Verse. 4324 (AR)

٤٢ - ٱلشُّورىٰ

42 - Ash-Shura (AR)

وَكَذٰلِكَ اَوْحَيْنَاۗ اِلَيْكَ رُوْحًا مِّنْ اَمْرِنَا۝۰ۭ مَا كُنْتَ تَدْرِيْ مَا الْكِتٰبُ وَلَا الْاِيْمَانُ وَلٰكِنْ جَعَلْنٰہُ نُوْرًا نَّہْدِيْ بِہٖ مَنْ نَّشَاۗءُ مِنْ عِبَادِنَا۝۰ۭ وَاِنَّكَ لَـــتَہْدِيْۗ اِلٰى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيْمٍ۝۵۲ۙ
Wakathalika awhayna ilayka roohan min amrina ma kunta tadree ma alkitabu wala aleemanu walakin jaAAalnahu nooran nahdee bihi man nashao min AAibadina wainnaka latahdee ila siratin mustaqeemin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وكذلك» أي مثل إيحائنا إلى غيرك من الرسل «أوحينا إليك» يا محمد «روحاً» هو القرآن به تحيا القلوب «من أمرنا» الذي نوحيه إليك «ما كنت تدري» تعرف قبل الوحي إليك «ما الكتاب» القرآن «ولا الإيمان» أي شرائعه ومعالمه والنفي معلق للفعل عن العمل وما بعده سد مسد المفعولين «ولكن جعلناه» أي الروح أو الكتاب «نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي» تدعو بالوحي إليك «إلى صراط» طريق «مستقيم» دين الإسلام.

52

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} أي وكالذي أوحينا إلى الأنبياء من قبلك أوحينا إليك {رُوحاً} أي نبوة؛ قاله ابن عباس. الحسن وقتادة: رحمة من عندنا. السُّدّي: وحْياً. الكلبي: كتاباً. الربيع: هو جبريل. الضحاك: هو القرآن. وهو قول مالك بن دينار. وسماه روحاً لأن فيه حياةً من موت الجهل. وجعله من أمره بمعنى أنزله كما شاء على من يشاء من النظم المعجز والتأليف المعجب. ويمكن أن يحمل قوله: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ} تفسير : [الإسراء: 85] على القرآن أيضاً {أية : قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}تفسير : [الإسراء: 85] أي يسألونك من أين لك هذا القرآن، قل إنه من أمر الله أنزله عليّ معجزاً؛ ذكره القُشَيْري. وكان مالك بن دينار يقول: يا أهل القرآن، ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ فإن القرآن ربيع القلوب كما أن الغيث ربيع الأرض. الثانية ـ قوله تعالى: {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ} أي لم تكن تعرف الطريق إلى الإيمان. وظاهر هذا يدل على أنه ما كان قبل الإيحاء متصفاً بالإيمان. قال القُشَيري: وهو من مجوّزات العقول، والذي صار إليه المعظم أن الله ما بعث نبياً إلا كان مؤمناً به قبل البعثة. وفيه تحكّم، إلا أن يثبت ذلك بتوقيف مقطوع به. قال القاضي أبو الفضل عياض: وأما عصمتهم من هذا الفن قبل النبوّة فللناس فيه خلاف؛ والصواب أنهم معصومون قبل النبوّة من الجهل بالله وصفاته والتشكك في شيء من ذلك. وقد تعاضدت الأخبار والآثار عن الأنبياء بتنزيههم عن هذه النقيصة منذ ولدوا؛ ونشأتهم على التوحيد والإيمان، بل على إشراق أنوار المعارف ونفحات ألطاف السعادة، ومن طالع سيرهم منذ صباهم إلى مبعثهم حقق ذلك؛ كما عُرف من حال موسى وعيسى ويحيى وسليمان وغيرهم عليهم السلام. قال الله تعالى: {أية : وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً} تفسير : [مريم: 12] قال المفسرون: أعطى يحيى العلم بكتاب الله في حال صباه. قال معمر: كان ابن سنتين أو ثلاث؛ فقال له الصبيان: لمَ لا تلعب! فقال: ألِلَّعب خُلقت! وقيل في قوله: {أية : مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 39] صدق يحيى بعيسى وهو ابن ثلاث سنين، فشهد له أنه كلمة الله وروحه. وقيل: صدقه وهو في بطن أمه؛ فكانت أمّ يحيى تقول لمريم إني أجد ما في بطني يسجد لما في بطنك تحية له. وقد نص الله على كلام عيسى لأمه عند ولادتها إياه بقوله: {أية : أَلاَّ تَحْزَنِي} تفسير : [مريم: 24] على قراءة من قرأ «مَنْ تَحْتَهَا»، وعلى قول من قال: إن المنادى عيسى ونصّ على كلامه في مهده فقال: {أية : إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً} تفسير : [مريم: 30]. وقال: {أية : فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} تفسير : [الأنبياء: 79] وقد ذكر من حُكم سليمان وهو صبي يلعب في قصة المرجومة وفي قصة الصبيّ ما اقتدى به أبوه داود. وحكى الطبري أن عمره كان حين أوتي الملك اثني عشر عاماً. وكذلك قصة موسى (عليه السلام) مع فرعون وأخذه بلحيته وهو طفل. وقال المفسرون في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ}تفسير : [الأنبياء:51]: أي هديناه صغيراً؛ قاله مجاهد وغيره. وقال ابن عطاء: اصطفاه قبل إبداء خلقه. وقال بعضهم: لما ولد إبراهيم بعث الله إليه مَلَكاً يأمره عن الله تعالى أن يعرِفه بقلبه ويذكره بلسانه فقال: قد فعلتُ؛ ولم يقل أفعل؛ فذلك رشده. وقيل: إن إلقاء إبراهيم في النار ومِحنته كانت وهو ٱبن ست عشرة سنة. وإن ٱبتلاء إسحاق بالذبح وهو ٱبن سبع سنين. وإن ٱستدلال إبراهيم بالكوكب والقمر والشمس كان وهو ٱبن خمس عشرة سنة. وقيل: أوحِي إلى يوسف وهو صبي عندما همّ إخوته بإلقائه في الجُبّ بقوله تعالى: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا}تفسير : [يوسف: 15] الآية؛ إلى غير ذلك من أخبارهم. وقد حكى أهل السِّيَر أن آمنة بنت وهب أخبرت حديث : أن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم ولد حين ولد باسطاً يديه إلى الأرض رافعاً رأسه إلى السماء، وقال في حديثه صلى الله عليه وسلم: «لما نشأت بُغِّضت إليّ الأوثان وبُغِّض إلي الشعر ولم أهُمّ بشيء مما كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين فعصمني الله منهما ثم لم أعد»تفسير : . ثم يتمكن الأمر لهم، وتترادف نفحات الله تعالى عليهم، وتشرق أنوار المعارف في قلوبهم حتى يصلوا الغاية ويبلغوا باصطفاء الله تعالى لهم بالنبوّة في تحصيل الخصال الشريفة النهايةَ دون ممارسة ولا رياضة. قال الله تعالى: {أية : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً} تفسير : [القصص: 14]. قال القاضي: ولم ينقل أحد من أهل الأخبار أن أحداً نُبِّىء وٱصْطُفِي ممن عرف بكفر وإشراك قبل ذلك. ومستند هذا الباب النقل. وقد ٱستدل بعضهم بأن القلوب تنفر عمن كانت هذه سبيله. قال القاضي: وأنا أقول إن قريشاً قد رمت نبينا عليه السلام بكل ما ٱفترته، وعيّر كفار الأمم أنبياءها بكل ما أمكنها وٱختلقته، مما نص الله عليه أو نقلته إلينا الرواة، ولم نجد في شيء من ذلك تعييراً لواحد منهم برفضه آلهتهم وتقريعه بذمه بترك ما كان قد جامعهم عليه. ولو كان هذا لكانوا بذلك مبادرين، وبتلونه في معبوده محتجين، ولكان توبيخهم له بنهيهم عما كان يعبد قبلُ أفظع وأقطع في الحجة من توبيخه بنهيهم عن تركه آلهتهم وما كان يعبد آباؤهم من قبل؛ ففي إطباقهم على الإعراض عنه دليل على أنهم لم يجدوا سبيلاً إليه؛ إذ لو كان لنُقل وما سكتوا عنه كما لم يسكتوا عن تحويل القبلة وقالوا: {أية : مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا}تفسير : [البقرة: 142] كما حكاه الله عنهم. الثالثة ـ وتكلم العلماء في نبينا صلى الله عليه وسلم؛ هل كان مُتَعَبِّداً بدين قبل الوَحْي أم لا؛ فمنهم من منع ذلك مطلقاً وأحاله عقلاً. قالوا: لأنه يبعد أن يكون متبوعاً من عُرف تابعاً، وبَنَوْا هذا على التحسين والتقبيح. وقالت فرقة أخرى: بالوقف في أمره عليه السلام وترك قطع الحكم عليه بشيء في ذلك، إذ لم يُحِل الوجهين منهما العقل ولا ٱستبان عندها في أحدهما طريق النقل، وهذا مذهب أبي المعالي. وقالت فرقة ثالثة: إنه كان متعبداً بشرع من قبله وعاملاً به؛ ثم ٱختلف هؤلاء في التعيين، فذهبت طائفة إلى أنه كان على دين عيسى فإنه ناسخ لجميع الأديان والملل قبلها؛ فلا يجوز أن يكون النبي على دين منسوخ. وذهبت طائفة إلى أنه كان على دين إبراهيم لأنه من ولده وهو أبو الأنبياء. وذهبت طائفة إلى أنه كان على دين موسى؛ لأنه أقدم الأديان. وذهبت المعتزلة إلى أنه لا بد أن يكون على دينٍ ولكن عين الدين غير معلومة عندنا. وقد أبطل هذه الأقوال كلها أئمتنا؛ إذ هي أقوال متعارضة وليس فيها دلالة قاطعة، وإن كان العقل يجوّز ذلك كلّه. والذي يُقطع به أنه عليه السلام لم يكن منسوباً إلى واحد من الأنبياء نسبة تقتضي أن يكون واحداً من أمته ومخاطَباً بكل شريعته؛ بل شريعته مستقِلة بنفسها مفتتحة من عند الله الحاكم جلّ وعز وأنه صلى الله عليه وسلم كان مؤمناً بالله عز وجل، ولا سجد لصنم، ولا أشرك بالله، ولا زنى ولا شرب الخمر، ولا شهد السامر ولا حضر حِلف المطر ولا حلْفَ المطيبِين؛ بل نزهه الله وصانه عن ذلك. فإن قيل: فقد روى عثمان بن أبي شيبة حديثاً بسنده عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يشهد مع المشركين مشاهدهم، فسمع مَلَكين خلفه أحدهما يقول لصاحبه: ٱذهب حتى تقوم خلفه، فقال الآخر: كيف أقوم خلفه وعهده باستلام الأصنام فلم يشهدهم بعد؟ فالجواب أن هذا حديث أنكره الإمام أحمد بن حنبل جدّاً وقال: هذا موضوع أو شبيه بالموضوع. وقال الدَّارَقُطْني: إن عثمان وَهِمَ في إسناده، والحديث بالجملة منكر غير متفق على إسناده فلا يلتفت إليه، والمعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه عند أهل العلم من قوله: «حديث : بُغِّضت إليّ الأصنام»تفسير : وقوله حديث : في قصة بحِيرا حين استحلف النبيّ صلى الله عليه وسلم باللاّت والعزّى إذ لَقِيَه بالشام في سَفْرتِه مع عمه أبي طالب وهو صبي، ورأى فيه علامات النبوّة فاختبره بذلك؛ فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لا تسألني بهما فواللّهِ ما أبغضت شيئاً قطُّ بُغْضَهُمَا» فقال له بَحيرا: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فقال: «سل عما بدا لك»تفسير : . وكذلك المعروف من سيرته عليه السلام وتوفيقِ الله إياه له أنه كان قبل نبوّته يخالف المشركين في وقوفهم بمزدلفة في الحج، وكان يقف هو بعرفة، لأنه كان موقف إبراهيم عليه السلام. فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {أية : قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ}تفسير : [البقرة: 135] وقال: {أية : أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [النحل: 123] وقال: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ}تفسير : [الشورى: 13] الآية. وهذا يقتضي أن يكون متعبداً بشرع. فالجواب أن ذلك فيما لا تختلف فيه الشرائع من التوحيد وإقامة الدّين؛ على ما تقدّم بيانه في غير موضع وفي هذه السورة عند قوله: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ} والحمد لله. الرابعة ـ إذا تقرّر هذا فاعلم أن العلماء اختلفوا في تأويل قوله تعالى: {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ}. فقال جماعة: معنى الإيمان في هذه الآية شرائع الإيمان ومعالمه؛ ذكره الثعلبي. وقيل: تفاصيل هذا الشرع؛ أي كنت غافلاً عن هذه التفاصيل. ويجوز إطلاق لفظ الإيمان على تفاصيل الشرع؛ ذكره القشيري. وقيل: ما كنت تدري قبل الوحي أن تقرأ القرآن، ولا كيف تدعو الخلق إلى الإيمان؛ ونحوه عن أبي العالية. وقال بكر القاضي: ولا الإيمان الذي هو الفرائض والأحكام. قال: وكان قبل مؤمناً بتوحيده ثم نزلت الفرائض التي لم يكن يدريها قبل؛ فزاد بالتكليف إيماناً. وهذه الأقوال الأربعة متقاربة. وقال ابن خزيمة: عنى بالإيمان الصلاة؛ لقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}تفسير : [البقرة: 143] أي صلاتكم إلى بيت المقدس؛ فيكون اللفظ عاماً والمراد الخصوص. وقال الحسين بن الفضل: أي ما كنت تدري ما الكتاب ولا أهل الإيمان. وهو من باب حذف المضاف؛ أي مَن الذي يؤمن؟ أبو طالب أو العباس أو غيرهما. وقيل: ما كنت تدري شيئاً إذ كنت في المهد وقبل البلوغ. وحكى الماوردي نحوه عن عليّ بن عيسى قال: ما كنت تدري ما الكتاب لولا الرسالة، ولا الإيمان لولا البلوغ. وقيل: ما كنت تدري ما الكتاب لولا إنعامنا عليك، ولا الإيمان لولا هدايتنا لك، وهو محتمل. وفي هذا الإيمان وجهان: أحدهما أنه الإيمان بالله، وهذا يعرِفه بعد بلوغه وقبل نبوته. والثاني ـ أنه دين الإسلام، وهذا لا يعرفه إلا بعد النبوّة. قلت: إنه صلى الله عليه وسلم كان مؤمناً بالله عز وجل من حين نشأ إلى حين بلوغه؛ على ما تقدّم. وقيل: «مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ» أي كنت من قوم أُمِّيين لا يعرفون الكتاب ولا الإيمان، حتى تكون قد أخذت ما جئتهم به عمن كان يعلم ذلك منهم؛ وهو كقوله تعالى: {أية : وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ }تفسير : [العنكبوت: 48] روي معناه عن ابن عباس رضي الله عنهما. {وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ} قال ابن عباس والضحاك: يعني الإيمان. السدي: القرآن وقيل الوحي؛ أي جعلنا هذا الوحي {نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ} أي من نختاره للنبوّة؛ كقوله تعالى: {أية : يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ} تفسير : [آل عمران: 74]. ووحّد الكناية لأن الفعل في كثرة أسمائه بمنزلة الفعل في الاسم الواحد؛ ألا ترى أنك تقول: إقبالك وإدبارك يعجبني؛ فتوحّد، وهما اثنان. {وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ} أي تدعو وترشد {إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} دين قويم لا اعوجاج فيه. وقال عليّ: إلى كتاب مستقيم. وقرأ عاصم الجحدرِي وحَوْشب «وَإِنَّكَ لَتُهْدى» غير مسمى الفاعل؛ أي لتُدْعَى. الباقون «لتهدي» مسمى الفاعل. وفي قراءة أبي «وَإِنَّكَ لَتدْعُو». قال النحاس: وهذا لا يقرأ به؛ لأنه مخالف للسواد، وإنما يحمل ما كان مثله على أنه من قائله على جهة التفسير؛ كما قال: «وَإنَّكَ لَتَهْدِي» أي لتدعو. وروى معمر عن قتادة في قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} قال: {أية : وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} تفسير : [الرعد: 7]. {صِرَاطِ ٱللَّهِ} بدل من الأوّل بدل المعرفة من النكرة. قال عليّ: هو القرآن. وقيل الإسلام. ورواه النوّاس بن سمعان عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. {ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} ملكاً وعبداً وخلقاً. {أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ} وعيد بالبعث والجزاء. قال سهل بن أبي الجعد: احترق مصحف فلم يبقَ إلا قوله: {أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ} وغرق مصحف فٱمّحَى كله إلا قوله: {أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ}. والحمد لله وحده.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ } أي مثل إيحائنا إلى غيرك من الرسل {أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } يا محمد {رُوحاً } هو القرآن به تحيا القلوب {مِنْ أَمْرِنَا } الذي نوحيه إليك {مَا كُنتَ تَدْرِى } تعرف قبل الوحي إليك {مَا ٱلْكِتَٰبُ } القرآن {وَلاَ ٱلإِيمَٰنُ } أي شرائعه ومعالمه والنفي معلق للفعل عن العمل وما بعده سد مسدّ المفعولين {وَلَٰكِن جَعَلْنَٰهُ } أي الروح أو الكتاب {نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِى } تدعو بالوحي إليك {إِلَىٰ صِرٰطِ } طريق {مُّسْتَقِيمٍ } دين الإِسلام.

ابن عبد السلام

تفسير : {رُوحاً} رحمة، أو نبوة، أو قرآناً {مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ} لولا الرسالة ولا الإيمان لولا البلوغ {وَلا الإِيمَانُ} بالله وهذا يعرفه بعد البلوغ وقبل النبوة، أو الإسلام وهذا لا يعرفه إلا بعد النبوة {نُوراً} القرآن، أو الإيمان {صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} الإسلام، أو طريق مستقيم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا...} الآية، المعنى: وبهذه الطرق، ومن هذا الجنس أوحينا إليك، أي: بالرسول، و«الرُّوحُ» في هذه الآية: القرآن آن وهدى الشريعة، سَمَّاه رُوحاً من حيث يُحْيي به البَشَرَ والعَالَم؛ كَما يُحْيِي الجسدَ بالروح، فهذا على جهة التشبيه. وقوله تعالى: {مِّنْ أَمْرِنَا} أي: واحد من أُمورنا، ويحتمل أَنْ يكون الأمر بمعنى الكلام، {وَمِنْ} لابتداء الغاية. وقوله تعالى: {مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلاَ ٱلإِيمَـٰنُ} توقيفٌ علَىٰ مِقْدَارِ النعمةِ، والضميرُ في {جَعَلْنَـٰهُ } عائدٌ على الكتابِ، و{نَّهْدِى} بمعنى: نُرْشِدُ، وقرأ جمهور الناس: «وإنَّكَ لَتَهْدِي» ـــ بفتح التاء وكسر الدال ـــ، وقرأ حَوْشَبٌ: «لَتُهْدَىٰ» ـــ بضم التاء وفتح الدال ـــ، وقرأ عاصم: «لَتُهْدِي» ـــ بضم التاء وكسر الدال ـــ. وقوله: {صِرٰطِ ٱللَّهِ} يعني: صراط شرع اللَّه، ثم استفتح سبحانه القَوْلَ في الإخبار بصيرورة الأمور إليه سبحانه؛ مبالغةً وتحقيقاً وتثبيتاً، فقال: {أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلاْمُورُ} قال الشيخُ العارفُ باللَّه أبو الحسن الشاذليُّ رحمه اللَّه: إنْ أردتَ أَنْ تغلب الشَّرَّ كُلَّه، وتلحق الخيرَ كُلَّه، ولا يَسْبِقَكَ سَابِق، وإنْ عمل ما عمل ـــ فقل: يا مَنْ له الخَيْرُ كُلُّهُ، أسألك الخيرَ كُلَّه، وأعوذ بك من الشَّرِّ كُلِّه، فإنَّك أنت اللَّه الغَنِيُّ الغفُورُ الرَّحِيم، أَسْأَلُكَ بالهادِي محمد صلى الله عليه وسلم إلَىٰ صراطٍ مستقيمٍ، صراطِ اللَّهِ الذي له ما في السَّمٰوَاتِ وما في الأرض، أَلاَ إلى اللَّه تصيرُ الأمور، اللَّهُمَّ، إنِّي أَسْأَلُكَ مَغْفِرَةً تَشْرَحُ بها صَدْرِي، وتَضَعُ بها وِزْرِي، وترفعُ بها ذِكْرِي، وتُيَسِّرَ بها أمري، وتُنَزِّهَ بها فكري، وتُقَدِّسَ بها سِرِّي، وتكشفَ بها ضُرِّي، وترفَعَ بها قَدْرِي؛ إنَّك على كُلِّ شَيْءٍ قدير، اهـــ. * قلت *: قوله تعالى: {مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ}: هذا بَيِّنٌ، وقوله: {وَلاَ ٱلإِيمَـٰنُ}: فيه تأويلات: قيل معناه: ولا شرائع الإيمان ومعالمَه؛ قال أبو العالية: يعني: الدعوةَ إلى الإيمان، وقال الحسين بن الفَضْل: يعني أهل الإيمان، مَنْ يؤمن ومَنْ لا يؤمن، وقال ابن خُزَيْمَةَ: الإيمان هنا الصلاة؛ دليله: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ } تفسير : [البقرة:143] قال ابن أبي الجَعْدِ وغيره: احترق مُصْحَفٌ فلم يبقَ منه إلاَّ: {أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ} وغَرِقَ مصحفٌ فامحى كُلُّه إلاَّ قولَه: {أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ} نقله الثعلبيُّ وغيره، انتهى. قال العبد الفقير إلى اللَّه تعالى، عبدُ الرحمن بْنُ محمَّدِ بنِ مَخْلُوفٍ الثَّعَالِبيُّ، لَطَفَ اللَّه به في الدَّارَيْنِ: قد يَسَّر اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في تحرير هذا المختَصَر، وقد أودعتُهُ بحمد اللَّه جزيلاً من الدُّرُر، قد استوعبتُ فيه بحمد اللَّه مُهِمَّاتِ ابْنِ عطيَّةَ، وزدته فوائدَ جليلةً من غيره، وليس الخَبَرُ كالْعِيَانِ، تَوَخَّيْتُ فيه بحمد اللَّه الصَّوَاب؛ وجعلته ذخيرةً عند اللَّه لِيَوْمِ المآبِ، لا يَسْتَغْنِي عنه المُنْتَهِي؛ وفيه كفايةٌ للْمُبَتِدي، يستغني به عن المُطَوَّلاَت؛ إذْ قد حَصَّل منها لُبَابَهَا؛ وكَشَفَ عن الحقائقِ حِجَابَهَا. التَّعْرِيفُ بِرِحْلَةِ المُؤَلِّف رحلْتُ في طَلَبِ العِلْمِ في أواخر القَرْنِ الثَّامِنِ، ودخلْتُ بِجَايَةَ في أوائل القرن التاسع، فلقيتُ بها الأَئمةَ المُقْتَدَىٰ بهم، أَصحابَ سيِّدِي عبد الرحمنِ الوغليسيِّ متوافرِين، فحضَرْتُ مجالسَهُمْ، وكانَتْ عُمْدَةُ قراءتي بها على سيدي [علي بن] عثمان المَانْجِلاَتِيِّ ـــ رحمه اللَّه ـــ بمَسْجِدِ عَيْنِ البَرْبَرِ، ثم ارتحلْتُ إلى تُونُسَ، فلقيت بها سيدي عيسى الغبريني والأُبِّيَّ، والبرزليَّ، وغيرهم، وأخذْتُ عنهم، ثم ارتحلْتُ إلى المشرق، فلقيتُ بِمِصْرَ الشيْخَ وَلِيَّ الدِّينِ العِرَاقِي، فأخذْتُ عنه علوماً جَمَّةً مُعْظَمُهَا عِلْمُ الحديث، وفتح اللَّه لي فيه فتحاً عظيماً، وكتب لي وأَجَازَنِي جميعَ ما حضَرْتُهُ عليه، وأطلق في غيره، ثم لقيتُ بمَكَّةَ بعض المحدِّثين، ثم رجعتُ إلى الديار المصرية وإلى تُونُسَ، وشاركْتُ مَنْ بها، ولقيت بها شيخَنَا أبا عبد اللَّه محمَّدَ بْنَ مَرْزُوقٍ قادماً لإرادة الحَجِّ، فأخذتُ عنه كثيراً، وأجازني [التدريسَ] في أنواع الفُنُونِ الإسلاميَّةِ، وحَرَّضَنِي على إتمام تقييدٍ وضعتُه على ابن الحاجِبِ الفرعيِّ. قلت: ولما فرغْتُ من تحرير هذا المختَصَرِ وافَقَ قدومَ شيخِنَا أبي عبد اللَّهِ محمد بن مرزوقٍ علينا في سَفْرَةٍ سافرها من تِلْمِسَانَ متوجِّهاً إلى تُونُسَ، ليصلح بَيْنَ سلطانها وبين صَاحِبِ تِلْمِسَانَ، فأوقفته على هذا الكتاب، فنظر فيه وأمعن النظر، فَسُرَّ به سروراً كثيراً ودعا لنا بخير، واللَّه الموفِّق بفَضْلِه.

البقاعي

تفسير : ولما كان الوحي روحاً مدبراً للروح كما أن الروح مدبر للبدن، صرح به فقال: {وكذلك} أي ومثل ما أخبرناك بالكيفيات التي نوحيها إلى عبادنا {أوحينا إليك} صارفاً القول إلى مظهر العظمة تعظيماً لما أوحى إليه وأفاض من نعمه عليه على جميع تلك الأقسام، فالتفت في الروع مذكوراً غير منكور، والسماع من دون الحجاب أصلاً منقول في الإخبار عن ليلة المعراج ومعقول في السماع من وراء الحجاب أيضاً ذكر فيها في قوله: "أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي" والوحي بواسطة الملك كثيراً جداً، وأعظم الوحي وشرفه بقوله منكراً له تعظيماً لما عنده من الروح الأمري بإفادة أن هذا الكتاب الذي أبكم الفصحاء وأعجز البلغاء وحير الألباب من الحكماء شعبة منه وذرة بارزة عنه، ويمكن أن يكون تنكير تعظيم وإجلال وتكريم {روحاً} أي من خالطه صار قلبه حياً ومن عري عنه كان قلبه ميتاً. وزاد عظمه بقوله: {من أمرنا} أي بجعله من قسم الأمر وإظهاره في مظهر العظمة فيا له من علو يتضاءل دونه كل شامخ ويتحاقر إكباراً له كل مادح، والمراد بهذا رد ما تقدم من نسبتهم له صلى الله عليه وسلم إلى الإفتراء لأنه تعالى لم يختم على قلبه بل فتحه بيد القدرة وأحياه بروح الوحي فأنطقه بالحكم التي خضعت لها الحكماء، وأقرت بالعجز عن إدانتها ألباب العلماء، ودل على ذلك بقوله، نافياً مبيناً حاله صلى الله عليه وسلم قبل هذا الوحي: {ما كنت} أي فيما قبل الأربعين التي مضت لك وأنت بين ظهراني قومك مساوياً لهم في كونك لا تعلم شيئاً ولا تتفوه بشيء من ذلك وهو معنى {تدري} وعبر بأداة الاستفهام إشارة إلى أن ما بعدها مما يجب الاهتمام به والسؤال عنه، وعلق بجملة الاستفهام الدراية عن العمل وسدت مسد مفعولي الدراية {ما الكتاب} أي ما كان في جبلتك أن تعلم ذلك بأدنى أنواع العلم بمجادلة ولا غيرها {ولا الإيمان} أي بتفصيل الشرائع على ما حددناه لك بما أوحيناه إليك، وهو صلى الله عليه وسلم وإن كان قبل النبوة مقراً بوحدانية الله تعالى وعظمته لكنه لم يكن يعلم الرسل على ما هم عليه، ولا شك أن الشهادة له نفسه صلى الله عليه وسلم بالرسالة ركن الإيمان ولم يكن له علم بذلك، وكذا الملائكة واليوم الآخر فيصح نفي المنفي لفواته بفوات جزئه. ولما كان المعنى: ولكن نحن أدريناك بذلك كله، عبر عنه إعلاماً بأن الخلق كانوا في ظلام لكونهم كانوا يفعلون بوضع الأشياء في غير مواضعها فعل من يمشي في الظلام بقوله: {ولكن جعلناه} أي الروح الذي هو الكتاب المنزل منا إليك المعلم بالإيمان وكل عرفان بما لنا من العظمة {نوراً نهدي} على عظمتنا {به من نشاء} خاصة لا يقدر أحد على هدايته بغير مشيئتنا {من عبادنا} بخلق الهداية في قلبه، قال ابن برجان: فمن رزقه الفرقان الذي يفرق بين المتشابهات والنور الذي يمشي به في الظلمات، فذلك الذي أبصر شعاع النور وشاهد الضياء المبثوث في العالم المفطور، وعلى قدر إقباله عليه والتفرغ عن كل شاغل عنه يكون قبوله له وهدايته به، وقال الأصبهاني في سورة النور: هو الكيفية الفائضة من الشمس والقمر والنار مثلاً على الأرض والجدار وغيرهما، يقال: استنارت الأرض، وقال حجة الإسلام الغزالي رضي الله عنه: ومن المعلوم أن هذه الكيفية إنما اختصت بالفضيلة والشرف لأن المرئيات تصير بسببها ظاهرة, ثم من المعلوم أنه كما يتوقف إدراك هذه المرئيات على كونها مستنيرة فكذلك يتوقف على وجود اليعن الباصرة وهي المدركة وبها الإدراك، فكان وصف الإظهار بالنور الباصر أحق بالنور المبصر فلا جرم أطلقوا اسم النور على نور العين المبصرة فقالوا في الخفاش: إن نور عينيه ضعيف، وفي الأعمى أنه فقد نور البصر، إذا ثبت هذا فنقول: للإنسان بصر وبصيرة، فالبصر هو العين الظاهرة المدركة للأضواء والألوان, والبصيرة هي القوة العاقلة, وكل واحد من الإدراكين يقتضي نوراً، ونور العقل أقوى وأشد من نور العين، لأن القوة الباصرة لا تدرك نفسها ولا إدراكها ولا آلاتها، والقوة العاقلة تدرك نفسها، وإدراكها وآلتها فنور العقل اكمل من نور البصر، والقوة العاقلة تدرك الكليات والقوة الباصرة لا تدركها، وإدراك الكليات أشرف لانه لا يتغير بخلاف الجزئيات، وإدراك العقل منتج وإدراك الجزئي غير منتج، والقوة الباصرة لا تدرك إلا السطح الظاهر من الجسم واللون القائم بذلك السطح بشرط الضوء, فإذا أدركت الإنسان لم تدرك منه إلا السطح الظاهر من جسمه واللون القائم به, والقوة العاقلة تدرك ظاهر الأشياء وباطنها فان الباطن والظاهر بالنسبة إليها على السواء, فكانت القوة العاقلة نوراً بالنسبة إلى الظاهر والباطن، والقوة الباصرة ظلمة بالنسبة إلى الباطن، ومدرك القوة العاقلة هو الله وصفاته وأفعاله، ومدرك القوة هو الألوان والأشكال فيكون نسبة شرف القوة العاقلة إلى شرف القوة الباصرة كنسبة شرف ذات الله إلى شرف الألوان والأشكال، والقوة الباصرة كالخادم والقوة العاقلة كالأمير، والأمير أشرف من الخادم، والقوة الباصرة قد تغلط والقوة العاقلة لا تغلط، فثبت أن الإدراك العقلي أكمل وأقوى وأشرف من الإدراك البصري، وكل واحد من الإدراكين يقتضي الظهور الذي هو أشرف خواص النور، فكان الإدراك العقلي أولى بكونه نوراً، والإدراك العقلي قسمان: أحدهما واجب الحصول عند سلامة القوى والآلات وهي التعقلات الفطرية، والثاني ما يكون مكتسباً، وهي التعقلات النظرية، ولا يكون من لوازم جوهر الإنسان لأنه حال الطفولية لم يكن عالماً البتة، فهذه الأنوار إنما حصلت بعد أن لم تكن فلا بد لها من سبب، والفطرة الإنسانية قد يعتريها الزيغ فلا بد من هاد ومرشد، ولا مرشد فوق كلام الله وأنبيائه، فتكون منزلة آيات القرآن عند عين العقل منزلة نور الشمس كما يسمى نور الشمس نوراً فنور القرآن يشبه نور الشمس, ونور العقل يشبه نور العين، وبهذا يظهر معنى قوله تعالى: {أية : فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا}تفسير : [التغابن: 8] {قد جاءكم برهان من ربكم} {أية : وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً} تفسير : [النساء: 74] وإذا ثبت أن بيان الرسول صلى الله عليه وسلم أقوى من نور الشمس وجب أن تكون نفسه القدسية أعظم في النورانية من الشمس كما أن الشمس في عالم الأجسام تفيد النور لغيرها ولا تستفيد من غيرها, فكذا نفس النبي صلى الله عليه وسلم تفيد الأنوار العقلية لسائر النفوس البشرية ولا تستفيد النور العقلي من شيء من النفوس البشرية، فلذلك وصف الله الشمس بأنها سراج، ووصف محمداً صلى الله عليه وسلم بأنه سراج، ثم قال: ولمراتب الأنوار في عالم الأرواح مثال، وهو أن ضوء الشمس إذا وصل إلى القمر ثم دخل في كوة بيت ووقع على مرآة منصوبة على حائط ثم انعكس منه إلى طشت مملوء ماء موضوع على الأرض ثم انعكس منه إلى سقف البيت, فالنور الأعظم في الشمس التي هي المعدن، وثانيها في القمر، وثالثها في المرآة، ورابعها في الماء، وخامسها في السقف، وكل ما كان أقرب إلى المعدن كان أقوى, فكذا الأنوار السماوية لما كانت مترتبة لا جرم كان النور المفيد أشد إشراقاً، ثم تلك الأنوار لا تزال مترتبة حتى تنتهي إلى النور الأعظم والروح الذي هو أعظم الأرواح منزلة عند الله الذي هو المراد بقوله {أية : يوم يقوم الروح والملائكة صفاً}تفسير : [النبأ: 38] ثم نقول: إن هذه الأنوار الحسية سفلية كانت كأنوار النيران أو علوية كأنوار فإنها ممكنة لذواتها والممكن لذاته لا يستحق الوجود لذاته بل وجوده من غيره، والعدم هو الظلمة والوجود هو النور، فكل ما سوى الله مظلم لذاته مستنير بإنارة الله تعالى، وكذا جميع معارفها وجودها حاصل من وجود الله تعالى فإن الحق سبحانه هو الذي أظهرها بالوجود بعد أن كانت في ظلمات العدم، وأفاض عليها أنوار المعارف بعد أن كانت في ظلمات الجهالة، فلا ظهور لشيء من الأشياء إلا بإظهاره، وخاصة النور إعطاء الإظهار والتجلي والانكشاف، وعند هذا يظهر أن النور المطلق هو الله سبحانه وإن إطلاق النور على غيره مجاز، وكل ما سوى الله من حيث هو هو ظلمة محضة لأنه من حيث أنه ممكن عدم محض بل الأنوار إذا نظر إليها من حيث هي هي فهي ظلمات لأنها من حيث هي هي ممكنات، والممكن من حيث هو هو معدوم، والمعدوم مظلم، فالنور إذا نظر من حيث هو ممكن مظلم، فأما إذا التفت إليها من حيث أن الحق سبحانه أفاض عليها نور الوجود بهذا الاعتبار صارت أنواراً, فثبت أنه سبحانه هو النور وأن كل ما سواه ليس بنور، وأضاف النور إلى الخافقين في قوله {نور السماوات والأرض} لأنهما مشحونتان بالأنوار العقلية والأنوار الحسية، أما الحسية فما نشاهده في السماوات من الكواكب وغيرها، وفي الأرض من الأشعة المنبسطة على سطوح الأجسام حتى ظهرت بها الألوان المختلفة، ولولاها لما كان للألوان ظهور بل وجود، وأما الأنوار العقلية فالعالم الأعلى مشحون بها وهي جواهر الملائكة، والعالم الأدنى مشحون بها وهي القوى النباتية والحيوانية والإنسانية، وبالنور الإنساني السفلي ظهر نظام العالم الأسفل كما أنه بالنور الملكي ظهر نظام العالم العلوي, وإذا عرفت هذا عرفت أن العالم بأسره مشحون بالأنوار البصرية الظاهرة والعقلية الباطنة، ثم عرفت أن السفلية فائضة بعضها من بعض فيضان النور من السراج, والسراج هو الروح النبوي, ثم إن الأنوار القدسية مقتبسة من الأنوار العلوية اقتباس السراج من النور, وإن العلويات مقتبسة بعضها من بعض وإن بينها ترتيباً في الغايات، ثم ترتقي جملتها إلى نور الأنوار ومعدنها ومنبعها الأول، وذلك هو الله وحده لا شريك له، فإذا الكل نوره، ثم قال: قال الإمام الغزالي: قد تبين أن القوى المدركة أنوار. ومراتب القوة المدركة الإنسانية خمسة، أحدهما القوة الحساسة وهي التي تتلقى ما تورده الحواس الخمس، وكأنها أصل الروح الحيواني إذ بها يصير الحيوان حيواناً، وهي موجودة للصبي والرضيع, وثانيها القوة الخيالية وهي التي تسبب ما أوردته الحواس وتحفظه مخزوناً عندها لتعرضه عن القوة العقلية عند الحاجة إليه، وثالثها القوة العقلية المدركة للحقائق الكلية، ورابعها القوة الفكرية وهي التي تأخذ المعارف العقلية فتؤلفها تأليفاً تستنتج منه علماً بالمجهول، وخامسها القوة القدسية التي يختص بها الأنبياء وبعض الأولياء، وتنجلي فيها لوائح الغيب وأسرار الملكوت، وإليه إشار قوله {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا} الآية، وإذا عرفت هذه القوى فهي بجملتها أنوار إذ بها تظهر أصناف الموجودات، وهذه المراتب الخمس يمكن تشبيهها بالأمور الخمسة التي ذكرها الله في المشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت، أما الروح الحساس فإذا نظرت إلى خاصته وجدت أنواره خارجة من ثقب كالعينين والأذنين والمنخرين، فأرفق مثال له من عالم الأجسام المشكاة، وأما الثاني وهو الروح الخيالي فله خواص ثلاثة: الأول أنه من طينة العالم السفلي الكثيف لأن الشيء المتخيل ذو شكل وحيز، ومن شأن العلائق الجسمانية أن تحجب عن الأنوار العقلية المحضة، والثاني أن هذا الخيال الكثيف إذا صفا ورق صار موازناً للمعارف العقلية ومؤدياً لأنوارها، ولذلك يستدل المعبر بالصور الخيالية على المعاني العقلية كما يستدل بالشمس على الملك، وبالقمر على الوزير، وبختم فروج الناس وأفواهم على الأذان قبل الصبح، والثالث أن الخيال في البداية محتاج إليه لتضبط به المعارف العقلية ولا تضطرب، وأنت لا تجد شيئاً في الأجسام يشبه الخيال في هذه الصفات إلا الزجاجة فإنها في الأصل من جوهر كثيف ولكن صفا ورق حتى صار لا يحجب نور المصباح بل يؤديه على وجهه ثم يحفظه من الانطفاء بالزجاج، وأما الثالث وهو القوة العقلية القوية على إدراك الماهيات الكلية والمعارف الإلهية فلا يخفى عليك وجه تمثيله بالمصباح، وأما الرابع وهو القوة الفكرية فمن خاصيتها أنها تأخذ ماهية واحدة ثم تقسمها إلى قسمين كقولنا: الموجود إما واجب وإما ممكن، ثم تجعل كل قسم قسمين، وهكذا إلى أن تنتهي إلى ما لا يقبل القسمة، ثم تنتهي بالآخرة إلى نتائج هي ثمرتها، فبالحري أن يكون مثاله من هذا العالم الشجرة, وإذا كانت ثمارها مادة لتزايد أنوار المعارف وبيانها فبالحري أن لا تمثل بشجرة السفرجل والتفاح بل بشجرة الزيتون خاصة لأن لب ثمرتها هو الزيت الذي هو مادة المصابيح, وله من بين سائر الأدهان خاصة زيادة الإشراق وقلة الدخان، وإذا كانت الماشية التب يكثر درها ونسلها والشجرة التي تكثر ثمرتها تسمى مباركة فالتي لا نهاية لمنفعتها وثمرتها أولى أن تسمى شجرة مباركة، وإذا كانت شعب الأفكار العقلية المحضة مجردة عن لواحق الأجسام، فبالحري أن لا تكون شرقية ولا غربية، وأما الخامس وهو القوة القدسية النبوية فهي في نهاية الشرف والصفاء، فإن القوة الفكرية تنقسم إلى ما تحتاج إلى تعليم وإلى ما لا يحتاج إليه، ولا بد من وجود هذا القسم دفعاً للتسلسل فبالحري أن يعبر عن هذا القسم لكماله وصفاته بأنه يكاد زيته يضيء ولو لم تمسه نار، فهذا المثال موافق لهذه الأقسام، وهذه الأنوار مرتبة بعضها على بعض، فالحس هو الأول وهو كالمقدمة للخيال، والخيال كالمقدمة للعقل - انتهى كلام الغزالي رحمه الله تعالى عن نقل الأصفهاني في تفسيره عنه - والله أعلم. ولما كان المعنى بناء على ما تقدم من صفة الروح الإلهي: فهديناك به، عطف عليه قوله تعالى: {وإنك لتهدي} أي تبين وترشد، وأكده لإنكارهم ذلك {إلى صراط} أي طريق واضح جداً، وإن عانيت في البيان مشقة بنفسك وبالوسائط بما أفادته التعدية بـ "إلى" فيفهم من ذلك أنه يهدي للصراط بدون ذلك من العناية لمن يسر الله أمره ويهدي الصراط لمن هو أعظم توفيقاً من ذلك {مستقيم} أي شديد التقوم لأنه كأنه يريد أن يقوم نفسه فهو بعد وجود تقومه حافظ لها من أدنى خلل، وهو كل ما دعا إليه من خصال هذا الدين الحنيف الذي هو ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ثم أبدل منه تعظيماً لشأنه قوله بدل كل من كل معرفة من نكرة لافتاً القول من مظهر العظمة إلى أعظم منه, إشارة إلى جلالة هذا الصراط بما فيه من مجامع الرحمة والنقمة ترغيباً وترهيباً: {صراط الله} أي الملك الأعظم الجامع لصفات الكمال، ثم وصفه بأنه مالك لما افتتح هذا الكلام بأن له ملكه فقال: {الذي له} ملك {ما في السماوات} أي هو جميع السماوات التي هي في عرشه والأرض لأنها في السماوات وما في ذلك من المعاني والأعيان {وما في الأرض}. ولما أخبر سبحانه أنه المخترع لجميع الأشياء والمالك لعالمي الغيب والشهادة والخلق والأمر وأنه المتفرد بالعظمة كلها، وكان مركوزاً في العقول مغروزاً في الفطر أن من ابتدأ شيئاً وليس له كفوء قادر على إعادته وأن يكون مرجع أمره كله إليه، فلذلك كانت نتيجة جميع ما مضى على سبيل المناداة على المنكرين لذلك وعداً ووعيداً لأهل الطاعة والمعصية بناء على ما تقديره: كيف يكون له ما ذكر على سبيل الدوام ونحن نرى لغيره أشياء كثيرة تضاف إليه ويوقف تصريفها والتصرف فيها عليه: {ألا إلى الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال الذي تعالى عن مثل أو مدان وهو الكبير المتعالي، لا إلى أحد غيره {تصير} أي على الدوام وإن كانت في الظاهر في ملك غيره بحيث يظن الجاهل أن ملكها مستقر له، قال أبو حيان: أخبر بالمضارع والمراد به الديمومة كقوله: زيد يعطي ويمنع أي من شأنه ذلك ولا يراد به حقيقة المستقبل: {الأمور} أي كلها من الخلق والأمر معنىً وحساً خفياً في الدنيا بما نصب من الحكام وجعل بين الناس من الأسباب، وجلياً فيما وراءها حيث قطع ذلك جميعه وحده العزيز الحكيم العلي العظيم، فقد رجع آخر السورة على أولها، وانعطف مفصلها على موصلها، واتصل من حيث كونه في الوحي الهادي في أول الزخرف على أتم عادة لهذا الكتاب المنير من اتصال الخواتم فيه بالبوادي والروائح بالغوادي - والله أعلم بالصواب.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا‏}‏ قال‏:‏ القرآن‏. وأخرج أبو نعيم في الدلائل وابن عساكر، عن علي رضي الله عنه، قال‏:‏‏ حديث : قيل للنبي صلى الله عليه وسلم‏: هل عبدت وثناً قط‏؟‏ ‏‏قال‏: لا قالوا‏:‏ فهل شربت خمراً قط‏؟‏ قال‏:‏ لا وما زلت أعرف الذي هم عليه كفر، ‏(‏وما كنت أدري ما الكتاب ولا الإِيمان‏)‏ وبذلك نزل القرآن {‏ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإِيمان‏} "‏‏. تفسير : وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏وإنك لتهدي‏}‏ قال‏:‏ لتدعو‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه ‏{‏وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم‏} ‏ قال‏:‏ قال الله ‏{أية : ‏ولكل قوم هاد‏}‏ تفسير : ‏[‏الرعد: 7‏].‏ قال‏:‏ داع يدعو إلى الله تعالى‏. وأخرج ابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم‏} قال‏:‏ تدعو‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَكَذٰلِكَ} أيْ ومثلَ ذلكَ الإيحاءِ البديعِ {أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا} هو القرآنُ الذي هو للقلوب بمنزلةِ الروحِ للأبدانِ حيثُ يُحيَـيها حياةً أبديةً، وقيلَ: هُو جبريلُ عليهِ السَّلامُ. ومَعْنى إيحائِه إليهِ عليهما السَّلامُ إرسالُه إليهِ بالوحي {مَا كُنتَ تَدْرِى} قبلَ الوَحي {مَا ٱلْكِتَـٰبُ} أيْ أيُّ شيءٍ هُو {وَلاَ ٱلإِيمَـٰنُ} أيْ الإيمانُ بتفاصيلِ ما في تضاعيفِ الكتابِ من الأمورِ التي لا تهتدِي إليها العقولُ لا الإيمانُ بما يستقلُّ به العقلُ والنظرُ فإنَّ درايتَهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ له مما لا ريبَ فيهِ قطعاً {وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ} أي الرُّوحَ الذي أوحيناهُ إليكَ {نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَاء} هدايتَهُ {مّنْ عِبَادِنَا} وهُو الذي يصرف اختيارَهُ نحو الاهتداءِ بهِ. وقولُه تعالَى {وَإِنَّكَ لَتَهْدِى} تقريرٌ لهدايتهِ تعالى وبـيانٌ لكيفيتِها. ومفعولُ لتهدِي محذوفٌ ثقةً بغايةِ الظهورِ أيْ إنكَ لتهدِي بذلكَ النورِ من نشاءُ هدايَتهُ {إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} هو الإسلامُ وسائرُ الشرائعِ والأحكامِ. وقُرِىءَ لتُهدَى أي لَيَهديكَ الله، وقُرِىءَ لتدعُو {صِرٰطِ ٱللَّهِ} بدلٌ من الأولِ وإضافتُه إلى الاسمِ الجليلِ ثمَّ وصفُه بقولِه تعالَى {ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} لتفخيمِ شأنِه وتقريرِ استقامتِه وتأكيدِ وجوبِ سلوكِه فإنَّ كونَ جميعِ ما فيهما من الموجوداتِ له تعالى خَلْقاً ومِلْكاً وتصرُّفاً مما يوجبُ ذلكَ أتمَّ إيجابٍ. {أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ} أي أمورُ ما فيهما قاطبةً لا إلى غيرِه ففيهِ من الوعدِ للمهتدينَ إلى الصراطِ المستقيمِ والوعيدِ للضالينَ عنه ما لا يَخْفي. عنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : مَنْ قرأَ سورةَ حم عسق كانَ ممَّن تُصلِّي عليهِ الملائكةُ ويستغفرونَ ويسترحمونَ لهُ ".

التستري

تفسير : قوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}[52] أي تدعو إلى ربك بنور هدايته.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} [الآية: 52]. قال الواسطى رحمة الله عليه: أظهر الأرواح من بين جماله وجلاله مكسوة بهاتين الكسوتين لولا أنه سترها لسجد لها كل ما أظهر من الكون فمن ردَّاه برداء الجمال فلا شىء أجمل من كونه فى ستره يظهر منه كل درك وحذاقة الفطنة ومن ردَّاه برداء الجلال وقعت الهيبة على شاهده يهابه كل من لقيه ولصحة الأرواح علامات ثلاث صحة النقية والتخلق بالأخلاق والتخطى فى طريق الآداب. قوله عز وعلا: {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً} [الآية: 52]. قال ابن عطاء: أما الكتاب فما كتبت على خلقى من السعادة والشقاوة والإيمان فما قسمت للخلق من القربة. قال الواسطى رحمة الله عليه: عظم فى صدره فى شأن أمر الله ونهيه - لذلك كان يقول: من لم يؤمن بى ضربت عنقه - ووجد فى قتال المخالفين جهاداً لم تلحقه سآمة ولا كسل لما عظم فى صدره من شأن الإيمان.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. أي ذلك مثلما أوحينا إليك "روحاً" من أمرنا يعني القرآن؛ سَمَّاه روحاً لأنه مَنْ آمن به صار به قلبُه حَيًّا. ويقال: {رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا}: أي جبريل عليه السلام، ـ ويسمى جبريل روح القدس. {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ...}: ما كنت تدري قبل هذا ما القرآن، {وَلاَ ٱلإِيمَانُ}: أي تفصيل هذه الشرائع. {وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ}: أي القرآن {نُوراً} نهدي به مَنْ نشاء من عبادنا المؤمنين. {أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ}: لأن منه ابتداء الأمور.

اسماعيل حقي

تفسير : {وكذلك} اى مثل ذلك الايحاء البديع او كما اوحينا الى سائر رسلنا {اوحينا اليك روحا من امرنا} هو القرءآن الذى هو للقلوب بمنزلة الروح للابدان حيث يحييها حياة طيبة اى يحصل لها به ما هو مثل الحياة وهو العلم النافع المزيل للجهل الذى هو كالموت وقال الراغب سمى القرءآن روحا لكونه سببا للحياة الاخروية الموصوفة فى قوله {أية : وان الدار الآخرة لهى الحيوان} تفسير : ومعنى من امرنا بالفارسية بفرمان ما او. روحا ناشئا ومبتدأ من أمرنا وقد سبق فى حم المؤمن وقيل هو حبرآئيل ومعنى ايحائه اليه عليه السلام ارساله اليه بالوحى فان قلت كيف علم الرسول عليه السلام فى اول الامر ان الذى تجلى له جبرآئيل وان الذى سمعه كلام الله تعالى قلت خلق الله تعالى له علما ضروريا علم به ذلك والعلم الضرورى يوجب الايمان الحقيقى ويتولد من ذلك اليقين والخشية فان الخشية على قدر المعرفة {ما كنت تدرى} قبل الوحى فى اربعين سنة والمراد وحى النبوة {ما الكتاب} اى اى شىء هو يعنى جون قرآن منزل نبود ندانستى آنرا. والنفى معلق للفعل عن العمل وما بعده ساد مسد المفعولين ومحل ما كنت الخ حال من كاف اليك كما فى تفسير الكواشى {ولا الايمان} اى الايمان بتفاصيل ما فى تضاعيف الكتاب من الامور التى لا تهتدى اليها العقول لا الايمان بما يستقل به العقل والنظر فان درايته عليه السلام له مما لا ريب فيه قطعا فان اهل الوصول اجتمعوا على ان الرسل عليهم السلام كانوا مؤمنين قبل الوحى معصومين من الكبائر ومن الصغائر الموجبة لنفرة الناس عنهم قبل البعثة وبعدها فضلا عن الكفر وهو مراد من قال لا يعرف القرءآن قبل الوحى ولا شرآئع الايمان ومعالمه وهى ايمان كما قال تعالى {أية : وما كان الله ليضيع ايمانكم} تفسير : اى صلاتكم سماها ايمانا لانها من شعب الايمان ويدل عليه حديث : انه عليه السلام قيل له هل عبدت وثنا قط قال "لا" قيل هل شربت خمرا قط قال "لا وما زلت اعرف ان الذين هم عليه كفر وما كنت ادرى ما الكتاب ولا الايمان" تفسير : اى الايمان الشرعى المتعلق بتفاصيل الاحكام ولذلك انزل فى الكتاب ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الايمان قال ابن قتيبة لم تزل العرب على بقايا من دين اسمعيل من الحج والختان والنكاح وايقاع الطلاق والغسل من الجنابة وتحريم ذوات المحارم بالقرابة والمصاهرة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما كانوا عليه فى مثل هذه الشرآئع وكان يوحد ويبغض اللات والعزى ويحج ويعتمر ويتبع شريعة ابراهيم عليه السلام ويتعبد بها حتى جاءه الوحى وجاءته الرسالة فقول البيضاوى وهو دليل على انه لم يكن متعبدا قبل النبوة بشرع ممنوع فان عدم الدراية لا يلزمه عدم التعبد بل يلزمه سقوط الاثم ان لم يكن تقصير فالحق ان المراد هو الايمان بما لا طريق اليه الا السمع وقال بعضهم هذا تخصيص بالوقت يعنى كان هذا قبل البلوغ حين كان طفلا وفى المهد ما كان يعرف الايمان وهو ضعيف لانه عليه السلام أفضل من يحيى وعيسى عليهما السلام وقد اوتى كل الحكم والعلم صبيا وقال بعضهم هو من باب حذف المضاف اى ولا اهل الايمان يعنى من الذى يؤمن ومن الذى لا يؤمن قبل ان ظهر ايمان من آمن وكفر من كفر كما قال ابن الفضل اهله لانه ظن ان ابا طالب يؤمن كما قال عليه السلام "حديث : اردنا اسلام ابى طالب واراد الله اسلام العباس فكان ما اراد الله دون ما اردنا" تفسير : وهو ضعيف ايضا لانه عليه السلام لا يدرى بعد الوحى ايضا جميع من يؤمن ومن يصر الى آخر العمر {ولكن جعلناه} اى الروح الذى اوحينا اليك والجعل بمعنى التصيير لا بمعنى الخلق وحقيقته انزلناه {نورا نهدى به من نشاء} هدايته بالتوفيق للقبول والنظر فيه {من عبادنا} وهو الذى يصرف اختياره نحو الاهتدآء به {وانك لتهدى} تقرير لهدايته تعالى وبيان لكيفيتها ومفعول لتهدى محذوف ثقة بغاية الظهور أى وانك لتهدى بهذا النور وترشد من نشاء هدايته {الى صراط مستقيم} هو الاسلام وسائر الشرائع والاحكام والصراط من السبيل ما لا التوآء فيه اى لا اعوجاج بل يكون على سبيل القصد

الجنابذي

تفسير : {وَكَذَلِكَ} التّكلّم بالانحاء الثّلاثة {أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} اى ارسلنا {رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} اى روحاً عظيماً ناشئاً من محض امرنا من غير مداخلة مادّةٍ فيه، او بعضاً من عالم امرنا والمراد به جبرئيل او روح القدس الّذى هو اعظم من جبرائيل وميكائيل {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ} المراد بالكتاب النّبوّة والرّسالة واحكامهما وبالايمان الولاية وآثارها والقرآن صورة الثّلاثة {وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً} اى الكتاب او الايمان او المذكور منهما او الرّوح الموحى اليك وقد فسّر بعلىٍّ (ع)، فعن الباقر (ع) ولكن جعلناه نوراً يعنى عليّاً وعلىّ (ع) هو النّور هدى به من هدى من خلقه {نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا} سئل الصّادق (ع) عن العلم، اهو شيءٌ يتعلّمه العالم من افواه الرّجال؟! ام فى الكتب عندكم تقرؤنه فتعلمون منه؟ - قال: الامر اعظم من ذلك واوجب! اما سمعت قول الله عزّ وجلّ وكذلك اوحينا اليك روحاً من امرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الايمان ثمّ قال: بلى، قد كان فى حالٍ لا يدرى ما الكتاب ولا الايمان حتّى بعث الله عزّ وجلّ الرّوح الّتى ذكر فى الكتاب فلمّا اوحاها علم بها العلم والفهم وهى الرّوح الّتى يعطيها الله عزّ وجلّ من شاء فاذا اعطاها عبداً علّمه الفهم {وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} يعنى انّك برسالتك تهدى الى الولاية فانّ الرّسالة وقبولها هداية الى الايمان والولاية كما قال تعالى: {أية : قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ إِنُ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}تفسير : [الحجرات:17] عن الباقر (ع) يعنى انّك تأمر بولاية علىٍّ (ع) وتدعو اليها وعلىٌّ (ع) هو الصّراط المستقيم.

فرات الكوفي

تفسير : {وإنك لتهدي إلى صراطٍ مستقيم 52} [فرات. أ، ب] قال: حدثني أحمد بن القاسم قال: أخبرنا أحمد بن صبيح قال: حدثنا عبد الله بن الهيثم الجعفي قال: حدثني الصلت بن الحر: عن زيد بن علي [عليهما السلام. ر] في قوله [تعالى. ر] {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} فقال: هداهم ورب الكعبة إلى علي بن أبي طالب [عليه السلام. أ] اهتدى به من اهتدى وضل عنه من ضل. [فرات. أ، ب] قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري والحسين بن سعيد قال: حدثنا عباد قال: أخبرنا عبد الله بن الهيثم: عن صلت بن الحر قال: كنت جالساً مع زيد بن علي [عليهما السلام. ر] فقرأ: {وإنك لتهدي إلى صراطٍ مستقيم} قال: فقال: هدى الناس ورب الكعبة إلى علي ضلّ عنه من ضل واهتدى به من اهتدى.

الهواري

تفسير : قوله: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا} يعني القرآن {مَا كُنتَ تَدْرِي} من قبل أن يوحى إليك {مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ} أي: القرآن {نُورًا} [أي: ضياء من الظلمة] {نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي} أي: لتدعو {إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي إلى الجنة. {صِرَاطِ اللَّهِ} أي طريق الله {الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ} [يعني أمور الخلائق] أي يوم القيامة.

اطفيش

تفسير : {وَكَذَلِكَ} أي مثل ايحائنا الى غيرك من الرسل. {أَوْحَيْنَآ إلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} الذي نوحيه اليه والروح القرآن لان به حياة القلب وقال ابن عباس: (نبوة) وقيل: رحمة وقيل: جبرائيل وقيل: جميع ما أوحى اليه والأمر قال بعض: واحد الأمور وقيل: بمعنى القول فمن للابتداء* {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإيمَانُ} ما خبر استفهامية والكتاب مبتدأ وأجيز العكس والجملة سدت مسد مفعولي (تدري) علق عن العمل بالاستفهام والمراد انك لم تدر قبل الوحي ما الكتاب وهو القرآن ولا شرائع الايمان وتفاصيله أو المراد بالايمان نوع خاص منه لم يجب بالفور حتى أوحى اليه به والا فالأنبياء مؤمنون من أول الوجود بالاتفاق الا شذوذاً جاز وكونهم على غير الايمان قبل البعثة وقائل ذلك مخطئ قيل وفي الآية دليل على انه لم يتعبد قبل النبوة بشرع مخصوص وقال ابن خزيمة الايمان هنا الصلاة {أية : وما كان الله ليضيع إِيمانكم}تفسير : أي صلاتكم وكان يتعبد على دين ابراهيم ثم تبين له شرعه بالوحى موافقاً لشرع ابراهيم كله وقيل بعضه. وقال أبو العالية: (المراد بالايمان الدعوة اليه). وقال الحسن بن الفضل: (أهل الايمان من يؤمن ومن لا يؤمن)* {وَلَكِن جَعَلْنَاهُ} أي الكتاب وقيل الروح وقيل الايمان وعليه ابن عباس والكل يهتدي به كالنور. {نُّوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا} نرشد ونوفق من له السعادة عندنا* {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي} تدل بفتح التاء وكسر الدال عند الجمهور وقرأ حوشب بضم التاء وفتح الدال وعاصم بضم التاء وكسر الدال {إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي تدعو بالوحي الى طريق مستقيم هو دين الاسلام كما قرأ وانك لتدعو والمفعول حذف للعموم أو لعدم تعلق الغرض به حتى كان الفعل لازم وقيل المراد بالصراط الجنة

اطفيش

تفسير : {وكَذلكَ} فعل ذلك الايحاء البديع المذكور، أو الايحاء الى من قلبك، أو أنواع الوحى التى ذكرت فى الآية قبل {أوحَينا إليك رُوحاً} أمرا عظيما فى الدين يشبه روح الانسان فى الحياة، وهو غير القرآن، وقيل: القرآن الذى هو للقلوب بمنزلة الروح للأبدان، وقد قيل: أوحى الى النبى صلى الله عليه وسلم فى المنام كابراهيم، وفى اليقظة بلا ملك كزبور داود، وذكر بعض أن الله عز وجل أوحى اليه القرآن جملة من غير تفصيل قبل مجىء جبريل، ثم كان جبريل يأتى به مفصلا شيئا فشيئاً، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: الروح النبوة، وقيل: الروح جبريل على تضمين أوحينا معنى ارسلنا، وقيل: ملك أعظم من جبريل وميكائيل، لا يفارقه صلى الله عليه وسلم، والقولان ضعيفان، والأخير أضعف، وذلك للاحتياج الى التضمين فيهما، ولقوله من أمرنا، لأنه أمر من الأمور لا يطلق على الذوات، وكذا لا يناسب قوله تعالى: {ما} نافية {كُنْت تَدري ما الكتابُ ولا الإيمانُ} بل يناسب المعانى جملة ما الكتاب سدت مسد مفعولى تدرى استفهامية، أما الكتاب وهو القرآن أو الجنس، فقد كان لا يدريه، وأما الايمان فلا يتصور أنه لا يدريه إذ لا يكفر بى ولا يعصى قبل البلوغ، ولا قبل الايحاء، ولا بعدهما، فالمراد بالايمان التوحيد والأعمال الصالحات من نفل وفرض، ومنها ترك المعاصى، ولا شك أن مجموع هذا لا يدريه، بل يدرى بعضه وهو التوحيد وما يتبعه، ولا يدرى تفاصيل الايمان وهومقدور فى البعض الآخر، حتى يأتى الوحى به، أو المراد ما كنت تدرى بمجموع الايمان الذى هو التوحيد، ورسالة نفسك حتى أرسل اليك، بل ببعض ذلك وهو توحيد الله عن الشريك، أو المراد ما لا يعلم من الشريعة الا بالوحى من بعد توحيد الله، أو يقدر مضاف أى ولا دعوة الايمان، أى لا تدرى كيف تدعو الناس اليه، أو الأعمال، ولكن الاصل أن لا يطلق الايمان على العمل وحده، أو ما كنت تدرى أهل الايمان، أى لا تدرى من الذى يؤمن. قيل أو ماكنت تدرى مجموع الكتاب والايمان، بل الايمان وحده وهو التوحيد، ويرده أنه لو أريد ذلك لقيل والايمان بدون لا، وقيل ما كنت تدرى اذ كنت فى المهد وهو ضعيف، وقريب، منه أنك كنت لا تدريهما، بل دريت الإيمان بالالقاء فى الروع، والكتاب بالوحى، وكان على دين ابراهيم قبل البعثة اجمالا، وببعضه تفصيلا، يوحد الله تعالى، ويبغض الأصنام، ويحج ويعتمر، ولا يأكل ما ذبح على النصب، وفسر بعضهم الايمان بالصلاة كقوله تعالى: " أية : وما كان الله ليضيع إيمانكم " تفسير : [البقرة: 143] أى صلاتكم، ولم تزل العرب تتمسك ببقية دين ابراهيم كالحج والختان، وايقاع الطلاق، وغسل الجنابة، وتحريم ذوات المحارم بالصهر والنسب، والتقرب بالذبح. {ولَكن جعلناهُ} أى الروح الذى أوحينا اليك، أو الكتاب أو الايمان لقربه، أو الكتاب والايمان، والافراد بتأويل ما ذكر، ولأن مقصدهما واحد نظير الهاء فى قوله تعالى: " أية : والله ورسوله أحق أن يرضوه" تفسير : [التوبة: 62] {نوراً} عظيما {نُهدي بهِ مَنْ نشاءُ من عِبادنا} هدايته من الضلال هداية توفيق {وإنَّك لَتَهْدي} لذلك النور هداية بيان للسعداء والأشقياء، أو هدى توفيق من نشاء هدايته هداية توفيق، وأما الأشقياء فهدايتهم بالبيان كلا هداية، الا أن لك الثواب عليها {إلى صراطٍ مُسْتقيمٍ} التوحيد وسائر الشريعة.

الالوسي

تفسير : {وَكَذٰلِكَ} أي ومثل هذا الإيحاء البديع على أن الإشارة لما بعد {أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا} وهو ما أوحى إليه عليه الصلاة والسلام أو القرآن الذي هو للقلوب بمنزلة الروح للأبدان حيث يحييها حياة أبدية. وقيل: أي ومثل الإيحاء المشهور لغيرك أوحينا إليك، وقيل: أي ومثل ذلك الإيحاء المفصل أوحينا إليك إذ كان عليه الصلاة والسلام اجتمعت له الطرق الثلاث سواء فسر الوحي بالإلقاء أم فسر بالكلام الشفاهي. وقد ذكر أنه عليه الصلاة والسلام قد ألقي إليه في المنام كما ألقي إلى إبراهيم عليه السلام وألقي إليه عليه الصلاة والسلام في اليقظة على نحو إلقاء الزبور إلى داود عليه السلام. ففي «الكبريت الأحمر» للشعراني نقلاً عن الباب الثاني من «الفتوحات المكية» أنه صلى الله عليه وسلم أعطي القرآن مجملاً قبل جبريل عليه السلام من غير تفصيل الآيات والسور. وعن ابن عباس تفسير الروح بالنبوة. وقال الربيع: هو جبريل عليه السلام، وعليه فأوحينا مضمن معنى أرسلنا، والمعنى أرسلناه بالوحي إليك لأنه لا يقال: أوحى الملك بل أرسله. ونقل الطبرسي عن أبـي جعفر وأبـي عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن المراد بهذا الروح ملك أعظم من جبرائيل وميكائيل كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصعد إلى السماء، وهذا القول في غاية الغرابة ولعله لا يصح عن هذين الإمامين. وتنوين {رُوحاً} للتعظيم أي روحاً عظيماً. {مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلاَ ٱلاْيْمَـٰنَ} الظاهر أن ما الأولى نافية والثانية استفهامية في محل رفع على الابتداء و {ٱلْكِتَـٰبِ} خبر، والجملة في موضع نصب بتدري وجملة {مَا كُنتُ} الخ حالية من ضمير {أَوْحَيْنَا} أو هي مستأنفة والمضي بالنسبة إلى زمان الوحي. واستشكلت الآية بأن ظاهرها يستدعي عدم الاتصاف بالإيمان قبل الوحي ولا يصح ذلك لأن الأنبياء عليهم السلام جميعاً قبل البعثة مؤمنون لعصمتهم عن الكفر بإجماع من يعتد به. وأجيب بعدة أجوبة. الأول: أن الإيمان هنا ليس المراد به التصديق المجرد بل مجموع التصديق والإقرار والأعمال فإنه كما يطلق على ذلك يطلق على هذا شرعاً، ومنه قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ} تفسير : [البقرة: 143] والأعمال لا سبيل إلى درايتها من غير سمع فهو مركب والمركب ينتفي بانتفاء بعض أجزائه فلا يلزم من انتفاء الإيمان المركب بانتفاء الأعمال انتفاء الإيمان بالمعنى الآخر أعني التصديق وهو الذي أجمع العلماء على اتصاف الأنبياء عليهم السلام به قبل البعثة، ولذا عبر بتدري دون أن يقال: لم تكن مؤمناً وهو جواب حسن ولا يلزمه نفي الإيمان عمن لا يعمل الطاعات ليكون القول به اعتزالاً كما لا يخفى. الثاني: أن الإيمان إنما يعني به التصديق بالله تعالى وبرسوله عليه الصلاة والسلام دون التصديق بالله عز وجل ودون ما يدخل فيه الأعمال والنبـي صلى الله عليه وسلم مخاطب بالإيمان برسالة نفسه كما أن أمته صلى الله عليه وسلم مخاطبون بذلك، ولا شك أنه قبل الوحي لم يكن عليه الصلاة والسلام يعلم أنه رسول الله وما علم ذلك إلا بالوحي فإذا كان الإيمان هو التصديق بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ولم يكن هذا المجموع ثابتاً قبل الوحي بل كان الثابت هو التصديق بالله تعالى خاصة المجمع على اتصاف الأنبياء عليهم السلام به قبل البعثة استقام نفي الإيمان قبل الوحي وإلى هذا ذهب ابن المنير. الثالث: أن المراد شرائع الإيمان ومعالمه مما لا طريق إليه إلا السمع وإليه ذهب محي السنة البغوي وقال: إن النبـي صلى الله عليه وسلم كان قبل الوحي على دين إبراهيم عليه السلام ولم تتبين له عليه الصلاة / والسلام شرائع دينه، ولا يخفى أنه إذا لم يعتبر كون الكلام على حذف مضاف يلزمه إطلاق الإيمان على الأعمال وحدها وهو خلاف المعروف. الرابع: أن الكلام على تقدير مضاف فقيل التقدير دعوة الإيمان أي ما كنت تدري كيف تدعو الخلق إلى الإيمان وإليه يشير كلام أبـي العالية. وقال الحسين بن الفضل: أي أهل الإيمان أي لا تدري من الذي يؤمن، وأنت تدري أنه لا يرتضي هذا إلا من لا يدري. الخامس: المراد نفي دراية المجموع أي ما كنت تدري قبل الوحي مجموع الكتاب والإيمان فلا ينافي كونه صلى الله عليه وسلم كان يدري الإيمان وحده ويأباه إعادة {لا} السادس: أن المراد ما كنت تدري ذلك إذ كنت في المهد وإليه ذهب علي بن عيسى وهو خلاف الظاهر. والظاهر أن المراد استمرار النفي إلى زمن الوحي، وظاهر كلام «الكشف» يميل إلى اعتبار نحو ذلك القيد قال: لعل الأشبه أن الإيمان على ظاهره والآية واردة في معرض الامتنان والإيحاء يشمل الإلقاء في الروع وإرسال الرسول فالإيمان عرفه بالأول والكتاب بالثاني على أن الآية تدل على أنه صلى الله عليه وسلم عرفهما بعد أن لم يكن عارفاً وهو كذلك أما أنه عليه الصلاة والسلام عرفهما بعد الوحي فلا فجاز أن يعرفهما به وجاز أن يعرف واحداً منهما معيناً به. وقد دل الدليل على أن المعرف به هو الكتاب والإيمان بعد العقل وقبل الوحي، والتمسك به على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن متعبداً بشرع من قبله ضعيف لأن عدم الدراية لا يلزمه عدم التعبد بل يلزمه سقوط الإثم إن لم يكن تقصيراً انتهى. وأنت تعلم أن المتبادر أنه عليه الصلاة والسلام عرفهما بعد الوحي، وأما قوله قدس سره في تضعيف التمسك بذلك على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن متعبداً بشرع من قبله أن عدم الدراية لا يلزمه عدم التعبد فقد قيل عليه: إنه ساقط لأنه عليه الصلاة والسلام إذا لم يدر شرعاً فكيف يتعبد به. وقد يجاب بأن مراد المدقق أن الدراية المنفية الدراية بمعنى العلم الجازم الثابت المطابق للواقع وعدمها لا يلزمه عدم التعبد إذ يكفي في التعبد بشرع من قبله عليه الصلاة والسلام الظن الراجح ثبوته، فلعله كان حاصلاً له صلى الله عليه وسلم. ومثل هذا الظن يكفي للمتعبدين اليوم بشرع نبينا عليه الصلاة والسلام فإن أكثر الفروع ظنية، ومن يتتبع الأخبار يعلم أن العرب لم يزالوا على بقايا من دين إبراهيم عليه السلام من الحج والختان وإيقاع الطلاق والغسل من الجنابة وتحريم ذوات المحارم بالقرابة والصهر وغير ذلك وأن النبـي صلى الله عليه وسلم كان أحرص الناس على اتباع دين إبراهيم عليه السلام. وفي «الصحيح» أنه صلى الله عليه وسلم كان أي قبل البعثة يتحنث بغار حراء، وفسر التحنث بالتحنف أي اتباع الحنيفية وهي دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام، والفاء تبدل ثاء في كثير من كلامهم وفي رواية ابن هشام في «السيرة» يتحنف بالفاء بدل الثاء، نعم فسر أيضاً بالتعبد كما في «صحيح البخاري» وباتقاء الحنث أي الإثم كالتحرج والتأثم وكل ذلك مما ذكره الحافظ القسطلاني في «شرح الصحيح». ثم إن الظاهر أن من قال: إنه صلى الله عليه وسلم كان متعبداً بشرع من قبله ليس مراده أنه عليه الصلاة والسلام كان متعبداً بجميع شرع من قبله بل بما ترجح عنده صلى الله عليه وسلم ثبوته. والذي ينبغي أن يرجح كون ذلك من شرع إبراهيم عليه السلام لأنه من ذريته عليهما الصلاة والسلام وقد كلفت العرب بدينه. وقال بعضهم: إن عبادته صلى الله عليه وسلم التفكر والاعتبار، ولعله أيضاً مما ترجح عنده عليه الصلاة والسلام كونه من شريعته عليه السلام وربما يقال: بما علمه صلى الله عليه وسلم لا على ذلك الوجه من / شرع من قبله أنه صلى الله عليه وسلم لم يزل موحى إليه وأنه عليه الصلاة والسلام متعبد بما يوحى إليه إلا أن الوحي السابق على البعثة كان إلقاءً ونفثاً في الروع وما عمل بما كان من شرائع أبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام إلا بواسطة ذلك الإلقاء وإذا كان بعض إخوانه من الأنبياء عليهم السلام قد أوتي الحكم صبياً ابن سنتين أو ثلاث فهو عليه الصلاة والسلام أولى بأن يوحى إليه ذلك النوع من الإيحاء صبياً أيضاً. ومن علم مقامه صلى الله عليه وسلم وصدق بأنه الحبيب الذي كان نبياً وآدم بين الماء والطين لم يستبعد ذلك فتأمل. {وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ } أي الروح الذي أوحيناه إليك، وقال ابن عطية: الضمير للكتاب، وقيل: للإيمان ورجح بالقرب، وقيل: للكتاب والإيمان ووحد لأن مقصدهما واحد فهو نظير {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} تفسير : [التوبة: 62]. {نُوراً} عظيماً {نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء} هدايته {مّنْ عِبَادِنَا} وهو الذي يصرف اختياره نحو الاهتداء به والجملة إما مستأنفة أو صفة {نُوراً} وقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي} تقرير لهدايته، وبيان لكيفيتها، ومفعول {لَتَهْدِي} محذوف ثقة بغاية الظهور أي وإنك لتهدي بذلك النور من تشاء هدايته {إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} وهو الإسلام وسائر الشرائع والأحكام. وقرأ ابن السميقع {لتهدي} بضم التاء وكسر الدال من أهدى، وقرأ حوشب {لتهدي} مبنياً للمفعول أي ليهديك الله وقرىء (لتدعو).

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة { أية : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً } تفسير : [الشورى: 51] الآية، وهذا دليل عليهم أن القرآن أُنزل من عند الله أعقب به إبطال شبهتهم التي تقدم لإبطالها قوله: {أية : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً} تفسير : [الشورى: 51] الآية، أي كان وحينا إليك مثلَ كلامنا الذي كلّمنا به من قبلك على ما صُرح به في قوله تعالى: { أية : إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده } تفسير : [النساء: 163]. والمقصود من هذا هو قوله: {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان}. والإشارة إلى سابق في الكلام وهو المذكور آنفاً في قوله: { أية : وما كان لبشرٍ أن يكلمه الله إلا وحياً } تفسير : [الشورى: 51] الآية، أي ومثل الذي ذكر من تكليم الله وَحْيُنا إليك رُوحاً من أمرنا، فيكون على حد قول الحارث بن حلزة: شعر : مِثْلَها تَخْرُج النصيحةُ للقوم فَلاَةً من دونها أفْلاَءُ تفسير : أي مثل نصيحتنا التي نصحناها للملك عمرو بن هند تكون نصيحة الأقوام بعضهم لبعض لأنها نصيحة قرابة ذوي أرحام. ويجوز أن تكون الإشارة إلى ما يأتي من بعدُ وهو الإيحاء المأخوذُ من {أوحينا إليك} أي مثل إيحائنا إليك أوحينا إليك، أي لو أريد تشبيه إيحائنا إليك في رفعة القدر والهُدَى ما وجد له شَبيه إلا نفسُه على طريقة قوله تعالى: { أية : وكذلك جعلناكم أمةً وسَطاً } تفسير : كما تقدم في سورة البقرة (143). والمعنى: إنّ ما أوحينا إليك هو أعزّ وأشرف وحي بحيث لا يماثله غيره. وكلا المعنيين صالح هنا فينبغي أن يكون كلاهما مَحْمَلاً للآية على نحو ما ابتكرناه في المقدمة التاسعة من هذا التفسير. ويؤخذ من هذه الآية أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قد أعطي أنواع الوحي الثلاثة، وهو أيضاً مقتضى الغرض من مساق هذه الآيات. والروح: ما به حياة الإنسان، وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : ويسألونك عن الرّوح } تفسير : في سورة الإسراء (85). وأطلق الروح هنا مجازاً على الشريعة التي بها اهتداء النفوس إلى ما يعود عليهم بالخير في حياتهم الأولى وحياتهم الثانية، شبهت هداية عقولهم بعد الضلالة بحلول الروح في الجسد فيصير حَيّاً بعد أن كان جُثّة. ومعنى {من أمرنا} مما استأثرنا بخلقه وحجبناه عن النّاس فالأمر المضاف إلى الله بمعنى الشأن العظيم، كقولهم: أمِرَ أمْر فلان، أي شأنه، وقوله تعالى: { أية : بإذن ربّهم من كل أمر } تفسير : [القدر: 4]. والمراد بالروح من أمر الله: ما أوحي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الإرشاد والهداية سواء كان بتلقين كلام معين مأمور بإبلاغه إلى النّاس بلفظه دون تغيّر وهو الوحي القرآني المقصود منه أمران: الهداية والإعجاز، أم كان غير مقيد بذلك بل الرّسول مأمور بتبليغ المعنى دون اللّفظ وهو ما يكون بكلام غير مقصود به الإعجاز، أو بإلقاء المعنى إلى الرّسول بمشافهة المَلكِ، وللرّسول في هذا أن يتصرف من ألفاظ ما أُوحي إليه بما يريد التعبير به أو برؤيا المنام أو بالإلقاء في النّفس كما تقدم. واختتام هذه السورة بهذه الآية مع افتتاحها بقوله: { أية : كذلك أوحينا إليك } تفسير : [الشورى: 7] الآية فيه محسن ردّ العجز على الصدر. وجملة {ما كنت تدري ما الكتاب} في موضع الحال من ضمير {أوحينا} أي أوحينا إليك في حال انتفاء علمك بالكتاب والإيمان، أي أفضنا عليك موهبة الوحي في حال خلوّك عن علم الكتاب وعِلم الإيمان. وهذا تحدَ للمعاندين ليتأملوا في حال الرّسول صلى الله عليه وسلم فيعلموا أن ما أوتيه من الشريعة والآداب الخُلقية هو من مواهب الله تعالى التي لم تسبق له مزاولتها، ويَتضمن امتناناً عليه وعلى أمته المسلمين. ومعنى عدم دراية الكتاب: عدم تعلق علمه بقراءة كتاب أو فهمه. ومعنى انتفاء دراية الإيمان: عدم تعلق علمه بما تحتوي عليه حقيقة الإيمان الشرعي من صفات الله وأصول الدين وقد يطلق الإيمان على ما يرادف الإسلام كقوله تعالى: { أية : وما كان الله ليضيع إيمانكم } تفسير : [البقرة: 143] وهو الإيمان الذي يزيد وينقص كما في قوله تعالى: { أية : ويزداد الذين آمنوا إيماناً } تفسير : [المدثر: 31]. فيزاد في معنى عدم دراية الإيمان انتفاء تعلق علم الرّسول صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام. فانتفاء درايته بالإيمان مثل انتفاء درايته بالكتاب، أي انتفاء العلم بحقائقه ولذلك قال: {ما كنت تدري} ولم يقل: ما كنت مؤمناً. وكلا الاحتمالين لا يقتضي أن الرّسول صلى الله عليه وسلم لم يكن مؤمناً بوجود الله ووحدانية إلـٰهيته قبل نزول الوحي عليه إذ الأنبياء والرّسل معصومون من الشرك قبل النبوءة فهم مُوحّدُون لله ونابذون لعبادة الأصنام، ولكنهم لا يعلمون تفاصيل الإيمان، وكان نبيئنا صلى الله عليه وسلم في عهد جاهلية قومه يعلم بطلان عبادة الأصنام، وإذ قد كان قومه يشركون مع الله غيره في الإلـٰهية فبطلان إلـٰهية الأصنام عنده تمحِّضه لإفراد الله بالإلـٰهية لا محالة. وقد أخبر بذلك عن نفسه فيما رواه أبو نعيم في «دلائل النبوءة» عن شداد بن أوس وذكره عياض في «الشفاء» غير معزو: « حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمّا نَشَأت (أي عقلت) بُغِّضَتَ إليَّ الأوْثانُ وبُغض إليَّ الشعرُ، ولم أهِمَّ بشيء مما كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين فعصمني الله منهما ثم لم أَعُدْ »تفسير : . وعلى شدة منازعة قريش إياه في أمر التوحيد فإنهم لم يحاجُّوه بأنه كان يعبد الأصنام معهم. وفي هذه الآية حجة للقائلين بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن متعبداً قبل نبوءته بشرع. وإدْخال {لا} النافية في قوله: {ولا الإيمان} تأكيد لنفي درايته إيّاه، أي ما كنت تدري الكتاب ولا الإيمان، للتنصيص على أن المنفي دراية كل واحدٍ منهما. وقوله: {ولكن جعلناه نوراً} عطف على جملة {ما كنت تدري ما الكتاب}. وضمير {جعلناه} عائد إلى الكتاب في قوله: {ما كنت تدري ما الكتاب}. والتقدير: وجعلنا الكتاب نوراً. وأقحم في الجملة المعطوفة حرف الاستدراك للتنبيه على أن مضمون هذه الجملة عكس مضمون جملة {ما كنت تدري ما الكتاب}. والاستدراك ناشىء على ما تضمنته جملة {ما كنت تدري ما الكتاب} لأن ظاهر نفي دراية الكتاب أن انتفاءها مستمر فاستدرك بأن الله هداه بالكتاب وهدى به أمته، فالاستدراك واقع في المحزّ. والتقدير: ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ثم هديناك بالكتاب ابتداء وعرفناك به الإيمان وهَدَيت به النّاس ثانياً فاهتدى به من شِئنا هدايته، أي وبقي على الضلال من لم نشأ له الاهتداء، كقوله تعالى: { أية : يضلّ به كثيراً ويهدي به كثيراً } تفسير : [البقرة: 26]. وشبه الكتاب بالنّور لمناسبة الهَدي به لأن الإيمان والهُدى والعلم تشبَّه بالنور، والضلال والجهل والكفر تشبه بالظلمة، قال تعالى: { أية : يخرجهم من الظلمات إلى النّور } تفسير : [البقرة: 257]. وإذا كان السائر في الطريق في ظلمة ضل عن الطريق فإذا استنار له اهتدى إلى الطريق، فالنّور وسيلة الاهتداء ولكن إنما يَهتدي به من لا يكون له حائل دون الاهتداء وإلا لم تنفعه وسيلة الاهتداء ولذلك قال تعالى: {نهدي به من نشاء من عبادنا}، أي نَخلُق بسببه الهداية في نفوس الذين أعددناهم للهُدى من عبادنا. فالهداية هنا هداية خاصة وهي خلق الإيمان في القلب. {وَإِنَّكَ لَتَهْدِىۤ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ}. أي نهدي به من نشاء بدعوتك وواسطتك فلما أثبت الهديَ إلى الله وجعل الكتاب سبباً لتحصيل الهداية عطف عليه وساطةَ الرّسول في إيصال ذلك الهدي تنويهاً بشأن الرّسول صلى الله عليه وسلم. فجملة {وإنك لتهدي} عطف على جملة {نهدي به من نشاء من عبادنا}. وفي الكلام تعريض بالمشركين إذ لم يهتدوا به وإذ كبر عليهم ما يدعوهم إليه مع أنه يهديهم إلى صراط مستقيم. والهداية في قوله: {وإنك لتهدي} هداية عامة. وهي: إرشاد النّاس إلى طريق الخير فهي تخالف الهداية في قوله: {نهدي به من نشاء}. وحذف مفعول {لتهدي} للعموم، أي لتهدي جميع النّاس، أي ترشدهم إلى صراط مستقيم، وهذا كقوله: { أية : وهديناه النجدين فلا اقتحم العقبة } تفسير : [البلد: 10، 11]. وتأكيد الخبر بــ (إنَّ) للاهتمام به لأن الخبر مستعمل في تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم بالشهادة له بهذا المقام العظيم فالخبر مستعمل في لازم معناه، على أنه مستعمل أيضاً للتعريض بالمنكرين لِهَدْيِهِ فيكون في التأكيد ملاحظة تحقيقه وإبطال إنكارهم. فكما أن الخبر مستعمل في لازمين من لوازم معناه فكذلك التأكيدُ بــ (إنَّ) مستعمل في غرضين من أغراضه، وكلا الأمرين مما ألحق باستعمال المشترك في معنييه. وتنكير {صراط} للتعظيم مثل تنكير (عظمٍ) في قول أبي خراش: شعر : فلا وأبي الطير المُرِبَّة في الضحى على خالد لقد وقعن على عَظْم تفسير : ولأن التنكير أنسب بمقام التعريض بالذين لم يأبهوا بهدايته. وعُدل عن إضافة {صراط} إلى اسم الجلالة ابتداء لقصد الإجمال الذي يعقبه التفصيل بأن يُبْدل منه بعد ذلك {صراط الله} ليتمكن بهذا الأسلوب المعنى المقصود فَضْلَ تمكُّن على نحو قوله: { أية : اهدنا الصراط المستقيم صراطَ الذين أنعمت عليهم } تفسير : [الفاتحة: 6، 7]. وإجراء وصف اسم الجلالة باسم الموصول وصلته للإيماء إلى أن سبب استقامة الصراط الذي يهدي إليه النبي بأنه صراط الذي يملك ما في السماوات وما في الأرض فلا يعْزب عنه شيء مما يليق بعباده، فلما أرسَل إليهم رسولاً بكتاب لا يُرتاب في أن ما أرسل لهم فيه صلاحُهم. {الأَرْضِ أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ}. تذييل وتنهية للسورة بختام ما احتوت عليه من المجادلة والاحتجاج بكلام قاطع جامع منذر بوعيد للمعرضين فاجع ومبشر بالوعد لكل خاشع. وافتتحت الجملة بحرف التنبيه لاسترعاء أسماع النّاس. وتقديم المجرور لإفادة الاختصاص، أي إلى الله لا إلى غيره. و{المصير}: الرّجوع والانتهاء، واستعير هنا لظهور الحقائق كما هي يومَ القيامة فيَذهَب تلبيس الملبسين، ويَهِن جبروت المتجبرين، ويقرّ بالحق من كان فيه من المعاندين، وهذا كقوله تعالى: { أية : وإلى الله عاقبة الأمور } تفسير : [لقمان: 22] وقوله: { أية : وإليه يرجع الأمر كله } تفسير : [هود: 123]. والأمور: الشؤون والأحوال والحقائق وكل موجود من الذوات والمعاني. وقد أخذَ هذا المعنى الكميت في قوله: شعر : فالآن صِرتُ إلى أمية والأمورُ إلى مَصائر تفسير : وفي تنهية السورة بهذه الآية محسن حُسن الختام.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} تفسير : [النحل: 2] الآية. قوله تعالى: {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا}. قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ}. يبين الله جل وعلا فيه مِنَّتِهِ على هذا النبي الكريم، بأنه علمه هذا القرآن العظيم ولم يكن يعلمه قبل ذلك، وعلمه تفاصيل دين الإسلام ولم يكن يعلمها قبل ذلك. فقوله: ما كنت تدري ما الكتاب: أي ما كنت تعلم ما هو هذا الكتاب الذي هو القرآن العظيم، حتى علمتكه، وما كنت تدري ما الإيمان الذي هو تفاصيل هذا الدين الإسلامي، حتى علمتكه. ومعلوم أن الحق الذي لا شك فيه الذي هو مذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان شامل للقول والعمل مع الاعتقاد. وذلك ثابت في أحاديث صحيحة كثيرة، منها: حديث وفد عبد القيس المشهور، ومنها حديث: "حديث : من قام رمضان إيماناً واحتساباً" تفسير : الحديث، فسمى فيه قيام رمضان إيماناً، وحديث "حديث : الإيمان بضع وسبعون شعبة"تفسير : ، وفي بعض رواياته "حديث : بضع وستون شعبة أعلاها شهادة ألا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ". تفسير : والأحاديث بمثل ذلك كثيرة ويكفي في ذلك ما أورده البيهقي في شعب الإيمان فهو صلوات الله وسلامه عليه ما كان يعرف تفاصيل الصلوات المكتوبة وأوقاتها ولا صوم رمضان، وما يجوز فيه وما لا يجوز ولم يكن يعرف تفاصيل الزكاة ولا ما تجب فيه ولا قدر النصاب وقدر الواجب فيه ولا تفاصيل الحج ونحو ذلك، وهذا هو المراد بقوله تعالى: {وَلاَ ٱلإِيمَانُ}. وما ذكره هنا من أنه لم يكن يعلم هذه الأمور حتى علمه إياها بأن أوحى إليه هذا النور العظيم الذي هو كتاب الله، جاء في غير هذا الموضع كقوله تعالى: {أية : وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} تفسير : [النساء: 113] الآية. وقوله جل وعلا {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ} تفسير : [يوسف: 3]. فقوله في آية يوسف هذه: {أية : وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ} تفسير : [يوسف: 3] كقوله هنا {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ} [الشورى: 52] وقوله تعالى: {أية : وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ} تفسير : [الضحى: 7] على أصح التفسيرات كما قدمناه في سورة الشعراء في الكلام على قوله تعالى: {أية : قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ} تفسير : [الشعراء: 20] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ}، الضمير في قوله: جعلناه راجع إلى القرآن العظيم المذكور في قوله: {رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} [الشورى: 52] وقوله: {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ} أي ولكن جعلنا هذا القرآن العظيم نوراً نهدي به من نشاء هدايته من عبادنا. وسمي القرآن نوراً، لأنه يضيء الحق ويزيل ظلمات الجهل والشك والشرك. وما ذكره هنا من أن هذا القرآن نور، جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً} تفسير : [النساء: 174]. وقوله تعالى {أية : وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ} تفسير : [الأعراف: 157] وقوله تعالى: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [المائدة: 15-16] وقوله تعالى: {أية : فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا} تفسير : [التغابن: 8]. وما دلت عليه هذه الآيات الكريمة من كون هذا القرآن نوراً يدل على أنه هو الذي يكشف ظلمات الجهل، ويظهر في ضوئه الحق، ويتميز عن الباطل ويميز به بين الهدى والضلال والحسن والقبيح. فيجب على كل مسلم أن يستضيء بنوره، فيعتقد عقائده، ويحل حلاله، ويحرم حرامه ويمتثل أوامره ويجتنب ما نهى عنه ويعتبر بقصصه وأمثاله. والسنة كلها داخلة في العمل به، لقوله تعالى: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} تفسير : [الحشر: 7]. قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. الصراط المستقيم، قد بينه تعالى في قوله: {أية : ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ}تفسير : [الفاتحة: 6-7]. وقوله في هذه الآية الكريمة {وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ} الآية، قد بينا الآيات الموضحة له في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُم} تفسير : [فصلت: 17] الآية، وبينا هناك وجه الجمع بين قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم} [الشورى: 52] مع قوله {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} تفسير : [القصص: 56]. والصراط في لغة العرب: الطريق الواضح، والمستقيم. الذي لا اعوجاج فيه، ومنه قول جرير: شعر : أمير المؤمنين على صراط إذا اعوج الموارد مستقيم

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 52- ومثل ما أوحينا إلى الرسل قبلك أوحينا إليك - أيها الرسول - هذا القرآن حياة للقلوب بأمرنا، ما كنت تعرف قبل الإيحاء إليك ما هو القرآن، ولا تعرف ما شرائع الإيمان، ولكن جعلنا القرآن نوراً عظيماً يرشد به من اختار الهدى، وإنك لتدعو بهذا القرآن إلى طريق مستقيم. 53- طريق دين الله الذى له - وحده - ما فى السموات وما فى الأرض خلقاً وتدبيراً وتصرفاً - وينبه - سبحانه إلى أنه وحده ترجع إليه جميع الأمور.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْكِتَابُ} {ٱلإِيمَانُ} {جَعَلْنَاهُ} {صِرَاطٍ} (52) - وَكَمَا أَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَى الرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ يَا مُحَمَّدُ، كَذَلِكَ أَوْحَى إِلَيكَ القُرْآنَ، وَلَمْ تَكُنْ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنْزِلَ عَلَيْكَ وَحْيَهُ، تَعْلَمُ مَا القُرْآنُ، وَمَا الشَّرَائِعُ، التِي بِهَا هِدَايَةُ البَشَرِ، وَلَكِنَّ الله تَعَالَى هُوَ الذِي أَوْحَى إِلَيكَ القُرْآنَ، وَجَعَلَهُ نُوراً يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ هِدَايَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ. وَإِنَّكَ يَا مُحَمَّدُ لَتَهْدِي بِذَلِكَ النُّورِ المُنَزَّلِ عَلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، مَنْ أَرَادَ اللهُ هِدَايَتَهُ. رُوحاً مِنْ أمْرِنَا - قُرآناً - أَوْ جِبْرِيلَ، عَلْيهِ السَّلاَمُ، أَوْ نُبُوَّةً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ ..} [الشورى: 52] إشارة إلى ما سبق بيانه في الآية السابقة من وسائل الوحي الثلاثة {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} [الشورى: 52] يا محمد {رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} [الشورى: 52] الروح هنا: هو جبريل عليه السلام أمين الوحي فسمَّى الله جبريل روحاً كما سمى القرآن نفسه روحاً، فشبَّهه بالروح التي يلقيها الحق سبحانه في الإنسان فتدبّ فيه الحياة والحركة بعد أنْ كان قطعة لحم لا حِرَاكَ فيها ولا حياة. تعرفون أن الإنسان خلقه اللهُ من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، وحين يتكوَّن الجنين في بطن أمه يرسل الله له مَلكاً ينفخ فيه من روحه تعالى بعد 120 يوماً من حمله، فتسري فيه الحياة، وتعمل الجوارح، وتتحرك الأعضاء. فكما كانت الروحُ حياةً للأبدان كان القرآنُ حياةً للقلوب وللقيم، من هنا سمَّى الله جبريلَ روحاً، وسمَّى القرآن روحاً، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ..} تفسير : [الأنفال: 24]. فالحق سبحانه يخاطبهم وهم أحياء حياةَ البدن والمادة، إذن: الحياة هنا حياة الروح، والقلب، حياة القيم والمبادئ؛ لأن الحق سبحانه ما كان ليعطي عبده روحاً تُحرِّك مادته وتُسيِّر جوارحه، ثم يترك قيامه بدون منهج وبدون قيم وبدون أخلاق. ومن كرامة الإنسان على الله تعالى أن يمنحه هذه الروح التي يحيا بها قلبه وقيمه وأخلاقه؛ لأن حياة البدن والمادة حياة موقوتة فانية تفنى بفناء البدن. أما حياة القيم والمنهج فحياة باقية دائمة تصل حياتك في الدنيا بحياتك في الآخرة، وهذه هي الحياة المقصودة في قوله سبحانه وتعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ..} تفسير : [الأنفال: 24]. وقوله تعالى: {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ ..} [الشورى: 52] أي: لا تعرف شيئاً عن القرآن أو لا تعرف الكتابة، ولا تعرف الإيمان يعني الشرائع التفصيلية، وقلنا: إن الأمية شرف في حق رسول الله، وشرف في حَقِّ أمته، فالأمية مذمومة إلا في رسول الله وفي أمة رسول الله. ولو كان محمداً متعلماً يقرأ ويكتب لقالوا إنه جاء بالقرآن من عند نفسه، ولو كانت أمته أمةَ تعليم وحضارة لَقالُوا عن الإسلام قفزة حضارية يريدون أنْ يسودوا بها العالم. فمن عظمة محمد أنْ يقول له ربه: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ} [الشورى: 52] ويُرْوى أنا الخليفة المأمون قال لرجل يريد الذم: أنت أمي، فقال الرجل: إن رسول الله أمي، فقال له المأمون: الأمية في رسول الله شرف، وفيك تلف. لذلك أمر الحق سبحانه نبيه في موضع آخر أنْ يقول: {أية : قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [يونس: 16]. نعم أين عقولكم، فلقد لبث محمد بين أظهركم عمراً قبل الرسالة، وأنتم أدْرَى الناس به، وتعلمون أنه أُمي لا يعرف القراءة ولا الكتابة ولم تَرَوْهُ من قَبْلَ خطيباً ولا شاعراً، لذلك كان من غبائهم وعنادهم أن اتهموا رسول الله أنه يختلف إلى رجل أعجمي يعلمه القرآن، فكشف القرآن زيفهم وقال: {أية : لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} تفسير : [النحل: 103]. إذن: ما نزل على محمد شيء جديد ليس من صنع بشر {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ..} [الشورى: 52] كلمة {جَعَلْنَاهُ ..} [الشورى: 52] أي: القرآن {نُوراً ..} [الشورى: 52] ضياءً يزيح ظلام الجهل والكفر، وهذا النور هو الذي يهدي مَنْ يشاء الله له الهداية فيسير في الأرض على هدى وعلى بصيرة بحيث لا يصدم بشيء. والتصادم يعني الخسارة والهلاك فإنِ اصطدمتَ بما هو أقوى منك حطَّمك، وإنِ اصطدمتَ بما هو أضعف منك حطمته، لذلك قلنا: إننا في واقع حياتنا لا بدّ أنْ نحتفظ بشيء من الضوء، حتى حال النوم نترك (ونَّاسة) خافتة لنهتدي بها في ظلمة الليل حتى لا نتخبط إذا قُمْنا بالليل. ومن نور المادة نرتقي إلى نور الروح والقلب، وإلى المنهج الذي يُنير حياتنا المعنوية، هذا النور الذي قال الله عنه: {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} تفسير : [النور: 40]. قلنا: والإنسان ينير مجال حركته في الحياة على قدره، فواحد يُنوِّر حياته بشمعة، وآخر بلمبة جاز، وآخر بالكهرباء وهكذا، لكن إذا سطعتْ الشمس غطى نورها على كل الأنوار كأنها تقول لنا: أطفئوا أنواركم فقد جاءكم نور الله، وحين نرتقي من النور المادي إلى النور القيمي نقول: إذا جاءكم نور المنهج من الله فأوقفوا كل مناهجكم. وإذا جاءكم الحكم من الله فأوقفوا كلَّ أحكامكم وكل آرائكم ومقترحاتكم، ففي شرع الله ما يغنيكم عن كلِّ هذا، فكما أنك لا تحتاج إلى ضوء مصباحك أثناء النهار، كذلك لا تحتاج إلى أيِّ منهج آخر مع منهج الحق سبحانه فاستغنوا به عن غيره. فإذا ما قارنت نور الله بنور البشر ظهر لك الفرقُ واضحاً، في النور المادي والمعنوي، فأنت تأتي بالشمعة مثلاً وتضع فيها فتيلاً، وتأتي بالكبريت لتشعلها، ومع ذلك لو هبَّت عليها ريح تُطفئها، واللمبة الكهرباء تحتاج إلى أدوات لصناعتها وإلى (ترانس) ينظم الكهرباء وخلافه وبعد شهر تحتاج غياراً، ولو زاد عليها التيار تحترق وهكذا. أما الشمس فتضيء العالم كله، لا تحتاج منك إلى مزاولة شيء ولا إلى قطعة غيار ولا صيانة، ثم إن ضوءك يعمر بقدر عمرك، أما ضوء الشمس فباقٍ دائم دوامَ الكون وبقاء الدنيا من قبل آدم وإلى قيام الساعة. كذلك الفرق واضح في النور المعنوي، فأنتم تروْنَ مناهج البشر وقوانينهم لا تخلو من أخطاء ومن سلبيات، فإنْ ناسبتْ جماعة تعارضتْ مع جماعة أخرى، لذلك نراهم يلجأون إلى تغيير هذه القوانين من حين لآخر، فهي مناهج قاصرة قصور البشر. أما مناهج السماء فهي كاملة خالية من الأخطاء تراعي كل الظروف، وتصلح لكل زمان ولكل مكان، لأنها جاءتْ من الله العليم بحال خَلْقه، الخبير بما يُصلحهم، وبما يقيم حياتهم. إذن: الحق سبحانه مَا كان ليمنحنا النور المادي ويحرمنا النور المعنوي لأنه أهمُّ وأقوى في حياتنا من النور المادي، ألاَ ترى أن الأعْمى يستطيع أنْ يتحسَّس طريقه، ويستطيع أنْ يأتي بمَنْ يقوده ويُوصِّله إلى غايته. أما مَنْ فقد النور المعنوي فتراه يتخبط في متاهات الحياة دون هدى، وينتهي به الحال لا محالة إلى الضياع، ثم إن نور المادة مرتبط بها ويفنى بفنائها، أما نور القيم فبَاقٍ ممتدّ من الدنيا إلى الآخرة، وهو أصل الخلافة في الأرض. لذلك الحق سبحانه يشرح لنا هذه المسألة في سورة النور، فيقول سبحانه: {أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ} تفسير : [النور: 35]. فمعنى {أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} تفسير : [النور: 35] يعني: نور الهداية والقيم على نور المادة لتسير في دنياك على هدى وعلى بصيرة، وتسلم من الانحراف والضلال في الدنيا، ثم يُوصِّلك هذا النور إلى سلامة الآخرة والفوز فيها، وهذا مثل {وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ} [النور: 35] ليوضح لهم ما خَفِي عليهم، فالنور المادي دليل على المعنوي، والمؤمن يرتقي من النور المادي إلى النور المعنوي. ثم يُبيِّن لنا الحق سبحانه مصدر هذا النور في الآية التي بعدها: {أية : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} تفسير : [النور: 36] يعني: يا مَنْ أردتَ هذا النور المعنوي فالتمسْه في بيوت الله فهي مصدر إشعاعه، التمسْه في الصلاة وفي ذكر الله وفي تنفيذ المنهج الذي جاءك من الله. فالقرآن إذن نور عام حين نُوظِّفه يعطينا نوراً آخر هو نور الطاعات والعبادات، وأسْمَى مصدر لهذا النور هو المسجد. لذلك العلماء لمَّا بحثوا في متعلق الجار والمجرور في {أية : فِي بُيُوتٍ ..} تفسير : [النور: 36] قالوا هذا مُتعلِّق بقوله {أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} تفسير : [النور: 35] كأنك تقول: نور على نور في بُيوت أذن الله أن تُرفع وهي المساجد. وهذه البيوت متصل فيها تسبيح الصباح بتسبيح المساء، وعُمَّار هذه المساجد يُوصفون بأنهم {رِجَالٌ} [النور: 37] نعم ومَنِ الرجال إذا لم يكن هؤلاء؟ إذن: الحق سبحانه يعطينا النور المعنوي المتمثل في منهجه تعالى بافعل ولا تفعل، وبهذا المنهج تستقيم بالبشر أمور الحياة، لكن سرعان ما يحدث منهم غفلة أو نسيان أو انفلات من هذا المنهج فيقعون في المعصية، وتطرأ عليهم أقضية جديدة ومشاكل بقدر انفلاتهم وما يُحدثون من الفجور ومخالفة المنهج. لذلك رأينا الرسل جاء الواحد بعد الآخر بمناهج مُترقِّية، كل منهج منها يناسب القوم ويُصلح العلل الموجودة في هذا الوقت، مع أن هذه الشرائع اتحدتْ جميعها في أمور العقائد والأخلاق، وفي ثوابت الدين مثل الصلاة والزكاة، ثم بعد ذلك يأتي الرسول بأحكام خاصة تناسب حال قومه وتعالج أدواءهم. والمتأمل في موكب الرسالات يجد الرسالات يجد أنها تتطور يتطوُّر حركة الحياة وما يستجد في حياة الناس من أقضية، نحن مثلاً في الريف نجعل بين الحقول سكة ضيقة تسع مثلاً مرور شخص واحد، أو حماراً محملاً ويُسمُّونها، (مدقّ) غرضه أنْ نصل من خلاله إلى حقولنا لكن إنْ أردنا طريقاً بين قريتين نُوسعه بعض الشيء ليسع سيارة مثلاً، فإن كان بين مدينتين كان أوسع. وهكذا رأينا تطوراً كبيراً في إنشاء الطرق تطوراً يناسب حركة الحياة التي تطورتْ، انظر مثلاً طريق مصر الإسكندرية الصحراوي تجده طريقاً متسعاً واسعاً ليسع حركة المرور عليه، وهو اتجاهان ذهاب وإياب، به استراحات فيها كل ما تحتاجه لأنه طريق طويل. الحق سبحانه حدَّثنا عن هذه المسألة فقال: {أية : ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً ..} تفسير : [طه: 53] وسيدنا عمر لما أرادوا أن يُخططوا مدينة البصرة قال لهم: اجعلوا الطريق متسعاً لجملين محملين متقابلين، وهذا هو ما نفعله في العصر الحديث. وفي سورة سبأ قال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ} تفسير : [سبأ: 18]. القرى الظاهرة هي المحطات في الطريق الطويل والاستراحات التي تجد فيها حاجتك وترتاح فيها، فالطريق الطويل لا بدَّ أنْ يُقسَّم إلى مراحل ليكون السفر مريحاً غير شاق، وكلما ارتقتْ حركة الحياة ترتقي معها هذه الوسائل، حتى أننا نرى في بعض الاستراحات أماكن للراحة وللنوم. لذلك الحق سبحانه يحكي عن الذين تعدَّوْا وظلموا أنفسهم من الأعيان وأصحاب المراكب الفارهة حتى قالوا: {أية : رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ..} تفسير : [سبأ: 19] لماذا مع أن السفر وبُعْد السفر مشقة؟ قالوا: لأنهم أصحاب غِنى ومراكب لا تتوافر لغيرهم، فأرادوا بذلك ألاَّ يقدر على السفر غيرهم، ولا يسلُك هذه الطريق للتجارة إلا الأغنياء. هذا مثل للارتقاء أيضاً في التشريع، فكلما جَدَّ جديد وكلما وجد أقضية جديدة ارتقى التشريعُ من رسول لآخر ليعالج هذه الأقضية، إلى أنْ جاء التشريع الخاتم الصالح لكل زمان ومكان، والذي قال الله عنه: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً ..} تفسير : [المائدة: 3]. وقوله تعالى: {وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] الكلام هنا عن القرآن، جعله الله نوراً يهدي الله به مَنْ يشاء من عباده، فأثبت أن الهداية لله بهذا النور المنزَّل في الكتاب المحكم. ثم أثبت أيضاً الهداية لرسول الله وفوَّضه في أنْ يُشرِّع للناس بدليل قوله تعالى: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ ..} تفسير : [الحشر: 7]. فهداية الحق سبحانه في الأصول والثوابت وهي ما ورد في آيات الذكر الحكيم، ثم هداية الرسول في الفروع، وفي بيان هذه الأصول وشرحها، فإنْ جَدَّ في حياتكم جديد، وطرأ عليها من المسائل ما لم يأت بشأنه نَصٌّ، لا من الكتاب ولا من السنة فأجمعوا أمركم وليكون الرأي شورى بينكم، ولا تقضوا في هذه المسائل برأي الفرد، إنما برأي الجماعة. لذلك ورد في الحديث: "حديث : لا تجتمع أمتي على ضلالة ". تفسير : وما أجمل ما قاله شوقي رحمه الله: شعر : رَأْيُ الجَمَاعَةِ لاَ تَشْقَى البلادُ بِهِ رَغْم الخِلاَف ورَأْيُ الفَرْدِ يُشْقِيها تفسير : لذلك جعلوا الإجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع الإسلامي. فهذه الآية أثبتت الهداية لله تعالى بالقرآن {وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ..} [الشورى: 52] وهذه خاصة بالأصول وثوابت الدين التي ورد بها نص في كتاب الله. ثم أثبتت هداية أيضاً لرسول الله في الفروع، وفي توضيح ما أُجْمِلَ في كتاب الله {وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] وأعطتْ سيدنا رسول الله الحق وفوّضته في التشريع للناس، لذلك كانت سنته صلى الله عليه وسلم هي المصدر الثاني للتشريع. وقلنا: إن هداية الحق سبحانه للعبد هدايةُ بيان وإرشاد ودلالة، فإنْ أطاع استحقَّ هداية التوفيق والمعونة {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} تفسير : [محمد: 17] وهداية رسول الله هداية إرشاد وبيان فقط، وقد أوضحنا هذه المسألة. قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] أي: ترشد وتدل، والصراط المستقيم هو الطريق السَّوي المستقيم الذي يُوصِّلك إلى غايتك في أسرع وقت وبأقل مجهود ودون عناء، لأن الطريق كلما اعوج ازداد زمنه ومشقته، ثم إن هذا الطريق صراط يعني محدد مثل الشعرة، وهذا يعني أنك لا بدّ أنْ تسير عليه بانضباط، لا تنحرف عنه يميناً ولا شمالاً، لذلك قال في موضع آخر {أية : سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [الممتحنة: 1] يعني: وسطه. والمراد بالصراط المستقيم المنهج الذي جاء به سيدنا رسول الله، هذا المنهج الذي يصحبك في الدنيا لتستقيم به أمور حياتك، ثم يعطيك الجزاء في الآخرة، لذلك الحق سبحانه علّمنا أنْ ندعو ونقول: {أية : ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ..} تفسير : [الفاتحة: 6-7]. ثم يوضح الحق سبحانه طبيعة هذا الصراط: {صِرَاطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} معناه تَدعو إلى ذلك {أية : وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [الأنعام: 87] معناه دَعوناهُم إِليهِ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وقال: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} [الشورى: 52] وهو نور ينعكس في مرآة كينونيتك بتجلي كينونيتنا لمرآة كينونيتك؛ ليكون بنا حبيباً فتحب جمالنا بمحبتنا، ونحب جمالك بمحبتك التي هي عكس محبتنا في مرآتك فإذا أمعنت النظر وجدت الناظر والمنظور، والمحب والمحبوب واحداً كما قيل: شعر : أَنا مَن أَهوى وَمَن أَهوى أَنا نَحنُ روحانِ حَلَلْنا بَدَنا تفسير : وقوله: {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ} [الشورى: 52]؛ أي: حقيقتهما إذ كنت في ظلمة كينونيتك، فلما أخرجناك منها بتجلي كينونيتنا جعلناك نوراً دربت به نور الكتاب ونور الإيمان، فإن حقيقتهما نور واحد كما قال: {وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52] إلى حضرة جلالنا بالوصول والوصال، {وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ} [الشورى: 52] أيضاً {إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52]، {صِرَاطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} [الشورى: 53] ملكاً وملكاً؛ لأنك نور تهدي إلى حضرة جلالنا، ولمناسبة نوره مع نور الإيمان والقرآن قيل: "حديث : كان خلقه القرآن"تفسير : ، وقال تعالى فيه: {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} تفسير : [القلم: 4]، {أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ} [الشورى: 53]؛ لأنه تعالى مبدأ كل شيء ومرجع كل شيء ومصيره.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 870 : 6 : 4 - سفين عن عيسى عن مجاهد {وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} قال، تدعوا. [الآية 52].

همام الصنعاني

تفسير : 2748- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا}: [الآية: 52]، قال: رحمةً مِنْ عِندنَا. 2749- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}: [الآية: 52]، قال: {أية : وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}تفسير : : [الرعد: 7].