٤٢ - ٱلشُّورىٰ
42 - Ash-Shura (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
49
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} فيه أربع مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} ابتداء وخبر. {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} من الخلق. {يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَـٰثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ} قال أبو عبيدة وأبو مالك ومجاهد والحسن والضحاك: يهب لمن يشاء إناثاً لا ذكور معهنّ، ويهب لمن يشاء ذكوراً لا إناث معهم؛ وأدخل الألف واللام على الذكور دون الإناث لأنهم أشرف فميزهم بسمة التعريف. وقال واثلة بن الأسقع: إن مِن يُمْن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر، وذلك أن الله تعالى قال: {يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ} فبدأ بالإناث. {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً} قال مجاهد: هو أن تلد المرأة غلاماً ثم تلد جارية، ثم تلد غلاماً ثم تلد جارية. وقال محمد بن الحنفية: هو أن تلد تَوْأماً، غلاماً وجارية، أو يزوّجهم ذكراناً وإناثاً. قال القتبيّ: التزويج هاهنا هو الجمع بين البنين والبنات؛ تقول العرب: زوّجت إبلي إذا جمعت بين الكبار والصغار. {وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً} أي لا يولد له؛ يقال: رجل عقيم، وامرأة عقيم. وعَقِمَت المرأة تَعْقَم عَقْماً؛ مثل حَمِد يَحْمَد. وعَقُمت تَعْقُم، مثل عُظم يعظم. وأصله القطع، ومنه المُلْك العقيم، أي تقطع فيه الأرحام بالقتل والعقوق خوفاً على الملك. وريح عقيم؛ أي لا تلقح سحاباً ولا شجراً. ويوم القيامة يوم عقيم؛ لأنه لا يوم بعده. ويقال: نساء عُقُم وعُقْم؛ قال الشاعر:شعر : عُقِم النساء فما يَلِدْنَ شبيهه إن النساء بمثله عُقْمُ تفسير : وحكى النقاش أن هذه الآية نزلت في الأنبياء خصوصاً وإن عمّ حكمها. وَهَب لِلُوطٍ الإناث ليس معهنّ ذكر، ووهب لإبراهيم الذكور ليس معهم أنثى، ووهب لإسماعيل وإسحاق الذكور والإناث، وجعل عيسى ويحيى عقيمين؛ ونحوه عن ابن عباس وإسحاق بن بشر. قال إسحاق: نزلت في الأنبياء، ثم عمت. {يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً} يعني لوطاً عليه السلام، لم يولد له ذكر وإنما ولد له ابنتان. {وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ} يعني إبراهيم عليه السلام لم يولد له أنثى بل ولد له ثمانية ذكور. {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً} يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولد له أربعة بنين وأربع بنات. {وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً} يعني يحيى بن زكريا عليهما السلام؛ لم يذكر عيسى. ابن العربي: قال علماؤنا «يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً» يعني لوطاً كان له بنات ولم يكن له ٱبن. «وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ» يعني إبراهيم، كان له بنون ولم يكن له بنت. وقوله: {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً} يعني آدم، كانت حوّاء تلد له في كل بطن توأمين ذكراً وأنثى، ويزوّج الذكر من هذا البطن من الأنثى من البطن الآخر، حتى أحكم الله التحريم في شرع نوح صلى الله عليه وسلم. وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم كان له ذكور وإناث من الأولاد: القاسم والطيب والطاهر وعبد الله وزينب وأم كلثوم ورقية وفاطمة؛ وكلهم من خديجة رضي الله عنها، وإبراهيم وهو من مارية القبطية. وكذلك قسم الله الخلق من لدن آدم إلى زماننا هذا، إلى أن تقوم الساعة، على هذا التقدير المحدود بحكمته البالغة ومشيئته النافذة؛ ليبقى النسل، ويتمادى الخلق، وينفذ الوعد، ويحق الأمر، وتعمر الدنيا، وتأخذ الجنة وجهنم كل واحدة ما يملؤها ويبقى. ففي الحديث: «حديث : إن النار لن تمتلىء حتى يضع الجبار فيها قدمه، فتقول قَطِ قَطِ. وأما الجنة فيبقى منها فينشىء الله لها خلقاً آخر».تفسير : الثانية ـ قال ابن العربي: إن الله تعالى لعموم قدرته وشديد قوّته يخلق الخلق ابتداء من غير شيء، وبعظيم لطفه وبالغ حكمته يخلق شيئاً من شيء لا عن حاجة؛ فإنه قدّوس عن الحاجات سلام عن الآفات، كما قال القدوس السلام؛ فخلق آدم من الأرض وخلق حوّاء من آدم وخلق النشأة من بينهما منهما مرتباً على الوطء كائناً عن الحمل موجوداً في الجنين بالوضع؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا سبق ماءُ الرجل ماءَ المرأة أذْكرا وإذا سبق ماءُ المرأة ماءَ الرجل آنثا»تفسير : . وكذلك في الصحيح أيضاً: «حديث : إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أشبه الولد أعمامه وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أشبه الولد أخواله».تفسير : قلت: هذا معنى حديث عائشة لا لفظه خرّجه مسلم من حديث عروة بن الزبير عنها حديث : أن امرأة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تغتسل المرأة إذا ٱحتلمت وأبصرت الماء؟ فقال: «نعم» فقالت لها عائشة: تَرِبَتْ يداك وألّت؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعِيها وهل يكون الشبه إلا مِن قِبَل ذلك. إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه»تفسير : . قال علماؤنا: فعلى مقتضى هذا الحديث أن العلو يقتضي الشبه؛ وقد جاء في حديث ثَوْبان خرجه مسلم أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهودي: «حديث : ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا مَنِيُّ الرجل مَنِيَّ المرأة أذْكرا بإذن الله وإذا علا مَنِيُّ المرأة مَنِيَّ الرجل آنثا بإذن الله...» تفسير : الحديث. فجعل في هذا الحديث أيضاً العلو يقتضي الذكورة والأنوثة؛ فعلى مقتضى الحديثين يلزم اقتران الشبه للأعمام والذكورة إن علا مَنِيّ الرجل، وكذلك يلزم إن علا مَنِيّ المرأة اقتران الشبه للأخوال والأنوثة؛ لأنهما معلولاَ علّةٍ واحدة، وليس الأمر كذلك بل الوجود بخلاف ذلك؛ لأنا نجد الشبه للأخوال والذكورة والشّبه للأعمام والأنوثة فتعين تأويل أحد الحديثين. والذي يتعين تأويله الذي في حديث ثَوْبان فيقال: إن ذلك العلو معناه سبق الماء إلى الرحم، ووجهه أن العلو لما كان معناه الغلبة من قولهم سابقني فلان فسبقته أي غلبته؛ ومنه قوله تعالى: {أية : وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ}تفسير : [المعارج: 41] أي بمغلوبين، قيل عليه: علا. ويؤيد هذا التأويل قوله في الحديث: «حديث : إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة أذكرا وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل آنثا»تفسير : . وقد بنى القاضي أبو بكر بن العربي على هذه الأحاديث بناء فقال: إن للماءين أربعة أحوال: الأوّل أن يخرج ماء الرجل أولاً، الثاني أن يخرج ماء المرأة أوّلاً، الثالث أن يخرج ماء الرجل أوّلاً ويكون أكثر، الرابع أن يخرج ماء المرأة أوّلاً ويكون أكثر. ويتم التقسيم بأن يخرج ماء الرجل أوّلاً ثم يخرج ماء المرأة بعده ويكون أكثر أو بالعكس؛ فإذا خرج ماء الرجل أوّلاً وكان أكثر جاء الولد ذكراً بحكم السبق وأشبه الولد أعمامه بحكم الكثرة. وإن خرج ماء المرأة أوّلاً وكان أكثر جاء الولد أنثى بحكم السبق وأشبه أخواله بحكم الغلبة. وإن خرج ماء الرجل أوّلاً لكن لما خرج ماء المرأة بعده كان أكثر كان الولد ذكراً بحكم السبق وأشبه أخواله بحكم غلبة ماء المرأة، وإن سبق ماء المرأة لكن لما خرج ماء الرجل كان أعلى من ماء المرأة كان الولد أنثى بحكم سبق ماء المرأة وأشبه أعمامه بحكم غلبة ماء الرجل. قال: وبانتظام هذه الأقسام يستتب الكلام ويرتفع التعارض عن الأحاديث، فسبحان الخالق العليم. الثالثة ـ قال علماؤنا: كانت الخلقة مستمرة ذكراً وأنثى إلى أن وقع في الجاهلية الأولى الخنثى فأتِيَ به فرِيضَ العرب ومعمّرها عامرَ بن الظَّرِب فلم يدر ما يقول فيه وأرجأهم عنه؛ فلما جنّ عليه الليل تنكّر موضعه، وأقَض عليه مضجعه، وجعل يتقلّى ويتقلّب، وتجيء به الأفكار وتذهب، إلى أن أنكرت خادمُه حاله فقالت: ما بك؟ قال لها: سهِرت لأمر قُصدت به فلم أدرِ ما أقول فيه؟ فقالت ما هو؟ قال لها: رجل له ذكر وفرج كيف يكون حاله في الميراث؟ قالت له الأمَة: ورّثه من حيث يبول؛ فعَقَلها وأصبح فعرضها عليهم وانقلبوا بها راضين. وجاء الإسلام على ذلك فلم تنزل إلا في عهد عليّ رضي الله عنه فقضى فيها. وقد روى الفَرَضيُّونَ عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم حديث : أنه سئل عن مولود له قُبُل وذَكَرٌ من أين يورّث؟ قال: من حيث يبول. وروي أنه أتي بخنثى من الأنصار فقال: «ورّثوه من أول ما يبول»تفسير : . وكذا روى محمد بن الحنفية عن عليّ، ونحوه عن ابن عباس، وبه قال ابن المسيّب وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، وحكاه المزني عن الشافعي. وقال قوم: لا دلالة في البول؛ فإن خرج البول منهما جميعاً قال أبو يوسف: يحكم بالأكثر. وأنكره أبو حنيفة وقال: أتكيلهٰ ولم يجعل أصحاب الشافعي للكثرة حكماً. وحكي عن عليّ والحسن أنهما قالا: تعد أضلاعه، فإن المرأة تزيد على الرجل بضلع واحد. وقد مضى ما للعلماء في هذا في آية المواريث في «النساء» مجوّداً والحمد لله. الرابعة ـ قال القاضي أبو بكر بن العربي: وقد أنكر قوم من رؤوس العوام وجود الخنثى، لأن الله تعالى قسم الخلق إلى ذكر وأنثى. قلنا: هذا جهل باللغة، وغباوة عن مقطع الفصاحة، وقصور عن معرفة سعة القدرة. أما قدرة الله سبحانه فإنه واسع عليم، وأما ظاهر القرآن فلا ينفي وجود الخنثى؛ لأن الله تعالى قال: {لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ}. فهذا عموم مدح فلا يجوز تخصيصه؛ لأن القدرة تقتضيه. وأما قوله: {يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَأَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً} فهذا إخبار عن الغالب في الموجودات، وسكت عن ذكر النادر لدخوله تحت عموم الكلام الأوّل، والوجود يشهد له والعِيان يكذب منكره، وقد كان يقرأ معنا برِباط أبي سعيد على الإمام الشهيد من بلاد المغرب خنثى ليس له لحية وله ثديان وعنده جارية؛ فربُّك أعلم به، ومع طول الصحبة عقلني الحياء عن سؤاله، وبودّي اليوم لو كاشفته عن حاله.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أنه خالق السموات والأرض ومالكهما، والمتصرف فيهما، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وأنه يخلق ما يشاء {يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَـٰثاً} أي: يرزقه البنات فقط. قال البغوي: ومنهم لوط عليه الصلاة والسلام. {وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ} أي: يرزقه البنين فقط، قال البغوي: كإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، لم يولد له أنثى، {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَـٰثاً} أي: يعطي لمن يشاء من الناس الزوجين الذكر والأنثى، أي: هذا وهذا، قال البغوي: كمحمد صلى الله عليه وسلم{وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً} أي: لا يولد له. قال البغوي: كيحيى وعيسى عليهما السلام، فجعل الناس أربعة أقسام: منهم من يعطيه البنات، ومنهم من يعطيه البنين، ومنهم من يعطيه من النوعين ذكوراً وإناثاً، ومنهم من يمنعه هذا وهذا، فيجعله عقيماً لا نسل له، ولا ولد له. {إِنَّهُ عَلِيمٌ} أي: بمن يستحق كل قسم من هذه الأقسام {قَدِيرٌ} أي: على من يشاء من تفاوت الناس في ذلك، وهذا المقام شبيه بقوله تبارك وتعالى عن عيسى عليه الصلاة والسلام: {وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِّلْنَّاسِ} أي: دلالة لهم على قدرته تعالى وتقدس، حيث خلق الخلق على أربعة أقسام، فآدم عليه الصلاة والسلام مخلوق من تراب، لا من ذكر وأنثى، وحواء عليها السلام مخلوقة من ذكر بلا أنثى، وسائر الخلق سوى عيسى عليه السلام من ذكر وأنثى، وعيسى عليه السلام من أنثى بلا ذكر، فتمت الدلالة بخلق عيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام. ولهذا قال تعالى: {وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِّلْنَّاسِ} فهذا المقام في الآباء، والمقام الأول في الأبناء، وكل منهما أربعة أقسام، فسبحان العليم القدير.
المحلي و السيوطي
تفسير : {للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ } من الأولاد {إِنَٰثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ ٱلذُّكُورَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ} قال عبيدة:يهب لمن يشاء إناثاً لا ذكور فيهن، ويهب لمن يشاء ذكوراً لا إناث فيهم. وأدخل الألف على الذكور دون الإناث لأنهم أشرف فميزهم بسمة التعريف. {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً} فيه وجهان: أحدهما: هو أن تلد غلاماً ثم تلد جارية ثم تلد غلاماً ثم تلد جارية، قاله مجاهد. الثاني: هو أن تلد توأمين غلاماً وجارية، قاله محمد بن الحنفية، والتزويج هنا الجمع بين البنين والبنات. قال ابن قتيبة: تقول العرب زوجني إبلي إذا جمعت بين الصغار والكبار. {وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً} أي لا يولد له. يقال عقم فرجه عن الولادة أي منع. وحكى النقاش أن هذه الآية نزلت في الأنبياء خصوصاً وإن عم حكمها، فوهب للوط البنات ليس فيهن ذكر، ووهب لإبراهيم الذكور ليس معهم أنثى، ووهب لإسماعيل وإسحاق الذكور والإناث، وجعل عيسى ويحيى عقيمين.
ابن عطية
تفسير : الآية الأولى آية اعتبار دال على القدرة والملك المحيط بالجميع، وأن مشيئته تبارك وتعالى نافذة في جميع خلقه وفي كل أمرهم، وهذا لا مدخل لصنم فيه، فإن الذي يخلق ما يشاء ويخترع، فإنما هو الله تبارك وتعالى، وهو الذي يقسم الخلق فيهب الإناث لمن يشاء، أي يجعل بنيه نساء، ويهب الذكور لمن يشاء على هذا الحد، أو ينوعهم مرة يهب ذكراً ويهب أنثى، وذلك معنى قوله تعالى: {أو يزوجهم}. وقال محمد بن الحنفية: يريد بقوله تعالى: {أو يزوجهم} التوأم، أي يجعل في بطنٍ زوجاً من الذرية ذكراً وأنثى. والعقيم: الذي لا يولد له، وهذا كله مدبر بالعلم والقدرة، وهذه الآية تقضي بفساد وجود الخنثى المشكل. وبدئ في هذه الآية بذكر الإناث تأنيساً بهن وتشريفاً لهن ليتهمم بصونهن والإحسان إليهن، وقال النبي عليه السلام: "حديث : من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له حجاباً من النار". تفسير : وقال واثلة بن الأسقع: من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر، لأن الله تعالى بدأ بالإناث، حكاه الثعلبي. وقال إسحاق بن بشر: نزلت هذه الآية في الأنبياء ثم عمت، فلوط أبو البنات لم يولد له ذكر، وإبراهيم ضده، ومحمد عليه السلام ولد له الصنفان، ويحيى بن زكرياء عقيم. وقوله تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله} الآية نزلت بسبب خوض كان للكفار في معنى تكليم الله موسى ونحو ذلك، ذهبت قريش واليهود في ذلك إلى تجسيم ونحوه، فنزلت الآية مبينة صورة تكليم الله عباده كيف هو، فبين الله أنه لا يكون لأحد من الأنبياء ولا ينبغي له ولا يمكن فيه أن يكلمه الله إلا بأن يوحي إليه أحد وجوه الوحي من الإلهام. قال مجاهد، والنفث في القلب. وقال النقاش: أو وحي في منام؟ قال إبراهيم النخعي: كان من الأنبياء من يخط له في الأرض ونحو هذا، أو بأن يسمعه كلامه دون أن يعرف هو للمتكلم جهة ولا حيزاً كموسى عليه السلام، وهذا معنى: {من وراء حجاب} أي من خفاء عن المتكلم لا يحده ولا يتصور بذهنه عليه، وليس كالحجاب في الشاهد، أو بأن يرسل إليه ملكاً يشافهه بوحي الله تعالى. وقرأ جمهور القراء والناس: "أو يرسلَ" بالنصب "فيوحيَ" بالنصب أيضاً. وقرأ نافع وابن عامر وأهل المدينة: "أو يرسلُ" بالرفع "فيوحيَ" بالنصب أيضاً. وقرأ نافع وابن عامر وأهل المدينة: "أو يرسلُ" بالرفع "فيوحي" بسكون الياء ورفع الفعل. فأما القراءة الأولى فقال سيبويه: سألت الخليل عنها فقال: هي محمولة على {أن} غير التي في قوله: {أن يكلمه الله} لأن المعنى كان يفسد لو عطف على هذه، وإنما التقدير في قوله: {وحياً} إلا أن يوحي وحياً. وقوله: {من وراء حجاب}، {من} متعلقة بفعل يدل ظاهر الكلام عليه، تقديره: أو يكلمه من وراء حجاب، ثم عطف: "أو يرسل" على هذا الفعل المقدر. وأما القراءة الثانية فعلى أن "يرسل" في موضع الحال أو على القطع، كأنه قال: أو هو يرسل، وكذلك يكون قوله: {إلا وحياً} مصدر في موضع الحال، كما تقول: أتيتك ركضاً وعدواً، وكذلك قوله: {من وراء حجاب} في موضع الحال كما هو قوله: {أية : ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين} تفسير : [آل عمران: 46] في موضع الحال، فكذلك {أية : من}تفسير : [آل عمران: 46] وما عملت فيه هذه الآية أيضاً، ثم عطف قوله: "أو يرسلَ" على هذه الحال المتقدمة. وفي هذه الآية دليل على أن الرسالة من أنواع التكليم، وأن الحالف المرسل حانث إذا حلف أن لا يكلم إنساناً فأرسل إليه وهو لم ينو المشافهة وقت يمينه. وقوله تعالى: {وكذلك أوحينا إليك} المعنى وبهذه الطرق ومن هذا الجنس أوحينا إليك أو بالرسل. والروح في هذه الآية: القرآن وهدى الشريعة سماه {روحاً} من حيث يحيي به البشر والعالم، كما يحيي الجسد بالروح، فهذا على جهة التشبيه. وقوله تعالى: {من أمرنا} أي واحد من أمورنا، ويحتمل أن يكون الأمر بمعنى الكلام، و {من} لابتداء الغاية. وقوله تعالى: {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} توقيف على مقدار النعمة. والضمير في {جعلناه} عائد على الكتاب، و. {يهدي} بمعنى يرشد. وقرأ جمهور الناس: "وإنك لتَهدي" بفتح التاء وكسر الدال. وقرأ حوشب: "تُهدَى" بضم التاء وفتح الدال على بناء الفعل للمفعول، وفي حرف أبي: "لتدعو"، وهي تعضد قراءة الجمهور. وقرأ ابن السميفع وعاصم والجحدري: "لتُهدِي" بضم التاء وكسر الدال. وقوله: {صراط الله} يعني صراط شرع الله ورحمته وجنته، فبهذا الوجه ونحوه من التقدير أضيف الصراط إلى الله تعالى. واستفتح القول في الإخبار بصيرورة الأمور إلى الله تعالى مبالغة وتحقيقاً وتثبيتاً، والأمور صائرة على الدوام إلى الله تعالى، ولكن جاءت هذه العبارة مستقبلة تقريباً لمن في ذهنه أن شيئاً من الأمور إلى البشر. وقال سهيل من أبي الجعد: احترق مصحف فلم يبق منه إلا قوله: {ألا إلى الله تصير الأمور}.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً} محضة ولمن يشاء الذكور متمحضة ولشرف الذكور أدخل عليهم أداة التعريف.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ...} الآية، هذه آية اعتبار دَالٍّ على القُدْرَةِ والمُلْكِ المحيط بالجميع، وأَنَّ مشيئته تعالى نافذة في جميع خلقه وفي كُلِّ أمرهم، وهذا لا مدخل لصنم فيه، فإنَّ الذي يخلق ما يشاء هو اللَّه تبارك وتعالى، وهو الذي يقسم الخلق؛ فيهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الأولاد الذكور، {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ} أي: ينوعهم ذكراناً وإناثاً، وقال محمد بن الحَنَفِيَّةِ: يريد بقوله تعالى: {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ} التَّوْءَمَ، أي: يجعل في بطن زوجاً من الذُّرِّيَّة ذكراً وأنثَىٰ، و«العقيم»: الذي لا يُولَدُ له، وهذا كله مُدَبَّرٌ بالعلم والقدرة وبدأ في هذه الآية بذكر الإناث؛ تأنيساً بِهِنَّ لِيُهْتَمَّ بصونهنَّ والإحسانِ إليهنَّ، وقال النبيُّ ـــ عليه السلام ـــ: «حديث : مَنِ ٱبْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ البَنَاتِ بِشَيْءٍ، فَأَحْسَنَ إلَيْهِنَّ، كُنَّ لَهُ حِجَاباً مِنَ النَّارِ»تفسير : ، وقال واثلةُ بْنُ الأَسْقَعِ: مِنْ يُمْنِ المَرْأَةِ تبكيرُها بالأنثَىٰ قبل الذكر؛ لأنَّ اللَّه تعالى بدأ بِذِكْرِ الإناث؛ حكاه عنه الثعلبيُّ قال: وقال إسحاق بن بِشْرٍ: نزلَتْ هذه الآيةُ في الأَنبياء، ثم عَمَّتْ فـ {يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً} يعني: لوطاً ـــ عليه السلام ـــ، و {وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ} يعني: إبراهيم ـــ عليه السلام ـــ، {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَـٰثاً} يعني: نِبِيَّنَا محمَّداً ـــ عليه السلام ـــ، {وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً} يعني: يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّاء ـــ عليهما السلام ـــ. وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَاءٍ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً...} الآية، نزلَتْ بسبب خَوْضٍ كان للكفار في معنى تكليم اللَّه موسَىٰ ونحو ذلك، ذهَبَ قريشٌ واليهودُ في ذلك إلى تجسيم ونحوه، فنزلت الآية مُبَيِّنَةً صورةَ تكليم اللَّه عبادَهُ، كيف هو، فَبَيَّنَ اللَّه تعالى أَنَّهُ لا يكُونُ لأَحَدٍ مِنَ الأنبياءِ، ولا ينبغِي له، ولا يمكنُ فيه أنْ يُكَلِّمه اللَّه إلاَّ بأَنْ يوحي إليه أحَدَ وجوه الوَحْيِ من الإلهام؛ قال مجاهد: أوِ النَّفْثِ في القَلْبِ، أو وَحْيٍ في منام، قال النَّخَعِيّ: وكانَ من الأنبياء مَنْ يُخَطَّ له في الأرض ونحو هذا، أو بأنْ يُسْمِعَهُ كلامه دون أن يعرف هو للمتكلِّم جهةً ولا حَيِّزاً كموسَىٰ ـــ عليه السلام ـــ، وهذا معنى {مِن وَرَاءٍ حِجَابٍ} أي: من خفاء عن المُكَلَّم لا يحدُّه ولا يتسوَّر بذهنه عليه، وليس كالحجابِ في الشاهد، أو بأنْ يرسِلَ إليه مَلَكاً يُشَافِهُهُ بوحْي اللَّه عز وجل، قال الفخر: قوله: {فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} أي: فيوحى ذلك المَلَكُ بإذن اللَّه ما يشاءُ اللَّه انتهى، وقرأ جمهور القُرَّاءِ والناس: «أَوْ يُرْسِلَ» بالنصب «فَيُوحَى» بالنصب أيضاً، وقرأ نافع، وابن عامر، وابن عباس، وأهل المدينة: «أَوْ يُرْسِلُ» بالرفع فيوحي ـــ بسكون الياء ـــ، وقوله: {أَوْ مِن وَرَاءٍ حِجَابٍ} «مِنْ» متعلِّقةٌ بفعْلٍ يَدُلُّ ظاهر الكلام عليه، تقديره: أو يكلِّمه من وراء حجاب، وفي هذه الآيةِ دليلٌ على أَنَّ الرسالة من أنواع التكليم، وأَنَّ مَنْ حَلَفَ: لا يُكَلِّم فلاناً، وهو لم ينوِ المشافهة، ثم أرسل رسولاً حَنِثَ.
البقاعي
تفسير : ولما قدم سبحانه في هذه السورة أن له التصرف التام في عالم الخلق بالأجسام المرئية وفي عالم الأمر بالأرواح الحسية والمعنوية القائمة بالأبدان والمدبرة للأديان، وغير ذلك من بديع الشأن، فقال في افتتاح السورة {كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك} وأتبعه أشكاله إلى أن قال {أم يقولون افترى على الله كذباً فإن يشأ الله يختم على قلبك} الآية {فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفكسم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً} - الآية {له مقاليد السماوات والأرض} {الله لطيف بعباده يرزق من يشاء} {من كان يريد حرث الآخرة} - الاية، {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض}، {ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام} - الآية إلى أن ذكر أحوال الآخرة في قوله {وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون} - الآيات، وختم بتصرفه المطلق في الإنسان من إنعام وانتقام، وما له من الطبع المعوج مع ما وهبه له من العقل المقيم في أحسن تقويم، فدل ذلك على أن له التصرف التام ملكاً وملكوتاً خلقاً وأمراً، أتبعه الدليل على أن تصرفه ذلك على سبيل الملك والقهر إيجاداً وإعداماً إهانة وإكراماً، فقال صارفاً القول عن أسلوب العظمة التي من حقها دوام الخضوع وإهلاك الجبابرة إلى أعظم منها بذكر الاسم الأعظم الجامع لمظهر العظمة ومقام اللطف والإحسان والرحمة نتيجة لكل ما مضى: {لله} أي الملك الأعظم وحده لا شريك له {ملك السماوات} كلها على علوها وارتفاعها وتطابقها وكبرها وعظمها وتباعد أقطارها {والأرض} جميعها على تباينها وتكاثفها واختلاف أقطارها وسكانها واتساعها. ولما أخبر بانفراده بالملك، دل عليه بقوله تعالى: {يخلق} أي على سبيل التجدد والاستمرار {ما يشاء} أي وإن كان على غير اختيار العباد، ثم دل على ذلك بما يشاهد من حال الناس فانه لما استوى البشر في الإنسانية والنكاح الذي هو سبب الولادة اختلفت أصناف أولادهم. كان ذلك أدل دليل على أنه لا اختيار لأحد معه وأن الأسباب لا تؤثر أصلاً إلا به. ولما كانت ولادة الإناث أدل على عدم اختيار الولد وكانوا يعدونه من البلاء الذي ختم به ما قبلها قدمهن في الذكر فقال: {يهب} خلقاً ومولداً {لمن يشاء} أولاداً {إناثاً} أي فقط ليس معهن ذكر كما في لوط عليه الصلاة والسلام، وعبر سبحانه فيهن بلفظ الهبة لأن الأوهام العادية قد تكتنف العقل فتحجبه عن تأمل محاسن التدبيرات الإلهية، وترمي به في مهاوي الأسباب الدنيوية، فيقع المسلم مع إسلامه في مضاهاة الكفار في كراهة البنات وفي وادي الوأد بتضييعهن أو التقصير في حقوقهن وتنبيهاً على أن الأنثى نعمة، وأن نعمتها لا تنقص عن نعمة الذكر وربما زادت، وإيقاظاً من سنة الغفلة على أن التقديم وإن كان لما قدمته لا يقدم تأنيساً وتوصية لهن واهتماماً بأمرهن، نقل ابن ميلق عن ابن عطية عن الثعلبي أن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر لأن الله تعالى بدأ بالإناث، ولذلك رغب النبي صلى الله عليه وسلم في الإحسان إليهن في أحاديث كثيرة ورتب على ذلك أجراً كبيراً ولأجل تضمين الهبة مع الخلق عداها باللام مع أن فعلها متعد بنفسه إلى مفعولين لئلا يتوهم أن الولد كان لغير الوالد ووهبه الله له. ولما كان الذكر حاضراً في الذهن لشرفه وميل النفس إليه لا سيما وقد ذكر به ذكر الإناث، عرف لذلك وجبراً لما فوته من التقديم في الذكر تنبيهاً على أنه ما أخر إلا لما ذكر من المعنى فقال: {ويهب لمن يشاء الذكور *} أي فقط ليس بينهن أنثى كما صنع لإبراهيم عليه السلام وهو عم لوط عليه السلام. ولما فرغ من القسمين الأولين عطف عليهما قسيماً لهما ودل على أنه قسم بأو فقال: {أو يزوجهم} أي الأولاء بجعلهم ازواجاً أي صنفين حال كونهم {ذكراناً وإناثاً} مجتمعين في بطن ومنفردين كما منح محمداً صلى الله عليه وسلم، ورتبهما هنا على الأصل تنبيهاً على أنه ما فعل غير ذلك فيما مضى إلا لنكت جليلة فيجب تطلبها، وعبر في الذكر بما هو أبلغ في الكثرة ترغيباً في سؤاله، والخضوع لديه رجاء نواله. ولما فرغ من أقسام الموهوبين الثلاثة، عطف على الإنعام بالهبة سلب ذلك، فقال موضع أن يقال مثلاً: ولا يهب شيئاً من ذلك لمن يشاء: {ويجعل من يشاء عقيماً} أي لا يولد له كيحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام - كذا قالوه، والظاهر أنه لا يصح مثالاً فإنه لم يتزوج، قال ابن ميلق، وأصل العقيم اليبس المانع من قابلية التأثر لما من شأنه أن يؤثر، والداء العقام هو الذي لا يقبل البرء - انتهى. فهذا الذي ذكر أصرح في المراد لأجل ذكر العقم، وأدل على القدرة لأن شامل لمن له قوة الجماع والإنزال لئلا يظن أن عدم الولد لعدم تعاطي أسبابه، وذكروا في هذا القسم عيسى عليه الصلاة والسلام. ولا يصح لأنه ورد أنه يتزوج بعد نزوله ويولد له، وهذه القسمة الرباعية في الأصول كالقسمة الرباعية في الفروع، بعضهم لا من ذكر ولا أنثى كآدم عليه الصلاة والسلام، وبعضهم من ذكر فقط كحواء عليها السلام، وبعضهم من أنثى فقط كعيسى عليه السلام وبعضهم من ذكر وأنثى وهو أغلب الناس، فتمت الدلالة على أنه ما شاء كان ولا راد له وما لم يشأ لم يكن، ولا مكون له ولا مانع أعطى ولا معطي لما منع. ولما دل هذا الدليل الشهودي على ما بنيت الآية عليه من إثبات الملك له وحده مع ما زادت به من جنس السياق وعذوبة الألفاظ وإحكام الشك وإعجاز الترتيب والنظم، كانت النتيجة قطعاً لتضمن إشراكهم به الطعن في توحده بالملك مقدماً فيها الوصف الذي هو أعظم شروط الملك: {إنه عليم} أي بالغ العلم بمصالح العباد وغيرها {قدير*} شامل القدرة على تكوين ما يشاء. ولما تم القسم الأول مما بنى على العلم والقدرة، والقدرة فيه أظهر وفاقاً لما ختمت به الآية، وكان قد يكون خلقه إياه إبداعاً من غير توسط سبب، وقد يكون بتوسيط سبب، أتبعه القسم الآخر الأعلى الذي العلم فيه أظهر وهو الوحي الذي ختمت آيته أول السورة بالحكمة التي هي سر العلم, وقسمه أيضاً إلى ما هو بواسطة وإلى ما هو بغير واسطة, ولكن سر التقدير في القسم الأول الكلام وهو الذي شرف به, وكان لا يمكن أحداً أن يتكلم إلا بتكليم الله له أي إيجاده الكلام في قلبه قال: {وما} أي وهو سبحانه تام العلم شامل القدرة غرز في البشر غريزة العلم وأقدره على النطق به بقدرته وحياً منه إليه كما أوحى إلى النحل ونحوها والحال أنه ما {كان لبشر} من الأقسام المذكورة، وحل المصدر الذي هو اسم "كان" ليقع التصريح بالفاعل والمفعول على أتم وجوهه فقال: {أن يكلمه} وأظهر موضع الإضمار إعظاماً للوحي وتشريفاً لمقداره بجلالة إيثاره قفال: {الله} أي يوجد الملك الأعظم الجامع لصفات الكمال في قلبه كلاماً {إلا وحياً} أي كلاماً خفياً يوجده فيه بغير واسطة بوجه خفي لا يطلع عليه أحد إلا بخارق العادة إما بإلهام أو برؤيا منام أو بغير ذلك سواء خلق الله في المكلم به قوة السماع له وهو أشرف هذه الأقسام مطلقاً سواء كان ذلك مع الرؤية ليكون قسيماً لما بعده أولاً أو يخلق فيه ذلك ومن هذا القسم الأخير {أية : وأوحينا إلى أم موسى}تفسير : [القصص: 7] {أية : وأوحى ربك إلى النحل} تفسير : [النحل: 68] {أية : وأوحى في كل سماء أمرها} تفسير : [فصلت: 12] فإن إيداعها القوى التي يحصل بها المنافع مثل إيداع الإنسان قوة الكلام ثم قوة التعبير عنه - والله أعلم. وهذا معنى قول القاضي عياض في الشفاء في آخر الفصل الثاني من الباب الرابع في الإعجاز: وقد قيل في قوله تعالى {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً} الآية أي ما يلقيه في قلبه دون واسطة، ومعنى قول الإمام شهاب الدين السهروردي في الباب السادس والعشرين من عوارفه: والعلوم اللدنية في قلوب المنقطعين إلى الله ضرب من المكالمة. ولما كان الحجاب الحسي يخفي ما وراءه عن العيان، استعير لمطلق الخفاء فقال: {أو من} أي كلاماً كائناً بلا واسطة، لكنه مع السماع لعين كلام الله كائن صاحبه من {وراء حجاب} أي من وجه لا يرى فيه المتكلم مع السماع للكلام على وجه الجهر، قال القشيري: والمحجوب العبد لا الرب، والحجاب أن يخلق في محل الرؤية ضد الرؤية، وتعالى الله أن يكون من وراء حجاب لأن ذلك صفة الأجسام - انتهى. والآية يمكن تنزيلها على الاحتباك بأن يكون ذكر الحجاب ثانياً دليلاً على نفيه أولاً، وذكر الوحي الدال على الخفاء أولاً دليلاً على الجهر ثانياً، والحجاب ثانياً دليلاً على الرؤية أولاً، وسره أن ترك التصريح والدلالة عليها بالحجاب أولى بسياق العظمة. ولما كان الذي بلا واسطة مع كونه أخفى الأقسام ليس فيه صوت ولا ترتب في كلمات، عبر فيه بالمصدر وعبر بما يلقيه الملك بما يدل على التجدد فقال: {أو يرسل} وهو عطف على المصدر بعد تقدير حله {رسولاً} أي من الملائكة. ولما كان الوحي مسبباً عن الإرسال ومرتباً عليه قال: {فيوحي} أي على سبيل التجديد والترتيب، وقرأ نافع برفع يرسل ويوحي بتقدير: أو هو يرسل. ولما كان ربما ظن أن للواسطة فعلاً يخرج عن فعله، رد ذلك بقوله: {بإذنه} أي بإقداره وتمكينه، فذلك المبلغ إنما هو آلة. ولما كان رسوله لا يخرج عما حده له بوجه قال: {ما يشاء} أي لا يتعدى مراده وإقداره أصلاً فهو المكلم في الحقيقة وقد بان أنها ثلاثة أقسام: أولها فيه قسمان، خص الأول بقسميه بالتصريح باسم الوحي لأنه كما مر أخفاها وهو أيضاً يقع دفعة، والوحي يدور معناه على الخفاء والسرعة. ولما كانت الأقسام دالة على العظمة الباهرة، وكانت للروح البدني لأن روح الوحي يكسب الروح البدني حياة العلم كما أفاد الروح البدن حياة الحركة بالإرادة والحس، كانت النتيجة مؤكدة لتضمن طعنهم في الرسول والقرآن والتوحيد طعنهم في مضمون الجملة: {إنه} أي الذي له هذا التصرف العظيم في هذا الوحي الكريم {عليّ} أي بالغ العلو حداً مما لا يليق به من الأوصاف وبما يكون للخلق عن جنابه من السفول بما عليهم من الحجب فلا يلبس شيء مما يعبر به تقريباً للعقول فيحمل على ما يوهم نقصاً، فإن المجازات في لسان العرب شهيرة {حكيم *} يتقن ما يفعله إتقاناً لا تحيط العقول بإدراكه فيسكن روح العلم الذي هو من ألطف أسراره في روح البدن المدبر له فيكون سراً في سر كما كان براً بعد بر، ويجعل ذلك تارة بواسطة وتارة بغير واسطة على حسب ما يقتضيه الحال، ويعبر عن كل معنى بما يقتضيه حاله في ذلك السياق، ومهما أوهم شيء من ذلك نقصاً فرد المستبصر إلى المحكم بضرب من التأويل على ما يقتضيه الشائع من استعمالات رجع رجوعاً بيناً متقناً بحيث يصير في غاية الجلاء.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أولادكم هبة الله {يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور} فهم وأموالهم لكم إذا احتجتم إليها ". تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن ابن عمر رضي الله عنهما، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من بركة المرأة ابتكارها بالأنثى" تفسير : لأن الله قال: {يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور}. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه {يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور} قال: لا إناث معهم {أو يزوّجهم ذكراناً وإناثاً} قال: يولد له جارية وغلام {ويجعل من يشاء عقيماً} لا يولد له. وأخرج عبد بن حميد، عن أبي مالك رضي الله عنه: {يهب لمن يشاء إناثاً} قال: يكون الرجل لا يولد إلا الإِناث. {ويهب لمن يشاء الذكور} قال: يكون الرجل لا يولد له إلا الذكور {أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً} قال: يكون الرجل يولد له الذكور والإِناث {ويجعل من يشاء عقيماً} قال: يكون الرجل لا يولد له. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن محمد بن الحنفية: {أو يزوّجهم ذكراناً وإناثاً} قال: التوأم. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {ويجعل من يشاء عقيماً} قال: الذي لا يولد له ولد. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس {ويجعل من يشاء عقيماً} قال: لا يلقح. وأخرج عبد الرزاق في المصنف، عن عبد الله بن الحرث بن عمير، "حديث : أن أبا بكر رضي الله عنه أصاب وليدة له سوداء فعزلها ثم باعها، فانطلق بها سيدها، حتى إذا كان في بعض الطريق أرادها، فامتنعت منه، فإذا هو براعي غنم فدعاه، فراطنها، فاخبرها أنه سيدها، قالت: إني قد حملت من سيدي الذي كان قبل هذا، وأنا في ديني أن لا يصيبني رجل في حمل من آخر، فكتب سيدها إلى أبي بكر أو عمر، فأخبره الخبر، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فمكث النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان من الغد، وكان مجلسهم الحجر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "جاءني جبريل في مجلسي هذا، عن الله: إن أحدكم ليس بالخيار على الله إذا شجع المشجع، ولكنه {يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور} فاعترف بولدك، فكتب بذلك فيها" ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن غيلان عن أنس رضي الله عنه قال: "حديث : ابتاع أبو بكر رضي الله عنه جارية أعجمية من رجل؛ قد كان أصابها، فحملت له، فأراد أبو بكر رضي الله عنه أن يطأها، فأبت عليه وأخبرت أنها حامل، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنها حفظت فحفظ الله لها أن أحدكم إذا شجع ذلك المشجع، فليس بالخيار على الله، فردها إلى صاحبها الذي باعها" ". تفسير : وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات، عن يونس بن يزيد رضي الله عنه قال: سمعت الزهري رضي الله عنه، سئل عن قول الله {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً} الآية قال: نزلت هذه الآية تعم من أوحى الله إليه من النبيين، فالكلام كلام الله الذي كلم به موسى من وراء حجاب، والوحي ما يوحي الله به إلى نبي من أنبيائه، فيثبت الله ما أراد من وحيه في قلب النبي، فيتكلم به النبي ويعيه وهو كلام الله ووحيه ومنه ما يكون بين الله ورسله لا يكلم به أحداً من الأنبياء ولكنه سر غيب بين الله ورسله، ومنه ما يتكلم به الأنبياء عليهم السلام ولا يكتبونه لأحد ولا يأمرون بكتابته، ولكنهم يحدثون به الناس حديثاً، ويبينون لهم أن الله أمرهم أن يبينوه للناس، ويبلغوهم، ومن الوحي ما يرسل الله به من يشاء من اصطفى من ملائكته، فيكلمون أنبياءه، ومن الوحي ما يرسل به إلى من يشاء، فيوحون به وحياً في قلوب من يشاء من رسله. وأخرج البخاري ومسلم والبيهقي، عن عائشة: أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يأتيك الوحي؟ قال: "حديث : أحيانا يأتيني الملك في مثل صلصلة الجرس، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وهو أشده علي وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول" تفسير : قالت عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم، وإن جبينه ليتفصد عرقاً. وأخرج أبو يعلى والعقيلي والطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات وضعفه، عن سهل بن سعد وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : دون الله سبعون ألف حجاب من نور وظلمة ما يسمع من نفس من حس تلك الحجب إلا زهقت نفسه ".
القشيري
تفسير : يهب لمن يشاء الذكور، ولمن يشاء الإناث، ولمن يشاء الجنين، ويجعل من يشاء عقيماً، فلا اعتراضَ عليه في تقديره، ولا افتياتَ في اختياره، فهو أَوْلَى بعباده من عباده.
اسماعيل حقي
تفسير : {لله ملك السموات والارض} اى يختص به ملك العالم كله لا يقدر أن يملكه احد سواه فله التصرف فيه وقسمة النعمة والبلية على أهله وليس عليهم الا الشكر فى النعمة والصبر فى البلية والرضى والتسليم للاحكام الازلية وبالفارسية وخدايراست بادشاهى آسمانها وزمينها {يخلق ما يشاء} مما يعلمونه ومما لا يعلمونه على اى صورة شاء {يهب لمن يشاء اناثا} من الاولاد يعنى مى بخشد هر كرامى خواهد دختران. فلا يجعل معهن ذكورا يعنى بسران مثل ما وهب لشعيب ولوط عليهما السلام والهبة ان تجعل ملكك لغيرك بغير عوض والوهاب هو الله تعالى لانه يعطى كلا على قدر استحقاقه ولا يريد عوضا والاناث جمع انثى خلاف الذكر والجملة بدل من يخلق بدل البعض قدم الاناث لانها اكثر لتكثير النسل او لتطييب قلوب آبائهن اذ فى التقديم تشريف لهن وايناس بهن ولذلك جعلن من مواهب الله تعالى مع ذكر اللام الانتفاعية او لرعاية الترتيب الواقع اولا فى الهبة بنوع الانسان فانه تعالى وهب اولا لآدم زوجته حواء عليهما السلام بأن ولدها منه وخلقها من قصيراه وهى اسفل الاضلاع او آخر ضلع فى الجنب كما فى القاموس قال فى الكواشى ويجوز انهن قدمن توبيخا لمن كان يئدهن ونكرن ايماء الى ضعفهن ليرحمن فيحسن اليهن قال فى الشرعة وشرحه ويزداد فرحا بالبنات مخالفة لاهل الجاهلية فانهم يكرهونها بحيث يدفنونها فى التراب فى حال حياتها وفى الحديث "حديث : من بركة المرأة تبكيرها بالبنات" تفسير : اى يكون اول ولدها بنتا ألم تسمع قوله تعالى يهب لمن يشاء اناثا الاية حيث بدا بالاناث وفى الحديث "حديث : من ابتلى من هذه البنات بشىء فاحسن اليهن" تفسير : اى بالتزويج بالاكفاء ونحوه "حديث : كن له سترا من النار" تفسير : والنبى عليه السلام سماهن المجهزات المؤنسات اى المهيا جهازهن سماهن بها تفاؤلا وتيمنا والمؤنسات للوالدين والازواج وفى الحديث "حديث : سألت الله ان يرزقنى ولدا بلا مؤونة فرزقنى البنات" تفسير : وفى الحديث القدسى خطابا للبنت حين ولدت "حديث : انزلى وأنا عون لأبيك" تفسير : وفى الحديث "حديث : لا تكرهوا البنات فانى ابو البنات " تفسير : يقول الفقير معناه ان كونه عليه السلام ابا لبنات يكفى فى عدم كراهة البنات اذ لا يختار الله له الا ما هو خير ومن لم يرض بما اختاره له تعرض لسخط الله وكم ترى فى هذا الزمان من السخط على البنات اقتداء بأهل الجاهلية ولو كان لهم اسوة حسنة فى رسول الله لاحبوا ما أحبه وكان لهم فى ذلك شرف عظيم {ويهب لمن يشاء الذكور} من الاولاد يعنى بسران. ولا يكون فيهم اناث كما وهب ابراهيم عليه السلام من غير ان يكون فى ذلك مدخل لاحد ومجال اعتراض. بااختيار حق نبود اختيارما بانور آفتاب جه باشد شرارما. والذكور جمع ذكر ضد الانثى عرف الذكور للمحافظة على الفواصل او لجبر التأخير يعنى ان الله تعالى اخر الذكور مع انهم احقاء بالتقديم فتدارك تأخيرهم بتعريفهم لان فى التعريف العهدى تنويها وتشهيرا كأنه قيل ويهب لمن يشاء الفرسان اعلام الذين لا يخفون عليكم وفى الحديث "حديث : ان اولادكم هبة الله لكم يهب لمن يشاء اناثا ويهب لمن يشاء الذكور واموالهم لكم ان احتجتم اليها "
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {لله مُلك السماوات والأرض} أي: يملك التصرُّف فيهما، وفي كل ما فيهما، كيف يشاء، ومن جملته: أن يقسم النعمة والبلية، حسبما يريده. {يخلق ما يشاء} مما يعلمه الخلقُ ومما لا يعلمونه، {يهَبْ لمَن يشاء إِناثاً} من الأولاد {ويهبُ لمن يشاء الذكورَ} منهم، من غير أن يكون لأحد في ذلك مدخل، {أو يُزوجهم} أي: يقرن بين الصنفين، ويهبهما جميعاً {ذكراناً وإِناثاً}، بأن تلد غلاماً ثم جارية، أو تلدهما معاً. {ويجعلُ مَن يشاءُ عقيماً} لا نسل له. والعقيم: الذي لا يُولد له، رجل أو امرأة. وقدّم الإناث أولاً على الذكور؛ لأن سياقَ الكلام أنه فاعل ما يشاء، لا ما يشاؤه الإنسان، فكان ذِكر الإناث اللاتي من جملة ما لا يشاؤه الإنسان أهمّ، أو: لأن الكلام في البلاء، والعرب تعدهن عظيم البلايا، أو: تطييب القلوب آبائهم، ولمَّا أخَّر الذكور ـ وهم أحقاء بالتقديم ـ تدارك ذلك بتعريفهم؛ لأن التعريف تنويه وتشريف، ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسين ما يستحقه من التقديم والتأخير، فقال: {ذكراناً وإناثاً}. وقيل المراد: أحوال الأنبياء ـ عليهم السلام ـ حيث وهب لشعيب ولوط إناثاً، ولإبراهيم ذكوراً، وللنبي صلى الله عليه وسلم ذكوراً وإناثاً، وجعل يحيى وعيسى عقيمين. {إِنه عليم قدير} مبالغ في العلم والقدرة، فيفعل ما فيه حكمة ومصلحة. الإشارة: يهب لمَن يشاء إناثاً، علوماً وحسنات، ويهب لمَن يشاء الذكور، أذواقاً وواردات، ويجعل مَن يشاء عقيماً، لا علم ولا ذوق، وانظر لطائف المنن. أو تقول: يهب لمَن يشاء إناثاً؛ مَن ورّث علم الرسوم الظاهر، وأقيمت بعده، ويهب لمَن يشاء الذكور؛ مَن ورّث علم الأذواق والوجدان، وعمّر رجالاً، أو يزوجهم؛ مَن ورثهما، ويجعل مَن يشاءُ عقيماً لم يترك وارثاً، لا من الظاهر، ولا من الباطن، وقد يكون كاملاً وهو عقيم، وقد يكون غير كامل وله أولاد كثيرة، لكن الغالب على مَن له أولاد أن يتسع بهم، بخلاف العقيم. والله تعالى أعلم. ثم قرّر عظمة مُلكه، فقال: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً}.
الجنابذي
تفسير : {لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: فما لله فى المصائب من صنعٍ {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} من خيرٍ وشرٍّ ورحمةٍ ومصيبةٍ {يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ} نكّر الاناث وعرّف الذّكور للاشارة الى انّ الاناث لتنفّر الاناسىّ منهنّ كأنّهنّ منكورات عند نفوسهم، وانّ الذّكور لحبّهم لهم معهودون عندهم حاضرون فى اذهانهم.
اطفيش
تفسير : {للهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} يتصرف فيهما كما يريد {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} لا ما يشاؤه غيره كالذي يشاءون الذكور وربما (تشاء) موافق ما يشاء خلقاً* {يَهَبُ} بدل من يخلق بدل بعض* {لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً} فقط قال صلى الله عليه وسلم "حديث : من ابتلي بشيء من هذه البنات فأحسن اليهن كن له حجاباً من النار ". تفسير : وعن واثلة بن الاسقع: من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر لان الله بدأ بذكر الاناث وقدم الاناث لانهن مكروهات فهل لأدفعهن عنكم من تعبدون من الاصنام لكراهتكم لهن فأبان مشيئة الله في كل الخلق وفي كل منهم فهو الذي يخلق ما يشاء ولا دخل لصنم فى ذلك أو قدمهن تأنيساً بهن ليهتم بصونهن والاحسان اليهن أو لتطييب قلوب آبائهن أو لان سياق الكلام انه فاعل ما يشاء لا ما يشاء الانسان فكان ذكرهن من حيث انهن من جملة ما لا يشاء الانسان أهم ولان الكلام فى البلاء والعرب تعدهن بلاء أو لانهن أكثر ليكثر النسل أو للمحافظة على الفواصل المحتومة بالباء قيل أو لجبر تأخيرهن فى قوله ذكراناً واناثاً* {وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ} وحدهم وأخرها لما مر وعرفها جبر لتأخيرها وللفواصل المبينة على سكون الاعجاز عند الوقف وما يجرى مجراه ولو لم يعرفه لكان الوقف بالفتح وبعده ألف مبدلة عن التنوين وللتنويه والتشهير كأنه قال هؤلاء المعلومين الذين منهم العلماء الاعلام وفرسان الاقتحام والذكور أحق بالتقديم لولا ذلك لانهم أفضل وأسبق خلقاً فان آدم قبل حواء لكن من غير بطن وللدت الذكر قبل الأنثى
اطفيش
تفسير : {لله مُلْك السَّماوات والأرض يخْلقُ مَا يشاءُ} على اختياره وبلا وجوب عليه، وله الملك يقسم الرحمة والسيئة كما شاء لا كما يهواه أحد، ولا منازل له، لأنه يفعل بحكمة، فلا يبقى إلا التسليم والطاعة شكرا فى الرحمة والسيئة، فان الرحمة للشكر لا للبطر، والسيئة للرجوع اليه لا للجزع والكفر، ورحمته هبة لا لواجب عليه كما قال: {يَهبُ لمنْ يشاء إناثا} كلوط وشعيب، قدمهن وهن من جنس السيئات لمناسبة ما اتصل الكلام به قبل، وللدلالة على أنه ليس الأمر تابعا لأهوائهم، وهم يكرهونهن، وللفاصلة، وقيل قدمن لأنهن اكثر لتكثير النسل، وقيل لتطييب قلوب آبائهن، لما فى تقديمهن من التشريف، بأنهن سبب لتكثير مخلوقاته تعالى، وقيل: للاشارة الى ما فى تقدم ولادتهن من اليمن. وعن قتادة: من يمن المرأة تبكيرها بأنثى، وقيل قدمهن توصية برعايتهن لضعفهن، ولا يلزم أن يقدم الذكور، وهم جنس الرحمة، كما قدم الرحمة، والعرب تعد الاناث بلاء " أية : وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهم كظيم"تفسير : [النحل: 58] قال صلى الله عليه وسلم:" حديث : من ابتلي بشيء من هذه البنات فأحسن إليهن كن له سترا من النار ". تفسير : {ويَهبُ لمن يشاءُ الذكور} كابراهيم، عرف اسمهم ونكر الاناث لأن الاناث أبعد خطورا فى قلوبهم، والذكور حاضرة فى قلوبهم ومناهم، وأول خاطر فى شأن الولادة، وكلما ذكر الله الذكر والأنثى لا يذكر الخنثى المشكل، لعله لأنه عند الله تعالى ذكر وأنثى لا ثالث.
الالوسي
تفسير : {للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} لا لغيره سبحانه اشتراكاً أو استقلالاً {يَخْلُقُ مَا يَشَاء} من غير وجوب عليه سبحانه {يَهَبُ لِمَن يَشَاء إِنَـٰثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء ٱلذُّكُورَ}. {أَوْ يُزَوّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَـٰثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيماً} استئناف بياني أو بيان ليخلق أو بدل منه بدل البعض على ما اختاره القاضي. ولما ذكر سبحانه إذاقة الإنسان الرحمة وإصابته بضدها أتبع جل وعلا ذلك أن له سبحانه الملك وأنه تعالى يقسم النعمة والبلاء كما شاء بحكمته تعالى البالغة لا كما شاء الإنسان بهواه. وفيه إشارة إلى أن إذاقة الرحمة ليست للفرح والبطر بل للشكر لموليها وإصابة المحنة ليست للكفران والجزع بل للرجوع إلى مبليها؛ وتأكيد لإنكار كفرانهم من وجهين. الأول: أن الملك ملكه سبحانه من غير منازع ومشارك يتصرف فيه كيف يشاء فليس على من هو أحقر جزء من ملكه تعالى أن يعترض ويريد أن يجري التدبير حسب هواه الفاسد. الثاني: أن هذا الملك الواسع لذلك العزيز الحكيم جل جلاله الذي من شأنه أن يخلق ما يشاء فأنى يجوز أن يكون تصرفه إلا على وجه لا يتصور أكمل منه ولا أوفق لمقتضى الحكمة والصواب، وعند ذلك لا يبقى إلا التسليم والشغل بتعظيم المنعم المبلي عن الكفران والإعجاب. وناسب هذا المساق أن يدل في البيان من أول الأمر على أنه تعالى فعل لمحض مشيئته سبحانه لا مدخل لمشيئة العبد فيه فلذا قدمت الإناث وأخرت الذكور كأنه قيل يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء من الأناسي ما لا يهواه ويهب لمن يشاء / منهم ما يهواه فقد كانت العرب تعد الإناث بلاء {أية : وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّا وَهُوَ كَظِيمٌ} تفسير : [النحل: 58] ولو قدم المؤخر لاختل النظم، وليس التقديم لمجرد رعاية مناسبة القرب من البلاء ليعارض بأن الآية السابقة ذكرت الرحمة فيها مقدمة عليه فناسب ذلك تقديم الذكور على الإناث. وفي تعريف الذكور مع ما فيه من الاستدراك لقضية التأخير التنبيه على أنه المعروف الحاضر في قلوبهم أول كل خاطر وأنه الذي عقدوا عليه مناهم. ولما قضى الوطر من هذا الأسلوب قيل: {أَوْ يُزَوّجُهُمْ} أي الأولاد {ذُكْرَاناً وَإِنَـٰثاً} أي يخلق ما يهبهم زوجاً لأن التزويج جعل الشيء زوجاً فذكراناً وإناثاً حال من الضمير. والواو قيل للمعية لأن حقه التأخير عن القسمين سياقاً ووجوداً فلا تتأتى المقارنة إلا بذلك، وقيل ذلك لأن المراد يهب لمن يشاء ما لا يهواه ويهب لمن يشاء ما يهواه أو يهب الأمرين معاً لا أنه سبحانه يجعل من كل من الجنسين الذكور والإناث على حياله زوجاً ولولا ذلك لتوهم ما ذكر فتأمله، ولتركبه منهما لم يكرر فيه حديث المشيئة. وقدم المقدم على ما هو عليه في الأصل ولم يعرف إذ لا وجه له، ثم قيل: {وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيماً} أي لا يولد له فقيد بالمشيئة لأنه قسم آخر، وكأنه جيء بأو في {أَوْ يُزَوّجُهُمْ} دون الواو كما في سابقه من حيث إنه قسيم الانفراد المشترك بين الأولين ولم يؤت في الأخير لاتضاحه بأنه قسيم الهبة المشتركة بين الأقسام المتقدمة فتأمل، وقيل قدم الإناث توصية برعايتهن لضعفهن لا سيما وكانوا قريبـي العهد بالوأد، وفي الحديث «حديث : من ابتلي بشيء من هذه البنات فأحسن إليهن كن له ستراً من النار»تفسير : وقيل: قدمت لأنها أكثر لتكثير النسل فهي من هذا الوجه أنسب بالخلق المراد بيانه، وقيل: لتطييب قلوب آبائهن لما في تقديمهن من التشريف لأنهن سبب لتكثير مخلوقاته تعالى، وقال الثعالبـي: إنه إشارة إلى ما في تقدم ولادتهن من اليمن حتى إن أول مولود ذكر يكون مشؤماً فيقولون له بكر بكرين؛ وعن قتادة من يمن المرأة تبكيرها بأنثى، وقيل: قدمت وأخر الذكور معرفاً للمحافظة على الفواصل، والمناسب للسياق ما علمت سابقاً. وقال مجاهد في {أَوْ يُزَوّجُهُمْ} التزويج أن تلد المرأة غلاماً ثم تلد جارية، وقال محمد بن الحنفية رضي الله تعالى عنهما: هو أن تلد توأماً غلاماً وجارية. وزعم بعضهم أن الآية نزلت في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حيث وهب سبحانه لشعيب ولوط عليهم السلام إناثاً ولإبراهيم عليه السلام ذكوراً ولرسوله محمد صلى الله عليه وسلم ذكوراً وإناثاً وجعل عيسى ويحيـى عليهما السلام عقيمين اهـ. {إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} مبالغ جل شأنه في العلم والقدرة فيفعل ما يفعل بحكمة واختيار.
ابن عاشور
تفسير : {لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ}. استئناف بياني لأن ما سبقه من عجيب خلق الإنسان الذي لم يهذّبْه الهَدي الإلـٰهي يثير في نفس السامع سؤالاً عن فطر الإنسان على هاذين الخلقين اللذين يتلقى بهما نعمة ربه وبلاءه وكيف لم يُفطر على الخلق الأكمل ليتلقى النعمة بالشكر، والضرَّ بالصبر والضراعةِ، وَسُؤالاً أيضاً عن سبب إذاقة الإنسان النعمة مرة والبؤس مرّةً فيبطر ويكفر وكيف لم يُجعل حاله كفافاً لا لذّاتَ له ولا بلايَا كحال العجماوات فكان جوابه: أن الله المتصرف في السماوات والأرض يخلق فيهما ما يشاء من الذوات وأحوالها. وهو جواب إجمالي إقناعي يناسب حضرة الترفع عن الدخول في المجادلة عن الشؤون الإلـٰهية. وفي قوله: {يخلق ما يشاء} من الإجمال ما يبعث المتأمل المنصف على تطلب الحكمة في ذلك فإن تَطَلَّبَها انقادت له كما أومأ إلى ذلك تذييل هذه الجملة بقوله: {إنه عليم قدير}، فكأنه يقول: عليكم بالنظر في الحكمة في مراتب الكائنات وتصرف مبدعها، فكما خلق الملائكة على أكمل الأخلاق في جميع الأحوال، وفطر الدواب على حد لا يقبل كمال الخلق، كذلك خلق الإنسان على أساس الخير والشر وجعله قابلاً للزيادة منهما على اختلاف مراتب عقول أفراده وما يحيط بها من الاقتداء والتقليد، وخلقَه كامل التمييز بين النعمة وضدها ليرتفع درجاتتٍ وينحط دركات مما يختاره لنفسه، ولا يلائم فَطْرُ الإنسان على فِطرة الملائكة حالة عالمه الماديّ إذ لا تأهل لهذا العالم لأنْ يكون سكانه كالملائكة لعدم الملاءمة بين عالم المادة وعالم الروح. ولذلك لما تم خلق الفرد الأول من الإنسان وآن أوَانُ تصرفه مع قرينتِه بحسب ما بزغ فيهما من القُوى، لَمْ يلبث أن نُقل من عالم الملائكة إلى عالم المادة كما أشار إليه قوله تعالى: { أية : قال اهبطا منها جميعاً } تفسير : [طه: 123]. ولكن الله لم يسُدَّ على النوع منافذ الكمال فخلقه خلقاً وسطاً بين المَلكِيَّة والبهيمية إذ ركبه من المادة وأودع فيه الروح ولم يُخَلِّه عن الإرشاد بواسطة وسطاء وتعاقبهم في العصور وتنَاقُل إرشادهم بين الأجيال، فإن اتبع إرشادهم التحق بأخلاق الملائكة حتى يبلغ المقامات التي أقامته في مقام الموازنة بين بعض أفراده وبين الملائكة في التفاضل. وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى: { أية : قال اهبطا منها جميعاً بعضكم لبعض عدوّ فإمَّا يأتينَّكم منّي هُدى فمن اتبع هداي فلا يَضل ولا يشقى ومَن أعرَض عن ذكري فإنّ له مَعيشةً ضَنْكاً ونَحْشُرُه يوم القيامة أعمى } تفسير : [طه: 123، 124]، وقوله: { أية : وإذ قلْنا للملائكة اسجدوا لآدم } تفسير : [البقرة: 34]. {يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَـٰثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَـٰثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً}. بدل من جملة {يخلق ما يشاء} بدلَ اشتمال لأن خلقه ما يشاء يشتمل على هبته لمن يشاء ما يشاء. وهذا الإبدال إدماجُ مَثَلٍ جامع لصور إصابة المحبوب وإصابة المكروه فإن قوله {ويجعل من يشاء عقيماً} هو من المكروه عند غالب البشر ويتضمن ضرباً من ضروب الكُفران وهو اعتقاد بعض النعمة سيئة في عادة المشركين من تطيرهم بولادة البَنات لهم، وقد أشير إلى التعريض بهم في ذلك بتقديم الإناث على الذكور في ابتداء تعداد النعم الموهوبة على عكس العادة في تقديم الذكور على الإناث حيثما ذكرا في القرآن في نحو { أية : إنَّا خلقناكم من ذكر وأنثى } تفسير : [الحجرات: 13] وقوله: { أية : فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى } تفسير : [القيامة: 39] فهذا من دقائق هذه الآية. والمراد: يهب لمن يشاء إناثاً فقط ويهب لمن يشاء الذكور فقط بقرينة قوله: {أو يُزَوِّجهم ذُكْراناً وإناثاً}. وتنكير {إناثاً} لأن التنكير هو الأصل في أسماء الأجناس وتعريف {الذكور} باللام لأنهم الصنف المعهود للمخاطبين، فاللام لتعريف الجنس وإنما يصار إلى تعريف الجنس لمقصد، أي يهب ذلك الصنف الذي تعهدونه وتتحدثون به وترْغبون فيه على حدّ قول العرب: أرسَلَها العِراك، وتَقدم في أول الفاتحة. و{أو} للتقسيم. والتزويج قرن الشيء بشيء آخر فيصيران زوجاً. ومن مجازه إطلاقه على إنكاح الرجل امرأة لأنهما يصيران كالزوج، والمراد هنا: جعلهم زوجاً في الهبة، أي يجمع لمن يشاء فيهب له ذكراناً مشفَّعين بإناث فالمراد التزويج بصنف آخر لا مقابلة كل فرد من الصنف بفَرد من الصنف الآخر. والضمير في {يزوجهم} عائد إلى كلاً من الإناث والذكور. وانتصب {ذكراناً وإناثاً} على الحال من ضمير الجمع في {يزوجهم}. والعقيم: الذي لا يولد له من رجل أو امرأة، وفعله عَقِم من باب فرِح وعقُم من باب كرم. وأصل فعله أن يتعدّى إلى المفعول يقال عقمها الله من باب ضرب، ويقال عُقِمت المرأة بالبناء للمجهول، أي عقَمها عاقم لأن سبب العقم مجهول عندهم. فهو مما جاء متعدياً وقاصراً، فالقاصر بضم القاف وكسرها والمتعدي بفتحها، والعقيم: فعيل بمعنى مفعول، فلذلك استوى فيه المذكر والمؤنث غالباً، وربما ظهرت التاء نادراً قالوا: رحم عقيمة. {إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}. جملة في موضع العلة للمبدل منه وهو {يخلق ما يشاء} فموقع (إنّ) هنا موقع فاء التفريع. والمعنى: أن خلقه ما يشاء ليس خلقاً مهملاً عرياً عن الحكمة لأنه واسع العلم لا يفوته شيء من المعلومات فخلقه الأشياء يجري على وفق علمه وحكمته. وهو {قدير} نافذ القدرة، فإذا علم الحكمة في خلق شيء أراده، فجرى على قَدَره. ولمّا جمع بين وصفي العلم والقدرة تعين أن هنالك صفة مطوية وهي الإرادة لأنه إنما تتعلق قدرته بعد تعلق إرادته بالكائن. وتفصيلُ المعنى: أنه عليم بالأسباب والقُوى والمؤثرات التي وضعها في العوالم، وبتوافق آثار بعضها وتخالف بعض، وكيف تتكون الكائنات على نحو ما قُدِّر لها من الأوضاع، وكيف تتظاهر فتأتي الآثار على نسق واحد، وتتمانع فينقص تأثير بعضها في آثاره بسبب ممانعة مؤثراتٍ أخرى، وكل ذلك من مظاهر علمه تعالى في أصل التكوين العالمي ومظاهر قدرته في الجري على وفاق علمه.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {إِنَاثاً} (49) - اللهُ تَعَالَى هُوَ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ وَمَالِكُهَا، وَالمُتَصَرِّفُ فِيهَا، يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ، وَيَمْنَعُ عَمَّنْ يَشَاءُ، وَلاَ رادَّ لِحُكْمِهِ وَقَضَائِهِ، فَيَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ ذُرِّيةً إِنَاثاً، وَيَهَبُ مَنْ يَشَاءُ ذُريَّةً ذُكُوراً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه يتكلم هنا عن ملكيته تعالى للسماوات وللأرض كظرف للأشياء، وفي أول السورة تكلم عن ملكيته تعالى لما في السماوات وما في الأرض، فقال: {أية : لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلعَظِيمُ} تفسير : [الشورى: 4]. إذن: لله تعالى مُلْك السماوات والأرض وما فيهما من شيء، وهذا الأسلوب {أية : لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الشورى: 4] و {لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ..} [الشورى: 49] يُسمى أسلوب قَصْر، حيث قدّم الجار والمجرور على المبتدأ لإفادة القصر، فالمعنى: لله وحده ما في السماوات وما في الأرض مقصور عليه، ولله وحده مُلْك السماوات والأرض، فالمِلكية هنا ليس لها شريكٌ ولا منازعٌ. ومادة (م ل ك) تُنطق فيها الميم على وجوه ثلاثة: الفتح والضم والكسر، كلمة ملك بالكسر هو كل ما في حوزتك وتتصرَّف فيه، وبالضم وهو التصرّف في ملك مَنْ يملك، وهو المعروف في نظام المملكة، وبالفتح مثل قوله تعالى: {أية : مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا ..} تفسير : [طه: 87] يعني: غصْباً عنا وبغير إرادتنا. أما اللام في ملك فتأتي أيضاً بالكسر مِلك، وهو مَنْ يُملَّك في غيره في تصرفه وفي إرادته، وبالفتح ملك وهو المخلوق الأعلى من الملائكة. ومِلاَك الأمر. يعني؛ جوهره وحقيقته. وقوله تعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ..} [الشورى: 49] يعني: هو صاحبها وهو خالقها ومُبدعها، لأنك قد تملك ما لا تعمل. {يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} [الشورى: 49] يعني: خلقه وفق إرادته ومشيئته هو، وله طلاقة القدرة في مسألة الخلق لا يعجزه فيها شيء ولا يستعصي عليه أمر. لذلك يعطينا الدليل على ذلك من واقع حياتنا المشَاهد في المجتمع وكلنا يعرفه، اقرأ: {يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً ..} [الشورى: 49-50] أولاً لاحظ أن هذه المسألة هبة من الله الخالق سبحانه {يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ} [الشورى: 49] يعني: ليستْ حقاً لأحد، وليست حقاً لكل مَنْ ملَك أسبابها، فقد تتوافر الحياة الزوجية ولا يأتي لها ثمرة إنجاب ويُبتلَى الزوجان بالعقم وهو أيضاً هبة من الله. والذي يرضى بهذه الهبة ويؤمن أنها من الله يُعوِّضه الله ويرى من أولاد الآخرين من البر ما لا يراه الآباء، ويتمتع بهذا البر دون تعب ودون مشقة في تربية هؤلاء الأولاد، وفي واقع حياتنا قد يأتي الابن ويكون عاقاً لوالديه. ثم تلاحظ أن الحق سبحانه قدّم الإناث على الذكور {يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ} [الشورى: 49] لماذا؟ لأن الإناث كان النوعَ المبغوض غير المرغوب فيه في الجاهلية {أية : وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} تفسير : [النحل: 58-59]. ولم ينته الأمر عند حَدِّ الكراهية للبنات، بل تعدَّاه إلى قتلهن ووأدهن كما قال سبحانه: {أية : وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} تفسير : [التكوير: 8-9] ذلك لأن البنت ضعيفة لا تَقْوى على العمل ولا تشارك قومها في حروبهم المستمرة، وهي عِرْض ينبغي المحافظة عليه. فلما جاء الإسلام غيَّر هذه الصورة تماماً، ورفع من شأن الأنثى، وجعل النساء شقائق الرجال؛ لذلك قدَّم هنا الإناث على الذكور {يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ} [الشورى: 49] ورقَّق قلوب هؤلاء الغلاظ نحو الأنثى، وحبَّبهم فيها وعلّمهم أنها وعاؤكم الذي خرجتم منه، فهي صاحبة فضل على كل ذكَر. علَّمهم أن الأنثى لا يستقيم أمرها في مجتمعها إلا حين تُرْعى ويحافظ عليها ويهتم بها وليُّها؛ لأن كراهية الأنثى تحملها على الاعوجاج وتُرغمها على التخلِّي عن دورها، فالبنت حين يحبها أهلها ويكرمونها ويحنُّون عليها تتعود على الكرامة وعزة النفس ولا تقبل الإهانة من أحد، لأنها شبَّت على أنها غالية عند أهلها عزيزة لديهم، فلا يجرؤ أحد على التعدِّي عليها ولو بكلمة. على خلاف البنت التي هانت على أهلها، وشبَّت بينهم على مشاعر الكراهية والاحتقار، فنراها تهون على نفسها، ونراها رخيصة تفرط في كرامتها وتستميلها ولو بكلمة. ثم يُرقِّى الحق سبحانه عطاءه للعبد، فيقول {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً ..} [الشورى: 50] يعني: يزاوج بين النوعين، فيهب لك الذكور ويهب لك الإناث. {وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً} [الشورى: 50] يعني: يحرم هذه الهبة لحكمة أرادها الله. وحتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يتعالى أحد على أحد يُعلِّمنا ربنا عز وجل أن مسألة الإنجاب هذه أو عدم الإنجاب لا تؤثر على منازل العباد عند الله تعالى، فحين أهَب الذكور أو الإناث أو أزواج بينهما لا يعني هذا رضاي عن عبدي، وحين أحرمه لا يعني هذا سخطي على عبدي، إنما هي سنتي في خَلْقي أنْ أهبَ الذكور وأنْ أهبَ الإناث، وأنْ أجعل مَنْ أشاء عقيماً. لذلك تجدون هذه السُّنة نافذة حتى في الرسل الذين هم أكرم الخَلْق على الله، فسيدنا لوط وسيدنا شعيب وهبهما اللهُ الإناثَ، وسيدنا إبراهيم وهبه الله الذكور، وسيدنا محمد وهبه الله الذكور والإناث، فكان له عبد الله والقاسم وإبراهيم وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة. إذن: لكم في رسول الله أسْوة حسنة. والذين يستقبلون أقدار الله في هذه المسألة بالرضا، ويرتفع عندهم مقام الإيمان والتسليم، ويؤمنون أن هذه هبة من الله حتى العقم يعتبرونه هبة، هؤلاء يُعوِّضهم الله، فحين ترضى مثلاً بالبنات وتُربِّيهن أحسن تربية، وتُحسن إليهنَّ يجعل الله لك من أزواجهن مَنْ يُعوِّضك عن الولد، وربما كانوا أبرَّ بك من الأبناء بآبائهم. وتختتم الآية بقوله تعالى: {إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} [الشورى: 50] والعليم يهب على قَدْر علمه بالأمور، وبما يصلح عبده وما لا يُصلحه، فهو وحده سبحانه الذي يعلم أن هذا يصلح هنا، وهذا يصلح هنا، ثم هو سبحانه {قَدِيرٌ} [الشورى: 50] له القدرة المطلقة في مسألة الخَلْق، لا يعجزه شيء ولا تقيده الأسباب. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً} أي لا ذِكورَ مَعهُنَّ {وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ} أي لاَ إناثَ مَعهُم.
الجيلاني
تفسير : فيكف يكفرون لوفور نعمة الحق وشمول رحمته مع أنه {لِلَّهِ} المحيط بكل المظاهر الموجد المظهر لها {مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} اي: العلويات والسفليات وما بنيهما من الممتزجات؛ لذلك {يَخْلُقُ} ويوجد {مَا يَشَآءُ} إرادة واختياراً حيث {يَهَبُ} بمقتضى جوده وفضله {لِمَن يَشَآءُ} من عباده {إِنَاثاً} محضاً من الأولاد، قدمهن للتدرج من الأدنى إلى الأعلى، ونكرهم؛ لأن النكارة مطلوبة فيهن {وَيَهَبُ} أيضاً {لِمَن يَشَآءُ} منهم {ٱلذُّكُورَ} [الشورى: 49] الخُلَّص، عرَّفهم؛ لأنهم أولى بالتعريف وأجرى بالمعرفة. {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ} ويخلط لهم {ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً} مجتمعين ممتزجين {وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ} منهم {عَقِيماً} بلا إيلاد واستيلاد، ذكراً كان أو أنثى إظهاراً لكمال قدرته، وإشعاراً بأنه لا تأثير للوسائل والأسباب العادية، حتى ينسب تناسلهم وتوالدهم إلى اجتماع الأزواج والزوجات منهم، كما هو المتبادر إلى الأحلام السخيفة، وبالجملة: {إِنَّهُ} سبحانه {عَلِيمٌ} باستعدادات عباده وقابلياتهم {قَدِيرٌ} [الشورى: 50] على إفاضة ما ينبغي لمن ينبغي كما ينبغي، بمقتضى كرمه وجوده إرادة واختياراً، بلا إيجاب والتزام من جانبه سبحانه. ثم لما شنَّع اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيروه وطعنوا في نبوته، مستهزئين معه؛ حيث قالوا له تهكماً: ألاَ تكلم الله وتنظر إليه لو كنت نبيّاً كما كلمه موسى ونظر إليه. فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لم ينظر موسى إلله تعالى"تفسير : إذ هو سبحانه أجل وأعلى من أن تنظر إليه العيون، وتدركه الأبصار ومحيط به الآراء والأفكار. أنزل سبحانه هذه الآية تصديقاً لحبيبه صلى الله عليه وسلم، فقال: {وَمَا كَانَ} أي: ما صح وجاز {لِبَشَرٍ} أي: لجنسه، ليس في وسعه واستعداده {أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ} مشافهة بلا سترة وحجاب؛ إذ لا مناسبة بين المحدوج والمحبوس في مضيق الجهات، وبين غير المحدود والمستغني عن الحدود والجهات حتى تقع المكالمة بينهما {إِلاَّ وَحْياً} أي: تكلماً ناشئاً عن وحى إلهامي أو منامي {أَوْ} تكلماً مسموعاً {مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} أي: وراء تعين من التعينات، كما سمع موسى كلامه سبحاه من وراء حجاب الشجرة، فكذلك يسمع العارف المتحقق بمقام الفناء في الله كلامه سبحانه، من وراء تعينات عموم المظاهر الناطقة بتسبيحه سبحانه حالاً ومقالاً {أَوْ} تكلماً بالسفارة والترجمان بأن {يُرْسِلَ رَسُولاً} من سدنة ذاته التي هي الملائكة الحاملون لكمالات أسمائه وصفاته {فَيُوحِيَ} الملك {بِإِذْنِهِ} سبحانه {مَا يَشَآءُ} ويسمعه من كلامه سبحانه لمن يشاء من عباده. وبالجملة: {إِنَّهُ} سبحانه {عَلِيٌّ} في شأنه المختص به، وكمالاته اللائقة له، متعالٍ عن أن يحوم حول سرادقات عز سلطانه أحد من خلقه، فيكف أن يتكلموا معه بلا سترة وحجاب {حَكِيمٌ} [الشورى: 51] في كمال تمنعه وكبريائه ونهاية تعززه وترفعه؛ بحيث تكلم تارة بالوحي والإلهام، وتارة من وراء الحجب والأستار، وتارة بطريق السفارة الرسالة. {وَكَذَلِكَ} أي: ومثل ما أوحينا إلى من تقدمك من الأنبياء والرسل، وتكلمنا معهم بإحدى الطرق الثلاث {أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} أيضاً يا أكمل الرسل لنتكلم معك {رُوحاً} منَّا تكريماً لك وتعظيماً لشأنك، وتخصيصاً لك من بين سائر الأنبياء لظهوره على نشأة التوحيد الذاتي، ناشئاً {مِّنْ أَمْرِنَا} المتعلق لتدبيراتنا وتصرفاتنا في ملكنا وملكوتنا، ألا وهو القرآن المنتخب من حضرة علمنا ولوح قضائنا، سميناه روحاً؛ لأنه يحيي به أموات مطلق التعينات، وخصصناك به مع أنك {مَا كُنتَ تَدْرِي} وتعلم قبل نزوله {مَا ٱلْكِتَابُ} المبين للأحكام المتعلقة بتهذيب الظواهر والبواطن {وَلاَ ٱلإِيمَانُ} والإيقان المتعلق لتوحيد الحق وعرفانه، لكونك أميّاً عارياً عن طريق الاستفادة والتعلم مطلقاً {وَلَـٰكِن} من محض جودنا وفضلنا اصفيناك لرسالتنا، واجتبيناك لخلافتنا ونيابتنا؛ لذلك أنزلناه إليك. وبعد نزوله {جَعَلْنَاهُ نُوراً} تلألأ وتشعشع بعد ظهور نشأتك {نَّهْدِي بِهِ} إلى توحيدنا {مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا} المجبولين على فطرة الإسلام {وَإِنَّكَ} أيضاً بمقتضى خلافتك ونيابتك عنَّا {لَتَهْدِيۤ} به عموم عبادنا وتدعوهم {إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] لا عود فيه ولا انحراف؛ لكونه {صِرَاطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ} مظاهر {مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي: العلويات والسفليات، وما ظهر منهما وفيهما وعليهما، وبالجملة: عموم ما ظهر وبطن وغاب وشهد؛ إذ هو سبحانه آخذ بيمين القدرة بناصية الكل، ويجذبه نحوه. {أَلاَ} أي: تنبهوا أيها الأظلال المستمدون من الله في كل الأحوال {إِلَى ٱللَّهِ} أي: إلى وجهه الكريم لا إلى غيره من وجوه الأسباب والوسائل العادية {تَصِيرُ ٱلأُمُورُ} [الشورى: 53] أي: إليه ترجع وجوه الصور المرتبة بعد ارتفاع الوجوه الهالكة عن البين واضمحلال الرسوم الباطلة عن العين. خاتمة السورة عليك أيها الطالب للتحقق في صراط الحق، والراكن نحوه بحزائمك الأقصى وعزائمك الأوفى أن تجعل قبلة مقصدك توحيد ربك، وتستقيم على جادته التي هي الدين القويم المحمدي، والسبيل السوي المصطفوي، الذي {أية : لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ}تفسير : [فصلت: 42] وتقتفي أثر من سلف من خُلَّص أتباعه الذين اهتدوا بمتابعته إلى مقر التوحيد واليقين بك، ووصلوا إلى عالم اللاهوت والتمكين بعدما انخلعوا عن جلباب ناسوتهم بالمرة، بتوفيق من الله وجذب من جانبه، وإرشاد حبيبه صلى الله عليه وسلم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذه الآية فيها الإخبار عن سعة ملكه تعالى، ونفوذ تصرفه في الملك في الخلق لما يشاء، والتدبير لجميع الأمور، حتى إن تدبيره تعالى، من عمومه، أنه يتناول المخلوقة عن الأسباب التي يباشرها العباد، فإن النكاح من الأسباب لولادة الأولاد، فاللّه تعالى هو الذي يعطيهم من الأولاد ما يشاء. فمن الخلق من يهب له إناثا، ومنهم من يهب له ذكورا، ومنهم من يزوجه، أي: يجمع له ذكورا وإناثا، ومنهم من يجعله عقيما لا يولد له. { إِنَّهُ عَلِيمٌ } بكل شيء { قَدِيرٌ } على كل شيء، فيتصرف بعلمه وإتقانه الأشياء، وبقدرته في مخلوقاته.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):