حَكِيمٌ} [الشورى: 51] فيما يساعد البشر بإفناء أنانيته بهويته، فإذا فنيت البشرية وارتفعت الحجب وتبدلت كينونيته بكينونية الحق حتى به يسمع وبه يبصر وبه ينطق، فيكلمه الحق به شفاها، وبه يسمع العبد كلام كفاحا كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم في سر {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ}تفسير : [النجم: 10].