٤٣ - ٱلْزُّخْرُف
43 - Az-Zukhruf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
6
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي ٱلأَوَّلِينَ } «كَمْ» هنا خبرية والمراد بها التكثير؛ والمعنى ما أكثر ما أرسلنا من الأنبياء. كما قال: {أية : كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } تفسير : [الدخان: 25] أي ما أكثر ما تركوا. {وَمَا يَأْتِيهِم مِّنْ نَّبِيٍّ} أي لم يكن يأتيهم نبي {إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} كاستهزاء قومك بك. يعزي نبيّه محمداً صلى الله عليه وسلم ويسلّيه. {فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً} أي قوماً أشدّ منهم قوّة. والكناية في «مِنْهُمْ» ترجع إلى المشركين المخاطبين بقوله: {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً} فكنّى عنهم بعد أن خاطبهم. و «أشدّ» نصب على الحال. وقيل هو مفعول؛ أي فقد أهلكنا أقوى من هؤلاء المشركين في أبدانهم وأتباعهم. {وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ} أي عقوبتهم؛ عن قتادة وقيل: صفحة الأولين؛ فخبرهم بأنهم أهلكوا على كفرهم؛ حكاه النقاش والمهدوِيّ. والْمَثَلُ: الوصف والخبر.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِى ٱلأَْوَّلِينَ }.
الخازن
تفسير : {وكم أرسلنا من نبي في الأولين وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون} يعني كاستهزاء قومك بك وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم {فأهلكنا أشد منهم بطشاً} أي أقوى من قومك قوة {ومضى مثل الأولين} أي صفتهم والمعنى أن كفار قريش سلكوا في الكفر والتكذيب مسلك من كان قبلهم فليحذروا أن ينزل بهم مثل ما نزل بالأولين من الخزي والعقوبة. قوله عز وجل: {ولئن سألتهم} أي ولئن سألت يا محمد قومك {من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم} يعني أنهم أقروا بأن الله تعالى خلقهما وأقروا بعزته وعلمه ومع إقرارهم بذلك عبدوا غيره وأنكروا قدرته على البعث لفرط جهلهم ثم ابتدأ تعالى دالاً على نفسه بذكر مصنوعاته فقال تعالى: {الذي جعل لكم الأرض مهداً} معناه واقفة ساكنة يمكن الانتفاع بها ولما كان المهد موضع راحة الصبي فلذلك سمى الأرض مهاداً لكثرة ما فيها من الراحة للخلق {وجعل لكم فيها سبلاً} أي طرقاً {لعلكم تهتدون} يعني إلى مقاصدكم في أسفاركم {والذي نزل من السماء ماء بقدر} أي بقدر حاجاتكم إليه لا كما أنزل على قوم نوح حتى أهلكهم {فأنشرنا به} أي بالمطر {بلدة ميتاً} أي كما أحيينا هذه البلدة الميتة بالمطر {كذلك تخرجون} أي من قبوركم أحياء {والذي خلق الأزواج كلها} أي الأصناف والأنواع كلها قيل إن كل ما سوى الله تعالى فهو زوج وهو الفرد المنزه عن الأضداد والأنداد والزوجية {وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون} يعني في البر والبحر.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَكَمْ أَرْسَلْنَا} "كم" خبرية مفعول مقدم، و {مِن نَّبِيٍّ} و{فِي ٱلأَوَّلِينَ} يتعلق بالإرسال أو بمحذوف على أنه صفة "لِنَبِيٍّ" والمعنى: أن عادة الأمم مع الأنبياء الذين يدعونهم إلى الدين الحق هو التكذيب والاستهزاء، فلا ينبغي أن يُتَأَذَّى بسبب تكذيبهم، وأستهزائهم، لأن المصيبة إذا عمت خفت. ثم قال: {فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً} أي إن أولئك المتقدمين الذين أرسل إليهم الرسل، كانوا أشدَّ بطشاً من قريش وأَكْثَرَ عَدداً وجلَداً. قوله "بطشاً" فيه وجهان: أحدهما: أنه تمييز "لأشد" والثاني: أنه حال من الفاعل أي أهْلَكْنَاهُمْ بَاطِشينَ. قوله: {وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ} والمعنى أن كفار مكة سلكوا في الكفر والتكذيب مسلك من كان قبلهم فَلْيَحْذَرُوا أنْ يَنْزِلَ بهم الخِزْيُ مثْلَ أنزل بالأولين. أي صفتِهم وسنتِهم وعقوبتِهم، فعاقبة هؤلاء كذلك في الإهلاك. قوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ...} الآية والمعنى: وَلَئِنْ سَأَلْتَ قَوْمَكَ من خَلَقَ السموات والأرض؟ وقيل: الضمير في "سألتهم" يحتمل رجوعه إلى الأنبياء. والأقرب الأول، أي أنهم مع كفرهم مقرين بعزته، وعلمه، ثم عبدوا غيره، وأنكروا قدرته في البعث، لفَرْطِ جَهْلِهِمْ. قوله: {خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ} كرر الفعل للتوكيد؛ إذ لو جاء "العزيز" بغير "خلقهن" لكان كافياً، كقولك: مَنْ قَامَ؟ فيقال: زيدٌ. وفيها دليل على أن الجلالة الكريمة من قوله: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ}تفسير : [الزخرف:87] مرفوعة بالفاعلية، لا بالابتداء للتصريح بالفعل في نظيرتها. وهذا الجواب مطابق للسؤال من حيث المعنى؛ إذ لو جاء على اللفظ لجيء فيه بجملة ابتدائية كالسؤال. قوله: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً} اعلم أنه قد تم الإخبارُ عنهم، ثم ابتدأ دالاً على نفسه بذكر مصنوعاته فقال: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً} ولو كان هذا من جملة كلام الكفار لقالوا: الذي جعل لنا الأرض مِهَاداً، إلا أن قوله في أثناء الكلام: {فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً} لا يليق إلا بكلامه. ونظيره من كلام الناس أن يسمع الرجل رجلاً يقول: الذي بنى هذا المسجدَ فلانٌ العَالِمُ فيقول السَّامع لهذا الكلام: الزاهدُ الكريمُ، كأن ذلك السامع يقول: أنا أعرفه بصفات حميدةٍ فوق ما تعرفه فأَزِيدُ في وصفه، فيكون النعتان جميعاً من رجلين لرجل واحد. ومعنى كون الأرض مهاداً واقعة ساكنة، فإنها لو كانت متحركة لما أمكن الانتفاع بها في الزراعة والأبنية، وستر عيوب الأحياء والأموات، ولأن المهدَ موضعَ راحة الصبي. فكانت الأرض مهاداً لكثرة ما فيها من الراحات {وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} وذلك أن انتفاع الناس بها إنما يكمل إذا سعوا في أقطار الأرض، فهيأ تعالى تلك السبل ووضع عليها علامات، ليحصل بها الانتفاع. ثم قال: {لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} إلى مَقَاصِدِكم في أسفاركم، أو لتهتدوا إلى الحق في الدِّينِ. قوله تعالى: {وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ} أي بِقَدْرِ حاجتكم إليه من غير زيادة ولا نُقْصَان، لا كما أنزل على قوم نوع بغير قدر حتى أَغْرَقَهُمْ. قوله: {فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً} قرأ العامة مُخَفَّفاً، وعِيسَى وأبو جَعْفَرٍ مُثَقَّلاً، وتقدم الكلام فيه في آل عمران. وتقدم في الأعراف الخلاف في تَخْرُجُونَ وتُخْرَجُونَ أي كما أحيينا هذه البلدة بالمطر، ومعنى الميتة الخالية من النبات، كذلك تخرجون من قبوركم أحياء. والمعنى أن هذا الدليل كما دل على قدرة الله تعالى وحكمته، فكذلك يدل على قدرته على المبعث والقيامة. ووجه التشبيه أنه جعلهم أحياءَ بعد إماتةٍ كهذه الأرض لتي انْتَشَرَتْ بعدما كانت ميتةً. قيل: بل وجه التشبيه أنه يُعيدهم ويُخْرجهم من الأرض بماءٍ كالمني كما تَنْبُتُ الأرضُ بماء المطر، وهذا ضعيف؛ لأن ظاهر لفظ الإنشار الإعادة فقط دون هذه الزيادة. قوله تعالى: {وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا}، قال ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ الأزواج الضروب والأنواع كالحُلو والحَامِض والأبيض والأسود والذكر والأنثى. وقال بعض المحققين: كل ما سوى الله فهو زَوْج، كالفَوْق، والتَحْتِ، واليَمِين، واليَسَار، والقُدَّام والخَلْفِ، والمَاضِي، والمُسْتَقْبَلِ، والذَّواتِ والصِّفاتِ، والصيفِ، والشِّتاء، والربيعِ والخريفِ. وكونها أزواجاً يدل على أنها ممكنة الوجود في ذواتها محدثةً مسبوقةٌ بالعدم، فأما الحق تعالى فهو المفرد المنزه عن الضِّدِّ والنِّدِّ، والمقابل، والمعاضِد، فلهذا قال تعالى: {وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا} أي كل ما هو زوج فهو مخلوق، فدل هذا على أن خالقها فرد مطلق منزه عن الزوجية. قال ابن الخطيب: وأيضاً علماء الحساب بينوا أن المفرد أفضل من الزوج لوجوه: الأول: أن الاثنين لا توجد إلا عند حصول وَحْدَتَيْنِ، فالزوج مُحْتَاجٌ إلى الفرد، والفرد هو الوحدة وهي غنية عن الزوج والغني أفضل من المحتاج. الثاني: أن الزوج يقبل القسمة بقسمين مُتَسَاوِيَيْنِ والفرد لا يقبل القسمة، وقبول القسمة انفعال وتأثر وعدم قبولها قوة وشدة، فكان الفرد أفضل من الزوج. (ثم ذكر وجوهاً أُخَرَ تدل على أن الفرد أفضل من الزوج) وإذا كان كذلك ثبت أن الأزواج ممكناتٌ ومحدَثاتٌ ومَخْلُوقَاتٌ وأن الفردَ هو القائم بذاته المستقلّ بنفسه، الغني عَمَّا سِوَاهُ. قوله: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ} ما موصولة وعائدها محذوف، أي ما تَرْكَبُونَهُ، وركب بالنسبة (إلى الفلك) يتعدى بحرف الجر: {أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ}تفسير : [العنكبوت:65] وفي غيره بنفسه، قال: {أية : لِتَرْكَبُوهَا}تفسير : [النحل:8] فغلب هنا المتعدي بنفسه على المتعدي بواسطة، فلذلك حذف العائد. فصل السَّفَرُ إما أن يكون في البحر، وإما أن يكون في البرِّ، فأما سفر البحر فعلى السفينة، وأما سفر البر فعلى الأنعام. فإن قيل: لِمَ لَمْ يقل على ظهورها؟. فالجواب: من وجوه: الأول: قال أبو عبيدة التذكير لقوله: "مَا تَرْكَبُونَ" والتقدير: ما تركبونه، فالضمير يعود على لفظ "ما" فلذلك أَفْرَدَهُ. الثاني: قال الفراء: أضاف الظهر إلى واحد فيه معنى الجمع بمنزلة الجنس، فلذلك ذَكَّرَهُ، وجمع الظهور باعتبار معناها. الثالث: أن التأنيث فيها ليس حقيقاً، فجاز أن يختلف اللفظ فيه، كما يقال: عِنْدِي مِنَ النِّسَاء مَنْ يُوَافِقُكَ. قوله: "لِتَسْتَوُوا" يجوز أن تكون هذه لام العلة، وهو الظاهر وأن تكون للصيرورة فتتعلق في كليهما بـ "جَعَل". وجوز ابن عطية: أن تكون للأمر، وفيه بعد، لقلة دخولها على أمر المخاطب. وقُرىءَ شاذاً: فَلْتَفْرَحُوا وفي الحديث: "حديث : لِتَأْخُذُوا مَصَافَّكُمْ"تفسير : وقال: شعر : 4392ـ لِتَقُـمْ أَنْـتَ يَـا ابْـنَ خَيْـرِ قُرَيْشٍ فَتَقْضِـي حَوَائِـجَ المُسْلِمِينَــا تفسير : نص النحويون على قلتها عدا أَبَا القَاسِم الزَّجَّاجِيِّ، فإنه جعلها لغة جيدة. قوله: {ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} أي تذكرونها في قلوبكم، وذلك الذكر هو أن يَعْرِف أن الله تعالى خلق البحر وخلق الرياح، وخلق جُرْمَ السفينة على وجه يُمْكِنُ الإنسان من تصريف هذه السفينة إلى أي جانب شاء، فإذا تذكر أن خلق البحر، وخلق الرياح، وخلق السفينة على هذه الوجوه القابلة لتصرف الإنسان ولتحريكاته، إنما هو من تدبير الحكيم العليم القدير، عرف أن ذلك نعمة من الله تعالى، فيَحْمِلُهُ ذلك على الانقياد لطاعة الله تعالى، وعلى الاشتغال بالشكر، لنعم الله التي نهاية لها. قوله: {سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} مطيقين وقيل: ضابطين. واعلم أنه تعالى عين ذكراً لركوب السفينة والدابة، وهو قوله: {سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا} وذكر دخول المنازل: {أية : رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ}تفسير : [المؤمنون:29] وتحقيقه أن الدابة المركوبة لا بدّ أن تكون أكثرَ قوة من الإنسان بكثير، وليس لها عقل يهديها إلى طاعة الإنسان، ولكنه تعالى خلق تلك البهيمة على وجوه مخصوصة في خلقها الظاهر، وخلقها الباطن، فحصل منها هذا الانتفاع. أما خَلْقُها الظاهر، فلأنها تَمْشِي على أربَعٍ، وكان ظهرها يحسن لاستقرار الإنسان وأما خلقها الباطن فلأنها مع قوتها الشديدة قد صيّرها الله تعالى مُنْقَادةً للإنسان، ومسخّرة له، فَإذا تأمل الإنسان في هذه العجائب عَظُمَ تعجبه من تلك القدرة، والحكمة التي لا نِهاية لها، فلا بدّ وأن يقول: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين. قوله: "(لَهُ) مُقِرْنِينَ"، "له" متعلق "بمقرنين"، وقدم للفواصل. والمُقْرِنُ: المُطيقُ للشيء الضابط له من: أَقْرَنَهُ: أي أَطَاقَهُ. قال الواحدي: كأن اشتقاقه من قولك: صِرْتُ له قِرْناً، ومعنى قِرْن فُلاَنٍ، أي مثلُهُ في الشِّدة. وقال أبو عبيدة: قِرْنٌ لفلانٍ أي ضابط له. والقَرْنُ الحَبْلُ، وقال ابن هَرْمَةَ: شعر : 4393ـ وَأقْرَنْــتُ مَـا حَمَّلِتْـنِــي وَلَقَلَّمَـــا يُطَاقُ احْتِمَالُ الصَّـدِّ يَا دَعْـدُ والهَجْــرُ تفسير : وقال عمرو بن معد يكرب: شعر : 4394ـ لَقَـدْ عَـلِــمَ القَبَـائِـلُ مَا عُقَيْـلٌ لَنَــا فِــي النَّـائِبَــاتِ بِمُقْرِنِينَــا تفسير : وحقيقة أقْرَنَهُ: وجده قَرِينهُ؛ لأن القوي لا يكون قرينه الضعيف، قال (ـ رحمه الله ـ): شعر : 4395ـ وابنُ اللَّبُون إذَا مَا لُزَّ فِي قَرَنٍ لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَنَاعِيسِ تفسير : وقرىء: مُقْتَرِنِينَ بالتاء قبل الراء. فصل ومعنى الآية ليس عندنا من القوة والطاعة أن نقرن هذه الدابة والفلك، وأن نضبطها فسُبْحانَ مَنْ سَخَّر لنا هذا بقدرته وحكمته، روى الزمخشريّ "حديث : عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه كان إذا وضع رِجْلَهُ في الركاب، قال: بِسْم اللهِ، فإذا استوى على الدَّابَّةِ قال: الحَمْدُ لله على كل حال، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين. وَإنَّا إلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ ". تفسير : وروى "حديث : عن عليٍّ أيضاً مثله وزاد: ثم حمَّد ثلاثاً، وكبَّر ثلاثاً، ثم قال: لا إله إلا الله ظلمت نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، فقيل: مما تضحك يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فَعَلَ ما فعلتُ، فقلنا: ما يضحكك يا نبيَّ الله؟ قال: العبدُ إذا قال لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت يعلم أنه لا يغفر الذنوب إلا هُوَ ". تفسير : فصل دلت هذه الآية على خلاف قول المُجَبِّرة من وجوه: الأول: أنه تعالى قال: {لِتَسْتَوُوا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه} فذكره بلام "كَيْ" وهذا يدل على أنه أراد منا هذا الفعل وهذا يدل على بطلان قولهم: إنه تعالى أراد الكفر منه. الثاني: قوله "لتستووا" يدل على أن فعله معلّل بالأغراض. الثالث: أنه تعالى بين أن خلق هذه الحيوانات على هذه الطبائع إنما كان لغرض أن يصدر الشكر عن العبد ولو كان فعل العبد فعلاً لله لكان معنى الآية إني خلقت هذه الحيوانات على هذه الطبائع لأجل أن أَخْلُقَ سُبْحَانَ الله في لسان العبد. وهذا باطل؛ لأنه تعالى قادر على أن يخلق هذا اللفظ في لسانه بدون هذه الوَسَائِطِ. قال ابن الخطيب: "الكلام على هذه الوجوه معلوم مما تقدم فلا فائدة في الإعادة". قوله: {وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ} أي لمُصَيَّرُونَّ في المعاد. ووجه اتصال الكلام بما قبله أن راكب الفلك في خطر الهلاك وراكب الدابة كذلك أيضاً؛ لأن الدابة قد حصل لها ما يوجب هلاك الراكب، وكذا السفينة قد تنكسر، ففي ركوبهما تعريض النفس للهَلاَك فوجب على الراكب أن يتذكر أمر الموت، ويقطع أنه هالك، وأنه منقلب إلى الله، وغير منقلب من قَضَائِهِ وقدره، فإذا اتفق له ذلك (المحذور) كان قد وطن نَفْسَهُ على الموت.
القشيري
تفسير : ما أتاهم من رسولٍِ فقابلوه بالتصديق، بل كَذَّبَ به الأكثرون وجحدوا، وعلى غَيِّهم أَصَرُّوا...
اسماعيل حقي
تفسير : {وكم ارسلنا من نبى فى الاولين} كم خبرية فى موضع النصب على انه مفعول مقدم لارسلنا ومن نبى تمييز وفى الاولين متعلق بارسلنا او بمحذوف مجرور على انه صفة لنبى والمعنى كثيرا من الانبياء ارسلنا فى الامم الاولين والقرون الماضية
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وكم أرسلنا} أي: كثيراً أرسلنا قبلك {من نبيٍّ في الأولين}؛ في الأمم الماضية، فكذَّبوهم واستهزؤوا بهم. {وما يأتيهم من نبيٍّ إلا كانوا به يستهزئون}، فاصبر كما صبروا. ويحتمل أن يكون تقريراً لِمَا قبله؛ لبيان أن إسراف الأمم السابقة لم يمنعه تعالى من إرسال الرسل إليهم، وكونها تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم أظهر. {فأهلكنا أشدَّ منهم بَطْشاً} أي: فأهلكنا مِن الأمم السالفة مَن كان أكثر منهم طغياناً وإسرافاً، {ومضى مَثَلُ الأولين} أي: سلف في القرآن غير مرة ذكر قصة الأولين، وهي عِدةٌ له صلى الله عليه وسلم، ووعيد لقومه، بطريق الأولوية. فمثل ما جرى على الأولين يجري على هؤلاء؛ لاشتراكهم في الوصف. وظاهر الآية: أن النبي والرسول واحد، والمشهور: أن النبي أعم، فكل رسول نبي، ولا عكس، فالنبي مقصور في الحُكم على نفسه، والرسول نبيّ مكلّف بالتبليغ. الإشارة: ما سُليت به الأنبياء والسل يُسلَى به الأولياء؛ لأنهم خلفاؤهم، فكل مَن أُوذي واستُهزئ به يتذكر ما جرى على مَن كان أفضل منه من الأنبياء وأكابر الأولياء، فيخف عليه الأذى. وبالله التوفيق. ثم ذكر إقرارهم بوجود الصانع، فقال: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ}.
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى مخبراً {وكم أرسلنا من نبي في الأولين} يعني فى الأمم الماضية (وكم) موضوعة للتكثير فى باب الخبر، وهي ضدّ (رب) لأنها للتقليل. ثم اخبر عن تلك الامم الماضية انه كان ما يجيئهم نبي من قبل الله إلا كانوا يستهزؤن به بمعنى يسخرون منه. فالاستهزاء إظهار خلاف الابطان استصغاراً او استحقاراً فالأمم الماضية كفرت بالانبياء واحتقروا ما أتوا به، وظنوا انه من المخاريق التي لا يعمل عليها لجهلهم وفرط عنادهم، فلذلك حملوا أنفسهم على الاستهزاء بهم، وهو عائد بالوبال عليهم. فان قيل: لم بعث الله الأنبياء مع علمه بأنهم يستهزؤن بهم ولا يؤمنون عنده؟ قيل: يجوز أن يكون قوم آمنوا وإن قلوا. وإنما اخبر الله بالاستهزاء عن الاكثر، ولذلك قال فى موضع {أية : ومن آمن وما آمن معه إلا قليل} تفسير : وايضاً فكان يجوز ان يكون لولا إرسالهم لوقع منهم من المعاصي أضعاف ما وقع عند إرسالهم، فصار إرسالهم لطفاً فى كثير من القبائح، فلذلك وجب وحسن، على ان فى إرسالهم تمكينهم مما كلفوه، لأنه إذا كان هناك مصالح لا يمكنهم معرفتها إلا من جهة الرسل وجب على الله أن يبعث اليهم الرسل ليعرّفوهم تلك المصالح، فاذا لم يؤمنوا بهم وبما معهم من المصالح أتوا بالقبائح من قبل نفوسهم، والحجة قائمة عليهم وقوله {فأهلكنا أشد منهم بطشاً} اخبار منه تعالى انه اهلك الذين هم اشد بطشاً من هؤلاء المشركين الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وآله، فلذلك قال {ومضى مثل الأولين} أي وهو مثل هؤلاء الباقين، ومعناه انكم قد سلكتم فى تكذيب الرسل مسلك من كان قبلكم فاحذروا أن ينزل بكم من الخزي ما نزل بهم. قال الحسن: أشد قوة من قومك. ثم قال {ولئن سألتهم} يعني الكفار {من خلق السماوات والأرض} بأن انشاءها واخترعها {ليقولن} أي لم يكن جوابهم في ذلك إلا أن يقولوا {خلقهن} يعني السموات والارض {العزيز} الذي لا يغالب ولا يقهر {العليم} بمصالح الخلق، وهو الله تعالى، لانهم لا يمكنهم أن يحلفوا فى ذلك على الاجسام والأوثان لظهور فساد ذلك، وليس في ذلك ما يدل على انهم كانوا عالمين بالله ضرورة، لانه لا يمتنع أن يكونوا عالمين بذلك استدلالا وإن دخلت علهيم شبهة فى انه يستحق العبادة، سواه. وقال الجبائي لا يمتنع أن يقولوا بذلك تقليداً لأنهم لو علموه ضرورة لعلموا أنه لا يجوز أن يعبد معه غيره وهو الذي يليق بمذهبنا في المواقاة. ثم وصف العزيز العليم الخالق للسموات والارض فقال هو {الذي جعل لكم الأرض مهداً وجعل لكم فيها سبلا} تسلكونها لكي تهتدوا إلى مقاصدكم فى اسفاركم. وقيل: معناه لتهتدوا إلى الحق فى الدين والاعتبار الذي جعل لكم بالنظر فيها.
الجنابذي
تفسير : {وَكَمْ أَرْسَلْنَا} يعنى لا تطمعوا فى صرف الذّكر عنكم وعدم دعوتكم فانّا ما اهملنا الامم الماضية مع انّهم كانوا اشدّ منكم اسرافاً وعصياناً وارسلنا فيهم رسلاً ولمّا تجاوزوا الحدّ فى العصيان اهلكناهم فاحذروا عن عذابنا واهلاكنا ولا تتجاوزوا الحدّ فى العصيان {مِن نَّبِيٍّ فِي ٱلأَوَّلِينَ وَمَا يَأْتِيهِم مِّنْ نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} كما تستهزؤن انتم ان كان الخطاب للمشركين، ويجوز ان يكون الخطاب مصروفاً الى محمّدٍ (ص) ويكون المقصود تسليته والمعنى كما يستهزئ قومك بك.
الهواري
تفسير : قوله: {وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ} أي: وكم أرسلنا منهم من الأنبياء. ذكروا عن أبي قلابة قال: قيل: يا رسول الله، كم المرسلون؟ قال: ثلاثمائة وبضعة عشر، جم غفير. قال: {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون} كقوله: (أية : يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون) تفسير : [يس:30]. قال: {فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًا} أي: أشد من مشركي العرب قوة. يعني من أهلك من الأمم السالفة؛ كقوله: (أية : كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً) تفسير : [الروم:9] {وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ} يعني وقائعه في الأمم السالفة بتكذيبهم رسلهم. قوله: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم} يعني المشركين {مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} ثم قال: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا} كقوله: (أية : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً) تفسير : [البقرة:22] {وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} أي: طرقاً {لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أي: لكي تهتدوا الطرق. {وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ} ذكروا عن ابن عباس قال: ما عام بأكثر من عام ماء، أو قال: مطراً، ولكن الله يصرفه في الأرض حيث يشاء؛ ثم تلا هذه الآية: (أية : وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا) تفسير : [الفرقان:50] قال: {فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً} يعني فأحيينا به بلدة {مَّيْتًا} يعني الميتة اليابسة التي ليس فيها نبات. {كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} يعني البعث. يرسل الله مطراً منياً كمني الرجال فتنبت جسمانهم ولحمانهم كما ينبت الأرض الثرى.
اطفيش
تفسير : {وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ} (في) للظرفية وقيل بمعنى (من) وقيل بمعنى (الى)* {وَمَا يَأْتِيهِم} أي هؤلاء الأولين. {مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} كما استهزأ بك قومك فذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبله اثنا عشر وثلاثمائة وهو الثالث عشر وذلك رواية أبي ذر وغيره وقيل: ثلاثة عشر وهو الرابع عشر بعد ثلاثمائة ويحتملها رواية أبي قلاية ثلاثمائة وبضعة عشر وكلهم كذب وتكذيبهم حالة ماضية مستمرة ولاستمرارها قال: {يَسْتَهْزِءُونَ} لا استهزأوا
الالوسي
تفسير : تقرير لما قبله ببيان أن إسراف الأمم السالفة لم يمنعه تعالى من إرسال الأنبياء إليهم وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن استهزاء قومه به عليه الصلاة والسلام، فقد قيل: البلية إذا عمت طابت، و {كَمْ} مفعول {أَرْسَلْنَا} و {فِي ٱلأَوَّلِينَ} متعلق به أو صفة {نَّبِيٍّ} و{مَا يَأْتِيهِم} الخ للاستمرار وضميره للأولين.
ابن عاشور
تفسير : لما ذكر إسرافهم في الإعراض عن الإصغاء لدعوة القرآن وأعقبه بكلام موجه إلى الرّسول صلى الله عليه وسلم تسلية عما يلاقيه منهم في خلال الإعراض من الأذى والاستهزاء بتذكيره بأن حاله في ذلك حال الرّسل من قبله وسنةُ الله في الأمم، ووعد للرّسول صلى الله عليه وسلم بالنصر على قومه بتذكيره بسنة الله في الأمم المكذّبة رسلَهم. وجعل للتسلية المقام الأول من هذا الكلام بقرينة العدل عن ضمير الخطاب إلى ضمير الغيبة في قوله: {فأهلكنا أشد منهم} كما سيأتي، ويتضمن ذلك تعريضاً بزجرهم عن إسرافهم في الإعراض عن النظر في القرآن. فجملة {وكم أرسلنا من نبيء} معطوفة على جملة { أية : إنا جعلناه قرآناً عربياً } تفسير : [الزخرف: 3] وما بعدها إلى هنا عطفَ القصة على القصة. و{كَم} اسم دال على عدد كثير مُبهم، وموقع {كم} نصب بالمفعولية لــ {أرسلنا}، وهو ملتزَم تقديمه لأن أصله اسم استفهام فنقل من الاستفهام إلى الإخبار على سبيل الكناية. وشاع استعماله في ذلك حتى صار الإخبار بالكثرة معنى من معاني {كَم}. والداعي إلى اجتلاب اسم العدد الكثير أن كثرة وقوع هذا الحكم أدخلُ في زجرهم عن مثله وأدخل في تسلية الرّسول صلى الله عليه وسلم وتحصيل صبره، لأن كثرة وقوعه تؤذن بأنه سنة لا تتخلف، وذلك أزجر وأسلى. و{الأولين} جمع الأوَّل، وهو هنا مستعمل في معنى الماضين السابقين كقوله تعالى: { أية : ولقد ضَلّ قبلهم أكثر الأوَّلين } تفسير : [الصافات: 71] فإنّ الذين أهلكوا قد انقرضوا بقطع النظر عمن عسى أن يكون خَلَفَهم من الأمم. والاستثناء في قوله: {إلا كانوا به يستهزئون} استثناء من أحوال، أي ما يأتيهم نبيء في حال من أحوالهم إلا يُقارن استهزاؤهم إتيان ذلك النبي إليهم. وجملة {وما يأتيهم من نبيء إلا كانوا به يستهزئون} في موضع الحال من {الأولين}، وهذا الحال هو المقصود من الإخبار. وجملة {فأهلكنا أشد منهم بطشاً} تفريع وتسبب عن جملة {وكم أرسلنا من نبيء في الأولين}. وضمير {أشد منهم} عائد إلى قوم مسرفين الذين تقدم خطابهم فعدل عن استرسال خطابهم إلى توجيهه إلى الرّسول صلى الله عليه وسلم لأن الغرض الأهم من هذا الكلام هو تسلية الرّسول ووعده بالنصر. ويستتبع ذلك التعريضَ بالذين كذبوه فإنهم يبلغهم هذا الكلام كما تقدم. ويظهر أن تغيير أسلوب الإضمار تبعاً لتغيير المواجهة بالكلام لا ينافي اعتبار الالتفات في الضمير لأن مناط الالتفات هو اتحاد مرجع الضميرين مع تأتِّي الاقتصار على طريقة الإضمار الأولى، وهل تغيير توجيه الكلام إلا تقوية لمقتضى نقل الإضمار، ولا تفوت النكتة التي تحصل من الالتفات وهي تجديد نشاط السامع بل تزداد قوة بازدياد مُقتضِياتها. وكلام «الكشاف» ظاهر في أن نقل الضمير هنا التفات وعلى ذلك قرره شارحوه، ولكن العلامة التفتزاني قال: "ومِثل هذا ليس من الالتفات في شيء" ا هــ. ولعله يرى أن اختلاف المواجهة بالكلام الواقع فيه الضّميران طريقة أخرى غير طريقة الالتفات، وكلام «الكشاف» فيه احتمال، وخصوصيات البلاغة واسعة الأطراف. والذين هم أشد بطشاً مِن كفار مكّة: هم الذين عُبر عنهم بـ {الأوَّلين} ووصفوا بأنهم يستهزئون بمن يأتيهم من نَبيء. وهذا تركيب بديع في الإيجاز لأن قوله: {فأهلكنا أشد منهم بطشاً} يقتضي كلاماً مطوياً تقديره: فلا نعجز عن إهلاك هؤلاء المسرفين وهم أقل بطشاً. وهذا في معنى قوله تعالى: { أية : وكأيّن من قريةٍ هي أشد قوةً من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم } تفسير : [محمد: 13]. والبطش: الإضرار القويّ. وانتصب {بطشاً} على التمييز لنسبة الأشدّيّة. و{مثل الأولين} حالهم العجيبة. ومعنى {مضى}: انقرض، أي ذهبوا عن بكرة أبيهم، فمُضِيُّ المثَل كناية عن استئصالهم لأن مُضي الأحوال يكون بمضي أصحابها، فهو في معنى قوله تعالى: { أية : فقُطع دابر القوم الذين ظلموا } تفسير : [الأنعام: 45]. وذكر {الأولين} إظهار في مقام الإضمار لتقدم قوله: {في الأولين}. ووجه إظهاره أن يكون الإخبار عنهم صريحاً وجارياً مجرَى المثَل.
د. أسعد حومد
تفسير : (6) - وَيُسَلِّي اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم لِمَا يَنَالُهُ مِنْ الهَمِّ والحُزْنِ مِنْ تَكْذِيبِ قَوْمِهِ لَهُ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ، فَيَقُولُ لَهُ: إِنَّهُ أَرْسَلَ رُسُلاً كَثِيرِينَ قَبْلَهُ إِلَى الأُمَمِ السَّالِفَةِ. فِي الأَوَّلِينَ - فِي الأُمَمِ السَّابِقَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كم هنا تفيد الكثرة {فِي ٱلأَوَّلِينَ} [الزخرف: 6] في الأمم السابقة الذين كانوا يُكذِّبون الرسل ويستهزئون بهم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: إن هذه سنتنا في الخلق، أن لا نتركهم هملا فكم { أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأوَّلِينَ } يأمرونهم بعبادة اللّه وحده لا شريك له، ولم يزل التكذيب موجودا في الأمم. { وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } جحدا لما جاء به، وتكبرا على الحق. { فَأَهْلَكْنَا أَشَدّ } من هؤلاء { بَطْشًا } أي: قوة وأفعالا وآثارا في الأرض، { وَمَضَى مَثَلُ الأوَّلِينَ } أي: مضت أمثالهم وأخبارهم، وبينا لكم منها ما فيه عبرة ومزدجر عن التكذيب والإنكار.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):