٤٣ - ٱلْزُّخْرُف
43 - Az-Zukhruf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن قوله {حـم * وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ } يحتمل وجهين الأول: أن يكون التقدير هذه حٰم والكتاب المبين فيكون القسم واقعاً على أن هذه السورة هي سورة حٰم ويكون قوله {إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً } ابتداء لكلام آخر الثاني: أن يكون التقدير هذه حٰم. ثم قال: {وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً } فيكون المقسم عليه هو قوله {إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً } وفي المراد بالكتاب قولان أحدهما: أن المراد به القرآن، وعلى هذا التقدير فقد أقسم بالقرآن أنه جعله عربياً الثاني: أن المراد بالكتاب الكتابة والخط أقسم بالكتابة لكثرة ما فيها من المنافع، فإن العلوم إنما تكاملت بسبب الخط فإن المتقدم إذا استنبط علماً وأثبته في كتاب، وجاء المتأخر ووقف عليه أمكنه أن يزيد في استنباط الفوائد، فبهذا الطريق تكاثرت الفوائد وانتهت إلى الغايات العظيمة، وفي وصف الكتاب بكونه مبيناً من وجوه الأول: أنه المبين للذين أنزل إليهم لأنه بلغتهم ولسانهم والثاني: المبين هو الذي أبان طريق الهدى من طريق الضلالة وأبان كل باب عما سواه وجعلها مفصلة ملخصة. واعلم أن وصفه بكونه مبيناً مجاز لأن المبين هو الله تعالى وسمي القرآن بذلك توسعاً من حيث إنه حصل البيان عنده. أما قوله {إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ قُرْءاناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: القائلون بحدوث القرآن احتجوا بهذه الآية من وجوه الأول: أن الآية تدل على أن القرآن مجعول، والمجعول هو المصنوع المخلوق، فإن قالوا لم لا يجوز أن يكون المراد أنه سماه عربياً؟ قلنا هذا مدفوع من وجهين الأول: أنه لو كان المراد بالجعل هذا لوجب أن من سماه عجمياً أن يصير عجمياً وإن كان بلغة العرب ومعلوم أنه باطل الثاني: أنه لو صرف الجعل إلى التسمية لزم كون التسمية مجعولة، والتسمية أيضاً كلام الله، وذلك يوجب أنه فعل بعض كلامه، وإذا صح ذلك في البعض صح في الكل الثاني: أنه وصفه بكونه قرآناً، وهو إنما سمي قرآناً لأنه جعل بعضه مقروناً بالبعض وما كان كذلك كان مصنوعاً معمولاً الثالث: أنه وصفه بكونه عربياً، وهو إنما كان عربياً لأن هذه الألفاظ إنما اختصت بمسمياتهم بوضع العرب واصطلاحاتهم، وذلك يدل على كونه معمولاً ومجعولاً والرابع: أن القسم بغير الله لا يجوز على ما هو معلوم فكان التقدير حٰم ورب الكتاب المبين، وتأكد هذا أيضاً بما روي أنه عليه السلام كان يقول يا رب طه ويٰس ويا رب القرآن العظيم والجواب: أن هذا الذي ذكرتموه حق، وذلك لأنكم إنما استدللتم بهذه الوجوه على كون هذه الحروف المتوالية والكلمات المتعاقبة محدثة مخلوقة، وذلك معلوم بالضرورة ومن الذي ينازعكم فيه، بل كان كلامكم يرجع حاصله إلى إقامة الدليل على ما عرف ثبوته بالضرورة. المسألة الثانية: كلمة لعلّ للتمني والترجي وهو لا يليق بمن كان عالماً بعواقب الأمور، فكان المراد منها هٰهنا: كي أي أنزلناه قرآناً عربياً لكي تعقلوا معناه، وتحيطوا بفحواه، قالت المعتزلة فصار حاصل الكلام إنا أنزلناه قرآناً عربياً لأجل أن تحيطوا بمعناه، وهذا يفيد أمرين أحدهما: أن أفعال الله تعالى معللة بالأغراض والدواعي والثاني: أنه تعالى إنما أنزل القرآن ليهتدي به الناس، وذلك يدل على أنه تعالى أراد من الكل الهداية والمعرفة، خلاف قول من يقول إنه تعالى أراد من البعض الكفر والإعراض، واعلم أن هذا النوع من استدلالات المعتزلة مشهور، وأجوبتنا عنه مشهورة، فلا فائدة في الإعادة، والله أعلم. المسألة الثالثة: قوله {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } يدل على أن القرآن معلوم وليس فيه شيء مبهم مجهول خلافاً لمن يقول بعضه معلوم وبعضه مجهول. ثم قال تعالى: {وَإِنَّهُ فِي أُمّ ٱلْكِتَـٰبِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي {أُمِّ ٱلْكِتَـٰبِ } بكسر الألف والباقون بالضم. المسألة الثانية: الضمير في قوله {وَإِنَّهُ } عائد إلى الكتاب الذي تقدم ذكره في {أُمِّ ٱلْكِتَـٰبِ لَدَيْنَا } واختلفوا في المراد بأم الكتاب على قولين: فالقول الأول: إنه اللوح المحفوظ لقوله { أية : بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } تفسير : [البروج: 22]. واعلم أن على هذا التقدير فالصفات المذكورة ههنا كلها صفات اللوح المحفوظ. الصفة الأولى: أنه أم الكتاب والسبب فيه أن أصل كل شيء أمه والقرآن مثبت عند الله في اللوح المحفوظ، ثم نقل إلى سماء الدنيا، ثم أنزل حالاً بحسب المصلحة، عن ابن عباس رضي الله عنه: « إن أول ما خلق الله القلم، فأمره أن يكتب ما يريد أن يخلق » فالكتاب عنده فإن قيل وما الحكمة في خلق هذا اللوح المحفوظ مع أنه تعالى علاّم الغيوب ويستحيل عليه السهو والنسيان؟ قلنا إنه تعالى لما أثبت في ذلك أحكام حوادث المخلوقات، ثم إن الملائكة يشاهدون أن جميع الحوادث إنما تحدث على موافقة ذلك المكتوب، استدلوا بذلك على كمال حكمة الله وعلمه. الصفة الثانية: من صفات اللوح المحفوظ قوله {لَدَيْنَا } هكذا ذكره ابن عباس، وإنما خصه الله تعالى بهذا التشريف لكونه كتاباً جامعاً لأحوال جميع المحدثات، فكأنه الكتاب المشتمل على جميع ما يقع في ملك الله وملكوته، فلا جرم حصل له هذا التشريف، قال الواحدي، ويحتمل أن يكون هذا صفة القرآن والتقدير إنه لدينا في أم الكتاب. الصفة الثالثة: كونه علياً والمعنى كونه عالياً عن وجوه الفساد والبطلان وقيل المراد كونه عالياً على جميع الكتب بسبب كونه معجزاً باقياً على وجه الدهر. الصفة الرابعة: كونه حكيماً أي محكماً في أبواب البلاغة والفصاحة، وقيل حكيم أي ذو حكمة بالغة، وقيل إن هذه الصفات كلها صفات القرآن على ما ذكرناه والقول الثاني: في تفسير أم الكتاب أنه الآيات المحكمة لقوله تعالى: { أية : هُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ آيَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمِّ ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [آل عمران: 7] ومعناه أن سورة حٰم واقعة في الآيات المحكمة التي هي الأصل والأم. ثم قال تعالى: {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذّكْرَ صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وحمزة والكسائي {إِن كُنتُمْ } بكسر الألف تقديره: إن كنتم مسرفين لا نضرب عنكم الذكر صفحاً، وقيل (إن) بمعنى إذ كقوله تعالى: { أية : وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرّبَوٰاْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ } تفسير : [البقرة: 278] وبالجملة فالجزاء مقدم على الشرط، وقرأ الباقون بفتح الألف على التعليل أي لأن كنتم مسرفين. المسألة الثانية: قال الفرّاء والزجاج يقول ضربت عنه وأضربت عنه أي تركته وأمسكت عنه وقوله {صَفْحاً } أي إعراضاً والأصل فيه أنك توليت بصفحة عنقك وعلى هذا فقوله {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً } تقديره: أفنضرب عنكم إضرابنا أو تقديره أفنصفح عنكم صفحاً، واختلفوا في معنى الذكر فقيل معناه أفنرد عنكم ذكر عذاب الله، وقيل أفنرد عنكم النصائح والمواعظ، وقيل أفنرد عنكم القرآن، وهذا استفهام على سبيل الإنكار، يعني إنا لا نترك هذا الإعذار والإنذار بسبب كونكم مسرفين، قال قتادة: لو أن هذا القرآن رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا ولكن الله برحمته كرره عليهم ودعاهم إليه عشرين سنة إذا عرفت هذا فنقول هذا الكلام يحتمل وجهين: الأول: الرحمة يعني أن لا نترككم مع سوء اختياركم بل نذكركم ونعظكم إلى أن ترجعوا إلى الطريق الحق الثاني: المبالغة في التغليظ يعني أتظنون أن تتركوا مع ما تريدون، كلا بل نلزمكم العمل وندعوكم إلى الدين ونؤاخذكم متى أخللتم بالواجب وأقدمتم على القبيح. المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف»: الفاء في قوله {أَفَنَضْرِبُ } للعطف على محذوف تقديره أنهملكم فنضرب عنكم الذكر. ثم قال تعالى: {وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيّ فِى ٱلأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِم مّنْ نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } والمعنى أن عادة الأمم مع الأنبياء الذين يدعونهم إلى الدين الحق هو التكذيب والاستهزاء، فلا ينبغي أن تتأذى من قومك بسبب إقدامهم على التكذيب والاستهزاء لأن المصيبة إذا عمت خفت. ثم قال تعالى: {فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً } يعني أن أولئك المتقدمين الذين أرسل الله إليهم الرسل كانوا أشد بطشاً من قريش يعني أكثر عدداً وجلداً، ثم قال: {وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ } والمعنى أن كفار مكة سلكوا في الكفر والتكذيب مسلك من كان قبلهم فليحذروا أن ينزل بهم من الخزي مثل ما نزل بهم فقد ضربنا لهم مثلهم كما قال: { أية : وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ } تفسير : [الفرقان: 39] وكقوله { أية : وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } تفسير : إلى قوله { أية : وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ } تفسير : [إبراهيم: 45]، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ } تقدّم الكلام فيه. وقيل: «حۤم» قسم. «وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ» قسم ثانٍ؛ وللّه أن يقسم بما شاء. والجواب «إِنَّا جَعَلْنَاهُ». وقال ابن الأنباري: من جعل جواب «وَالْكِتَابِ» «حۤم» ـ كما تقول نزل والله وَجَب والله ـ وقف على «الْكتَابِ الْمُبِينِ». ومن جعل جواب القسم «إِنَّا جَعَلْنَاهُ» لم يقف على «الْكِتَابِ الْمُبِينِ». ومعنى: «جَعَلْنَاهُ» أي سمّيناه ووصفناه؛ ولذلك تعدّى إلى مفعولين؛ كقوله تعالى: {أية : مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ} تفسير : [المائدة: 103]. وقال السُّدّي: أي أنزلناه قرآناً. مجاهد: قلناه. الزجاج وسفيان الثَّوْري: بيّناه. {عَرَبِيّاً} أي أنزلناه بلسان العرب؛ لأن كل نبيّ أنزل كتابه بلسان قومه؛ قاله سفيان الثوري وغيره. وقال مقاتل: لأن لسان أهل السماء عربيّ. وقيل: المراد بالكتاب جميع الكتب المنزلة على الأنبياء؛ لأن الكتاب اسم جنس فكأنه أقسم بجميع ما أنزل من الكتب أنه جعل القرآن عربياً. والكناية في قوله: {جَعَلْنَاهُ} ترجع إلى القرآن وإن لم يجر له ذكر في هذه السورة؛ كقوله تعالى: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ }تفسير : [القدر: 1]. {لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي تفهمون أحكامه ومعانيه. فعلى هذا القول يكون خاصاً للعرب دون العجم؛ قاله ابن عيسى. وقال ابن زيد: المعنى لعلكم تتفكرون؛ فعلى هذا يكون خطاباً عاماً للعرب والعجم. ونعت الكتاب بالمبين لأن الله بيّن فيه أحكامه وفرائضه؛ على ما تقدّم في غير موضع.
البيضاوي
تفسير : مكية وقيل إلا قوله: واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا وآيها تسع وثمانون آية بسم الله الرحمن الرحيم {حـم} {وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ } {إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ قُرْءاناً عَرَبِيّاً } أقسم بالقرآن على أنه جعله قرآناً عربياً، وهو من البدائع لتناسب القسم والمقسم عليه كقول أبي تمام:شعر : وَثَنَايَاكَ أَنَّهَا إِغْرِيضُ تفسير : ولعل إقسام الله بالأشياء استشهاد بما فيها من الدلالة على المقسم عليه، وبالقرآن من حيث أنه معجز مبين لطرق الهدى وما يحتاج إليه في الديانة، أو بين للعرب ما يدل على أنه تعالى صيره كذلك ـ {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } لكي تفهموا معانيه. {وَإِنَّهُ} عطف على انا، وقرأ حمزة والكسائي بالكسر على الاستئناف. {فِى أُمّ ٱلْكِتَـٰبِ} في اللوح المحفوظ فإنه أصل الكتب السماوية، وقرىء أم الكتاب بالكسر. {لَدَيْنَا } محفوظاً عندنا عن التغيير. {لَّعَـليٌّ} رفيع الشأن في الكتب لكونه معجزاً من بينها. {حَكِيمٌ } ذو حكمة بالغة، أو محكم لا ينسخه غيره. وهما خبران لأن {وَفِى أُمِّ ٱلْكِتَـٰبِ } متعلق بـ {لَّعَـليٌّ } واللام لا تمنعه، أو حال منه و {لَدَيْنَا } بدل منه أو حال من {أُمِّ ٱلْكِتَـٰبِ}. {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذّكْرَ صَفْحاً } أفنذوده ونبعده عنكم مجاز من قولهم: ضرب الغرائب عن الحوض، قال طرفة:شعر : اضْرِبْ عَنْكَ الهُمُومَ طَارِقَهَا ضَرْبكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَس الفَرَسِ تفسير : والفاء للعطف على محذوف أي انهملكم فنضرب {عَنكُمُ ٱلذّكْرَ }، و {صَفْحاً} مصدر من غير لفظه فإن تنحية الذكر عنهم إعراض أو مفعول له أو حال بمعنى صافحين، وأصله أن تولي الشيء صفحة عنقك. وقيل إنه بمعنى الجانب فيكون ظرفاً ويؤيده أنه قرىء «صَُفْحاً» بالضم، وحينئذ يحتمل أن يكون تخفيف صفح جمع صفوح بمعنى صافحين، والمراد إنكار أن يكون الأمر على خلاف ما ذكر من إنزال الكتاب على لغتهم ليفهموه. {أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ} أي لأن كنتم، وهو في الحقيقة علة مقتضية لترك الإِعراض عنهم، وقرأ نافع وحمزة والكسائي {إن} بالكسر على أن الجملة شرطية مخرجة للمحقق مخرج المشكوك استجهالاً لهم، وما قبلها دليل الجزاء. {وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِى ٱلأَوَّلِينَ} {وَمَا يَأْتِيهِم مّنْ نَّبِيٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ} تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن استهزاء قومه. {فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً} أي من القوم المسرفين لأنه صرف الخطاب عنهم إلى الرسول مخبراً عنهم. {وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ} وسلف في القرآن قصتهم العجيبة، وفيه وعد للرسول ووعيد لهم بمثل ما جرى على الأولين. {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ} لعله لازم مقولهم أو ما دل عليه إجمالاً أقيم مقامه تقريراً لإِلزام الحجة عليهم، فكأنهم قالوا «الله» كما حكي عنهم في مواضع أخر وهو الذي من صفته ما سرد من الصفات، ويجوز أن يكون مقولهم وما بعده استئناف {ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً} فتستقرون فيها وقرىء غير الكوفيين «مهاداً» بالإلف. {وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً } تسلكونها. {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} لكي تهتدوا إلى مقاصدكم، أو إلى حكمة الصانع بالنظر في ذلك. {وَٱلَّذِى نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَاءٍ مَاءً بِقَدَرٍ} بمقدار ينفع ولا يضر. {فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً } مال عنه الماء. وتذكيره لأن البلدة بمعنى البلد والمكان. {كَذٰلِكَ} مثل ذلك الإِنشار. {تُخْرَجُونَ} تنشرون من قبوركم، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي {تخْرَجُونَ} بفتح التاء وضم الراء. {وَٱلَّذِى خَلَقَ ٱلأَزْوٰجَ كُلَّهَا} أصناف المخلوقات. {وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَـٰمِ مَا تَرْكَبُونَ} ما تركبونه على تغليب المتعدي بنفسه على المتعدي بغيره إذ يقال: ركبت الدابة وركبت في السفينة، أو المخلوق للركوب على المصنوع له أو الغالب على النادر ولذلك قال: {لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ} أي ظهور ما تركبون وجمعه للمعنى. {ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ } تذكروها بقلوبكم معترفين بها حامدين عليها. {وَتَقُولُواْ سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ } مطيقين من أقرن الشيء إذا أطاقه، وأصله وجد قرينته إذ الصعب لا يكون قرينة الضعيف. وقرىء بالتشديد والمعنى واحد. وعنه عليه الصلاة والسلام أنه كان إذا وضع رجله في الركاب قال: حديث : بسم اللهتفسير : فإذا استوى على الدابة قال:حديث : الحمد لله على كل حال تفسير : {سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا} إلى قوله: {وَإِنَّا إِلَىٰ رَبّنَا لَمُنقَلِبُونَ} أي راجعون، واتصاله بذلك لأن الركوب للتنقل والنقلة العظمى هو الانقلاب إلى الله تعالى، أو لأنه مخطر فينبغي للراكب أن لا يغفل عنه ويستعد للقاء الله تعالى.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: { حـمۤ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ } أي: البين الواضح الجلي المعاني والألفاظ، لأنه نزل بلغة العرب التي هي أفصح اللغات للتخاطب بين الناس، ولهذا قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ} أي: نزلناه {قُرْآنًا عَرَبِيًّا} أي: بلغة العرب فصيحاً واضحاً {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي: تفهمونه وتتدبرونه؛ كما قال عز وجل: {أية : بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ} تفسير : [الشعراء: 195]. وقوله تعالى: { وَإِنَّهُ فِىۤ أُمِّ ٱلْكِتَـٰبِ لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ} بين شرفه في الملأ الأعلى؛ ليشرفه ويعظمه ويطيعه أهل الأرض، فقال تعالى: {وَإِنَّهُ} أي: القرآن {فِىۤ أُمِّ ٱلْكِتَـٰبِ} أي: اللوح المحفوظ، قاله ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد {لَدَيْنَا} أي: عندنا، قاله قتادة وغيره {لَعَلِىٌّ} أي: ذو مكانة وشرف وفضل، قاله قتادة {حَكِيمٌ} أي: محكم بريء من اللبس والزيغ. وهذا كله تنبيه على شرفه وفضله؛ كما قال تبارك وتعالى: {أية : إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ فِى كِتَـٰبٍ مَّكْنُونٍ لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} تفسير : [الواقعة: 77 ــــ 80] وقال تعالى: {أية : كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ فَى صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ بِأَيْدِى سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ} تفسير : [عبس: 11 ــــ 16] ولهذا استنبط العلماء رضي الله عنهم من هاتين الآيتين أن المحدث لايمس المصحف؛ كما ورد به الحديث إِن صح؛ لأن الملائكة يعظمون المصاحف المشتملة على القرآن في الملأ الأعلى، فأهل الأرض بذلك أولى وأحرى؛ لأنه نزل عليهم، وخطابه متوجه إليهم، فهم أحق أن يقابلوه بالإكرام والتعظيم، والانقياد له بالقبول والتسليم؛ لقوله تعالى: { وَإِنَّهُ فِىۤ أُمِّ ٱلْكِتَـٰبِ لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ}. وقوله عز وجل: { أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ} اختلف المفسرون في معناها، فقيل: معناها: أتحسبون أن نصفح عنكم، فلا نعذبكم، ولم تفعلوا ما أمرتم به؟ قاله ابن عباس رضي الله عنهما، وأبو الصالح ومجاهد والسدي، واختاره ابن جرير، وقال قتادة في قوله تعالى: {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً} والله لو أن هذا القرآن رفع حين ردته أوائل هذه الأمة، لهلكوا، ولكن الله تعالى عاد بعائدته ورحمته، فكرره عليهم، ودعاهم إليه عشرين سنة، أو ما شاء الله من ذلك. وقول قتادة لطيف المعنى جداً، وحاصله أنه يقول في معناه: إنه تعالى من لطفه ورحمته بخلقه لا يترك دعاءهم إلى الخير، وإلى الذكر الحكيم، وهو القرآن، وإن كانوا مسرفين معرضين عنه، بل أمر به ليهتدي به من قدر هدايته، وتقوم الحجة على من كتب شقاوته. ثم قال جل وعلا مسلياً لنبيه صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من قومه، وآمراً له بالصبر عليهم: { وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِى ٱلأَوَّلِينَ} أي: في شيع الأولين { وَمَا يَأْتِيهِم مِّنْ نَّبِىٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} أي: يكذبونه ويسخرون به. وقوله تبارك وتعالى: {فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً} أي: فأهلكنا المكذبين بالرسل، وقد كانوا أشد بطشاً من هؤلاء المكذبين لك يا محمد؛ كقوله عز وجل: {أية : أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوۤاْ أَكْـثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً} تفسير : [غافر: 82] والآيات في ذلك كثيرة جداً. وقوله جل جلاله: {وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ} قال مجاهد: سنتهم. وقال قتادة: عقوبتهم. وقال غيرهما: عبرتهم، أي: جعلناهم عبرة لمن بعدهم من المكذبين أن يصيبهم ما أصابهم؛ كقوله تعالى في آخر هذه السورة: {أية : فَجَعَلْنَـٰهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِّلأَخِرِينَ} تفسير : [الزخرف: 56] وكقوله جلت عظمته: {أية : سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِ} تفسير : [غافر: 85] وقال عز وجل: {أية : وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً} تفسير : [الأحزاب: 62].
المحلي و السيوطي
تفسير : {حم } الله أعلم بمراده به.
الشوكاني
تفسير : قوله: {حـم * وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ } الكلام ها هنا في الإعراب كالكلام الذي قدّمناه في {أية : يس * وَٱلْقُرْءانِ ٱلْحَكِيمِ } تفسير : [يسۤ: 1، 2]، فإن جعلت {حمۤ} قسماً كانت الواو عاطفة، وإن لم تجعل قسماً، فالواو للقسم، وجواب القسم {إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ }، وقال ابن الأنباري: من جعل جواب، والكتاب: {حمۤ} كما تقول: نزل والله، وجب والله وقف على {الكتاب المبين}، ومعنى {جعلناه}، أي: سميناه، ووصفناه، ولذلك تعدّى إلى مفعولين. وقال السدّي: المعنى: أنزلناه {قُرْءاناً }. وقال مجاهد: قلناه. وقال سفيان الثوري: بيناه {عَرَبِيّاً }، وكذا قال الزجاج، أي: أنزل بلسان العرب، لأن كلّ نبي أنزل كتابه بلسان قومه. وقال مقاتل: لأن لسان أهل الجنة عربيّ {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } أي: جعلنا ذلك الكتاب قرآناً عربياً لكي تفهموه، وتتعقلوا معانيه، وتحيطوا بما فيه. قال ابن زيد: لعلكم تتفكرون. {وَإِنَّهُ فِى أُمّ ٱلْكِتَـٰبِ } أي: وإن القرآن في اللوح المحفوظ {لَدَيْنَا } أي: عندنا {لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ } رفيع القدر محكم النظم لا يوجد فيه اختلاف، ولا تناقض، والجملة عطف على الجملة المقسم بها داخلة تحت معنى القسم، أو مستأنفة مقرّرة لما قبلها. قال الزجاج: {أمّ الكتاب}: أصل الكتاب، وأصل كلّ شيء: أمه، والقرآن مثبت عند الله في اللوح المحفوظ كما قال: {أية : بَلْ هُوَ قُرْءانٌ مَّجِيدٌ * فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } تفسير : [البروج: 21، 22] وقال ابن جريج: المراد بقوله: {وَأَنَّهُ } أعمال الخلق من إيمان، وكفر، وطاعة، ومعصية. قال قتادة: أخبر عن منزلته، وشرفه، وفضله، أي: إن كذبتم به يا أهل مكة، فإنه عندنا شريف رفيع محكم من الباطل. {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذّكْرَ صَفْحاً } يقال: ضربت عنه، وأضربت عنه: إذا تركته، وأمسكت عنه، كذا قال الفراء، والزجاج، وغيرهما، وانتصاب {صفحاً} على المصدرية، وقيل: على الحال، على معنى: أفنضرب عنكم الذكر صافحين، والصفح مصدر قولهم: صفحت عنه إذا أعرضت عنه، وذلك أنك توليه صفحة وجهك، وعنقك، والمراد بالذكر هنا: القرآن، والاستفهام للإنكار، والتوبيخ. قال الكسائي: المعنى: أفنضرب عنكم الذكر طياً فلا توعظون، ولا تؤمرون. وقال مجاهد، وأبو صالح، والسدّي: أفنضرب عنكم العذاب، ولا نعاقبكم على إسرافكم، وكفركم. وقال قتادة: المعنى: أفنهلككم، ولا نأمركم، ولا ننهاكم؟ وروي عنه: أنه قال: المعنى: أفنمسك عن إنزال القرآن من قبل أنكم لا تؤمنون به؟ وقيل: الذكر: التذكير، كأنه قال: أنترك تذكيركم {أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ }، قرأ نافع، وحمزة، والكسائي: "إن كنتم" بكسر "إن" على أنها الشرطية، والجزاء محذوف لدلالة ما قبله عليه. وقرأ الباقون بفتحها على التعليل، أي: لأن كنتم قوماً منهمكين في الإسراف مصرّين عليه، واختار أبو عبيد قراءة الفتح. ثم سلى سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: {وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيّ فِى ٱلأَوَّلِينَ } كم هي الخبرية التي معناها: التكثير، والمعنى: ما أكثر ما أرسلنا من الأنبياء في الأمم السابقة {وَمَا يَأْتِيهِم مّنْ نَّبِىّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } كاستهزاء قومك بك {فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً } أي: أهلكنا قوماً أشدّ قوّة من هؤلاء القوم، وانتصاب {بطشاً} على التمييز أو الحال، أي: باطشين {وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ } أي: سلف في القرآن ذكرهم غير مرة. وقال قتادة: عقوبتهم، وقيل: صفتهم، والمثل: الوصف والخبر. وفي هذا تهديد شديد، لأنه يتضمن أن الأوّلين أهلكوا بتكذيب الرسل، وهؤلاء إن استمروا على تكذيبك والكفر بما جئت به هلكوا مثلهم. {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ } أي: لئن سألت هؤلاء الكفار من قومك من خلق هذه الأجرام العلوية والسفلية؟ أقرّوا بأن الله خالقهنّ ولم ينكروا، وذلك أسوأ لحالهم وأشدّ لعقوبتهم، لأنهم عبدوا بعض مخلوقات الله وجعلوه شريكاً له، بل عمدوا إلى ما لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضرّ من المخلوقات وهي: الأصنام فجعلوها شركاء لله. ثم وصف سبحانه نفسه بما يدلّ على عظيم نعمته على عباده وكمال قدرته في مخلوقاته فقال: {ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مِهَـٰداً } وهذا كلام مبتدأ غير متصل بما قبله، ولو كان متصلاً بما قبله من جملة مقول الكفار لقالوا: الذي جعل لنا الأرض مهاداً، والمهاد: الفراش والبساط، وقد تقدّم بيانه، قرأ الجمهور: {مهاداً} وقرأ الكوفيون (مهداً) {وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً } أي طرقاً تسلكونها إلى حيث تريدون، وقيل: معايش تعيشون بها {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } بسلوكها إلى مقاصدكم ومنافعكم. {وَٱلَّذِى نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ } أي: بقدر الحاجة وحسبما تقتضيه المصلحة ولم ينزل عليكم منه فوق حاجتكم حتى يهلك زرائعكم ويهدم منازلكم ويهلككم بالغرق، ولا دونها حتى تحتاجوا إلى الزيادة، وعلى حسب ما تقتضيه مشيئته في أرزاق عباده بالتوسيع تارة والتقتير أخرى {فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً } أي: أحيينا بذلك الماء بلدة مقفرة من النبات. قرأ الجمهور: {ميتاً} بالتخفيف. وقرأ عيسى وأبو جعفر بالتشديد {كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ } من قبوركم، أي: مثل ذلك الإحياء للأرض بإخراج نباتها بعد أن كانت لا نبات بها تبعثون من قبوركم أحياء، فإن من قدر على هذا قدر على ذلك، وقد مضى بيان هذا في آل عمران والأعراف. قرأ الجمهور: {تخرجون} مبنياً للمفعول، وقرأ الأعمش، ويحيـى بن وثاب، وحمزة، والكسائي، وابن ذكوان عن ابن عامر مبنياً للفاعل. {وَٱلَّذِى خَلَقَ ٱلأزْوٰجَ كُلَّهَا } المراد بالأزواج هنا: الأصناف، قال سعيد بن جبير: الأصناف كلها. وقال الحسن: الشتاء والصيف، والليل والنهار، والسمٰوات والأرض، والجنة والنار. وقيل: أزواج الحيوان من ذكر وأنثى، وقيل: أزواج النبات، كقوله: {أية : وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } تفسير : [قۤ: 7] و: {أية : مِن كُلّ زَوْجٍ كَرِيمٍ } تفسير : [الشعراء: 7] وقيل: ما يتقلب فيه الإنسان من خير وشرّ، وإيمان وكفر، والأوّل أولى {وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَـٰمِ مَا تَرْكَبُونَ } في البحر والبرّ، أي: ما تركبونه {لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ } الضمير راجع إلى ما قاله أبو عبيد. وقال الفراء: أضاف الظهور إلى واحد، لأن المراد به: الجنس، فصار الواحد في معنى الجمع بمنزلة الجنس فلذلك ذكر، وجمع الظهر لأن المراد ظهور هذا الجنس، والاستواء: الاستعلاء، أي: لتستعلوا على ظهور ما تركبون من الفلك والأنعام {ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ } أي: هذه النعمة التي أنعم بها عليكم من تسخير ذلك المركب في البحر والبرّ. وقال مقاتل والكلبي: هو أن يقول: الحمد لله الذي رزقني هذا وحملني عليه {وَتَقُولُواْ سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا } أي: ذلل لنا هذا المركب، وقرأ عليّ بن أبي طالب: (سبحان من سخر لنا هٰذا) قال قتادة: قد علمكم كيف تقولون إذا ركبتم، ومعنى {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ }: ما كنا له مطيقين، يقال: أقرن هذا البعير: إذا أطاقه. وقال الأخفش وأبو عبيدة: مقرنين: ضابطين، وقيل: مماثلين له في القوّة، من قولهم: هو قرن فلان إذا كان مثله في القوّة، وأنشد قطرب قول عمرو بن معديكرب:شعر : لقد علم القبائل ما عقيل لنا في النائبات بمقرنينا تفسير : وقال آخر:شعر : ركبتم صعبتي أشراً وحيفا ولستم للصعاب بمقرنينا تفسير : والمراد بالأنعام هنا: الإبل خاصة، وقيل الإبل والبقر، والأوّل أولى {وَإِنَّا إِلَىٰ رَبّنَا لَمُنقَلِبُونَ } أي: راجعون إليه، وهذا تمام ما يقال عند ركوب الدابة أو السفينة. ثم رجع سبحانه إلى ذكر الكفار الذين تقدّم ذكرهم، فقال: {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءا } قال قتادة: أي: عدلاً، يعني: ما عبد من دون الله. وقال الزجاج والمبرد: الجزء هنا: البنات، والجزء عند أهل العربية: البنات، يقال: قد أجزأت المرأة: إذا ولدت البنات، ومنه قول الشاعر:شعر : إن أجزأت حرّة يوماً فلا عجب قد تجزىء الحرّة المذكار أحياناً تفسير : وقد جعل صاحب الكشاف تفسير الجزء بالبنات من بدع التفسير، وصرح بأنه مكذوب على العرب. ويجاب عنه بأنه قد رواه الزجاج والمبرد، وهما إماما اللغة العربية وحافظاها ومن إليهما المنتهى في معرفتها، ويؤيد تفسير الجزء بالبنات ما سيأتي من قوله: {أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ } وقوله: {وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ } وقوله: {وَجَعَلُواْ ٱلْمَلَـئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثاً } وقيل: المراد بالجزاء هنا: الملائكة؛ فإنهم جعلوهم أولاداً لله سبحانه قاله مجاهد والحسن. قال الأزهري: ومعنى الآية: أنهم جعلوا لله من عباده نصيباً، على معنى: أنهم جعلوا نصيب الله من الولدان {إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ } أي: ظاهر الكفران مبالغ فيه، قيل: المراد بالإنسان هنا: الكافر، فإنه الذي يجحد نعم الله عليه جحوداً بيناً. ثم أنكر عليهم هذا فقال: {أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ } وهذا استفهام تقريع وتوبيخ. وأم هي: المنقطعة، والمعنى: أتخذ ربكم لنفسه البنات {وَأَصْفَـٰكُم بِٱلْبَنِينَ } فجعل لنفسه المفضول من الصنفين ولكم الفاضل منهما، يقال: أصفيته بكذا، أي: آثرته به، وأصفيته الودّ: أخلصته له، ومثل هذه الآية قوله: {أية : أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأنثَىٰ * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ } تفسير : [النجم:21، 22] وقوله: {أية : أَفَأَصْفَـٰكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ } تفسير : [الإسراء: 40] وجملة: {وأصفاكم} معطوفة على {اتخذ} داخلة معها تحت الإنكار. ثم زاد في تقريعهم وتوبيخهم فقال: {وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً } أي بما جعله للرحمٰن سبحانه من كونه جعل لنفسه البنات، والمعنى: أنه إذا بشر أحدهم بأنها ولدت له بنت اغتمّ لذلك وظهر عليه أثره، وهو معنى قوله: {ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّا } أي: صار وجهه مسودًّا بسبب حدوث الأنثى له حيث لم يكن الحادث له ذكراً مكانها {وَهُوَ كَظِيمٌ } أي: شديد الحزن كثير الكرب مملوء منه. قال قتادة: حزين. وقال عكرمة: مكروب، وقيل: ساكت، وجملة {وَهُوَ كَظِيمٌ } في محل نصب على الحال. ثم زاد في توبيخهم وتقريعهم فقال: {أَوْ من يُنَشَّأُ فِى ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ } معنى ينشأ: يربى، والنشوء: التربية، والحلية: الزينة، و"من" في محل نصب بتقدير مقدّر معطوف على {جعلوا}؛ والمعنى: أو جعلوا له سبحانه من شأنه أن يربى في الزينة وهو عاجز عن أن يقوم بأمور نفسه، وإذا خوصم لا يقدر على إقامة حجته ودفع ما يجادله به خصمه لنقصان عقله وضعف رأيه؟ قال المبرد: تقدير الآية: أو يجعلون له من ينشأ في الحلية، أي: ينبت في الزينة؟ قرأ الجمهور: "ينشأ" بفتح الياء وإسكان النون، وقرأ ابن عباس والضحاك، وابن وثاب، وحفص، وحمزة، والكسائي، وخلف بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين. واختار القراءة الأولى أبو حاتم، واختار الثانية أبو عبيد. قال الهروي: الفعل على القراءة الأولى لازم، وعلى الثانية متعدّ. والمعنى: يربى ويكبر في الحلية. قال قتادة: قلما تتكلم امرأة بحجتها إلاّ تكلمت بالحجة عليها. وقال ابن زيد والضحاك: الذي ينشأ في الحلية أصنامهم التي صاغوها من ذهب وفضة. {وَجَعَلُواْ ٱلْمَلَـئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثاً } الجعل هنا بمعنى القول والحكم على الشيء كما تقول: جعلت زيداً أفضل الناس، أي: قلت بذلك، وحكمت له به. قرأ الكوفيون: {عباد} بالجمع، وبها قرأ ابن عباس. وقرأ الباقون: {عند الرحمٰن} بنون ساكنة، واختار القراءة الأولى أبو عبيد، لأن الإسناد فيها أعلى، ولأن الله إنما كذبهم في قوله: إنهم بنات الله، فأخبرهم أنهم عباده، ويؤيد هذه القراءة قوله: {أية : بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } تفسير : [الأنببياء: 26]، واختار أبو حاتم القراءة الثانية، قال: وتصديق هذه القراءة قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبّكَ } تفسير : [الأعراف: 206]، ثم وبخهم، وقرعهم، فقال: {أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ } أي: أحضروا خلق الله إياهم، فهو من الشهادة التي هي: الحضور، وفي هذا تهكم بهم، وتجهيل لهم. قرأ الجمهور: {أشهدوا} على الاستفهام بدون واو. وقرأ نافع: (أو اشهدوا). وقرأ الجمهور: {سَتُكْتَبُ شَهَـٰدَتُهُمْ } بضم التاء الفوقية، وبناء الفعل للمفعول، ورفع شهادتهم، وقرأ السلمي، وابن السميفع، وهبيرة عن حفص بالنون، وبناء الفعل للفاعل، ونصب شهادتهم، وقرأ أبو رجاء: (شهاداتهم) بالجمع، والمعنى: سنكتب هذه الشهادة التي شهدوا بها في ديوان أعمالهم، لنجازيهم على ذلك {وَيُسْـئَلُونَ } عنها يوم القيامة. {وَقَالُواْ لَوْ شَاء ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُمْ } هذا فنّ آخر من فنون كفرهم بالله جاءوا به للاستهزاء، والسخرية، ومعناه: لو شاء الرحمٰن في زعمكم ما عبدنا هذه الملائكة، وهذا كلام حقّ يراد به باطل، وقد مضى بيانه في الأنعام، فبيّن سبحانه جهلهم بقوله: {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ } أي: ما لهم بما قالوه من أن الله لو شاء عدم عبادتهم للملائكة ما عبدوهم من علم، بل تكلموا بذلك جهلاً، وأرادوا بما صورته صورة الحقّ باطلاً، وزعموا أنه إذا شاء، فقد رضي. ثم بيّن انتفاء علمهم بقوله: {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } أي: ما هم إلاّ يكذبون، فيما قالوا، ويتمحلون تمحلاً باطلاً. وقيل: الإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى قوله: {وَجَعَلُواْ ٱلْمَلَـئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثاً }. قاله قتادة، ومقاتل، والكلبي، وقال مجاهد، وابن جريج أي: ما لهم بعبادة الأوثان من علم. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إن أوّل ما خلق الله من شيء القلم، وأمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، والكتاب عنده، ثم قرأ {وَإِنَّهُ فِى أُمّ ٱلْكِتَـٰبِ لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ }. وأخرج ابن مردويه نحوه عن أنس مرفوعاً. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذّكْرَ صَفْحاً } قال: أحببتم أن يصفح عنكم، ولم تفعلوا ما أمرتم به. وأخرج مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، والحاكم، وابن مردويه عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر ركب راحلته، ثم كبر ثلاثاً، ثم قال: {سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَىٰ رَبّنَا لَمُنقَلِبُونَ }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ } قال: مطيقين. وأخرج عبد بن حميد عنه {أَوْ مِن يُنَشَّأُ فِى ٱلْحِلْيَةِ } قال: هو النساء فرق بين زيهنّ، وزيّ الرجال، ونقصهنّ من الميراث، وبالشهادة، وأمرهنّ بالقعدة، وسماهنّ الخوالف. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن سعيد بن جبير قال: كنت أقرأ هذا الحرف {ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثاً }، فسألت ابن عباس فقال: عباد الرحمٰن؟ قلت: فإنها في مصحفي (عند الرحمن) قال: فامحها، واكتبها {عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {حم. وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} الكتاب هو القرآن: وفي تسميته مبيناً ثلاثة أوجه: أحدها: لأنه بيِّن الحروف، قاله أبو معاذ. الثاني: لأنه بين الهدى والرشد والبركة، قاله قتادة. الثالث: لأن الله تعالى قد بين فيه أحكامه وحلاله وحرامه، قاله مقاتل. وفي هذا موضع القسم، وفيه وجهان: أحدهما: معناه ورب الكتاب. الثاني: أنه القسم بالكتاب، ولله عز وجل أن يقسم بما شاء، وإن لم يكن ذلك لغيره من خلقه. وجواب القسم {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرءاناً عَرَبِيّاً} وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: إنا أنزلناه عربياً، قاله السدي. الثاني: إنا قلناه قرآناً عربياً، قاله مجاهد. الثالث: إنا بيناه قرآناً عربياً، قاله سفيان الثوري. ومعنى العربي أنه بلسان عربي،وفيه قولان: أحدهما: أنه جعل عربياً لأن لسان أهل السماء عربي، قاله مقاتل. الثاني: لأن كل نبي أنزل كتابه بلسان قومه، قاله سفيان الثوري. {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} فيه وجهان: أحدهما: تفهمون، فعلى هذا يكون هذا القول خاصاً بالعرب دون العجم، قاله ابن عيسى. الثاني: يتفكرون قاله ابن زيد، فعلى هذا يكون خطاباً عاماً للعرب والعجم. قوله عز وجل: {وَإِنَّهُ فِي أَمِّ الْكِتَابِ}فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: جملة الكتاب. الثاني: أصل الكتاب، قاله ابن سيرين. الثالث: أنها الحكمةالتي نبه الله عليها جميع خلقه، قاله ابن بحر. وفي {الْكِتَابِ} قولان: أحدهما أنه اللوح المحفوظ؛ قاله مجاهد. الثاني: أنه ذكر عند الله فيه ما سيكون من أفعال العباد مقابل يوم القيامة بما ترفعه الحفظة من أعمالهم، قاله ابن جريج. وفي المكنى عنه أنه في أمِّ الكتاب قولان: أحدهما: أنه القرآن، قاله الكلبي. الثاني: أنه ما يكون من الخلق من طاعة ومعصية وإيمان أو كفر، قاله ابن جريج. {لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} فيه وجهان: أحدهما: رفيع عن أن ينال فيبدل. حكيم أي محفوظ من نقص أو تغيير، وهذا تأويل من قال أنه ما يكون من الطاعات والمعاصي. الثاني: أنه علي في نسخه ما تقدم من الكتب، وحكيم أي محكم الحكم فلا ينسخ، وهذا تأويل من قال أنه القرآن. قوله عز وجل: {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أفحسبتم أن نصفح ولما تفعلون ما أمرتم به؟ قاله ابن عباس. الثاني: معناه أنكم تكذبون بالقرآن ولا نعاقبكم فيه، قاله مجاهد. الثالث: أي نهملكم فلا نعرفكم بما يجب عليكم، حكاه النقاش. الرابع: أن نقطع تذكيركم بالقرآن: وإن كذبتم به: قاله قتادة. ويحتمل خامساً: أن نوعد ولا نؤاخذ، ونقول فلا نفعل. {قَوْماً مُّسْرِفِينَ} فيه وجهان: أحدهما: مشركين، قاله قتادة. الثاني: مسرفين في الرد. ومعن صفحاً أي إعراضاً، يقال صفحت عن فلان أي أعرضت عنه. قال ابن قتيبة: والأصل فيه إنك توليه صفحة عنقك. قال كثير في صفة امرأة: شعر : صفحٌ فما تلقاك إلا بخيلة فمن قَلّ منها ذلك الوصل قلّت تفسير : أي تعرض عنه بوجهها. قوله عز وجل: {وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: سنة الأولين، قاله مجاهد. الثاني: عقوبة الأولين، قاله قتادة. الثالث: عِبرة الأولين، قاله السدي. الرابع: خبر الأولين أنهم أهلكوا بالتكذيب، حكاه النقاش.
ابن عطية
تفسير : تقدم القول في الحروف في أوائل السور. وقوله: {والكتاب} خفض بواو القسم. و: {المبين} يحتمل أن يكون من أبان الذي هو بمعنى بان، أي ظهر، فلا يحتاج إلى مفعول، ويحتمل أن يكون معدى من بان، فهذا لا بد من مفعول تقديره: المبين الهدى أو الشرع ونحوه. وقوله تعالى: {إنا جعلناه} معناه: سميناه وصيرناه، وهو إخبار عليه وقع القسم، والضمير في: {جعلناه} عائد على: {الكتاب}، و: {عربياً} معناه: بلسانكم لئلا يبقى لكم عذر. وقوله: {لعلكم تعقلون} ترج بحسب معتقد البشر، أي إذا أبصر المبصر من البشر هذا الفعل منا ترجى منه أن يعقل الكلام ويفهم. وقوله تعالى: {وإنه} عطف على قوله: {إنا جعلناه} وهذا الإخبار الثاني واقع أيضاً تحت القسم. و: {أم الكتاب} اللوح المحفوظ، وهذا فيه تشريف للقرآن وترفيع. واختلف المتأولون كيف هو في {أم الكتاب}، فقال عكرمة وقتادة والسدي وعطية بن سعيد: القرآن بأجمعه فيه منسوخ، ومنه كان جبريل عليه السلام ينزل، وهنالك هو علي حكيم. وقال جمهور الناس: إنما في اللوح المحفوظ ذكره ودرجته ومكانته من العلو والحكمة. وقرأ جمهور الناس: "في أُم" بضم الهمزة، وقرأها بكسر الهمزة يوسف والي العراق وعيسى بن عمر. وقوله: {أفنضرب} بمعنى: أفنترك، تقول العرب أضربت عن كذا وضربت إذا أعرضت وتركته. و: {الذكر} هنا الدعاء إلى الله والتذكير بعذابه والتخويف من عقابه، وقال أبو صالح: {الذكر} هنا هو العذاب نفسه، وقال الضحاك ومجاهد: {الذكر} القرآن. وقوله تعالى: {صفحاً} انتصابه كانتصاب {أية : صنع الله} تفسير : [النمل: 88]، فيحتمل أن يكون بمعنى العفو والغفر للذنب، فكأنه يقول: أفنترك تذكيركم وتخويفكم عفواً عنكم وغفراً لإجرامكم إذ كنتم أو من أجل أن كنتم قوماً مسرفين، أي هذا لا يصلح، وهذا قول ابن عباس ومجاهد، ويحتمل قوله: {صفحاً} أن يكون بمعنى مغفولاً عنه، أي نتركه يمر لا تؤخذون بقبوله ولا بتدبر ولا تنبهون عليه، وهذا المعنى نظير قول الشاعر: [الطويل] شعر : تمر الصبا صفحاً بساكن ذي الغضا ويصدع قلبي إن يهب هبوبها تفسير : أي تمر مغفولاً عنها، فكأن هذا المعنى: أفنترككم سدى، وهذا هو منحى قتادة وغيره، ومن اللفظة قول كثير: [الطويل] شعر : صفوحاً فما تلقاك إلا بخيلة فمن ملّ منها ذلك الوصل ملّت تفسير : وقرأ السميط بن عمرو السدوسي: "صُفحاً" بضم الصاد. وقرأ نافع وحمزة والكسائي: "إن كنتم" بكسر الألف، وهو جزاء دل ما تقدم على جوابه. وقرأ الباقون والأعرج وقتادة: "أن كنتم" بفتح الألف. بمعنى من أجل أن، وفي قراءة ابن مسعود: "إذ كنتم". والإسراف في الآية: هو الكفر والضلال البعيد في عبادة غير الله عز وجل والتشريك به. وقوله تعالى: {وكم أرسلنا من نبي في الأولين} الآيات تسلية لمحمد عليه السلام، وذكر إسوة له ووعيد لهم وتهديد بأن يصيبهم ما أصاب من هو أشد بطشاً. والأولون: هم الأمم الماضية كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، والضمير في قوله: {كانوا يستهزئون} ظاهره العموم والمراد به الخصوص فيمن استهزأ، وإلا فقد كان في الأولين من لم يستهزئ، والضمير في: {منهم} عائد على قريش. وقوله تعالى: {ومضى مثل الأولين} أي سلف أمرهم وسنتهم، وصاروا عبرة عابر الدهر. وقوله تعالى: {ولئن سألتهم} الآية ابتداء احتجاج على قريش يوجب عليهم التناقض في أمرهم، وذلك أنهم يقرون أن الخالق الموجد لهم وللسماوات والأرض هو الله تعالى، وهم مع ذلك يعبدون أصناماً ويدعونها آلهتهم، ومقتضى جواب قريش أن يقولوا "خلقهن الله" فلما ذكر تعالى المعنى جاءت العبارة عن الله بـ {العزيز العليم} ليكون ذلك توطئة لما عدد بعد من أوصافه التي ابتدأ الإخبار بها وقطعها من الكلام الذي حكى معناه عن قريش.
النسفي
تفسير : {حـم وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ } أقسم بالكتاب المبين وهو القرآن، وجعل قوله {إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ } صيرناه {قُرْءَاناً عَرَبِيّاً } جواباً للقسم وهو من الأيمان الحسنة البديعة لتناسب القسم والمقسم عليه، والمبين البين للذين أنزل عليهم لأنه بلغتهم وأساليبهم أو الواضح للمتدبرين أو الذي أبان طرق الهدى من طرق الضلالة وأبان كل ما تحتاج إليه الأمة في أبواب الديانة {لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } لكي تفهموا معانيه {وَإِنَّهُ فِى أُمِّ ٱلْكِتَـٰبِ لَدَيْنَا } وإن القرآن مثبت عند الله في اللوح المحفوظ، دليله قوله: {أية : بَلْ هُوَ قُرْءانٌ مَّجِيدٌ فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ }تفسير : [البروج: 21-22]. وسمي أم الكتاب لأنه الأصل الذي أثبتت فيه الكتب منه تنقل وتستنسخ. {أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ } بكسر الألف: علي وحمزة {لَّعَـلِىٌّ} خبر «إن» أي في أعلى طبقات البلاغة أو رفيع الشأن في الكتب لكونه معجزاً من بينها {حَكِيمٌ } ذو حكمة بالغة {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ } أفننحي عنكم الذكر ونذوده عنكم على سبيل المجاز من قولهم «ضرب الغرائب عن الحوض». والفاء للعطف على محذوف تقديره أنهملكم فنضرب عنكم الذكر إنكاراً لأن يكون الأمر على خلاف ما قدم من إنزاله الكتاب؟ وجعله قرآناً عربياً ليعقلوه وليعلموا بمواجبه {صَفْحاً } مصدر من صفح عنه إذا أعرض، منتصب على أنه مفعول له على معنى أفنعزل عنكم إنزال القرآن وإلزام الحجة به إعراضاً عنكم. ويجوز أن يكون مصدراً على خلاف الصدر لأنه يقال «ضربت عنه» أي أعرضت عنه كذا قاله الفراء {إِن كُنتُمْ } لأن كنتم {إِن كُنتُمْ } مدني وحمزة. وهو من الشرط الذي يصدر عن المدل بصحة الأمر المتحقق لثبوته كما يقول الأجير: إن كنت عملت لك فوفني حقي وهو عالم بذلك {قَوْماً مُّسْرِفِينَ } مفرطين في الجهالة مجاوزين الحد في الضلالة. {وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِى ٱلأَوَّلِينَ } أي كثيراً من الرسل أرسلنا من تقدمك {وَمَا يَأْتِيهِم مّنْ نَّبِىٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } هي حكاية حال ماضية مستمرة أي كانوا على ذلك وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن استهزاء قومه. {فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً } تمييز، والضمير للمسرفين لأنه صرف الخطاب عنهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره عنهم {وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ } أي سلف في القرآن في غير موضع منه ذكر قصتهم وحالهم العجيبة التي حقها أن تسير مسير المثل، وهذا وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيد لهم. {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ } أي المشركين {مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأًرْضَ مَهْداً } كوفي وغيره مهاداً أي موضع قرار {وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً } طرقاً {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } لكي تهتدوا في أسفاركم. {وَٱلَّذِى نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ } بمقدار يسلم معه العباد ويحتاج إليه البلاد {فَأَنشَرْنَا } فأحيينا عدول من المغايبة إلى الإخبار لعلم المخاطب بالمراد {بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً } يريد ميّتاً {كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ } من قبوركم أحياء {تُخْرَجُونَ } حمزة وعلي ولا وقف على {ٱلْعَلِيمُ } لأن {ٱلَّذِى } صفته، وقد وقف عليه أبو حاتم على تقدير «هو الذي»، لأن هذه الأوصاف ليست من مقول الكفار لأنهم ينكرون الإخراج من القبور فكيف يقولون {كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ } بل الآية حجة عليهم في إنكار البعث {وَٱلَّذِى خَلَقَ ٱلأَزْوٰجَ } الأصناف {كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَـٰمِ مَا تَرْكَبُونَ } أي تركبونه. يقال: ركبوا في الفلك وركبوا الأنعام فغلب المتعدي بغير واسطة لقوته على المتعدي بواسطة فقيل تركبونه {لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ } على ظهور ما تركبونه وهو الفلك والأنعام {ثُمَّ تَذْكُرُواْ } بقلوبكم {نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ } بألسنتكم {سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا } ذلل لنا هذا المركوب {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ } مطيقين. يقال: أقرن الشيء إذا أطاقه وحقيقة أقرنه وجده قرينته لأن الصعب لا يكون قرينة للضعيف {وَإِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ } لراجعون في المعاد. قيل: يذكرون عند ركوبهم مراكب الدنيا آخر مركبهم منها وهو الجنازة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا وضع رجله في الركاب قال: بسم الله. فإذا استوى على الدابة قال: الحمد لله على كل حال، {سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا } إلى قوله {لَمُنقَلِبُونَ } وكبر ثلاثاً وهلل ثلاثاً. وقالوا: إذا ركب في السفينة قال: {أية : بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }تفسير : [هود: 41] وحكي أن قوماً ركبوا وقالوا {سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا } الآية. وفيهم رجل على ناقة لا تتحرك هزالاً فقال: إني مقرن لهذه فسقط منها لوثبتها واندقت عنقه. وينبغي أن لا يكون ركوب العاقل للتنزه والتلذذ بل للاعتبار، ويتأمل عنده أنه هالك لا محالة ومنقلب إلى الله غير منفلت من قضائه. {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً} متصل بقوله {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ } أي ولئن سألتهم عن خالق السماوات والأرض ليعترفن به وقد جعلوا له مع ذلك الاعتراف من عباده جزأ أي قالوا الملائكة بنات الله فجعلوهم جزأ له وبعضاً منه كما يكون الولد جزأ لوالده {جُزُؤاً} أبو بكر وحماد {إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ } لجحود للنعمة ظاهر جحوده لأن نسبة الولد إليه كفر والكفر أصل الكفران كله {أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَـٰكُم بِٱلْبَنِينَ } أي بل أتخذ والهمزة للإنكار تجهيلاً لهم وتعجيباً من شأنهم حيث ادعوا أنه اختار لنفسه المنزلة الأدنى ولهم الأعلى {وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً } بالجنس الذي جعله له مثلاً أي شبهاً لأنه إذا جعل الملائكة جزءاً لله وبعضاً منه فقد جعله من جنسه ومماثلاً له لأن الولد لا يكون إلا من جنس الوالد {ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ } يعني أنهم نسبوا إليه هذا الجنس، ومن حالهم أن أحدهم إذا قيل له قد ولدت لك بنت اغتم واربد وجهه غيظاً وتأسفاً وهو مملوء من الكرب والظلول بمعنى الصيرورة {أَوْ مَن يُنَشَّؤُا فِى ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ } أي أو يجعل للرحمن من الولد من هذه الصفة المذمومة صفته وهو أنه ينشأ في الحلية أي يتربى في الزينة والنعمة، وهو إذا احتاج إلى مجاناة الخصوم ومجاراة الرجال كان غير مبين، ليس عنده بيان ولا يأتي ببرهان وذلك لضعف عقولهن. قال مقاتل: لا تتكلم المرأة إلا وتأتي بالحجة عليها. وفيه أنه جعل النشأة في الزينة من المعايب، فعلى الرجل أن يجتنب ذلك ويتزين بلباس التقوى، و{من} منصوب المحل والمعنى أو جعلوا من ينشأ في الحلية يعني البنات لله عز وجل {يُنَشَّأُ } حمزة وعلي وحفص أي يربي قد جمعوا في كفرهم ثلاث كفرات، وذلك أنهم نسبوا إلى الله الولد، ونسبوا إليه أخس النوعين، وجعلوه من الملائكة المكرمين فاستخفوا بهم.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {حم والكتاب المبين} أقسم بالكتاب وهو القرآن الذي أبان طرق الهدى من طرق الضلالة وأبان ما تحتاج إليه الأمة من الشريعة وقيل المبين يعني الواضح للمتدبرين وجواب القسم {إنا جعلناه} أي صيرنا هذا الكتاب عربياً وقيل بيناه وقيل سميناه وقيل وصفناه وقيل أنزلناه {قرآناً عربياً لعلكم تعقلون} يعني معانيه وأحكامه {وإنه} يعني القرآن {في أم الكتاب} أي في اللوح المحفوظ، قال ابن عباس: أول ما خلق الله عز وجل القلم فأمره أن يكتب ما يريد أن يخلق في الكتاب عنده ثم قرأ {وإنه في أم الكتاب لدينا} أي عندنا فالقرآن مثبت عند الله تعالى في اللوح المحفوظ {لعلي حكيم} أخبر عن شرفه وعلو منزلته، والمعنى إن كذبتم يا أهل مكة بالقرآن فإنه عندنا لعليّ أي رفيع شريف، وقيل على علي جميع الكتب حكيم أي محكم لا يتطرق إليه الفساد والبطلان. قوله تعالى: {أفنضرب عنكم الذكر صفحاً} معناه أفنترك عنكم الوحي ونمسك عن إنزال القرآن فلا نأمر ولا ننهاكم من أجل أنكم أسرفتم في كفركم وتركتم الإيمان وهو قوله تعالى: {أن كنتم} أي لأن كنتم {قوماً مسرفين} والمعنى لا نفعل ذلك قال قتادة والله لو كان هذا القرآن رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا ولكن الله عز وجل عاد بعائدته وكرامته فكرره عليهم عشرين سنة أو ما شاء الله، وقيل: معناه أفنضرب عنكم بذكرنا إياكم صافحين أي معرضين عنكم، وقيل: معناه أفنطوي الذكر عنكم طياً فلا تدعون ولا توعظون وقيل أفتترككم فلا نعاقبكم على كفركم.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {في إم الكتاب} بكسر الهمزة: حمزة وعلي {إن كنتم} بالكسر: أبو جعفر ونافع وعلي وحمزة وخلف. الآخرون: بالفتح أي لأن كنتم {مهداً}: عاصم وحمزة وعلي وخلف وروح. الباقون {مهاد} {ميتاً} بالتشديد: يزيد. {يخرجون} من الخروج: حمزة وعلي وخلف وابن ذكوان. الآخرون: من الإخراج {ينشأ} من باب التفعيل: حمزة وعلي وخلف وحفص. الباقون: بالتخفيف والياء مفتوحة والنون ساكنة {عباد الرحمن} جمع عبد أو عابد: أبو عمرو وعاصم وحمزة وعلي وخلف، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر {عند الرحمن} بالنون كقوله {أية : فالذين عند ربك}تفسير : [فصلت:38] الآخرون: {عبيد الرحمن} {أو شهدوا} بقلب همزة الإشهاد واواً مضمومة: ورش وإسماعيل. وقرأ يزيد وقالون مثله ولكن بالمد. وقرأ المفضل بتحقيق الهمزتين. الباقون: بهمزة واحدة للاستفهام والشين مفتوحة {قال أولو} بالألف: ابن عامر وحفص والمفضل {جئناكم} يزيد. الوقوف: {حم} ه كوفي {المبين} ه لا ومن لم يقف على {حم} وقف على {المبين} لأن القسم متعلق بما قبله وهو هذه {حم} {تعقلون} ه ج {حكيم} ه ط {مسرفين} ه {الأولين} ه {يستهزؤن} ه {الأولين} ه {العليم} ه لا بناء على أن ما بعده وصف ولو كان نصباً أو رفعاً على المدح فالوقف {تهتدون} ه {بقدر} ج للالتفات مع الفاء {ميتاً} ج لانقطاع النظم مع تعلق التشبيه {تخرجون} ه {تركبون} ه لا {مقرنين} ه لا لأن ما بعده من تمام المقول {لمنقلبون} ه {جزءاً} ط {مبين} ه ط {بالبنين} ه {كظيم} ه {مبين} ه {إناثاً} ط {خلقهم} ط {ويسئلون} ه {ما عبدناهم} ط {يحرصون} ه ط {مستمسكون} ه {مهتدون} ه {مقتدون} ه {آباءكم} ط {كافرون} ه {المكذبين} ه {تعبدون} ه لا {سيهدين} ه {يرجعون} ه {مبين} ه {كافرون} ه. التفسير: أقسم بجنس الكتاب أو بالقرآن الظاهر الإعجاز أو المفصح عن كل حكم يحتاج المكلف إليه أنه جعل القرآن بلغة العرب ليعقلوه. وفي نسبة الجعل إلى نفسه إشارة إلى أنه ليس بمفترى كما زعمه الكفرة. وقيل: أراد ورب الكتاب وقيل: الكتاب اللوح المحفوظ. وقال ابن بحر: هو الخط أقسم به تعظيماً لنعمته فيه، وقال ابن عيسى: البيان ما يظهر به المعنى للنفس عند الإدراك بالبصر والسمع وذلك على خمسة أوجه: لفظ وخط وإشارة وعقد وهيئة، كالأعراض وتكليح الوجه. وأم الكتاب بكسر الهمزة وبضمها اللوح المحفوظ لأنه أصل كل كتاب والتقدير: وإنه لعلي حكيم في أم الكتاب لدينا. والعلو علو الشأن في البلاغة والإرشاد وغير ذلك والحكيم المشتمل على الحكمة. ثم أنكر على مشركي قريش بقوله {أفنضرب} قال جار الله: أراد أنهملكم فنضرب {عنكم الذكر} يقال: ضرب عنه الذكر إذا أمسك عنه وأعرض عن ذكره من ضرب في الأرض. إذا أبعد و {صفحاً} مصدر من غير لفظ الفعل والأصل فيه أن تولي الشيء صفحة عنقك، وجوز جار الله أن يكون بمعنى جانباً من قولهم: " نظر إليه بصفح وجهه " فينتصب على الظرف ويكون الذكر بمعنى الوعظ والقرآن والفحوى أفننحيه عنكم. وقيل: ضرب الذكر رفع القرآن عن الأرض أي أفنرفع القرآن عن الأرض أي أفنرفع القرآن من بين أظهركم إشراككم مع علمنا بأنه سيأتي من يقبله ويعمل به. قال السدي: أفنترككم سدى لا نأمركم ولا ننهاكم وهو قريب من الأول. وقيل: الذكر هو أن يذكروا بالعقاب ولا يخلوا من مناسبة لقوله {فأهلكنا أشد منهم بطشاً} ومن قرأ {إن كنتم} بالكسر فكقول الأجير: إن كنت عملت لك فوفني حقي. يخيل في كلامه أن تفريطه في الخروج عن عهدة الأجر فعل من يشذ في الاستحقاق مع تحققه في الخارج. ثم سلى نبيه بقوله {وكم أرسلنا} الآيتين. قوله {أشد منهم} قيل: "من" زائدة والمراد أشدهم {بطشاً} كعاد وثمود وقيل: الضمير لقوم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصله أشد منكم إلا أنه ورد على طريقة الالتفات كقوله {أية : حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم}تفسير : [يونس: 22] قوله {ومضى مثل الأولين} أي سلف ذكرهم وقصتهم العجيبة في القرآن غير مرة ويحتمل أن يكون معناه كقوله {أية : وقد خلت سنة الأولين}تفسير : [الحجر: 13] ثم بين بقوله {ولئن سألتهم} أن كفرهم كفر عناد ولجاج لأنهم يعرفون الله ثم ينكرون رسوله وكتابه وقدرته على البعث. وهذه الأوصاف من كلام الله لا من قول الكفار بدليل قوله {لكم} ولم يقل " لنا " ولقوله {فأنشرنا} والمراد لينسبن خلقها إلى الذي هذه أوصافه وقد مر في "طه" مثله. وقوله {تهتدون} أي في الأسفار أو إلى الإيمان بالنظر والاعتبار. وقوله {بقدر} أي بمقدار الحاجة لا مخرباً مغرقاً كما في الطوفان. وقوله {ميتاً} تذكيره بتأويل المكان. والأزواج الأصناف وقد مر في قوله {أية : سبحان الذي خلق الأزواج}تفسير : [يس: 36] والعائد إلى ما في قوله {ما تركبون} محذوف فلك أن تقدره مؤنثاً أو مذكراً باعتبارين. قال في الكشاف: يقال: ركبت الأنعام وركبت في الفلك إلا أنه غلب المتعدي بغير واسطة على المتعدي بواسطة. قلت: يجوز أن يكون كقوله "ويوم شهدناه" والضمير في ظهوره عائد إلى ما. والاستواء في الآية بمعنى التمكن والاستقرار وذكر النعمة بالقلب ويحتمل كونه باللسان وهو تقديم الحمد لله. يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا وضع رجله في الركاب قال: الحمد لله على كل حال {سبحان الذي سخر لنا هذا} إلى قوله {لمنقلبون} وكبر ثلاثاً وهلل ثلاثاً. وإذا ركب في السفينة قال {أية : بسم الله مجريها ومرساها إِن ربي لغفور رحيم}تفسير : [هود:41] ومعنى {مقرنين} مطيقين أو ضابطين مع صعوبة خلقه وخلقه. وقيل: لا يطيق أن يقرن بعضها ببعض حتى يسيرها إلى حيث يريد {وإنا إلى ربنا لمنقلبون} أي في آخر عمرنا كأنه يتذكر ركوب الجنازة أو عثور الدابة أو انكسار السفينة فليستعد للقاء الله عز وجل بخلاف من يركب الخيول والزوارق لأجل التنزه والاشتغال بالملاهي والمناهي فيكون غافلاً عن المبدأ والمعاد. عن بعضهم أنه أدخل في البحر ههنا خلاف ما في "الشعراء" لأن ركوب الدابة أو السفينة أو الجنازة عام لكل أحد. وما في "الشعراء" خاص بالسحرة. ثم عاد إلى ما انجر الكلام منه وهو قوله {ولئن سألتهم} والمقصود التنبيه على سخافة عقولهم وقلة محصولهم فإنهم مع الإقرار بأن خالق السموات والأرض هو الله جعلوا له من عباده جزءاً أي أثبتوا له ولداً، وذلك أن ولد الرجل جزء منه. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها " تفسير : وفي قوله {من عباده} إشارة إلى أن ما عداه ممكن الوجود فإن الولد متأخر في الوجود عن الأب والمتأخر عن الواجب ممكن، والممكن مفتقر إلى الواجب في الوجود والبقاء والذات والصفات. وقيل: هو إنكار على مثبتي الشركاء لأنهم جعلوا بعض العبادة لغير الله، وفيه نوع تكلف. والكفور البليغ الكفران لأنه يجحد ربه وخالقه ولا يجتهد في تنزيهه وتقديسه. وحين وبخهم على إثبات الولد زاد في توبيخهم وتجهيلهم والتعجيب من حالهم حيث جعلوا ذلك الولد بنتاً مع أنها مكروهة عندهم فقال {أم اتخذ مما يخلق} وفائدة تنكير {بنات} وتعريف البنين كما مر في آخر السورة المتقدمة في تنكير {إناثاً} وتعريف {أية : الذكور} تفسير : [الشورى: 49] وقوله {بما ضرب للرحمن مثلاً} أي بالجنس الذي جعله شبهاً لله لأن الولد لا يكون إلا من جنس الوالد، والمراد أنه إذا بشر بالأنثى كما سبق في "النحل" اغتم ويسود وجهه وملىء غيظاً وكرباً. ثم زاد في الإنكار بتعديد طرف من نقصان الإناث قائلاً {أو من ينشأ} والتقدير أهو كضده. قال جار الله: تقديره أو يجعل للرحمن من الولد من له هذه الصفة الدنيئة الذميمة وهي أنه يربى أو يتربى في الزينة والنعومة، وهو إذا احتاج إلى المخاصمة لا يبين ولا يعرب عما في ضميره لعجزه عن البيان ولقلة عقله. قالت العقلاء: قلما تكلمت امرأة فأرادت أن تعرب عن حجتها إلا نطقت بما هو حجة عليها. وفيه أن النشء في الزينة والإمعان في التنعم من خصائص ربات الحجال لا من خواص الرجال. وإنما ينبغي أن يكون تلبسهم بلباس التقوى وتزينهم باستعداد الزاد للدار الأخرى. ثم خصص أن البنات التي نسبن إليه تعالى من أي جنس من بعدما عمم في قوله {مما يخلق} فقال {وجعلوا} أي سموا {الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً} وفي إثبات العبودية لهم نفي الجزئية عنهم كما مر آنفاً. وقوله {أشهدوا خلقهم} كقوله {أية : ما أشهدتم خلق السموات والأرض}تفسير : [الكهف: 51] وفيه تهكم بهم لأنه لم يدل على ذلك عقل ولا نقل صحيح فلم يبق إلا الإخبار عن المشاهدة يعني مشاهدتهم خلق الله إياهم أو مشاهدة صور الملائكة. ثم أوعدهم بقوله {ستكتب شهادتهم} على أنوثية الملائكة {ويسئلون} ثم حكى نوعا آخر من كفرهم وشبهاتهم وهو أنهم {قالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم} أي الملائكة والأصنام نظير ما مر في آخر الأنعام {أية : سيقول الذين أشركوا}تفسير : [الآية: 148] واستدلال المعتزلة به ظاهر لأنه ذمهم بقوله {ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون} أجاب الزجاج عنه بأن قوله {ما لهم بذلك من علم} عائد إلى قولهم الملائكة بنات الله، والمراد لو شاء الرحمن ما أمرنا بعبادتهم كقولهم {أية : والله أمرنا بهم}تفسير : [الأعراف: 28] فلهذا أنكر الله عليهم قاله الواحدي في بسيطه. وقيل: قالوها استهزاء، وزيفه جار الله بأنه لا يتمشى في أقوالهم المتقدمة وإلا كانوا صادقين مؤمنين. وجعل هذا الأخير وحده مقولاً على وجه الهزء دون ما قبله تعويج لكتاب الله. وتمام البحث بين الفريقين مذكور في " الأنعام " وإنما قال في الجاثية {إن هم إلا يظنون} لأن هذا كذب محض وهناك خلطوا الصدق بالكذب، صدقوا في قولهم {نموت ونحيى} وكذبوا في قولهم {أية : وما يهلكنا إلا الدهر}تفسير : [الجاثية: 24] وكانوا شاكين في أمر البعث، ثم زاد في الإنكار عليهم بقوله {أم آتيناهم كتاباً من قبله} أي من قبل القرآن أو الرسول {فهم به مستمسكون} ثم أضرب عن ذلك وأخبر أنه لا مستند لهم في عقائدهم وأقوالهم الفاسدة الا التقليد. والأمة الدين والطريقة التي تؤم أي تقصد. ثم سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن هذا دأب أسلافهم وداء قديم في جهال بني آدم. وإنما قال أولاً {مهتدون} وبعده {مقتدون} لأن العرب كانوا يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويزعمون الاهتداء، ولعل الأمم قبلهم لم يزعموا إلا الاقتداء بالآباء دون الاهتداء. ثم أخبر أن النذير {قال} أو أمر النذير أو محمداً أن يقول {أو لو جئتكم} أي أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم فاصروا على التكذيب ولم يقبلوا فانتقم الله منهم. ثم بين بقصة إبراهيم عليه السلام أن القول بالتقليد يوجب المنع من التقليد، وذلك أن إبراهيم عليه السلام كان أشرف آباء العرب وأنه ترك دين الآباء لأجل الدليل، فلو كانوا مقلدين لآبائهم وجب أن يتبعوه في الاعتماد على الدليل لا على مجرد التقليد. والبراء بالفتح مصدر أي ذو براء. وقوله {إلا الذي فطرني} قيل: متصل، وكان فيهم من يعبد الله مع الأصنام. وقيل: منقطع بمعنى لكن، ويحتمل أن يكون مجروراً بدلاً من ما أي إلا من الذي وجوز في الكشاف أن تكون "إلا" صفة بمعنى غير و "ما" موصوفة تقديره إنني براء من آلهة تعبدونها غير الذي فطرني {فإنه سيهدين} أي يثبتني على الهداية أو يرشدني إلى طريق الجنة، ولا ريب أن قوله {إنني براء مما تعبدون} بمنزلة لا إله وقوله {إلا الذي فطرني} بمثابة " إلا الله " وهي كلمة التوحيد فلذلك أنّث الضمير في قوله {وجعلها} أي وجعل إبراهيم أو الله {كلمة} التوحيد {باقية في عقبه} فلا يزال في ذريته من يوحد الله عز وجل ويدعو إلى توحيده نظيره {أية : ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب}تفسير : [البقرة: 132] {لعلهم} أي لعل من أشرك منهم يرجع إلى التوحيد أو عن الشرك بدعاء الموحدين منهم. ثم أضرب عن رجاء الرجوع منهم إلى أن تمتيعهم بالعمر وسعة الرزق صار سبباً لعظم كفرهم وشدة عنادهم. قال جار الله: أراد بل اشتغلوا عن التوحيد {حتى جاءهم الحق} وهو القرآن {ورسول مبين} الرسالة واضحها فخيل بهذه الغاية أنهم تنبهوا عندها من غفلتهم لاقتضائها التنبيه. ثم ابتدأ قصتهم عند مجيء الحق قائلاً {ولما جاءهم الحق} جاؤا بما هو شر من غفلتهم وهو أن ضموا إلى شركهم معاندة الحق ومكابرة الرسول وإنكار القرآن والله أعلم.
الثعالبي
تفسير : {حـمۤ * وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ} {وَٱلْكِتَـٰبِ}: خُفِضَ بواو القَسَمِ، والضمير في {جَعَلْنَـٰهُ} عائدٌ على الكتابِ، و{إِنَّهُ} عطف على {جَعَلْنَـٰهُ}، وهذا الإخبارُ الثَّانِي وَاقِعٌ أيضاً تحْتَ القَسَمِ، و{أُمِّ ٱلْكِتَـٰبِ}: اللوح المحفوظ، وهذا فيه تشريفٌ للقرآن، وترفيع، واخْتَلَفَ المُتَأَوِّلُون: كيف هو في أُمِّ الكتاب؟ فقال قتادة وغيره: القرآن بأجمعه فيه منسوخ، ومنه كان جبريل ينزل، وهنالك هو عَلِيٌّ حكيم، وقال جمهور الناس: إنَّما في اللوح المحفوظ ذِكْرُهُ ودرجته ومكانته من العُلُوِّ والحكمة.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {حـمۤ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} إن جعلت "حم" قسماً كانت الواو عاطفة، وإن لم تكن الواو للقسم. وقوله: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ} جواب القسم. وهذا عندهم من البلاغة، وهو كون القسم والمقسم عليه من وادٍ واحد، كقول أبي تمام: شعر : 4388ـ .......................... وَثَنَـايَـــاك إنَّهــا إغْريـــضُ تفسير : إن أريد بالكتاب القرآن، وإن أُرِيدَ به جنس الكتب المنزلة غير القرآن لم يكن من ذلك. والضمير في "جَعَلْنَاهُ" على الأول يعود على الكتاب وعلى الثاني للقرآن وإن لم يصرح بذكره. والجَعْلُ في هذا تصيير، ولا يلتفت لخطأ الزمخشري في تَجْوِيزِه أن يكون بمعنى خلقناه. فصل ذكر المفسرون في هذه الآية وجهين: الأول: أن يكون التقدير هذه حم والكتاب المبين فيكون المقسم واقعاً على أن هذه السورة هي سورة حم. الثاني: أن يكون القسم واقعاً على قوله: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً}. وفي المراد بالكتاب قولان: أحدهما: أنه القرآن فيكون قد أقسم بالقرآن أنه جعله عربياً. والثاني: المراد بالكتاب الكتابة والخط، أقسم بالكتاب لكثرة ما فيه من المنافع، ووصف الكتاب بأنه مبين أي أبان طريق الهدى من طريق الضلال، وأبان ما يحتاج إليه الأمة من الشريعة وتسميته مبيناً مجاز؛ لأن المبين هو الله تعالى وإنما سمي القرآن بذلك توسعاً من حيث إنه حصل البيان عنده. وقوله: "جَعَلْنَاهُ" أي صَيَّرْنَا قراءة هذا الكتاب عربياً. وقيل: بيّناه. وقيل: سميناه وقيل وضعناه. يقال: جَعَلَ فُلاَنٌ زَيْداً عَالِماً، أي وصفه بهذا، كقوله: {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً}تفسير : [الزخرف:19] و{أية : جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ}تفسير : [الحجر:91] {أية : أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ}تفسير : [التوبة:19] كلها بمعنى الوصف والتسمية. فصل احتج القائلون بحدوث القرآن بهذه الآية من وجوه: الأول: أنها تدل على أن القرآن مجعول, والمجعول هو المصنوع المخلوق. فإن قيل: المراد به أنه سماه عربياً, فهذا مدفوع من وجهين: الأول: أنه لو كان المراد من الجعل التسمية لزم أن سماه عجمياً أنه يصير عجمياً، وإن كان بلغة العرب، وهذا باطل. الثاني: (أنه) لو صرف الجَعْلُ إلى التسمية لزم كونُ التسمية مجعولة، والتسمية أيضاً كلام الله وذلك أنه جعل بعض كلامه، وإذا صح ذلك في البعض صح في الكل. الثاني: أنه وصفه بكونه قرآناً، وهو إنما سمي قرآناً، لأنه جعل بعضه مقروناً بالبعض، وما كان ذلك كان مصنوعاً. الثالث: وصفه بكونه عربياً، وإنما يكون عربياً، لأن العرب اختصت بضوع ألفاضه واصطلاحهم، وذلك يدل على أنه مجعول. والتقدير: حَم وَرَبِّ الكِتَابِ المُبِينِ. ويؤكد هذا بقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : يَا رَبَّ طَه وَيس، ويَا ربِّ القُرْآنِ العَظِيم ". تفسير : وأجاب ابن الخطيب: بأن هذا الذي ذكرتموه حق؛ لأنكم استدللتم بهذه الوجوه على كون الحروف المتواليات والكلمات المتعاقبة مُحْدَثَةً، وذلك معلوم بالضرورة وَمَنِ الذي ينازعكم فيه. قله: {لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} كلمة "لَعَلَّ" للتمني والترجي، وهي لا تليق بمن كان عالماً بعواقب الأمور، وكان المراد ههنا: إنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبيًِّا لأجل أن تُحِيطُوا بمَعْنَاه. قوله تعالى: {وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا} متعلقان بما بعدهما، ولا تمنع اللام من ذلك. ويجوز أن يكونا حالين مما بعدهما؛ لأنهما كانا وصفين له في الأصل فيتعلقان بمحذوف، ويجوز أن يكون "لدينا" متعلقاً بما تعلق به الجار قبله، إذا جعلناه حالاً من لَعَلِيّ، وأن يكون حالاً من الضمير المستتر فيه. وكذا يجوز في الجار أن يتعلق بما تعلق به الظرف وأن يكون حالاً من ضميره عند من يجوز (تقديمها) على العامل المعنوي، ويجوز أن يكون الظرف بدلاً من الجار قبله، وأن يكونا حالين من "الكتاب" أو مِنْ "أُمِّ". ذكر هذه الأوجه الثلاثة أبو البقاء، وقال: "ولا يجوز أن يكون واحدٌ من الظرفين خبراً؛ لان الخبر لزم أن يكون "عَلِيًّا" من أجل اللام". قال شهاب الدين: وهذا يمنع أن تقول: "إنَّْ زَيْداً كَاتِبٌ لَشَاعِرٌ؛ لأنه منع أن يكون غير المقترن بها خبراً". وقرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ إم الكتاب ـ بكسر الألف ـ والباقون بالضم. والضمير في قوله "وَإنَّهُ" عائد إلى الكتاب المتقدم ذكره. فصل قيل: أم الكتاب هو اللوح المحفوظ. قال قتادة: أم الكتاب أصل الكتاب، وأُمُّ كُلِّ شيء أصْله. قال ابن عباس: ـ (رضي الله عنهما) ـ: أَوَّلُ ما خَلَقَ اللهُ القَلَمَ أَمَرَهُ أَنْ يَكْتُبَ بِمَا يُرِيدُ أنْ يَخْلُقَ فالكتاب عنده ثم قرأ: وإنَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ لَدَيْنَا، فالكتاب مثبت عنده في اللوح المحفوظ كما قال: {أية : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ}تفسير : [البروج:21ـ22]. وقوله: {لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} قال قتادة: يخبر عن منزلته وشرفه، أي إن كَذَّبْتُمْ بالقرآن يا أهل مكة فَإنه عندنا "لَعَلِيٌّ" رفيع شريف "حَكِيمٌ" أي محكم في أبواب البلاغة والفصاحة، أو ذو حكمة بالغةٍ. قيل: المراد بأم الكتاب الآيات المحكمة لقوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ ءَايَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ}تفسير : [آل عمران:7] والمعنى أن سورة حم واقعة في الآيات المحكمة التي هي الأصل والأم. فإن قيل: ما الحكمة في خلق هذا اللوح المحفوظ مع أنه تعالى علام الغيوب فيستحيل عليه السهو والنسيان؟. فالجواب: أنه تعالى لما أثْبَتَ في ذلك أحكامَ حوادثِ المخلوقات، ثم إن الملائكة إذا شاهدوا أن جميع الحوادث إنما تحدث على موافَقَة ذلك المكتوب استدلوا بذلك على كمال حكمته وعلمه. قوله تعالى: {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً} في نصب "صفحاً" خمسةُ أوجه: أحدها: أنه مصدر في معنى يضرب؛ لأنه يقال: ضَرَبَ عَنْ كَذَا وأَضْرَبَ عَنْهُ بمعنى أعْرَضَ عنه وصَرَفَ وَجْهَهُ عَنْهُ قال: شعر : 4389ـ اضْرِبَ عَنْكَ الهُمُومَ طَارِقَهَا ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ تفسير : والتقدير: أفنصفح عنكم الذكر، أي أفَنُزِيلُ القرآن عنكم إزالةً، يُنْكِرُ عليهم ذلك. الثاني: أنه منصوب على الحال من الفاعل أي صافحين. الثالث: أن ينتصب على المصدر المؤكد لمضمون الجملة، فيكون عامله محذوفاً، نحو: {أية : صُنْعَ ٱللَّهِ}تفسير : [النمل:88] قاله ابن عطية. الرابع: أن يكون مفعولاً من أجله. الخامس: أن يكون منصوباً على الظرف. قال الزمخشري: و "صَفْحاً" على وجهين: إما مصدر من صَفَحَ عنه إذَا أعرض عنه، منتصب على أنه مفعول له، على معنى أَفَنَعْزِلُ عَنْكُمْ إنْزَالَ القُرْآنِ وإلزام الحجة به إعراضاً عنكم؟ وإما بمعنى الجانب من قولهم: نَظَرَ إلَيْهِ بصفح وجهه، وصفح وجهه بمعنى أفَنُنَحِّيهِ عَنْكُمْ جانباً؟ فينتصب على الظرف، نحو: ضَعْهُ جانباً، وأمْش جنباً، وبعضده قراءة: صُفْحاً بالضم. يشير إلى قراءة حَسَّانِ بْنِ عبد الرحمن الضُّبَعيَّ وسُمَيْطِ بن عُمَر وشُبَيْل بن عَزرَةَ قرأوا: صُفْحاً ـ بضم الصاد ـ وفيه احتمالات: أحدهما: ما ذكره من كونه لُغَةً في المفتوح، ويكون ظرفاً. وظاهر عبارة أبي البقاء أنه يجوز فيه ما جاز في المفتوح؛ لأنه جعله لغة فيه كالسَّدِّ والسُّدِّ. والثاني: أنه جمع صَفُوحٍ، نحو: صَبُورٍ، وصُبْر، فينتصب حالاً من فاعل "يَضْرِبُ" وقدَّرَ الزمخشري على عادته فعلاً بين الهمزة والفاء، أي: أَنُهْمِلُكُمْ فَنَضْرِبُ. وقد تقدم ما فيه. قوله: {أَن كُنتُمْ} قرأ نافع والأَخَوَانِ بالكسر، على أنها شرطيه. وَإسْرَافُهُمْ كان مُتَحَقِّقاً و "إنْ" إنما تدخل على غير المُتَحَقّق أو المتحقق المبهم الزمان. وأجاب الزمخشري: أنه من الشرط الذي يصدر عن المُدْلِي بصحة الأمر والتحقيق لثبوته كقوله الأجير: "إنْ كُنْتُ عَمِلْتُ لَكَ عَمَلاً فَوَفِّني حَقِّي"، وهو عالم بذلك، ولكنه تخيل في كلامه أن تفريطَك في إيصال حقي فعل من له شك في استحقاقه إيَّاه تجهيلاً لهم. وقيل: المعنى على المُجَازَاة، والمعنى أفنضرب عنكم الذكر صفحاً متى أسْرَفْتُم، أي إنكم غير متروكين من الإنذار متى كنتم قوماً مسرفين. وهذا أراد أبو البقاء بقوله: وقرىء: إن بكسرها على الشرط وما تقدم يدل على الجواب، والباقون بالفتح على العلة، أي لأَنْ كُنْتُمْ كقوله: شعر : 4390ـ أَتَجْـزَعُ أَنْ بَـانَ الخَلِيـطُ المُـوَدِّعُ ............................. تفسير : ومثله قوله: شعر : 4391ـ أَتَجْــزَعُ أَن أُذْنَـا قُتَيْبَــةَ جُزَّتَــا ............................. تفسير : يروى بالكسر والفتح، وقد تقدم نحوٌ من هذا أول المائدة. وقرأ زيدُ بنُ عليّ: إذا ـ بذالٍ عوضِ النون وفيها معنى العلة، كقوله: {أية : وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ}تفسير : [آل عمران:139]. فصل قال الفراء والزجاج: يقال: ضَرَبْتُ عَنْهُ وأَضْرَبْتُ عَنْهُ. أي تَرَكْتُهُ ومَسَكْتُ عَنْهُ، وقوله: "صَفْحاً" أي إعراضاً، والأصل فيه: إنك تَوَلَّيْتَ بصَفْحَةِ عُنُقِكَ. والمراد بالذكر عذابُ الله. وقيل: أفنرُدُّ عنكم النصائح والمراعظ والأعذار بسبب كونكم مسرفين، وقيل: أَفَنَرُدُّ عنكم القرآن، وهذا الاستفهام على سبيل الإنكار، والمعنى: أفنترك عنكم الوحي، ونمسك عن إنزال القرآن، فلا نأمركم ولا ننهاكم من أجل أنكم أسرفتم في كفركم وتركتم الإيمان؟ وهذا قول قتادةَ وجماعةٍ، قال قتادة: والله لو كان هذا القول رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله برحمته كرره عليهم ودعاهم إليه عشرين سنةً أو ما شاء الله. وقيل: معناه أفنضرب عنكم بذكرنا إياكم صافحين مُعْرِضينَ. وقال الكسائي: أفنطوي عنكم الذّكْرَ طَيًّا، فلا تدعون ولا توعظون، وقال الكلبي: أَفَنَتْركُكُم سُدًى، لا نأمركم ولا نَنْهَاكُمْ. وقال مجاهد والسدي: أفَنُعْرِضُ عنكم ونترككم فلا نعاقبكم على كفركم.
البقاعي
تفسير : {والكتاب} أي وإعجاز هذا الجامع لكل خير وغير ذلك من أنواع عظمته {المبين} أي البين في نفسه، المبين لجميع ما فيه من العظمة والشرائع والسنن، واللطائف والمعارف والمنن، بياناً عظيماً شافياً. ولما كانوا ينكرون أن يرجعوا به عما هم فيه، وأن يكون من عند الله، أكد ما يكذبهم من قوله فيما مضى آخر الشورى أنه نور وهدىً وروح معبراً بالجعل لذلك دون الإنزال لأنه قد دل عليه جميع السور الماضية تارة بلفظه وأخرى بلفظ الوحي، فقال مقسماً بالكتاب على عظمة الكتاب، قال السمين: ومن البلاغة عندهم كون القسم والمقسم عليه من واد واحد، وهذا إن أريد بالكتاب القرآن فإن أريد به أعم منه كان بعض القسم به، وصرف القول إلى مظهر العظمة تشريفاً للكتاب: {إنا جعلناه} أي صيرناه ووضعناه وسميناه مطابقة لحاله بالتعبير عن معانيه بما لنا من العظمة {قرآناً} أي مع كونه مجموع الحروف والمعاني جامعاً، ومع كونه جامعاً فارقاً بين الملتبسات {عربياً} أي جارياً على قوانين لسانهم في الحقائق والمجازات والمجاز فيه أغلب لأنه أبلغ ولا سيما الكنايات والتمثيلات، وصرف القول عن تخصيص نبيه صلى الله عليه وسلم بالخطاب إلى خطابهم تشريفاً له صلى الله عليه وسلم ولهم فيما يريده بهم وتنبيهاً على سفول أمرهم في وقت نزولها فقال: {لعلكم تعقلون *} أي لتكونوا أيها العرب على رجاء عند من يصح منه رجاء من أن تعقلوا أنه من عندنا لم تبغوا له أحداً علينا وتفهموا معانيه وجميع ما في طاقة البشر مما يراد به من حكمه وأحكامه، وبديع وصفه ومعجز وصفه ونظامه، فترجعوا عن كل ما أنتم فيه من المغالبة، ولا بد أن يقع هذا الفعل، فإن القادر إذا عبر بأداة الترجي حقق ما يقع ترجيه، ليكون بين كلامه وكلام العاجز فرق، وسيبلغ هذا الجامع أقصاكم كما عرض على أدناكم وكل منكم يعلم أنه عاجز عن مباراة آية منه في حسن معناها، وجزالة ألفاظها وجلالة سبكها، ونظم كل كلمة منها بالمحل الذي لا يمكن زحزحتها عنه بتقديم ولا تأخير، ولا أن يبدل شيء منها بما يؤدي معناه أو يقوم مقامه، كما أن ذلك في غاية الظهور في موازنة{أية : في القصاص حياة}تفسير : [البقرة: 179] مع "القتل أنفى للقتل" وذلك بعض آية فكيف بآية فما فوقها فتخضع له جبابرة ألبابكم وتسجد له جباه عقولكم، وتذل لعزته شوامخ أفكاركم، فتبادرون إلى تقبله وتسارعون إلى حفظه وتحمله علماً منكم بأنه فخر لكم لا يقاربه فخر، وعز لا يدانيه عز، ثم يتأمل الإنسان منكم من خالفه فيه من بعيد أو قريب ولد أو والد إلى أن تدين له الخلائق، وتتصاغر لعظمته الجبال الشواهق، والآية ناظرة إلى آية فصلت{أية : ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا} تفسير : الآية [فصلت: 44]. ولما كانوا ينكرون تعظيمه عناداً وإن كانوا يقرون بذلك في بعض الأوقات، قال مؤكداً لذلك وتنبيهاً على أنه أهل لأن يقسم به، ويزاد في تعظيمه لأنه لا كلام يشبه، بل ولا يدانيه بوجه: {وإنه} أي القرآن، وقدم الظرفين على الخبر المقترن باللام اهتماماً بهما ليفيد بادئ بدء أن علوه وحكمته ثابتة في الأم وأن الأم في غاية الغرابة عنده {في أم الكتاب} أي كائناً في أصل كل كتاب سماوي، وهو اللوح المحفوظ، وزاد في شرفه بالتعبير بلدى التي هي لخاص الخاص وأغرب المستغرب ونون العظمة فقال مرتباً للظرف على الجار ليفيد أن أم الكتاب من أغرب الغريب الذي عنده {لدينا} على ما هو عليه هناك {لعليّ}. ولما كان العلي قد يتفق علوه ولا تصحبه في علوه حكمة، فلا يثبت له علوه، فيتهور بنيانه وينقص سفوله ودنوه، قال: {حكيم} أي بليغ في كل من هاتين الصفتين راسخ فيهما رسوخاً لا يدانيه فيه كتاب فلا يعارض في عليّ لفظه، ولا يبارى في حكيم معناه، ويعلو ولا يعلى عليه بنسخ ولا غيره، بل هناك مكتوب بأحرف وعبارات فائقة رائقة تعلو عن فهم أعقل العقلاء، ولا يمكن بوجه أن يبلغها أنبل النبلاء، إلا بتفهيم العلي الكبير، الذي هو على كل شيء قدير. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما أخر سبحانه بامتحان خلف بني إسرائيل في شكهم في كتابهم بقوله:{أية : وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب} تفسير : [الشورى: 14] ووصى نبيه صلى الله عليه وسلم بالتبري من سيئ حالهم والتنزه عن سوء محالهم فقال {أية : ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب}تفسير : الآية [الشورى: 15] وتكرر الثناء على الكتاب العربي كقوله{أية : وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً}تفسير : [الشورى: 7] وقوله {أية : الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان}تفسير : [الشورى: 17] وقوله {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا} - إلى آخر السورة، أعقب ذلك بالقسم به وعضد الثناء عليه فقال {حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم} ولما أوضح عظيم حال الكتاب وجليل نعمته به، أردف ذلك بذكر سعة عفوه وجميل إحسانه إلى عباده ورحمتهم بكتابه مع إسرافهم وقبيح مرتكبهم فقال: {أفنضرب عنكم الذكر صفحاً أن كنتم قوماً مسرفين} ولما قدم في الشورى قوله {لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيماً} فأعلم أن ذلك إنما يكون بقدرته وإرادته، والجاري على هذا أن يسلم الواقع من ذلك ويرضى بما قسم واختار، عنف تعالى في هذه السورة من اعتدى وزاغ فقال {وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاً ظل وجهه مسوداً وهو كظيم} فكمل الواقع هنا بما تعلق به، وكذلك قوله تعالى {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض} وقوله في الزخرف {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة} إلى آخره - انتهى. ولما أفهم تكرير هذا التأكيد أنهم يطعنون في علاه، ويقدحون في بديع حلاه، فعل من يكرهه ويأباه، إرادة للإقامة على ما لا يحبه الله ولا يرضاه، قال منكراً عليهم: {أفنضرب} أي نهملكم فنضرب أن ننحي ونسير مجاوزين {عنكم} خاصة من بين بني إبراهيم عليه الصلاة والسلام {الذكر} أي الوعظ المستلزم للشرف {صفحاً} أي بحيث يكون حالنا معكم حال المعرض المجانب بصفحة عنقه، فلا نرسل إليكم رسولاً، ولا ننزل معه كتاباً فهو مفعول له أي نضرب لأجل إعراضنا عنكم، أو يكون ظرفاً بمعنى جانباً أي نضربه عنكم جانباً، قال الجامع بين العباب والمحكم: أضربت عن الشيء: كففت وأعرضت، وضرب عنه الذكر وأضرب عنه: صرفه، وقال الإمام عبد الحق في الواعي: والأصل في ضرب عنه الذكر أن الراكب إذا ركب دابته فأراد أن يصرفه عن جهته ضربه بعصاه ليعدله عن جهته إلى الجهة التي يريدها، فوضع الضرب في موضع الصرف والعدل، قال الهروي: قال الأزهري: يقال: ضربت عنه وأضربت بمعنىّ واحد، ونقل النواوي عنه أنه قال: إن المجرد قليل، فالحاصل أن الضرب إيقاع شيء على آخر بقوة، فمجرده متعد إلى واحد، فإن عدي إلى آخر بـ"عن" ضمن معنى الصرف، وإذا زيدت همزة النقل فقيل: أضربت عنه، أفادت الهمزة قصر الفعل، وأفهمت إزالة الضرب، فمعنى الآية: أفنضرب صارفين عنكم الذكر صفحاً، أي معرضين إعراضاً شديداً حتى كأنا ضربنا الذكر لينصرف عنكم معرضاً كإعراض من ولى إلى صفحة عنقه، ثم علل إرادتهم هذا الإعراض بما يقتضي الإقبال بعذاب أو متاب فقال: {أنْ} أي أنفعل ذلك لأن {كنتم قوماً مسرفين} أي لأجل أن كان الإسراف جبلة لكم وخلقاً راسخاً، وكنتم قادرين على القيام به في تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم والقدح فيما يأتي به والاستهزاء بأمره بترككم خشية من شدتكم أو رجاء من غير تذكير لتوبتكم وقد جعل حينئذ المقتضى مانعاً، فإن المسرف أجدر بالتذكير وأحوج إلى الوعظ، هذا إن كان مقرباً، وأما البعيد فإنه لا يلتفت إليه من أول الأمر، بل لو أراد القرب طرد، وعلى قراءة نافع وحمزة والكسائي بكسر "إن" على كونها شرطية يكون الكلام مسبوقاً على غاية ما يكون من الإنصاف، فيكون المعنى: أنترككم مهملين فننحي عنكم الذكر والحال أنكم قوم يمكن أن تكونوا متصفين بالإسراف، يعني أن المسرف أهل لأن يوعظ ويكلم بما يرده عن الإسراف، وأنتم وإن ادعيتم أنكم مصلحون لا تقدرون أن تدفعوا عنكم إمكان الإسراف فكيف يدفع عنكم إنزال الذكر الواعظ وأنتم بحيث يمكن أن تكونوا مسرفين فتحتاجوا إليه - هذا ما لا يفعله حكيم في عباده، بل هو سبحانه للطفه وزيادة بره لا يترك دعاء عباده إلى رحمته وإن كانوا مسرفين قد أمعنوا في الشراد، والجحد والعناد، فيدعوهم بأبلغ الحجة، وهو هذا القرآن الذي هو أشرف الكتاب على لسان هذا النبي الذي هو أعظم الرسل ليهتدي من قدرت هدايته وتقوم الحجة على غيره. ولما كان المعنى أن لا نترككم هملاً، كان كأنه قيل: هيهات منكم فلنرفعنكم كما رفعنا بني إسحاق من إسرائيل وعيسى عليهم الصلاة والسلام، فلقد أرسلنا إليكم مع أنكم أعلى الناس رسولاً هو أشرفكم نسباً وأزكاكم نفساً وأعلاكم همة وأرجحكم عقلاً وأوفاكم أمانة وأكرمكم خلقاً وأوجهكم عشيرة، فعطف قوله تأنيساً للنبي صلى الله عليه وسلم وتأسية وتعزية وتسلية: {وكم أرسلنا} أي على ما لنا من القدرة على ذلك والعظمة الباهرة المقتضية لذلك. ولما كان الإرسال يقع على أنحاء من الأشكال، ميزه بأن قال: {من نبي في الأولين} ثم حكى حالهم الماضية إشارة إلى استمرار حال الخلق على هذا فقال: {وما} أي والحال أنه ما {يأتيهم} وأغرق في النفس بقوله: {من نبي} أي في أمة بعد أمة بعد أمة وزمان بعد زمان {إلا كانوا} أي خلقاً وطبعاً وجبلة {به يستهزءون *} كما استهزأ قومك، وتقديم الظرف للإشارة إلى أن استهزاءهم به لشدة مبالغتهم فيه كأنه مقصور عليه.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت بمكة سورة {حـمۤ} الزخرف. أما قوله تعالى: {إنا جعلناه قرآناً عربياً} . أخرج ابن مردويه، عن طاوس رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى ابن عباس من حضرموت، فقال له: يا ابن عباس، اخبرني عن القرآن أكلام من كلام الله أم خلق من خلق الله؟ قال: بل كلام من كلام الله. أو ما سمعت الله يقول: {أية : وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله}تفسير : [التوبة: 6] فقال له الرجل: أفرأيت قوله؟: {إنا جعلناه قرآناً عربياً} قال: كتبه الله في اللوح المحفوظ بالعربية. أما سمعت الله يقول؟: {أية : بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ}تفسير : [البروج: 22]: المجيد هو العزيز، أي كتبه الله في اللوح المحفوظ. وأخرج ابن أبي شيبة، عن مقاتل بن حيان رضي الله عنه، قال: كلام أهل السماء العربية. ثم قرأ {حـمۤ والكتاب المبين} {إنا جعلناه قرآناً عربياً} الآيتين.
ابو السعود
تفسير : سورة الزخرف مكية، وقيل إلا قوله: "واسأل من أرسلنا" وآياتها تسع وثمانون. {حـم} الكلامُ فيهِ كالذي مَرَّ في فاتحةِ سورةِ يس خَلاَ أنَّ الظاهرَ على تقديرِ اسميتِه كونُه اسماً للقُرآنِ لا للسورةِ كما قيلَ: فإنَّ ذلكَ مُخِلٌّ بجزالةِ النظمِ الكريمِ {وَٱلْكِتَـٰبِ} بالجرِّ على أنه مُقسمٌ بهِ إمَّا ابتداءً أو عطفاً عَلى حم عَلى تقديرِ كونِه مجروراً بإضمارِ باءِ القسمِ، على أنَّ مدارَ العطفِ المغايرةُ في العُنوانِ، ومناطُ تكريرِ القسمِ المبالغةُ في تأكيدِ مضمونِ الجملةِ القَسَميةِ {ٱلْمُبِينُ} أي البـيِّنِ لمن أُنزلَ عليهم لكونِه بلغتِهم وعَلى أساليبِهم، أو المبـينِ لطريقِ الهُدى من طريقِ الضلالةِ المُوضحِ لكلِّ مَا يحتاجُ إليهِ في أبوابِ الديانةِ. {إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ قُرْءاناً عَرَبِيّاً} جوابٌ للقسمِ لكنْ لا على أنَّ مرجعَ التأكيدِ جعلُه كذلكَ كما قيلَ بلْ ما هُو غايتُه التي يُعربُ عنها قولُه تعالى {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} فإنَّها المحتاجةُ إلى التحقيقِ والتأكيدِ لكونِها منبئةً عن الاعتناءِ بأمرِهم وإتمام النعمةِ عليهم وإزاحةِ أعذارِهم، أي جعلنَا ذلكَ الكتابِ قُرآناً عربـياً لكي تفهمُوه وتحيطُوا بما فيهِ من النظمِ الرائقِ والمَعْنى الفائقِ ولتقفُوا على ما يتصمنُّه من الشواهدِ الناطقةِ بخروجِه عن طوقِ البشرِ وتعرفُوا حقَّ النعمةِ في ذلك وتنقطعَ أعذارُكم بالكليةِ. {وَإِنَّهُ فِى أُمّ ٱلْكِتَـٰبِ} أي في اللوحِ المحفوظِ، فإنَّه أصلُ الكتبِ السماويةِ. وقُرِىءَ إِمِّ الكتابِ بالكسرِ {لَدَيْنَا} أي عندنَا {لَّعَـلّى} رفيعٌ القدرِ بـينَ الكتبِ شريفٌ. {حَكِيمٌ} ذُو حَكمةٍ بالغةٍ، أو محكمٌ وهُما خبرانِ لإنَّ وما بـينهُمَا بـيانٌ لمحلِّ الحكمِ، كأنَّه قيلَ بعدَ بـيانِ اتصافِه بما ذُكِرَ منَ الوصفينِ الجليلينِ: هذا في أمِّ الكتابِ ولدينَا. والجملةُ إمَّا عطفٌ على الجملةِ المقسمِ عليها، داخلةٌ في حُكمها ففي الإقسامِ بالقرآنِ على علوِّ قدرِه عندَهُ تعالَى براعةٌ بديعةٌ وإيذانٌ بأنَّه من عُلِّو الشأنِ بحيثُ لا يحتاجُ في بـيانِه إلى الاستشهادِ عليهِ بالإقسامِ بغيرهِ بل هُو بذاتِه كافٍ في الشهادةِ على ذلكَ من حيثُ الإقسامُ بهِ كَما أنَّه كافٍ فيها من حيثُ إعجازُه ورمزٌ إلى أنَّه لا يخطرُ بالبالِ عند ذكرِه شيءٌ آخرُ منه بالإقسامِ به. وإمَّا مستأنفةٌ مقررةٌ لعلوِّ شأنِه الذي أنبأَ عنه الإقسامُ به على منهاجِ الاعتراضِ في قولِه تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ } تفسير : [سورة الواقعة، الآية 76] وبعدما بـيَّنَ علوَّ شأنِ القرآنِ العظيمِ وحققَ أنَّ إنزالَهُ على لغتِهم ليعقلوه ويؤمنوا به ويعملوا بموجبِه عقَّبَ ذلكَ بإنكارِ أنْ يكونَ الأمرُ بخلافهِ فقيلَ {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذّكْرَ} أي ننحّيهِ ونُبعدُه عنكم. مجازٌ من قولِهم: ضربُ الغرائبِ عن الحوضِ، وفيه إشعارٌ باقتضاءِ الحكمةِ توجُّهَ الذكر إليهم وملازمتَه لهم كأنَّه يتهافتُ عليهم. والفاءُ للعطفه على محذوفٍ يقتضيِه المقامُ أي أنهملكُم فننحِّى الذكرَ عنكُم {صَفْحاً} أي إعراضاً عنكم على أنه مفعولٌ له للمذكورِ أو مصدرٌ مؤكدٌ لما دَلَّ هو عليهِ فإن التنحيةَ منبئةُ عن الصفحِ والإعراضِ قطعاً كأنَّه قيلَ: أفنصفحُ عنكُم صفحاً أو بمَعْنى الجانبِ فينتصبُ على الظرفيةِ أي أفننحيهِ عنكُم جانباً {أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ} أي لأنْ كنتُم منهمكينَ في الإسرافِ مصرِّينَ عليهِ عَلى مَعْنى إنَّ حالَكُم وإنِ اقتَضَى تخليتَكُم وشأنَكُم حتَّى تموتُوا على الكفرِ والضلالةِ وتبقوا في العذابِ الخالدِ لكنا لسعةِ رحمتِنا لا نفعلُ ذلكَ بلْ نهديكُم إلى الحقِّ بإرسالِ الرسولِ الأمينِ وإنزالِ الكتابِ المبـينِ. وقُرِىءَ بالكسرِ على أنَّ الجملةَ شرطيةٌ مخرِجةٌ للمحققِ مُخرجَ المشكوكِ لاستجهالِهم، والجزاءُ محذوفٌ ثقةً بدلالةِ ما قبلَهُ عليه. وقولُه تعالَى: {وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيّ فِى ٱلأَوَّلِينَ} {وَمَا يَأْتِيهِم مّنْ نَّبِىّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ} تقريرٌ لما قبلَه ببـيانِ أنَّ إسرافَ الأممِ السالفةِ لم يمنعْهُ تعالى من إرسالِ الأنبـياءِ إليهم، وتسليةٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم عن استهزاءِ قومِه به. وقولُه تعالى {فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً} أي من هؤلاءِ المسرفينَ، عِدَةٌ له عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ووعيدٌ لهم بمثلِ ما جَرَى على الأولينَ، ووصفُهم بأشدِّيَّة البطشِ لإثباتِ حكمِهم لهؤلاءِ بطريقِ الأولويةِ. {وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ} أي سلَف في القُرآنِ غيرَ مرةٍ ذكرُ قِصَّتِهم التي حقُّها أن تسيرَ مسيرَ المثلِ.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {حـمۤ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ}[1-2] أي بين فيه الهدى من الضلالة والخير من الشر وبين فيه سعادة السعداء وشقاوة الأشقياء.
القشيري
تفسير : الحاءُ تدل على حياته والميمُ على مجده.. وهذا قَسَمٌ؛ ومعناه: وحياتي ومجدي وهذا القرآنِ إنَّ الذي أخبرْتُ عن رحمتي بعبادي المؤمنين حقٌ وصِدْقٌ. وجعلناه قرآناً عربياً ليتيسَّرَ عليكم فَهْمُ معناه.
البقلي
تفسير : {حـمۤ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} اى بحيوتى منك وحيوتك بحيوتى ومحبتى لك ومحبتك لى وبهذا الكتاب المبارك الظاهر بنوره وبرهانه فى صدرك ولسانك وصدور العارفين المبرهن بيانه للمؤمنين المبين لطائفه لقلوب الصديقين ان هذا القرأن انزلته على قلبك ولسانك الفصيح ليعرفه كل مومن صادق ويعقل به طريق العبودية وحقوق الربوبية قال سهل بني فيه الهدى من الضلالة والخير من الشر وبين فيه سعادة السعداء وشقاوة الاشقياء قال الاستاذ الحاء يدل على حيوته والميم على محده وهذا قسم ومعناه وحيوتى وملكى وهذا القرأن المبين ان الذى اخبرت ان رحمتى لعباد المؤمنين حق وصدق ثم وصف القرأن بانه ليس بمخلوق وانه صفته الازلية التى قائمة بذاته ان لا وابدا بقوله {وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} اى انه صفتى كان فى ذاتى منزها عن التغابن والافتراق اذ هما من صفات الحدث وام الكتاب عبارة عن ذات القدم لانه اصل تجميع الصفات لدينا معناه ما ذكرنا انه فى ام الكتاب لعلىّ علا من ان يدركه احد بالحقيقة ممتنع من انتحال المبطلين وتاويل الجاهلين حكيم محكم مبين قال سهل ام الكتب هو اللوح المحفوظ اى رفيع مستولى على سائر الكتب قال جعفر لعلى عن درك العباد وما توهمون حكيم فيما دبّروا نشأ وقدر.
اسماعيل حقي
تفسير : {حم} اى القرءآن مسمى بحم او هذه السورة مسماة به. يقول الفقير امده الله القدير حم اشارة الى الاسمين الجليلين من اسمائه تعالى وهما الحنان والمنان فالحنان هو الذى يقبل على من اعرض عنه وفى القاموس الحنان كشداد اسم لله تعالى ومعناه الرحيم انتهى والمنان هو الذى يبدأ بالنوال قبل السؤال كما قال فى القاموس المنان من اسماء الله تعالى المعطى ابتدآء انتهى وقد جعل فى داخل الكعبة ثلاث اسطوانات الاولى اسطوانة الحنان والثانية اسطوانة المنان والثالثة اسطوانة الديان وانما اضيفت الى الله تعالى تعظيما كما قيل بيت الله وناقة الله فاشار بهذه الاسماء الثلاثة حيث جعلت فى داخل الكعبة المشار بها الى الذات الاحدية الى ان مقتضى الذات هو الرحمة والعطاء فى الدنيا والمجازاة والمكافاة فى الآخرة وبرحمته انزل القرءآن كما قال مقسما به
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {حم}؛ يا محمد، {و} حق {الكتابِ المبين} أي: المبين لِما أنزل عليهم، لكونه بلغتهم، وعلى أساليبهم، أو: الموضّح لطريق الهدى من الضلالة، أو: المبيّن لكل ما تحتاج إليه الأمة في أبواب الديانة. وجواب القسم: {إِنا جعلناه قرآناً عربياً} بلغتكم {لعلكم تعقلون} أي: جعلنا ذلك الكتاب قرآناً عربياً لكي تفهموه، وتُحيطوا بما فيه من النظم الرائق، والمعنى الفائق، وتقفوا على ما تضمّنه من الشواهد القاطعة بخروجه عن طوق البشر، وتعرفوا حق النعمة في ذلك، فتنقطع أعذاركم بالكلية. {وإِنه في أُمّ الكتاب لدْينَا} أي: وإن القرآن العظيم مثبت عند الله في اللوح المحفوظ، دليله قوله تعالى:{أية : بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَّجِيدٌ فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظِ}تفسير : [البروج: 21، 22]. وسُمِّي أمّ الكتاب؛ لأنه أصل الكتب السماوية، منه تُنقل وتُنسخ. وقوله تعالى: {لَعَلِيٌّ} خبر {إن} أي: إنه رفيع القدر بين الكتب، شريف المنزلة؛ لكونه معجزاً من بينها. أو: في أعلى طبقات البلاغة. {حيكمٌ}؛ ذو حكمة بالغة. أو: محكم، لا ينسخه كتاب. وبعدما بيَّن علو شأنه، وبيَّن أنه أنزله بلغتهم؛ ليعلموه، ويؤمنوا به، ويعملوا بما فيه، عقَّبَ ذلك بإنكار أن يكون الأمر بخلافه، فقال: {أفَنَضرِِبُ عنكم الذِكرَ} أي: ننحيه ونُبعده. والضرب: مجاز، من قولهم: ضرب الغرائب عن الحوض. وفيه إشعار باقتضاء الحكمة توجيه الذكر إليهم، وملازمته لهم، كأنه يتهافت عليهم ثم يضربه عنهم. والفاء: للعطف على محذوف؛ أي: أنهملكم فنضرب عنكم الذكر {صَفْحاً} أي: إعراضاً، مصدر، من: صفَح عنه: إذا أعرض، منصوب على أنه مفعول له، على معنى: أفنعزل عنكم إنزال القرآن، وإلزام الحجة به إعراضاً عنكم. ويجوز أن يكون مصدراً مؤكداً لما دلّ عليه "نضرب"؛ لأنه في معنى الصفح، كأنه قيل: أفنفصح صفحاً {أن كنتم قوماً مسرفين}، أي: لأن كنتم منهمكين في الإسراف، مصرّين عليه؛ لأن حالكم اقتضى تخيلتكم وشأنكم، حتى تموتوا على الكفر والضلالة، فتبقوا في العذاب الخالد، لكن بسعة رحمتنا لا نفعل ذلك، بل نهديكم إلى الحق، بإرسال الرسول الأمين، وإنزال الكتاب المبين. ومَن قرأ بالكسر فشرط حُذف جوابه؛ لدلالة ما قبله عليه، وهو من الشرط الذي يصدرُ عن الجازم بصحة الأمر، كما يقول الأجير: إن كنتُ عملتُ لك فوفّني حقي، وهو عالم بذلك. وعبّر بـ"أن"؛ إخراجاً للمحقق مخرج المشكوك؛ لاستهجالهم، كأن الإسراف من حقه ألا يقع. الإشارة: {حم} أي: حببناك، ومجدناك، وملكناك، وحق الكتاب المبين. ثم استأنف فقال: {إنا جعلناه} أي: ما شرفناك به أنت وقومك {قرآناً عربياً} يفهمه مَن يسمعه {لعلكم تعقلون} عن الله، فتشكروا نعمه. {وإنه في أُمّ الكتاب} أي: وإن الذي شرفناكم به في أُمّ الكتاب. قال الرتجبي: أي: إنه صفتي، كان في ذاته منزهاً عن النقائص والافتراق - أي: منزهاً عن الحروف والأصوات، التي من شأنها التغيُّر، وعن التقديم والتأخير، وهو افتراق كلماته - إذ هما من صفات الحدث. وأُم الكتاب عبارة عن ذاته القديم، لأنها أصل جميع الصفات، {لَدَيْنَا} معناه: ما ذكرنا أنه في أُمّ الكتاب عندنا {لعلِيّ} علا عن أن يدركه أحدٌ بالحقيقة، ممتنع من انتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، {حكيم} محكِم مبين. وقال جعفر: عَلِيّ عن درك العباد وتوهمهم، حكيم فيما دبّر وأنشأ وقدّر. هـ. فانظره، فإنَّ هذه من صفات الحق، والكلام في أوصاف القرآن. وقوله تعالى: {أَفَنَضْرِبُ عنكم الذِكْرَ صفحاً} الآية، قال القشيري: وفي هذه إشارة لطيفة، وهو: ألا يُقطع الكلامُ عمّن تمادى في عصيانه، وأسرف في أكثر شأنه، فأحرى أن مَنْ لم يُقَصّرْ في إيمانه، أو تَلَطَّخَ بعصيانه، ولم يَدْخُل خَلَلٌ في عرفانه، فإنه لا يَمْنَعَ عنه رؤية لطائف غفرانه. هـ. يعني: أن الحق جلّ جلاله لم يقطع كلامه عمن تمادى في ضلاله، فكيف يقطع إحسانه عمّن تمسك بإيمانه، ولو أكثر من عصيانه. وكذلك أهل النسبة التصوفية، إذا اعوجّ أخوهم، لا يقطعون عنه كلامهم وإحسانهم، بل يلاطفونه، حتى يرجع، وهذا مذهب الجمهور. ثم سلّى نبيه بمَن قبله، فقال: {وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي ٱلأَوَّلِينَ}.
الطوسي
تفسير : خمس آيات في الكوفى وأربع فى ما سواه، عدّ الكوفيون {حم} ولم يعده الباقون. قرأ نافع وحمزة والكسائي وخلف "ان كنتم" بكسر الهمزة جعلوه شرطاً مستأنفاً واستغنى عما تقدم، كقولك: انت عالم ان فعلت، فكانه قال: ان كنتم قوماً مسرفين نضرب. الباقون بفتحها جعلوه فعلا ماضياً أي اذا كنتم، كما قال {أية : أن جاءه الأعمى} تفسير : والمعنى اذ جاءه الاعمى، فموضع (ان) نصب عند البصريين، وجر عند الكسائي، لان التقدير افنضرب الذكر صفحاً لأن كنتم، وبأن كنتم قوماً مسرفين. والمسرف الذي ينفق ماله فى معصية الله، ولا اسراف فى الطاعة. قد بينا معنى {حم} فى ما مضى، واختلاف المفسرين فيه، فلا معنى لاعادته وقوله {والكتاب} خفض بالقسم. وقيل: تقديره ورب الكتاب، والمراد بالكتاب القرآن، والمبين صفة له. وانما وصف بذلك لانه أبان عن طريق الهدى من الضلالة، وكل ما تحتاج اليه الأمّة فى الديانة. والبيان هو الدليل الدال على صحة الشيء وفساده. وقيل: هو ما يظهر به المعنى للنفس عند الادراك بالبصر والسمع، وهو على خمسة أوجه: باللفظ، والحظ، والعقد بالاصابع، والاشارة اليه، والهيئة الظاهرة للحاسة، كالاعراض عن الشيء، والاقبال عليه، والتقطيب وضده وغير ذلك. واما ما يوجد فى النفس من العلم، فلا يسمى بياناً على الحقيقة وكل ما هو بمنزلة الناطق بالمعنى المفهوم فهو مبين. وقوله {إنا جعلناه قرآناً عربياً} اخبار منه تعالى انه جعل القرآن الذي ذكره عربياً بأن يفعله على طريقة العرب فى مذاهبها في الحروف والمفهوم. ومع ذلك فانه لا يتمكن أحد منهم من انشاء مثله والاتيان بما يقاربه في علو طبقته في البلاغة والفصاحة، اما لعدم علمهم بذلك أو صرفهم على حسب اختلاف الناس فيه. وهذا يدل على جلالة موقع التسمية في التمكن به والتعذر مع فقده. وفيه دلالة على حدوثه لان المجعول هو المحدث. ولان ما يكون عربياً لا يكون قديماً لحدوث العربية. فان قيل: معنى جعلناه سميناه لأن الجعل قد يكون بمعنى التسمية. قلنا: لا يجوز ذلك - ها هنا - لأنه لو كان كذلك لكان الواحد منا اذا سماه عربياً فقد جعله عربياً، وكان يجب لو كان القرآن على ما هو عليه وسماه الله اعجمياً أن يكون اعجمياً او كان يكون بلغة العجم وسماه عربياً ان يكون عربياً، وكل ذلك فاسد. وقوله {لعلكم تعقلون} معناه جعلناه على هذه الصفة لكي تعقلوا وتفكروا في ذلك فتعلموا صدق من ظهر على يده. وقوله {وإنه} يعني القرآن {في أم الكتاب لدنيا} يعنى اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه ما يكون إلى يوم القيامة لما فيه من مصلحة ملائكته بالنظر فيه وللخلق فيه من اللطف بالاخبار عنه {وأم الكتاب} أصله لأن أصل كل شيء أمه. وقوله {لعلي حكيم} معناه لعال في البلاغة مظهر ما بالعباد اليه الحاجة مما لا شيء منه إلا يحسن طريقه ولا شيء أحسن منه. والقرآن بهذه الصفة علمه من علمه وجهله من جهله لتفريطه فيه و (حكيم) معناه مظهر المعنى الذي يعمل عليه المؤدي إلى العلم والصواب. والقرآن من هذا الوجه مظهر للحكمة البالغة لمن تدبره وأدركه. ثم قال لمن جحده ولم يعتبر به على وجه الانكار عليهم {أفنضرب عنكم الذكر صفحاً} معناه أنعرض عنكم جانباً باعراضكم عن القرآن والتذكر له والتفكر فيه {أن كنتم قوماً مسرفين} على نفوسكم بترككم النظر فيه والاعتبار بحججه. ومن كسر الهمزة جعله مستأنفاً شرطاً. ومن فتحها جعله فعلا ماضياً أي إذ كنتم كما قال {أية : أن جاءه الأعمى} تفسير : بمعنى إذ جاءه الاعمى، فموضع (أن) نصب عند البصريين وجر عند الكسائي، لأن التقدير الذكر صفحاً، لان كنتم وبأن كنتم. قال الشاعر: شعر : اتجزع ان بان الخليط المودع وجعل الصفا من عزة المتقطع تفسير : والمسرف الذي ينفق ماله فى معصية الله، لان من انفقه في طاعة او مباح لم يكن مسرفاً وقال علي عليه السلام (لا إسراف فى المأكول والمشروب) و (صفحاً) نصب على المصدر، لأن قوله {أفنضرب عنكم الذكر} يدل على ان اصفح عنكم صفحاً وَكأن قولهم: صفحت عنه أي أعرضت ووليته صفحة العنق. والمعنى افنضرب ذكر الانتقام منكم والعقوبة لكم أن كنتم قوماً مسرفين، كما قال {أية : أيحسب الإنسان أن يترك سدى} تفسير : ومن كسر فعلى الجزاء واستغنى عن جوابه بما تقدم كقولهم: انت ظالم ان فعلت كانه قال إن كنتم مسرفين نضرب، وقال المبرد: المعنى متى فعلتم هذا طلبتم أن نضرب الذكر عنكم صفحاً. قال الفراء: تقول العرب: أضربت عنك وضربت عنك بمعنى تركتك واعرضت عنك. وقال الزجاج: المعنى افنضرب عنكم الذكر أي نهلكم فلا نعرفكم ما يجب عليكم لأن أسرفتم وأصل ضربت عنه الذكر ان الراكب إذا ركب دابة فأراد أن يصرفها عن جهة ضربها بعصاً او سوط لتعدل به إلى جهة أخرى يريدها ثم يوضع الضرب موضع الصرف والعدل. وصفحاً مصدر أقيم قيام الفاعل، ونصب على الحال. والمعنى افنضرب عنكم تذكيرنا إياكم الواجب صافحين او معرضين، يقال صفح فلان بوجهه عني أي اعرض قال كثير: شعر : صفوح فما تلقاك إلا بخيلة فمن مل منها ذلك الوصل ملت تفسير : والصفوح فى صفات الله معناه العفو يقال: صفح عن ذنبه إذا عفا. وقال بعضهم: المعنى افظننتم أن نضرب عنكم هذا الذكر الذي بينا لكم فيه امر دينكم صفحاً، فلا يلزمكم العمل بما فيه، ولا نؤاخذكم لمخالفتكم إياه إن كنتم قوماً مسرفين على أنفسكم، وجرى ذلك مجرى قول أحدنا لصاحبه وقد أنكر فعله أأتركك تفعل ما تشاء أغفل عنك إذا أهملت نفسك، ففي ذلك إنكار ووعيد شديد.
الجنابذي
تفسير : {حـمۤ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ} اى جعلنا ذلك الكتاب المبين الّذى لا رطب ولا يابس الاّ فيه بحيث لا يعتريه ريب وشكّ ولا خفاء واجمال وتشابه {قُرْآناً} مجموعاً فيه جميع المطالب {عَرَبِيّاً} بلغة العرب او ذا حكمٍ وآدابٍ واحكامٍ ومواعظ ونصائح {لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} تصيرون باستماعه وتدبّره عقلاء، او تدركون ما فيه من المواعظ والحكم.
الأعقم
تفسير : {حم} أقسم بالكتاب المُبين وهو القرآن وجعل قوله: {إنا جعلناه قرآناً عربياً} جواباً للقسم المبين الذي أبان طريق الهدى من طريق الضلالة وأبان ما تحتاج إليه الأمة من أبواب الديانة {إنا جعلناه} أي أحدثناه وأنزلناه {قرآناً عربياً} بلغة العرب {لعلكم تعقلون} أي تعلمون ذلك {وإنه في أم الكتاب} في اللوح المحفوظ، وإنما سمي أم لأن سائر الكتب تنسخ منه {لدينا} عندنا يحتمل أن يريد اللوح المحفوظ، ويحتمل أن يريد القرآن لشريف التخصيص {لعليّ} يعني القرآن علا كل كتاب بما خصَّه لكونه مع أواخر الكتب إثابة العمل به {حكيم} دلالة على كل حق وصواب فهو بمنزلة المحكم الذي لا ينطق إلا بالحق، ويجوز أن يكون حكيماً ها هنا بمعنى محكم {أفنضرب عنكم الذكر صفحاً} قيل: أنعرض عنكم ولا ندعوكم لإِسرافكم وترككم القبول {أن كنتم قوماً مسرفين} مجاوزين الحد {وكم أرسلنا من نبي في الأولين} يعني الأمم الماضية {وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون} {فأهلكنا أشد منهم بطشاً} قيل: أشد قوة من قومك {ومضى مثل الأولين}.
الهواري
تفسير : تفسير سورة الزخرف، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {حـمۤ} قد فسرناه فيما مضى من الحواميم. {وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} أي القرآن البيّن، [وهذا قسم]. {إِنَّا جَعَلْنَاهُ} يعني القرآن {قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي: لكي تعقلوا. {وَإِنَّهُ} يعني القرآن {فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا} أي: عندنا {لَعَلِيٌّ} أي: رفيع {حَكِيمٌ} أي: محكم. وقوله: {جَعَلْنَاهُ} أي: خلقناه، كقوله: (أية : وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا) تفسير : [الأنبياء:32]، وقوله: (أية : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ) تفسير : [الإسراء:12]، وقوله: (أية : وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) تفسير : [الأنبياء:30] ونظيره في كتاب الله كثير. وأمّ الكتاب اللوح المحفوظ، وتفسير أم الكتاب جملة الكتاب وأصله. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب، قال: رب وما أكتب؟ قال: ما هو كائن. فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. قال: فأعمال العبد تعرض كل يوم الاثنين والخميس، فيجدونها على ما هي في الكتاب. قوله: {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ} أي القرآن {صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ} فيها إضمار، أي حتى لا تفهموه ولا تفقهوه، أي: فقد فعلنا ذلك. أن كنتم قوماً مسرفين، أي مشركين. وهذا تفسير الحسن. وقال الكلبي: {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا} الذكر يعني القرآن {عَنكُمُ} أي: من أجلكم {أَن كُنتُمْ} أي: لأنكم قوم مسرفون. أي: مشركون. أي: لا نذره.
اطفيش
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {حم} مر الكلام فيه* {وَالْكِتَابِ} أي القرآن أقسم به أو به وبما قبله فيكون على الآخر معطوفاً ولعل اقسام الله بالأشياء استشهاد بما فيها من الدلالة على المقسم عليه* {الْمُبِينِ} من أبان القاصر ومعناه الظاهر الواضح لفظاً ومعنى أو من بان المتعدي أي بين طرق الهدى وما يحتاج اليه من الديانة وبين الخير من الشر والسعيد من الشقي وعلى الأول فالمراد وضوحه لسامعيه من العرب بحيث لا يشكل وقيل وضوحه للمتدبرين.
اطفيش
تفسير : {حم * والكتاب} القرآن، ولا داعى الى تفسيره بالجنس الصادق ببعضه، وكله ويجوز أن يراد جنس الكتب المنزلة، أو ما كتب فى اللوح المحفوظ، ولا دليل على ارداة المعنى المصدرى بمعنى الكتابة لمجرد منافع الخط {المُبين} الظاهر لمن أنزل عليهم، لأنه بلغتهم من أبان اللازم كبان، أو المظهر لدين الله من أبان المتعدى.
الالوسي
تفسير : الكلام فيه على نحو ما مر في مفتتح يس.
سيد قطب
تفسير : تعرض هذه السورة جانباً مما كانت الدعوة الإسلامية تلاقيه من مصاعب وعقبات؛ ومن جدال واعتراضات. وتعرض معها كيف كان القرآن الكريم يعالجها في النفوس؛ وكيف يقرر في ثنايا علاجها حقائقه وقيمه في مكان الخرافات والوثنيات والقيم الجاهلية الزائفة، التي كانت قائمة في النفوس إذ ذاك، ولا يزال جانب منها قائماً في النفوس في كل زمان ومكان. كانت الوثنية الجاهلية تقول: إن في هذه الأنعام التي سخرها الله للعباد، نصيباً لله، ونصيباً لآلهتهم المدعاة: {أية : وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً. فقالوا: هذا لله ـ بزعمهم ـ وهذا لشركائنا. فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله، وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم}..تفسير : وكانت لهم في الأنعام أساطير شتى وخرافات أخرى كلها ناشئ من انحرافات العقيدة. فكانت هناك أنواع من الأنعام محرمة ظهورها على الركوب ـ وأنواع محرمة لحومها على الأكل: {أية : وقالوا: هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء ـ بزعمهم ـ وأنعام حرمت ظهورها، وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه }.. تفسير : وفي هذه السورة تصحيح لهذه الانحرافات الاعتقادية؛ ورد النفوس إلى الفطرة وإلى الحقائق الأولى. فالأنعام من خلق الله، وهي طرف من آية الحياة، مرتبط بخلق السماوات والأرض جميعاً. وقد خلقها الله وسخرها للبشر ليذكروا نعمة ربهم عليهم ويشكروها؛ لا ليجعلوا له شركاء، ويشرعوا لأنفسهم في الأنعام ما لم يأمر به الله؛ بينما هم يعترفون بأن الله هو الخالق المبدع؛ ثم هم ينحرفون عن مقتضى هذه الحقيقة التي يقرون بها، ويعزلونها عن حياتهم الواقعة، ويتبعون خرافات وأساطير: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن: خلقهن العزيز العليم، الذي جعل لكم الأرض مهدا، وجعل لكم فيها سبلاً لعلكم تهتدون، والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا، كذلك تخرجون، والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون، لتستووا على ظهوره، ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه، وتقولوا: {سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون}.. وكانت الوثنية الجاهلية تقول: إن الملائكة بنات الله؛ ومع أنهم هم يكرهون مولد البنات لهم، فإنهم كانوا يختارون لله البنات! ويعبدونهم من دونه، ويقولون: إننا نعبدهم بمشيئة الله ولو شاء ما عبدناهم! وكانت مجرد أسطورة ناشئة من انحراف العقيدة. وفي هذه السورة يواجههم بمنطقهم هم؛ ويحاجهم كذلك بمنطق الفطرة الواضح، حول هذه الأسطورة التي لا تستند إلى شيء على الإطلاق: {وجعلوا له من عباده جزءاً إن الإنسان لكفور مبين.. أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين، وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسوداً وهو كظيم. أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين؟ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا، أشهدوا خلقهم؟ ستكتب شهادتهم ويسألون. وقالوا: لو شاء الرحمن ما عبدناهم! ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون. أم آتيناهم كتاباً من قبله فهم به مستمسكون؟ بل قالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون!}.. ولما قيل لهم: إنكم تعبدون أصناماً وأشجاراً وإنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم، وقيل لهم: إن كل معبود من دون الله هو وعابدوه في النار. حرفوا الكلام الواضح البين، واتخذوا منه مادة للجدل. وقالوا: فما بال عيسى وقد عبده قومه؟ أهو في النار؟! ثم قالوا: إن الأصنام تماثيل الملائكة والملائكة بنات الله. فنحن في عبادتنا لهم خير من عبادة النصارى لعيسى وهو بشر له طبيعة الناس! وفي هذه السورة يكشف عن التوائهم في هذا الجدل؛ ويبرئ عيسى ـ عليه السلام ـ مما ارتكبه أتباعه من بعده وهو منه برىء: {أية : ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون. وقالوا: أآلهتنا خير أم هو؟ ما ضربوه لك إلا جدلاً. بل هم قوم خصمون. إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لنبي إسرائيل.. }.. تفسير : وقد كانوا يزعمون أنهم على ملة أبيهم إبراهيم، وأنهم بذلك أهدى من أهل الكتاب وأفضل عقيدة. وهم في هذه الجاهلية الوثنية يخبطون. فبين لهم في هذه السورة حقيقة ملة إبراهيم، وأنها ملة التوحيد الخالص، وأن كلمة التوحيد باقية في عقبه، وأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد جاءهم بها، ولكنهم استقبلوها واستقبلوه بغير ما كان ينبغي من ذرية إبراهيم: {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون، إلا الذي فطرني فإنه سيهدين. وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون. بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين. ولما جاءهم الحق قالوا: هذا سحر، وإنا به كافرون... }.. ولم يدركوا حكمة اختيار الله ـ سبحانه ـ لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ووقفت في وجوههم القيم الأرضية الزائفة الزهيدة التي اعتادوا أن يقيسوا بها الرجال. وفي هذه السورة يحكي تصوراتهم وأقوالهم في هذا الصدد؛ ويرد عليها ببيان القيم الحقيقية، وزهادة القيم التي يعتبرونها هم ويرفعونها: {أية : وقالوا: لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم: أهم يقسمون رحمة ربك؟ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا، ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات، ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً، ورحمة ربك خير مما يجمعون. ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون، ولبيوتهم أبواباً وسرراً عليها يتكئون، وزخرفاً. وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا، والآخرة عند ربك للمتقين }.. تفسير : ثم جاء بحلقة من قصة موسى ـ عليه السلام ـ مع فرعون، يبدو فيها اعتزاز فرعون بمثل تلك القيم الزائفة، وهوانها على الله، وهوان فرعون الذي اعتز بها، ونهايته التي تنتظر المعتزين بمثل ما اعتز به: {أية : ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فقال: إني رسول رب العالمين. فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون. وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون. وقالوا: يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك، إننا لمهتدون. فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون. ونادى فرعون في قومه قال: يا قوم أليس لي ملك مصر، وهذه الأنهار تجري من تحتي، أفلا تبصرون؟ أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين؛ فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين! فاستخف قومه فأطاعوه، إنهم كانوا قوماً فاسقين، فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين، فجعلناهم سلفاً ومثلا للآخرين }.. تفسير : حول تلك الأساطير الوثنية والانحرافات الاعتقادية، وحول تلك القيم الصحيحة والزائفة، تدور السورة، وتعالجها على النحو الذي تقدم. في أشواط ثلاثة تقدم أولها ـ قبل هذا ـ وأشرنا إلى بعض مادة الأشواط الأخرى في بعض المقتطفات من آيات السورة. فلنأخذ في التفصيل: {حم. والكتاب المبين. إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون. وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم. أفنضرب عنكم الذكر صفحاً أن كنتم قوماً مسرفين؟ وكم أرسلنا من نبي في الأولين. وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون. فأهلكنا أشد منهم بطشاً، ومضى مثل الأولين}.. تبدأ السورة بالحرفين: "حا. ميم" ثم يعطف عليهما قوله: {والكتاب المبين}.. ويقسم الله ـ سبحانه ـ بحاميم كما يقسم بالكتاب المبين. وحاميم من جنس الكتاب المبين، أو الكتاب المبين من جنس حا ميم. فهذا الكتاب المبين في صورته اللفظية من جنس هذين الحرفين. وهذان الحرفان ـ كبقية الأحرف في لسان البشر ـ آية من آيات الخالق، الذي صنع البشر هذا الصنع، وجعل لهم هذه الأصوات. فهناك أكثر من معنى وأكثر من دلالة في ذكر هذه الأحرف عند الحديث عن القرآن. يقسم الله ـ سبحانه ـ بحا ميم والكتاب المبين، على الغاية من جعل هذا القرآن في صورته هذه التي جاء بها للعرب: {إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون}.. فالغاية هي أن يعقلوه حين يجدونه بلغتهم وبلسانهم الذي يعرفون. والقرآن وحي الله ـ سبحانه وتعالى ـ جعله في صورته هذه اللفظية عربياً، حين اختار العرب لحمل هذه الرسالة، للحكمة التي أشرنا إلى طرف منها في سورة الشورى؛ ولما يعلمه من صلاحية هذه الأمة وهذا اللسان لحمل هذه الرسالة ونقلها. والله أعلم حيث يجعل رسالته. ثم يبين منزلة هذا القرآن عنده وقيمته في تقديره الأزلي الباقي: {وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم}.. ولا ندخل في البحث عن المدلول الحرفي لأم الكتاب ما هي: أهي اللوح المحفوظ، أم هي علم الله الأزلي. فهذا كهذا ليس له مدلول حرفي محدد في إدراكنا. ولكننا ندرك منه مفهوماً يساعد على تصورنا لحقيقة كلية. وحين نقرأ هذه الآية: {وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم}.. فإننا نستشعر القيمة الأصيلة الثابتة لهذا القرآن في علم الله وتقديره. وهذا حسبنا. فهذا القرآن "عليّ".. "حكيم".. وهما صفتان تخلعان عليه ظل الحياة العاقلة. وإنه لكذلك! وكأنما فيه روح. روح ذات سمات وخصائص، تتجاوب مع الأرواح التي تلامسها. وهو في علوه وفي حكمته يشرف على البشرية ويهديها ويقودها وفق طبيعته وخصائصه. وينشئ في مداركها وفي حياتها تلك القيم والتصورات والحقائق التي تنطبق عليها هاتان الصفتان: علي. حكيم. وتقرير هذه الحقيقة كفيل بأن يشعر القوم الذين جعل القرآن بلسانهم بقيمة الهبة الضخمة التي وهبها الله إياهم، وقيمة النعمة التي أنعم الله عليهم؛ ويكشف لهم عن مدى الإسراف القبيح في إعراضهم عنها واستخفافهم بها؛ ومدى استحقاقهم هم للإهمال والإعراض؛ ومن ثم يعرّض بهم وبإسرافهم، ويهددهم بالترك والإهمال جزاء هذا الإسراف: {أفنضرب عنكم الذكر صفحاً أن كنتم قوماً مسرفين؟}.. ولقد كان عجيباً ـ وما يزال ـ أن يعنى الله سبحانه ـ في عظمته وفي علوه وفي غناه ـ بهذا الفريق من البشر، فينزل لهم كتاباً بلسانهم، يحدثهم بما في نفوسهم، ويكشف لهم عن دخائل حياتهم، ويبين لهم طريق الهدى، ويقص عليهم قصص الأولين، ويذكرهم بسنة الله في الغابرين.. ثم هم بعد ذلك يهملون ويعرضون! وإنه لتهديد مخيف أن يلوح لهم بعد ذلك بالإهمال من حسابه ورعايته، جزاء إسرافهم القبيح! وإلى جانب هذا التهديد يذكرهم بسنة الله في المكذبين، بعد إرسال النبيين: {وكم أرسلنا من نبي في الأولين، وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون. فأهلكنا أشد منهم بطشاً، ومضى مثل الأولين}.. فماذا ينتظرون هم وقد أهلك الله من هم أشد منهم بطشاً، حينما وقفوا يستهزئون بالرسل كما يستهزئون؟ والعجيب ـ كان ـ في أمر القوم أنهم كانوا يعترفون بوجود الله، وخلقه للسماوات والأرض. ثم لا يرتبون على هذا الاعتراف نتائجه الطبيعية من توحيد الله، وإخلاص التوجه إليه فكانوا يجعلون له شركاء، يخصونهم ببعض ما خلق من الأنعام؛ كما كانوا يزعمون أن الملائكة بناته، ويعبدونهم من دونه في صورة أصنام! والقرآن يعرض اعترافهم، ويرتب عليه نتائجه، ويوجههم إلى منطق الفطرة الذي يجانبونه، وإلى السلوك الواجب تجاه نعمته عليهم فيما خلق لهم من الفلك والأنعام. ثم يناقشهم بمنطقهم في دعواهم عن الملائكة: {ولئن سألتهم: من خلق السماوات والأرض؟ ليقولن: خلقهن العزيز العليم. الذي جعل لكم الأرض مهداً، وجعل لكم فيها سبلاً لعلكم تهتدون. والذي نزل من السماء ماء بقدر، فأنشرنا به بلدة ميتاً، كذلك تخرجون. والذي خلق الأزواج كلها، وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون. لتستووا على ظهوره، ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه، وتقولوا: سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين؛ وإنا إلى ربنا لمنقلبون}.. لقد كانت للعرب عقيدة ـ نظن أنها بقايا من الحنيفية الأولى ملة إبراهيم عليه السلام، ولكنها بهتت وانحرفت ودخلت فيها الأساطير ـ وقد بقي منها ما لا تملك الفطرة إنكاره من وجود خالق لهذا الكون، وأنه هوالله، فما يمكن ـ في منطق الفطرة وبداهتها ـ أن يكون هذا الكون قد نشأ هكذا من غير خالق؛ وما يمكن أن يخلق هذا الكون إلا الله. ولكنهم كانوا يقفون بهذه الحقيقة التي تنطق بها بداهة الفطرة عند شكلها الظاهر، ولا يعترفون بما وراءها من مقتضيات طبيعية لها: {ولئن سألتهم: من خلق السماوات والأرض؟ ليقولن: خلقهن العزيز العليم... }.. وواضح أن هاتين الصفتين: {العزيز العليم} ليستا من قولهم. فهم كانوا يعترفون بأن الذي خلقهن هو "الله".. ولكنهم لم يكونوا يعرفون الله بصفاته التي جاء بها الإسلام. هذه الصفات الإيجابية التي تجعل لذات الله في نفوسهم أثراً فعالاً في حياتهم وحياة هذا الكون. كانوا يعرفون الله خالقا لهذا الكون، وخالقاً لهم كذلك. ولكنهم كانوا يتخذون من دونه شركاء. لأنهم لم يعرفوه بصفاته التي تنفي فكرة الشرك، وتجعلها تبدو متهافتة سخيفة. والقرآن هنا يعلمهم أن الله، الذي يعترفون بأنه خالق السماوات والأرض، هو {العزيز العليم}.. فهو القوي القادر، وهو العليم العارف. فيبدأ بهم من اعترافهم، ويخطو بهم الخطوات التالية لهذا الاعتراف. ثم يمضي بهم خطوة أخرى في تعريف الله سبحانه بصفاته؛ وفي بيان فضله عليهم بعد الخلق والإنشاء: {الذي جعل لكم الأرض مهدا، وجعل لكم فيها سبلاً، لعلكم تهتدون}.. وحقيقة جعل هذه الأرض مهداً للإنسان يدركها كل عقل في كل جيل بصورة من الصور. والذين تلقوا هذا القرآن أول مرة ربما أدركوها في رؤية هذه الأرض تحت أقدامهم ممهدة للسير، وأمامهم ممهدة للزرع، وفي عمومها ممهدة للحياة فيها والنماء. ونحن اليوم ندرك هذه الحقيقة في مساحة أعرض وفي صورة أعمق، بقدر ما وصل إليه علمنا عن طبيعة هذه الأرض وتاريخها البعيد والقريب ـ لو صحت نظرياتنا في هذا وتقديراتنا ـ والذين يأتون بعدنا سيدركون من تلك الحقيقة ما لم ندرك نحن؛ وسيظل مدلول هذا النص يتسع ويعمق، ويتكشف عن آفاق وآماد كلما اتسعت المعرفة وتقدم العلم، وانكشفت المجاهيل لهذا الإنسان. ونحن اليوم ندرك من حقيقة جعل الأرض مهداً لهذا الجنس يجد فيها سبله للحياة أن هذا الكوكب مر في أطوار بعد أطوار، حتى صار مهداً لبني الإنسان. وفي خلال هذه الأطوار تغير سطحه من صخر يابس صلد إلى تربة صالحة للزرع؛ وتكوّن على سطحه الماء من اتحاد الأيدروجين والأكسوجين؛ واتأد في دورانه حول نفسه فصار يومه بحيث يسمح باعتدال حرارته وصلاحيتها للحياة؛ وصارت سرعته بحيث يسمح باستقرار الأشياء والأحياء على سطحه، وعدم تناثرها وتطايرها في الفضاء؟ ونعرف من هذه الحقيقة كذلك أن الله أودع هذا الكوكب من الخصائص خاصية الجاذبية، فاحتفظ عن طريقها بطبقة من الهواء تسمح بالحياة؛ ولو أفلت الهواء المحيط بهذا الكوكب من جاذبيته ما أمكن أن تقوم الحياة على سطحه، كما لم تقم على سطح الكواكب الأخرى التي تضاءلت جاذبيتها، فأفلت هواؤها كالقمر مثلاً! وهذه الجاذبية ذاتها قد جعلها الخالق متعادلة مع عوامل الدفع الناشئ من حركة الأرض؛ فأمكن أن تحفظ الأشياء والأحياء من التطاير والتناثر؛ وفي الوقت ذاته تسمح بحركة الإنسان والأحياء على سطح الأرض؛ ولو زادت الجاذبية عن القدر المناسب للصقت الأشياء والأحياء بالأرض وتعذرت حركتها أو تعسرت من ناحية، ولزاد ضغط الهواء عليها من ناحية أخرى فألصقها بالأرض إلصاقاً، أو سحقها كما نسحق نحن الذباب والبعوض أحياناً بضربة تركز الضغط عليها دون أن تمسها أيدينا! ولو خف هذا الضغط عما هو عليه لانفجر الصدر والشرايين انفجاراً! ونعرف كذلك من حقيقة جعل الأرض مهداً وتذليل السبل فيها للحياة، أن الخالق العزيز العليم قدر فيها موافقات شتى تسمح مجتمعة بوجود هذا الإنسان وتيسير الحياة له؛ ولو اختلت إحدى هذه الموافقات لتعذرت هذه الحياة أو تعسرت. فمنها هذه الموافقات التي ذكرنا، ومنها أنه جعل كتلة الماء الضخمة التي تكونت على سطح الأرض من المحيطات والبحار كافية لامتصاص الغازات السامة التي تنشأ من التفاعلات الكثيرة التي تتم على سطحها، والاحتفاظ بجوها دائماً في حالة تسمح للأحياء بالحياة. ومنها أنه جعل من النبات أداة للموازنة بين الأكسيجين الذي يستنشقه الأحياء ليعيشوا به، والأكسجين الذي يزفره النبات في أثناء عمليات التمثيل التي يقوم بها؛ ولولا هذه الموازنة لاختنق الأحياء بعد فترة من الزمان. وهكذا. وهكذا. من المدلولات الكثيرة لحقيقة: {جعل لكم الأرض مهداً وجعل لكم فيها سبلاً} تكشف لنا في كل يوم؛ وتضاف إلى المدلولات التي كان يدركها المخاطبون بهذا القرآن أول مرة. وكلها تشهد بالقدرة كما تشهد بالعلم لخالق السماوات والأرض العزيز العليم. وكلها تشعر القلب البشري باليد القادرة المدبرة، في حيثما امتد بصره، وتلفت خاطره؛ وأنه غير مخلوق سدى، وغير متروك لقى؛ وأن هذه اليد تمسك به، وتنقل خطاه، وتتولى أمره في كل خطوة من خطواته في الحياة، وقبل الحياة، وبعد الحياة! {لعلكم تهتدون}.. فإن تدبر هذا الكون، وما فيه من نواميس متناسقة كفيل بهداية القلب إلى خالق هذا الكون، ومودعه ذلك التنظيم الدقيق العجيب.. ثم يخطو بهم خطوة أخرى في طريق نشأة الحياة والأحياء، بعد تمهيد الأرض للإنسان وتذليل السبل فيها للحياة: {والذي نزل من السماء ماء بقدر، فأنشرنا به بلدة ميتاً، كذلك تخرجون}.. والماء الذي ينزل من السماء يعرفه كل إنسان ويراه كل إنسان؛ ولكن أكثر الناس يمرون على هذا الحدث العجيب دون يقظة ودون اهتزاز، لطول الألفة والتكرار. فأما محمد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكان يتلقى قطراته في حب وفي ترحيب وفي حفاوة وفي استبشار؛ لأنها قادمة إليه من عند الله. ذلك أن قلبه الحي كان يدرك صنع الله الحي في هذه القطرات، ويرى يد الصناع! وهكذا ينبغي أن يتلقاها القلب الموصول بالله ونواميسه في هذا الوجود. فهي وليدة هذه النواميس التي تعمل في هذا الكون وعين الله عليها ويد الله فيها في كل مرة وفي كل قطرة. ولا يبرد من حرارة هذه الحقيقة، ولا ينقص من وقعها أن هذا الماء أصله البخار المتصاعد من الأرض المتكاثف في أجواز الفضاء. فمن أنشأ هذه الأرض؟ ومن جعل فيها الماء؟ ومن سلط عليها الحرارة؟ ومن جعل من طبيعة الماء أن يتبخر بالحرارة؟ ومن أودع البخار خاصية الارتفاع؛ وخاصية التكثف في أجواز الفضاء؟ ومن أودع الكون خصائصه الأخرى التي تجعل ذلك البخار المتكثف مشحوناً بالكهرباء التي تتلاقى وتتفرغ فيسقط الماء؟ وما الكهرباء؟ وما هذا وما ذاك من الخصائص والأسرار التي تنتهي كلها إلى نزول الماء؟ إننا نلقي من العلم على حسنا أثقالاً تحجب عنا إيقاع هذا الكون العجيب، بدلاً من أن نتخذ من العلم معرفة ترهف المشاعر وترقق القلوب! {والذي نزل من السماء ماء بقدر}.. فهو مقدر موزون لا يزيد فيغرق؛ ولا يقل فتجف الأرض وتذبل الحياة؛ ونحن نرى هذه الموافقة العجيبة، ونعرف اليوم ضرورتها لإنشاء الحياة وإبقائها كما أرادها الله. {فأنشرنا به بلدة ميتاً}.. والإنشاء الإحياء. والحياة تتبع الماء. ومن الماء كل شيء حي. {كذلك تخرجون}.. فالذي أنشأ الحياة أول مرة كذلك يعيدها؛ والذي أخرج الأحياء أول مرة من الأرض الميتة، كذلك يخرج الأحياء منها يوم القيامة. فالإعادة من البدء؛ وليس فيها عزيز على الله. ثم هذه الأنعام التي يجعلون منها جزءاً لله وجزءاً لغير الله، وما لهذا خلقها الله؛ إنما خلقها لتكون من نعم الله على الناس، يركبونها كما يركبون الفلك، ويشكرون الله على تسخيرهما، ويقابلون نعمته بما تستحقها: {والذي خلق الأزواج كلها، وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون، لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه، وتقولوا: سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا منقلبون}.. والزوجية هي قاعدة الحياة كما تشير إليها هذه الآية. فكل الأحياء أزواج، وحتى الخلية الواحدة الأولى تحمل خصائص التذكير والتأنيث معها. بل ربما كانت الزوجية هي قاعدة الكون كله لا قاعدة الحياة وحدها إذا اعتبرنا أن قاعدة الكون هي الذرة المؤلفة من الكترون سالب وبروتون موجب، كما تشير البحوث الطبيعية حتى الآن. وعلى أية حال فالزوجية في الحياة ظاهرة؛ والله هو الذي خلق الأزواج كلها من الإنسان وغير الإنسان: {وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون}.. يذكر الناس بهذه الإشارة بنعمة الله عليهم في اصطفائهم بخلافة هذه الأرض، وبما سخر لهم فيها من قوى وطاقات. ثم يوجههم إلى الأدب الواجب في شكر هذه النعمة وشكر هذا الاصطفاء؛ وتذكر المنعم كلما عرضت النعمة؛ لتبقى القلوب موصولة بالله عند كل حركة في الحياة: {لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين}.. فما نحن بقادرين على مقابلة نعمته بنعمة مثلها، وما نملك إلا الشكر نقابل به هذا الإنعام. ثم ليتذكروا أنهم عائدون بعد الخلافة في الأرض إلى ربهم ليجزيهم عما فعلوا في هذه الخلافة التي زودهم فيها بأنعمه. وسخر لهم فيها ما سخر من القوى والطاقات: {وإنا إلى ربنا لمنقلبون}.. هذا هو الأدب الواجب في حق المنعم، يوجهنا الله إليه، لنذكره كما استمتعنا بنعمة من نعمه التي تغمرنا، والتي نتقلب بين أعطافها. ثم ننساه..! والأدب الإسلامي في هذا وثيق الصلة بتربية القلب وإحياء الضمير. فليس هو مجرد طقوس تزاول عند الاستواء على ظهور الفلك والأنعام، ولا مجرد عبارات يتلوها اللسان! إنما هو استحياء للمشاعر لتحس بحقيقة الله، وحقيقة الصلة بينه وبين عباده؛ وتشعر بيده في كل ما يحيط بالناس، وكل ما يستمتعون به مما سخره الله لهم، وهو محض الفضل والإنعام، بلا مقابل منهم، فما هم بقادرين على شىء يقابلون به فضل الله. ثم لتبقى قلوبهم على وجل من لقائه في النهاية لتقديم الحساب.. وكل هذه المشاعر كفيلة باستبقاء القلب البشري في حالة يقظة شاعرة حساسة لا تغفل عن مراقبة الله. ولا تجمد ولا تتبلد بالركود والغفلة والنسيان. بعد ذلك يعالج أسطورة الملائكة واتخاذهم آلهة بزعم أنهم بنات الله، وهم عباد الله: {وجعلوا له من عباده جزءاً. إن الإنسان لكفور مبين. أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين؟ وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاً ظل وجهه مسوداً وهو كظيم. أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين؟ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً أشهدوا خلقهم؟ ستكتب شهادتهم ويسألون. وقالوا: لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم، إن هم إلا يخرصون. أم آتيناهم كتاباً من قبله فهم به مستمسكون؟ بل قالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مهتدون. وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون. قال: أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم؟ قالوا: إنا بما أرسلتم به كافرون. فانتقمنا منهم، فانظر كيف كان عاقبة المكذبين}.. إن هذا القرآن يحاصر هذه الأسطورة ويواجهها في نفوسهم من كل جانب، ولا يبقي ثغرة مفتوحة حتى يأخذها عليهم، ويواجههم في هذا كله بمنطقهم ومسلماتهم وواقع حياتهم، كما يواجههم بمصير الذين وقفوا مثل وقفتهم، وقالوا مثل قولتهم من الغابرين. ويبدأ بتصوير سخف هذه الأسطورة وتهافتها، ومقدار ما في القول بها من كفر صريح: {وجعلوا له من عباده جزءاً، إن الإنسان لكفور مبين}.. فالملائكة عباد الله، ونسبة بنوتهم له معناها عزلهم من صفة العبودية، وتخصيصهم بقرابة خاصة بالله؛ وهم عباد كسائر العباد، لا مقتضى لتخصيصهم بصفة غير صفة العبودية في علاقتهم بربهم وخالقهم. وكل خلق الله عباد له خالصو العبودية. وادعاء الإنسان هذا الادعاء يدمغه بالكفر الذي لا شبهة فيه: {إن الإنسان لكفور مبين}. ثم يحاجهم بمنطقهم وعرفهم، ويسخر من سخف دعواهم أن الملائكة إناث ثم نسبتهم إلى الله: {أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين؟}.. فإذا كان الله ـ سبحانه ـ متخذاً أبناء، فماله يتخذ البنات ويصفيهم هم بالبنين؛ وهل يليق أن يزعموا هذا الزعم بينما هم يستنكفون من ولادة البنات لهم ويستاءون: {وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاً ظل وجهه مسوداً وهو كظيم}.. أفما كان من اللياقة والأدب ألا ينسبوا إلى الله من يستاءون هم إذا بشروا به، حتى ليسود وجه أحدهم من السوء الذي يبلغ حداً يجل عن الصريح به، فيكظمه ويكتمه وهو يكاد يتميز من السوء؟! أفما كان من اللياقة والأدب ألا يخصوا الله بمن ينشأ في الحلية والدعة والنعومة، فلا يقدر على جدال ولا قتال؛ بينما هم ـ في بيئتهم ـ يحتفلون بالفرسان والمقاويل من الرجال؟! إنه يأخذهم في هذا بمنطقهم، ويخجلهم من انتقاء ما يكرهون ونسبته إلى الله. فهلا اختاروا ما يستحسنونه وما يسرون له فنسبوه إلى ربهم، إن كانوا لا بد فاعلين؟! ثم يحاصرهم هم وأسطورتهم من ناحية أخرى. فهم يدعون أن الملائكة إناث. فعلام يقيمون هذا الادعاء؟ {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا. أشهدوا خلقهم؟ ستكتب شهادتهم ويسألون}.. أشهدوا خلقهم؟ فعلموا أنهم إناث؟ فالرؤية حجة ودليل يليق بصاحب الدعوى أن يرتكن إليه. وما يملكون أن يزعموا أنهم شهدوا خلقهم. ولكنهم يشهدون بهذا ويدعونه، فليحتملوا تبعة هذه الشهادة بغير ما كانوا حاضريه: {ستكتب شهادتهم ويسألون}.. ثم يتابع الفرية وما يصوغونه حولها من جدل واعتذار: {وقالوا: لو شاء الرحمن ما عبدناهم. ما لهم بذلك من علم. إن هم إلا يخرصون}.. إنهم يحاولون التهرب حين تحاصرهم الحجج، وتتهافت بين أيديهم الأسطورة. فيحيلون على مشيئة الله، يزعمون أن الله راض عن عبادتهم للملائكة؛ ولو لم يكن راضياً ما مكنهم من عبادتهم، ولمنعهم من ذلك منعاً! وهذا القول احتيال على الحقيقة. فإن كل شيء يقع في هذا الوجود إنما يقع وفق مشيئة الله. هذا حق. ولكن من مشيئة الله أن جعل للإنسان قدرة على اختيار الهدى أو اختيار الضلال. وكلفه اختيار الهدى ورضيه له، ولم يرض له الكفر والضلال. وإن كانت مشيئته أن يخلقه قابلاً للهدى أو الضلال. وهم حين يحيلون على مشيئة الله إنما يخبطون خبطاً؛ فهم لا يوقنون أن الله أراد لهم أن يعبدوا الملائكة ـ ومن أين يأتيهم اليقين؟ ـ {ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون}.. ويتبعون الأوهام والظنون. {أم آتيناهم كتاباً من قبله فهم به مستمسكون؟}.. يستندون إليه في دعواهم، ويستندون إليه في عبادتهم، ويستمسكون بما فيه من حقائق، ويرتكنون إلى ما عندهم فيه من دليل!! وهكذا يأخذ عليهم الطريق من هذه الناحية؛ ويوحي إليهم كذلك أن العقائد لا يخبط فيها خبط عشواء، ولا يرتكن فيها إلى ظن أو وهم. إنما تستسقى من كتاب من عند الله يستمسك به من يؤتاه. وعند هذا الحد يكشف عن سندهم الوحيد في اعتقاد هذه الأسطورة المتهافتة التي لا تقوم على رؤية، ومزاولة هذه العبادة الباطلة التي لا تستند إلى كتاب: {بل قالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مهتدون}.. وهي قولة تدعو إلى السخرية، فوق أنها متهافتة لا تستند إلى قوة. إنها مجرد المحاكاة ومحض التقليد، بلا تدبر ولا تفكر ولا حجة ولا دليل. وهي صورة مزرية تشبه صورة القطيع يمضي حيث هو منساق؛ ولا يسأل: إلى أين نمضي؟ ولا يعرف معالم الطريق! والإسلام رسالة التحرر الفكري والانطلاق الشعوري لا تقر هذا التقليد المزري، ولا تقر محاكاة الآباء والأجداد اعتزازاً بالإثم والهوى. فلا بد من سند، ولا بد من حجة، ولا بد من تدبر وتفكير، ثم اختيار مبني على الإدراك واليقين. وفي نهاية هذه الجولة يعرض عليهم مصائر الذين قالوا قولتهم تلك واتبعوا طريقهم في المحاكاة والتقليد، وفي الإعراض والتكذيب، بعد الإصرار على ما هم فيه على الرغم من الإعذار والبيان! {وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون. قال: أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم؟ قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون. فانتقمنا منهم: فانظر كيف كان عاقبة المكذبين}.. وهكذا يتجلى أن طبيعة المعرضين عن الهدى واحدة، وحجتهم كذلك مكرورة: {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون} أو {مقتدون}.. ثم تغلق قلوبهم على هذه المحاكاة، وتطمس عقولهم دون التدبر لأي جديد. ولو كان أهدى. ولو كان أجدى. ولو كان يصدع بالدليل. وثم لا يكون إلا التدمير والتنكيل لهذه الجبلة التي لا تريد أن تفتح عينيها لترى، أو تفتح قلبها لتحس، أو تفتح عقلها لتستبين.. وهذا هومصير ذلك الصنف من الناس يعرضه عليهم لعلهم يتبينون عاقبة الطريق الذي يسلكون.
ابن عاشور
تفسير : تقدم القول في نظائره ومواقعها قبل ذِكر القرآن وتنزيله.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {حـمۤ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} الآية. قد قدمنا الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور في أول سورة هود. وقوله تعالى {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} قد قدمنا الكلام عليه في سورة الشعراء في الكلام على قوله تعالى: {أية : لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِين بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} تفسير : [الشعراء: 194-195] وفي سورة الزمر في الكلام على قوله تعالى: {أية : قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَج} تفسير : [الزمر: 28] الآية.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- حم: افتتحت هذه السورة ببعض الحروف الصوتية على طريقة القرآن الكريم فى افتتاح كثير من السور بمثل هذه الحروف. 2- أقسم سبحانه - بالقرآن الموضح لما اشتمل عليه من العقائد والأحكام. 3- إنا صيَّرنا الكتاب قرآناً عربياً، لكى تستطيعوا إدراك إعجازه وتدبر معانيه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: حـمۤ: هذا أحد الحروف المقطعة يكتب حـمۤ ويقرأ: حَامِيمْ. والكتاب المبين: أي والقرآن الموضح لطريق الهدى وسبيل السلام. إنا جعلناه قرآنا عربيا: أي جعلناه قرآنا بلسان العرب يقرأ بلسانهم ويفهم به. لعلكم تعقلون: أي رجاء أن تعقلوا أيها العرب، ما تؤمرون به وما تنهون عنه. وإنه في أم الكتاب لدينا: أي في اللوح المحفوظ كتاب المقادير كلِّها عندنا. لعلي حكيم: أي لذو علو وشأن على الكتب قبله لا يوصل إلى مستواه في علوه ورفعته حكيم أي ذو حكمة بالغة عالية لا يرام مثلها. أفنضرب عنكم الذكر صفحا: أنمهلكم فنضرب عنكم الذكر صفحا أي لا ننزل القرآن بأمركم ونهيكم ووعدكم ووعيدكم. أنْ كنتم قوماً مسرفين: لأن كنتم قوماً مسرفين متجاوزين الحد في الشرك والكفر كلا لا نفعل. وكم أرسلنا من نبي في الأولين: أي وكثيراً من الأنبياء أرسلناهم في القرون الأولى من الأمم الماضية. فأهلكنا أشد منهم بطشا: أي فأنزلنا عذابنا بأشدهم قوة وبطشا من قومك فأهلكناهم. ومضى مثل الأولين: أي ومضى في الآيات القرآنية صفة هلاك الأولين. معنى الآيات: {حـمۤ} الله أعلم بمراده به، {وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} أي والقرآن الموضح لكل ما ينجى من عذاب الله ويكسب جنته ورضاه وهذا قسم أقسم الله به، والمقسم عليه قوله: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} أي جعلنا الكتاب المبين الذي هو القرآن عربياً أي بلسان العرب ولغتهم. وقوله {لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} بيان للحكمة في جعل القرآن عربيا أي كي تعقلوا معاينة وتفهموا مراد الله منزله منه فيما يدعوكم إليه فيسهل عليكم العمل به فتكملوا وتسعدوا وقوله {وَإِنَّهُ} أي القرآن {فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ} أي اللوح المحفوظ لدينا عندنا {لَعَلِيٌّ} أي ذو علو وشأن على سائر الكتب قبله حكيم ذو حكمة بالغة عالية لا يرام مثلها. وقوله تعالى: {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ} أي أنمهلكم فنضرب عنكم الذكر صفحاً فلا ننزل القرآن حتى لا تؤمروا ولا تنهوا من أجل أنكم قوم مسرفون في الشرك والكفر والتكذيب كلا لا نفعل إذا الاستفهام للانكار عليهم وقوله {وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي ٱلأَوَّلِينَ} أي وكثيرا من الأنبياء أرسلنا في الأمم السابقة وما يأتيهم من نبيّ إلا كانوا به يستهزئون أي ما أتى أمة من تلك الأمم رسول منا إلا سخروا منه واستهزأوا به، وبما جاءهم به من الإِيمان والتوحيد ودعاهم إليه من فعل الصالحات وترك المحرمات إذاً فاصبر على قومك فإنهم سالكون سبيل من سبقهم في الكفر والتكذيب والسخرية والاستهزاء. وقوله تعالى: {فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً} أي أهلكنا من هم أشد بطشا في تلك الأمم الماضية لما كذبوا رسلنا واستهزأوا بهم فكيف بهؤلاء الذين هم أضعف منهم وأقل قوة وقدرة فأحرى بهم أن لا يمتنعوا من عذابنا متى أردنا إنزاله بهم. وقوله {وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ} أي مضى في الآيات القرآنية صفة هلاك الأولين كقوم عاد وثمود وأصحاب مدين والمؤتفكات ألم يكن لقومك في ذلك عبرة لو كانوا يعتبرون؟. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- مشروعية الإِقسام بالله تعالى. 2- بيان شرف القرآن الكريم وعلو مكانته على سائر الكتب السابقة. 3- كون الناس مسرفين في الشرك والفساد لا يمنع وعظهم ونصحهم وإرشادهم. 4- بيان سنة بشرية وهي أنهم ما يأتيهم من رسول إلا استهزأوا به. 5- في إهلاك الأقوى دليل على أن إهلاك من هو دونه أحرى وأوْلى لا سيما مع شدة كفره.
القطان
تفسير : الكتاب: القرآن الكريم. المبين: لِطريق الهدى. لعلّكم تعقلون: لعلكم تفهمونه لأنه بلسانكم. أُم الكتاب: اللوح المحفوظ. افنضربُ عنكم الذِكر: انُعرض عنكم ونترككم. صفحا: إعراضا. مسرفين: متجاوزين الحد في الكفر. أشدّ منهم بطشا: اقوى منهم وأجلد. مثَل الاولين: وصفهم وحالهم. مهداً: فراشا. سبلاً: طرقا. بقدر: بمقدار تقتضيه الحكمة والمصلحة. فأنشَرنا: فأحيينا. ميتاً: يابسة خالية من النبات. الأزواج: أصناف المخلوقات. لتستووا على ظهوره: لتستقروا عليها. سخّر: ذلل. مقرنين: مطيقين. يقول الشاعر: ولستم للصعاب بمقرنينا. لمنقلبون: لراجعون. حم: تقرأ هكذا حاميم. افتتحت هذه السورة بهذين الحرفين من حروف الهجاء وقد تقدم ذِكر أمثالهما. وقد أقسم الله تعالى بكتابه المبين لطريقِ الهدى، وأنه جعله بلغةِ العرب، لغة قومك أيّها الرسولُ لِيفهَموا معناه، وأنه محفوظٌ في علمه تعالى، فليس هو من عند محمدٍ كما تدّعون يا مشركي قريش. اننا لن نترك تذكيركم به بسببٍ من إعراضكم عنه، وانهماككم في الكفر به، وإنما نفعل ذلك رحمةً منّا ولطفاً بكم. ثم حذّرهم وأنذرهم بأن كثيراً من الأمم قبلهم كانوا أشدّ منهم قوة، وكذّبوا رسُلَهم فكانت عاقبتهم الدمار والهلاك. {وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ} وقد رأيتم ما حلّ بهم، فاحذَروا ان يحل بكم مثلُه. وبعد أن ذكر ان المشركين سادِرون في كُفرهم وإعراضهم عما جاء به القرآن بيّن هنا أن أفعالهم تخالف اقوالهم: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ} ومع اعترافهم هذا بالله يعبُدون الاوثان من دونه!!. ثم ذكر تعالى أنه هو الذي جعل لكم الأرضَ فِراشاً ممهَّدا، وجعل فيها طُرقاً لتهتدوا بها في سيَركم، ونزّل من السماء ماءً بقدْر الحاجة يكفي الزرع ويسقي الحيوان، وأحيا به الأرضَ الميتة. ومثلُ إحياء الأرضِ بعد موتها، يخرجُكم يومَ القيامة للحساب والجزاء. ولقد خلق اصناف المخلوقات جميعاً من حيوان ونبات، وسخّر لكُم السفنَ والدوابّ لتركبوها، وتذكروا نعمة ربكم وتقولوا: {سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} لولا لطفُ الله بنا ما كنا لذلك مطيقين. إننا يوم القيامة إلى ربنا لراجعون، فيجازي كلَّ نفس بما كسبت، فاستعدّوا لذلك اليوم، ولا تغفلوا عن ذِكره. قراءات: قرأ نافع وحمزة والكسائي: إن كنتم قوما مسرفين بكسر همزة ان. والباقون: أن كنتم بفتح الهمزة.
د. أسعد حومد
تفسير : (حَا. مِيم) (1) - وَتُقْرأُ مُقَطَّعَةً، كُلُّ حَرْفٍ عَلَى حِدَةٍ. اللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ.
الثعلبي
تفسير : {حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً}. أي أنزلناه وسميناه وبيّناه ووصفناه. كقوله تعالى: {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ}، وقوله: {وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً} [الزخرف: 19]، وقوله: {أية : ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ}تفسير : [الحجر: 91]، وقوله تعالى: {أية : أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ}تفسير : [التوبة: 19]. كلّها بمعنى الوصف والتسمية ويستحيل أن يكون بمعنى الخلق. {لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ} يعني هذا الكتاب. {فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ} يعني اللوح المحفوظ الّذي عند الله تعالى منه ينسخ، وقال قتادة: أصل الكتاب وجملته. أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان، أخبرنا مكي بن عيدان، حدثنا عبد الله بن هاشم بن حيان، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، حدثنا هشام الدستوائي، حدثني القاسم بن أبي يزه، حدثني عروة بن عامر القريشي، قال: سمعت ابن عباس يقول: إنّ أول ما خلق الله تعالى القلم وأمره أن يكتب ما يريد أن يخلق والكتاب عنده ثمّ قرأ {وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ}. {لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ * أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً}. إختلفوا في معناه. فقال قوم: أفنضرب عنكم العذاب ونمسك ونعرض عنكم ونترككم فلا نعاقبكم على كفركم، وهذا قول مجاهد والسدي، ورواية الوالبي عن ابن عباس. قال: أفحسبتم إنّه يصفح عنكم ولما تعقلوا ما أَمرتم به، وقال آخرون: معناه أفنمسك عن إنزال القرآن ونتركه من أجل أنّكم لا تؤمنون به فلا ننزله ولا نكرره عليكم، وهذا قول قتادة وإبن زيد. وقال قتادة: والله لو كان هذا القرآن رُفع حين ردّه أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله تعالى عاد بعائدته ورحمته فكرره عليهم ودعاهم إليه عشرين سنة. أو ما شاءَ الله من ذلك. وقال الكلبي: أفنترككم سدى لا نأمركم ولا ننهاكم. الكسائي: أفنطوي عنكم الذكر طيًّا، فلا تدعون ولا توعظون. وهذا من فصيحات القرآن، والعرب تقول لمن أَمسك عن الشيء وأعَرض عنه: ضرب عنه صفحاً، والأصل في ذلك إنّك إذا أعرضت عنه ولّيته صفحة عنقك، قال كثير: شعر : صفوحاً فما تلقاك إلا بخيلَةً فمن ملّ منها ذلك الوصل مَلّتِ تفسير : أي معرضة بوجهها، وضربت عن كذا وأَضربت، إذا تركته وأمسكت عنه. {أَن كُنتُمْ} قرأ أهل المدينة والكوفة إلاّ عاصماً أن تُكتب الألف على معنى إذ. كقوله: {أية : وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ}تفسير : [البقرة: 278]، وقوله: {أية : إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً}تفسير : [النور: 33]. وقرأ الآخرون بالفتح على معنى لأنّ كنتم أرادوا على معنى المضي كما يقول في الكلام: أَسبّك إن حرمتني، يريد إذا حرمتني. قال أبو عبيدة: والنّصبُ أَحبُّ إليَّ؛ لأنّ الله تعالى عاتبهم على ما كان منهم وعلمه قبل ذلك من فعلهم. {قَوْماً مُّسْرِفِينَ} مُشركين متجاوزين أمر الله. {وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي ٱلأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِم}. أي وما كان يأتيهم. {مِّنْ نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} كاستهزاء قومك بك. يعزّي نبيه صلى الله عليه وسلم {فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً} قوة. {وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ} صفتهم وسنتهم وعقوبتهم. {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ * ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ} أي بمقدار حاجتكم إليه. {فَأَنشَرْنَا} فَأحيّينا. {بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ} أي كما أحيّينا هذه البلدة الميتة بالمطر كذلك. {تُخْرَجُونَ} من قبوركم أَحياء. {وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ} الأصناف. {كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ} ذكر الكناية لأنّه ردها إلى ما، وقال الفراء: أضاف الظهور إلى الواحد لأنّه ذلك الواحد في معنى الجمع كالجند والجيش والرهط والخيل ونحوها من أسماء الجيش. {ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} أي مطبقين ضابطين قاهرين وهو من القرآن، كأنّه أراد وما كنا مقاومين له في القوة. {وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ} لمنصرفون في المعاد. أخبرنا إبن فنجويه الدينوري، حدثنا سعيد بن محمد بن اسحاق الصيرفي، حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شنبه، حدثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى، حدثنا أبي عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن علي بن ربيعة، عن علي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم إنّه كان إذا وضع رجله في الركاب، قال: "حديث : بسم الله"تفسير : فإذا إستوى على الدابة. قال: "حديث : الحمد لله على كلّ حال {سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ}"تفسير : ، وكبّر ثلاثاً وهلل ثلاثاً. وقال قتادة: في هذه الآية يُعلمكم كيف تقولون إذا ركبتم في الفلك والأنعام تقولون: {أية : وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ}تفسير : [المؤمنون: 29]. {وَجَعَلُواْ} يعني هؤلاء المشركين {لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} أي نصيباً وبعضاً. وقال مقاتل وقتادة: عدلاً وذلك قولهم للملائكة هم بنات الله تعالى. {إِنَّ ٱلإنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : سبق أَنْ تحدثنا عن الحروف المقطعة في بدايات بعض سور القرآن، وأن لها حكمة مرادة من الحق سبحانه نحوم حولها، ثم نقول: والله أعلم بمراده.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {صَفْحاً} إعراضاً يقال: ضربت عنه صفحاً إِذا أعرضت عنه وتركته {بَطْشاً} قوة وانتقاماً، وبطش به أخذه بشدة وعنف {مَهْداً} فراشاً وبساطاً {أَنشَرْنَا} أحيينا، والنشور، الإِحياء بعد الموت {تَسْتَوُواْ} تستقروا وتركبوا {مُقْرِنِينَ} مطيقين {كَظِيمٌ} مملوء غماً وغيظاً {يَخْرُصُونَ} يكذبون {أُمَّةٍ} دين وطريقة {مُتْرَفُوهَآ} المترف: المتنعم المنغمس في الشهوات. التفسِير: {حـمۤ} الحروف المقطعة للتنبيه على إِعجاز القرآن {وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} قسمٌ أقسم الله به أي أُقْسمُ بالقرآن البيّن الواضح الجلي، المظهر طريق الهدى من طريق الضلال، المبيِّن للبشرية ما تحتاج إليه من الأحكام والدلائل الشرعية {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} هذا هو المقسم عليه أي أنزلناه بلغة العرب، مشتملاً على كمال الفصاحة والبلاغة، بأسلول محكم، وبيانٍ معجز {لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي لكي تفهموا أحكامه، وتتدبروا معانيه، وتعقلوا أن أسلوبه الحكيم خارج عن طوق البشر قال البيضاوي: أقسم تعالى بالقرآن على أنه جعله قرآناً عربياً، وهو من البدائع البلاغية لتناسب القسم والمُقْسم عليه، تنبيهاً على أنه لا شيء أعلا منه فيقسم به، وهذا يدل على شرف القرآن وعزته بأبلغ وجهٍ وأدقه {وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا} أي وإِنه في اللوح المحفوظ عندنا {لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} أي رفيع الشأن عظيم القدر، ذو حكمةٍ بالغةٍ ومكانةٍ فائقة قال ابن كثير: بيَّن شرف القرآن في الملأ الأعلى، ليشرّفه ويعظّمه أهل الأرض أي وإِن القرآن في اللوح المحفوظ عندنا ذو مكانةٍ عظيمة، وشرف وفضل {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً} الاستفهام إِنكاري أي أنترك تذكيركم إعراضاً عنكم، ونعتبركم كالبهائم فلا نعظكم بالقرآن؟ {أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ} أي لأجل أنكم مسرفون في التكذيب والعصيان؟ لا، بل نذكّركم ونعظكم به إلى أن ترجعوا إلى طريق الحق قال قتادة: لو أن هذا القرآن رُفع حين ردَّه الأوائل لهلكوا، ولكنَّ الله برحمته كرَّره عليهم، ودعاهم إليه عشرين سنة قال ابن كثير: وقول قتادة لطيف المعنى جداً وحاصله أنه تعالى من لطفه ورحمته بخلقه لا يترك دعاءهم إلى الخير، وإلى الذكر الحكيم، وإِن كانوا مسرفين معرضين عنه، بل يأمر به ليهتدي به من قدَّر هدايته، وتقوم الحجة على من كتب شقاوته {وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي ٱلأَوَّلِينَ}؟ تسلية للنبي عليه السلام أي ما أكثر ما أرسلنا من الأنبياء في الأمم الأولين؟ {وَمَا يَأْتِيهِم مِّنْ نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} أي ولم يكن يأتيهم نبي إلا سخروا منه واستهزءوا به قال الصاوي: وهذا اتسلية له صلى الله عليه وسلم والمعنى تسلَّ يا محمد ولا تحزن فإِنه وقع للرسل قبلك ما وقع لك {فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً} أي فأهلكنا قوماً كانوا أشد قوة من كفار مكة وأعتى منهم وأطغى {وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ} أي وسبق في القرآن أحاديثُ إِهلاكهم، ليكونوا عظة وعبرة لمن بعدهم من المكذبين قال الإِمام الفخر: إن كفار مكة سلكوا في الكفر والتكذيب مسلك من كان قبلهم، فليحذروا أن ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك فقد ضربنا لهم مثَلَهم {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} أي ولئن سألتَ يا محمد هؤلاء المشركين من خلق السماواتِ والأرض بهذا الشكل البديع {لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ} أي ليقولُنَّ خلقهنَّ اللهُ وحده، العزيزُ في ملكه، العليمُ بخلقه قال القرطبي: أقروا له بالخلق والإِيجاد، ثم عبدوا معه غيره جهلاً منهم وسفهاً.. ثم بيَّن تعالى لهم صفاته الجليلة، الدالة على كمال القدرة والحكمة فقال {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً} أي بسط الأرض وجعلها كالفراش لكم، تستقرون عليها وتقومون وتنامون {وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} أي وجعل لكم فيها طُرُقاً تسلكونها في أسفاركم {لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أي لكي تهتدوا إلى قدرة الخالق الحكيم، مودع هذا النظام العجيب {وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ} أي نزَّل بقدرته الماء من السماء بمقدارٍ ووزنٍ معلوم، بحسب الحاجة والكفاية قال البيضاوي: أي بمقدار ينفع ولا يضر {فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً} أي فأحيينا به أرضاً ميتةً مقفرةً من النبات {كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} أي كذلك نخرجكم من قبوركم كما نُخرج النبات من الأرض الميتة {وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا} أي خلق جميع الأصناف من الحيوان والنبات وغير ذلك قال ابن عباس: "الأزواج" الأصناف والأنواع كلها كالحلو والحامض، والأبيض والأسود، والذكر والأنثى {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ} أي وسخَّر لكم من السفن في البحر، والإِبل في البر ما تركبونه في أسفاركم قال ابن كثير أي ذلَّلها وسخَّرها ويسَّرها لكم، لتأكلوا لحومها وتركبوا ظهورها {لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ} أي لتستقروا على ظهور هذا المركوب، سفينةً كانت أو جملاً {ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} أي وتتذكروا نعمة ربكم الجليلة عليكم حين تستقرون فوقها فتشكروه بقلوبكم {وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا} أي وتقولوا بألسنتكم عند ركوبكم: سبحان الله الذي ذلَّل ويسَّر لنا ركوب هذا المركوب {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} أي وما كنا قادرين ولا مطيقين لركوبه لولا تسخيره تعالى لنا {وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ} أي وإِنا إلى ربنا لراجعون، وصائرون إليه بعد الموت قال في حاشية البيضاوي: وليس المراد من ذكر النعمة تصورها وإِخطارها في البال، بل المراد تذكر أنها نعمة حاصلةٌ بتدبير القادر العليم الحكيم، مستدعية لطاعته وشكره، فإِن من تفكر في أنَّ ما يركبه الإِنسان من الفُلْك والأنعام، أكثر قوةً وأكبر جثة من راكبه، ومع ذلك كان مسخراً لراكبه يتمكن من تصريفه إلى أيّ جانب شاء، وتفكر أيضاً في خلق البحر والريح وفي كونهما مسخرين للإِنسان مع ما فيهما من المهابة والأهوال، استغرق في معرفة عظمة الله تعالى وكبريائه، وكمال قدرته وحكمته، فيحمله ذلك الاستغراق على أن يقول متعجباً من عظمة الله {سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ}.. ولما ذكر تعالى اعتراف المشركين بأن خالق السماوات والأرض هو رب العالمين، ذكر بعده ما يدل على سفههم وجهلهم في عبادة غير الله فقال {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} أي جعل المشركون لله ولداً حيث قالوا : الملائكةُ بنات الله {إِنَّ ٱلإنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ} أي إن القائل لهذا لمبالغٌ في الكفر، عظيم الجحود والطغيان قال البيضاوي: أي ظاهر الكفران لأن نسبة الولد إليه تعالى من فرط الجهل به والتحقير لشأنه {أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِٱلْبَنِينَ} إِنكارٌ وتعجبٌ من حالهم أي هل اتخذ تعالى لنفسه البنات، وخصَّكم واختار لكم البنين؟ قال ابن كثير: وهذا إنكار عليهم غاية الإِنكار، ثم ذكر تعالى تمام الإِنكار فقال {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً} أي وإِذا بُشِّر أحد المشركين بالأنثى التي جعلها مثلاً لله بنسبة البنات له {ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ} أي صار وجهه كأنه أسود من الكآبة والحزن، وهو ممتلىءٌ غيظاً وغماً من سوء ما بُشّر به قال الإِمام الفخر: والمقصودُ من الآية التنبيهُ على قلة عقولهم وسخافة تفكيرهم، فإِن الذي بلغ حاله في النقص إلى هذا الحدِّ كيف يجوز للعاقل إثباتُه لله تعالى؟ وقد روي عن بعض العرب أن امرأته وضعت أنثى فهجر البيت الذي فيه المرأة {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ} أي أيجعلون للهِ من يُربَّى في الزينة وينشأ ويكبر عليها وهنَّ الإِناث؟ {وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} أي ومن هو في الجدال غيرُ مظهرٍ لحجته لضعف رأيه؟ أوَمَنْ يكونُ هكذا يُنْسب إلى جناب الله العظيم؟ قال في التسهيل: والمقصد الرد على الذين قالوا الملائكةُ بنات الله، كأنه قال: أجعلتم للهِ من ينشأ في الحلية؟ يعني يكبر وينبت في استعمالها، وذلك صفةُ النقص، ثم أتبعها بصفة نقصٍ أُخرى فقال {وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} يعني أن الأنثى إذا خاصمت أو تكلمت لم تقدر أن تبيّن حجتها لنقص عقلها، وقلّما تجد امرأة إلا تفسد الكلام، وتخلط المعاني، فكيف يُنسب لله من يتصف بهذه النقائص؟ وقال ابن كثير: المرأة ناقصة في الصورة والمعنى، فيكمل نقص ظاهرها وصورتها بلبس الحلي ليجبر ما فيها من نقص، كما قال بعض الشعراء: شعر : وما الحليُ إلا زينةٌ من نقيصةٍ يتمِّم من حُسْنٍ إِذا الحُسْنُ قصَّرا تفسير : وأما نقصُ معناها فإِنها ضعيفةٌ عاجزةٌ عن الانتصار، كما قال بعض العرب وقد بُشِّر ببنت "ما هي بنعم الولد، نصرُها بكاءٌ، وبرُّها سرقة" {وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً} كفرٌ آخرٍ تضمنه قولهم الشنيع أي واعتقد كفار العرب بأن الملائكة الذين هم أكمل العباد وأكرمهم على الله ـ إناثٌ وحكموا عليهم بذلك {أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ} أي أحضروا وقت خلق الله لهم حتى عرفوا أنهم إناث؟ وهذا تجهيلٌ وتهكمٌ بهم {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} أي سنأمر الملائكة بكتابة شهادتهم الكاذبة في ديوان أعمالهم ويُسألون عنها يوم القيامة، وهو وعيدٌ شديدٌ مع التهديد قال المفسرون: حكى تعالى عن كفار العرب ثلاثة أقوال شنيعة: الأول: أنهم نسبوا إلى الله الولد، الثاني: أنهم نسبوا إليه البناتِ دون البنين، الثالث: أنهم حكموا على الملائكة المكرمين بالأنوثة بلا دليل ولا برهان، فكذَّبهم القرآن الكريم في تلك الأقوال، ثم زادوا ضلالاً وبهتاناً فزعموا أنَّ ذلك برضى الله {وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} أي قالوا على سبيل السخرية والاستهزاء: لو شاء اللهُ ما عبدنا هؤلاء الملائكة ولا الأصنام، ولمَّا كانت عبادتنا واقعة بمشيئته فهو راضٍ بها قال القرطبي: وهذا منهم كلمةُ حقٍّ أُريد بها باطل، فكل شيءٍ بإِرادة الله، والمشيئةُ غير الرضى، ولا يصح الاحتجاج بالمشيئة، فإِنهم لو عبدوا الله بدل الأصنام لعلمنا أنَّ الله أراد منهم ذلك، وقد كذبهم الله بقوله {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} أي ما لهم بذلك القول حجة ولا برهان {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} أي ما هم إلا يكذبون ويتقوَّلون على الله كذباً وزوراً {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ} ردٌّ آخر عليهم أي أم أنزلنا على هؤلاء المشركين كتاباً من قبل القرآن فهم بذلك الكتاب متمسكون يعملون بتوجيهاته؟ قال الإِمام الفخر: والمعنى: هل وجدوا ذلك الباطل في كتاب منزَّل قبل القرآن حتى يعوِّلوا عليه ويتمسكوا به {بَلْ قَالُوۤاْ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ} بل للإِضراب وهو الانتقال من كلام إلى آخر أي لم يأتوا بحجةٍ عقلية أو نقلية على ما زعموا بل اعترفوا بأنه لا مستند لهم سوى تقليد آبائهم الجهَلة قال أبو السعود: والأُمةُ: الدينُ والطريقةُ سميت أمةً لأنها تؤم وتقصد {وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} أي ونحن ماشون على طريقتهم مهتدون بآثارهم {وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ} أي وكما تبع هؤلاء الكفار آباءهم بغير حجة ولا برهان كذلك فعل من قبلهم من المكذبين، فما بعثنا قبلك رسولاً في أمةٍ من الأمم {إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} أي إلا قال المتنعمون فيها الذين أبطرتهم النعمة، وأعمتهم الشهواتُ والملاهي عن تحمل المشاق في طلب الحق: إنا وجدنا أسلافنا على ملةٍ ودين، وإِنا مقتدون بهم في طريقتهم قال البيضاوي: والآية تسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ودلالةٌ على أن التقليد في نحو هذا ضلالٌ قديم، وأسلافُهم لم يكن سندٌ منظور يُعتَدُّ به، وإِنما خصَّص المترفين بالذكر للإِشعار بأن التنعم وحبَّ البطالة صرفهم عن النظر إلى التقليد الأعمى، وذكر هنا {مُّقْتَدُونَ} وهناك {مُّهْتَدُونَ} تفنناً لأن معناهما واحد {قَٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ}؟ أي قال كل نبيٍّ لقومه حين أنذرهم عذاب الله: أتقتدون بآبائكم ولو جئتكم بدينٍ أهدى وأرشد مما كانوا عليه؟ {قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} أي قالوا إنا كافرون بكل ما أُرسلتم به من التوحيد والإِيمان والبعث والنشور {فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} أي فانتقمنا من الأمم المكذبة بأنواع العذاب فانظر كيف صار حالهم ومآلهم!!
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} هذه السورة مكية. {إِنَّا جَعَلْنَاهُ} أي صيرناه وهو جواب القسم وهو من الأقسام الحسنة لتناسب القسم والمقسم عليه وكونهما من واد واحد والكتاب القرآن وأم الكتاب اللوح المحفوظ وهذا فيه تشريف للقرآن وترفيع بكونه لديه عليا على جميع الكتب وعالياً عن وجوده الفساد حكيماً أي حاكماً على سائر الكتب. وقرىء: اما بكسر الهمزة. {أَفَنَضْرِبُ} قال ابن عباس المعنى أفنترك تذكيركم وتخويفكم عفوا عنكم وعفوا عن إجرامكم. {أَن كُنتُمْ} لما ذكر خطاباً لقريش فنضرب عنكم الذكر وكان هذا الإِنكار دليلاً على تكذيبهم للرسول عليه السلام وإنكار الماء جاء به آنسه الله تعالى بأن عادتهم عادة الأمم السابقة في استهزائهم بالرسل وأنه تعالى أهلك من كان أشد منهم بطشاً أي أكثر عدداً وعدداً وجلداً. {وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ} أي فليحذر قريش أن يحل بهم مثل ما حل بالأولين مكذبي الرسل من العقوبة. {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ} إحتجاج على قريش بما يوجب التناقض وهو إقرارهم بأن موجد العالم العلوي والسفلي هو الله تعالى ثم هم يتخذون أصناماً آلهة من دون الله تعالى يعبدونها والظاهر أن خلقهن العزيز العليم هو نفس المحكي من كلامهم ولا بدل كونهم ذكروا في مكان خلقهن الله أن لا يقولوا في سؤال آخر خلقهن العزيز العليم. و{ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ} هو من كلام الله تعالى خطاباً لهم بتذكير نعمه السابقة وكرر الفعل في الجواب في قولهم خلقهن العزيز العليم مبالغة في التوكيد وفي غير ما سؤال اقتصروا على ذكر إسم الله تعالى إذ هو العلم الجامع للصفات العلا وجاء الجواب مطابقاً للسؤال من حيث المعنى لا من حيث اللفظ لأن من مبتدأ فلو طابق في اللفظ كان بالاسم مبتدأ ولم يكن بالفعل. {لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أي إلى مقاصدكم في السفر. {فَأَنشَرْنَا} أي أحيينا. {بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً} ذكر على معنى القطر وبلدة إسم جنس. {لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ} تقدم قوله ما تركبون وهي موصولة ويراعى فيها اللفظ والمعنى فمراعاة المعنى في قوله ظهور حيث جمع ومراعاة اللفظ حيث أضاف الظهور إلى ضمير المفرد وكذا فيما بعد ذلك في قوله عليه وفي الإِشارة في قوله: هذا وجاء في الحديث حديث : أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا وضع رجله في الركاب قال: بسم الله فإِذا استوى على الدابة قال الحمد لله على كل حال سبحان الذي سخر لنا هذا إلى قوله: لمنقلبون وكبر ثلاثاً وهل ثلاثاً تفسير : والمقرن الغالب الضابط المطيق للشىء يقال أقرن الشىء إذا أطاقه والقرن الحبل الذي يقرن به. {وَجَعَلُواْ لَهُ} أي كفار قريش والعرب له أي لله تعالى. {مِنْ عِبَادِهِ} أي ممن هم عبيده. {جُزْءًا} أي نصيباً وهو قولهم الملائكة بنات الله. {أَمِ ٱتَّخَذَ} استفهام إنكار وتوبيخ لقلة عقولهم كيف زعموا أنه تعالى اتخذ لنفسه ما أنتم تكرهونه. {وَأَصْفَاكُم} جعل لكم صفوة ما هو محبوب لكم وذلك هو وقوله مما يخلق تنبيه على استحالة الولد ذكراً كان أو أنثى. {وَإِذَا بُشِّرَ} تقدم الكلام عليه. {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ} أي ينتقل في عمره حالاً فحالاً في الحلية وهو الحلي الذي لا يليق إلا بالإِناث دون الرجال لتزينهن بذلك لأوزاجهن وهو أن خاصم لا يبين لضعف العقل ونقص التدبر والتأمل أظهر بهذا تحقيرهن وشغوف البنين عليهن وكان في ذلك إشارة إلى أن الرجل لا يناسب له التزين كما للمرأة وأن يكون مخشوشنا. {وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً} لم يكفهم ان جعلوا لله تعالى ولداً حتى جعلوه أنثى وجعلوهم من الملائكة وهذا من جهلهم بالله تعالى وصفاته واستخفافهم بالملائكة حيث نسبوا إليهم الأنوثة وقرىء: عند الرحمٰن ظرفاً وهذا الاستفهام فيه تهكم بهم والمعنى إظهار فساد عقولهم وان دعاويهم مجردة من الحجة. {لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ} تقدم الكلام عليه ولما نفى عنهم علم ترك عقابهم على عبادة غير الله أي ليس يدل على ذلك عقل نفي أيضاً أن يدل على ذلك سمع فقال: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً} من قبل نزول القرآن أو من قبل إنذار الرسول عليه السلام يدل على تجويز عبادتهم غير الله وأنه لا يترتب على ذلك عقاب إذ هو وفق المشيئة. {فَهُم بِهِ} أي بذلك الكتاب. {مُسْتَمْسِكُونَ} في عبادة غير الله وانتفاء الإِثم على ذلك ثم أخبر تعالى أنهم مقلدون في ذلك لآبائهم ولا دليل لهم من عقل ولا نقل ومعنى على أمة أي على طريقة ودين وعادة فقد سلكنا مسلكهم ونحن مهتدون في اتباع آثارهم والظاهر أن الضمير في قال أو في قل للرسول عليه السلام أي قل يا محمد لقومك أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى من الدين الذي وجدتم عليه آباءكم وهذا تجهيل لهم حيث يقلدون ولا ينظرون في الدلائل. {قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ} أي أنت والرسل قبلك غلب الخطاب على العتبة. {فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ} بالقحط والقتل والسبي والجلاء. {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ} من كذبك. {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ} ذكر العرب بحال جدّهم الأعلى ونهيه عن عبادة غير الله وإفراده بالتوحيد والعبادة هزأ لهم ليكون لهم رجوع إلى دين جدهم إذ كان أشرف آبائهم والمجمع على محبته وأنه عليه السلام لم يقلد أباه في عبادة الأصنام فينبغي أن تقتدوا به في ترك تقليد آبائكم الأقربين وترجعوا إلى النظر واتباع الحق وقرأ الجمهور براء وهو مصدر يستوي فيه المفرد والمذكر ومقابلهما يقال نحن البراء منك وقرىء بضم الباء وقرىء: بفتح الباء وكسر الراء. {إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي} إستثناء منقطع إذ كانوا لا يعبدون الله تعالى مع أصنامهم. وأجاز الزمخشري أن يكون الذي مجروراً بدلاً من المجرور بمن كأنه قال إنني براء مما تعبدون إلا من الذي وان تكون إلا صفة بمعنى غير على ان ما في ما تعبدون نكرة موصوفة تقديره إنني براء من آلهة تعبدونها غير الذي فطرني فهو قوله تعالى: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا}تفسير : [الأنبياء: 22] "انتهى". فوجه البدل لا يجوز لأنه إنما يكون في غير الموجب من النفي والنهي والاستفهام ألا ترى أنه يصلح ما بعد إلا لتفريغ العامل له وإنني براء جملة موجبة فلا يصح أن يفرغ العامل فيها الذي هو براء لما بعد إلا، وغر الزمخشري كون براء فيه معنى الانتفاء ومع ذلك فهو موجب لا يجوز أن يفرغ لما بعد إلا وأما تقديره ما نكرة موصوفة ولم يبقها موصولة لاعتقاده أن إلا لا تكون صفة إلا لنكرة وهذه المسألة فيها خلاف من النحويين من قال توصف بها النكرة والمعرفة فعلى هذا تبقى ما موصولة وتكون إلا في موضع الصفة للمعرفة. {ٱلَّذِي فَطَرَنِي} تنبيه على أن لا يستحق العبادة ولا يعبد إلا الخالق. {فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} أي يديم هدايتي والضمير في جعلها المرفوع عائد على إبراهيم وقيل على الله تعالى والضمير المنصوب عائد على كلمة التوحيد التي تكلم بها وهي قوله: إنني براءة مما تعبدون إلا الذي فطرني والإِشارة بهؤلاء لقريش ومن كان من عقب إبراهيم عليه السلام من العرب لما قال في عقبه قال تعالى: لكن متعت هؤلاء وأنعمت عليهم على كفرهم فليسوا ممن بقيت كلمة التوحيد فيهم. {حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ} وهو القرآن. {وَرَسُولٌ مُّبِينٌ} هو محمد صلى الله عليه وسلم والضمير المرفوع في وقالوا لقريش كانوا قد استبعدوا أن يرسل الله رسولاً من البشر واستفاض عندهم أمر إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام وغيرهم من الرسل صلوات الله عليهم فلما لم يكن لهم في ذلك مدفع ناقضوا فيما يخص محمداً صلى الله عليه وسلم فقالوا لم كان محمداً ولم يكن القرآن نزل على رجل من القريتين عظيم أشاروا إلى من عظم قدره بالسن والقدم والجاه وكثرة المال أي من إحدى القريتين وهما مكة والطائف قال ابن عباس: والذي من مكة الوليد بن المغيرة المخزومي ومن الطائف حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي وكان الوليد بن المغيرة يسمى ريحانة قريش وكان يقول لو كان ما يقول محمد حقاً لنزل علي. {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} فيه توبيخ وتعجيب من جهلهم كأنه قيل أعلى اختيارهم وإرادتهم تقسم الفضائل من النبوة وغيرها ثم في إضافته في قوله رحمة ربك تشريف له صلى الله عليه وسلم وان هذه الرحمة التي حصلت لك ليست إلا من ربك المصلح لحالك ثم أخبر تعالى أنه هو الذي قسم المعيشة بينهم فلم يحصل لأحد إلا ما قسمه الله تعالى له وإذا كان تعالى هو الذي تولى ذلك وفارق بينهم وذلك في الأمر الثاني فكيف لا يتولى ذلك في الأمر الخطير وهو إرسال من يشاء وتنبي من يشاء فليس لكم أن تتخيروا من يصلح لذلك بل أنتم عاجزون عن تدبير أموركم وفي قوله: نحن قسمنا بينهم تزهيد في الانكباب على طلب الدنيا وعون على التوكل على الله تعالى وقال مقاتل: فأضلنا بينهم فمن رئيس ومرؤوس وأنشد الشافعي رضي الله عنه: شعر : ومن الدليل على القضاء وكونه بؤس اللبيس وطيب عيش الأحمق تفسير : {رَحْمَتَ رَبِّكَ} قيل الجنة وقيل غير ذلك خير مما يجمع هؤلاء من حطام الدنيا وفي هذا اللفظ تحقير للدنيا وما جمع فيها من متاعها. {وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي ولولا أن يرغب الناس في الكفر إذا رأوا الكافر في سعة ويصيروا أمة واحدة في الكفر قاله ابن عباس وغيره لأعطيناهم من زينة الدنيا كذا وكذا ولكنه تعالى اقتضت حكمته أن يغني ويفقر الكافر والمؤمن. وقال ابن عطية: واللام في لمن يكفر لام الملك وفي لبيوتهم لام تخصيص كما تقول هذا الكساء لزيد لدابته أي هو لدابته حلس ولزيد ملك "انتهى". ولا يصح ما قاله لأن لبيوتهم بدل اشتمال أعيد معه العامل فلا يمكن من حيث هو بدل أن تكون اللام الثانية إلا بمعنى اللام الأولى أما أن يختلف المدلول فلا واللام في كليهما للتخصيص وقرىء: {سُقُفاً} على الجمع كرهن ورهن وعلى الإِفراد. {وَمَعَارِجَ} جمع معرج وهي المصاعد إلى العلالي. {عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} أي يعلون السطوح. وقال الزمخشري: سقوفاً ومصاعد وأبواباً وسرراً كلها من فضة "انتهى". كأنه يرى اشتراك المعاطيف في وصف ما عطفت عليه ولا يتعين أن توصف المعاطيف بكونها من فضة والزخرف هنا الذهب. قاله ابن عباس: وفي الحديث حديث : إياكم والحمرة فإِنها من أحب الزينة إلى الشيطان تفسير : وقال الشاعر: شعر : وصبغت درعك من دماء كماتهم لما رأيت الحسن يلبس أحمراً
الجيلاني
تفسير : {حـمۤ} [الزخرف: 1] يا حارس دين الله، وملازم طريق توحيده. {وَ} حق {ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} [الزخرف: 2] العظيم الذي انتخبناه من حضرة علمنا ولوح قضائنا. {إِنَّا} من كمال فضلنا وجودنا {جَعَلْنَاهُ قُرْآناً} فرقاناً بياناً، وتبياناً {عَرَبِيّاً} أسلوباً ونظماً {لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الزخرف: 3] وتفهمون ما فيه من الأسرار العجيبة والحكم البديعة والرموز والإشارا التي خلت عنها الكتب السالفة. {وَإِنَّهُ} أي: الشأن المندرج فيه، والمرموز إليه من جملة ما هو كائن مثبت {فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ} الذي هو حضرة العلم ولوح القضاء، ولا يمكنكم الإطلاع عليها والاستفادة منها إلا بوسائل الألفاظ لكونه محفوظاً {لَدَيْنَا} محروساً عندنا، لا يتيسر لكم الوصول إلينا، ما دمتم محبوسين في مضيق الإمكان، مقيدين بسلاسل الزمان والمكان؛ إذ ساحة عز حضورنا {لَعَلِيٌّ} منيع متعال عن أن يحوم حول سرادقات عزن أحد من خلقنا، ونحن {حَكِيمٌ} [الزخرف: 4] في تكل المنعة والدفاع، لا نطلعكم على سرائرنا وأسرارنا، إلا من وراء الحجب والأستار. ثم استفهم سبحانه مهدداً مقرعاً، مشيراً إلى ما أودع سبحانه في استعدادات عباده من قابلية الهداية والرشاد، بقوله: {أَ} نهملكم أيها المجبولون على فطرة الهداية، ولم نرسل إليكم يرشدكم إلى ما جبلتم لأجله من قابلية الانكشاف لسرائر توحيدنا {فَنَضْرِبُ} أي: فنصرف {عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ} أي: القرآن المبين لكم ما في نشأتكم وفطرتكم من الاطلاع والشعور على شئوننا وتجلياتنا الذاتية، وبالجملة: نعرض عنكم {صَفْحاً} إعراضاً وانصرافاً كلياً، مع كمال قابليتكم على الصلح وبالفوز بالفلاح {أَن كُنتُمْ} أي: أنهملكم لئن كنتم {قَوْماً مُّسْرِفِينَ} [الزخرف: 5] منحطين عن الاعتدال الفطري القسط الجبلي الذي جبلناكم عليه؛ والمعنى: أنهمل مقتضيات حكمتنا المودعة فيكم، إن كنتم في أنفسكم قوماً مسرفين في التمرد والإعراض؟. {وَكَمْ أَرْسَلْنَا} أي: كثير أرسلنا {مِن نَّبِيٍّ} هادٍ مرشد {فِي ٱلأَوَّلِينَ} [الزخرف: 6] أي: في الأمم الماضين المسرفين في التمرد والإعراض. {وَ} هم من شدة تعنتهم وإصرارهم {مَا يَأْتِيهِم مِّنْ نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الزخرف: 7] أمثال هؤلاء المستهزئين معك يا أكمل الرسل. وبعدما تمادوا في الغفلة والعناد، وبالغوا فيها مغرورين {فَأَهْلَكْنَآ} أي: أخذناهم بذنوبهم، واستأصلناهم مع كونهم {أَشَدَّ مِنْهُم} أي: من هؤلاء المسرفين المستهزئين معك {بَطْشاً} حولا وقوة، وأكثر أموالاً وأولاداً، وأكبر جاهاً وشدةً {وَ} بعدما {مَضَىٰ} وجرى {مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ} [الزخرف: 8] على ما جرى، ومضى مثل الأولين من قصصهم ووقائعهم الهائلة، وسيمضي ويجري عن قريب على هؤلاء أيضاً مثلهم بالطريق الأولى.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} [الزخرف: 1-2] يشير إلى القسم بحاء حياته وميم ملكه معناه وحياتي وملكي، وهذا القرآن المبين الذي أبان طريق وصول السالكين إلى الله والمعتصمين بالله، إن الذي أخرت من رحمتي لعبادي المؤمنين حق وصدق، {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} [الزخرف: 3] بعد أن كان القرآن كلامي وصفتي قائمة بذاتي، عرية عن كسوة العربية، منزهة عنها وعن توابعها، وإنما كسوناها العربية ليتسر عليكم فهم معناه، وذلك قوله: {لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الزخرف: 3]؛ أي: تفهمون معناه، {وَإِنَّهُ}؛ يعني: القرآن {فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ} وهو علم الحق تعالى فإنه أصل كل كتاب، ولهذا المعنى قال في أم الكتاب {لَدَيْنَا} [الزخرف: 4] نظيره قوله: {أية : يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ}تفسير : [الرعد: 39]، وقوله: {لَعَلِيٌّ} [الزخرف: 4] قدره {حَكِيمٌ} [الزخرف: 4] محكم الوصف لا تبديل له ولا تحويل، {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً} [الزخرف: 5]؛ أي: أفنترككم ولا نذكركم ونقطع عنكم خطابنا وتعريفنا؛ أي: لا تفعل ذلك، {أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ} [الزخرف: 5] بأن أسرفتم في خلافكم؛ أي: لا ندفع عنكم التكليف بأن خالفتم، ولا نهجركم بقطع الكلام عنكم وإن أسرفتم، وفي هذا إشارة لطيفة وهي ألا يقطع الخطاب اليوم عمن تمادى في عصيانه، وأسرف أكثر شأنه فأحرى من لم يقصر في إيمانه وإن تلطخ بعصيانه، ولم يدخل خلل في عرفانه لا يمنع عنه لطائف غفرانه وعواطف إحسانه، وبقوله: {وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي ٱلأَوَّلِينَ} [الزخرف: 6]، {وَمَا يَأْتِيهِم مِّنْ نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الزخرف: 7] يشير إلى كمال ظلومية نفس الإنسان وجهوليتها، وكمال حكم الله وكرمه وفضل ربوبيته بأنهم وإن بالغوا في إظهار أوصافهم الذميمة وأخلاقهم اللئيمة، بالاستهزاء مع الأنبياء والمرسلين والاستخفاف بهم، إلى أن كذبوهم وسعوا في قتلهم من أهل الأولين والآخرين، وكذلك يفعلون أهل كل زمان مع ورثة الأنبياء من العلماء المتقين، والمشايخ السالكين الناصحين لهم، الداعين إلى الله والهادين لهم، وإن الله تعالى لم يقطع عنهم مراحم فضله وكرمه، وكان يبعث إليهم الأنبياء، وينزل عليهم الكتب، ويدعوهم إلى جناته، وينعم عليهم بعفوه وغفرانه، ومن غاية أفضاله وإحسانه تأديباً وترهيباً لعباده أهلك بعض المتمردين المتمادين في الباطل؛ ليعتبر المتأخرون من المتقدمين وذلك قوله: {فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ} [الزخرف: 8].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا قسم بالقرآن على القرآن، فأقسم بالكتاب المبين وأطلق، ولم يذكر المتعلق، ليدل على أنه مبين لكل ما يحتاج إليه العباد من أمور الدنيا والدين والآخرة. { إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا } هذا المقسم عليه، أنه جعل بأفصح اللغات وأوضحها وأبينها، وهذا من بيانه. وذكر الحكمة في ذلك فقال: { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } ألفاظه ومعانيه لتيسرها وقربها من الأذهان. { وَإِنَّهُ } أي: هذا الكتاب { لَدَيْنَا } في الملأ الأعلى في أعلى الرتب وأفضلها { لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ } أي: لعلي في قدره وشرفه ومحله، حكيم فيما يشتمل عليه من الأوامر والنواهي والأخبار، فليس فيه حكم مخالف للحكمة والعدل والميزان. ثم أخبر تعالى أن حكمته وفضله يقتضي أن لا يترك عباده هملا لا يرسل إليهم رسولا ولا ينزل عليهم كتابا، ولو كانوا مسرفين ظالمين فقال: { أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا } أي: أفنعرض عنكم، ونترك إنزال الذكر إليكم، ونضرب عنكم صفحا، لأجل إعراضكم، وعدم انقيادكم له؟ بل ننزل عليكم الكتاب، ونوضح لكم فيه كل شيء، فإن آمنتم به واهتديتم، فهو من توفيقكم، وإلا قامت عليكم الحجة، وكنتم على بينة من أمركم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):