Verse. 4330 (AR)

٤٣ - ٱلْزُّخْرُف

43 - Az-Zukhruf (AR)

اَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا اَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِيْنَ۝۵
Afanadribu AAankumu alththikra safhan an kuntum qawman musrifeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أفنضرب» نمسك «عنكم الذكر» القرآن «صفحاً» إمساكاً فلا تؤمرون ولا تنهون لأجل «أن كنتم قوماً مسرفين» مشركين لا.

5

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً} يعني: القرآن؛ عن الضحاك وغيره. وقيل: المراد بالذكر العذاب؛ أي أفنضرب عنكم العذاب ولا نعاقبكم على إسرافكم وكفركم؛ قاله مجاهد وأبو صالح والسدي، ورواه العَوْفي عن ابن عباس. وقال ابن عباس: المعنى أفحسبتم أن نصفح عنكم العذاب ولما تفعلوا ما أمرتم به. وعنه أيضاً أن المعنى أتكذبون بالقرآن ولا تعاقبون. وقال السدي أيضاً؛ المعنى أفنترككم سُدًى فلا نأمركم ولا ننهاكم. وقال قتادة: المعنى أفنهلككم ولا نأمركم ولا ننهاكم. وعنه أيضاً: أفنمسك عن إنزال القرآن من قبل أنكم لا تؤمنون به فلا ننزله عليكم. وقاله ابن زيد. قال قتادة: والله لو كان هذا القرآن رفع حين ردّدته أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله ردّده وكرره عليهم برحمته. وقال الكسائي: أفنطوي عنكم الذكر طَيًّا فلا توعظون ولا تؤمرون. وقيل: الذكر التذكر؛ فكأنه قال: أنترك تذكيركم لأن كنتم قوماً مسرفين؛ في قراءة من فتح. ومن كسر جعلها للشرط وما قبلها جواباً لها؛ لأنها لم تعمل في اللفظ. ونظيره: {أية : وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ }تفسير : [البقرة: 278] وقيل: الجواب محذوف دلّ عليه ما تقدّم؛ كما تقول: أنت ظالم إن فعلت. ومعنى الكسر عند الزجاج الحال؛ لأن في الكلام معنى التقرير والتوبيخ. ومعنى {صَفْحاً} إعراضاً؛ يقال: صفحت عن فلان إذا أعرضت عن ذنبه. وقد ضربت عنه صفحاً إذا أعرضت عنه وتركته. والأصل فيه صفحة العنق؛ يقال: أعرضت عنه أي وليته صفحة عنقي. قال الشاعر:شعر : صُفوحاً فما تلقاك إلا بخيلَةً فمن مَلّ منها ذلك الوصلَ مَلّت تفسير : وانتصب «صَفْحاً» على المصدر لأن معنى: «أَفَنَضْرِبُ» أفنصفح. وقيل: التقدير أفنضرب عنكم الذكر صافحين، كما يقال: جاء فلان مشياً. ومعنى: {مُّسْرِفِينَ } مشركين. واختار أبو عبيدة الفتح في «أن» وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وابن عامر، قال: لأن الله تعالى عاتبهم على ما كان منهم، وعلمه قبل ذلك من فعلهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَفَنَضْرِبُ } نمسك {عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ } القرآن {صَفْحاً } إمساكاً فلا تؤمرون ولا تنهون لأجل {أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ } مشركين؟ لا.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَفَنَضْرِبُ} أحسبتم أن يصفح عنكم ولما تفعلوا ما أمرتم به "ع"، أو أنكم تكذبون بالقرآن فلا يعاقبكم فيه، أو أن نهملكم فلا نعرفكم ما يلزمكم، أو نقطع تذكيركم بالقرآن وإن كذبتم به {صَفْحاً} إعراضاً. صفحت عن فلان أعرضت عنه أصله أن توليه صفحت عنقك. شعر : صفوحٌ فما تلقاكَ إلاَّ بخيلَةً فمن ملَّ منها ذلك الوصل ملَّتِ تفسير : أي تعرض بوجهها. {مُّسْرِفِينَ} في الرد، أو مشركين.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {أَفَنَضْرِبُ} بمعنى: أفنترك؛ تقول العرب: أَضْرَبْتُ عن كذا وضَرَبْتُ: إذا أَعْرَضْتَ عنه وتركْتَهُ، و{ٱلذِّكْرِ} هو: الدعاء إلى اللَّه، والتذكير بعذابِه، والتخويف من عقابه، وقال أبو صالح: الذِّكْرُ هنا أراد به العذاب نفسه، وقال الضَّحَّاكُ ومجاهد: الذكر القرآن. وقوله: {صَفْحاً}: يحتمل أَنْ يكون بمعنى العفو والغفر للذنوب، فكأَنَّهُ يقول: أفنترك تذكيركم وتخويفكم عفواً عنكم، وغفراً لإجرامكم؛ من أجل أنْ كنتم قوماً مسرفين، أي: هذا لا يصلح؛ وهذا قول ابن عباس ومجاهد ويحتمل قوله: {صَفْحاً} أنْ يكون بمعنى مغفولاً عنه، أي: نتركه يَمُرُّ لا تؤخذون بقبوله ولا بتدبُّره، فكأَنَّ المعنى: أفنترككم سُدًى، وهذا هو مَنْحَىٰ قتادةَ وغيره، وقرأ نافع وحمزة والكسائي: «إنْ كُنْتُمْ» بكسر الهمزة، وهو جزاءً دَلَّ ما تقدَّمه على جوابه، وقرأ الباقون بفتحها بمعنى: من أجل أَنْ، والإسراف في الآية هو كُفْرُهُمْ. {وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِى ٱلأَوَّلِينَ} أي: في الأُمَمِ الماضية، كقوم نوحٍ وعادٍ وثمودَ وغيرهم. {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} أي: كما يستهزىء قومك بك، وهذه الآية تسلية للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وتهديد بأَنْ يصيبَ قريشاً ما أصاب مَنْ هو أَشَدُّ بَطْشاً منهم. {وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ} أي: سلف أمرهم وسُنَّتُهُم، وصاروا عبرةً غَابِرَ الدَّهْرِ، أنشد صاحبُ «عنوان الدِّرَايَةِ»لشيخه أبي عبد اللَّه التَّمِيميِّ: [البسيط] شعر : يَا وَيْحَ مَنْ غَرَّهُ دَهْرٌ فَسُرَّ بِهِ لَمْ يَخْلُصِ الصَّفْوُ إلاَّ شِيبَ بِالْكَدَرِ هُوَ الْحِمَامُ فَلاَ تُبْعِد زِيَارَتَه وَلاَ تَقُلْ لَيْتَنِي مِنْهُ عَلَىٰ حَذَرِ انْظُرْ لِمَنْ بَادَ تَنْظُرْ آيَةً عَجَباً وَعِبْرَةً لأولي الأَلْبَابِ وَالْعِبَرِ أَيْنَ الأُلَىٰ جَنَبُوا خَيْلاً مُسَوَّمَةً وَشَيَّدُوا إرَماً خَوْفاً مِنَ الْقَدَرِ لَمْ تُغْنِهِمْ خَيْلُهُمْ يَوْماً وَإنْ كَثُرَتْ وَلَمْ تُفِدْ إِرَمٌ لِلْحَادِثِ النُّكُرِ بَادُوا فَعَادُوا حَدِيثاً إنَّ ذَا عَجَبٌ مَا أَوْضَحَ الرَّشْدَ لَوْلاَ سَيِّىءُ النَّظَرِ تَنَافَسَ النَّاسُ في الدُّنْيَا وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ المُقَامَ بِهَا كَاللَّمْحِ بِالْبَصَرِ تفسير : انتهى.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏أفنضرب عنكم الذكر صفحا‏ً}‏ قال‏:‏ أحسبتم أن نصفح عنكم ولم تفعلوا ما أمرتم به‏؟‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏أفنضرب عنكم الذكر صفحا‏ً} ‏ قال‏:‏ تكذبون بالقرآن ثم لا تعاقبون عليه‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن أبي صالح رضي الله عنه ‏{‏أفنضرب عنكم الذكر صفحا‏ً}‏ قال‏:‏ والله لو أن هذا القرآن رفع حيث رده أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله تعالى عاد عليهم بعائدته ورحمته، فكرره عليهم ودعاهم إليه‏. وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة، عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ لم يبعث الله رسولاً إلا أن أنزل عليه كتاباً، فإن قبله قومه، وإلا رُفِعَ، فذلك قوله‏:‏ ‏ {‏أفنضرب عنكم الذكر صفحاً إن كنتم قوماً مسرفين‏} ‏ لا تقبلونه، فيلقنه قلب نبيه‏.‏ قالوا‏:‏ قبلناه ربنا قبلناه ربنا ولو لم يفعلوا، لَرُفِعَ ولم يترك منه شيء على ظهر الأرض‏. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏ومضى مثل الأوّلين‏} ‏ قال‏:‏ عقوبة الأولين‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ‏{‏صفحاً أن كنتم‏} ‏ بنصب الألف ‏ {‏جعل لكم الأرض مهدا‏ً}‏ بنصب الميم بغير ألف‏.‏ وأخرج ابن مردويه، عن عائشة رضي الله عنها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية ‏{‏وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه‏}‏ أن تقولوا‏:‏ الحمد لله الذي منّ علينا بمحمد عبده ورسوله، ثم تقولوا‏:‏ ‏ {‏سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين‏}‏‏ . وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وابن مردويه، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إذا سافر ركب راحلته ثم ‏حديث : ‏كبر ثلاثاً ثم قال‏:‏ ‏{سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين‏}‏ ‏{‏وإنا إلى ربنا لمنقلبون‏} ". تفسير : وأخرج الطيالسي وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وصححه وابن جرير والنسائي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن علي رضي الله عنه أنه أتى بدابة، فلما وضع رجله في الركاب قال‏:‏ بسم الله، فلما استوى على ظهرها قال‏:‏ الحمد لله ثلاثاً والله أكبر ثلاثاً ‏ {‏سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين‏} {‏وإنا إلى ربنا لمنقلبون‏} ‏ سبحانك لا إله إلا أنت قد ظلمت نفسي فاغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك فقلت‏:‏ مم ضحكت يا أمير المؤمنين‏؟‏ قال‏:‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كما فعلت، ثم ضحك فقلت يا رسول الله‏:‏ مم ضحكت‏؟‏ فقال‏:‏حديث : يعجب الرب من عبده إذا قال‏:‏ رب اغفر لي، ويقول‏:‏ علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري ". تفسير : وأخرج أحمد، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أردفه على دابته، فلما استوى عليها ‏"‏حديث : كبر ثلاثاً وهلل الله وحده ثم ضحك ثم قال: ما من امرىء مسلم يركب دابته، فيصنع ما صنعت، إلا أقبل الله يضحك إليه، كما ضحكت إليك ‏"‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والحاكم وصححه، عن محمد بن حمزة بن عمر الأسلمي، عن أبيه رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏فوق ظهر كل بعير شيطان، فإذا ركبتموه فاذكروا اسم الله، ثم لا تقصروا عن حاجاتكم ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم وصححه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏على ذروة كل بعير شيطان، فامتهنوهن بالركوب، فإنما يحمل الله‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن سعد وأحمد والبغوي والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه، عن أبي لاس الخزاعي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏ما من بعير إلا في ذروته شيطان، فاذكروا اسم الله عليه إذا ركبتموه كما أمركم، ثم امتهنوها لأنفسكم، فإنما يحمل الله ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر عن شهر بن حوشب رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه‏}‏ قال‏:‏ نعمة الإِسلام‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن أبي مجلز رضي الله عنه قال‏:‏ رأى حسين بن علي رضي الله عنه رجلاً يركب دابة، فقال ‏ {‏سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين‏} ‏ ‏ {‏وإنا إلى ربنا لمنقلبون‏} ‏ قال‏:‏ أو بذلك أمرت‏؟‏ قال‏:‏ فكيف أقول‏؟‏ قال‏:‏ الحمد لله الذي هدانا للإِسلام، الحمد لله الذي منَّ علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم، الحمد لله الذي جعلني في خير أمة أخرجت للناس، ثم تقول‏:‏ ‏ {‏سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين‏}‏ ‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن طاوس رضي الله عنه، أنه كان إذ ركب دابة قال‏:‏ بسم الله اللهم هذا من مَنِّكَ وفضلك علينا، فلك الحمد ربنا ‏{‏سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين‏} ‏ ‏ {‏وإنا إلى ربنا لمنقلبون‏}‏ ‏. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏وما كنا له مقرنين‏} ‏ قال‏:‏ الإِبل والخيل والبغال والحمير‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏وما كنا له مقرنين‏} ‏ قال‏:‏ مطيقين‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه {‏وما كنا له مقرنين‏} ‏ قال‏:‏ لا في الأيدي ولا في القوّة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن سليمان بن يسار رضي الله عنه أن قوماً كانوا في سفر، فكانوا إذا ركبوا قالوا‏:‏ ‏ {‏سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين‏}‏ وكان فيهم رجل له ناقة رازم فقال‏:‏ أما أنا فأنا لهذه مقرن، فقمصت به، فصرعته فاندقت عنقه‏.‏ والله أعلم‏. وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏وجعلوا له من عباده جزءا‏ً} ‏ قال‏:‏ عدلاً‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏وجعلوا له من عباده جزءا‏ً} ‏ قال‏:‏ ولداً وبنات من الملائكة‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا‏ً}‏ قال‏:‏ ولدا‏ً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاً ظل وجهه مسوداً وهو كظيم‏} ‏ قال‏:‏ حزين‏. وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ‏{‏بما ضرب للرحمن مثلا‏ً} ‏ بنصب الضاد‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه ‏{‏أو من ينشأ في الحلية‏}‏ قال‏:‏ الجواري جعلتموهن للرحمن ولداً ‏{أية : ‏فكيف تحكمون‏}‏تفسير : ‏[‏الصافات: 154‏]‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏أو من ينشأ في الحلية‏} ‏ قال‏:‏ هن النساء، فرق بين زيهن وزي الرجال، ونقصهن من الميراث، وبالشهادة، وأمرهن بالقعدة، وسماهن الخوالف‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏ {‏أو من ينشأ في الحلية‏} ‏ قال‏:‏ جعلوا لله البنات ‏{‏وإذا بشر أحدهم‏} ‏ بهن ‏{‏ظل وجهه مسوداً وهو كظيم‏}‏ حزين‏.‏ وأما قوله‏:‏ ‏{‏وهو في الخصام غير مبين‏} ‏ قال‏:‏ قلما تكلمت امرأة تريد أن تتكلم بحجتها، الا تكلمت بالحجة عليها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ ‏{‏أو من ينشأ في الحلية‏} ‏ مخففة الياء‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ‏ {‏ينشأ في الحلية‏} ‏ مخففة منصوبة الياء مهموزة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، عن أبي العالية رضي الله عنه أنه سئل عن الذهب للنساء، فقال لا بأس به‏.‏ يقول الله‏ {‏أو من ينشأ في الحلية‏}‏‏.‏

القشيري

تفسير : أي أننا لا نفعل ذلك؛ (فيكون معنى الاستفهام) أفنقطع عنكم خطابَنا وتعريفَنا إنْ أسرفتم في خلافكم؟ لا... إننا لا نرفع التكليفَ بِأَنْ خالَفْتُم، ولا نهجركم - بِقَطْع الكلام عنكم - إنْ أسرفتم. وفي هذا إشارةٌ لطيفةٌ وهو أنه لا يقطع الكلامَ - اليومَ - عَمَّنْ تمَادَى في عصيانه، وأسرف في أكثر شأنه. فأحرى أَنَّ مَنْ لم يُقَصِّرْ في إيمانه - وإنْ تَلَطَّخَ بعصيانه، ولم يَدْخُلْ خَلَلٌ في عِرفانه - ألا يَمْنَعَ عنه لطائفَ غفرانه.

اسماعيل حقي

تفسير : {افنضرب عنكم الذكر} بعد ما بين علو شأن القرءآن العظيم وحقق ان انزاله على لغتهم ليعقلوه ويؤمنوا به ويعملوا بموجبه عقب ذلك بانكار ان يكون الامر بخلافه فقيل أفنضرب عنكم الذكر والفاء للعطف على محذوف يقتضيه المقام والمعنى أنهملكم فتحى القرءآن عنكم ونبعده ونترك الامر والنهى والوعد والوعيد مجاز من قولهم ضرب الغرائب عن الحوض استعارة تمثيلية شبه حال الذكر وتنحيته بحال غرآئب الابل وذودها ثم استعمل ما كان مستعملا فى تلك القصة ههنا والمراد بالغرآئب البعران الاجانب والابل اذا وردت الماء ودخلت بينها ناقة غريبة من غيرها ذيدت وطردت عن الحوض وفيه اشعار باقتضاء الحكمة توجه الذكر اليهم بملازمته لهم كأنه يتهافت عليهم {صفحا} الصفح الاعراض يقال صفح كمنع اعرض وترك وعنه عفا والسائل رده كأصفحه وسمى العفو صفحا لانه اعراض عن الانتقام من صفحة الوجه لان من اعرض عنك فقد اعطاك صفحة وجهه والمعنى اعراضا عنكم على انه مفعول له للمذكور او صافحين على انه حال او مصدر من غير لفظه فان تنحية الذكر عنهم اعراض {ان كنتم قوما مسرفين} السرف تجاوز الحد فى كل فعل يفعله الانسان اى لان كنتم منهمكين فى الاسراف فى المعاصى مصرين عليه على معنى ان حالكم وان اقتضى تخليتكم وشأنكم حتى تموتوا على الكفر والضلالة وتبقوا فى العذاب الخالد لكنا لسعة رحمتنا لا نفعل ذلك بل نهديكم الى الحق بارسال الرسول الامين وانزال الكتاب المبين. درتبيان كفته كه بسبب شرك شما قرآنرا بآسمان نخواهيم بردكه دانسته ايم كه زود بيايند قومى كه بدو بكروند وباحكام آن عمل كنند. وانما يرتفع القرءآن فى آخر الزمان قال قتادة والله لو كان هذا القرءآن رفع حين رده اوآئل هذه الامة لهلكوا ولكن عاد بعائدته ورحمته فكرره عليهم عشرين سنة او ما شاء الله كفتا والله كه اكردر صدر آن امت رب العزت قرآن از زمين برداشتى بكفر كافران ورد ايشان خلق همه هلاك كردندى ويك كسى نماندى لكن حق تعالى بانكار وكفر ايشان ننكريست بفضل ورحمت خودنكريست همجنان قرآن روز بروز مى فرستاد تمامى بيست سال يازياده تاكار دين تمام كشف واسلام قوى شد. وفيه اشارة الى ان من لم يقطع اليوم خطابه عمن تمادى فى عصيانه واسرف فى اكثر شانه كيف يمنع غدا لطائف غفرانه وكرائم احسانه عمن لم يقصر فى ايمانه ولم يدخل خلل فى عرفانه وان تلطخ بعصيانه. دارم ازلطف ازل جنت فردوس طمع كرجه دربانئ ميخانه فراوان كردم. بير طريقت درمناجات خويش كفته الهى توانىكه از بنده ناسزامى بينى وبعقوبت نشتابى ازبنده كفر مىشنوى ونعمت ازوى بازنكيرى ثواب وعفو بروى عرضه ميكنى وبيغام وخطاب خود اوراباز خوانى واكر باز آيد وعده مغفرت ميدهىكه ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف. جون بادشمن بدكردار جنينى جه كويم كه دوست نكوكار راجون. دوستا نراكجا كنى محروم توكه بادشمنان نظردارى

الجنابذي

تفسير : {أَفَنَضْرِبُ} الهمزة على التّقديم والتّأخير والمعنى جعلناه قرآناً عربيّاً لتعقّلكم واستكمالكم فهل نضرب {عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً} اى اعراضاً ونصرفه الى غيركم، او المستفهم عنه مقدّر بعد الهمزة والمعنى انهملكم ولا ندعوكم فنصرف عنكم القرآن {أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ} قرئ بفتح الهمزة بتقدير اللاّم وبكسر الهمزة.

اطفيش

تفسير : {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً} الهمزة مما بعد الفاء أو من محذوف أي أنهملكم فنضرب والاستفهام انكاري ونضرب معناه نبعد وننجى استعار الضرب بمعنى الطرد للتنحية والابعاد بعد تشبيه حالة التنحية والابعاد بطرد نحو الناقة عن الحوض أولاً مجاز بل بمعنى مطلق الترك والاعراض عن الشيء تقول ضرب عن كذا واضرب أي اعرض والذكر الدعاء الى الله والتذكير بعذابه والتخويف من عقابه. وقال أبو صالح: العذاب نفسه وقال الضحاك ومجاهد: القرآن وقيل: الوحي والقرآن و {صَفْحاً} مصدر (صفح) بمعنى أعرض مفعول لأجله أي (أفنعزل عنكم انزال القرآن والزام الحجة به اعراضنا عنكم) أو ظرف مكان بمعنى جانب أي أفننحيه عنكم جانباً ويؤيده قراءة {صَفْحاً} بضم الصاد ويجوز فى هذه القراءة أن يكون حالاً جمع صفوح بفتح الصاد أصله صفح بضم الصاد والفاء وسكنت الفاء تخفيفاً أي صافحين معرضين وذلك انكار أن يكون الأمر على خلاف ما قدم من انزال الكتاب قرآناً عربياً ليعقلوه ويعملوا بموجبه أو {صَفْحاً} مفعول مطلق قال بعض نضرب نمسك وصفحاً امساك والذكر القرآن أي نمسكه عنكم فلا نأمركم ولا ننهاكم وعن ابن عباس ومجاهد ان صفحاً بمعنى العفو والغفران للذنوب كأنه يقول (أفترك تذكيركم وتخويفكم عفواً عنكم وغفراً لاجرامكم) وقال قتادة وغيره: صفحاً بمعنى (مفعولاً عنه) أي نتركه يمر لا تؤخذون بقبوله ولا بتدبره فكان المعنى (أفنترككم سدى)؟. وعن قتادة: (والله لو كان هذا القرآن رفع حين رده أوائل الأمة لهلكوا ولكن بلفظه ورحمته كرره عليهم عشرين سنة أو ما شاء الله وما سبق كونه يكون لا محالة. عن ابن عباس: (أول ما خلق الله القلم فقال: أكتب قال: رب وما أكتب؟ قال: ما هو كائن فجرى القلم بما هو كائن الى يوم القيامة قال: فأعمال العباد تعرض كل يوم اثنين ويوم خميس فيجدونها على ما هو فى الكتاب {أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ} مكثرين الذنوب وقيل مشركين بكسر همزة (ان) عند نافع وحمزة والكسائي وهي شرطية جوابها دل عليه ما قبلها وانما أتى بان الشرطية الدالة على الشك مع ان اسرافهم مقطوع به اخراجاً لمحقق مخرج المشكوك فيه استجهالاً بهم كما يقول الأجير ان كنت عملت لك فوفني حقي وهو عالم بذلك ولكنه يخيل في كلامه ان تفريطك فى الخروج عن الحق فعل من له شك في الاستحقاق مع وضوحه استجهالاً له أو لقصد التوبيخ وتصوير ان الاسراف من العاقل في هذا المقام يجب أن لا يكون الا على سبيل الغرض والتقدير كالمحال لاشتمال المقام على الآيات الدالة على أن الاسراف لا ينبغى صدوره عن العاقل فهو كالمحال والمحال وان قطع بعدم وقوعه ولكن تستعمل فيه ان الموضوعة للشك لتنزيله فنزلت ما لم يقطع بكذبه قصداً للتبكيت وقرأ الباقون بفتح الهمزة فان حرف مصدر ولام التعليل مقدرة وهى تعليل لما قبلها على معاينة منها قولك أفترك الوحى والأمر والنهي لكونكم قوما مسرفين لا نفعل ذلك قرئ (اذ كنتم) باذ التعليلية وهذه القراءة مؤيدة للتي قبلها ويجوز عند الكوفيين كون ان هذه المفتوحة شرطية وقبله ابن هشام ويؤيده وقوعها في محل المقصورة فى القراءة الأخرى.

اطفيش

تفسير : {أفَنضْرب عنْكُم الذِّكر} نبعده عنكم، كما يضرب البعير المريد للشرب من حوض لغير صاحبه ليذهب على الاستعارة التمثيلية، والذكر القرآن، أو الذكر بخير لا تذرون به، وحيث يذكر اصحابه، وعلى الأل يقدر مضاف، أى انزال الذكر فننزله على غيركم، والمضروب ما هو الأفضل فى الوجهين بخلاف ضرب البعير عن الحوض، والفاء عاطفة على محذوف، أى أنهملكم فنضرب {صفْحا} أى اعراضا فهو مفعول مطلق لنضرب لتضمن الضرب معنى الاعراض، وأصل الصفح أن تولى الشىء صفحة عنقك، أو ظرف مكان أى ننحيه عنكم جانباً. {أن كنْتُم قَوماً مُسْرفين} اسرافهم متحقق، وجىء بأن التى لغير التحقق، باعتبار ما يستقبل من إسرافهم على القول بأنها تقلب كان للاستقبال كغيرها من الأفعال، أو المعنى إن كنتم مصرين على الاسراف، أو لجعلهم كأنهم شاكون فى الاسراف قصدا الى نسبتهم للجهل بارتكاب الاسراف لتصويره بصورة ما، يفرض لوجوب انتفائه، وعدم صدوره ممن يعقل، وسلى الله سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم، عن تكذيب قومه بقوله: {وكم أرسَلنا من نبى} مرسل كما قال: "أية : وما يأتيهم من رسول" تفسير : [الحجر: 11] وكما نص عليه بقوله: {وكم أرسلنا} {في الأوَّلين} الأمم السالفة.

الالوسي

تفسير : {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذّكْر} أي أفننحيه ونبعده عنكم على سبيل الاستعارة التمثيلية من قولهم: ضرب الغرائب عن الحوض شبه حال الذكر وتنحيته بحال غرائب الإبل وذودها عن الحوض إذا دخلت مع غيرها عند الورد ثم استعمل ما كان في تلك القصة هٰهنا، وفيه إشعار باقتضاء الحكمة توجه الذكر إليهم وملازمته لهم كأنه يتهافت عليهم، ولو جعل استعارة في المفرد بجعل التنحية ضرباً جاز ومن ذلك قول طرفة:شعر : أضرب عنك الهموم طارقها ضربك بالسيف قونس الفرس تفسير : وقول الحجاج في خطبته يهدد أهل العراق: لأضربنكم ضرب غرائب الإبل. و {ٱلذّكْرِ} قيل المراد به القرآن ويروى ذلك عن الضحاك وأبـي صالح والكلام على تقدير مضاف أي إنزال الذكر وفيه إقامة الظاهر مقام المضمر تفخيماً، وقيل: بل هو ذكر العباد بما فيه صلاحهم فهو بمعنى المصدر حقيقة، وعن ابن عباس ومجاهد ما يقتضيه. والهمزة للإنكار والفاء للعطف على محذوف يقتضيه على أحد الرأيين في مثل هذا التركيب أي أنهملكم فننحي الذكر عنكم، وقال ابن الحاجب: الفاء لبيان أن ما قبلها وهو جعل القرآن عربياً سبب لما بعدها وهو إنكار أن يضرب سبحانه الذكر عنهم. {صَفْحاً} أي إعراضاً، وهو مصدر لنضرب من غير لفظه فإن تنحية الذكر إعراض فنصبه على أنه مفعول مطلق على نهج قعدت جلوساً كأنه قيل: أفنصفح عنكم صفحاً أو هو منصوب على أنه مفعول له أو حال مؤول بصافحين بمعنى معرضين. وأصل الصفح أن تولي الشيء صفحة عنقك، وقيل: إنه بمعنى الجانب فينتصب على الظرفية أي أفننحيه عنكم جانباً، ويؤيده قراءة حسان بن عبد الرحمن الضبعي والسميط بن عمير وشبيل بن عزرة {صفْحاً} بضم الصاد وحينئذٍ يحتمل أن يكون تخفيف صفح كرسل جمع صفوح بمعنى صافحين، وأبو حيان اختار أن يكون مفرداً بمعنى المفتوح كالسد والسد. وحكى عن ابن عطية أن انتصاب {صَفْحاً} على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة فيكون العامل فيه محذوفاً، ولا يخفى أنه لا يظهر ذلك، وأياً ما كان فالمراد إنكار أن يكون الأمر خلاف ما ذكر من إنزال كتاب على لغتهم ليفهموه. {أَنْ كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ} أي لأن كنتم منهمكين في الإسراف مصرين عليه على معنى أن الحكمة تقتضي ذكركم وإنزال القرآن عليكم فلا نترك ذلك لأجل أنكم مسرفون لا تلتفتون إليه بل نفعل، التفتم أم لا. وقيل: هو على معنى أن حالكم وإن اقتضى تخليتكم وشأنكم حتى تموتوا على الكفر والضلالة وتبقوا في العذاب الخالد لكننا لسعة رحمتنا لا نفعل ذلك بل نهديكم إلى الحق بإرسال الرسول الأمين وإنزال الكتاب المبين. وقرأ نافع والأخوان {إن كنتم} بكسر الهمزة على أن الجملة شرطية، و(إن) وإن كانت تستعمل للمشكوك وإسرافهم أمر محقق لكن جىء بها هنا بناءً على جعل المخاطب كأنه متردد في ثبوت الشرط شاك فيه قصداً إلى نسبته إلى الجهل بارتكابه الإسراف لتصويره بصورة ما يفرض لوجوب انتفائه وعدم صدوره ممن يعقل، وقيل: لا حاجة إلى هذا لأن الشرط الإسراف في المستقبل وهو ليس بمتحقق، ورد بأن (إن) الداخلة على كان لا تقلبه للاستقبال / عند الأكثر، ولذا قيل: {إن} هنا بمعنى إذ، وأيد بأن علي بن زيد قرأ به وأنه يدل على التعليل فتوافق قراءة الفتح معنى، ولو سلم فالظاهر من حال المسرف المصر على إسرافه بقاؤه على ما هو عليه فيكون محققاً في المستقبل أيضاً على القول بأنها تقلب كان كغيرها من الأفعال وجواب الشرط محذوف ثقة بدلالة ما قبل عليه، وجوز أن يكون الشرط في موقع الحال أي مفروضاً إسرافكم على أنه من الكلام المنصف فلا يحتاج إلى تقدير جواب. وتعقب بأنه إنما يتأتى على القول بأن (ان) الوصلية ترد في كلامهم بدون الواو والمعروف في العربية خلافه. وقوله عز وجل: {وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيّ فِى ٱلأَوَّلِينَ}.

ابن عاشور

تفسير : الفاء لتفريع الاستفهام الإنكاري على جملة { أية : إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون } تفسير : [الزخرف: 3]، أي أتحسبون أن إعراضكم عما نزل من هذا الكتاب يبعثنا على أن نقطع عنكم تجدد التذكير بإنزال شيء آخر من القرآن. فلما أريدت إعادة تذكيرهم وكانوا قد قدم إليهم من التذكير ما فيه هديهم لو تأملوا وتدبروا، وكانت إعادة التذكير لهم موسومة في نظرهم بقلة الجدوى بيّن لهم أن استمرار إعراضهم لا يكون سبباً في قطع الإرشاد عنهم لأن الله رحيم بهم مريد لصلاحهم لا يصده إسرافهم في الإنكار عن زيادة التقدم إليهم بالمواعظ والهَدي. والاستفهام إنكاري، أي لا يجوز أن نضرب عنكم الذكر صفحاً من جراء إسرافكم. والضرب حقيقته قرع جسم بآخر، وله إطلاقات أشهرها: قرع البعير بعصا، وهو هنا مستعار لمعنى القطع والصرف أخذاً من قولهم: ضَرَبَ الغرائبَ عن الحَوْضِ، أي أطردَها وصرفها لأنها ليست لأهل الماء، فاستعاروا الضرب للصرف والطرد، وقال طرفة: شعر : أضْرِبَ عنك الهمومَ طارقَها ضَرْبَك بالسَّيْفِ قَوْنَس الفَرَس تفسير : والذكر: التذكير، والمراد به القرآن. والصَّفح: الإعراض بِصَفْح الوجه وهو جانبُه وهو أشد الإعراض عن الكلام لأنه يجْمع تركَ استماعه وتركَ النظر إلى المتكلم. وانتصب {صفحاً} على النيابة عن الظرف، أي في مكان صَفْح، كما يقال: ضَعْهُ جانباً، ويجوز أن يكون {صفحاً} مصدر صَفَح عن كذا، إذا أعرض، فينتصب على المفعول المطلق لبيان نوع الضرب بمعنى الصرف والإعراض. والإسراف: الإفراط والإكثار، وأغلب إطلاقه على الإكثار من الفعل الضائر. ولذلك قيل «لا سرَف في الخير» والمقام دال على أنّهم أسرفوا في الإعراض عن القرآن. وقرأ نافع وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف {إن كنتم} بكسر همزة {إنْ} فتكون {إنْ} شرطية، ولما كان الغالب في استعمال {إِنْ} الشرطية أن تقع في الشرط الذي ليس متوَقعاً وقوعُه بخلاف (إِذَا) التي هي للشرط المتيقن وقوعه، فالإتْيَان بــ{إنْ} في قوله: {إنْ كنتم قوماً مسرفين} لقصد تنزيل المخاطبين المعلوم إسرافهم منزلة من يُشَك في إسرافه لأن توفر الأدلّة على صدق القرآن من شأنه أن يزيل إسرافهم وفي هذا ثقة بحقّيّة القرآن وضَرب من التوبيخ على إمعانهم في الإعراض عنه. وقرأه ابن كثير وابن عامر وعاصم وأبو عمرو ويعقوب بفتح الهمزة على جعل {أنْ} مصدرية وتقديرِ لام التعليل محذوفاً، أي لأجل إسرافكُم، أي لا نترك تذكيركم بسبب كونكم مسرفين بل لا نزال نعيد التذكير رحمة بكم. وإقحام {قوماً} قبل {مسرفين} للدلالة على أن هذا الإسراف صار طبعاً لهم وبه قِوام قوميتهم، كما قدمناه عند قوله تعالى: { أية : لآياتٍ لقومٍ يعقلون } تفسير : في سورة البقرة (164).

د. أسعد حومد

تفسير : (5) - فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَوْلاَنِ: الأَوَّلُ - أَتَحْسَبُونَ أَنْ نَصْفَحَ عَنْكُمْ فَلاَ نُعَذِّبكُمْ مَعَ أَنَّكُمْ لَمْ تَفْعَلُوا مَا أَمَرَكُمْ بِهِ رَبُّكُمْ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ. الثَّانِي - أَنَّ اللهَ تَعَالَى مِنْ لُطْفِهِ وَرَحَمَتِهِ بِخَلْقِهِ لاَ يَتْرُكُ دُعَاءَهُمْ إِلَى الخَيرِ، وَإِلَى الذِّكْرِ الحكِيمِ (القُرْآنِ)، وَإِنْ كَانُوا مُسْرِفِينَ مُعْرِضِينَ عَنْهُ، لِيَهْتَدِيَ مَنْ قَدَّرَ اللهُ هِدَايَتَهُ، وَلِتَقُومَ الحُجَّةُ عَلَى مَنْ قَدَّرَ اللهُ تَعَالَى لَهُ الشَّقَاوَةَ. أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ - أَفَنَتْرُكُ تَذْكِيرَكُمْ وَإِلْزَامَكُم الحُجَّةَ. صَفْحاً - إعْرَاضاً أَوْ مُعْرِضِينَ عَنْكُمْ. مُسْرِفِينَ - مُتَجَاوِزِينَ الحَدَّ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الهمزة هنا تحمل معنى الاستفهام الإنكاري، ومعنى {أَفَنَضْرِبُ} [الزخرف: 5] أي: نترك. نقول: ضربتُ عن العمل وأضربتُ عن العمل أي: تركتُه وامتنعتُ عنه. ومنه: أضرب العمال عن العمل. فالحق يقول لهم: أنترك تذكيركم، ونُعرِض عنكم ونترككم هكذا هَمَلاً، لأنكم أسرفتُم على أنفسكم وكذَّبتم بالذكْر وكفرتم به؟ لا بل سنُوالي لكم التذكير والبيان، ونلزمكم الحجة والبرهان، فإنْ لم تؤمنوا بالحجة ولم تُصدِّقوا جاء دور الغزو والفتح والنصر عليكم حتى تؤمنوا. وهذه رحمة من الله بهم لأنهم عباده وصنعته ويريد لهم النجاة، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها حتى وهم كافرون به. فلو تركهم وما أرادوا لتمادوا في فسادهم، واستحقوا الهلاك والعذاب، والكافر حينما يؤمن يرحمه الله بالإيمان، ويرحم المجتمع من شرِّه وفساده إنْ ظلَّ على كفره، فالذكْر والمراد به هنا الوحي رحمةٌ من الله وخير يُقدِّمه لعباده رحمة بهم. لذلك قالوا: إنْ كان لك عدو فلا تَدْعُ عليه بالهلاك، إنما ادْعُ له بالهداية لأنك لا تنتفع بهلاكه، إنما تنتفع بسلوكه ويعود عليك خيره إن اهتدى، فثمار الخير تفيد المجتمع كله، ومن هذا المنطلق نهانا الإسلام عن كَتْم العلم لأنك حين تكتم علماً تحرم مجتمعك من خيره، فحين تُعلِّم غيرك تنتفع بخيره وتأمن شرَّه. إذن: من رحمة الله بهم أنْ يُوالي لهم نزول القرآن رغم عنادهم وكفرهم وتماديهم في الضلال، وفعلاً مع مرور الوقت وتتابع نزول الوحي أسلم صناديد الكفر واحداً بعد الآخر، أسلم عمر، وأسلم عمرو وخالد وعكرمة وغيرهم كثير. ثم يقول لهم الحق سبحانه: أنتم في حاجة إلى قراءة التاريخ وأَخْذ العبرة من موكب الرسالات لتروْا عاقبة المكذِّبين للرسل، فتاريخ الرسالات يؤكد انتصار رسل الله على المكذِّبين لهم، لأن هذه سنةُ الله في الرسل أنْ ينصرهم الله في النهاية، وأن تكون العاقبة لهم على مُكذِّبيهم، يأخذهم الله على قدر تكذيبهم: {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ..} تفسير : [العنكبوت: 40]. وقد خاطبهم الحق سبحانه بقوله: {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [الصافات: 137-138] يعني: المسألة ليستْ كلاماً نظرياً، إنما واقع مُعَاش ومُشَاهد عليكم أنْ تعقلوه، وأنْ تتعلموا منه الدرس حتى لا ينزل بكم من العذاب مثل ما نزل بهم.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً} [الآية: 5]. يقول: أَتكذبون بالقرآن، ثم لا تعاقبون عليه؟. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ} [الآية: 8]. يقول: ينصر الله أَنبياءَه. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن منصور، عن إِبراهيم قال: وضع علقمة بن قيس رجله في الغرز فقال. بسم الله. فلما قعد على ظهرها قال: الحمد لله. فلما نهض قال: {سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ}. [الآية: 13 ـ 14]. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} [الآية: 13]. يعني: الإِبل والخيل والبغال والحمير.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً} معناه ننركُكُم فلا تُحاسبون.