٤٢ - ٱلشُّورىٰ
42 - Ash-Shura (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
53
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {صِرٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } ملكاً وخلقاً وعبيداً {أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ } ترجع.
ابن عبد السلام
تفسير : {صِرَاطِ اللَّهِ} القرآن، أو الإسلام.
الخازن
تفسير : {صراط الله} يعني دين الله الذي شرعه لعباده {الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور} يعني أمور الخلائق في الآخرة فيثيب المحسن ويعاقب المسيء والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده وأسرار كتابه.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ} [الآية: 53]. قال القاسم: لأنه منه مبتدأ كل شىء وإليه منتهى كل شىء فما كان منه وله فهو الساعى له. وقال أبو عثمان: من علم أنّ أعماله تعرض على الله اجتهد فى تحصين أعماله والإخلاص فيها والقيام على قلبه ومن تهاون بأوامر الله فهو فى محل الهوان.
اسماعيل حقي
تفسير : {صراط الله} بدل من الاول {الذى له ما فى السموات وما فى الارض} خلقا وملكا واضافة الصراط الى الاسم الجليل ووصفه بالذى الخ لتفخيم شأنه وتقرير استقامته وتأكيد وجوب سلوكه فان كون جميع ما فيهما من الموجودات له تعالى خلقا وملكا وتصرفا مما يوجب ذلك اتم ايجاب. قال بعضهم دعونا أقواما فى الازل فأجابوا فأنت تهديهم الينا وتدلهم علينا وانما كان عليه السلام هاديا لانه نور كالقرءآن ولمناسبة نوره مع نور الايمان والقرءآن قيل كان خلقه القرءآن. اى نور الهى زجبين توهويدا سر ازل از نور جمالت شده بيدا. {ألا} كلمة تذكرة لتبصرة او تنبيه لحجة وبالفارسية بدانيدكه {الى الله} لا الى غيره {تصير الامور} اى امور ما فيهما قاطبة بارتفاع الوسائط والتعلقات يعنى يوم القيامة فيحمل تصير على معنى الاستقبال ففيه من الوعد للمهتدين الى الصراط المستقيم والوعيد للضالين عنه ما لا يخفى وقال فى بحر العلوم الى الله تصير امور الخلائق كلها فى الدنيا والآخرة فلا يدبرها الا هو حيث لا يخرج امر من الامور من قضائه وتقديره ونزد محققان باز كشت همه امور درهمه اوقات واحوال بحضرت اوست وبارتفاع حجب ووسائط مشاهده اين معنى دست دهد. صورت كثرت حجب وحدتست. غيبت ما مانع نور حضور. ديده دل باز كشاويبين. سر الى الله تصير الامور. وذلك لان الله مبدأ كل ومرجعه ومصيره اما بالفناء الاختيارى او بالفناء الاضطرارى يكبار حسن بصرى رحمه الله بجنازه رفت جون مرده را در كور نهادند وخاك راست كردند حسن برسر آن خاك نشست وجندان بدان كريست كه خاك كل شد بس كفت اى مردمان اول آخر بحدست آخر دنيا نكرى كورست واول اخرت نكرى كورست كه القبر منزل من منازل الآخرة جه مى نازيد بعالمى كه آخرش اينست يعنى كور وجون نمى ترسيد از عالمى كه اولش اينست يعنى كور جون اول آخرش اينست اى اهل غفلت كار اول وآخر بسازيد. شب كور خواهى منور جو روز. ازبنجا جراغ عمل برفروز. بران خورد سعدى كه بيخى نشاند. كسى برد خرمن كه تخمى فشاند. وعن سهل بن ابى الجعد احترق مصحف فلم يبق الا قوله تعالى ألا الى الله تصير الامور وغرق مصحف فانمحى كل شئ الا ذلك كذا فى عين المعانى للسجاوندى تمت سورة الشورى فى اوآخر شهر ربيع الآخر المنتظم فى شهور سنة ثلاث عشرة مائة والف سورة الزخرف تسع وثمانون آية مكية.
الجنابذي
تفسير : {صِرَاطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} وعنه (ع) يعنى عليّاً انّه جعله خازنه على ما فى السّماوات وما فى الارض من شيءٍ وائتمنه عليه، ولعلّه (ع) ارجع الضّمير المجرور الى الصّراط، او فسّر الصّراط بعلىٍّ (ع) {أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ} اى تنتهى جميع الامور اليه فى الواقع، او تنتهى بلحاظ اللاّحظ اليه بمعنى انّه اذا نظر الى جزئىٍّ من جزئيّات الوجود ولوحظ مصدره ومصدر مصدره تنتهى المصادر كلّها الى الله فيكون مصدر الكلّ.
اطفيش
تفسير : {صِرَاطَ} بدل كل من صراط. {اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} خلقاً وملكاً وتعبيداً ومن قوله وكذلك أوحينا اليك روحاً الى هذا تعديد للنعمة وتوقيف على مقدارها* {أَلآَ إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ} يوم القيامة أي ترجع اليه فيثيب المحسن ويعاقب المسيء فهذا وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين. قال ابن أبي الجعد وغيره احترق مصحف فلم يبق منه الا {أَلاَ إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ} وغرق مصحف فامتحى كله إلا {أَلاَ إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ} وتقديم {إِلَى اللهِ} على {تَصِيرُ} للحصر والاهتمام أي الاشارة الى عظمته. قال الشاذلي: (ان أردت أن تغلب الشر كله وتلحق الخير كله ولا يسبقك سابق وان عمل ما عمل فقل: (يا من له الخير والأمر كله أسألك الخير كله وأعوذ بك من الشر كله فانك أنت الغنى الغفور الرحيم أسألك بالهادي محمد صلى الله عليه وسلم الى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما فى السموات وما في الأرض أَلا إلى اللهِ تَصِيرُ الأُمُور معرفة تشرح بها صدري وتضع بها وزري وترفع بها ذكري وتيسر بها أمري وتنزه بها فكري وتقدس بها سري وتكشف بها ضري وترفع بها قدري انك على كل شيء قدير. اللهم بحق المصطفى علينا صلى الله عليه وسلم وحق السورة افعل لي ذلك واكسر شوكة النصارى وغلب الموحدين والمسلمين عليهم وصل اللهم وسلم عليه وعلى آله وصحبه.
اطفيش
تفسير : {صِراطِ الله الَّذي له ما في السَّماواتِ وما في الأرض إلا إلى الله} وحده {تَصيرُ الأمُور} فى المستقبل يوم القيامة، لارتفاع الوسائط فيه، أو فى الدنيا والآخرة بمضارع الحال والاستمرار، وذلك وعيد للكفرة، ووعد للمؤمنين. والله أعلم وهو الموفق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الالوسي
تفسير : {صِرٰطِ ٱللَّهِ} بدل من الأول وإضافته إلى الاسم الجليل ثم وصفه بقوله تعالى: {ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلاْرْضِ} لتفخيم شأنه وتقرير استقامته وتأكيد وجوب سلوكه فإن كون جميع ما فيهما من الموجودات له تعالى خلفاً وملكاً وتصرفاً مما يوجب ذلك أتم إيجاب. {أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ} أي أمور من فيهما قاطبة لا إلى غيره تعالى وذلك بارتفاع الوسائط يوم القيامة ففيه من الوعد للمهتدين إلى الصراط المستقيم والوعيد للضالين عنه ما لا يخفى. وصيغة المضارع على ما قررنا على ظاهرها من الاستقبال، وقال في «البحر»: المراد بها الاستمرار كما في زيد يعطي أي من شأنه ذلك، والأول أظهر والله تعالى أعلم. ومما قاله أرباب الإشارات في بعض الآيات: قال سبحانه: {أية : لّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا} تفسير : [الشورى: 7] قيل يشير ذلك إلى إنذار نفسه الشريفة لأنها أم قرى نفوس آدم وأولاده لأنه صلى الله عليه وسلم أول العالمين خلقاً ومنه عليه الصلاة والسلام نشأت الأرواح والنفوس ومن هذا كان آدم ومن دونه تحت لوائه صلى الله عليه وسلم، وقد أشار إلى ذلك سلطان العاشقين عمر بن الفارض بقوله على لسان الحقيقة المحمدية:شعر : وإني وإن كنت ابن آدم صورة فلي منه معنى شاهد بأبوتي تفسير : وقوله سبحانه: {وَمَنْ حَوْلَهَا} يشير إلى نفوس أهل العالم وقد أنذر صلى الله عليه وسلم كلاً حسب استعداده، وقيل في قوله تعالى: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} تفسير : [الشورى: 11] إنه يشير إلى التنزيه والتشبيه، وقرر ذلك الشيخ الأكبر قدس سره بما يطول {أية : لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الشورى: 12] أي مفاتيح سمٰوات القلوب وفيها خزائن لطفه تعالى ورحمته عز وجل وأرض النفوس وفيها خزائن قهره سبحانه وعزته جل جلاله فكل قلب مخزن لنوع من ألطافه كالمعرفة والمحبة والشوق والتوحيد والهيبة والأنس والرضا إلى غير ذلك، وقد يجتمع في القلب خزائن وكل نفس مخزن لنوع من آثار قهره كالنكرة والجحود والإنكار والشرك والنفاق والحرص والكبر والبخل والشره وغير ذلك، وقد / يجتمع في النفس خزائن، وفائدة الإخبار بأن له سبحانه مقاليد ذلك قطع أفكار العباد عمن سواه سبحانه في جلب ما يريدونه ودفع ما يكرهونه {أية : ٱللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} تفسير : [الشورى: 13] يشير إلى مقامي المجذوب والسالك فالمجذوب من الخواص اجتباه ربه سبحانه في الأزل وسلكه في مسلك من يحبهم واصطنعه سبحانه لنفسه جل شأنه وجذبه تعالى عن الدارين بجذبة توازي عمل الثقلين فهو في مقعد صدق عند مليك مقتدر، والسالك من العوام سلكه في سلك من يحبونه بالتوفيق للهداية والقيام على قدمي الجهد والإنابة إلى سبيل الرشاد من طريق العناد {أية : وَٱلَّذِين يُحَاجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ} تفسير : [الشورى: 16] يشير إلى الذين يحاجون في معرفة الله تعالى بشبه العقل الذي استجاب له تعالى حين دعاه فوصل إلى الحضرة فهو في كشف وعيان وأولئك من وراء ما يزعمون أنه برهان {أية : أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُواْ لَهُمْ مّنَ ٱلدّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ ٱللَّهُ} تفسير : [الشورى: 21] يشير إلى كفار النفوس فإنهم شرعوا عند استيلائهم للأرواح والقلوب ما لم يرض به الله تعالى من مخالفات الشريعة وموافقات الطبيعة {أية : ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} تفسير : [الشورى: 19] يشير إلى عموم لطفه تعالى وهو أنواع لا تحصى ومراتب لا تستقصى. وروى السلمي عن سيد الطائفة قدس سره اللطيف من نور قلبك بالهدى وربـى جسمك بالغذا ويخرجك من الدنيا بالإيمان ويحرسك من نار لظى ويمكنك حتى تنظر وترى هذا لطف اللطيف بالعبد الضعيف {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ} استعملوا تكاليف الشرع لقمع الطبع وكسر الهوى وتزكية النفس وتصفية القلب وجلاء الروح {فِي رَوْضَـٰتِ ٱلْجَنَّـٰتِ} في الدنيا جنات الوصلة والمعارف وطيب الأنس في الخلوة والآخرة في روضات الجنة {أية : لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} تفسير : [الشورى: 22] حسب مراتبهم في القربات والوصلات والمكاشفات ونيل الدرجات وعلى قدر هممهم {أية : قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ } تفسير : [الشورى: 23] وهم أقاربه صلى الله عليه وسلم الذين خلقوا من عنصره الشريف وتحلوا بحلاه المنيف كأئمة أهل البيت ومودتهم يعود نفعها إلى من يودهم لأنها سبب للفيض وهم رضي الله تعالى عنهم أبوابه وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنا مدنية العلم وعلي بابها»تفسير : رمز إلى ذلك فافهم الإشارة {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} تفسير : [الشورى: 25] لمزيد كرمه جل شأنه فمتى وفق عبداً للتوبة قبلها جوداً وكرماً وعن بعضهم أنه قال لبعض المشايخ: إن تبت فهل يقبلني الله تعالى؟ فقال: إن يقبلك الله تعالى تتب إليه سبحانه فقبول الله تعالى سابق على التوبة {أية : وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ} تفسير : [الشورى: 26] إشارة إلى الرؤية فإن الجنان ونعيمها مخلوقة تقع في مقابلة مخلوق وهو عمل العمال والرؤية مما تتعلق بالقديم فلا تقع إلا فضلاً ربانياً، وفي بعض الأخبار أن هذه الزيادة أن يشفعهم في إخوان إخوانهم {أية : ٱسْتَجِيبُواْ لِرَبّكُمْ} تفسير : [الشورى: 47] الاستجابة للعوام بالوفاء بعهده تعالى والقيام بحقه سبحانه والرجوع عن مخالفته جل شأنه إلى موافقته عز وجل، وللخواص بالاستسلام للأحكام الأزلية والإعراض عن الدنيا وزينتها وشهواتها، ولأخص الخواص من أهل المحبة بصدق الطلب بالإعراض عن الدارين والتوجه لحضرة الجلال ببذل الوجود في نيل الوصول والوصال {أية : يَهَبُ لِمَن يَشَاء إِنَـٰثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَـٰثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيماً} تفسير : [الشورى: 49ـ50] قيل فيه إشارة إلى أحوال المشايخ من حيث المريدين فمنهم من يهب الله تعالى له ومنهم من لا تصرف له في غيره بالتخريج والتسليك وهو أشبه شيء بالأنثى من حيث عدم التصرف ومنهم من يهب سبحانه له من له قدرة التصرف بالتخريج والتسليك وهو أشبه شيء بالذكر ومنهم من يهب له تعالى هذا وهذا ومنهم من يجعله جل وعلا عقيماً لا مريد له أصلاً. {أية : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ * مَا يَشَآء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} تفسير : [الشورى: 51] قال سيدي الشيخ / عبد الوهاب الشعراني في تفسيره الآية المذكورة: اعلم أن المانع من سماع كلام الحق إنما هو البشرية فإذا ارتفع العبد عنها كلمه الله تعالى من حيث كلم سبحانه الأرواح المجردة عن المواد، والبشر ما سمي بشراً إلا لمباشرته الأمور التي تعوقه عن اللحوق بدرجة الروح فلما لم يلحق كلمه الله تعالى في الأشياء وتجلى سبحانه له فيها بخلاف من لحق كالأنبياء عليهم السلام فلا يتجلى الحق سبحانه لغيرهم إلا في حجاب الصور ولولا هدايته تعالى للعبد ما عرف أنه سبحانه ربه. واعلم أن الحقيقة تأبـى أن يكلم الله تعالى غير نفسه أو يسمع غير نفسه فلا بد إذا خاطب عبداً على قصد إسماعه أن يكون جميع قواه لأنه محال أن يطيق الحادث سماع كلام القديم ولم يكن الحق سبحانه قواه عند النجوى ولذلك خر موسى عليه السلام صعقاً إذ لم يكن له استعداد يقبل به التجلي اللائق بمقامه وثبت نبينا صلى الله عليه وسلم ولما لم يكن للجبل درجة المحبة التي يكون بها الحق سمع عبده وبصره وجميع قواه لم يقدر على سماع الخطاب فدك. واعلم أن حديث الحق سبحانه للخلق لا يزال أبداً غير أن من الناس من يفهم أنه حديث كعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ومن ورثه من الأولياء ومنهم من لا يعرف ذلك ويقول: ظهر لي كذا وكذا ولا يعرف أن ذلك من حديث الحق سبحانه معه وكان شيخنا يقول: كان عمر من أهل السماع المطلق الذي يحدثهم الله تعالى في كل شيء ولكن له ألقاب وهو أنه إن أجابوه به تعالى فهو حديث وإن أجابوه بهم فهي محادثة وإن سمعوا حديثه سبحانه فليس بحديث في حقهم وإنما هو خطاب أو كلام، وقد ورد في المتهجدين أنهم أهل المسامرة فقد علمت أن الوحي ما يلقيه الله تعالى في قلوب خواص عباده على جهة الحديث فيحصل لهم من ذلك علم بأمر ما فإن لم يكن كذلك فليس بوحي ولا خطاب فإن بعض الناس يجدون في قلوبهم علماً بأمر ما مثل العلوم الضرورية عند الناس فهو علم صحيح لكن ليس صادراً عن خطاب وكلامنا إنما هو في الخطاب الإلهي المسمى وحياً فإن الله تعالى جعل هذا الصنف من الوحي كلاماً يستفيد به العلم من جاء له. واعلم أنه لا ينزل على قلوب الأولياء من وحي الإلهام إلا دقائق ممتدة من الأرواح الملكية لا نفس الملائكة لأن الملك لا ينزل بوحي على غير نبـي أصلاً ولا يأمر بأمر إلهي قطعاً لأن الشريعة قد استقرت فلم يبق إلا وحي المبشرات وهو الوحي الأعم ويكون من الحق إلى العبد من غير واسطة ويكون أيضاً بواسطة والنبوة من شأنها الواسطة فلا بد من واسطة الملك فيها لكن الملك لا يكون حال إلقائه ظاهراً بخلاف الأنبياء عليهم السلام فإنهم يرون الملك حال الكلام والولي لا يشهد الملك إلا في غير حال الإلقاء فإن سمع كلامه لم يره وإن رآه لا يكلمه فالعارفون لا ينالون ما فاتهم من النبوة مع بقاء المبشرات عليهم إلا أن الناس يتفاضلون فمنهم من لا يبرح في بشارة الواسطة ومنهم من يرتفع عنها كالأفراد فإن لهم المبشرات بارتفاع الوسائط وما لهم النبوات ولهذا ينكر عليهم الأحكام لأنهم ضاهوا الأنبياء من حيث كونهم يعملون بما يرونه من تعريفات الحق لهم كأنه شريعة مستقلة في الظاهر وليس ذلك بشريعة إنما هو بيان لها فالمنقطع إنما هو وحي التشريع لا غير أما التعريف لأمور مجملة في السنة فهو باق لهذه الأمة ليكونوا على بصيرة فيما يدعون الناس إليه لأنه خبر إلهي وإخبار من الله تعالى للعبد على يد ملك مغيب على هذا الملهم، ولا يكون الإلهام إلا في الخير و {أية : أَلْهَمَهَا فُجُورَهَا} تفسير : [الشمس: 8] على معنى إلهامها إياه لتجتنبه كما أن إلهامها تقواها لتعمل بها، وأكمل الإلهام أن يلهم اتباع الشرع والنظر في الكتب الإلهية ويقف عند حدودها وأوامرها حتى يزول صدى طبيعته وتنتقش فيها صور العالم، وأما قوله تعالى: { أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ} فهو خطاب إلهي يلقيه على السمع لا على القلب فيدركه من ألقي إليه فيفهم منه ما قصده من يسمعه ذلك وقد يحصل له ذلك في صورة التجلي فتخاطبه تلك الصورة وهي عين الحجاب فيفهم من ذلك الخطاب علم ما يدل عليه ويعلم أن ذلك حجاب وأن المتكلم من وراء ذلك الحجاب وكل من أدرك صورة التجلي الإلهي يعلم أن ذلك هو الله تعالى فما يزيد صاحب هذا الحال على غيره إلا بمعرفته أن المخاطب له من وراء الحجاب. وأما قوله تعالى: {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً} فهو ما ينزل به الملك أو ما يجىء به الرسول البشري إلينا إذا نقلا كلام الله تعالى خاصة كالتالين فإن نقلا علماً وجداه في أنفسهما وأفصحا عنه فذلك ليس بكلام إلهي، ومن الأولياء من يعطي الترجمة عن الله سبحانه في حال الإلقاء والوحي الخاص بكل إنسان فيكون المترجم موجداً لصور الحروف اللفظية أو المرقومة ويكون روح تلك الصور كلام الله عز وجل لا غير، وقد يقول الولي: حدثني قلبـي عن ربـي يعني به من الوجه الخاص فاعلم ذلك وتأمل ما قررته لك فإنه نفيس والله تعالى يتولى هداك، وله قدس سره كلام كثير في هذا المقام تركناه خوف الإطالة، ولعل فيما ذكرناه كفاية لذوي الأفهام. {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} وهو ما به الحياة الطيبة الأبدية {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلاَ ٱلإِيمَـٰنُ} قبل الإيحاء. قيل: أشير بهذا الإيحاء إلى الإيحاء في هذه النشأة وكان له صلى الله عليه وسلم في كل حال من أحواله فيها نوع من الوحي والدراية المنفية إذ كان عليه الصلاة والسلام في كينونته قبل إخراجه منها بتجلي كينونته عز وجل وإلا فهو صلى الله عليه وسلم نبـي ولا آدم ولا ماء ولا طين ولا يعقل نبـي بدون إيحاء {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [الشورى: 52] وهو التوحيد السليم من زوايا الأغيار ويشير إلى ذلك قوله تعالى: {أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ} [الشورى: 53] تمت السورة بتوفيق الله عز وجل والصلاة والسلام على أول نور أشرق من شمس الأزل وبها والحمد لله تعالى.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ}. ما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الأمور كلها تصير إلى الله، أي ترجع إليه وحده لا إلى غيره. جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى: {أية : وَللَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ} تفسير : [هود: 123] وقوله تعالى: {أية : وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاس} تفسير : [آل عمران: 109-110] إلى غير ذلك من الآيات.
د. أسعد حومد
تفسير : {صِرَاطِ} {ٱلسَّمَاوَاتِ} (53) - وَهَذَا القُرْآنُ هُوَ الطَرِيقُ القَوِيمُ الذِي يَهْدِي اللهُ إِلَيهِ عِبَادَهُ وَهُوَ الطَّرِيقُ الذِي شَرَعَهُ اللهُ مَالِكُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ. والمُتَصَرِّفُ بِهِمَا، والحَاكِمُ الذِي لاَ مُعَقَّبَ عَلَى حُكْمِهِ، أَلاَ إِنَّ أُمُورَ الخَلاَئِقِ كُلَّهَا تَصِيرُ إِلَى اللهِ تَعَالَى يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَفْصلُ فِيهَا بِعَدْلِهِ التَّام، وَحِكْمَتِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {صِرَاطِ ٱللَّهِ ..} [الشورى: 53] أضاف الصراط إليه سبحانه، فهو صاحبه وواضعه ليس من إنشائكم. يعني: لا دَخْلَ للعبد فيه، وطالما أنه من الله فينبغي عليكم اتباعه والحذر من الانحراف عنه. ثم يصف الحق سبحانه نفسه بهذه الصفة {ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ..} [الشورى: 53] يعني: صاحب هذا الصراط له ملْك ما في السماوات وما في الأرض، يعني في الدنيا، ثم تصير الأمور إليه وحده في الآخرة. {أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ} [الشورى: 53] وهذا أسلوب قصر يعني: إلى الله وحده لا إلى أحد غيره. إذن: هذا الصراط وهذا المنهج وضعه لكم الذي يملك الدنيا ويملك الآخرة، فمَنْ سار على منهجه في الدنيا لم يُحرم الجزاء في الآخرة. فالدنيا كلها (من) بداية صائرة إلى غاية هي الآخرة، والغاية هذه إلى الله وحده، فما بين (من) و (إلى) أحسنوا أموركم فيها لأنكم صائرون منها إلى الله، وتذكّروا أن دار العمل موقوتة، وأن دار الجزاء خالدة باقية، هذه دار شَقاء وعَنَت، وهذه دار نعيم، فيها ما لا عَيْنٌ رأت، ولا أذن سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر، ومَنْ يخطب الحسناء يُغلها المهر. وتأمل كيف خُتِمتْ هذه السورة بقوله تعالى: {أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ} [الشورى: 53] (ألاَ) أداة تنبيه، والتنبيه لا يكون إلا لأمر مهم ينبغي الاهتمام به ولا نغفل عنه، قلنا: لأن المتكلم هو الذي يعي كلامه ووقته ولا يغفل عنه، أما المخاطب فقد يغفل عما يُقال فيحتاج إلى تنبيه في الأمور المهمة. هذا الأمر المهم ما هو؟ هو {أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ} [الشورى: 53] هذه برقية موجزة في ختام السورة في طياتها كلام كثير، حتى في البشر حينما يوصي الإنسان أولاده مثلاً قبل موته لا يُوصيهم بكل تفاصيل حركة الحياة، إنما بالأمور المهمة. فقوله سبحانه: {أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ} [الشورى: 53] يعني: تنبهوا أنّ المسألة كلها من الله وإلى الله، من الله منهج، وإلى الله مرجع ومصير. فانظر في حركتك واجعلها موافقة لهذا المنهج، واعلم أنك راجع إليه، وأمرك صائر إليه وحده، لأنه سبحانه لم يخلقنا عبثاً، ولن يتركنا سُدى. هذه حقيقة ينبغي ألاَّ تغيب أبداً عن عقولنا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):