Verse. 4323 (AR)

٤٢ - ٱلشُّورىٰ

42 - Ash-Shura (AR)

وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ اَنْ يُّكَلِّمَہُ اللہُ اِلَّا وَحْيًا اَوْ مِنْ وَّرَاۗئِ حِجَابٍ اَوْ يُرْسِلَ رَسُوْلًا فَيُوْحِيَ بِـاِذْنِہٖ مَا يَشَاۗءُ۝۰ۭ اِنَّہٗ عَلِيٌّ حَكِيْمٌ۝۵۱
Wama kana libasharin an yukallimahu Allahu illa wahyan aw min warai hijabin aw yursila rasoolan fayoohiya biithnihi ma yashao innahu AAaliyyun hakeemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا» أن يوحي إليه «وحياً» في المنام أو بإلهام «أو» إلا «من وراء حجاب» بأن يسمعه كلامه ولا يراه كما وقع لموسى عليه السلام «أو» إلا أن «يرسل رسولاً» ملكاً كجبريل «فيوحي» الرسول إلى المرسل إليه أي يكلمه «بإذنه» أي الله «ما يشاء» الله «إنه عليّ» عن صفات المحدثين «حكيم» في صنعه.

51

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بيّن كمال قدرته وعلمه وحكمته أتبعه ببيان أنه كيف يخص أنبياءه بوحيه وكلامه وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ } وما صح لأحد من البشر {أَن يُكَلّمَهُ ٱللَّهُ } إلا على أحد ثلاثة أوجه، إما على الوحي وهو الإلهام والقذف في القلب أو المنام كما أوحى الله إلى أم موسى وإبراهيم عليه السلام في ذبح ولده، وعن مجاهد أوحى الله تعالى الزبور إلى داود عليه السلام في صدره، وإما على أن يسمعه كلامه من غير واسطة مبلغ، وهذا أيضاً وحي بدليل أنه تعالى أسمع موسى كلامه من غير واسطة مع أنه سماه وحياً، قوله تعالى: { أية : فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى } تفسير : [طه: 13] وإما على أن يرسل إليه رسولاً من الملائكة فيبلغ ذلك الملك ذلك الوحي إلى الرسول البشري فطريق الحصر أن يقال وصول الوحي من الله إلى البشر إما أن يكون من غير واسطة مبلغ أو يكون بواسطة مبلغ، وإذا كان الأول هو أن يصل إليه وحي الله لا بواسطة شخص آخر فههنا إما أن يقال إنه لم يسمع عين كلام الله أو يسمعه، أما الأول: وهو أنه وصل إليه الوحي لا بواسطة شخص آخر وما سمع عين كلام الله فهو المراد بقوله {إِلاَّ وَحْياً } وأما الثاني: وهو أنه وصل إليه الوحي لا بواسطة شخص آخر ولكنه سمع عين كلام الله فهو المراد من قوله {أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ } وأما الثالث: وهو أنه وصل إليه الوحي بواسطة شخص آخر فهو المراد بقوله {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء } واعلم أن كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة وحي، إلا أنه تعالى خصص القسم الأول باسم الوحي، لأن ما يقع في القلب على سبيل الإلهام فهو يقع دفعة فكن تخصيص لفظ الوحي به أولى فهذا هو الكلام في تمييز هذه الأقسام بعضها عن بعض. المسألة الثانية: القائلون بأن الله في مكان احتجوا بقوله {أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ } وذلك لأن التقدير وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا على أحد ثلاثة أوجه أحدها: أن يكون الله من وراء حجاب، وإنما يصح ذلك لو كان مختصاً بمكان معين وجهة معينة والجواب: أن ظاهر اللفظ وإن أوهم ما ذكرتم إلا أنه دلّت الدلائل العقلية والنقلية على أنه تعالى يمتنع حصوله في المكان والجهة، فوجب حمل هذا اللفظ على التأويل، والمعنى أن الرجل سمع كلاماً مع أنه لا يرى ذلك المتكلم كان ذلك شبيهاً بما إذا تكلم من وراء حجاب، والمشابهة سبب لجواز المجاز. المسألة الثالثة: قالت المعتزلة هذه الآية تدل على أنه تعالى لا يرى، وذلك لأنه تعالى حصر أقسام وحيه في هذه الثلاثة ولو صحت رؤية الله تعالى لصح من الله تعالى أنه يتكلم مع العبد حال ما يراه العبد، فحينئذٍ يكون ذلك قسماً رابعاً زائداً على هذه الأقسام الثلاثة، والله تعالى نفى القسم الرابع بقوله {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ ٱللَّهُ } إلا على هذه الأوجه الثلاثة والجواب: نزيد في اللفظ قيداً فيكون التقدير وما كان لبشر أن يكلمه الله في الدنيا إلا على أحد هذه الأقسام الثلاثة وحينئذٍ لا يلزم ما ذكرتموه، وزيادة هذا القيد وإن كانت على خلاف الظاهر لكنه يجب المصير إليها للتوفيق بين هذه الآيات وبين الآيات الدالة على حصول الرؤية في يوم القيامة، والله أعلم. المسألة الرابعة: أجمعت الأمة على أن الله تعالى متكلم، ومن سوى الأشعري وأتباعه أطبقوا على أن كلام الله هو هذه الحروف المسموعة والأصوات المؤلفة، وأما الأشعري وأتباعه فإنهم زعموا أن كلام الله تعالى صفة قديمة يعبر عنها بهذه الحروف والأصوات. أما الفريق الأول: وهم الذين قالوا كلام الله تعالى هو هذه الحروف والكلمات فهم فريقان أحدهما: الحنابلة الذين قالوا بقدم هذه الحروف وهؤلاء أخس من أن يذكروا في زمرة العقلاء، واتفق أني قلت يوماً لبعضهم لو تكلم الله بهذه الحروف إما أن يتكلم بها دفعة واحدة أو على التعاقب والتوالي والأول باطل لأن التكلم بجملة هذه الحروف دفعة واحدة لا يفيد هذا النظم المركب على هذا التعاقب والتوالي، فوجب أن لا يكون هذا النظم المركب من هذه الحروف المتوالية كلام الله تعالى، والثاني: باطل لأنه تعالى لو تكلم بها على التوالي والتعاقب كانت محدثة، ولما سمع ذلك الرجل هذا الكلام قال لواجب علينا أن نقر ونمر، يعني نقر بأن القرآن قديم ونمر على هذا الكلام على وفق ما سمعناه فتعجبت من سلامة قلب ذلك القائل، وأما العقلاء من الناس فقد أطبقوا على أن هذه الحروف والأصوات كائنة بعد أن لم تكن حاصلة بعد أن كانت معدومة، ثم اختلفت عباراتهم في أنها هل هي مخلوقة، أو لا يقال ذلك، بل يقال إنها حادثة أو يعبر عنها بعبارة أخرى، واختلفوا أيضاً في أن هذه الحروف هل هي قائمة بذات الله تعالى أو يخلقها في جسم آخر، فالأول: هو قول الكرامية والثاني: قول المعتزلة، وأما الأشعرية الذين زعموا أن كلام الله صفة قديمة تدل عليها هذه الألفاظ والعبارات فقد اتفقوا على أن قوله {أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ } هو أن الملك والرسول يسمع ذلك الكلام المنزّه عن الحرف والصوت من وراء حجاب، قالوا وكما لا يبعد أن ترى ذات الله مع أنه ليس بجسم ولا في حيز فأي بعد في أن يسمع كلام الله مع أنه لا يكون حرفاً ولا صوتاً؟ وزعم أبو منصور الماتريدي السمرقندي أن تلك الصفة القائمة يمتنع كونها مسموعة، وإنما المسموع حروف وأصوات يخلقها الله تعالى في الشجرة وهذا القول قريب من قول المعتزلة، والله أعلم. المسألة الخامسة: قال القاضي هذه الآية تدل على حدوث كلام الله تعالى من وجوه الأول: أن قوله تعالى: {أَن يُكَلّمَهُ ٱللَّهُ } يدل عليه لأن كلمة أن مع المضارع تفيد الاستقبال الثاني: أنه وصف الكلام بأنه وحي لأن لفظ الوحي يفيد أنه وقع على أسرع الوجوه الثالث: أن قوله {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء } يقتضي أن يكون الكلام الذي يبلغه الملك إلى الرسول البشر مثل الكلام الذي سمعه من الله والذي يبلغه إلى الرسول البشري حادث، فلما كان الكلام الذي سمعه من الله مماثلاً لهذا الذي بلغه إلى الرسول البشري، وهذا الذي بلغه إلى الرسول البشري حادث ومثل الحادث حادث، وجب أن يقال إن الكلام الذي سمعه من الله حادث الرابع: أن قوله {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ } يقتضي كون الوحي حاصلاً بعد الإرسال، وما كان حصوله متأخراً عن حصول غيره كان حادثاً والجواب: أنا نصرف جملة هذه الوجوه التي ذكرتموها إلى الحروف والأصوات ونعترف بأنها حادثة كائنة بعد أن لم تكن وبديهة العقل شاهدة بأن الأمر كذلك، فأي حاجة إلى إثبات هذا المطلوب الذي علمت صحته ببديهة العقل وبظواهر القرآن؟ والله أعلم. المسألة السادسة: ثبت أن الوحي من الله تعالى، إما أن لا يكون بواسطة شخص آخر، ويمتنع أن يكون كل وحي حاصلاً بواسطة شخص آخر، وإلا لزم إما التسلسل وإما الدور، هما محالان، فلا بد من الاعتراف بحصول وحي يحصل لا بواسطة شخص آخر، ثم ههنا أبحاث: البحث الأول: أن الشخص الأول الذي سمع وحي الله لا بواسطة شخص آخر كيف يعرف أن الكلام الذي سمعه كلام الله، فإن قلنا إنه سمع تلك الصفة القديمة المنزّهة عن كونها حرفاً وصوتاً، لم يبعد أنه إذا سمعها علم بالضرورة كونها كلام الله تعالى، ولم يبعد أن يقال إنه يحتاج بعد ذلك إلى دليل زائد، أما إن قلنا إن المسموع هو الحرف والصوت امتنع أن يقطع بكونه كلاماً لله تعالى، إلا إذا ظهرت دلالة على أن ذلك المسموع هو كلام الله تعالى. البحث الثاني: أن الرسول إذاسمعه من الملك كيف يعرف أن ذلك المبلغ ملك معصوم لا شيطان مضل؟ والحق أنه لا يمكنه القطع بذلك إلا بناء على معجزة تدل على أن ذلك المبلغ ملك معصوم لا شيطان خبيث، وعلى هذا التقدير، فالوحي من الله تعالى لا يتم إلا بثلاث مراتب في ظهور المعجزات: المرتبة الأولى: أن الملك إذا سمع ذلك الكلام من الله تعالى، فلا بد له من معجزة تدل على أن ذلك الكلام كلام الله تعالى. المرتبة الثانية: أن ذلك الملك إذا وصل إلى الرسول، لا بد له أيضاً من معجزة. المرتبة الثالثة: أن ذلك الرسول إذا أوصله إلى الأمة، فلا بد له أيضاً من معجزة، فثبت أن التكليف لا يتوجه على الخلق إلا بعد وقوع ثلاث مراتب في المعجزات. البحث الثالث: أنه لا شك أن ملكاً من الملائكة قد سمع الوحي من الله تعالى ابتداء، فذلك الملك هو جبريل، ويقال لعل جبريل سمعه من ملك آخر، فالكل محتمل ولو بألف واسطة، ولو يوجد، ما يدل على القطع بواحد من هذه الوجوه. البحث الرابع: هل في البشر من سمع وحي الله تعالى من غير واسطة؟ المشهور أن موسى عليه السلام سمع كلام الله من غير واسطة، بدليل قوله تعالى: { أية : فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى } تفسير : [طه: 13] وقيل إن محمداً صلى الله عليه وسلم سمعه أيضاً لقوله تعالى: { أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ } تفسير : [النجم: 10]. البحث الخامس: أن الملائكة يقدرون على أن يظهروا أنفسهم على أشكال مختلفة، فبتقدير أن يراه الرسول صلى الله عليه وسلم في كل مرة وجب أن يحتاج إلى المعجزة، ليعرف أن هذا الذي رآه في هذه المرة عين ما رآه في المرة الأولى، وإن كان لا يرى شخصه كانت الحاجة إلى المعجزة أقوى، لاحتمال أنه حصل الاشتباه في الصوت، إلا أن الإشكال في أن الحاجة إلى إظهار المعجزة في كل مرة لم يقل به أحد. المسألة السابعة: دلّت المناظرات المذكورة في القرآن بين الله تعالى وبين إبليس على أنه تعالى كان يتكلم مع إبليس من غير واسطة، فذلك هل يسمى وحياً من الله تعالى إلى إبليس أم لا، الأظهر منعه، ولا بد في هذا الموضع من بحث غامض كامل. المسألة الثامنة: قرأ نافع {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً } برفع اللام، فيوحي بسكون الياء ومحله رفع على تقدير، وهو يرسل فيوحي، والباقون بالنصب على تأويل المصدر، كأنه قيل ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً إو إسماعاً لكلامه من وراء حجاب أو يرسل، لكن فيه إشكال لأن قوله وحياً أو إسماعاً اسم وقوله {أَوْ يُرْسِلَ } فعل، وعطف الفعل على الاسم قبيح، فأجيب عنه بأن التقدير: وما كان لبشر أن يكلمه إلا أن يوحي إليه وحياً أو يسمع إسماعاً من وراء حجاب أو يرسل رسولاً. المسألة التاسعة: الصحيح عند أهل الحق أن عندما يبلغ الملك الوحي إلى الرسول، لا يقدر الشيطان على إلقاء الباطل في أثناء ذلك الوحي، وقال بعضهم: يجوز ذلك لقوله تعالى: { أية : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته } تفسير : [الحج:52] وقالوا الشيطان ألقى في أثناء سورة النجم، تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى، وكان صديقنا الملك سام بن محمد رحمه الله، وكان أفضل من لقيته من أرباب السلطنة يقول هذا الكلام بعد الدلائل القوية القاهرة، باطل من وجهين آخرين الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بصورتي » تفسير : فإذا لم يقدر الشيطان على أن يتمثل في المنام بصورة الرسول، فكيف قدر على التشبه بجبريل حال اشتغال تبليغ وحي الله تعالى؟ والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : ما سلك عمر فجاً إلا وسلك الشيطان فجاً آخر » تفسير : فإذا لم يقدر الشيطان أن يحضر مع عمر في فج واحد، فكيف يقدر على أن يحضر مع جبريل في موقف تبليغ وحي الله تعالى؟. المسألة العاشرة: قوله تعالى: {فيوحي بإذنه ما يشاء} يعني فويحي ذلك الملك بإذن الله ما يشاء الله، وهذا يقتضي أن الحسن لا يحسن لوجه عائد عليه، وأن القبيح لا يقبح لوجه عائد إليه، بل لله أن يأمر بما يشاء من غير تخصيص، وأن ينهى عما يشاء من غير تخصيص، إذ لو لم يكن الأمر كذلك لما صح قوله {مَا يَشَاء } والله أعلم. ثم قال تعالى في آخر الآية {إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ } يعني أنه علي عن صفات المخلوقين حكيم يجري أفعاله على موجب الحكمة، فيتكلم تارة بغير واسطة على سبيل الإلهام، وأخرى بإسماع الكلام، وثالثاً بتوسيط الملائكة الكرام، ولما بيّن الله تعالى كيفية أقسام الوحي إلى الأنبياء عليهم السلام، قال: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا } والمراد به القرآن وسماه روحاً، لأنه يفيد الحياة من موت الجهل أو الكفر. ثم قال تعالى: {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلاَ ٱلإِيمَـٰنُ } واختلف العلماء في هذه الآية مع الإجماع على أنه لا يجوز أن يقال الرسل كانوا قبل الوحي على الكفر، وذكروا في الجواب وجوهاً الأول: {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَـٰبُ } أي القرآن {وَلاَ ٱلإِيمَـٰنُ } أي الصلاة، لقوله تعالى: { أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ } تفسير : [البقرة: 143] أي صلاتكم الثاني: أن يحمل هذا على حذف المضاف، أي ما كنت تدري ما الكتاب ومن أهل الإيمان، يعني من الذي يؤمن، ومن الذي لا يؤمن الثالث: ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان حين كنت طفلاً في المهد الرابع: الإيمان عبارة عن الإقرار بجميع ما كلف الله تعالى به، وإنه قبل النبوّة ما كان عارفاً بجميع تكاليف الله تعالى، بل إنه كان عارفاً بالله تعالى، وذلك لا ينافي ما ذكرناه الخامس: صفات الله تعالى على قسمين: منها ما يمكن معرفته بمحض دلائل العقل، ومنها ما لا يمكن معرفته إلا بالدلائل السمعية. فهذا القسم الثاني لم تكن معرفته حاصلة قبل النبوّة. ثم قال تعالى: {وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا } واختلفوا في الضمير في قوله {وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ } منهم من قال إنه راجع إلى القرآن دون الإيمان لأنه هو الذي يعرف به الأحكام، فلا جرم شبه بالنور الذي يهتدي به، ومنهم من قال إنه راجع إليهما معاً، وحسن ذلك لأن معناهما واحد كقوله تعالى: { أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّواْ إِلَيْهَا } تفسير : [الجمعة: 11]. ثم قال: {نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا } وهذا يدل على أنه تعالى بعد أن جعل القرآن نفسه في نفسه هدىً كما قال: { أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [البقرة: 2] فإنه قد يهدي به البعض دون البعض وهذه الهداية ليست إلا عبارة عن الدعوة وإيضاح الأدلة لأنه تعالى قال في صفة محمد صلى الله عليه وسلم {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } وهو يفيد العموم بالنسبة إلى الكل وقوله {نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا } يفيد الخصوص فثبت أن الهداية بمعنى الدعوة عامة والهداية في قوله {نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا } خاصة والهداية الخاصة غير الهداية العامة فوجب أن يكون المراد من قوله {نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا } أمراً مغايراً لإظهار الدلائل ولإزالة الأعذار، ولا يجوز أيضاً أن يكون عبارة عن الهداية إلى طريق الجنّة لأنه تعالى قال: {وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا } أي جعلنا القرآن نوراً نهدي به من نشاء، وهذا لا يليق إلا بالهداية التي تحصل في الدنيا، وأيضاً فالهداية إلى الجنّة عندكم في حق البعض واجب، وفي حق الآخرين محظور، وعلى التقديرين فلا يبقى لقوله {مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا } فائدة، فثبت أن المراد أنه تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء ولا اعتراض عليه فيه. ثم قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } فبيّن تعالى أنه كما أن القرآن يهدي فكذلك الرسول يهدي، وبيّن أنه يهدي إلى صراط مستقيم وبيّن أن ذلك الصراط هو {صِرٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } نبّه بذلك على أن الذي تجوز عبادته هو الذي يملك السمـٰوات والأرض، والغرض منه إبطال قول من يعبد غير الله. ثم قال: {أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ } وذلك كالوعيد والزجر، فبيّن أن أمر من لا يقبل هذه التكاليف يرجع إلى الله تعالى، أي إلى حيث لا حاكم سواه فيجازي كلاً منهم بما يستحقه من ثواب أو عقاب. قال رضي الله عنه: تمّ تفسير هذه السورة آخر يوم الجمعة الثامن من شهر ذي الحجة سنة ثلاث وستمائة، يا مدبر الأمور، ويا مدهر الدهور ويا معطي كل خير وسرور، ويا دافع البلايا والشرور، أوصلنا إلى منازل النور، في ظلمات القبور، بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأولى ـ قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً} سبب ذلك حديث : أن اليهود قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيًّا كما كلّمه موسى ونظر إليه؛ فإنا لن نؤمن لك حتى تفعل ذلك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن موسى لم ينظر إليه» تفسير : فنزل قوله: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً}؛ ذكره النقاش والواحدي والثعلبي. {وَحْياً} قال مجاهد: نَفْثٌ يُنْفَث في قلبه فيكون إلهاماً؛ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن روح القُدُس نَفَث في رُوعِي إنّ نَفْساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب. خذوا ما حلّ ودَعُوا ما حَرُم»تفسير : . {أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} كما كلم موسى. {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً} كإرساله جبريل عليه السلام. وقيل: «إِلاَّ وَحْياً» رؤيا يراها في منامه؛ قاله محمد بن زهير. «أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ» كما كلم موسى. «أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً» قال زهير: هو جبريل عليه السلام. {فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ} وهذا الوحي من الرسل خطاب منهم للأنبياء يسمعونه نطقاً ويرونه عياناً. وهكذا كانت حال جبريل عليه السلام إذا نزل بالوحي على النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: نزل جبريل عليه السلام على كل نبيّ فلم يره منهم إلا محمد وعيسى وموسى وزكرياء عليهم السلام. فأما غيرهم فكان وحياً إلهاماً في المنام. وقيل: «إِلاَّ وَحْياً» بإرسال جبريل «أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ» كما كلم موسى. «أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً» إلى الناس كافة. وقرأ الزهري وشيبة ونافع «أَوْ يرسلُ رسولاً فيوحِي» برفع الفعلين. الباقون بنصبهما. فالرفع على الاستئناف؛ أي وهو يرسل. وقيل: «يرسل» بالرفع في موضع الحال؛ والتقدير إلا موحياً أو مرسلاً. ومن نصب عطفوه على محل الوحي؛ لأن معناه وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي أو يرسل. ويجوز أن يكون النصب على تقدير حذف الجار من أن المضمرة. ويكون في موضع الحال؛ التقدير أو بأن يرسل رسولاً. ولا يجوز أن يعطف «أَوْ يُرْسِلَ» بالنصب على «أَنْ يُكَلِّمَهُ» لفساد المعنى؛ لأنه يصير: ما كان لبشر أن يرسله أو أن يرسل إليه رسولاً، وهو قد أرسل الرسل من البشر وأرسل إليهم. الثانية ـ احتج بهذه الآية من رأى فيمن حلف ألا يكلّم رجلاً فأرسل إليه رسولاً أنه حانث؛ لأن المرسل قد سُمّي فيها مكلّماً للمرسَل إليه، إلا أن ينوي الحالف المواجهة بالخطاب. قال ابن المنذر: واختلفوا في الرجل يحلف ألا يكلم فلاناً فكتب إليه كتاباً أو أرسل إليه رسولاً؛ فقال الثَّوْري: الرسول ليس بكلام. وقال الشافعي: لا يبين أن يحنَث. وقال النَّخَعي: والحكم في الكتاب يحنث. وقال مالك: يحنث في الكتاب والرسول. وقال مَرَّة: الرسول أسهل من الكتاب. وقال أبو عبيد: الكلام سوى الخط والإشارة. وقال أبو ثور: لا يحنث في الكتاب. قال ابن المنذر: لا يحنث في الكتاب والرسول. قلت: وهو قول مالك. قال أبو عمر: ومن حلف ألاّ يكلّم رجلاً فسلّم عليه عامداً أو ساهياً، أو سلّم على جماعة هو فيهم فقد حنث في ذلك كله عند مالك. وإن أرسل إليه رسولاً أو سلم عليه في الصلاة لم يحنث. قلت: يحنث في الرسول إلا أن ينوي المشافهة؛ للآية، وهو قول مالك وابن الماجشُون. وقد مضى في أول «سورة مريم» هذا المعنى عن علمائنا مستوفًى، والحمد لله.

ابن كثير

تفسير : هذه مقامات الوحي بالنسبة إلى جناب الله عز وجل، وهو أنه تبارك وتعالى تارة يقذف في روع النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً لا يتمارى فيه أنه من الله عز وجل، كما جاء في صحيح ابن حبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن روح القدس نفث في روعي: أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب»تفسير : . وقوله تعالى: {أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} كما كلم موسى عليه الصلاة والسلام، فإنه سأل الرؤية بعد التكليم، فحجب عنها. وفي الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجابر بن عبد الله رضي الله عنهما: «حديث : ما كلم الله أحداً إلا من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحاً» تفسير : كذا جاء في الحديث، وكان قد قتل يوم أحد، ولكن هذا في عالم البرزخ، والآية إنما هي في الدار الدنيا. وقوله عز وجل: {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ} كما ينزل جبريل عليه الصلاة والسلام وغيره من الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام {إِنَّهُ عَلِىٌّ حَكِيمٌ} فهو علي عليم، خبير حكيم. وقوله عز وجل: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} يعني: القرآن {مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلاَ ٱلإِيمَـٰنُ} أي: على التفصيل الذي شرع لك في القرآن {وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ} أي: القرآن {نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا} كقوله تعالى: {أية : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِىۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} تفسير : [فصلت: 44] الآية. وقوله تعالى: {وَإِنَّكَ} أي: يا محمد {لَتَهْدِىۤ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} وهو الخلق القويم، ثم فسره بقوله تعالى: {صِرَٰطِ ٱللَّهِ} أي: شرعه الذي أمر به الله {ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ} أي: ربهما ومالكهما، والمتصرف فيهما، والحاكم الذي لا معقب لحكمه {أَلآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ} أي: ترجع الأمور، فيفصلها ويحكم فيها، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ } أن يوحي إليه {وَحْياً } في المنام أو بإلهام {أَوْ } إلا {مِن وَرَاء حِجَابٍ } بأَن يسمعه كلامه ولا يراه كما وقع لموسى عليه السلام {أَوْ } إِلا أَن {يُرْسِلَ رَسُولاً } ملكاً كجبريل {فَيُوحِىَ } الرسول إلى المرسل إِليه أَي يكلمه {بِإِذْنِهِ } أي الله {مَا يَشَاءُ } الله {إِنَّهُ عَلِىٌّ } عن صفات المحدثين {حَكِيمٌ } في صنعه.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً} الآية. سبب نزولها ما حكاه النقاش أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبياً صادقاً كما كلمه موسى ونظر إليه؟ فنزلت هذه الآية. وفي قوله: {وَحْياً} وجهان: أحدهما: أنه نفث ينفث في قلبه فيكون إلهاماً، قاله مجاهد. الثاني: رؤيا يراها في منامه، قاله زهير بن محمد. {أَوْ مِن وَرَآءِي حِجَابٍ} قال زهير: كما كلم موسى. {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً} قال زهير: هو جبريل. {فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ} وهذا الوحي من الرسل خطاب منهم للأنبياء يسمعونه نطقاً ويرونه عياناً. وهكذا كانت حال جبريل إذا نزل بالوحي على النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: نزل جبريل على كل نبي فلم يره منهم إلا محمد وعيسى وموسى وزكريا صلوات الله عليهم أجمعين، فأما غيرهم فكان وحياً إلهاماً في المنام. قوله عز وجل: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: رحمة من عندنا، قاله قتادة. الثاني: وحياً من أمرنا، قاله السدي. الثالث: قرآناً من أمرنا، قاله الضحاك. {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ} فيه وجهان: أحدهما: ما كنت تدري ما الكتاب لولا الرسالة، ولا الإيمان لولا البلوغ، قاله ابن عيسى. الثاني: ما كنت تدري ما الكتاب لولا إنعامنا عليك، ولا الإيمان لولا هدايتنا لك وهو محتمل. وفي هذا الإيمان وجهان: أحدهما: أنه الإيمان بالله، وهذا يعرفه بعد بلوغه وقبل نبوته. الثاني: أنه دين الإٍسلام، وهذا لا يعرفه إلا بعد النبوة. {وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً...} فيه قولان: أحدهما: جعلنا القرآن نوراً، قاله السدي. الثاني: جعلنا الإيمان نوراً. حكاه النقاش وقاله الضحاك. {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} فيه قولان: أحدهما: معناه: وإنك لتدعو إلى دين مستقيم، قاله قتادة. الثاني: إلى كتاب مستقيم، قاله علي رضي الله عنه. وقرأ عاصم الجحدري: وإنك لتُهدى، بضم التاء أي لتُدْعَى. قوله عز وجل: {صِرَاطِ اللَّهِ} فيه وجهان: أحدهما: أن صراط الله هو القرآن، قاله علي كرم الله وجهه. الثاني: الإٍسلام، رواه النواس بن سمعان الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم. {أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ} يحتمل وجهين: أحدهما: أنه وعيد بالبعث. الثاني: أنه وعيد بالجزاء، والله أعلم.

ابن عبد السلام

تفسير : {إِلا وَحْياً} بالنفث في قلبه والإلهام، أو رؤيا المنام. {مِن وَرَآىءِ حِجَابٍ} كما كلم موسى {رَسُولاً} جبريل ـ عليه السلام ـ {فَيُوحِىَ} هذا الوحي خطاب من الرسل إلى الأنبياء يسمعونه نطقاً ويرونهم عياناً، أو نزل جبريل ـ عليه السلام ـ على كل نبي فلم يره منهم إلا محمد وإبراهيم وموسى وعيسى وزكريا ـ عليه الصلاة والسلام ـ وأما غيرهم فكان وحياً وإلهاماً في المنام نزلت لما قال اليهود للرسول صلى الله عليه وسلم ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبياً صادقاً كما كلمه موسى ونظر إليه.

النسفي

تفسير : {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ } وما صح لأحد من البشر {أَن يُكَلّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً } أي إلهاماً كما روي «نفث في روعي» أو رؤيا في المنام كقوله عليه السلام «حديث : رؤيا الأنبياء وحي»تفسير : وهو كأمر إبراهيم عليه السلام بذبح الولد {أَوْ مِن وَرَآءِ } حِجَابٍ أي يسمع كلاماً من الله كما سمع موسى عليه السلام من غير أن يبصر السامع من يكلمه. وليس المراد به حجاب الله تعالى لا يجوز عليه ما يجوز على الأجسام من الحجاب ولكن المراد به أن السامع محجوب عن الرؤية في الدنيا {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً } أي يرسل ملكاً {فَيُوحِىَ } أي الملك إليه. وقيل: وحياً كما أوحي إلى الرسل بواسطة الملائكة {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً } أي نبياً كما كلم أمم الأنبياء على ألسنتهم. و{وَحْياً } و{أَن يُرْسِلَ } مصدران واقعان موقع الحال لأن {أَن يُرْسِلَ } في معنى إرسالاً و{مِن وَرَاء حِجَابٍ } ظرف واقع موقع الحال كقوله {أية : وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ }تفسير : [آل عمران: 191]. والتقدير: وما صح أن يكلم أحداً إلا موحياً أو مسمعاً من وراء حجاب أو مرسلاً. ويجوز أن يكون المعنى: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا بأن يوحي أو أن يسمع من وراء حجاب أو أن يرسل رسولاً وهو اختيار الخليل، {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِىَ } بالرفع: نافع على تقدير أو هو يرسل {بِإِذْنِهِ } إذن الله {مَا يَشَآءُ} من الوحي {إِنَّهُ عَلِىٌّ } قاهر فلا يمانع {حَكِيمٌ } مصيب في أقواله وأفعاله فلا يعارض. {وَكَذٰلِكَ } أي كما أوحينا إلى الرسل قبلك أو كما وصفنا لك {أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } إيحاء كذلك {رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا } يريد ما أوحى إليه لأن الخلق يحيون به في دينهم كما يحيا الجسد بالروح {مَا كُنتَ تَدْرِى } الجملة حال من الكاف في {إِلَيْكَ }. {مَا ٱلْكِتَـٰبُ } القرآن {وَلاَ ٱلإِيمَـٰنُ } أي شرائعه أو ولا الإيمان بالكتاب لأنه إذا كان لا يعلم بأن الكتاب ينزل عليه لم يكن عالماً بذلك الكتاب. وقيل: الإيمان يتناول أشياء بعضها الطريق إليه العقل، وبعضها الطريق إليه السمع، فعنى به ما الطريق إليه السمع دون العقل وذاك بما كان له فيه علم حتى كسبه بالوحي {وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ } أي الكتاب {نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِى } {لتدعو} وقرىء به {إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} الإسلام {صِرٰطِ ٱللَّهِ } بدل {ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ} ملكاً وملكاً {أَلآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ} هو وعيد بالجحيم ووعد بالنعيم والله أعلم بالصواب.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً...} الآية لما بين حال قدرته وعلمه وحكمته أتبعه ببيان أنه كيف يخص أنبياءه بوحيه وكلامه. وقوله: "أَنْ يُكَلمَهُ" "أن" ومنصوبها اسم كان و"لِبَشَرٍ" خبرها. وقال أبو البقاء: "أن" والفعل في موضع رفع على الابتداء وما قبله الخبر، أو فاعل بالجار لاعتماده على حرف النفي، وكأنه وهم في التلاوة فزعم أن القرآن: وما لبشر أن يكلمه مع أنه يمكن الجواب عنه بتكلُّفٍ. و {إِلاَّ وَحْياً} يجوز أن يكون مصدراً أي إلا كلام وحي. وقال أبو البقاء: استثناء منقطع؛ لأن الوحي ليس من جنس الكلام. وفيه نظر؛ لأن ظاهره أنه مفرغ، والمفرغ لا يوصف بذلك. ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحال. قوله: "أَوْ يُرْسِلَ" قرأ نافع: "أوْ يُرْسِلُ" برفع اللام، وكذلك: فيوحي فسكنت ياؤه. والباقون بنصبهما. فأما القراءة الأولى ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنه رفع على إضمار مبتدأ أي: أو هو يرسل. الثاني: أنه عطف على "وَحْياً" على أنه حال؛ لأن وحياً في تقدير الحال أيضاً فكأنه قال: إلا موحياً أو مرسلاً. الثالث: أن يعطف على ما يتعلق به "مِنَ وَراءِ"؛ إذ تقديره أو يُسْمِعُ من وراء حجاب و "وَحْياً" في موضع الحال عطف عليه ذلك المقدر المعطوف عليه "أوْ يُرْسِل"، والتقدير: إلاَّ موحياً أو مُسْمِعاً مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ مُرْسِلاً. وأما الثانية ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أن يعطف على المضمر الذي يتعلق به {مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} إذ تقديره: أو يُكَلِّمَهُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ. وهذا الفعل (المقدر) معطوف على "وَحْياً"، والمعنى: إلا بوحي أو إسماعٍ من وراءِ حجابٍ أو إرسال رسولٍ. ولا يجوز أن يعطف على "يُكَلِّمَهُ" لفساد المعنى؛ إذ يصير التقدير: ومَا كَانَ لِبَشَرٍ أن يُرْسِلَ اللهُ رَسُولاً، فيفسد لفظاً ومعنًى. وقال مكي: لأنه يلزم منه نفي الرسل، ونفي المرسل إليهم. الثاني: أن ينصب بأن مضمرة وتكون هي وما نصبته معطوفين على "وَحْياً" و "وَحْياً"، فيكون هذا أيضاً حالاً، والتقدير: إلا موحياً أو مرسلاً. وقال الزمخشري: "وَحْياً وأن يرسل" مصدران واقعان موقع الحال، لأن: أن يُرْسِلَ في معنى: إرسالاً و {مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} ظرف واقع موقع الحال أيضاً كقوله: {أية : وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ}تفسير : [آل عمران:191] والتقدير: وما صح أن يكلم أحداً إلا موحياً أو مسمعاً من وراء حجاب أو مرسلاً. ورد عليه أبو حيان بأن وقوع المصدر موقع الحال غير منقاس وإنما قاس منه المبرد ما كان نوعاً للفعل فيجيز أتيته ركضاً ويمنع: أتيته بكاءً أي باكياً. وبأن: أن يرسل لا يقع حالاً لنص سيبويه:على أن "أَنْ" والفعل لا يقع حالاً وإن كان المصدر الصريح يقع حالاً تقول: جاء زيد ضحكاً، ولا يجوز أن يضحك. الثالث: أنه عطف على معنى وحياً فإنه مصدر مقدر بأن والفعل والتقدير: إلاَّ بأن يوحي إليه أو بأن يرسل. ذكره مكي وأبو البقاء. قوله: {مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} العامة على الإفراد. وابن أبي عبلة: حجبٍ جمعاً. وهذا الجار يتعلق بمحذوف تقديره: أو يكلمه من وراء حجاب. وقد تقدم أن هذا الفعل معطوف على معنى وحياً، أي إلاَّ أن يوحي أو يكلمه. قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يتعلق من بـ "يْكَلِّمهُ" (الموجودة في اللفظ لأن ما قبل الاستثناء لا يعمل فيما بعد إلا. ثم قال: وقيل: من مسبوقة بيُكَلِّمُهُ) لأنه ظرف والظرف يُتَّسَعُ فيه. فصل ذكر المفسرون أن اليهود قالوا للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبياً كما كلمه موسى ونظر إليه؟ فقال: لم ينظر موسى إلى الله عز وجل. فأنزل الله تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أي يوحي إليه في المنام أو بالإلهام أو من وراء حجاب يسمعه كلامه ولا يراه كما كلم موسى عليه الصَّلاة والسَّلام أو يرسل رسولاً إما جبريل أو غيره من الملائكة فيوحي بإذنه ما يشاء أن يوحي ذلك الرسول إلى المرسل إليه بإذن الله ما يشاء. وهذه الآية تدل على (أن) الحسن لا يحسن لوجه عائد إليه وأن القبح لا يقبح لوجه عائد إليه بل الله إنما يأمر بما يشاء من غير تخصيص وأنه ينهى عما يشاء من غير تخصيص، إذ لو لم يكن الأمر كذلك لما صح قوله: "مَا يَشَاءُ"، ثم قال: {إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} أي عليم بصفات المخلوقين حكيم تجري أفعاله على الحكمة فيتكلم تارة بغير واسطة على سبيل الإلهام وأخرى بإسماع الكلام وثالثاً بواسطة الملائكة الكرام. ولما بين الله كيفية أقسام الوحي إلى الأنبياء ـ عليهم الصَّلاة والسَّلام ـ قال: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} أي كما أوحينا إلى سائر رسلنا أوحينا إليك روحاً من أمرنا. قال ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ نبوة. وقال الحسن ـ (رضي الله عنه) ـ: رحمة وقال السدي ومقاتل: وحياً. وقال الكلبي: كتاباً، وقال الربيع، جبريل. وقال مالك بن دينار: يعني القرآن. قوله: {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ} "ما" الأولى نافية والثانية استفهامية، والجملة الاستفهامية معلقة للدِّراية، فهي في محل نصب لسدها مسد مفعولين، والجملة المنفية بأسرها في محل نصب على الحال من الكاف في "إلَيْكَ". فصل المعنى: وما كنت تدري قبل الوحي ما الكتاب ولا الإيمان يعني شرائع الإيمان ومعالمه. وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة: الإيمان هنا الصلاة لقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}تفسير : [البقرة:143] أي صلاتكم. وقيل: هذا على حذف مضاف أي ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان حين كنت طفلاً في المهد. وقيل الإيمان عبارة عن الإقرار بجميع ما كلف الله تعالى به وأنه قبل النبوة ما كان عارفاً بجميع تكاليف الله تعالى بل كان عارفاً بالله تعالى. وقال بعضهم: صفات الله تعالى على قسمين: منها ما يمكن معرفته بمحض دلائل العقول ومنها ما لا يمكن معرفته إلا بالدلائل السمعية فهذا القسم الثاني لم يكن معرفته حاصلاً قبل النبوة. واعلم أن أهل الأصول على أن الأنبياء ـ عليهم الصَّلاة والسَّلام ـ كانوا مؤمنين من قبل الوحي، كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعبد الله قبل الوحي على دين إبراهيم ولم يتبين له شرائع دينه. قوله: "جَعَلْنَاهُ" الضمير يعود إما لروحاً وإما للكتاب، وإما لهما، لأنهما مقصد واحد، فهو كقوله: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ}تفسير : [التوبة:62]. فصل قال ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ يعني الإيمان: وقال السدي: يعني القرآن يهدي به من يشاء "نرشد به من نشاء" مِنْ عِبَادِنَا، و "نهدي" يجوز أن يكون مستأنفاً وأن يكون مفعولاً مكرراً للفعل وأن يكون صفة لنوراً. قوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ} قرأ (شهر) بن حوشب: لتهدي مبنياً للمفعول وابن السَّميقع: لتهدي بضم التاء وكسر الدال من: أهدى والمراد بالصراط المستقيم الإسلام. قوله: {صِرَاطِ ٱللَّهِ} بدل من: "صِرَاطٍ" قبله بدل كل من كل معرفة من نكرة. فصل نبه بهذه الآية على أن الذي يجوز عبادته هو الذي يملك السموات والأرض، ثم قال: {أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ} أمور الخلائق كلها في الآخرة وهذا كالوعيد والزجر أي ترجع الأمور كلها إلى الله تعالى حيث لا يحاكم سواه فيجازي كلاً منهم بما يستحقه من ثواب أو عقاب. روى أبو أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : مَنْ قَرَأَ سُورَة حـمۤ عۤسۤقۤ كان ممَّن تصلِّي عليه الملائكة ويستغفرون له ويسترحِمُون له"تفسير : . (والله أعلم).

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً} [الآية: 51]. قال الواسطى: فى هذه الآية أخبر عن أوصاف الحق على سنن واحد وخص السفير الأعلى والواسطة الأدنى مشافهة الخطاب ومكافحته فقال: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً} وهو قائم بصفة البشرية حتى ينزع عنه أوصاف البشرية ويُحَلَّى بحلية الاختصاص حينئذ يكلّم شفاهاً.

القشيري

تفسير : لله بحقِّ مُلْكِه أن يفعل ما يشاء، ويعطي مَنْ يشاء مِنْ عباده ما يشاء، ولكن أجرى العادة وحَكَم بأنه لا يفعل إلا ما وَرَدَ في هذه الآية؛ فلم يُكَلِّم أحداً إلا بالوحي، أو من وراء حجاب؛ يعني وهو لا يرى الحقَّ، فالمحجوبُ هو العبد لا الرب، والحجابُ أن يخلق في محل الرؤية ضد الرؤية.. تعالى اللَّهُ عن أن يكونَ من وراء حجاب؛ لأن ذلك صفةُ الأجسام المحدودة التي يُسْبَلُ عليها ستر. إنه "عَلِيٌّ": في شأنه وقَدْرِه، "حكيمٌ": في أفعاله.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} كان لى واقعة فى ابتداء الامر وذلك انى شاهدت الحق بالحق وكاشف فى مشاهدة جماله وخاطبنى من حيث الارواح الا الاشباح فغلب على سكر ذلك وافشيت حالى بلسان السكر فتعرضى واحد من اهل العلم وسالنى كيف تقول ذلك وان الله سبحانه اخبرنا بانه لم يخاطب احدا من الانبياء والرسل الا من وارء حجاب وسالتنى كيف تقول ذلك وان الله سبحانه اخبرنا بانه لم يخطاب احدا من الانبياء والرسل الا من وراء حجاب وقال وما كان لبشر ان يكلمه الله لا وحيا او من وراء حجاب فقلت صدق الله هذا اذا كانوا فى حجاب البشرية فاذا خرجوا بشرط الارواح الى علم الغيب رأوا الملكوت البسهم الله انوار قربه وكحل عيونهم بنوره نوره البس اسماعهم قوة من قوى الربوبية وكشف لهم ستر الغيرة وحجاب الممكلة وخاطبهم كفاحا وعيانا ولنبينا صلى الله عليه وسلم اخص خاصية اذ هو مصطفى فى الازل المعراج والمشاهدة فاذا صار جسمه روحه ويكون واحد من كل الوجوه صعد الى الملكوت وراى الحق منزه عن ان يحجبه المحل من الحدثان او احتجب بشئ دونه فهو الممتنع بذاته القديم من ان يطالعه الا بعد ان يشكف له جلال ابديته وجماله سرمديته وتصديق ما ذكرنا ما قال الواسطى فى هذه الأية قال اخبر ان اوصاف الخلق على سنن واحد وخص السفير الا على والواسطة الادنى بمشافهة الخطاب ومكافتحت وقال وما كان لبشر ان يكلمه الله الا وحيا وهو قائم بصفة البشرية حتى ينزع عنه اوصاف البشرية ويحلى بحلية الاختصاص فحٍ يكلم شفاها لقوله تعالى وكذلك اوحينا اليك تفسير قوله سبحانه {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} ان كما خصصنا الانبياء والرسل الروحانية والارواح الملكوتية والارواح الجبروتية والارواح الجمالية والارواح الجلالية خصصناك روح قدسية اوجدتها من جملة الارواح بتجلى قدس قدم من العدم وفضلناك برؤية القدس والجوهر القدسى المشروح برقوم تجلى جمال وجلالى المكسوّ بكسوة جميع صفاتى المنور بنور ذاتى وخصصنا روحك المشرفة بهذه الانوار بان احيينها بما اودعتها من روح فعلى وروح صفتى ورح ذاتى وذلك علم الغيب وغيب الغيب وسر الغيب الاول امر الفعل والثانى امر الصفة والثالث امر الذات فاذا صارت جامعة لهذه الخصايص وان جميع الارواح صدرت من نورها وارسلناها الى جسمك المبارك ونفختها فى صورتك كما نفخت فى صورة ابيك فصار أدم العالم فانت انت وأدم العالم من العرش الى الثرى يظهر من مرأة وتجودك كما ظهر الكون من جوهرك القدسى الذى هو اقل ما خلقت فمن يرى نورها منك فقدر لسانى فانك مراتى للعالمين لذلك قال عليه الصلاة والسلام من رانى فقد راى الحق ومن عرفنى فقد عرف الحق وقال اوّل ما خلق الله نورى ثم خلق منه ما هو كائن الى يوم القيامة فمن كان له من بحر نوره روح صار بين العالمين مرأة جمال الحق وجلاله ويكون شاهد الحق فى العالم من نظر اليه عشق بالحق اذا الحق يظهر منه من حيث التجلى لا من حيث الحلول تعالى الله عن ان يحل فى شئ من الحدثان ثم بين الحق تفصيل مواهبه التى وهبها لحبيبه صلى الله عليه وسلم من خصائص النبوة والرسالة وشرائف المعارف والكواشف التى خفيت عنه فى اوايل حاله اذ كان فى غواشى صورة الانسانية عن احكام الاولية وما سبق له من حسن العناية والكفاية بقوله {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ} اى ما كنت واقفا على اسرار الخطاب وحقيقة المعرفة فى زمان غيبتك اذ زينتك بالطافى فى حجب الغيب ثم تجليت لك نور القرأن الذى ظهر منه نور العرفان فصار العرفان ايمانك والقرأن عرفانك فامانك العرفان وعرفانك القرأن فصار ايلاما والعرفان والقران من حيث عين الجمع احدا اذ جميعها صدر من صفة القدم وبالتجلى والتدلى والظهور والصفة صدرت من الذات من حيث المعائنة والكشف للارواح الجلالية الجمالية القدسية لذلك يعود الكناية الى الواحد من الاثنين اذ هذا الاثنان واحد فى الحقيقة قال تعالى {وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا} اى هذه المعانى التى كشفتها لك نور وهداية تهدى به الى معرفتنا وشرفك عندما من عبادنا من العارفين والموحدين والمحبين الذين كانوا فى سوابق الغيب منك صدورا وعلى رؤية جمالنا وجلالنا وانت سيدهم وامامهم تعرفهم سبل وصولنا وذلك قوله {وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} ثم اضاف ذلك السّبيل بنعت الخصوصية الى نفسه وقال {صِرَاطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} اى صراطك المستقيم هو طريق الله الذى مهد للعارفين والمشتاقين ليسكنوا فيه اليه بنوره وهدايته ثم وصف نفسه بانه مالك الاعيان من العرش الى الثرى حتى طابت ارواح الصديقين بوحدانيه اذ لا منصرف الا هو ولا مصرف من جميع الوجوه الا ساحة كبريائه وعظمته وذلك قوله {أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ} تعود اليه امور الخلائق من الحكم والقضاء والقدرة والمشيئة والفعل والقدرة كما بدأ منه قال الواسطى اظهر الارواح من بين جماله وجلاله مكسوة بهاتين الكسوتين لولا انه سترها لسجد لها كل ما اظهر من الكونين فمن رواه برداء الجمال فلا شئ اجمل من كونه فى ستر يظهر من كل درك وحذاقة وفطنة ومن رداه برداء الجلال وقعت الهيبة على شاهدة وهابه كل من لقيه ونصحه الارواح علامات ثلاث صحة الثقة والتحقيق بالاخلاق والتخطى فى طريق الاداب وقال ابن عطا الكتاب ما كتبت على خلقى من السعادة والشقاوة والايمان ما قسمت للخلق من القربة قال القاسم فى قوله الا الى الله تصير الامور لانه مبتدأ كل شئ واليه منتهى كل شئ فمن كان منه وله فهو الساعة به قال سهل فى قوله وانك لتهدى الى صراطٍ مستقيم وتدعوا الى ربك بنور هداية ربّك وقال بعضهم دعونا اقواما فى الازل فاجابوا فانت تهديهم الينا وتدلهم علينا.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما كان لبشر} اى وما صح لفرد من افراد البشر يا محمد {ان يكلمه الله} بوجه من الوجوه {الا وحيا} اصل الوحى الاشارة السريعه وانما سمى الوحى وحيا لسرعته فان الوحى عين الفهم عين الافهام عين المفهوم منه كما يذوقه اهل الالهام من الاولياء وقد عرف بعضهم الوحي. بأنه ما تقع به الاشارة القائمة مقام العبارة فى غير عبارة وقال الراغب ويقال للكلمة الالهية التى تلقى الى انبيائه واوليائه وحى. يقول الفقير يعلم منه ان الوحى والالهام واحد فى الحقيقة وانما قيل الوحى فى الانبياء والالهام فى الاولياء تأدبا كما قيل دعوة الانبياء وارشاد الاولياء فاستعملوا الدعوة فى الانبياء والارشاد فى الاولياء مع انهما أمر واحد فالوحى اما بالقاء فى الروع كما ذكر عليه السلام "حديث : ان روح القدس نفث فى روعى" تفسير : واما بالهام نحو قوله {أية : واوحينا الى ام موسى ان ارضعيه} تفسير : واما بتسخير نحو قوله تعالى {أية : واوحى ربك الى النحل} تفسير : او بنام كقوله عليه السلام "حديث : انقطع الوحى وبقيت المبشرات رؤيا المؤمن" تفسير : فهذه الانواع دل عليها قول الا وحيا فمعناه الا بانه يوحى اليه ويلهمه ويقذف فى قلبه كما اوحى الى ام موسى والى ابراهيم فى ذبح ولده والى داود الزبور فى صدره قاله مجاهد وسيأتى تحقيق الآية ان شاء الله تعالى {او من ورآء حجاب} بان يسمعه كلامه الذى يخلقه فى بعض الاجرام من غير ان يبصر السامع من يكلمه فهو تمثيل له بحال الملك المحتجب الذى يكلم بعض خواصه من ورآء الحجاب يسمع صوته ولا يرى شخصه والا فالله تعالى منزه عن الاستتار بالحجاب الذى هو من خواص الاجسام فالحجاب يرجع الى المستمع لا الى الله تعالى المتكلم وذلك كما كلم الله تعالى موسى فى طوى والطور ولذا سمى كليم الله لانه سمع صوتا دالا على كلام الله من غير ان يكون ذلك الصوت مكتسبا لاحد من الخلق بل تولى الله تخليقه اكراما له وغيره يسمعون صوتا مكتسبا للعباد فيفهمون به كلام الله هذا مذهب امامنا ابى منصور ذكره فى كتاب التأويلات وذهب ابو الحسن الاشعرى الى ان موسى سمع كلام الله من غير واسطة صوت او قرآة والى هذا ذهب ابن فورك من الاشعرية قال فى كشف الاسرار كلمه وبينهما حجاب من نار (وقال الكاشفى) يا موسى سخن كفت واودر بس حجاب نور بود در موضح آوردمكه خداى تعالى بابيغمبر عليه السلام سخن كفت از وراى حجابين يعنى حضرت رسالت بناه عليه السلام وراى دو حجاب بودكه سخن خداى تعالى شنيد حجابى از زر سرخ وحجابى از مروا ريد سفيد مسيره ميان هردو حجاب هفتاد سال راه بود. يقول الفقير هذا من غوامض العلوم فان نبينا عليه السلام اعلى كعبا من موسى عليه السلام فما معنى ان الله تعالى كلم موسى من وراء حجاب واحد وكلم نبينا من ورآء حجابين وان حصل فرق بين حجاب وحجاب ولعل المراد بالحجابين حجاب الياقوتة الحمرآء الذى يلى جانب الخلق وحجاب الدرة البيضاء الذى يلى عالم الامر وكلاهما عبادة عن الروح المحمدى والحقيقة الاحمدية واشارة بكون مسافة ما بين الحجابين مسيرة سبعين ألف حجاب بين الرب والعبد فمعنى ان النبى عليه السلام سمع كلام الله من ورآء هذين الحجابين ان الله تعالى كلمه وبينهما الحقيقة الجامعة البرزخية وليس ذلك بحجاب فى الحقيقة كما ان المرءاة ليست بحجاب للناظر وكذا القناع بالنسبة الى العروس فافهم جدا {او يرسل رسولا} اى ملكا من الملائكة اما جبريل او غيره قال ابن عباس رضى الله عليهما لم ير جبرآئيل الا اربعة من الانبياء موسى وعيسى وزكريا ومحمد عليه السلام قال فى عين المعانى عسى انه اراد برؤيته كما هو والا فهو سفير الوحى انتهى {فيوحى} ذلك الرسول الى المرسل اليه الذى هو الرسول البشرى {باذنه} اى بامره تعالى وتيسيره {ما يشاء} ان يوحيه اليه وهذا هو الذى جرى بينه تعالى وبين الانبياء عليهم السلام فى عامة الاوقات من الكلام فيكون اشارة الى التكلم بواسطة الملك (روى) ان النبى عليه السلام قال "حديث : من الانبياء من يسمع الصوت فيكون بذلك نبيا ومنهم من ينفث فى اذنه وقلبه فيكون بذلك نبيا وان جبرآئيل يأتينى فيكلمنى كما يكلم احدكم صاحبه" تفسير : وعن عائشة رضى الله عنها حديث : ان الحارث بن هشام رضى الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يأتيك الوحى فقال "احيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس وهو اشده على فيفصم عنى وقد وعيت عنه ما قال واحيانا يتمثل الملك رجلا فيكلمنى فأعى ما يقول" تفسير : قالت عائشة ولقد رأيته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وان جبينه ليتفصد عرقا والتفصد والانفصاد فرود ويدن {انه على} متعال عن صفات المخلوقين لا يأتى جريان المفاوضة بينه تعالى وبينهم الا باحد الوجوه المذكورة {حكيم} يجرى افعاله على سنن الحكمة فيكلم تارة بواسطة واخرى بدونها اما الهاما او خطابا وفى التأويلات النجمية يشير الى ان البشر مهما كان محجوبا بصفات البشرية موصوفا بأوصاف الخلقية الظلمانية الانسانية لا يكون مستعدا ان يكلمه الله الا بالوحى او بالالهام فى النوم واليقظة او من ورآء حجاب بالكلام الصريح او يرسل رسولا من الملائكة فيوحى باذنه ما يشاء انه على بعلو القدم لا يجانسه محدث حكيم فيما يساعد البشر بافناء انانيته بهويته فاذا افنيت البشرية وارتفعت الحجب وتبدلت كينونته بكينونة الحق حتى به يسمع وبه يبصر وبه ينطق فيكلمه الله تعالى شفاها وبه يسمع العبد كلامه كفاحا كما كان حال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى سر فأوحى الى عبده ما اوحى انتهى يعنى مصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم شب معراج از حق سخن شنيدبى واسطه. وكان آمن الرسول مما شافهه به الحق تعالى من غير حجاب وكذا قوله {أية : هو الذى يصلى عليكم وملائكته} تفسير : الخ وكذا بعض سورة الضحى وبعض سورة الم نشرح ولزم من سماع كلامه مشافهة رؤيته بلا حجاب وكذا حال المؤمنين يوم القيامة فانهم يرون ربهم كما يرون القمر ليلة البدر ويسمعون كلامه بلا حجاب فالوحى اذا قسمان مشافهة وغير مشافهة وعليه يحمل ما روى ان اليهود قالت للنبى صلى الله عليه وسلم ألا تكلم الله وتنظر اليه ان كنت نبيا كما كلمه موسى ونظر اليه فانا لن نؤمن حتى تفعل ذلك فقال عليه السلام "حديث : لم ينظر موسى الى الله" تفسير : فنزلت فأشار الى ان الكلام حصل لموسى ولكن من وراء حجاب دون النظر وكذا للنبى عليه السلام ما دام على حال البشرية وكذا ما روى عن عائشة رضى الله عنها انها قالت من زعم ان محمدا رأى ربه فقد اعظم على الله الفرية ثم قالت او لم تسمعوا ربكم يقول وتلت هذه الآية وما كان لبشر الخ فاشارت الى مرتبة الحجاب وسره ان الله تعالى قال وما كان لبشر فعبر بعنوان البشرية وليس من حد البشر ان يرى ربه عيانا وهو فى حد الدنيا باق على بشريته او يكلمه الله كفاحا قال حضرة الشيخ لاكبر قدس سره الاطهر فى تلقيح الاذهان تكليم الله البشر فى ثلاث مراتب كما قال سبحانه وما كان لبشر الخ فالكل وحى ولكن بعضه بلا واسطة عند خروجه عن حد البشرية الا انك ان كنت انت السامع لم تحصل على هذه المشاهدة الذاتية حتى تكون أنت المسمع فمشاهدة الذات لا تتم مع المناجاة وبعضه بواسطة عند الرجوع الى البشرية ولا تزال هكذا حتى تفنى عن نفس السماع وتبقى مشاهدا للحق لتسمع نفسه بنفسه فانه من تحقق بالانفاق حتى يسمع وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه سمع قوله واتخذه وكيلا انتهى قال الشيخ روز بهان البقلى فى عرآئس البيان كانت لى واقعة فى ابتداء الامر وذلك انى شاهدت الحق بالحق وكاشف لى مشاهدة جماله وخاطبنى من حيث الارواح لا من حيث الاشباح فغلب على سكر ذلك وأفشيت حالى بلسان السكر فتعرض لى واحد من أهل العلم وسألنى كيف تقول ذلك وان الله سبحانه وتعالى أخبرنا بأنه لم يخاطب احدا من الانبياء والرسل الا من وراء حجاب كما قال وما كان لبشر الخ فقلت صدق الله هذا اذا كانوا فى حجاب البشرية فاذا خرجوا بشرط الارواح الى عالم الغيب ورأوا الملكوت ألبسهم الله أنوار قربه وكحل عيونهم بنور ذاته وألبس اسماعهم قوة من قوى الربوبية وكشف لهم سر الغيرة وحجاب المملكة وخاطبهم كفاحا وعيانا ولنبينا صلى الله تعالى عليه وسلم أخص خاصية اذ هو مصطفى فى الازل بالمعارج والمشاهدة فاذا صار جسمه روحه وكان واحدا من كل الوجوه صعد الى الملكوت ورأى الحق بنور الجبروت وسمع خطابه بلا واسطة وراى الحق بلا حجاب اذ الحجاب وصف المخلوقين والحق منزه عن ان يحجبه شىء (وحكى) ان الامام جعفر الصادق رضى الله عنه قال له شخص أرنى ربى فقال أو لم تسمع ان الله تعالى يقول لموسى لن ترانى مع انه نبى عظيم قال ان من هذه الملة الاحمدية من يقول رأى قلبى ربى ومنهم من يقول لا أعبد ربا لم أره فلما لم يمسك عن مسألته امر جعفر بان يلقى ذلك الشخص فى الدجلة ففعلوا فقال يا ابن رسول الله الغياث قال الصادق يا ماء اغمسه حتى فعل ذلك مرارا يعنى استغاث بالصادق فلما انقطع رجاؤه عن الخلق قال الهى الغياث. صادق كفت بياوريدش بركرفتند وبياوردند وآبى كه مانده بودازكوش وبينى او ريختند جون باخود آمدكفت بآن حق راديدى كفت يا خيال اغيار مى مانده دست در غيرمى زدم حجاب مى بود جون بناه بكلى بوى آوردم ومضطر شدم روزنه دردل من كشاده شد وبدانجا نكريتسم آنجه مى جستم ديدم وتا اضطرار نبود آن نبود صادق كفت تا صادق را مى خواند مى صديق نبودى اكنون آن كوجه روزنه راه نكاه داركه جهان خدا بدينجا فروست فقد علمت من هذا التقرير ان الآية تدل على جواز الرؤية لا على امتناعها وانما تدل على الامتناع حال البشرية وبقائها وجود عين غبار يست درره ديداره غبار مانع ديدار ميشود هش دار

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وما كان لبشرٍ} أي: ما صحّ لأحد من البشر {أن يُكلمه اللهُ} بوجه من الوجوه {إِلا وَحْياً} إلهاماً، كقوله عليه الصلاة السلام: "حديث : ألقي في رُوعي" تفسير : أو: رؤيا في المنام لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رؤيا الأنبياء وحي" تفسير : كأمر إبراهيم عليه السلام بذبح الولد، وكما أوحي إلى أم موسى، رُوي عن مجاهد: "أَوحى اللهُ الزبورَ إلى داود عليه السلام في صدره". {أو من وراءِ حجابٍ} بأن يسمع كلاماً من الله، من غير رؤية السامع مَن يكلمه، كما سمع موسى عليه السلام من الشجرة، ومن الفضاء في جبل الطور، وليس المراد به حجاب الله تعالى على عبده حساً؛ إذ لا حجاب بينه وبين خلقه حساً، وإنما المراد: المنع من رؤية الذات بلا واسطة. {أو يُرسلَ رسولاً} أو: بأن يرسل مَلَكاً {فيُوحيَ} الملَكُ {بإِذنه}؛ بإذن الله تعالى وتيسيره {ما يشاءُ} من الوحي. وهذا هو الذي يجري بينه تعالى وبين أنبيائه في عامة الأوقات. روي: أن اليهود قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا تكلم الله، وتنظر إليه إن كنت نبياً، كما كلمة موسى، ونظر إليه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لم ينظر موسى إلى الله تعالى"تفسير : فنزلت. والذي عليه جمهور المحققين أن نبينا عليه الصلاة والسلام رأى ربه ليلة المعراج، وكلّمه مشافهة، وعليه حمل البيضاوي قوله تعالى: {إِلا وحياً}؛ لأن الوحي هو: الكلام الخفي، المدرك بسرعة، أعم من أن يكون مشافهة أو غيرها. قال الطيبي: وإذا حمل الوحي على ما قاله البيضاوي، وأنه المشافهة، المعنى بقوله: {أية : فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوْحَى} تفسير : [النجم: 10] اتجه ترتيب الآية، وأنه ذكر أولاً الكلام بلا واسطة، بل مشافهة، وهو حال نبينا صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر ما كان بغير واسطة، ولكن لا بمشافهة، بل من وراء الغيب، ثم ذكر الكلام بواسطة الإرسال. هـ. بالمعنى. {إِنه عَلِيٌّ}؛ متعال عن صفات المخلوقين، لا يتأتى جريان المفاوضة بينه تعالى وبينهم إلا بأحد الوجوه المذكورة، ولا تكون المكافحة إلا بالغيبة عن حس البشرية، {حيكمٌ} يُجري أفعاله على سنن الحكمة، فيكلم تارة بواسطة، وأخرى بدونها، مكافحة، أو غيرها. {وكذلك} أي: ومثل ذلك الإيحاء البديع كما وصفنا {أوحينا إِليك روحاً من أمرنا} وهو القرآن، الذي هو للقلوب بمنزلة الروح للأبدان، فحييت الحياة الأبدية. {ما كنت تدري} قبل الوحي {ما الكتابُ} أيّ شيء هو، {ولا الإِيمانُ} بما في تضاعيف الكتاب من الأمور التي لا تهتدي إليها العقول، لا الإيمان بما يستقل به العقل والنظر، فإنَّ دِرايتَه صلى الله عليه وسلم مما لا ريب فيه قطعاً. قال القشيري: ما كنت تدري قبل هذا ما القرآن ولا الإيمان بتفصيل هذه الشرائع. وقال الشيخ البكري: أي الإيمان على الوجه الأخص، المرتب على تنزلات الآيات، وتلاوة البينات، واستكشاف وجه الحق بأنوار العلم المنزل على قلبه من حضرة ربه. هـ. وقال ابن المنير: الإيمان برسالة نفسه، وهو المنفي عنه قبل الوحي؛ لأن حقيقة الإيمان: التصديق بالله وبرسوله. هـ. {ولكن جعلناه} أي: الروح الذي أوحيناه إليك {نوراً نهدي به مَن نشاء} هدايته {من عبادنا}، وهو الذي يصرف اختياره نحو الاهتداء به. {وإِنك لتهدي} بذلك النور مَن نشاء هدايته، أو: وإنك لتدعو {إِلى صراط مستقيم} هو الإسلام وسائر الشرائع والأحكام، {صراطِ الله}؛ بدل من الأول، وإضافته إلى الاسم الجليل، ثم وصفه بقوله تعالى: {الذي له ما في السماوات وما في الأرض} لتفخيم شأنه، وتقرير استقامته، وتأكيد وجوب سلوكه؛ فإن كون جميع ما فيهما من الموجودات له تعالى، خلقاً، وملكاً، وتصرفاً، مما يُوجب ذلك أتم الإيجاب. {ألا إِلى الله تصير الأمورُ} أي: الأمور قاطبة راجعة إليه، لا إلى غيره، فيتصرّف فيها على وِفق حكمته ومشيئته. الإشارة: قد تحصل للأولياء المكالمة مع الحق تعالى بواسطة تجلياته، فيسمعون خطابه تعالى من البشر والحجر، أو بلا واسطة، بحيث يسمعون الكلام من الفضاء، وإليه أشار الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه بقوله: "وهب لنا مشاهدةً تصحبها مكالمة"، ولا تكون هذه الحالة إلا للأكابر من أهل الفناء والبقاء. وأما مكالمة الحق من النور الأقدس، بلا واسطة، فهو خاص نبينا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء. قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي رضي الله عنه: والذي عندي أن التكلم على المكافحة والمشابهة إنما يكون بالانخلاع عن البشرية، ومحوها، والبقاء بصفات الربوبية، وذلك إشارة إلى أنه عليه السلام إنما شُوفَه وكلّم بعد العروج عن أرض الطبيعة إلى سماء الحقيقة. وكان بالأرض يُكلم بالواسطة، وموسى كُلّم بغير واسطة، ولكن بغير مشافهة، ولذلك كان كلامه بالأرض، ولم يعط الرؤية؛ لأنها لا تكون في الأرض، أي في أرض البشرية، بل لا بد من الغيبة عنها. وذهب الورتجبي إلى أن الحصْر فيما ذكر في الآية إنما هو لمَن كان في حجاب البشرية، فأما مَن خرج عنها إلى الغيب، وألبس نور القرب وكحّل عينه بنوره تعالى، ومدّ سمعه بقوة الربوبية، فإنه يُخاطب كفاحاً وعياناً. ونقل مثل ذلك عن الواسطي، فراجع بسطه فيه. والفرق بينه وبين ما ذكرنا: أن خطاب المكافحة عنده خارجة من الثلاثة المذكورة في الآية، وعندنا داخلة في قوله: {إِلا وحياً}؛ لأنه أعم من المشافهة، والله أعلم. وقوله تعالى: {وإِنك لَتَهدي إِلى صراط مستقيم} أي: طريق الوصول والترقي أبداً، فيؤخذ منه: أن وساطته صلى الله عليه وسلم لا تنقطع عن المريد أبداً؛ لأن الترقي يكون باستعمال أدب العبودية، وهي مأخوذة عنه صلى الله عليه وسلم، وكما أن الترقي لا ينقطع؛ فالأدب الذي هو سلوك طريقته صلى الله عليه وسلم لا ينقطع. والله تعالى أعلم، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

الطوسي

تفسير : قرأ نافع وابن عامر في رواية الداحوني عن صاحبه {أو يرسل.. فيوحي} بالرفع على تقدير او هو يرسل فيوحى ويكون المعنى يراد به الحال بتقدير إلا موحياً او مرسلا وذلك كلامه اياهم. الباقون بالنصب ويرسل فيوحي على تأويل المصدر، كأنه قال إلا ان يوحي او يرسل. ومعنى (او) في قوله {أو يرسل رسولا} يحتمل وجهين: احدهما - العطف، فيكون ارسال الرسول احد اقسام بكلام كما يقال عتابك السيف كانه قيل الا وحياً او ارسالا. الثاني - ان يكون (الا ان) كقولك لألزمنك او تعطيني حقي، فلا يكون الارسال في هذا الوجه كلاماً. ولا يجوز ان يكون {أو يرسل} فيمن نصب عطفاً على قوله {أن يكلمه الله} لأنك لو حملته على ذلك لكان المعنى وما كان لبشر أن يكلمه الله او ان يرسل رسولا، ولم يخل قولك {أو يرسل رسولا} من ان يكون المراد به او يرسله رسولا او يكون المراد او يرسل اليه رسولا، والتقديران جميعاً فاسدان، لانا نعلم أن كثيراً من البشر قد ارسل رسولا، وكثيراً منهم ارسل اليه رسولا، فاذا بطل ذلك صح ما قدرناه اولا، ويكون التقدير ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي وحياً او يرسل رسولا، فيوحي، ويجوز في قوله {إلا وحياً} أمران: احدهما - ان يكون استثناء منقطعاً. والآخر - ان يكون حالا، فان قدرته استثناء منقطعاً لم يكن فى الكلام شيء توصل به (من) لأن ما قبل الاستثناء لا يعمل في ما بعده، لأن حرف الاستثناء فى معنى حرف النفي، ألا ترى أنك إذا قلت: قام القوم إلا زيداً، فالمعنى قام القوم لا زيد. فكما لا يعمل ما قبل حرف النفي في - ما بعده كذلك لا يعمل ما قبل الاستثناء - إذا كان كلاماً تاماً - في ما بعده إذ كان بمعنى النفي، وكذلك لا يجوز أن يعمل ما بعد (إلا) في ما قبلها، فاذا كان كذلك لم يتصل الجار بما قبل (إلا) ويمتنع أن يتصل به الجار من وجه آخر، وهو ان قوله {أو من وراء حجاب} من صلة (يوحي) الذي هو بمعنى (أن يوحي) فاذا كان كذلك لم يجز ان يحمل الجار الذي هو فى قوله {من وراء حجاب} على (أو يرسل) لانك تفصل بين الصلة والموصول بما ليس منهما. ألا ترى أن المعطوف على الصلة من الصلة إذا حملت العطف على ما ليس في الصلة فصلت بين الصلة والموصول بالاجنبي الذي ليس منها، فاذا لم يجز حمله على {يكلمه} في قوله {ما كان لبشر أن يكلمه الله} ولم يكن بدّ من ان يعلق الجار بشيء، ولم يكن في اللفظ شيء يحمل عليه أضمرت (بما يكلم) وجعلت الجار فى قوله {أو من وراء حجاب} متعلقاً بفعل مراد فى الصلة محذوف حذفاً للدلالة عليه، ويكون في المعنى معطوفاً على الفعل المقدر صلة، لأن الموصول يوحي، فيكون التقدير: ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحى اليه، او يكلمه من وراء حجاب، فحذف (يكلم) من الصلة، لان ذكره قد جرى وإن كان خارجاً من الصلة، فحسن لذلك حذفه من الصلة. ومن رفع {أو يرسل رسولا} فانه يجعل (يرسل) حالا والجار في قوله {أو من وراء حجاب} يتعلق بمحذوف، ويكون فى الظرف ذكر من ذى الحال، ويكون قوله {إلا وحياً} على هذا التقدير مصدراً وقع موقع الحال، كقولك جئت ركضاً او اتيت عدواً. ومعنى {أو من وراء حجاب} فيمن قدر الكلام استثناء منقطعاً او حالا: يكلمهم غير مجاهر لهم بكلامه، يريد ان كلامه يسمع ويحدث من حيث لا يرى، كما ترى سائر المتكلمين، ليس ان ثم حجاباً يفصل موضعاً من موضع، فيدل ذلك على تحديد المحجوب. ومن رفع (يرسل) كان (يرسل) فى موضع نصب على الحال. والمعنى هذا كلامه كما تقول: تحيتك الضرب وعتابك السيف. يقول الله تعالى إنه ليس لبشر من الخلق أن يكلمه الله إلا أن يوحي اليه وحياً {أو من وراء حجاب} معناه او بكلام بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب، لانه تعالى لا يجوز عليه ما لا يجوز إلا على الاجسام من ظهور الصورة للابصار {أو يرسل رسولا} فان جعلناه عطفاً على إرسال الرسول، كان احد أقسام الكلام كما قلناه فى قولهم: عتابك السيف، كأنه قال إلا وحياً او إرسالا، وإن لم تجعله عطفاً لم يكن احد اقسامه، ويكون كقولهم: لألزمنك او تعطيني حقي، فلا يكون الارسال فى هذا الوجه كلاماً، فيكون كلام الله لعباده على ثلاثة اقسام: اولها - ان يسمع منه كما يسمع من وراء حجاب، كما خاطب الله به موسى عليه السلام. الثاني - بوحى يأتي به الملك إلى النبي من البشر كسائر الانبياء. الثالث - بتأدية الرسول إلى المكلفين من الناس، وقيل فى الحجاب ثلاثة اقوال: احدها - حجاب عن إدراك الكلام لا المكلم وحده. الثاني - حجاب لموضع الكلام. الثالث - إنه بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب {فيوحي بإذنه ما يشاء} معناه إن ذلك الرسول الذي هو الملك يوحي إلى النبي من البشر بامر الله ما شاءه الله {إنه علي حكيم} معناه إن كلامه المسموع منه لا يكون مخاطبة يظهر فيها المتكلم بالرؤية، لأنه العلي عن الادراك بالابصار وهو الحكيم فى جميع افعاله وفي كيفية خطابه لخلقه. وقال السدي: معنى الآية إنه لم يكن لبشر ان يكلمه الله إلا وحياً بمعنى إلا إلهاماً بخاطر او في منام او نحوه من معنى الكلام اليه في خفاء {أو من وراء حجاب} يحجبه عن إدراك جميع الخلق إلا عن المتكلم الذي يسمعه كما سمع موسى كلام الله {أو يرسل رسولا} يعني به جبرائيل. وقوله {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا} معناه مثل ما اوحينا إلى من تقدم من الانبياء اوحينا اليك كذلك الوحي من الله إلى نبيه روح من أمره وهو نور يهدي به من يشاء من عباده إلى صراط مستقيم بصاحبه إلى الجنة والصراط المستقيم الطريق المؤدي إلى الجنة، وهو صراط الله الذي له ما في السموات وما فى الأرض، ملك له يتصرف فيه كيف يشاء، وهو صراط من تصير الأمور اليه، ولا يبقى لأحد أمر ولا نهي ولا ملك ولا تصرف، وهو يوم القيامة. وقوله {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} يعني ما كنت قبل البعث تدري ما الكتاب ولا ما الايمان قبل البلوغ {ولكن جعلناه} يعني الروح الذي هو القرآن {نوراً نهدي من نشاء من عبادنا} يعني من المكلفين، لان من ليس بعاقل وإن كان عبد الله، فلا يمكن هدايته لانه غير مكلف. ثم قال {وإنك لتهدي} يا محمد {إلى صراط مستقيم} أي طريق مفض الى الحق، وهو الايمان، وإنما جر {صراط الله} بأنه بدل من قوله {صراط مستقيم} ثم قال {ألا إلى الله تصير الأمور}، أي اليه ترجع الامور والتدبير وحده يوم القيامة

الجنابذي

تفسير : {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ} ما ينبغى له وما كان فى سجّيّته {أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ} لانّ البشريّة لتحدّدها بحدودٍ كثيرةٍ سفليّةٍ لو سمعت كلام الله من دون تنزّله الى مقام البشريّة المحدودة لفنت وهلكت لانّه كالشّمس وحدود البشريّة كالفيء {إِلاَّ وَحْياً} الوحى فى اللّغة الاشارة والكتابة والمكتوب والرّسالة والالهام والكلام الخفىّ وكلّما القيته الى غيرك لكنّ المراد معه هنا معنىً اعمّ من الالهام والكتابة اى الكتابة فى الالواح الغيبيّة والرّسالة لكن رسالة الملك مثل جبرئيل {أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} مثل تكلّمه مع موسى (ع) من الشّجرة ومثل تكلّمه مع محمّدٍ (ص) ليلة المعراج من وراء السّتر {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً} اى الاّ ان يرسل رسولاً بشريّاً {فَيُوحِيَ} ذلك الرّسول البشرىّ {بِإِذْنِهِ} اى يتكلّم مع سائر البشر بكلامٍ خفىّ البطون جلّى الظّهور فانّ كلام ذلك الرّسول البشرىّ لكونه نائباً عن الله تعالى شأنه ومظهراً له كلام الله، ولكلامه بمضمون ما ورد فى الاخبار الكثيرة انّ حديثهم صعبٌ مستصعبٌ وسرٌّ مستسرٌّ ومقنّع بالسّرّ بطون خفيّةٌ غاية الخفاء وظهر جلّى غاية الجلاء، وقرئ يرسل ويوحى بالنّصب عطفاً على وحياً بجعله تميزاً او مفعولاً مطلقاً من غير لفظ الفعل، وقرءا بالرّفع عطفاً على وحياً بجعله حالاً بمعنى الفاعل {مَا يَشَآءُ} الرّسول او الله تعالى او ما يشاء ذلك البشر الّذى ارسل الله اليه بلسان استعداده {إِنَّهُ عَلِيٌّ} فلا يقدر على سماع كلامه بشر دانٍ {حَكِيمٌ} لا يدعهم من غير تكلّمٍ معهم لاقتضاء حكمته القاء الحكم والمصالح اليهم واقتضائها جعل الوسائط فى ذلك الالقاء حتّى لا يهلكوا حين الالقاء.

الأعقم

تفسير : {وما كان لبشرٍ أن يكلمه الله إلا وحياً} وما صح لأحد أن يكلمه الله إلا على أحد ثلاثة أوجه: إما على طريق الوحي وهي الإِلهام والقذف في القلب، أو المنام كما أوحى إلى موسى وإبراهيم (عليهم السلام) في ذبح ولده، وعن مجاهد: أوحى الله إلى داوود الزبور في صدره، واما أن يسمعه كلامه الذي يخلقه في بعض الأجرام غير أن يبصره السامع من يكلمه {أو من وراء حجاب} فيسمع صوته ولا يرى شخصه وذلك كما كلم موسى وكلم الملائكة، وأما على أن {يرسل رسولاً} من الملائكة {فيوحي} إليه كما كلم الأنبياء غير موسى والله تعالى لا يجوز عليه الحجاب ولا يكون كلامه كلام من يرى ومن يدرك، وقيل: يحجب ذلك الكلام عن جميع خلقه إلا ممن يريد أن يكلمه به نحو كلامه لموسى في المرة الأولى خلاف كلامه له في المرة الثانية لأنه سمع ذلك معه السميعون عن أبي علي، وقيل: حجاب لمحل الكلام، وقيل: بمنزلة ما يسمع من وراء الحجاب {أو يرسل رسولاً} من الملك ما يأتي به النبي فيسمعه منه فيؤديه إلى الخلق {بإذنه}، قيل: بأمره {ما يشاء} يعني يوحي كما يشاء أنه عليٌّ عن صفات المخلوقين {حكيم} يجري أفعاله على موجب الحكمة فكلم تارة بواسطة وأخرى بغير واسطة وإما الهاماً وإما خطاباً {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا} يريد ما أوحى اليه لأن الخلق يحيون له في دينهم كما يحيى بالروح {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} يا محمد، ما الكتاب قيل: ما كنت تعلم أن الكتاب يأتيك وما كنت تعلم بالإيمان بالكتاب فعدَّ نعمة عليه، وقيل: أراد بالإِيمان الصلاة كقوله: {أية : ما كان الله ليضيع إيمانكم} تفسير : [البقرة: 143] {ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا} يعني جعلنا القرآن نوراً لأن فيه معالم الدين، وقيل: جعلنا الايمان عن ابن عباس، لأنه طريق النجاة نوراً، يعني الكتاب والايمان نوراً توسعاً، وقوله: {نهدي به من نشاء من عبادنا}، قيل: نرشد إلى الجنة {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} هو القرآن، وقيل: الاسلام {صراط الله}، قيل: دين الله، وقيل: طريق الجنة {الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور} إلى حكمه فيقدر فيها ما يشاء.

اطفيش

تفسير : {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْياً} في المنام كما رأي ابراهيم صلى الله عليه وسلم أنه يذبح ابنه وكما رأى داود أنه يقتل الرجل وقد مر في (ص) أو بالهام كما ألهممت أم موسى أن تقذفه فى البحر وكما ألهم النحل. قال النخعي: وكان من الأنبياء من يخط له فى الأرض. قال مجاهد: أوحى الله الزبور فى قلب داود قال ابن هشام وغيره (كان) ناقصة والخبر ما لبشر ووحيا استثناء مفرغ من الاحوال فهو حال من ضمير يكلم الله أي موحياً أو من هالة أي موحى اليه أو موصل ذلك من وراء حجاب أو موصل اليه بفتح الصاد على الحالية من الهاء أو يرسل بالنصب أي أو ارسالاً أي ذا ارسال أو مرسلاً بالفتح أو الكسر كذلك واما أن يكون خبرها وحياً والتفريغ فى الاخبار أي ما كان تكليمه الا وحياً أو ايصال لا من وراء حجاب، وارسالاً وجعل الارسال والايحاء تكلماً على تقدير تكليم وحي أو تكليم ارسال (ولبشر) متعلق (بكان) أو بمحذوف أي أعني لبشر أو ارادتي لبشر أي ثابتة لبشر ومفعول أعني محذوف أي أعني التكليم أو هو بشر فيقدر أعني بعده تصح زيادة اللام أو (كان) تامة وفاعلها أن يكلم (ولبشر) متعلق بما مر أو زائدة فان يكلم مبتدأ ولبشر خبر وعليها فالتفريغ فى الاحوال المقدرة فيما ذكروا فى (لبشر) كذا ولا تعلق من يكلم لانه قيل حرف الاستثناء ما قبلها لا يعمل فى شيئين بعدها قاله بعض ولا بعطف يرسل على (يكلم) لانه يلزم منه نفي الرسل أو المرسل اليهم أي (وما كان لبشر أن يكلمه الله ولا أن يرسل رسولا)* {أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} ما هذا الا تمثيل والله لا يحتجب بشيء والمراد انه يخلق كلاما فى الهوى أو فى جرم فيسمع فقط حتى قيل انه لا تعرف جهة المكلم كما كلم موسى والملائكة وأراد جبريل يكلم النبي ولا يراه فالمحتجب جبرائيل وقد يراه. ومر علي بقصاب يقول: والذي احتجب بسبع طبقات فعلاه بالدرة وقال: له تب ان الله أقرب اليه من حبل الوريد قال أفلا أكفر بشيء قال علي لا لانك حلفت بغير الله. وذلك بأن من يحتجب غير الله وهذا من علي مراعاة اللفظ في اليمين لا النوي والا فالحالف نوى الله. وفي رواية قال أخطأت ثكلتك أمك ان رب العالمين ليس بينه وبين خلقه حجاب لانه معهم أينما كانوا فقال: ما كفارة ما قلت قال: أن تعلم ان الله معهم أينما كنت ومن قال ان موسى كلمه ربه مشافهة أو قال: انه كلم نبينا ليلة الاسراء وغيرها مشافهة كفر ومال الى جهة اليهود وقريش المائلين الى التجسيم الآية النازلة ردا عليهم {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً} ملكا يكلمه النبي ويراه ومر أنه لا يراه غالباً وادعى بعضهم ان {أو يرسل رسولا} تكرير لقوله أومن وراء حجاب ووجهه ان المراد بوراء الحجاب كلام الملك بدون رؤية وبارسال الرسول ارسال الملك ليكلمه ظهر أو اختفى فالتكرير ان ما اعتبره من جانب شموله للاختفاء فهو في التحقيق عطف عام على خاص كقوله {أية : يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير} تفسير : ولكن المشهور اختصاصه بالواو وقيل: المراد يرسل نبياً أوحى اليه مناماً أو الهاماً أو سماعاً لكلام مخلوق في الهواء أو في الجرم الى غيره قيل: وفي الآية دليل على أن الرسالة من أنواع التكليم وان من حلف لا يكلم فلاناً وهو ينوي المشافهة ثم أرسل رسولاً حنث (ووحيا) مصدر (وحى) أو اسم مصدر (وحى) وعامله محذوف من لفظه وهو يكلم لان الوحي كلام خفي فى سرعة وعن بعضهم كلام خفي يدرك بسرعة (ومن وراء) متعلق بمحذوف مصدر معطوف أي كلاماً أو اسماعاً من وراء حجاب أو بمحذوف لمصدر أي كلاماً ثابتاً من وراء وجملة {يُرْسِلَ} بالرفع عند نافع وابن عامر وابن عباس وأهل المدينة معطوفة على حرف النفي وما بعده والمصدر نوعي بالنظر أو ليكلم لان الوحي نوع من الكلام ويجوز كونه منصوباً على الاستثناء أو مصدراً حالاً مؤولاً بالوصف الذي هو اسم فاعل ان جعل صاحب الحال هو لفظ الجلالة أي الا موجباً أو الا واجباً أو مسمعاً من وراء حجاب أو مرسلاً بكسر الحاء والميم والسين واسم مفعول ان جعل صاحب الحال هو (بشراً) والهاء فيفتح ذلك ويقال موحى وقدر بعض مكلماً من وراء حجاب ويكلم من وراء حجاب بفتح اللامين وكسرهما وقرأ غير من ذكر بنصب {يُرْسِلَ} عطفاً لمصدره على {وَحْياً} والنصب بان مضمرة جواز على حدة ولبس عباءة وتقرَّ عيني قاله ابن هشام وعن بعضهم أن {يُرْسِلَ} بالرفع خبر لمحذوف والجملة معطوفة على {وَحْياً} بمعنى (موحياً) ويجوز عطف الفعل مرفوعاً على {وَحْياً} لانه بمعنى (موحياً) أو موحى والنصب فى قوله {فَيُوحِىَ} تبع لنصب {يُرْسِلَ} ورفعه تبع لرفعه وضمير (يوحي) للرسول أي يكلم الرسول أي المرسل يكلمه {بِإِذْنِهِ} أي باذن الله {مَا يَشَآءُ} أي الله وقيل ضمير هو يوحي أيضاً والفاء كالواو أو لترتيب الاخبار أو جعل تكليم الرسول كلاماً لله لانه يأمره {إِنَّهُ عَلِيٌّ} عن صفات المخلوقين من الوصف باللسان والفم والمشافهة والصوت والجهة والرؤية. قالت عائشة رضي الله عنها: (من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية أو لم تسمعوا ربكم يقول {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ}.. الآية* {حَكِيمٌ} في صنعه يجرى أفعاله على ما اقتضته الحكمة من كلام بالوحي تارة ومن وراء حجاب تارة وارسال رسول تارة أخرى ومن غير ذلك

الالوسي

تفسير : {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ} أي ما صح لفرد من أفراد البشر {أَن يُكَلّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآء} ظاهره حصر التكليم في ثلاثة أقسام. الأول: الوحي وهو المراد بقوله تعالى: {إِلاَّ وَحْياً} وفسره بعضهم بالإلقاء في القلب سواء كان في اليقظة أو في المنام والإلقاء أعم من الإلهام فإن إيحاء أم موسى إلهام وإيحاء إبراهيم عليه السلام إلقاء في المنام وليس إلهاماً وإيحاء الزبور إلقاء في اليقظة كما روي عن مجاهد وليس بإلهام؛ والفرق أن الإلهام لا يستدعي صورة كلام نفساني وقد فقد وأما اللفظي فلا، وأما نحو إيحاء الزبور فيستدعيه. وقد جاء إطلاق الوحي على الإلقاء في القلب في قول عبيد بن الأبرص:شعر : وأوحى إليَّ الله أن قد تأمروا بإبِل أبـي أَوْفَى فقمت على رجل تفسير : فإنه أراد قذف في قلبـي. والثاني: إسماع الكلام من غير أن يبصر السامع من يكلمه كما كان لموسى وكذا / الملائكة الذين كلمهم الله تعالى في قضية خلق آدم عليه السلام ونحوهم وهو المراد بقوله سبحانه: {أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ} فإنه تمثيل له سبحانه بحال الملك المتحجب الذي يكلم بعض خواصه من وراء حجاب يسمع صوته ولا يرى شخصه. والثالث: إرسال الملك كالغالب من حال نبينا صلى الله عليه وسلم وهو حال كثير من الأنبياء عليهم السلام، وَزَعْمُ أنه من خصوصيات أولي العزم من المرسلين غير صحيح وهو المراد بقوله عز وجل: {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً} أي ملكاً {فَيُوحِيَ} ذلك الرسول إلى المرسل إليه الذي هو الرسول البشري {بِإِذْنِهِ} أي بأمره تعالى وتيسيره سبحانه: {مَا يَشَاء} أن يوحيه، وهذا يدل على أن المراد من الأول الوحي من الله تعالى بلا واسطة لأن إرسال الرسول جعل فيه إيحاء ذلك الرسول، وبنى المعتزلي على هذا الحصر أن الرؤية غير جائزة لأنها لو صحت لصح التكليم مشافهة فلم يصح الحصر، وقال بعض: المراد حصر التكليم في الوحي بالمعنى المشهور والتكليم من وراء حجاب وتكليم الرسل البشريين مع أممهم، واستبعد بأن العرف لم يطرد في تسمية ذلك إيحاء. وقال القاضي إن قوله تعالى: {إِلاَّ وَحْياً} معناه إلا كلاماً خفياً يدرك بسرعة وليس في ذاته مركباً من حروف مقطعة وهو ما يعم المشافهة كما روي في حديث المعراج وما وعد به في حديث الرؤية والمهتف به كما اتفق لموسى عليه السلام في الطور لكن عطف قوله تعالى: {أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ} عليه يخصه بالأول فالآية دليل على جواز الرؤية لا على امتناعها. وإلى الأول ذهب الزمخشري وانتصر له صاحب «الكشف» عفا الله تعالى عنه فقال: وأما نحن فنقول والله تعالى أعلم: إن قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ} على التعميم يقتضي الحصر بوجه لا يخص التكلم بالأنبياء عليهم السلام ويدخل فيه خطاب مريم وما كان لأم موسى وما يقع للمحدثين من هذه الأمة وغيرهم فحمل الوحي على ما ذهب إليه الزمخشري أولى. ثم إنه يلزم القاضي أن لا يكون ما وقع من وراء حجاب وحياً لا أنه يخصصه لأنه نظير قولك: ما كان لك أن تنعم إلا على المساكين وزيد، نعم يحتمل أن يكون زيد داخلاً فيهم على نحو {أية : مَلاۤئِكَتِهِ ... وَجِبْرِيل} تفسير : [البقرة: 98] وهذا يضر القاضي لاقتضائه أن يكون هذا القسم أعني ما وقع من وراء حجاب أعلا المراتب فلا يكون الثاني هو المشافهة، وتقدير إلا وحياً من غير حجاب أو من وراء حجاب خلاف الظاهر وفيه فك للنظم لقوله سبحانه: {أَوْ يُرْسِلَ} وهو عطف على قوله تعالى: {إِلاَّ وَحْياً} مع كونه خلاف الظاهر. وعلى هذا يفسد ما بني عليه من حديث التنزل من القسم الأعلى إلى ما دونه، ومع ذلك لا يدل على عدم وقوع الرؤية فضلاً عن جوازه بل دل على أنها لو وقعت لم يكن معها المكالمة وذلك هو الصحيح لأن الرؤية تستدعي الفناء والبقاء به عز وجل وهو يقتضي رفع حجاب المخاطب المستدعي كوناً وجودياً ثم الكامل لتوفيته حق المقامات الكبرى يكون المحتظى منه بالشهود في مقام البقاء المذكور ومع ذلك لا يمنعه عن حظه من سماع الخطاب لأنه حظ القلب المحجوب عن مقام الشهود، والمقصود إن الذي يصح ذوقاً ونقلاً وعقلاً كون الخطاب من وراء حجاب البتة وهو صحيح لكن لا ينفع منكر الرؤية ولا مثبتها، وأما سؤال الترقي في الأقسام فالجواب عنه أن الترقي حاصل بين الأول والثاني الذي له سمي الكليم كليماً، وأما الثالث: فلما كان تكليماً مجازياً أخر عن القسمين ولم ينظر إلى أنه أشرف من القسم الأول فإن ذلك الأمر غير راجع إلى التكليم بل لأنه مخصوص بالأنبياء عليهم السلام انتهى. وتعقب ما اعترض به على القاضي بأنه لا يرد لأن الوحي بذلك المعنى بالتخصيص المذكور والتقييد المأخوذ من التقابل صار مغايراً لما بعده وليس من شيء من القبيلين حتى يذهب إلى الترقي أو التدلي لأنه لا يعطف / بأو بل بالواو كما لا يخفى، ولزوم أن لا يكون الواقع من وراء حجاب وحياً غير مسلم لأنه إن أراد أن لا يكون وحياً مطلقاً فغير صحيح لأن قوله تعالى بعده: {فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ} قرينة على أن المراد بالوحي السابق وحي مخصوص كالذي بعده وإن أراد أنه لا يكون من الوحي المخصوص السابق فلا يضره لأنه عين ما عناه، نعم الحصر على ما ذهب إليه القاضي غير ظاهر إلا بعد ملاحظة أنه مخصوص بما كان بالكلام فتدبر. والظاهر أن عائشة رضي الله تعالى عنها حملت الآية على نحو ما حملها المعتزلة، أخرج البخاري ومسلم والترمذي عنها أنها قالت: «من زعم أن محمداً رأى ربه فقد كذب ثم قرأت {أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} تفسير : [الأنعام: 103] {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ}» وأنت تعلم أن أكثر العلماء على أن النبـي صلى الله عليه وسلم رأى ربه سبحانه ليلة الإسراء لكثرة الروايات المصرحة بالرؤية نعم ليس فيها التصريح بأنها بالعين لكن الظاهر من الرؤية كونها بها، والمروي عن الأشعري وجمع من المتكلمين أنه جل شأنه كلمه عليه الصلاة والسلام تلك الليلة بغير واسطة ويعزى ذلك إلى جعفر بن محمد الباقر وابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم وهو الظاهر للأحاديث الصحاح في مرادة الصلاة واستقرار الخمسين على الخمس وغير ذلك، وعائشة رضي الله تعالى عنها لم تنف الرؤية إلا اعتماداً على الاستنباط من الآيات ولو كان معها خبر لذكرته، واحتجاجها بما ذكر من الآيات غير تام، أما عدم تمامية احتجاجها بآية {لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ} فمشهور، وأما عدم تمامية الاحتجاج بالآية الثانية فلما سمعت عن صاحب «الكشف» قدس سره. وقال الخفاجي بعد تقرير الاحتجاج بأنه تعالى حصر تكليمه سبحانه للبشر في الثلاثة: فإذا لم يره جل وعلا من يكلمه سبحانه في وقت الكلام لم يره عز وجل في غيره بالطريق الأولى وإذا لم يره تعالى هو أصلاً لم يره سبحانه غيره إذ لا قائل بالفصل، وقد أجيب عنه في الأصول بأنه يحتمل أن يكون المراد حصر التكليم في الدنيا في هذه الثلاثة أو نقول يجوز أن تقع الرؤية حال التكليم وحياً إذا لوحي كلام بسرعة وهو لا ينافي الرؤية انتهى، ولا يخفى عليك أن الجواب الأول لا ينفع فيما نحن بصدده إلا بالتزام أن ما وقع لنبينا عليه الصلاة والسلام تلك الليلة لا يعد تكليماً في الدنيا على ما ذكره الشرنبلالي في «إكرام أولي الألباب» لأنه كان في الملكوت الأعلى وأنه يستفاد من كلام صاحب «الكشف» منع ظاهر للشرطية في وجه الاستدلال الذي قرره، وبعضهم أجاب بأن العام مخصص بغير ما دليل وفي «البحر» قيل قالت قريش: ألا تكلم الله تعالى وتنظر إليه إن كنت نبياً صادقاً كما كلم جل وعلا موسى ونظر إليه تعالى فقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: «حديث : لم ينظر موسى عليه السلام إلى الله عز وجل فنزلت {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ} الآية»تفسير : وهذا ظاهر في أن الآية لم تتضمن التكليم الشفاهي مع الرؤية وكذا ما فيه أيضاً كان من الكفار خوض في تكليم الله تعالى موسى عليه السلام فذهبت قريش واليهود في ذلك إلى التجسيم فنزلت فإن عدم تضمنها ذلك أدفع لتوهم التجسيم، وبالجملة الذي يترجح عندي ما قاله صاحب «الكشف» قدس سره أن الآية لا تنفع منكر الرؤية ولا مثبتها وما ذكر من سبب النزول ليس بمتيقن الثبوت. ويفهم من كلام بعضهم أن الوحي كما يكون بالإلقاء في الروع يكون بالخط فقد قال النخعي كان في الأنبياء عليهم السلام من يخط له في الأرض، ومعناه اللغوي يشمل ذلك، فقد قال الإمام أبو عبد الله التيمي الأصبهاني: الوحي أصله التفهيم وكل ما فهم به شيء من الإلهام والإشارة والكتب فهو وحي، وقال الراغب: أصل الوحي الإشارة السريعة ولتضمن السرعة قيل أمر وحي وذلك يكون بالكلام على الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب وبإشارة ببعض الجوارح وبالكتابة، وقد حمل على ذلك قوله تعالى: {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبّحُواْ بُكْرَةً} تفسير : [مريم: 11] فقد / قيل رمز وقيل اعتبار وقيل كتب وجعل التسخير من الوحي أيضاً وحمل عليه قوله تعالى: {أية : وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ} تفسير : [النحل: 68] وسيأتي إن شاء الله تعالى ما للصوفية قدست أسرارهم من الكلام في هذه الآية. و {وَحْياً} على ما قال الزمخشري مصدر واقع موقع الحال وكذا (أن يرسل) لأنه بتأويل إرسالاً، و {مِن وَرَاء حِجَابٍ} ظرف واقع موقع الحال أيضاً كقوله تعالى: {أية : وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ} تفسير : [آل عمران: 191] والتقدير وما صح أن يكلم أحداً في حال من الأحوال إلا موحياً أو مسمعاً من وراء حجاب أو مرسلاً. وتعقبه أبو حيان فقال: ((وقوع المصدر حالاً لا ينقاس فلا يجوز جاء زيد بكاءً تريد باكياً، وقاس منه المبرد ما كان نوعاً للفعل نحو جاء زيد مشياً أو سرعة ومنع سيبويه من وقوع أن مع الفعل موقع الحال فلا يجوز جاء زيد أن يضحك في معنى ضحكاً الواقع موقع ضاحكاً)). وأجيب عن الأول بأن القرآن يقاس عليه ولا يلزم أن يقاس على غيره مع أنه قد يقال: يكتفى بقياس المبرد، وعن الثاني بأنه علل المنع بكون الحاصل بالسبك معرفة وهي لا تقع حالاً، وفي ذلك نظر لأنه غير مطرد ففي «شرح التسهيل» أنه قد يكون نكرة أيضاً ألا تراهم فسروا {أية : أن يَفْتَرِى}تفسير : [يونس: 37] بمفترى، وقد عرض ابن جني ذلك على أبـي علي فاستحسنه، وعلى تسليم الاطراد فالمعرفة قد تكون حالاً لكونها في معنى النكرة كوحده، والاقتصار على المنع أولى لمكان التعسف في هذا، واختار غير واحد أن {وحياً} بما عطف عليه منتصب بالمصدر لأنه نوع من الكلام أو بتقدير إلا كلام وحي و {مِن وَرَاء حِجَابٍ} صفة كلام أوسماع محذوف وصفة المصدر تسد مسده والإرسال نوع من الكلام أيضاً بحسب المآل والاستثناء عليه مفرغ من أعم المصادر، وقال الزجاج: قال سيبويه سألت الخليل عن قوله تعالى: {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً} بالنصب فقال: هو محمول على أن سوى هذه التي في قوله تعالى: {أَن يُكَلّمَهُ ٱللَّهُ} لما يلزم منه أن يقال: ما كان لبشر أن يرسل الله رسولاً وذلك غير جائز، والمعنى ما كان لبشر {أَن يُكَلّمَهُ ٱللَّهُ} إلا بأن يوحي أو أن يرسل، وعليه أن يقدر في قوله تعالى: {أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ} نحو أو أن يسمع من وراء حجاب وأي داع إلى ذلك مع ما سمعت؟ واختلف في الاستثناء هل هو متصل أو منقطع؟ وأبو البقاء على الانقطاع. وتعقبه بعضهم بأن المفرغ لا يتصف بذلك والبحث شهير. وقرأ ابن أبـي عبلة {أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ} بالجمع. وقرأ نافع وأهل المدينة {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ} برفع الفعلين ووجهوا ذلك بأنه على إضمار مبتدأ أي هو يرسل أو هو معطوف على {وَحْياً} أو على ما يتعلق به {مِن وَرَاء} بناءً على أن تقديره أو يسمع من وراء حجاب، وقال العلامة الثاني: إن التوجيه الثاني وما بعده ظاهر وهو عطف الجملة الفعلية الحالية على الحال المفردة، وأما إضمار المبتدأ فإن حمل على هذا فتقدير المبتدأ لغو، وإن أريد أنها مستأنفة فلا يظهر ما يعطف عليه سوى {مَا كَانَ لِبَشَرٍ} الخ وليس بحسن الانتظام. وتعقب بأنه يجوز أن يكون تقدير المبتدأ مع اعتبار الحالية بناءً على أن الجملة الاسمية التي الخبر فيها جملة فعلية تفيد ما لا تفيده الفعلية الصرفة مما يناسب حال إرسال الرسول، أو يقال: لا نسلم أن العطف على {مَا كَانَ لِبَشَرٍ} ليس بحسن الانتظام، وفيه دغدغة لا تخفى. وفي الآية على ما قال ابن عطية دليل على أن من حلف أن لا يكلم فلاناً فراسله حنث لاستثنائه تعالى الإرسال من الكلام، ونقله الجلال السيوطي في «أحكام القرآن» عن مالك وفيه بحث والله تعالى الهادي. {إِنَّهُ عَلِيٌّ} متعال عن صفات المخلوقين {حَكِيمٌ} يجري سبحانه أفعاله على سنن الحكمة فيكلم / تارة بواسطة وأخرى بدونها إما إلهاماً وإما خطاباً أو إما عياناً وإما خطاباً من وراء حجاب على ما يقتضيه الاختلاف السابق في تفسير الآية.

ابن عاشور

تفسير : عطف على ما سبق من حكاية ترّهاتهم عطفَ القصة على القصة وهو عود إلى إبطال شُبَه المشركين التي أشار إليها قوله تعالى: { أية : كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم } تفسير : [الشورى: 3]، وقوله تعالى: { أية : كَبُر على المشركين ما تدعُوهم إليه } تفسير : [الشورى: 13]، وقد أشرنا إلى تفصيل ذلك فيما تقدم، ويزيده وضوحاً قوله عقبه { أية : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا } تفسير : [الشورى: 52]. وهذه الآية تبطل الشبهة الثانية فيما عددناه من شبهاتهم في كون القرآن وحياً من الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم إذ زعموا أن محمداً صلى الله عليه وسلم لو كان مرسلاً من الله لكانت معه ملائكة تصدق قوله أو لأنزل عليه كتاب جاهز من السماء يشاهدون نزوله قال تعالى: { أية : وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه مَلَك فيكون معه نذيراً } تفسير : [الفرقان: 7] وقال { أية : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً } تفسير : [الإسراء: 90] إلى أن قال: { أية : ولن نؤمن لِرُقيّكَ حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه } تفسير : [الإسراء: 93]. وإذ قد كان أهم غرض هذه السورة إثبات كون القرآن وحيا من الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم كما أوحي من قبله للرسل كان العود إلى ذلك من قبيل ردّ العجز على الصدر. فبيَّن الله للمكذبين أن سنة الله في خطاب رسله لا تعدو ثلاثة أنحاء من الخطاب، منها ما جاء به القرآن فلم يكن ذلك بدعاً مما جاءت به الرسل الأولون وما كان الله ليخاطب رسله على الأنحاء التي اقترحها المشركون على النبي صلى الله عليه وسلم فجيء بصيغة حصر مفتتحة بصيغة الجحود المفيدة مبالغة النفي وهي {وما كان لبشر أن يكلمه الله} أي لم يتهيّأ لأحد من الرسل أن يأتيه خطاب من الله بنوع من هذه الثلاثة. ودل ذلك على انتفاء أن يكون إبلاغ مراد الله تعالى لأمم الرسل بغير أحد هذه الأنواع الثلاثة أعني خصوص نوع إرسال رسول، بدلالة فحوى الخطاب فإنه إذا كان الرسل لا يخاطبهم الله إلاّ بأحد هذه الأنحاء الثلاثة فالأمم أولى بأن لا يخاطبوا بغير ذلك من نحو ما سأله المشركون من رؤية الله يخاطبهم، أو مجيء الملائكة إليهم بل لا يتوجه إليهم خطاب الله إلاّ بواسطة رسول منهم يتلقى كلام الله بنحو من الأنحاء الثلاثة وهو مما يدخل في قوله: {أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء} فإن الرسول يكون مَلَكاً وهو الذي يبلّغ الوحي إلى الرسُل والأنبياء. وخطاب الله الرسل والأنبياءَ قد يكون لقصد إبلاغهم أمراً يصلحهم نحو قوله تعالى: { أية : يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً } تفسير : [المزمل: 1، 2]، وقد يكون لإبلاغهم شرائع للأمم مثل معظم القرآن والتوراة، أو إبلاغهم مواعظ لهم مثل الزبور ومجلة لقمان. والاستثناء في قوله: {إلا وحياً} استثناء من عموم أنواع المتكلم التي دلّ عليها الفعل الواقع في سياق النفي وهو {ما كان لبشر أن يكلمه الله}. فانتصاب {وحياً} على الصفة لمصدر محذوف دل عليه الاستثناء، والتقدير: إلا كلاماً وحياً أي موحًى به كما تقول: لا أكلمه إلاّ جهراً، أو إلا إخفاتاً، لأن الجهر والإخفات صفتان للكلام. والمراد بالتكلم بلوغ مراد الله إلى النبي سواء كان ذلك البلوغ بكلام يسمعه ولا يَرى مصدره أو بكلام يبلغه إليه المَلَكُ عن الله تعالى، أو بعلم يُلقى في نفس النبي يوقن بأنه مراد الله بعلم ضروري يجعله الله في نفسه. وإطلاق الكلام على هذه الثلاثة الأنواع: بعضُه حقيقة مثل ما يسمعه النبي كما سمع موسى، وبعضه مجاز قريب من الحقيقة وهو ما يبلغه إلى النبي فإنه رسالة بكلام، وبعضه مجاز محض وهو ما يلقى في قلب النبي مع العلم، فإطلاق فعل {يكلمه} على جميعها من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه على طريقة استعمال المشترك في معانيه. وإسناد فعل {يكلمه} إلى الله إسناد مجازي عقلي. وبهذا الاعتبار صار استثناء الكلام الموصوف بأنه وحي استثناء متصلاً. وأصل الوحي: الإشارة الخفيّة، ومنه { أية : فأوحى إليهم أن سبحوا بكرةً وعشياً } تفسير : [مريم: 11]. ويطلق على ما يجده المرء في نفسه دفعة كحصول معنى الكلام في نفس السامع قال عبيد ابن الأبرص: شعر : وأوحى إليَّ الله أنْ قد تآمَرُوا بِإبْلِ أبي أوْفَى فقُمْتُ على رِجْلِ تفسير : وهذا الإطلاق هو المراد هنا بقرينة المقابلة بالنوعين الآخرين. ومِن هنا أطلق الوحي على ما فطر الله عليه الحيوان من الإلهام المتقن الدقيق كقوله: { أية : وأوحى ربُّك إلى النحل } تفسير : [النحل: 68]. فالوحي بهذا المعنى نوع من أنواع إلقاء كلام الله إلى الأنبياء وهو النوع الأول في العدّ، فأطلق الوحي على الكلام الذي يسمعه النبي بكيفية غير معتادة وهذا الإطلاق من مصطلح القرآن وهو الغالب في إطلاقات الكتاب والسنة ومنه قول زيد بن ثابت «فعَلمْتُ أنه يُوحَى إليه ثم سُرِّي عنه» فقرأ { أية : غير أولي الضرر } تفسير : [النساء: 95]، ولم يقل فنزل إليه جبريل. والوحي بهذا المعنى غير الوحي الذي سيجيء في قوله: {أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء}. والمراد بالوحي هنا: إيقاع مراد الله في نفس النبي يحصل له به العلم بأنه من عند الله فهو حجة للنبيء لمكان العلم الضروري، وحجة للأمة لمكان العِصمة من وسوسة الشيطان، وقد يحصل لغير الأنبياء ولكنه غير مطرد ولا منضبط مع أنه واقع وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم مُحَدَّثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فعُمرُ بن الخطاب » تفسير : قال ابن وهب: "محدَّثون: مُلْهَمُون". ومن هذا الوحي مرائي الأنبياء فإنها وحي، وهي ليست بكلام يلقَى إليهم، ففي الحديث « حديث : إني رأيت دار هجرتكم وهي في حرّة ذاتِ نخل فوقع في وَهْلِي أنها اليمامة أو هَجر فإذا هي طابة »تفسير : . وقد تشتمل الرؤيا على إلهام وكلام مثل حديث « حديث : رأيتُ بَقَراً تُذبح ورأيتُ والله خير » تفسير : في رواية رفع اسم الجلالة، أي رأيت هذه الكلمة، وقد أول النبي صلى الله عليه وسلم رؤياه البقرَ التي تذبح بما أصاب المسلمين يومَ أحد، وأمّا «والله خير» فهو ما أتى الله به بعد ذلك من الخير. ومن الإلهام مَرائي الصالحين فإنها جزء من ستة وأربعين جُزءاً من النبوءة. وليس الإلهام بحجة في الدّين لأن غير المعصوم لا يوثق بصحة خواطره إذ ليس معصوماً من وسوسة الشيطان. وبعض أهل التصوف وحكماء الإشراق يأخذون به في خاصّتهم ويدَّعون أن أمارات تميز لهم بين صادق الخواطر وكاذبها ومنه قول قطب الدين الشيرازي في ديباجة شرحه على «المفتاح»: «إني قد ألقي إليَّ على سبيل الإنذار من حضرة الملك الجبار بلسان الإلهام لا كوَهَم من الأوهام» إلى أن قال «ما أورثني التجافي عن دار الغرور». ومنه ما ورد في قول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : إنَّ رُوح القُدُس نَفَثَ في رُوعي أنَّ نفساً لن تموت حتّى تستوفيَ أجلها ورزقَها » تفسير : على أحد تفسيرين فيه، ولا ريب في أنه المراد هنا لأن ألفاظ هذا الحديث جَرَتْ على غير الألفاظ التي يُحكى بها نزول الوحي بواسطة كلام جبريل عليه السلام. والنوع الثاني: أن يكون الكلام من وراء حجاب يسمعه سامعه ولا يرى مصدره بأن يخلق الله كلاماً في شيء محجوب عن سامعه وهو ما وصف الله هنا بقوله: {أو من وراء حجاب}. والمعنى: أو محجوباً المخاطَب (بالفتح) عن رؤية مصدر الكلام، فالكلام كأنه من وراء حجاب، وهذا مثل تكليم الله تعالى موسى في البقعة المباركة من الشجرة، ويحصل علم المخاطب بأن ذلك الكلام من عند الله أول مرة بآية يريه الله إياها يعلم أنها لا تكون إلا بتسخير الله كما علم موسى ذلك بانقلاب عصاهُ حيّة ثم عَوْدِها إلى حالتها الأولى، وبخروج يده من جَيْبه بيضاء، كما قال تعالى: { أية : آية أخرى لنريك من آياتنا الكبرى اذهَبْ إلى فرعون إنه طغى } تفسير : [طه: 22، 24]. ثم يصير بعد ذلك عادة يعرف بها كلام الله. واختص بهذا النوع من الكلام في الرسل السابقين موسى عليه السلام وهو المراد من قوله تعالى: { أية : قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي } تفسير : [الأعراف: 144] وليس الوحي إلى موسى منحصراً في هذا النوع فإنه كان يوحى إليه الوحي الغالب لجميع الأنبياء والرسل وقد حصل هذا النوع من الكلام لمحمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء، فقد جاء في حديث الإسراء: أن الله فرض عليه وعلى أمته خمسين صلاة ثم خفّف الله منها حتى بلغت خمس صلوات وأنه سمع قوله تعالى: «أتممتُ فريضتي وخففت عن عبادي». وأشارت إليه سورة النجم (6، 12) بقوله تعالى: { أية : فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلَّى فكان قابَ قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفَتُمَارونه على ما يَرى }. تفسير : والقول بأنه سمع كلام الله ليلة أسري به إلى السماء مرويّ عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وجعفر بن محمد الصادق والأشعري والواسطي، وهو الظاهر لأن فضل محمد صلى الله عليه وسلم على جميع المرسلين يستلزم أن يعطيه الله من أفضل ما أعطاه رسله عليهم السلام جميعاً. النوع الثالث: أن يرسل الله الملَك إلى النبي فيبلغ إليه كلاماً يسمعه النبي ويعيه، وهذا هو غالب ما يوجه إلى الأنبياء من كلام الله تعالى، قال تعالى في ذكر زكرياء { أية : فنادته الملائكة وهو قائم يصلِّي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى } تفسير : [آل عمران: 39]، وقال في إبراهيم { أية : وناديناه أن يا إبراهيم قد صدّقتَ الرؤيا } تفسير : [الصافات: 104، 105] وهذا الكلام يأتي بكيفية وصفها النبي صلى الله عليه وسلم حديث : للحارث بن هشام وقد سأل رسول الله «كيف يأتيك الوحي؟ فقال: أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجَرَس وهو أشدُّه عليّ فيفْصِمُ عنِّي وقد وَعَيت عنه (أي عن جبريل) ما قال، وأحياناً يتمثّل لي الملَك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول» تفسير : . فالرسول في قوله تعالى: {أو يرسل رسولاً}: هو الملَك جبريل أو غيره، وقوله: {فيوحي بإذنه ما يشاء} سمّى هذا الكلام وحياً على مراعاة الإطلاق القرآني الغالب كما تقدم نحو قوله: { أية : وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحيٌ يوحَى عَلَّمه شديدُ القُوَى } تفسير : [النجم: 3 ـــ 5] وهو غير المراد من قوله: {إلا وحياً} بقرينة التقسيم والمقابلة. ومن لطائف نسج هذه الآية ترتيب ما دل على تكليم الله الرسل بدلالات فجيء بالمصدر أولاً في قوله: {إلا وحياً} وجيء بما يشبه الجملة ثانياً وهو قوله: {من وراء الحجاب}، وجيء بالجملة الفعلية ثالثاً بقوله: {يرسل رسولاً}. وقرأ نافع {أو يرسلُ} برفع {يرسلُ} على الخبرية، والتقدير: أو هو مرسل رسولاً. وقرأ {فيوحي} بسكون الياء بعد كسرة الحاء. وقرأ الباقون {أو يرسل} بنصب الفعل على تقدير (أنْ) محذوفة دل عليها العطف على المصدر فصار الفعل المعطوف في معنى المصدر، فاحتاج إلى تقدير حرف السبك. وقرأوا {فيوحي} بفتحة على الياء عطفاً على {يرسل}. ومَا صْدَقُ {ما يشاء} كلام، أي فيوحي كلاماً يشاؤه الله فكانت هذه الجملة في معنى الصفة لــ (كلاماً) المستثنى المحذوف، والرابط هو {ما يشاء} لأنه في معنى: كلاماً، فهو كربط الجملة بإعادة لفظ ما هي له أو بمرادفه نحو { أية : الحاقة ما الحاقّة } تفسير : [الحاقة: 1، 2]. والتقدير: أوْ إلاَّ كلاماً موصوفاً بأن الله يرسل رسولاً فيوحي بإذنه كلاماً يشاؤه فإن الإرسال نوع من الكلام المراد في هذه الآية. والآية صريحة في أن هذه الأنواع الثلاثة أنواع لكلام الله الذي يخاطب به عباده. وذكرُ النوعين: الأول والثالث صريح في أن إضافة الكلام المنوع إليها إلى الله أو إسنادُه إليه حيثما وقع في ألفاظ الشريعة نحو قوله تعالى: { أية : حتى يسمَع كَلام الله } تفسير : [التوبة: 6] وقوله: { أية : قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي } تفسير : [الأعراف: 144] وقوله: { أية : وكلّم الله موسى تكليماً } تفسير : [النساء: 164] يدل على أنه كلام له خصوصية هي أنه أوجده الله إيجاداً بخرق العادة ليكون بذلك دليلاً على أن مدلول ألفاظِه مراد لله تعالى ومقصود له كما سمّي الروح الذي تكوّن به عيسى روحَ الله لأنه تكوَّن على سبيل خرق العادة، فالله خلقَ الكلام الذي يدلّ على مراده خلقاً غير جارٍ على سنة الله في تكوين الكلام ليعلم الناس أن الله أراد إعلامهم بأنه أراد مدلولات ذلك الكلام بآية أنه خرق فيه عادة إيجاد الكلام فكان إيجاداً غيرَ متولّد من علل وأسباب عادية فهو كإيجاد السماوات والأرض وإيجاد آدم في أنه غير متولد من علل وأسباب فطرية. واعلم أن حقيقة الإلـٰهية لا تقتضي لِذاتها أن يكون الله متكلماً كما تقتضي أنه واحد حيّ عالم قدير مُريد، ومن حاول جَعل صفة الكلام من مقتضى الإلـٰهية على تنظير الإلـٰه بالملك بناء على أن المُلك يقتضي مخاطبة الرعايا بما يريد المَلِك منهم، فقد جاء بحجة خَطابية، بل الحق أن الذي اقتضى إثبات كلام الله هو وضع الشرائع الإلـٰهية، أي تعلق إرادة الله بإرشاد الناس إلى اجتناب ما يخل باستقامة شؤونهم بأمرهم ونهيهم وموعظتهم ووعدهم ووعيدهم، من يوم نَهي آدمَ عن الأكل من الشجرة وتوعده بالشقاء إن أكل منها ثم من إرسال الرسل إلى الناس وتبليغهم إياهم أمر الله ونهيه بوضع الشرائع وذلك من عهد نوح بلا شك أو من عهد آدم إن قلنا إن آدم بلَّغ أهله أمر الله ونهيه. فتعين الإيمان بأن الله آمر ونَاهٍ وواعدٌ ومُوعِد، ومخبر بواسطة رسله وأنبيائه، وأن مراده ذلك أبلغه إلى الأنبياء بكلام يُلقى إليهم ويفهمونه وهو غير متعارف لهم قبل النبوءة وهو متفاوت الأنواع في مشابهة الكلام المتعارف. ولمّا لم يَرد في الكتاب والسنة وصفُ الله بأنه متكلّم ولا إثبات صفةٍ له تسمَّى الكلام، ولم تقتض ذلك حقيقة الإلـٰهية ما كان ثمّة داع إلى إثبات ذلك عند أهل التأويل من الخَلَف من أشعرية وماتريدية إذ قالوا: إن الله متكلم وإن له صفةً تسمَّى الكلام وبخاصة المعتزلة إذ قالوا إنه متكلم ونفوا صفة الكلام وأمرُ المعتزلة أعجب إذ أثبتوا الصفات المعنوية لأجل القواطع من آيات القرآن وأنكروا صفات المعاني تورّعاً وتخلّصاً من مشابهة القول بتعدد القدماء بلا داع، وقد كان لهم في عدم إثبات صفة المتكلم مندوحة لانتفاء الداعي إلى إثباتها، خلافاً لما دعا إلى إثبات غيرها من الصفات المعنوية، وقد حكى فخر الدين في تفسير هذه السورة إجماع الأمة على أن الله تعالى متكلم. وقصارى ما ورد في القرآن إسناد فعل الكلام إلى الله أو إضافة مصدره إلى اسمه، وذلك لا يوجب أن يشتق منه صفة لله تعالى، فإنهم لم يقولوا لله صفة نافخ الأرواح لأجل قوله تعالى: { أية : ونفخت فيه من روحي } تفسير : [الحجر: 29]، فالذي حدا مُثْبِتي صفة الكلام لله هو قوة تعلق هذا الوصف بصفة العلم فخصّوا هذا التعلق باسم خاص وجعلوه صفة مستقلة مثل ما فعلوا في صفة السمع والبصر. هذا، واعلم أن مثبتي صفة الكلام قد اختلفوا في حقيقتها، فذهب السلف إلى أنها صفة قديمة كسائر صفات الله. فإذا سُئلوا عن الألفاظ التي هي الكلام: أقديمة هي أم حادثة؟ قالوا: قديمة، وتعجب منهم فخر الدين الرازي ونبزهم ولا أحسبهم إلاّ أنهم تحاشَوْا عن التصريح بأنها حادثة لئلا يؤدّي ذلك دهماءَ الأمة إلى اعتقاد حدوث صفات الله، أو يؤدّي إلى إبطال أن القرآن كلام الله، لأن تبيان حقيقة معنى الإضافة في قولهم: كلام الله، دقيق جداً يحتاج مُدرِكُه إلى شحْذ ذهنه بقواعد العلوم، والعامة على بَوْن من ذلك. واشتهر من أهل هذه الطريقة أحمد بن حنبل رحمه الله زمن فتنة خلق القرآن. وكان فقهاء المالكية في زمن العُبيديين ملتزمين هذه الطريقة. وقال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد في «الرسالة»: «وإن القرآن كلامُ الله ليس بمخلوق فيبيدَ ولا صفةٍ لمخلوق فينفد». وقد نقشوا على إسطوانة من أساطين الجامع بمدينة سوسة هذه العبارة: «القُرآنُ كلامُ الله وليس بمخلوق» وهي ماثلة إلى الآن. قال فخر الدين: واتفق أني قلت يوماً لبعض الحنابلة: لو تكلم الله بهذه الحروف؛ إمّا أن يتكلم بها دفعة واحدة أو على التعاقب، والأول باطل لأن التكلّم بها دفعة واحدة لا يفيد هذا النظمَ المركب على التعاقب والتوالي، والثاني باطل لأنه لو تكلم الله بها على التوالي كانت محدثة، فلما سمع مني هذا الكلام قال: «الواجبُ علينا أن نُقِرّ ونَمُرَّ» يعني نقرّ بأن القرآن قديم ونمُرّ على هذا الكلام على وفق ما سمعناه قال: فتعجبت من سلامة قلب ذلك القائل. ومن الغريب جداً ما يُعزى إلى محمد بن كَرَّام وأصحابه الكَرَّامية من القول بأن كلام الله حروف وأصوات قائمة بذاته تعالى، وقالوا: لا يلزم أن كل صفة لله قديمة، ونُسب مثل هذا إلى الحشوية، وأما المعتزلة فأثبتوا لله أنه متكلم ومنعوا أن تكون له صفة تسمى الكلام، والذي دعاهم إلى ذلك هو الجمع بين ما شاع في القرآن والسنة وعند السلف من إسناد الكلام إلى الله وإضافتِه إليه وقالوا: إن اشتقاق الوصف لاَ يستلزم قيام المصدر بالموصوف، وتلك طريقتهم في صفات المعاني كلها، وزادوا فقالوا: معنى كونه متكلماً أنه خَالق الكلام. وأما الأشعري وأصحابه فلم يختلفوا في أن الكلام الذي نقول: إنه كلام الله المركب من حروف وأصوات، المتلوّ بألسنتنا، المكتوب في مصاحفنا، إنه حادث وليس هو صفة الله تعالى وإنما صفة الله مدلول ذلك الكلام المركب من الحروف والأصوات من المعاني من أمر ونهي ووعد ووعيد. وتقريب ذلك عندي أن الكلام الحادث الذي خلقه الله دَال على مراد الله تعالى وأن مراد الله صفة لله. قال أبو بكر الباقلاني عن الشيخ: إن كلام الله الأزلي مقروء بألسنتنا، محفوظ في قلوبنا، مسموع بآذاننا، مكتوب في مصاحفنا غيرُ حالَ في شيء من ذلك، كما أن الله معلوم بقلوبنا مذكور بألسنتنا معبود في محاريبنا وهو غير حال في شيء من ذلك. والقراءةُ والقارىء مخلوقان، كما أن العلم والمعرفة مخلوقان، والمعلوم والمعروف قديمان اهــ. يعني أن الألفاظ المَقْروءة والمكتوبة دوالّ وهي مخلوقة والمدلول وهو كون الله مريداً لمدلولات تلك التراكيب هو وصف الله تعالى ليصحّ أن الله أراد من النّاس العمل بالمدلولات التي دلّت عليها تلك التراكيب. وقد اصطلح الأشعري على تسمية ذلك المدلولِ كلاماً نفسيّاً وهو إرادة المعاني التي دلّ عليها الكلام اللفظي، وقد استأنس لذلك بقول الأخطل: شعر : إن الكلامَ لَفي الفؤاد وإنّما جُعل اللّسان على الفؤاد دليلاً تفسير : وأما أبو منصور الماتريدي فنَقل الفخر عنه كلاماً مزيجاً من كلام الأشعري وكلام المعتزلة، والبعضُ نَقَل عنه مثلَ قول السلف. وسبب اختلاف النقل عنه هو أن الماتريدي تابع في أصول الدّين أبَا حنيفة. وقد اضطرب أتباعه في فهم عبارته الواقعة في العقيدة المنسوبة إليه المسماة: الفقه الأكبر (إن صحّ عزوُها إليه) إذ كانت عبارةً يلوح عليها التضارب ولعله مقصود. وتأويلها بما يوافق كلام الأشعري هو التحقيق. وتحقيق هذا المقام بوجه واضح قريب أن نقول: إن ثبوت صفة الكلام لله هو مثل ثبوت صفة الإرادة وصفة القدرة له تعالى في الأزل، وهو أشبه باتصافه بالإرادة فكما أن معنى ثبوت صفة الإرادة لله إنه تعالى متى تعلق علمه بإيجاد شيء لم يكن موجوداً، أو بإعدام شيء كان موجوداً، أنه لا يحول دون تنفيذ ما تعلق علمه بإيجاده أو إعدامه حائل ولا يمنعه منه مانع، ومتى تعلق علمه بإبقاء المعدوم في حالة العدم أو الموجود في حالة الوجود، لا يكرهه على ضد ذلك مُكره. فكذلك ثبوت الكلام لله معناه أنه كلما تعلق علمه بأنه يأمر أو ينهَى أحداً لم يحُلْ حائل دون إيجاد ما يبلغ مراده إلى المأمورين أو المنهيين، وكلما تعلق علمه بأن يترك توجيه أمر أو نهي إلى النّاس لم يكرهه مُكره على أن يأمرهم أو ينهاهم. وكما أن للإرادة تعلقاً صلاحياً أزليّاً وتعلّقاً تنجيزياً حادِثاً حين تتوجه الإرادة إلى إيجادٍ بواسطة القدرة. كذلك نجد لكلام الله تعلّقاً صلاحياً أزلياً وتعلّقاً تنجيزيّاً حينَ اقتضاء علم الله تَوجِيهَ أمره أو نهيه أو نحوهما إلى بعض عباده. فالكلام الذي ينطق به الرّسول وينسبه إلى الله تعالى هو حادث وهو أثَر التعلق التنجيزي الحادث، والكلام الذي نعتقد أن الله أراده وأراد من النّاس العمل به هو الصفة الأزلية القديمة ولها التعلق الصلاحي القديم. وفي «الرسالة الخاقانية» للعلامة عبد الحكيم السلكوتي نقل عن بعض العلماء بأن لكلام الله تعلقاً تنجيزياً حادثاً، وهذا من التحقيق بمكان. والتحقيق: أن ذلك الكلام الأزلي يتنوع إلى أنواع المدلولات من أمر ونهي وخبر ووعد ووعيد ونحو ذلك. وخلاصة معنى الآية أن الله قد يخلق في نفس جبريل أو غيره من الملائكة علماً بمراد الله على كيفية لا نعلمها، وعلماً بأن الله سخره إبلاغ مراده إلى النبي، والمَلكُ يبلغ إلى النبي ما أُمر بتبليغه امتثالاً للأمر التسخيري، بألفاظ معينة ألقاها الله في نفس الملك مثل ألفاظ القرآن، أو بألفاظ من صنعة الملك كالتي حكى الله عن زكرياء بقوله: { أية : فنادته الملائكة وهو قائمٌ يصلِّي في المحراب أنَّ الله يبشرك بيحيى } تفسير : [آل عمران: 39]. أو يخلقُ في سمع النبي كلاماً يعلم علم اليقين أنه غير صادر إليه من متكلم، فيوقن أنه من عند الله بدلالة المعجزة أول مرة وبدلالة تعوّده بعد ذلك. وهذا مثل الكلام الذي كلم الله به موسى ألا ترى إلى قوله تعالى: { أية : أنْ يا موسى إنني أنا الله ربّ العالمين وأنْ ألْقِ عصاك } تفسير : [القصص: 30، 31] الآية، فقرن خطابه الخارق للعادة بالمعجزة الخارقة للعادة ليُوقن موسى أن ذلك كلام من عند الله. أو يخلقُ في نفس النبي علماً قطعياً بأن الله أراد منه كذا كما يخلق في نفس المَلك في الحالة المذكورة أولاً. فعلى هذه الكيفيات يأتي الوحي للأنبياء ويَختص القرآن بمزية أن الله تعالى يخلق كلاماً يَعِيه المَلك ويؤمر بإبلاغه بنصه دون تغيير إلى محمد صلى الله عليه وسلم. والقول في موقع جملة {إنه علي حكيم} كالقول في جملة { أية : إنه عليم قدير } تفسير : [الشورى: 50] السابقة، وإنما أوثر هنا صفة {العلي الحكيم} لمناسبتهما للغرض لأن العلوّ في صفة العليّ علوّ عظمة فائقة لا تناسبها النفوس البشرية التي لم تَحْظَ من جانب القُدس بالتصفية فما كان لها أن تتلقى من الله مراده مباشرة فاقتضى علوّه أن يكون توجيه خطابه إلى البشر بوسائط يفضي بعضها إلى بعض لأن ذلك كما يقول الحكماء: استفادة القابل من المبدإ تتوقف عن المناسبة بينهما. وأمّا وصف الحكيم فلأن معناه المُتقِن للصنع العالم بدقائقه وما خطابه البشر إلاّ لحكمة إصلاحهم ونظام عالَمهم، وما وقوعه على تلك الكيفيات الثلاث إلا من أثر الحكمة لتيسير تلقّي خطابه، ووعيِه دون اختلال فيه ولا خروج عن طاقة المتلقِّين. وانظر ما تقدم عند قوله تعالى: { أية : ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربّه } تفسير : في سورة الأعراف (143)، وعند قوله: { أية : فأجِرْه حتىّ يسمعَ كلام الله } تفسير : في سورة براءة (6).

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إلا وحياً أو من وراء حجاب: أي إعلاما خفيا سريعا في يقظة أو منام، أو يكلمه من وراء حجاب فيسمع الكلام ولا يرى الذات. أو يرسلوا رسولا: أي أو يرسل ملكاً في صورة إنسان فيكلمه مبلغا عن الله تعالى. إنه علي حكيم: أي الله تعالى ذو علو على سائر خلقه حكيم في تدبير خلقه. وكذلك أوحينا إليك: أي كما كنا نوحي إلى سائر رسلنا أوحينا إليك يا محمد هذا القرآن. روحاً من أمرنا: أي وحيا ورحمة من أمرنا الذي نوحيه إليك. ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإِيمان: أي لم تكن قبل تدري أي شيء هو الكتاب، ولا الإِيمان الذي هو قول وعمل واعتقاد. ولكن جعلناه نوراً نهدي به: أي جعلنا القرآن نورا نهدي به من نشاء من عبادنا إلى صراطنا. وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم: أي الإِسلام. ألا إلى الله تصير الأمور: أي ترجع أمور جميع العباد في يوم القيامة إلى الله تعالى. معنى الآيات: قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً} يخبر تعالى أنه ليس من شأن البشر كائنا من كان أن يكلمه الله تعالى إلا وحيا بأن يعلمه بطريق سريع خفي إلهاماً أو مناماً فيفهم عن الله تعالى ما ألقاه في روعه جازماً أنه كلام الله ألقاه إليه، هذه طريقة وثانية أن يكلمه الله تعالى فيسمعه كلامه بدون أن يرى ذاته كما كلم موسى عليه السلام غير مرة. وثالثة أن يرسل إليه رسولاً كجبريل عليه السلام فيبلغه كلام ربه تعالى هذا معنى قوله تعالى {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ} أي ذو علو على خلقه {حَكِيمٌ} في تدبيره لخلقه. وقوله: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا أي كما كنا نوحي إلى سائر رسلنا أوحينا إليك يا محمد روحاً وهو القرآن وسمى روحاً لأن القلوب تحيا به كما تحيا الأجسام بالأرواح، وقوله {مِّنْ أَمْرِنَا} أي الذي نوحيه إليك الشامل للأمر والنهي والوعد والوعيد وقوله تعالى: {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ} أي القرآن {وَلاَ ٱلإِيمَانُ} الذي هو عقيدة وقول وعمل. وقوله: {وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً} أي جعلنا القرآن نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا إلى الإِيمان بنا وتوحيدنا وطلب مرضاتنا بفعل محابّنا وترك مساخطنا. وقوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي وأنك يا رسولنا لتهدي إلى صراط مستقيم الذي هو الدين الإِسلامي وقوله {صِرَاطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي خلقا وملكا وعبيداً {أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ} أي وإليه تعالى مصير كل شيء، ومرد كل شيء إذ هو المالك الحق والمدبر لأمر المخلوقات كلها، ولذا وجب تفويض الأمر إليه والرضا بحكمه وقضائه ثقة فيه وفي كفايته. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان طرق الوحي وهي ثلاثة الأولى الإِلقاء في الروع يقظة أو مناماً والثانية أن يكلم الله النبي بدون أن يرى ذاته عز وجل كما كلم موسى في الطور وكلم محمداً صلى الله عليه وسلم في الملكوت الأعلى والثالث أن يرسل إليه الملك إما في صورته الملائكية أو في صورة رجل من بني آدم فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه من أمره. 2- القرآن الكريم روح تحيا به القلوب الميتة كما تحيا الأجسام بالأرواح. 3- القرآن نور يستضاء به في الحياة فتعرف به طرق السعادة وسبل النجاة.

القطان

تفسير : وحيا: كلاماً خفيا. من وراء حجاب: يُسمع ولا يُرى. روحاً من أمرنا: ان هذا القرآن روحٌ تحيا به القلوب، وتتغذى به الأنفس. نوراً نهدي به: الناسَ الى الصراط المستقيم. بعد ان بين تعالى النعم الحسيّة التي يعيش بها الناس، بيّن هنا النعمَ الروحية التي تحيا بها القلوب، وتعمرُ الأنفس، وبيّن أن الناس محجوبون عن ربّهم، لأنهم في عالم المادة وهو منزَّهٌ عنها، ولكن من رقَّ حجابُه، وخَلَصَت نفسُه من شوائب المادة، فانه يستطيع ان يتصل بالملأ الأعلى، وان يسمع كلام ربّه بأحد الأوجه الآتية: 1- ان يحسّ بمعان تُلقى في قلبه، او يرى رؤيا صادقة كرؤيا الخليل إبراهيم بانه يذبح ولده... ورؤيا الأنبياء وحي. 2- ان يسمع كلاماً من وراء حجاب كما سمع موسى عليه السلام من غير ان يبصر من يكلّمه، فقد سمع كلاما ولم ير المتكلم. 3- ان يرسل الله مَلَكا فيوحي الى النبيّ ما كلّف به. ثم ذكر الله تعالى انه كما أوحى الى الانبياء قبل محمد فقد اوحى اليه القرآن الكريم، وما كان محمد قبل ذلك يعلم ما هو القرآن وما الشرائع التي بها هدايةُ البشر وصلاحُهم في الدارَين. ثم خاطبه بهذه العبارة اللطيفة، {وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. ثم فسّر ذلك الصراطَ بقوله تعالى: {صِرَاطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} خلقاً وتدبيراً وتصرفا. وفي الختام كل شيء ينتهي اليه، ويلتقي عنده، وهو يقضي فيها بأمره {أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ}. وهكذا تنتهي هذه السورة الكريمة بالحديث الذي بدأت به عن الوحي، والذي كان محورها الرئيسي، وقد عالجت قصةَ الوحي منذ النبوّات الأولى، لتقرر وحدة الدين ووحدة الطريق، ولتعلن القيادةَ الجديدة للبشريّة ممثلة برسالة سيد الوجود سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ومن يتبعه من المؤمنين الصادقين، ليقودوا الناس الى صراط الله المستقيم.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَرَآءِ} (51) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الطُّرُقَ التِي يُوحِي بِهََا أَوَامِرَهُ إِلَى مَنْ يَخْتَارُهُمْ مِنْ عِبَادِهِ: أ - أَنْ يُحسَّ الرَّسُولُ بِمَعَانٍ تُلْقَى فِي قَلْبِهِ فَلاَ يَتَمَارَى فِي أَنَّهَا مِنَ اللهِ تَعَالَى. وَمِثَالُ ذَلِكَ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (حديث : إِنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ فِي رَوْعِي أَنَّ نَفْساً لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا فاتَّقُوا اللهَ، وَأَجمِلُوا فِي الطَّلَب)تفسير : . (صَحِيحُ ابْنِ حبَّانَ). ب - أَوْ يَرَى فِي نَوْمِهِ مَنَاماً لاَ يَشُكُّ فِي أَنَّهُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، كَرُؤْيَا إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، أَنَّهُ يَذْبَحُ ابْنَهُ. جـ - أَنْ يَسْمَعَ كَلاَماً مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، كَمَا سَمِعَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فِي وَادِي الطُّورِ دُونَ أَنْ يُبْصِرَ مَنْ يُكَلِّمُهُ. د - أَنْ يُرْسِلَ اللهُ تَعَالَى إِلَى رَسُولِهِ مَلَكاً فَيُوحِي ذَلِكَ المَلَكُ مَا يَشَاءُ إِلَى النَّبِيِّ. واللهُ تَعَالَى قَاهِرٌ فَوْقَ عِبَادِهِ، حَكِيمٌ يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُهُ بِعِلْمٍ وَحِكْمَةٍ.

الثعلبي

تفسير : {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ} الآية وذلك إنّ اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبياً كما كلمه موسى ونظر إليه؟ فإنّا لا نؤمن لك حتّى تفعل ذلك. فقال صلى الله عليه وسلم "حديث : لم ينظر موسى إلى الله"تفسير : فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ}. {إِلاَّ وَحْياً} يوحي إليه كيف يشاء إما بالإلهام أو في المنام. {أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} بحيث يسمع كلامه ولا يراه كما كلم موسى (عليه السلام) {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً}. إليه من ملائكة، إما جبريل وإما غيره. {فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ}. قرأ شيبة ونافع وهشام (أو يُرسل) برفع اللام على الابتداء (فيوحي) بإسكان الياء، وقرأ الباقون بنصب اللام والياء عطفاً بهما على محلّ الوحي لأنّ معناه وما كان لبشر أن يكلمه الله إلاّ أن يوحي أو يرسل. {إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ * وَكَذَلِكَ} أي وما أوحينا إلى سائر رُسلنا كذلك. {أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا}. قال الحسن: رحمة. ابن عباس: نبوة. السدّي: وحياً. الكلبي: كتاباً. ربيع: جبريل. ملك بن دينار: يعني القرآن، وكان يقول: يا أصحاب القرآن ماذا زرع القرآن في قلوبكم فإنّ القرآن ربيع القلوب كما الغيث ربيع الأرض. {مَا كُنتَ تَدْرِي} قبل الوحي. {مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ} يعني شرائع الإيمان ومعالمه. وقال أبو العالية: يعني الدعوة إلى الإيمان، وقال الحسين بن الفضل: يعني أهل الإيمان من يؤمن ومن لا يؤمن، وقال محمد بن إسحاق بن جرير: الإيمان في هذا الموضع الصلاة. دليله قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}تفسير : [البقرة: 143]. {وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً} وحّد الكتابة وهما اثنان: الإيمان والقرآن؛ لأن الفعل في كثرة أسمائه بمنزلة الفعل، ألا ترى إنّك تقول إقبالك وإدبارك يُعجبني فيوحّدوه وهما إثنان. وقال ابن عباس: (ولكن جعلناه) يعني الإيمان، وقال السُدّي: يعني القرآن. {نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ} لتُرشد وتدعوا. {إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ} أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان، حدثنا أحمد بن محمد بن شاذان، حدثنا الحسين بن محمد، حدثنا صالح بن محمد، قال: سمعت أبا معشر يحدّث، عن سهل بن أبي الجعداء وغيره. قال: إحترق مصحف فلم يبق إلاّ قوله سبحانه وتعالى: {أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ} وغرق مصحف فإمتحى كُلّ شيء فيه إلاَّ قوله: {أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نعم. هذه وسائل ثلاث لا بدَّ من وجود واحدة منها ليتمَّ اتصال الحق سبحانه بالبشر، ذلك لأن للبشر طبيعة تكوينية لا تَقوَى على مباشرة الأعلى سبحانه، فلله صفات الجلال والكمال المطلق، ولا يمكن أنْ يلتقي الأعلى بالأدنى دون وسائط، منها الإلهام مثل الزبور الذي نزل على سيدنا داود، فلم ينزل عليه بوحي من الله بواسطة رسول كما نزل القرآن، إنما جاء إلهاماً قذفه الله في روع سيدنا داود. يقول تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ..} [الشورى: 51] كما كلم سيدنا موسى {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً ..} [الشورى: 51] يعني: يرسله بالوحي، والرسول هنا من الملائكة، كما أرسل الله جبريل بالقرآن، وإنْ نزل في صورة بشر ليكون أقربَ إليهم وآنسَ لهم. فقوله: {إِلاَّ وَحْياً ..} [الشورى: 51] أي: إلهاماً يقذفه الله في قلب مَنْ يشاء، فإنْ قلتَ: فكيف نعرف الإلهام من وسوسة الشيطان؟ قالوا: الإلهام من الله لا يناقضه مخالفة، بل يدخل عليك مُسلَّمة لا جدالَ فيها، وقلنا: إن وارد الرحمن لا يزاحمه وارد الشيطان أبداً. ومثَّلنا لذلك بقوله تعالى في قصة سيدنا موسى وأمه: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [القصص: 7]. هذا وحي من الله بطريق الإلهام، لذلك لم تناقشه أم موسى ولم تجادل فيه، بل أقبلتْ على تنفيذه راضية مطمئنة، وإلاَّ فأيُّ قياس عقلي يقول للأم، إذا خِفْتِ على ولدك فألقيه في اليمِّ. ونذكر هنا وقفة للمستشرقين حاولوا فيها أنْ يجدوا على القرآن مأخذاً، فقالوا بتكرارها، لأن الحق سبحانه قال في موضع آخر: {أية : إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ * أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ} تفسير : [طه: 38-39]. والمتأمل في الموضعين يجد الآية الأولى كانت تمهيداً للحدث بدليل {أية : فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ ..} تفسير : [القصص: 7] فإذا للمستقبل، أما قوله تعالى: {أية : أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ ..} تفسير : [طه: 39] فكان وقت التنفيذ. وقوله: {أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ..} [الشورى: 51] قلنا: كما كلَّم الله سيدنا موسى عليه السلام {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ ..} [الشورى: 51] الوحي هنا ليس إلهاماً كالأول، إنما وحي مباشر بواسطة رسول من الملائكة، كما حدث في نزول القرآن الكريم على قلب سيدنا رسول الله بواسطة أمين الوحي جبريل، وكان يأتي رسول الله مباشرة ويعطيه ما شاء الله من القرآن. إلا أن الله تعالى أراد أنْ يُثبِّت هذه المسألة عندهم، فمرة يأتيهم جبريل في صورة رجل حسن المنظر لا يُرى عليه أثر السفر، كما ورد في الحديث، ويسأل رسول الله ويُصدِّقه ليتعلَّم الناسُ منه أمور الدين، فلما انصرف قال سيدنا رسول الله "حديث : إنه جبريل أتاكم يُعلِّمكم أمور دينكم ". تفسير : وهذه المسألة نرد بها على الذين طلبوا أنْ يكونَ الرسولُ من الملائكة، لأن الرسول لو جاء مَلَكاً لجاءهم في صورة رجل ليتمكنوا من التلقِّي منه، ثم إن الرسول أسْوة وقدوة وسلوك، والقدوة لا تتم بالملائكة لأنه إنْ قال لي افعل كذا وكذا لي أن أقول له لا أقدر على ذلك، فأنت مَلَك وأنا بشر لي قدرة محدودة. إذن: نقول إن القرآن لم يأْت إلهاماً ولا نَفْثاً في الرَِّوع، ولم يأتِ من وراء حجاب، إنما جاء بالوحي المباشر بواسطة الملَك، وقد رأى سيدنا رسول الله جبريل على صورته الحقيقية {أية : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ} تفسير : [النجم: 13-14] ومسألة الوحي والتلقي عن الحق سبحانه تقوم كلها على الاصطفاء {أية : ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [الحج: 75]. فليستْ كل الملائكة تتلقَّى عن الله، بل مَنْ اصطفاه الله لذلك، ثم يصطفي من الناس رسلاً تتلقَّى عن الملَك، فالمصطفى من الملائكة ومعه المصطفى من البشر يُمكنهما التلقّي عن الله، وتذكرون أننا مثَّلنا لذلك بـ (الترانس) أي المحول الذي يعطي الجهاز الكهرباء على قدْر حاجته وإمكانياته، ولو ارتفع التيارُ لاحترق الجهاز، كذلك البشر لا يمكن أنْ يتلقوا عن الله مباشرة. لذلك خُتِمتْ الآيةُ بقوله سبحانه: {إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى: 51] يعني: أعلى من أن يخاطب البشر مباشرة، فالله أعلى من ذلك {حَكِيمٌ} [الشورى: 51] في اختياره فيمن يصطفيه للتلقِّي عنه سبحانه.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ} فالوحي ما يَراهُ النبي عليهِ السّلامُ في المَنامِ، كما رأى إبراهيمُ عليه السّلامُ حينَ أُمر بذبحِ ابنهِ إِسحاق أو من وراءِ حجابٍ: كما كلَّمَ موسى عَليه السّلامُ فَقِيلَ لَهُ استمع لِما يُوحى. أو يَرسلُ رسولاً: كما أرسلَ جبريلَ وغيرَهُ إلى النبي عليه السّلامُ، وغيرِهِ من الأَنبياءِ عليهم السّلامُ. والوحي: الإِشارةُ كما حَكى تعالى عن زكريا عليه السّلامُ {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً} تفسير : [مريم: 11]. والوحي: القَذفُ في القَلبِ، والإِلهامُ كقولهِ تعالى: {أية : وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ} تفسير : [النحل: 68].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما قال المكذبون لرسل الله، الكافرون بالله: {أية : لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ } تفسير : من كبرهم وتجبرهم، رد الله عليهم بهذه الآية الكريمة، وأن تكليمه تعالى لا يكون إلا لخواص خلقه، للأنبياء والمرسلين، وصفوته من العالمين، وأنه يكون على أحد هذه الأوجه. إما أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ وَحْيًا بأن يلقي الوحي في قلب الرسول، من غير إرسال ملك، ولا مخاطبة منه شفاها. { أَوْ } يكلمه منه شفاها، لكن { مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ } كما حصل لموسى بن عمران، كليم الرحمن. { أَوْ } يكلمه الله بواسطة الرسول الملكي، فـ { يُرْسِلَ رَسُولا } كجبريل أو غيره من الملائكة. { فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ } أي: بإذن ربه، لا بمجرد هواه، { إِنَّهُ } تعالى علي الذات، علي الأوصاف، عظيمها، علي الأفعال، قد قهر كل شيء، ودانت له المخلوقات. حكيم في وضعه كل شيء في موضعه، من المخلوقات والشرائع. { وَكَذَلِكَ } حين أوحينا إلى الرسل قبلك { أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا } وهو هذا القرآن الكريم، سماه روحا، لأن الروح يحيا به الجسد، والقرآن تحيا به القلوب والأرواح، وتحيا به مصالح الدنيا والدين، لما فيه من الخير الكثير والعلم الغزير. وهو محض منة الله على رسوله وعباده المؤمنين، من غير سبب منهم، ولهذا قال: { مَا كُنْتَ تَدْرِي } أي: قبل نزوله عليك { مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ } أي: ليس عندك علم بأخبار الكتب السابقة، ولا إيمان وعمل بالشرائع الإلهية، بل كنت أميا لا تخط ولا تقرأ، فجاءك هذا الكتاب الذي { جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا } يستضيئون به في ظلمات الكفر والبدع، والأهواء المردية، ويعرفون به الحقائق، ويهتدون به إلى الصراط المستقيم. { وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } أي: تبينه لهم وتوضحه، وتنيره وترغبهم فيه، وتنهاهم عن ضده، وترهبهم منه، ثم فسر الصراط المستقيم فقال: { صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ } أي: الصراط الذي نصبه الله لعباده، وأخبرهم أنه موصل إليه وإلى دار كرامته، { أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ } أي: ترجع جميع أمور الخير والشر، فيجازي كُلا بحسب عمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. تم تفسير سورة الشورى، والحمد للّه أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا، على تيسيره وتسهيله.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 867 : 3 : 1 سفين عن عيسى بن مجاهد {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً} قال، الوحي شيء يقذف في قلوبهم. [الآية 51]. 868 : 4 : 2 - سفين عن عيسى عن مجاهد {أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} قال، موسى، صلى الله عليه وسلم. 869 : 5 : 3 - سفين عن عيسى عن مجاهد {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ} قال، جبريل الى محمد، صلى الله عليه وسلم، والى النبيين عليهم السلام.