Verse. 4334 (AR)

٤٣ - ٱلْزُّخْرُف

43 - Az-Zukhruf (AR)

وَلَىِٕنْ سَاَلْتَہُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضَ لَيَقُوْلُنَّ خَلَقَہُنَّ الْعَزِيْزُ الْعَلِيْمُ۝۹ۙ
Walain saaltahum man khalaqa alssamawati waalarda layaqoolunna khalaqahunna alAAazeezu alAAaleemu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولئن» لام قسم «سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولنَّ» حذف منه نون الرفع لتوالي النونات وواو الضمير لالتقاء الساكنين «خلقهن العزيز العليم» آخر جوابهم أي الله ذو العزة والعلم، زاد تعالى:

9

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه قد تقدم ذكر المسرفين وهم المشركون وتقدم أيضاً ذكر الأنبياء فقوله {ولئن سألتهم} يحتمل أن يرجع إلى الأنبياء، ويحتمل أن يرجع إلى الكفار إلا أن الأقرب رجوعه إلى الكفار، فبيّن تعالى أنهم مقرون بأن خالق السمٰوات والأرض وما بينهما هو الله العزيز الحكيم، والمقصود أنهم مع كونهم مقرين بهذا المعنى يعبدون معه غيره وينكرون قدرته على البعث، وقد تقدم الإخبار عنهم، ثم إنه تعالى ابتدأ دالاً على نفسه بذكر مصنوعاته فقال: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً } ولو كان هذا من جملة كلام الكفار ولوجب أن يقولوا: الذي جعل لنا الأرض مهداً، ولأن قوله في أثناء الكلام {فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً } لا يتعلق إلا بكلام الله ونظيره من كلام الناس أن يسمع الرجل رجلاً يقول الذي بنى هذا المسجد فلان العالم فيقول السامع لهذا الكلام الزاهد الكريم كأن ذلك السامع يقول أنا أعرفه بصفات حميدة فوق ما تعرفه فأزيد في وصفه فيكون النعتان جميعاً من رجلين لرجل واحد. إذا عرفت كيفية النظم في الآية فنقول إنها تدل على أنواع من صفات الله تعالى. الصفة الأولى: كونه خالقاً للسموات والأرض والمتكلمون بينوا أن أول العمل بالله العلم بكونه محدثاً للعالم فاعلاً له، فلهذا السبب وقع الابتداء بذكر كونه خالقاً، وهذاإنما يتم إذا فسرنا الخلق بالإحداث والإبداع. الصفة الثانية: العزيز وهو الغالب وما لأجله يحصل المكنة من الغلبة هو القدرة وكان العزيز إشارة إلى كمال القدرة. الصفة الثالثة: العليم وهو إشارة إلى كمال العلم، واعلم أن كمال العلم والقدرة إذا حصل كان الموصوف به قادراً على خلق جميع الممكنات، فلهذا المعنى أثبت تعالى كونه موصوفاً بهاتين الصفتين ثم فرع عليه سائر التفاصيل. الصفة الرابعة: قوله {ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً } وقد ذكرنا في هذا الكتاب أن كون الأرض مهداً إنما حصل لأجل كونها واقفة ساكنة ولأجل كونها موصوفة بصفات مخصوصة باعتبارها يمكن الانتفاع بها في الزراعة وبناء الأبنية في كونها ساترة لعيوب الأحياء والأموات، ولما كان المهد موضع الراحة للصبي جعل الأرض مهداً لكثرة ما فيها من الراحات. الصفة الخامسة: قوله {وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً } والمقصود أن انتفاع الناس إنما يكمل إذا قدر كل أحد أن يذهب من بلد إلى بلد ومن إقليم إلى إقليم، ولولا أن الله تعالى هيأ تلك السبل ووضع عليها علامات مخصوصة وإلا لما حصل هذا الانتفاع. ثم قال تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } يعني المقصود من وضع السبل أن يحصل لكم المكنة من الاهتداء، والثاني المعنى لتهتدوا إلى الحق في الدين. الصفة السادسة: قوله تعالى: {وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً } وههنا مباحث أحدها: أن ظاهر هذه الآية يقتضي أن الماء ينزل من السماء، فهل الأمر كذلك أو يقال إنه ينزل من السحاب وسمي نازلاً من السماء لأن كل ماسماك فهو سماء؟ وهذا البحث قد مرّ ذكره بالاستقصاء وثانيها: قوله {بِقَدَرٍ } أي إنما ينزل من السماء بقدر ما يحتاج إليه أهل تلك البقعة من غير زيادة ولا نقصان لا كما أنزل على قوم نوح بغير قدر حتى أغرقهم بل يقدر حتى يكون معاشاً لكم ولأنعامكم وثالثها: قوله {فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً } أي خالية من النبات فأحييناها وهو الإنشار. ثم قال: {كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ } يعني أن هذا الدليل كما يدل على قدرة الله وحكمته فكذلك يدل على قدرته على البعث والقيامة ووجه التشبيه أنه يجعلهم أحياء بعد الإماتة كهذه الأرض التي أنشرت بعد ما كانت ميتة، وقال بعضهم بل وجه التشبيه أن يعيدهم ويخرجهم من الأرض بماء كالمني كما تنبت الأرض بماء المطر، وهذا الوجه ضعيف لأنه ليس في ظاهر اللفظ إلا إثبات الإعادة فقط دون هذه الزيادة. الصفة السابعة: قوله تعالى {وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوٰجَ كُلَّهَا } قال ابن عباس الأزواج الضروب والأنواع كالحلو الحامض والأبيض والأسود والذكر والأنثى، وقال بعض المحققين كل ما سوى الله فهو زوج كالفوق والتحت واليمين واليسار والقدام والخلف والماضي والمستقبل والذوات والصفات والصيف والشتاء والربيع والخريف، وكونها أزواجاً يدل على كونها ممكنة الوجود في ذواتها محدثة مسبوقة بعدم، فأما الحق سبحانه فهو الفرد المنزّه عن الضد والند والمقابل والمعاضد فلهذا قال سبحانه: {وَٱلَّذِى خَلَقَ ٱلأَزْوٰجَ كُلَّهَا } أي كل ما هو زوج فهو مخلوق، فدل هذا على أن خالقها فرد مطلق منزّه عن الزوجية، وأقول أيضاً العلماء بعلم الحساب بينوا أن الفرد أفضل من الزوج من وجوه الأول: أن أقل الأزواج هو الإثنان وهو لا يوجد إلا عند، حصول وحدتين فالزوج يحتاج إلى الفرد والفرد وهو الوحدة غنية عن الزوج والغني أفضل من المحتاج الثاني: أن الزوج يقبل القسمة بقسمين متساويين والفرد هو الذي لا يقل القسمة وقبول القسمة انفعال وتأثر وعدم قبولها قوة وشدة ومقاومة فكان الفرد أفضل من الزوج الثالث: أن العدد الفرد لا بد وأن يكون أحد قسميه زوجاً والثاني فرداً فالعدد الفرد حصل فيه الزوج والفرد معاً، وأما العدد الزوج فلا بد وأن يكون كل واحد من قسميه وزوجاً والمشتمل على القسمين أفضل من الذي لا يكون كذلك الرابع: أن الزوجية عبارة عن كون كل واحد من قسميه معادلاً للقسم الآخر في الذات والصفات والمقدار، وإذا كان كل ما حصل له من الكمال فمثله حاصل لغيره لم يكن هو كاملاً على الإطلاق، أما الفرد فالفردية كائنة له خاصة لا لغيره ولا لمثله فكماله حاصلاً له لا لغيره فكان أفضل الخامس: أن الزوج لا بد وأن يكون كل واحد من قسميه مشاركاً للقسم الآخر في بعض الأمور ومغايراً له في أمور أخرى وما به المشاركة غير ما به المخالفة فكل زوجين فهما ممكنا الوجود لذاتيهما وكل ممكن فهو محتاج فثبت أن الزوجية منشأ الفقر والحاجة، وأما الفردانية فهي منشأ الاستغناء والاستقلال لأن العدد محتاج إلى كل واحد من تلك الوحدات، وأما كل واحد من تلك الوحدات فإنه غني عن ذلك العدد، فثبت أن الأزواج ممكنات ومحدثات ومخلوقات وأن الفرد هو القائم بذاته المستقبل بنفسه الغني عن كل ما سواه، فلهذا قال سبحانه: {وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوٰجَ كُلَّهَا }. الصفة الثامنة: قوله {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَـٰمِ مَا تَرْكَبُونَ } وذلك لأن السفر إما سفر البحر أو البر، أما سفر البحر فالحامل هو السفينة، وأما سفر البر فالحامل هو الأنعام وههنا سؤالان: السؤال الأول: لم لم يقل على ظهورها؟ أجابوا عنه من وجوه الأول: قال أبو عبيدة التذكير لقوله ما والتقدير ما تركبون الثاني: قال الفرّاء أضاف الظهور إلى واحد فيه معنى الجمع بمنزل الجيش والجند، ولذلك ذكر وجمع الظهور الثالث: أن هذا التأنيث ليس تأنيثاً حقيقياً فجاز أن يختلف اللفظ فيه كما يقال عندي من النساء من يوافقك. السؤال الثاني: يقال ركبوا الأنعام وركبوا في الفلك وقد ذكر الجنسين فكيف قال تركبون؟ والجواب: غلب المتعدي بغير واسطة لقوته على المتعدي بواسطة. ثم قال تعالى: {ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ } ومعنى ذكر نعمة الله، أن يذكروها في قلوبهم، وذلك الذكر هو أن يعرف أن الله تعالى خلق وجه البحر، وخلق الرياح، وخلق جرم السفينة على وجه يتمكن الإنسان من تصريف هذه السفينة إلى أي جانب شاء وأراد، فإذا تذكروا أن خلق البحر، وخلق الرياح، وخلق السفينة على هذه الوجوه القابلة لتصريفات الإنسان ولتحريكاته ليس من تدبير ذلك الإنسان، وإنما هو من تدبير الحكيم العليم القدير، عرف أن ذلك نعمة عظيمة من الله تعالى، فيحمله ذلك على الانقياد والطاعة له تعالى، وعلى الاشتغال بالشكر لنعمه التي لا نهاية لها. ثم قال تعالى: {وَتَقُولُواْ سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ }. واعلم أنه تعالى عين ذكراً معيناً لركوب السفينة، وهو قوله { أية : بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } تفسير : [هود: 41] وذكراً آخر لركوب الأنعام، وهو قوله {سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا } وذكر عند دخول المنازل ذكراً آخر، وهو قوله { أية : رَّبّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ } تفسير : [المؤمنون: 29] وتحقيق القول فيه أن الدابة التي يركبها الإنسان، لا بد وأن تكون أكثر قوة من الإنسان بكثير، وليس لها عقل يهديها إلى طاعة الإنسان، ولكنه سبحانه خلق تلك البهيمة على وجوه مخصوصة في خلقها الظاهر، وفي خلقها الباطن يحصل منها هذا الانتفاع، أما خلقها الظاهر: فلأنها تمشي على أربع قوائم، فكان ظاهرها كالموضع الذي يحسن استقرار الإنسان عليه، وأما خلقها الباطن، فلأنها مع قوتها الشديدة قد خلقها الله سبحانه بحث تصير منقادة للإنسان ومسخّرة له، فإذا تأمل الإنسان في هذه العجائب وغاص بعقله في بحار هذه الأسرار، عظم تعجبه من تلك القدرة القاهرة والحكمة غير المتناهية، فلا بد وأن يقول {سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ } قال أبو عبيدة: فلان مقرن لفلان، أي ضابط له. قال الواحدي: وكان اشتقاقه من قولك ضرب له قرناً، ومعن أنا قرن لفلان، أي مثاله في الشدة، فكان المعنى أنه ليس عندنا من القوة والطاقة أن نقرن هذه الدابة والفلك وأن نضبطها، فسبحان من سخرها لنا بعلمه وحكمته وكمال قدرته، روى صاحب «الكشاف»: عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان إذا وضع رجليه في الركاب قال: « حديث : بسم الله، فإذا استوى على الدابة، قال الحمد لله على كل حال، سبحان الذي سخر لنا هذا، إلى قوله لمنقلبون » تفسير : وروى القاضي في «تفسيره»: عن أبي مخلد أن الحسن ابن علي عليهما السلام: رأى رجلاً ركب دابة، فقال سبحان الذي سخر لنا هذا، فقال له ما بهذا أمرت، أمرت أن تقول: الحمدلله الذي هدانا للإسلام، الحمدلله الذي من علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم، والحمد لله الذي جعلنا من خير أمة أخرجت للناس، ثم تقول: سبحان الذي سخر لنا هذا، وروي أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : أنه كان إذا سافر وركب راحلته، كبر ثلاثاً، ثم يقول: سبحان الذي سخّر لنا هذا، ثم قال: اللّهم إني أسألك في سفري هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، اللّهم هون علينا السفر واطوِ عنا بعد الأرض، اللّهم أنت الصاحب في السفر والخليفة على الأهل، اللّهم أصحبنا في سفرنا، وأخلفنا في أهلنا » تفسير : وكان إذا رجع إلى أهله يقول « حديث : آيبون تائبون، لربنا حامدون » تفسير : قال صاحب «الكشاف»: دلّت هذه الآية على خلاف قول المجبرة من وجوه الأول: أنه تعالى قال: {لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبّكُمْ } فذكره بلام كي، وهذا يدل على أنه تعالى أراد منا هذا الفعل، وهذا يدل على بطلان قولهم أنه تعالى أراد الكفر منه، وأراد الإصرار على الإنكار الثاني: أن قوله {لِتَسْتَوُواْ } يدل على أن فعله معلل بالأغراض الثالث: أنه تعالى بيّن أن خلق هذه الحيوانات على هذه الطبائع إنما كان لغرض أن يصدر الشكر على العبد، فلو كان فعل العبد فعلاً لله تعالى، لكان معنى الآية إني خلقت هذه الحيوانات لأجل أن أخلق سبحان الله في لسان العبد: وهذا باطل، لأنه تعالى قادر على أن يخلق هذا اللفظ في لسانه بدون هذه الوسايط. واعلم أن الكلام على هذه الوجوه معلوم، فلا فائدة في الإعادة. ثم قال تعالى: {وَإِنَّا إِلَىٰ رَبّنَا لَمُنقَلِبُونَ } واعلم أن وجه اتصال هذا الكلام بما قبله أن ركوب الفلك في خطر الهلاك، فإنه كثيراً ما تنكسر السفينة ويهلك الإنسان وراكب الدابة أيضاً كذلك لأن الدابة قد يتفق لها اتفاقات توجب هلاك الراكب، وإذا كان كذلك فركوب الفلك والدابة يوجب تعريض النفس للهلاك، فوجب على الراكب أن يتذكر أمر الموت، وأن يقطع أنه هالك لا محالة، وأنه منقلب إلى الله تعالى وغير منقلب من قضائه وقدره، حتى لو اتفق له ذلك المحذور كان قد وطن نفسه على الموت.

القرطبي

تفسير : . قوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ} يعني المشركين. {مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ} فأقرّوا له بالخلق والإيجاد، ثم عبدوا معه غيره جهلاً منهم. وقد مضى في غير موضع.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله، العابدين معه غيره: {مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ} أي: ليعترفن بأن الخالق لذلك هو الله وحده لا شريك له، وهم مع هذا يعبدون معه غيره من الأصنام والأنداد، ثم قال تعالى: {ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً} أي: فراشاً قراراً ثابتة، تسيرون عليها، وتقومون وتنامون وتتصرفون، مع أنها مخلوقة على تيار الماء، لكنه أرساها بالجبال لئلا تميد هكذا ولا هكذا، {وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} أي: طرقاً بين الجبال والأودية، أي: في سيركم من بلد إلى بلد، وقطر إلى قطر، {وَٱلَّذِى نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ} أي: بحسب الكفاية لزروعكم وثماركم، وشربكم لأنفسكم ولأنعامكم. وقوله تبارك وتعالى: {فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً} أي: أرضاً ميتة، فلما جاءها الماء، اهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج، ثم نبه تعالى بإحياء الأرض على إحياء الأجساد يوم المعاد بعد موتها، فقال: {كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} ثم قال عز وجل: {وَٱلَّذِى خَلَقَ ٱلأَزْوَٰجَ كُلَّهَا} أي: مما تنبت الأرض من سائر الأصناف من نبات وزروع وثمار وأزاهير وغير ذلك. ومن الحيوانات على اختلاف أجناسها وأصنافها {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ} أي: السفن {وَٱلأَنْعَـٰمِ مَا تَرْكَبُونَ} أي ذللها لكم، وسخرها ويسرها لأكلكم لحومها، وشربكم ألبانها، وركوبكم ظهورها، ولهذا قال جل وعلا: {لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ} أي: لتستووا متمكنين مرتفقين {عَلَىٰ ظُهُورِهِ} أي: على ظهور هذا الجنس، {ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ} أي: فيما سخر لكم {إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} أي: مقاومين، ولولا تسخير الله لنا هذا، ما قدرنا عليه. قال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة والسدي وابن زيد: مقرنين، أي: مطيقين، { وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ} أي: لصائرون إليه بعد مماتنا، وإليه سيرنا الأكبر، وهذا من باب التنبيه بسير الدنيا على سير الآخرة، كما نبه بالزاد الدنيوي على الزاد الأخروي في قوله تعالى: {أية : وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} تفسير : [البقرة: 197] وباللباس الدنيوي على الأخروي في قوله تعالى: {أية : وَرِيشًا وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ} تفسير : [الأعراف: 26]. ذكر الأحاديث الواردة عند ركوب الدابة (حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب) رضي الله عنه. قال الإمام: حدثنا يزيد، حدثنا شريك بن عبد الله عن أبي إسحاق، عن علي بن ربيعة قال: رأيت علياً رضي الله عنه أتي بدابة، فلما وضع رجله في الركاب قال: باسم الله، فلما استوى عليها قال: الحمد لله { سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ } ثم حمد الله تعالى ثلاثاً، وكبر ثلاثاً، ثم قال: سبحانك لا إله إلا أنت، قد ظلمت نفسي، فاغفر لي، ثم ضحك، فقلت له: مم ضحكت يا أمير المؤمنين؟ فقال رضي الله عنه: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل مثلما فعلت، ثم ضحك، فقلت: مم ضحكت يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : يعجب الرب تبارك وتعالى من عبده إذا قال: رب اغفر لي، ويقول: علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري» تفسير : وهكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث أبي الأحوص، زاد النسائي ومنصور عن أبي إسحاق السبيعي عن علي بن ربيعة الأسدي الوالبي به. وقال الترمذي: حسن صحيح، وقد قال عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة: قلت لأبي إسحاق السبيعي: ممن سمعت هذا الحديث؟ قال: من يونس بن خباب، فلقيت يونس بن خباب، فقلت: ممن سمعته؟ فقال: من رجل سمعه من علي بن ربيعة، ورواه بعضهم عن يونس بن خباب عن شقيق بن عقبة الأسدي عن علي بن ربيعة الوالبي به. (حديث عبد الله بن عباس) رضي الله عنهما. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا أبو بكر بن عبد الله عن علي ابن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أردفه على دابته، فلما استوى عليها، كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً، وحمد ثلاثاً، وسبح ثلاثاً وهلل الله واحدة، ثم استلقى عليه وضحك، ثم أقبل عليه فقال: «حديث : ما من امرىء مسلم يركب دابة، فيصنع كما صنعت، إلا أقبل الله عز وجل عليه، فضحك إليه كما ضحكت إليك» تفسير : تفرد به أحمد. (حديث عبد الله بن عمر) رضي الله عنهما. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن علي بن عبد الله البارقي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركب راحلته، كبر ثلاثاً، ثم قال: «حديث : سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون ــــ ثم يقول ــــ اللهم إني أسألك في سفري هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا السفر، واطو لنا البعيد، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا، واخلفنا في أهلنا»تفسير : . وكان صلى الله عليه وسلم إذا رجع إلى أهله قال: «حديث : آيبون تائبون إن شاء الله عابدون لربنا حامدون»تفسير : وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث ابن جريج، والترمذي من حديث حماد بن سلمة، كلاهما عن أبي الزبير به. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن عمرو بن الحكم بن ثوبان عن أبي لاس الخزاعي قال: حملنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على إبل من إبل الصدقة إلى الحج، فقلنا: يا رسول الله ما نرى أن تحملنا هذه، فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : ما من بعير إلا في ذروته شيطان، فاذكروا اسم الله عليها إذا ركبتموها كما آمركم، ثم امتهنوها لأنفسكم، فإنما يحمل الله عز وجل» تفسير : أبو لاس اسمه محمد بن الأسود بن خلف. (حديث آخر) في معناه ــــ قال أحمد: حدثنا عتاب، أخبرنا عبد الله "ح"، وعلي بن إسحاق، أخبرنا عبد الله، يعني: ابن المبارك، أخبرنا أسامة بن زيد، أخبرني محمد بن حمزة: أنه سمع أباه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : على ظهر كل بعير شيطان، فإذا ركبتموها، فسموا الله عز وجل، ثم لا تقصروا عن حاجاتكم».

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَئِنِ } لام قسم {سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ لَّيَقُولَنَّ } حذف منه نون الرفع لتوالي النونات. وواو الضمير لالتقاء الساكنين {خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ }آخر جوابهم اي الله ذو العزة والعلم،زاد تعالى:

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْداً} أي فراشاً. {وجَعَلَ لَكُم فِيهَا سُبُلاً} أي طرقاً. ويحتمل ثانياً: أي معايش. {لَعَلَّكُم تَهْتَدُونَ} فيه وجهان: أحدهما: تهتدون في أسفاركم، قاله ابن عيسى. الثاني: تعرفون نعمة الله عليكم، قاله سعيد بن جبير. ويحتمل ثالثاً: تهتدون إلى معايشكم. قوله عز وجل: {وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: الأصناف كلها، قاله سعيد بن جبير. الثاني: أزواج الحيوان من ذكر وأنثى، قاله ابن عيسى. الثالث: أن الأزواج الشتاء والصيف، والليل والنهار، والسموات والأرض، والشمس والقمر، والجنة والنار، قاله الحسن. ويحتمل رابعاً: أن الأزواج ما يتقلب فيه الناس من خيرٍ وشر، وإيمان وكفر، وغنى وفقر، وصحة وسقم. {وَجَعَلَ لَكُم مِّن الْفُلْكِ} يعني السفن. {والأنعام ما تركبون} في الأنعام هنا قولان: أحدهما: الإبل والبقر، قاله سعيد بن جبير. الثاني: الإبل وحدها: قاله معاذ. فذكرهم نعمه عليهم في تسييرهم في البر والبحر. ثم قال {لِتَسْتَوُواْ عَلَى ظُهُورِهَا} وأضاف الظهور إلى واحد لأن المراد به الجنس فصار الواحد في معنى الجمع. {ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} أي ركبتم. {وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا} أي ذلل لنا هذا المركب. {وَمَا كَنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ضابطين، قاله الأخفش. الثاني: مماثلين في الأيد والقوة، قاله قتادة من قولهم هو قرن فلان إذا كان مثله في القوة. الثالث: مطيقين، قاله ابن عباس والكلبي، وأنشد قطرب لعمرو بن معدي كرب. شعر : لقد علم القبائل ما عقيل لنا في النائبات بمقرنينا تفسير : وفي أصله قولان: أحدهما: أن أصله مأخوذ من الإقران، يقال أقرن فلان إذا أطاق. الثاني: أن أصله مأخوذ من المقارنة وهو أن يقرن بعضها ببعض في السير. وحكى سليمان بن يسار أن قوماً كانوا في سفر، فكانوا إذا ركبوا قالوا: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} وكان فيهم رجل على ناقة له رازم وهي لا تتحرك هزالاً فقال أما أنا فإني لهذه مقرن، قال فقصمت به فدقت عنقه.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ}: الآيةُ ابتداءُ احتجاجٍ علَىٰ قُرَيْشٍ يوجبُ عليهم التناقُضَ من حيث أَقرّوا بالخَالِقِ، وعَبَدُوا غيره، وجاءتِ العبارةُ عنِ اللَّه بـ{ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ}؛ ليكونَ ذلك تَوْطِئَةً لما عَدَّدَ سبحانه من أوصافه التي ابتدأَ الإخبار بها، وقَطَعَهَا من الكلام الذي حَكَىٰ معناه عن قُرَيْشٍ. وقوله تعالى: {ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} الآية، هذه أوصافُ فِعْلٍ، وهي نِعَمٌ من اللَّه سبحانه على البَشَرِ، تقوم بها الحُجَّةُ على كُلِّ مُشْرِكٍ. وقوله: {ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ} ليس هو مِنْ قَوْلِ المسؤولين، بل هو ابتداء إخبارٍ من اللَّه تعالى. وقوله سبحانه: {وَٱلَّذِى نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاءَ بِقَدَرٍ} قيل: معناه: بقدر في الكفاية للصلاح لا إكثار فَيَفْسُدَ، ولا قِلَّة فيقصر؛ بل غيثاً مُغِيثاً، وقيل: {بِقَدَرٍ} أي: بقضاء وحَتْمٍ، وقالت فرقة: معناه: بتقديرٍ وتحريرٍ، أي: قدر ماء معلوماً، ثم اختلف قائلُو هذه المقالة فقال بعضهم: ينزل في كلِّ عامٍ ماءً قَدْراً واحداً، لا يَفْضُلُ عامٌ عاماً، لكن يكثر مرَّةً ههنا ومرة ههنا، وقال بعضهم: بل ينزل تقديراً مَّا في عَامٍ، وينزل في آخرَ تقديراً مَّا، وينزل في آخر تقديراً آخرَ بِحَسَبِ ما سَبَقَ به قضاؤه لا إلٰه إلا هو. قُلْتُ: وبعض هذه الأقوالِ لا تُقَالُ من جهة الرأْيِ، بل لا بُدَّ لها من سَنَدٍ، و{أَنشَرْنَا} معناه: أَحْيَيْنَا؛ يقال: نُشِرَ المَيِّتُ وأَنْشَرَهُ اللَّهُ، والأزواجُ هنا الأنواعُ من كل شيْءٍ، و{مِنْ} في قوله: {مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَـٰمِ} للتبعيض، والضمير في {ظُهُورِهِ} عائدٌ على النوع المركوبِ الذي وقَعَتْ عليه «ما»، وقد، بَيَّنَتْ آية أخرَىٰ ما يقال عند ركوب الفُلْكِ، وهو: {أية : بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [هود:41] وإنما هذه خاصَّةٌ فيما يُرْكَبُ من الحيوان، وإنْ قَدَّرنا أَنَّ ذِكْر النعمة هو بالقَلْبِ، والتذكُّر بدء الراكِبُ بـ{سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا}، وهو يرى نعمة اللَّه في ذلك وفي سواه و{مُقْرِنِينَ} أي: مطيقين، وقال أبو حيَّان {مُقْرِنِينَ}: خبر كان، ومعناه غالبين ضابطين، انتهى، وهو بمعنى الأَوَّل، {وَإِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ} أَمْرٌ بالإقرار بالبعث. * ت *: وعن حمزة بن عمرو الأسلميِّ قال: قال رسولُ اللَّهِ ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ: «حديث : عَلَىٰ ظَهْرِ كُلِّ بَعِيرٍ شَيْطَانٌ، فَإذَا رَكِبْتُمُوهَا فَسَمُّوا اللَّهَ»تفسير : رواه ابن حِبَّان في «صحيحه»، انتهى من «السلاح»، وينبغي لمن مَلَّكَهُ اللَّه شيئاً من هذا الحيوان أَنْ يَرْفُقَ به ويُحْسِنَ إليه؛ لينالَ بذلك رضا اللَّه تعالى، قال القُشَيْرِيُّ في «التحبير»: وينبغي لِلْعَبْدِ أنْ يكُونَ مُعَظِّماً لِرَبِّه، نَفَّاعاً لخلقه، خيراً في قومه، مُشْفِقاً علَىٰ عباده؛ فَإنَّ رأس المعرفة تعظيمُ أمر اللَّه سبحانه، والشفقَةُ على خَلْقِ اللَّه، انتهى، ورَوَىٰ مالكٌ في «المُوَطَّإ» عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّه قال: «حديث : بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ إذِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْراً فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، فَخَرَجَ فَإذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَىٰ مِنَ العَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقَى فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإنَّ لَنَا في الْبَهَائِمِ أَجْرَاً؟! فَقَالَ: في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ»تفسير : . قال أبو عُمَرَ في «التمهيد»: وكذا في الإساءة إلى الحيوان إثْمٌ، وقد رَوَىٰ مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عمر؛ أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ في هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا، ولاَ هِيَ أَطْلَقَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ»تفسير : ، ثم أسند أبو عُمَرَ؛ «حديث : أَنَّ النبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ حَائِطاً مِنْ حِيطَانِ الأَنْصَارِ، فَإذَا جَمَلٌ قَدْ أُتِيَ فَجُرْجِرَ، وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَرَاتَهُ وَذِفْرَاهُ، فَسَكَنَ، فَقَالَ: مَنْ صَاحِبُ الجَمَلِ؟ فَجَاءَ فَتًى مِنَ الأنْصَارِ، فَقَالَ: هُوَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: أَمَا تَتَّقِي اللَّهَ في هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ؛ إنَّهُ شَكَا إلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وتُدْئِبُهُ» تفسير : ومعنى ذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، أي: قَطَرَتْ دموعُهما قطراً ضعيفاً، والسَّرَاةُ الظَّهْرُ، «والذِّفْرَىٰ»: ما وراءَ الأذنَيْن عن يمين النُّقْرَةِ وشِمَالِهَا، انتهى.

ابو السعود

تفسير : {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ} أي ليُسنِدُنَّ خلقَها إلى مَنْ هذا شأنُه في الحقيقةِ وفي نفسِ الأمرِ، لا أنَّهم يُعبِّرونَ عنه بهذا العُنوانِ. وسلوكُ هذه الطريقةِ للإشعارِ بأنَّ اتصافَهُ تعالى بَما سُردَ من جلائلِ الصفاتِ والأفعالِ وبما يستلزمُه ذلكَ من البعثِ والجزاءِ أمرٌ بـينٌ لا ريبَ فيهِ وأنَّ الحجةَ قائمةٌ عليهم شاؤُا أو أبَوا. وقد جُوِّزَ أن يكونَ ذلك عينَ عبارتِهم. وقوله تعالى {ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً} استئنافٌ من جهتِه تعالى أي بسَطَها لكُم تستقرُّونَ فيها. {وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} تسلكونَها في أسفارِكم {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أي لكيْ تهتدُوا بسلوكِها إلى مقاصدِكم أو بالتفكُّر فيها إلى التوحيد الذي هُو المقصدُ الأصليُّ.

القشيري

تفسير : كانوا يُقِرُّون بأنَّ اللَّهَ خالقُهم، وأنَّه خَلَقَ السماواتِ والأرضَ، وإنما اجحدوا حديثَ الأنبياءِ، وحديثَ البعثِ وجوازه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولئن سألتهم} يعنى قومك وهم قريش {من} استفهام بمعنى كه بالفارسية {خلق السموات والارض} اى الاجرام العلوية والسفلية {ليقولن} اعترافا بالصانع {خلقهن العزيز} فى حكمه وملكه {العليم} باحوال خلقه جه اين نوع آفرينش كار جاهل وعاجز نتواند بود بس درين آيت اخبار ميكند ازغايت جهل انسانكه مقرند بآفريننده قوى ودانا وعبادت غير او ميكويد. قال فى الارشاد ليسندن خلقها الى من هذا شأنه فى الحقيقة وفى نفس الامر لا انهم يعبرون عنه بهذا العنوان وقد جوز ان يكون ذلك عين عبارتهم وفى فتح الرحمن ومقتضى جواب قريش ان يقولوا خلقهن الله فلما ذكر الله تعالى المعنى جاءت العبارة عن الله بالعزيز العليم ليكون ذلك توطئة لما عدده بعد من اوصافه التى ابتدأ الاخبار بها وقطعها عن الكلام الذى حكى معناه عن قريش وهو قوله الذى وفى الآية اشارة الى ان فى جبلة الانسان معرفة لله مركوزة وذلك لان الله تعالى ذرأ ذريات بنى آدم من ظهورهم وأشهدهم على انفسهم بخطاب ألست بربكم فأسمعهم خطابه وعرفهم ربوبيته وفقههم لاجابته حتى قالوا بلى فصار ذلك الاقرار بذر ثمرة اقرارهم بخالقية الله تعالى فى هذا العالم لكن الله تعالى لعزته لا يهتدى الى سرادقات عزته الا من أعزه الله تعالى بجذبات عنايته وهو العليم الذى يعلم حيث يجعل رسالاته. اسم أعظم بكند كار خود اى دل خوش باش كه بتلبيس وحيل ديو سليمان نشود

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ولئن سألتهم} أي: المشركين {مَنْ خلق السماواتِ والأرضَ ليقولُنَّ خلقهن العزيزُ العليمُ} أي: ينسبون خلقها إلى مَن هذا وصفه في نفس الأمر؛ لا أنهم يُعبِّرون عنه بهذا العنوان. واختار هذن الوصفين للإيذان بانفراده بالإبداع والاختراع والتدبير؛ لأن العزة تُؤذن بالغلبة والاقتدار، والعلم يؤذن بالتدبُّر والاختيار، وليُرتب عليه ما ينسابه من الأوصاف، وهو قوله: {الذي جعل لكم الأرض مهاداً} أي: موضع قرار كالمهد المعلق في الهواء، {وجعل لكم فيها سُبُلاً} تسلكونها في أسفاركم {لعلكم تهتدون} أي: لكي تهتدوا بسلوكها إلى مقاصدكم، أو: بالتدبُّر فيها إلى توحيد ربكم، الذي هو المقصد الأصلي. {والذي نَزَّلَ من السماء ماء بِقَدَرِ}؛ بمقدار يسلم معه العباد، وتحتاج إليه البلاد، على ما تقتضيه مشيئته المبنية على الحِكَم والمصالح، {فأنشرنا به} أي: أحيينا بذلك الماء {بلدةً ميْتاً} خالياً عنه الماء والنبات. وقُرئ: "ميِّتاً" بالتشديد. وتذكيره؛ لأن البلدة بمعنى البلد. والالتفات إلى نون العظمة؛ لإظهار كمال العناية بأمر الإحياء والإشعار بعظيم خطره، {كذلك تُخرجون} أي: مثل ذلك الإحياء، الذي هو في الحقيقة: إخراج النبات من الأرض، تُخرجون من قبوركم أحياء. وفي التعبير عن إخراج النبات بالإنشاء، الذي هو إحياء الموتى، وعن إحيائهم بالإخراج؛ تفخيم لإن لشأن الإنبات، وتهوين لأمر البعث، لتقويم سَنَنِ الاستدلال، وتوضيح منهاج القياس. وهذه الجُمل، من قوله {الذي جعل...} استئناف منه تعالى، وليست من مقول الكفار؛ لأنهم يُنكرون الإخراج من القبول، بل الآية حجة عليهم في إنكار البعث، وكذا قوله: {والذي خلق الأزواجَ كلها}، أي: أصناف المخلوقات بحذافيرها، على اختلاف أنواعها وألوانها. وقيل: الأزواج: ما كان مزدوجاً، كالذكر والأنثى، والفوق والتحت، والأبيض والأسود، والحلو والحامض، وقيل: كل ما ظهر من الغيب فهو مزدوج. والفرد هو الله. {وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون} أي: ما تركبونه، يقال: ركبوا في الفلك، وركبوا الأنعام، فَغُلِّبَ المتعدّي بغير واسطة؛ لقوته على المتعدي بواسطة، فقيل: تركبونه. {لتستووا على ظهوره}: ولتستعلوا على ظهور ما تركبونه من الفُلك والأنعام، {ثم تذكروا نعمةَ ربكم إِذا استويتم عليه}؛ تذكروها بقلوبكم، معترفين بها بألسنتكم، مستعظمين لها، ثم تحمدوا عليها بألسنتكم، {وتقولوا سبحانَ الذي سَخَّرَ لنا هذا} أي: ذلَّل لنا هذا المركوب، متعجبين من ذلك {وما كُنا له مُقْرِنينَ}؛ مطيقين. يقال: أقرن الشي: إذا أطاقه، وأصله: وجده قرينه؛ لأن الصعب لا يكون قريناً للضعيف إلا إذا ذلّله الله وسهّله، {وإِنَّا إِلى ربنا لمنقلبون} أي: راجعون. وفيه إيذان بأن حق الراكب أن يذكر عند ركوبه مركب الدنيا، آخر مركبه منها، وهو: الجنازة؛ فيبني أموره في مسيره على تلك الملاحظة، حتى لا يخطر بباله شيء من زينة الدنيا، وملاهيها وأشغالها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه كان إذا وضع رجله في الركاب، قال:"بسم الله" فإذا استوى على الدابة قال: {الحمد لله الذي خسر لنا هذا...} إلى: {منقلبون}، ثم كبّر "ثلاثاً" وهلّل ثلاثاً، ثم قال:"حديث : اللهم اغفر لي.."تفسير : ، وحُكي أن قوماً ركبوا، وقالوا: {سبحان الذي سخّر لنا هذا...} الآية، وفيهم رجل على ناقة لا تتحرك هُزالاً، فقال: إني مقرن لهذه - أي مطيق - فسقط منها لوثبتها، واندقّت عنقه. وينبغي ألا يكون ركوبُ العاقل للشهرة والتلذُّذ، بل للاعتبار، فيحمد الله ويشكره على ما أولاه من نعمه، وسخَّر له من أنعامه. الإشارة: قد اتفقت الملل كلها على وجود الصانع، إلا مَن عِبْرة به من الفلاسفة، وإنما كفر مَن كفر بالإشراك، أو: بوصف الحق على غير ما هو عليه، أو: بجحد الرسول. وقد تواطأت الأدلة العقلية والسمعية على وجود الحق وظهوره، بظهور آثار قدرته، والصفة لا تُفارق الموصوف، فدلّ بوجود أثاره على وجود أسمائه، وبوجود أسمائه، على وجود أوصافه، وبثبوت أوصافه على وجود ذاته. فأهل السلوك يكشف لهم أولاً عن وجود آثاره، ثم عن أسمائه، ثم صفاته، ثم عن شهود ذاته. وأهل الجذب يكشف لهم أولاً عن ذاته، ثم عن أوصافه، ثم عن أسمائه، ثم عن آثاره، فربما التقيا في الطريق، هذا في ترقيه، وهذا في تدليه، كما في الحِكَم. وقوله تعالى: {الذي جعل لكم الأرض مهاداً...} الخ، قال القشيري: كما جَعلها قَراراً لأشباحهم، جَعَلَ الأشباحَ قراراً لأرواحهم؛ فهي سُكَّانُ النفوس، كما أن الخَلْق سُكَّانُ الأرضِ، فإذا انتهت مدةُ كَوْنِ النفوسِ، حَكَمَ اللّهُ بخرابها... كذلك إذا فارقت الأرواحُ الأشباحَ بالكُلِّية، قضى الله بخرابها. ثم قال في قوله: {فأنشرنا به بلدة ميتاً}؛ وكما يُحْيي الأرضَ بالمطَر يُحْيي القلوبَ بحُسن النَّظَر. والذي خلق من الأزواج أصنافَ الخَلْق، كذلك حبس عليكم الأحوالَ كلها، فمِنْ رغبةٍ في الخيرات، وخوفٍ يحملكم على تَرْكِ الزلاّت، ورجاءٍ يبعثكم على فعل الطاعات، طمعاً في المثوبات، وغير ذلك من فنون الصِّفات، وكما سَخَّرَ الأنعام، وأعظمَ المنَّة بذلك، سَخَّر للمؤمنين مركب التوفيق، بحْملهم عليه إلى بساط الطاعة، وسهَّل للمريدين مركبّ الإرادة، وحَمَلَهم عليه إلى عَرَصَات الجود، وفضاء الشهود، وسَهَّل للعارفين مركبَ الهِمّة، فأناخوا بالحضرة القدسية، وعند ذلك مَحَطُّ الكافة؛ ثم لا تخرق سرادقاتِ العزةِ هِمَّةُ مخلوقٍ، سواء كان ملَكاً مُقّرَّباً، أو نبيّاً مُرْسلاً، أو ولياً مُكَرَّماً. فعند سطواتِ العِزِّ يتلاشى كلُّ مخلوقٍ، ويقف وراءها كل مُحْدَثٍ مسبوق. هـ. ببعض المعنى. وسرادقات العز: حجاب الكبرياء، فلا تحصل الإحاطة بكُنه الربوبية لأحدٍ من الخلق. ولهذا يبقى الترقي أبداً للعارفين، في هذه الدار، وفي تلك الدار، ولا يحصل على غاية أسرار الربوبية أحد، ولو بقي يترقى أبداً سرمداً. والله تعالى أعلم. ثم أبطل مذهب أهل الشرك، فقال: {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ}.

الجنابذي

تفسير : {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ} فما لهم يقرّون بانّ الله خالق السّماوات والارض ويشركون به ما خلقوهم ونحتوهم بايديهم، أو يشركون ما خلقه بيده.

الأعقم

تفسير : {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض} أي ابتدأهما وأنشأهما، والكناية إلى من ترجع، قيل: لئن سألت الماضين أو لقيتهم، أو سألت من تريد منهم أو تمسك بطريقتهم، أو سألت عن كتبهم، وقيل: لو سألت كفار قريش لأنهم كانوا يقرّون بالله وأنه خالق السماوات والأرض {ليقولنّ خلقهن العزيز العليم} بكل معلوم {الذي جعل لكم الأرض مهاداً} أي فراشاً تستقرون عليها {وجعل لكم فيها سبلاً} أي طرقاً إلى مقاصدكم {لعلّكم تهتدون} لتهتدوا في أسفاركم إلى مقاصدكم، وقيل: لتهتدوا إلى الحق في الدين بالاعتبار الذي جعل لكم {والذي نزَّل من السماء ماء بقدرٍ} قيل: من جهة السماء وإنما هو من السحاب، وقيل: من السماء نفسه، بقدر يعني مقدار ما يحتاج إليه حتى لو نقص الأجل ولو زاد لأفسد {فأنشرنا به بلدة ميتاً} يعني أخرجنا النبات من بلدة ميتة يابسة لم يكن عليها النبات، ثم بيّن وجه الدلالة على الإِعادة فقال: {كذلك تخرجون} من قبوركم كما أحيينا البلدة الميتة {والذي خلق الأزواج} يعني أزواج الحيوان ذكراً وأنثى، وقيل: الأزواج الأصناف من الحيوانات {وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون} أي جعل الفلك مركباً في البحر والأنعام مركباً في البر {لتستووا على ظهوره} ليستوي الراكب على ظهره وينتفع بما في البر والبحر {ثم تذكروا نعمة ربكم} إذا استويتم عليه، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حديث : أنه كان إذا وضع رجله في الركاب قال: "بسم الله" فإذا استوى على الدابة قال: "الحمد لله على كل حال سبحان الذي سخر لنا هذا - إلى قوله - لمنقلبون" وكبر ثلاثاً وهلل ثلاثاً، وقالوا: إذا ركب السفينة قال: "بسم الله مجراها ومرساها ان ربي لغفور رحيم" تفسير : {إذا استويتم عليه} استقررتم عليه {وتقولوا سبحان الذي سخّر لنا هذا} أي ذلّل لنا حتى ركبناه {وما كنا له مقرنين} أي مطيقين {وإنا إلى ربنا لمنقلبون} فنحن إليه نصير في المعاد، فسخر هذا لمصالحنا ومنافعنا {وجعلوا له من عباده جزءاً} قيل: نصيباً، وبعضاً زعموا أن الملائكة بنات الله {إن الإِنسان لكفور} أي جحود لنعمه {مبين} ظاهر الكفران {أم اتخذ مما يخلق بناتٍ وأصفاكم بالبنين} أي كيف خصكم بالبنين واتخذ لنفسه بنات، فلو جاز عليه الولد لما اختار البنات على ما يزعمونه، فقد غلطوا من وجهين أحدهما جواز اتخاذ الولد في الأصل، والثاني اتخاذ البنات مع أنهم يكرهون ذلك لأنفسهم {وإذا بُشّر أحدهم بما ضَرب للرحمان مثلاً} يعني البنات التي أضافوها إليه {ظل وجهه مسودَّاً} من ذلك مبالغة في الكراهة {وهو كظيم} مملوء كرباً وغيظاً، ثم بيَّن حال النساء فقال سبحانه: {أو من ينشَّؤا في الحلية} في زينة النساء {وهو في الخصام غير مبين} في المنازعات والخصومات في أمور الدين والدنيا، وقوله: {غير مبين} أي لا يبين ولا يظهر الحجة لضعفهن {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمان إناثاً} أي قالوا: الملائكة بنات الله {تعالى الله عما يقولون علوّاً كبيراً} {أشهدوا خلقهم} أي أحضروا خلق الملائكة حتى شهدوا أنهم بنات الله؟ وقيل: شهدوا صورهم وخلقهم فعلموا أنهم إناث.

اطفيش

تفسير : {وَلَئِن سَأَلْتَهُم} أي قومك* {مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} احتجاج على قريش وغيرهم يوجب عليهم التناقض أقروا بالخالق وعبدوا غيره وأقروا أيضاً بعزته وعلمه ومع ذلك أنكروا قدرته على البعث لفرط جهلهم وذلك أخرجوا بهم وما بعده استدلال منه تعالى بذكر مصنوعاته ويجوز أن يكون {الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} لم يقولون لكنه من لازم قولهم خلقهن لله مما تضمنه أقم مقام هذا القول منهم الراء الزاما للحجة ولام لين دليل قسم محذوف ولام ليقولن لام جوابه وعلامة رفع يقول (نون) محذوفة كراهة ثلاثة نونات والفاعل واو محذوفة لسكون المدغم بعدها.

اطفيش

تفسير : عطف على أفنضرب عنكم الذكر الخ، تارة يقولون خلقهن الله، وتارة يقولون خلقهن العزيز العليم، معتقدين أنه عزيز عليم، مستدلين بخلقهن، أو يقولون خلقهن الله، فعبر الله عن نفسه بصفة العلم والعزة لتحققهما له فى نفس الأمر، ولو ذهلوا عنهما، أو أنكروهما مثل أن يقول لك بكر: بلغ السلام الى زيد فتقول: أمرنى بكر أن أبلغ السلام الى الشيخ زيد، أو الامام زيد، أو السلطان زيد، ونحو ذلك مما هو صفة زيد، أنكرها أمرك أو ذهل عنها أو أقرَّ بها، لكن لم يذكرها لك فى هو صفة زيد، أنكرها أمرك أو ذهل عنها أو أقرَّ بها، الى "أية : من نبات شتى" تفسير : [طه: 35].

الالوسي

تفسير : عطف على الخطاب السابق، والآيتان أعني قوله تعالى: {أية : وَكَمْ أَرْسَلْنَا} تفسير : [الزخرف: 6-7] اعتراض لإفادة التقرير والتسلية كما سمعت، والمراد ولئن سألتهم من خلق العالم ليسندن خلقه إلى من هو متصف بهذه الصفات في نفس الأمر لا أنهم يقولون هذه الألفاظ ويصفونه تعالى بما ذكر من الصفات ذكره الزمخشري فيما نسب إليه، وهذا حسن وله نظير عرفاً وهو أن واحداً لو أخبرك أن الشيخ قال كذا وعنى بالشيخ شمس الأئمة ثم لقيت شمس الأئمة فقلت: إن فلاناً أخبرني أن شمس الأئمة قال: كذا مع أن فلاناً لم يجر على لسانه إلا الشيخ ولكنك تذكر ألقابه وأوصافه فكذا هٰهنا الكفار يقولون: خلقهن الله لا ينكرون ثم إن الله عز وجل ذكر صفاته أي إن الله تعالى الذي يحيلون عليه خلق السمٰوات والأرض من صفته سبحانه كيت وكيت. وقال ابن المنير: إن {ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} من كلام المسؤولين وما بعد من كلامه سبحانه. وفي «الكشف» لا فرق بين ذلك الوجه وهذا في الحاصل فإنه حكاية كلام عنهم متصل به كلامه تعالى على أنه من تتمته وإن لم يكن قد تفوهوا به، وهذا كما يقول مخاطبك: أكرمني زيد فتقول: الذي أكرمك وحياك أو لجماعة آخرين حاضرين الذي أكرمكم وحياكم فإنك تصل كلامك بكلامه على أنه من تتمته ولكن لا تجعله من مقوله، والأظهر من حيث اللفظ ما ذكره ابن المنير وحينئذٍ يقع الالتفات في {أية : فَأَنشَرْنَا} تفسير : [الزخرف: 11] بعد موقعه، ونظير ذلك قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: {أية : لاَّ يَضِلُّ رَبّي وَلاَ يَنسَى}تفسير : [طه: 52] إلى قوله تعالى: {أية : فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مّن نَّبَـٰتٍ شَتَّىٰ} تفسير : [طه: 53] وفي إعادة الفعل في الجواب اعتناء بشأنه ومطابقته للسؤال من حيث المعنى على ما زعم أبو حيان لا من حيث اللفظ قال: لأن من مبتدأ فلو طابق في اللفظ لكان بالاسم مبتدأ دون الفعل بأن يقال: العزيز العليم خلقهن.

ابن عاشور

تفسير : لما كان قوله: { أية : وكم أرسلنا من نبي في الأولين } تفسير : [الزخرف: 6] موجهاً إلى الرّسول صلى الله عليه وسلم للتسلية والوعد بالنصر، عطف عليه خطاب الرّسول صلى الله عليه وسلم صريحاً بقوله: {ولئن سألتهم} الآية، لقصد التعجيب من حال الذين كذّبوه فإنهم إنما كذبوه لأنه دعاهم إلى عبادة إلـٰه واحد ونبْذِ عبادة الأصنام، ورأوا ذلك عجباً مع أنهم يقرّون لله تعالى بأنّهُ خالق العوالم وما فيها. وهل يستحق العبادةَ غيرُ خالق العابدين، ولأنّ الأصنام من جملة ما خلق الله في الأرض من حجارة، فلو سألهم الرّسول صلى الله عليه وسلم في محاجّته إياهم عن خالق الخلق لما استطاعوا غير الإقرار بأنه الله تعالى. فجملة {ولئن سألتهم} معطوفة على جملة { أية : وكم أرسلنا من نبي في الأولين } تفسير : [الزخرف: 6] عطف الغرض، وهو انتقال إلى الاحتجاج على بطلان الإشراك بإقرارهم الضِمْنيّ: أن أصنامهم خالية عَن صفة استحقاقِ أنْ تُعبد. وتأكيد الكلام باللام الموطئة للقسم ولام الجواب ونون التوكيد لتحقيق أنهم يجيبون بذلك تنزيلاً لغير المتردد في الخبر منزلة المتردّد، وهذا التنزيل كناية عن جدارة حالتهم بالتعجيب من اختلال تفكيرهم وتناقض عقائدهم وإنّما فُرض الكشف عن عقيدتهم في صورة سؤالهم عن خالقهم للإشارة إلى أنهم غافلون عن ذلك في مجرى أحوالهم وأعمالهم ودعائهم حتى إذا سألهم السائل عن خالقهم لم يتريّثوا أن يجيبوا بأنه الله ثم يرجعون إلى شركهم. وتاء الخطاب في {سألتهم} للنبي صلى الله عليه وسلم وهو ظاهر سياق التسلية، أو يكون الخطاب لغير معيّن ليعمّ كل مخاطب يتصور منه أن يسألهم. و{العزيز العليم} هو الله تعالى. وليس ذكر الصفتين العليتين من مقول جوابهم وإنما حكي قولهم بالمعنى، أي ليقولن خلقهنّ الذي الصفتان من صفاته، وإنما هم يقولون: خلقهن الله، كما حكي عنهم في سورة لقمان (25) و { أية : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولُنّ الله }. تفسير : وذلك هو المستقرَى من كلامهم نثراً وشعراً في الجاهلية. وإنما عُدل عن اسم العليّ إلى الصفتين زيادة في إفحامهم بأن الذي انصرفوا عن توحيده بالعبادة عزيز عليم، فهو الذي يجب أن يرجوه النّاس للشدائد لعزّته وأن يخلصوا له باطنهم لأنه لا يخفى عليه سرّهم، بخلاف شركائهم فإنها أذلّة لا تعلم، وإنهم لا ينازعون وصفه بــ{العزيز العليم}. وتخصيص هاتين الصفتين بالذكر من بين بقية الصفات الإلـٰهية لأنها مضادة لصفات الأصنام فإن الأصنام عاجزة عن دفع الأيدي. والتقدير: ولئن سألتهم مَن خلق السماوات والأرض ليقولُنّ الله، وإن سألتهم: أهو العزيز العليم.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ}. وقد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} تفسير : [الإسراء: 9].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ولئن سألتهم: أي ولئن سألت هؤلاء المشركين من قومك يا رسولنا. من خلق السماوات والأرض: أي من بدأ خلقهنّ وأوجدهن ليقولن خلقهن الله ذو العزة والعلم. الذي جعل لكم الأرض مهاداً: أي الله الذي جعل لكم الأرض فراشا كالمهد للصبي. وجعل لكم فيها سبلا: أي طرقا. لعلكم تهتدون: أي إلى مقاصدكم في أسفاركم. ماء بقدر: أي على قدر الحاجة ولم يجعله طوفاناً مغرقاً ومهلكاً. فأنشرنا به بلدة ميتا: أي فَأَحْيَيْنَا به بلدة ميتا أي لا نبات فيها ولا زرع. كذلك تخرجون: أي مثل هذا الإِحياء للأرض الميتة بالماء تحيون أنتم وتخرجون من قبوركم. والذي خلق الأزواج كلها: أي خلق كل شيء إذا الأشياء كلها زوج ولم يعرف فرد إلا الله. وجعل لكم من الفلك والأنعام: أي السفن، والإِبل. لتستووا على ظهوره: أي تستقروا على ظهور ما تركبون. وما كنا له مقرنين: أي مطيقين ولا ضابطين. وإنا إلى ربنا لمنقلبون: أي لصائرون إليه راجعون. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في دعوة المشركين إلى التوحيد بقوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ} أي ولئن سألت يا رسولنا هؤلاء المشركين من قومك قائلاً من خلق السماوات والأرض أي من أنشأهن وأوجدهن بعد عدم لبادروك بالجواب قائلين الله ثم هم مع اعترافهم بربوبيته تعالى لكل شيء يشركون في عبادته أصناماً وأوثاناً. في آيات أخرى صرحوا باسم الجلالة الله وفي هذه الآية قالوا: العزيز العليم أي الله ذو العزة التي لا ترام والعلم الذي لا يحاط به. وقوله تعالى: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً} أي فراشاً وبساطاً كمهد الطفل وهذا من كلام الله تعالى لا من كلام المشركين إذْ انتهى كلامهم عند العزيز العليم فلما وصفوه تعالى بصفتي العزة والعلم ناسب ذلك ذكر صفات جليلة أخرى تعريفاً لهم بالله سبحانه وتعالى فقال تعالى: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً} أي بساطاً وفراشاً، وجعل لكم فيها سبلاً أي طرقاً لعلكم تهتدون إلى مقاصدكم لنيل حاجاتكم في البلاد هنا وهناك، والذي نزل من السماء ماء بقدر وهو المطر بقدر أي بكميات موزونة على قدر الحاجة منها فلم تكن ضحلة قليلة لا تنفع ولا طوفاناً مغرقا مهلكاً، وقوله {فَأَنشَرْنَا} أي أحيينا بذلك المطر بلدة ميتا أي أرضا يابسة لا نبات فيها ولا زرع. وقوله {كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} أي مثل ذلك الأحياء للأرض الميتة يحييكم تعالى ويخرجكم من قبوركم أحياء. وقوله {وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا} هذا وصف آخر له تعالى بأنه خلق الأزواج كلها من الذكر والأنثى، والخير والشر والصحة والمرض، والعدل والجور، إذْ لا فرد إلا هو سبحانه وتعالى وفي الحديث الصحيح الله وتر يحب الوتر قل هو الله أحد وقوله {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ} هذا وصف آخر بصفاته الفعلية الدالة على وجوده وقدرته وعلمه والموجبة لألوهيته إذ جعل للناس من الفلك أي السفن ما يركبون ومن الأنعام كالإِبل ومن البهائم كالخيل والبغال والحمير كذلك وقوله {لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ} أي تستقروا على ظهوره أي ظهور ما تركبون، ثم تذكروا نعمة ربكم بقلوبكم إذا استويتم عليه وتقولوا بألسنتكم سبحان الذي سخر لنا هذا أي الله لنا واقدرنا على التحكم فيه، وما كنا له أي لذلك الحيوان المركوب بمقرنين أي بمطيقين ولا ضابطين لعجزنا وقوته، {وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ} أي لصائرون إليه بعد موتنا راجعون. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير التوحيد يذكر صفات الربوبية المقتضية للألوهية. 2- تقرير عقيدة البعث والجزاء. 3- معجزة القرآن في الأخبار بالزوجية وقد قرر العلم الحديث نظام الزوجية وحتى في الذرة فهي زوج موجب وسالب. 4- مشروعية التسمية والذكر عند ركوب ما يركب فإن كان سفينة أو سيارة قال العبد بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم، وإن كان حيواناً قال عند الشروع باسم الله وإذا استوى قاعداً: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون.

د. أسعد حومد

تفسير : {لَئِن} {ٱلسَّمَاوَاتِ} (9) - وَإِذَا سَأَلْتَ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمِكَ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ؟ اعْتَرَفُوا بِأَنَّ خَالِقَهُنَّ هُوَ اللهُ العَزِيزُ فِي سُلْطَانِهِ وَانْتِقَامِهِ، العَلِيمُ بِهِنَّ وَبِمَا فَوْقَهُنَّ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق سبحانه يريد أنْ يُبيِّن لهم أنهم يُكذِّبون رسول الله، ويُصادمون دعوته استكباراً وعناداً، ولا يعتمدون في ذلك على منطق العقل والحكمة، ويأخذ هذه الحقيقة ويُثبتها من لسانهم هم: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ} [الزخرف: 9]. وفي موضع آخر: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ..} تفسير : [الزخرف: 87] فهذه حقيقة لا ينكرونها ويعترفون بها، لأن مسألة الخَلْق هذه لم يدَّعِها أحدٌ لنفسه ولم يقُمْ لها منازع. أولاً عجيبٌ منهم أنْ يؤمنوا بأن الله هو الخالق، وأنه عزيز وعليم، ومع ذلك يقفون من رسول الله هذا الموقف المعاند، ثم لماذا لم يقولوا مثلاً خلقهنَّ الله لأنه ليس له منازع، ووصفوا الحق سبحانه بالعزيز العليم؟ قالوا: لأنهم اتبعوا مناهج آبائهم وظنوا أنها الأحسن، فقالوا: {أية : بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ ..} تفسير : [البقرة: 170] فصدَّهم هذا عن اتباع الحق. ومعنى {ٱلْعَزِيزُ} [الزخرف: 9] أي: الغالب الذي لا يُغلب، فهم إذن ردُّوا على أنفسهم، فهم مهما عملوا فلابدَّ أنْ يُغلبوا. وقولهم في وَصْف الحق سبحانه: {ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ} [الزخرف: 9] من باب أن المتكلم يمكن أنْ يزيد من عنده ما لم يُلْقَ إليه، كما لو أنك أرسلتَ شخصاً برسالة وقلتَ له: اذهب إلى فلان. هكذا بدون ألقاب وبدون أوصاف - وقُلْ له كذا وكذا. فحين يذهب الرسول يقول: والله فلان قال لي اذهب إلى الشيخ فلان، أو الأستاذ فلان، وقُلْ له كذا وكذا فيزيد الوصف من عند نفسه، كذلك هؤلاء يقولون {خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ} [الزخرف: 9] لأنهم يعلمون أن الله تعالى عزيز وعليم. ثم أراد سبحانه أنْ يُبيِّن لهم قدرته وعلمه، فقال: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً ..} [الزخرف: 10] والمهد في الأصل هو الفراش الممهَّد الذي يستريح فيه الطفل جُلُوساً أو نوماً، ومنه نقول طريق مُمهَّد يعني: مُعد ومُسوَّى بحيث يريح مَنْ يمشي عليه. فالحق يُشبِّهنا بالأطفال، والطفل لا يستطيع أنْ يُمهِّد لنفسه، فلولا أن الله مهَّد لنا الأرض ما قدرنا نحن على تمهيدها. {وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً ..} [الزخرف: 10] يعني: طرقاً تسلكونها وتنتقلون عليها من مكان لآخر، لأن مصالح الخَلْق تقتضي الانتقال من مكان إقامتهم إلى أماكن مصالحهم {لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الزخرف: 10] أي: في سيركم إلى مصالحكم وأغراضكم. الحق سبحانه حين يمتنُّ عليهم ببعض نِعَمه عليهم إنما ليُرقِّق قلوبهم ويستميلهم إلى ساحته، لعلهم يهتدون إليه ويؤمنون به ويُصدِّقون برسوله.

الجيلاني

تفسير : {وَ} كيف لا يجري عليهم ما جرى على أسلافهم مع أنهم أعظم جرماً وأكبر إنكاراً منهم، ومن إنكارهم أنهم {لَئِن سَأَلْتَهُمْ} أي: مشركي مكة يا أكمل الرسل: {مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} وأوجدهما من كتم العدم {لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ} الغالب على الخلق والإيجاد {ٱلْعَلِيمُ} [الزخرف: 9] المطلع على سرائر ما أوجد وإظهر. ومع اعترافهم بأخص أوصاف الفاعل المختار، وإقرارهم باستناد الأمور المتقنة إلى أوصافه وأسمائه، أنكروا وحدة ذاته، وأشركوا معه غيره عتواً وعناداً، قل لهم يا أكمل الرسل بعدما بالغوا في الإنكار والإصرار: كيف تنكرون وحدة الحق أيها الجاحدون المنكرون مع أن الله {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً} تستقرون فيها، وتتوطنون عليها مترفهين متنعمين {وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} لمعاشكم، تطلبون منها حوائجكم، وطرقاً تصلون منها إلى معادكم {لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الزخرف: 10] بها إلى وحدة ربكم. {وَ} كيف تنكروف وجود موجدكم {ٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} أي: من عالم الأسباب {مَآءً} محيياً لأموات المسببات {بِقَدَرٍ} معتدل معتاد {فَأَنشَرْنَا بِهِ} أي: أحيينا وأخضررنا بإجراء الماء المحيي {بَلْدَةً} جافاً يابساً لا نبات فيها، ولا خضرة لها {مَّيْتاً كَذَلِكَ} أي: مثل إخراجنا النبات من الأرض اليابسة بإنزال الماء {تُخْرَجُونَ} [الزخرف: 11] وتنشرون؛ أي: الموتى حال كونكم موتى من قبورهم بنفخ الروح فيكم تارةً أخرى. {وَ} كيف تجحدون وتنكرون وجود الصانع الحكيم ووحدته مع أنه {ٱلَّذِي خَلَقَ} وأظهر {ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا} أي: جميع أصناف المخلوقات من زوجات ممتزمجات {وَجَعَلَ لَكُمْ} تتميماً لأمور معاشكم وتسهيلاً لها {مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ} [الزخرف: 12] أي تركبونه. {لِتَسْتَوُواْ} وتتمكنوا {عَلَىٰ ظُهُورِهِ} أي: ظهور ما خلق لكم من المراكب {ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} كيف أفاض عليكم من النعم أصولها وفروعها، وتواظبوا على شركها أداء لحق شيء منها {وَتَقُولُواْ} عند استوائكم عليها: {سُبْحَانَ ٱلَّذِي} أي: تنزه وتقدس عن شوب النقص والاستكمال ذات القرار العليم الحكيم، الذي {سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا} المركوب {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} [الزخرف: 13] مطيقين لتسخيره لولا إقراره وستخيره سبحانه لنا. {وَ} بالجملة: {إِنَّآ} في عموم أوصافنا وأحوالنا وذواتنا {إِلَىٰ رَبِّنَا} الذي أظهرنا بمد أظلال أسمائه الحسنى وصفاته العليا علينا، وربانا بمقتضى لطفه بالنعم الأوفى {لَمُنقَلِبُونَ} [الزخرف: 14] راجعون إليه، صائرون نحوه بعد انخلاعنا عن لوازم ناسوتنا وارتفاع غشاوة تعيناتنا عنَّا. وإنما أوصله به تنبيهاً على أن العبد العارف لا بدَّ أن يكون في عموم انقلاباته وحالاته مسترجعاً إلى الله، عازماً نحو الفناء فيه، متذكراً لموطنه الأصلي ومقره الحقيقي.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن فضله مع الكفار بتوفيقهم للإقرار بقوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ} [الزخرف: 9] يشير إلى أن جبلة الإنسان معرفة الله مركوزة وذلك؛ لأن الله تعالى أخذ ذرات ذريات بني آدم من ظهورهم وأشهدهم على أنفسهم بخطاب: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} تفسير : [الأعراف: 172]، فاسمعهم خطابه وعرفهم بربوبيته ووفقهم لإجابته حتى قالوا: بلى، فصار ذلك الإقرار بذر ثمرة إقرارهم بخالقية الله تعالى في هذا العالم الذي هو العزيز، فلعزته لا يهتدي إلى سرادقات عزته إلا من أعزه بجذبات عناية العليم الذي يعلم {أية : حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}تفسير : [الأنعام: 124]، {أية : وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ}تفسير : [الأنعام: 117] بكمال حكمته، وبقوله: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً} [الزخرف: 10] يشير إلى أرض النفس إنه جعلها قراراً للروح {وَجَعَلَ لَكُمْ} [الزخرف: 10]؛ أي: للأرواح {فِيهَا سُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الزخرف: 10] إلى حضرة الربوبية إذا جاءتهم في الله كما قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} تفسير : [العنكبوت: 69]، {وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} [الزخرف: 11] سماء الروح {مَآءً} [الزخرف: 11] ماء الهداية {بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً} [الزخرف: 11]؛ أي: فأحيينا به بلدة القلب الميت {كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} [الزخرف: 11] من ظلمات أرض الوجود بإحياء الأرواح إلى نور الله؛ ليحيا به كما قال: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} تفسير : [الأنعام: 122]، {وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا} [الزخرف: 12]؛ أي: أصناف الخلق وأنواع المخلوقات كما قال: {أية : مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [يس: 36]، {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ} [الزخرف: 12]؛ أي: فلك القلوب وأنعام النفوس {مَا تَرْكَبُونَ}. {لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ} [الزخرف: 13] بتسخيرها لركوبكم {إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا} [الزخرف: 13] ولو لم ينعم علينا بتسخيرها {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} [الزخرف: 13] مطيعين لتسخيرها، {وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ} [الزخرف: 14] كما جئت أول مرة كما قال: {أية : كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} تفسير : [الأنبياء: 104] فكان بدء خلقنا بإشارة أمركن أخرج أرواحنا من كتم العدم إلى عالم الملكوت، ثم بنفخة الخاصة رددنا أسفل سافلين القالب وهو عالم الملك، ثم بجذبة {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ}تفسير : [الفجر: 28] أعادنا على مركب النفوس من عالم الملك إلى ساحل بحر الملكوت، ثم سخر لنا فلك القلوب وسيرنا في بحر الملكوت إلى عالم الربوبية. وبقوله: {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} [الزخرف: 15] يشير إلى خصوصية الإنسان بكفران النعمة لله تعالى؛ لأنه عز وجل بعد أن أنعم على الإنسان باستعداد الرجوع إلى الحضرة وهيأ أسبابه للرجوع، جعلوا الملائكة وهم عباده جزء منه بأنهم قالوا هم بنات الله، والبنت تكون جزء من والدها ولهذا قال: {إِنَّ ٱلإنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ} [الزخرف: 15]، {أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِٱلْبَنِينَ} [الزخرف: 16].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن المشركين، أنك لو { سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ } الله وحده لا شريك له، العزيز الذي دانت لعزته جميع المخلوقات، العليم بظواهر الأمور وبواطنها، وأوائلها وأواخرها، فإذا كانوا مقرين بذلك، فكيف يجعلون له الولد والصاحبة والشريك؟! وكيف يشركون به من لا يخلق ولا يرزق، ولا يميت ولا يحيي؟! ثم ذكر أيضا من الأدلة الدالة على كمال نعمته واقتداره، بما خلقه لعباده من الأرض التي مهدها وجعلها قرارا للعباد، يتمكنون فيها من كل ما يريدون. { وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا } أي: جعل منافذ بين سلاسل الجبال المتصلة، تنفذون منها إلى ما وراءها من الأقطار. { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } في السير في الطرق ولا تضيعون، ولعلكم تهتدون أيضا في الاعتبار بذلك والادكار فيه. { وَالَّذِي نزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ } لا يزيد ولا ينقص، ويكون أيضا بمقدار الحاجة، لا ينقص بحيث لا يكون فيه نفع، ولا يزيد بحيث يضر العباد والبلاد، بل أغاث به العباد، وأنقذ به البلاد من الشدة، ولهذا قال: { فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا } أي: أحييناها بعد موتها، { كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ } أي: فكما أحيا الأرض الميتة الهامدة بالماء، كذلك يحييكم بعد ما تستكملون في البرزخ، ليجازيكم بأعمالكم. { وَالَّذِي خَلَقَ الأزْوَاجَ كُلَّهَا } أي: الأصناف جميعها، مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون، من ليل ونهار، وحر وبرد، وذكر وأنثى، وغير ذلك. { وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ } أي: السفن البحرية، الشراعية والنارية، مَا تَرْكَبُونَ { و } من { الأنعام ما تركبون لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ } وهذا شامل لظهور الفلك ولظهور الأنعام، أي: لتستقروا عليها، { ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ } بالاعتراف بالنعمة لمن سخرها، والثناء عليه تعالى بذلك، ولهذا قال: { وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ } أي: لولا تسخيره لنا ما سخر من الفلك، والأنعام، ما كنا مطيقين لذلك وقادرين عليه، ولكن من لطفه وكرمه تعالى، سخرها وذللها ويسر أسبابها. والمقصود من هذا، بيان أن الرب الموصوف بما ذكره، من إفاضة النعم على العباد، هو الذي يستحق أن يعبد، ويصلى له ويسجد.