Verse. 4337 (AR)

٤٣ - ٱلْزُّخْرُف

43 - Az-Zukhruf (AR)

وَالَّذِيْ خَلَقَ الْاَزْوَاجَ كُلَّہَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْفُلْكِ وَالْاَنْعَامِ مَا تَرْكَبُوْنَ۝۱۲ۙ
Waallathee khalaqa alazwaja kullaha wajaAAala lakum mina alfulki waalanAAami ma tarkaboona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك» السفن «والأنعام» كالإبل «ما تركبون» حذف العائد اختصاراً، وهو مجرور في الأول، أي فيه منصوب في الثاني.

12

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ} أي واللّهُ الذي خلق الأزواج. قال سعيد بن جبير: أي الأصناف كلها. وقال الحسن: الشتاء والصيف والليل والنهار والسموات والأرض والشمس والقمر والجنة والنار. وقيل: أزواج الحيوان من ذكر وأنثى؛ قاله ابن عيسى. وقيل: أراد أزواج النبات؛ كما قال تعالى: {أية : وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} تفسير : [قۤ: 7] و {أية : مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ}تفسير : [الشعراء: 7]. وقيل ما يتقلّب فيه الإنسان من خير وشر، وإيمان وكفر، ونفع وضر، وفقر وغنى، وصحة وسقم. قلت: وهذا القول يعم الأقوال كلها ويجمعها بعمومه. {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ} السفن {وَٱلأَنْعَامِ} الإبل {مَا تَرْكَبُونَ} في البر والبحر. {لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ} ذكر الكناية لأنه ردّه إلى ما في قوله: «ما تَرْكَبُونَ»؛ قاله أبو عبيد. وقال الفرّاء: أضاف الظهور إلى واحد لأن المراد به الجنس، فصار الواحد في معنى الجمع بمنزلة الجيش والجند؛ فلذلك ذكر، وجمع الظهور، أي على ظهور هذا الجنس. الثانية ـ قال سعيد بن جبير: الأنعام هنا الإبل والبقر. وقال أبو معاذ: الإبل وحدها؛ وهو الصحيح لقوله عليه السلام: حديث : «بينما رجل راكب بقرة إذ قالت له لَمْ أخلق لهذا إنما خلقت للحرث فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «آمنت بذلك أنا وأبو بكر وعمر»تفسير : . وما هما في القوم. وقد مضى هذا في أوّل سورة «النحل» مستوفى والحمد لله. الثالثة ـ قوله تعالى: {لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ} يعني به الإبل خاصة بدليل ما ذكرنا، ولأن الفلك إنما تركب بطونها، ولكنه ذكَرهما جميعاً في أوّل الآية وعطف آخرها على أحدهما. ويحتمل أن يجعل ظاهرها باطنها؛ لأن الماء غمره وستره وباطنها ظاهراً؛ لأنه ٱنكشف للظاهرين وظهر للمبصرين. الرابعة ـ قوله تعالى: {ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} أي ركبتم عليه وذِكر النعمة هو الحمد لله على تسخير ذلك لنا في البر والبحر. {وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا} أي ذلّل لنا هذا المركب. وفي قراءة عليّ بن أبي طالب «سُبْحَانَ مَنْ سَخَّرَ لَنَا هَذَا». {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} أي مطيقين؛ في قول ٱبن عباس والكلبي. وقال الأخفش وأبو عبيدة: «مُقْرِنِينَ» ضابطين. وقيل: مماثلين في الأيد والقوّة؛ من قولهم: هو قِرن فلان إذا كان مثله في القوّة. ويقال: فلان مُقْرِن لفلان أي ضابط له. وأقرنت كذا أي أطقته. وأقرن له أي أطاقه وقوِي عليه؛ كأنه صار له قِرْناً. قال الله تعالى: {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} أي مطيقين. وأنشد قُطْرُب قول عمرو بن مَعْدِيَكرِب:شعر : لقد علم القبائل ما عُقيلٌ لنا في النائبات بمقرنينا تفسير : وقال آخر:شعر : ركبتم صَعْبَتي أشَراً وَحَيْفاً ولستم للصّعاب بمقرنينا تفسير : والمُقْرِن أيضاً: الذي غلبته ضَيعته؛ يكون له إبل أو غنم ولا معين له عليها، أو يكون يسقِي إبله ولا ذائد له يذودها. قال ٱبن السِّكّيت: وفي أصله قولان: أحدهما ـ أنه مأخوذ من الإقران؛ يقال: أقرن يقرن إقراناً إذا أطاق. وأقرنت كذا إذا أطقته وحكمته؛ كأنه جعله في قرن ـ وهو الحبل ـ فأوثقه به وشدّه. والثاني ـ أنه مأخوذ من المقارنة وهو أن يقرن بعضها ببعض في السير؛ يقال: قرنت كذا بكذا إذا ربطته به وجعلته قرينه. الخامسة ـ علمنا الله سبحانه ما نقول إذا ركبنا الدواب، وعرّفنا في آية أخرى على لسان نوح عليه السلام ما نقول إذا ركبنا السفن؛ وهي قوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [هود: 41] فكم من راكب دابة عثرت به أو شَمَسَت أو تَقَحّمت أو طاح من ظهرها فهلك. وكم من راكبين في سفينة ٱنكسرت بهم فغرِقوا. فلما كان الركوب مباشرةَ أمرٍ محظور وٱتصالاً بأسباب من أسباب التلف أمر ألاّ ينسى عند ٱتصاله به يومه، وأنه هالك لا محالة فمنقلب إلى الله عز وجل غير منفلت من قضائه. ولا يدع ذكر ذلك بقلبه ولسانه حتى يكون مستعداً للقاء الله بإصلاحه من نفسه. والحذر من أن يكون ركوبه ذلك من أسباب موته في علم الله وهو غافل عنه. حكى سليمان بن يسار أن قوماً كانوا في سفر فكانوا إذا ركبوا قالوا: «سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ» وكان فيهم رجل على ناقة له رازم ـ وهي التي لا تتحرّك هزالاً، (الرازم من الإبل: الثابت على الأرض لا يقوم من الهزال. أو قد رَزَمت الناقة تَرْزُم وترزِم رزوماً ورزاماً: قامت من الإعياء والهزال فلم تتحرك؛ فهي رازم. قاله الجوهري في الصحاح). فقال: أمّا أنا فإني لهذه لمقرِن، قال: فقمصت به فدقت عنقه. وروي أن أعرابياً ركب قعوداً له وقال إني لمقرن له فركضت به القعود حتى صرعته فاندقّت عنقه. ذكر الأوّل الماوردي والثاني ٱبن العربي. قال: وما ينبغي لعبد أن يدع قول هذا وليس بواجب ذكره باللسان؛ فيقول متى ركب وخاصة في السفر إذا تذكر: «سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ. وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ» اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل والمال، اللهم إني أعوذ بك من وَعْثاء السفر، وكآبة المنقلَب، والجَوْر بعد الكَوْر، وسوء المنظر في الأهل والمال؛ يعني بـ «ـالجور بعد الكور» تشتت أمر الرجل بعد ٱجتماعه. وقال عمرو بن دِينار: ركبت مع أبي جعفر إلى أرضٍ له نحو حائط يقال لها مدركة، فركب على جمل صَعْب فقلت له: أبا جعفر! أما تخاف أن يصرعك؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«حديث : على سنام كل بعير شيطان إذا ركبتموها فاذكروا ٱسم الله كما أمركم ثم ٱمتهنوها لأنفسكم فإنما يحمل الله»تفسير : . حديث : وقال عليّ بن ربيعة: شهدت عليّ بن أبي طالب ركب دابة يوماً فلما وضع رجله في الركاب قال: باسم الله، فلما ٱستوى على الدابة قال الحمد لله، ثم قال: «سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ. وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ» ثم قال: الحمد لله والله أكبر ـ ثلاثاً ـ اللهم لا إلٰه إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت؛ ثم ضحك فقلت له: ما أضحكك؟ قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع كما صنعت، وقال كما قلت؛ ثم ضحك فقلت له ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: «العبد ـ أو قال ـ عجباً لعبد أن يقول اللهم لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فٱغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيره»تفسير : . خرجه أبو داود الطيالسي في مسنده، وأبو عبد الله محمد بن خُوَيْزِمَنْدَاد في أحكامه. وذكر الثعلبيّ نحوه مختصراً عن عليّ رضي الله عنه، ولفظه عنه: حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا وضع رجله في الركاب قال: «باسم الله ـ فإذا استوى قال ـ الحمد لله على كل حال سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون وإذا نزلتم من الفلك والأنعام فقولوا اللهم أنزلنا منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين»تفسير : . وروى ٱبن أبي نجيح عن مجاهد قال: من ركب ولم يقل «سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ» قال له الشيطان تَغَنَّه؛ فإن لم يحسن قال له تمنّه؛ ذكره النحاس. ويستعيذ بالله من مقام من يقول لقرنائه: تعالَوْا نتنزه على الخيل أو في بعض الزوارق؛ فيركبون حاملين مع أنفسهم أواني الخمر والمعازف، فلا يزالون يستقون حتى تُمَلّ طِلاهم وهم على ظهور الدواب أو في بطون السفن وهي تجري بهم، لا يذكرون إلا الشيطان، ولا يمتثلون إلا أوامره. الزَّمخشِريّ: ولقد بلغني أن بعض السلاطين ركب وهو يشرب الخمر من بلد إلى بلد بينهما مسيرة شهر، فلم يَصْحُ إلا بعدما ٱطمأنت به الدار، فلم يشعر بمسيره ولا أحس به؛ فكم بين فعل أولئك الراكبين وبين ما أمر الله به في هذه الآيةٰ؟

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلَّذِى خَلَقَ ٱلأَزْوٰجَ } الأصناف {كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ } السفن {وَٱلأَنْعَٰمِ } كالإِبل {مَا تَرْكَبُونَ } حذف العائد اختصاراً، وهو مجرور في الأول، أي فيه منصوب في الثاني.

ابن عبد السلام

تفسير : {الأَزْوَاجَ} الأصناف كلها، أو الذكر والأنثى من الحيوان، أو الشتاء والصيف والليل والنهار والشمس والقمر والجنة والنار "ح" {وَالأَنْعَامِ} الإبل والبقر، أو الإبل وحدها.

اسماعيل حقي

تفسير : {والذى خلق الازواج كلها} اى اصناف المخلوقات بأسرها كما قال {أية : مما تنبت الارض ومن انفسهم ومما لا يعلمون} تفسير : لا يشذ شىء منها عن ايجاده واختراعه وعن ابن عباس رضى الله عنهما الازواج الضروب والانواع كالحلو والحامض والابيض والاسود والذكر والانثى وقيل كل ما سوى الله فهو زوج كفوق وتحت ويمين وشمال وقدام وخلف وماض ومستقبل وذات وصفات وأرض وسماء وبر وبحر وشمس وقمر وليل ونهار وصيف وشتاء وجنة ونار الى غير ذلك مما لا يحصى وكونها ازواجا يدل على انها ممكنة لوجود وان محدثها فرد منزه عن المقابل والمعارض {وجعل لكم من الفلك} اى السفن الجارية فى البحر {والانعام} اى الابل والدواب يعنى جهاربايان {ما تركبون} اى ما تركبونه فى البحر والبر على تغليب احد اعتبارى الفعل لقوته على الاخر فان ركب يعدى الى الانعام بنفسه يقال ركبت الدابة والى الفلك بواسطة حرف الجر يقال ركبت فى الفلك وتقديم البيان على المبين للمحافظة على الفاصلة النونية وتقديم الفلك على الانعام لان الفلك أدل دليل على القدرة الباهرة والحكمة البالغة

الجنابذي

تفسير : {وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا} اى اصناف المخلوقات {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ} اى ظهور ما تركبون، جمع الظّهور وافراد الضّمير المضاف اليه باعتبار اللّفظ والمعنى {ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} يعنى انّ غاية جميع المخلوقات تذكّركم وشكركم له على انعام ما رأيتموه نعمة لكم {وَتَقُولُواْ} يعنى تذكروا بقلوبكم وتقولوا بألسنتكم فانّ السنتكم مكلّفةٌ بجريان كلمة الشّكر عليها {سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا} يعنى ان تنزّهوا الله من وسمة الحاجة الى المركوب والانتقال من مكانٍ الى مكانٍ وتذكّروه بنعمة تسخير المركوب ليكون شكراً {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} اقرن للامر اطاقه وقوى، واقرنه جعله فى الحبل.

الهواري

تفسير : قال: {وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا} تفسير الحسن: الشتاء والصيف، والليل والنهار، والسماء والأرض، وكل اثنين منها زَوج. قال: {وَجَعَلَ لَكُم} أي: وخلق لكم {مِّنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ} أي: ظهور ما سخر لكم أن تركبوه {ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} أي: مطيقين. {وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ}. ذكروا عن الحسن أنه كان يقول: الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وعلّمنا القرآن، ومنّ علينا بمحمّد عليه السلام، ويقول: {سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} لولا أن الله سخّره لنا. ذكروا عن ابن عمر حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر ركب راحلته فكبر ثلاثاً ثم قال: {سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ} اللَّهُمَّ إِني أسألك في سفري هذا البرّ والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم اصحبنا في سفرنا، واخلفنا في أهلنا. اللهم هوّن علينا السفر، واطْوِ لنا بُعْدَ الأرض. اللهم أنت الصاحب في السفر والحضر، والخليفة في الأهل . تفسير : ذكروا عن أبي هريرة حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول أحياناً إذا قرب راحلته ليركب، وأحياناً إذا ركب راحلته: بسم الله، اللهم ازو لنا الأرض وهوّن علينا السفر. اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل. اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والولد والمال . تفسير : وقال بعضهم: قد بيّن الله لكم ما تقولون إذا ركبتم في البرّ، وما تقولون إذا ركبتم في البحر. إذا ركبتم في البرّ قلتم: {سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ}، وإذا ركبتم في البحر قلتم: (أية : بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ) تفسير : [هود:41].

اطفيش

تفسير : {وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا} أي الأصناف كالشتاء والصيف والليل والنهار والأرض والسماء وكل واحد زوج لا كل اثنين كما قيل وعن بعض كل ما سوى الله فهو زوج والفرد الله* {وَجَعَلَ} أي خلق* {لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ} أي السفن* {وَالأَنْعَامِ} كالابل {مَا تَرْكَبُونَ} ركوب السفينة يتعدى بفي وركوب الدابة بنفسه ويعدي الركوب هنا بنفس أي تركبونه تغليباً لركوبها على ركوب السفينة ووجه التغليب ان التعدي بالنفس أصل للتعدي بالحرف وان السفن مصنوعة للركوب والدابة مخلوقة له أو ان ركوب السفينة قليل والدابة كثير كذا قيل وليس هذا مطرداً فى الازمان والاماكن وقد يقال التحقيق ان ركوب السفينة يجوز تعديه بنفسه فلا تغليب (ومن) للتبعيض أو البيان

اطفيش

تفسير : {والَّذي خَلقَ الأَزواج كُلَّها} أى الأنواع كالحلو والحامض، الأبيض والأسود، والذكر والأنثى، والطويل والقصير، والضعيف والقوى، وتحت وفوق، ويمين وشمال، وماض ومستقبل، وجماد ونام، وعاقل وغير عاقل، والحركة والسكون، والموت والحياة، والممكنات كلها مادية أو مجردة ليست كالله تعالى فى أنه لا تركيب فيه عقلا، ولا خارجا، وكل ما سوى الله تعالى زوج، وهو وحده فرد، خلقها {وجَعَل لَكُم مِن الفُلْك والأنعام ما تركبُون} أى ما تركبونه، لا ما تركبون فيه تغليبا لركوب الأنعام، المتعدى بفى، كما قال الله عز تعالى: "أية : لتركبوها" تفسير : [النحل: 8] على ركوب الفلك المتعدى بنفسه، أو تغليبا للمخلوق للركوب، لكونه صنع الله عز وجل على المصنوع له، أو تغليبا للكثير على القليل، فان ركوب العرب السفن قليل، ولكثرة الحيوان المركوب كثرة ليس فى الملك.

الالوسي

تفسير : {وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوٰجَ كُلَّهَا} أي أصناف المخلوقات فالزوج هنا بمعنى الصنف لا بمعناه المشهور، وعن ابن عباس الأزواج الضروب والأنواع كالحلو والحامض والأبيض والأسود والذكر والأنثى، وقيل: كل ما سوى الله سبحانه زوج لأنه لا يخلو من المقابل كفوق وتحت ويمين وشمال وماض ومستقبل إلى غير ذلك والفرد المنزه عن المقابل هو الله عز وجل، وتعقب بأن دعوى اطراده في الموجودات بأسرها لا تخلو عن النظر. ولعل من قال: كل ما سوى الله سبحانه زوج لم يبن الأمر على ما ذكر وإنما بناه على أن الواجب جل شأنه واحد من جميع الجهات لا تركيب فيه سبحانه بوجه من الوجوه لا عقلاً ولا خارجاً ولا كذلك شيء من الممكنات مادية كانت أو مجردة. {وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَـٰمِ مَا تَرْكَبُونَ} أي ما تركبونه، فما موصولة والعائد محذوف، والركوب بالنظر إلى الفلك يتعدى بواسطة الحرف وهو في كما قال تعالى: {أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ} تفسير : [العنكبوت: 65] بخلافه لا بالنظر إليه فإنه يتعدى بنفسه كما قال سبحانه: {أية : لِتَرْكَبُوهَا} تفسير : [النحل: 8] إلا أنه غلب المتعدي بغير واسطة لقوته على المتعدي بواسطة فالتجوز الذي يقتضيه التغليب بالنسبة إلى المتعلق أو غلب المخلوق للركوب على المصنوع له لكونه مصنوع الخالق القدير أو الغالب على النادر فالتجوز في {مَا} وضميره الذي تعدى الركوب إليه بنفسه دون النسبة إلى المفعول ولتغليب ما ركب من الحيوان على الفلك.

ابن عاشور

تفسير : هذا الانتقال من الاستدلال والامتنان بخلق وسائل الحياة إلى الاستدلال بخلق وسائل الاكتساب لصلاح المعاش، وذكر منها وسائل الإنتاج وأتبعها بوسائل الاكتساب بالأسفار للتجارة. وإعادة اسم الموصول لما تقدم في نظيره آنفاً. والأزواج: جمع زوج، وهو كل ما يصير به الواحد ثانياً، فيطلق على كل منهما أنه زوج للآخر مثل الشفع. وغلب الزوج على الذكر وأنثاه من الحيوان، ومنه { أية : ثمانية أزواج } تفسير : في سورة الأنعام (143)، وتوسع فيه فأطلق الزوج على الصنف ومنه قوله: { أية : ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين } تفسير : [الرعد: 3]. وكلا الاطلاقين يصح أن يراد هنا، وفي أزواج الأنعام منافع بألبانها وأصوافها وأشعارها ولحومها ونتاجها. ولما كان المتبادرُ من الأزواج بادىء النظر أزواجَ الأنعام وكان من أهمها عندهم الرواحل عطف عليها ما هو منها وسائل للتنقل برّاً وأدمج معها وسائل السفر بحراً. فقال: {وجعل لكم من الفُلك والأنعام ما تركبون} فالمراد بــ {ما تركبون} بالنسبة إلى الأنعام هو الإبل لأنها وسيلة الأسفار قال تعالى: { أية : وآيةٌ لهم أنّا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } تفسير : [يس: 41، 42] وقد قالوا: الإبلُ سفائن البر. وجيء بفعل {جَعل} مراعاة لأن الفلك مصنوعة وليست مخلوقة، والأنعام قد عُرف أنها مخلوقة لشمول قوله: {خلَق الأزواج} إياها. ومعنى جَعل الله الفلكَ والأنعامَ مركوبة: أنه خلق في الإنسان قوة التفكير التي ينساق بها إلى استعمال الموجودات في نفعه فاحتال كيف يصنع الفلك ويركب فيها واحتال كيف يَروض الأنعام ويركبها. وقُدم الفلك على الأنعام لأنها لم يشملها لفظ الأزواج فذكرها ذكرُ نعمة أخرى ولو ذكر الأنعام لكان ذكره عقب الأزواج بمنزلة الإعادة. فلما ذكر الفلك بعنوان كونها مركوباً عطف عليها الأنعام فصار ذكر الأنعام مترقباً للنفس لمناسبة جديدة، وهذا كقول امرىء القيس: شعر : كأنيَ لم أركَبْ جواداً للذةٍ ولم أتَبطن كاعباً ذات خَلْخَال ولم أسبَأ الراحَ الكُميت ولم أقُلْ لخيليَ كُرّي كَرَّةً بعدَ إجفال تفسير : إذ أعقب ذكر رُكوب الجواد بذكر تبطّن الكاعب للمناسبة، ولم يعقبه بقوله: ولم أقل لخيلي كري كرة، لاختلاف حال الركوبين: ركوب اللّذة وركوب الحَرب. والركوب حقيقته: اعتلاء الدابّة للسير، وأطلق على الحصول في الفُلك لتشبيههم الفُلك بالدابّة بجامع السير فركوب الدابة يتعدّى بنفسه وركوب الفلك يتعدّى بــ (في) للفرق بين الأصيل واللاحق، وتقدم عند قوله تعالى: { أية : وقال اركبوا فيها } تفسير : في سورة هود (41). و{من الفلك والأنعام} بيان لإبهام {ما} الموصولة في قوله: {ما تركبون}. وحذف عائد الصلة لأنه متصل منصوب، وحذفُ مثله كثير في الكلام. وإذ قد كان مفعول {تركبون} هنا مبيَّناً بالفُلك والأنعام كان حق الفعل أن يعدى إلى أحدهما بنفسه وإلى الآخر بــ (في) فغلِّبت التعدية المباشرة على التعدية بواسطة الحرف لظهور المراد، وحُذف العائد بناء على ذلك التغليب. واستعمال فعل {تركبون} هنا من استعمال اللّفظ في حقيقته ومجازه. والاستواء الاعتِلاء. والظهورُ: جمع ظَهر، والظهر من علائق الأنعام لا من علائق الفلك، فهذا أيضاً من التغليب. والمعنى: على ظهوره وفي بطونه. فضمير {ظهوره} عائد إلى {ما} الموصولة الصادق بالفلك والأنعام كما هو قضية البيان، على أن السفائن العظيمة تكون لها ظهور، وهي أعاليها المجعولة كالسطوح لِتقي الراكبين المطر وشدة الحر والقرّ. ولذلك فجمع الظهور من جمع المشترك والتعدية بحرففِ {على} بنيت على أن للسفينة ظهراً قال تعالى: { أية : فإذا استويتَ أنت ومن معك على الفلك } تفسير : [المؤمنون: 28]. وقد جُعل قوله: {لتستووا على ظهوره} توطئة وتمهيداً للإشارةِ إلى ذكر نعمة الله في قوله: {ثم تذكروا نعمة ربّكم إذا استويتم عليه} أي حينئذٍ، فإن ذكر النعمة في حال التلبّس بمنافعها أوقع في النفس وأدعَى للشكر عليها. وأجدر بعدم الذهول عنها، أي جعل لكم ذلك نعمة لتشعروا بها فتشكروه عليها، فالذكر هنا هو التذكر بالفكر لا الذكر باللسان. وهذا تعريض بالمشركين إذ تقلبوا في نعم الله وشكروا غيره إذ اتخذوا له شركاء في الإلـٰهية وهم لم يشاركوه في الأنعام. وذكْرُ النعمة كناية عن شكرها لأن شكر المنعِم لازم للإنعام عرفاً فلا يَصرف عنه إلاّ نسيانُه فإذا ذكره شكر النعمة. وعطف على {تذكروا نعمة ربّكم} قوله: {وتقولوا سبحان الذي سخّر لنا هذا}، أي لتشكروا الله في نفوسكم وتُعلِنوا بالشكر بألسنتكم، فلقنهم صيغةَ شكر عناية به كما لقّنهم صيغة الحمد في سورة الفاتحة وصيغةَ الدعاء في آخر سورة البقرة. وافتتح هذا الشكر اللّساني بالتسبيح لأنه جامع للثناء إذ التسبيح تنزيه الله عما لا يليق، فهو يدلّ على التنزيه عن النقائص بالصريح ويدلّ ضمناً على إثبات الكمالات لله في المقام الخطابي. واستحضار الجلالة بطريق الموصولية لما يؤذن به الموصول من علة التسبيح حتى يصير الحمد الذي أفادهُ التسبيح شكراً لتعليله بأنه في مقابلة التسخير لنا. واسم الإشارة موجه إلى المركوب حينما يقول الراكب هذه المقالة من دابّة أو سفينة. والتسخير: التذييل والتطويع. وتسخير الله الدواب هو خلقه إيّاها قابلة للترويض فاهمة لمراد الرّاكب، وتسخير الفلك حاصل بمجموع خلق البحر صالحاً لسبح السفن على مائه، وخلق الرياح تهبّ فتدفع السفن على الماء، وخلق حيلة الإنسان لصنع الفلك، ورصد مهابّ الرياح، ووضع القلوع والمجاذيف، ولولا ذلك لكانت قوة الإنسان دون أن تبلغ استخدام هذه الأشياء القوية. ولهذا عقب بقوله: {وما كنّا له مُقْرِنين}أي مطيقين، أي بمجرد القوة الجسدية، أي لولا التسخير المذكور، فجملة {وما كُنَّا له مقرنين} في موضع الحال من ضمير {لنا} أي سخرها لنا في حال ضعفنا بأن كان تسخيره قائماً مقام القوة. والمُقرن: المطيق، يقال: أقرن، إذا أطاق، قال عمرو بن معديكرب:شعر : لقد علم القبائل ما عُقَيل لنا فِي النائبات بمُقْرِنينا تفسير : وخُتم هذا الشكر والثناء بالاعتراف بأن مرجعنا إلى الله، أي بعد الموت بالبعث للحساب والجزاء، وهذا إدماج لتلقينهم الإقرار بالبعث. وفيه تعريض بسؤال إرجاع المسافر إلى أهله فإن الذي يقدر على إرجاع الأموات إلى الحياة بعد الموت يُرْجَى لإرجاع المسافر سالماً إلى أهله. والانقلاب: الرجوع إلى المكان الذي يفارقه. والجملة معطوفة على جملة التنزيه عطف الخبر على الإنشاء. وفي هذا تعريض بتوبيخ المشركين على كفران نعمة الله بالإشراك وبنسبة العجز عن الإحياء بعد الموت لأن المعنى: وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتشكروا بالقلب واللّسان فلم تفعلوا، ولملاحظة هذا المعنى أُكد الخبر. وفيه تعريض بالمؤمنين بأن يقولوا هذه المقالة كما شكروا لله ما سخر لهم من الفلك والأنعام. وفيه إشارة إلى أن حق المؤمن أن يكون في أحواله كلها ملاحظاً للحقائق العالية ناظراً لتقلبات الحياة نظر الحكماء الذين يستدلون ببسائط الأمور على عظيمها.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا}. الأزواج الأصناف، والزوج تطلقه العرب على الصنف. وقد بين تعالى أن الأزواج المذكورة هنا تشمل أصناف النبات وبني آدم وما لا يعلمه إلا الله. قال تعالى: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [يس: 36]. وقال تعالى: {أية : وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ} تفسير : [طه: 53] وقال تعالى: {أية : فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} تفسير : [الحج: 5] أي من كل صنف حسن من أصناف النبات. وقال تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} تفسير : [لقمان: 10]. ومن إطلاق الأزواج على الأصناف في القرآن قوله تعالى: {أية : وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ} تفسير : [ص: 58]. وقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُم} تفسير : [طه: 131]. وقد قدمنا طرفاً من ذلك في سورة الصافات في الكلام على قوله تعالى {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُم} تفسير : [الصافات: 22] الآية. قوله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة المؤمن، في الكلام على قوله تعالى {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَنْعَامَ لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا} تفسير : [غافر: 79] الآية. وضمير المفرد المذكر الغائب في قوله: {لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ }، وقوله: {إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} راجع إلى لفظ ما في قوله: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ}. قوله تعالى: {وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ}. يعني جل وعلا أنه جعل لبني آدم ما يركبونه من الفلك التي هي السفن، ومن الأنعام ليستووا أي يرتفعوا معتدلين على ظهوره ثم يذكروا في قلوبهم نعمة ربهم عليهم بتلك المركوبات ثم يقولوا بألسنتهم مع تفهم معنى ما يقولون {سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِين} [الزخرف: 13]. وقوله: "سبحان" قد قدمنا في أول سورة بني إسرائيل معناه، بإيضاح وأنه يدل على تنزيه الله جل وعلا أكمل التنزيه وأتمه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله والإشارة في قوله {هَـٰذَا} راجعة إلى لفظ {مَا} من قوله: {مَا تَرْكَبُونَ} وجمع الظهور نظراً إلى معنى {مَا}، لأن معناها عام شامل لكل ما تشمله صلتها ولفظها مفرد، فالجمع في الآية باعتبار معناها، والإفراد باعتبار لفظها. وقوله: {ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا} أي الذي ذلل لنا هذا الذي هو ما نركبه من الأنعام والسفن لأن الأنعام لو لم يذللها الله لهم لما قدروا عليها ولا يخفى أن الجمل أقوى من الرجل، وكذلك البحر لو لم يذللـه لهم ويسخر لهم إجراء السفن فيه لما قدروا على شيء من ذلك. وقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} أي مطيقين. والعرب تقول: أقرن الرجل للأمر وأقرنه إذا كان مطيقاً له كفؤاً للقيام به من قولهم: أقرنت الدابة للدابة، بمعنى أنك إذا قرنتهما في حبل قدرت على مقاومتها، ولم تكن أضعف منها، فتجرها لأن الضعيف إذا لز في القرن أي الحبل، مع القوي جره ولم يقدر على مقاومته، كما قال جرير: شعر : وابن اللبون إذا ما لز في قرن لم يستطع صولة البزل القناعيس تفسير : وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول عمرو بن معد يكرب وقد أنشده قطرب لهذا المعنى: شعر : لقد علم القبائل ما عقيل لنا في النائبات بمقرنينا تفسير : وقوله ابن هرمة: شعر : وأقرنت ما حملتني ولقلما يطاق احتمال الصدياد عدو الهجر تفسير : وقول الآخر: شعر : ركبتم صعبتي أشراً وحيفاً ولستم للصعاب بمقرنينا تفسير : وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن ما ذكر من السفن والأنعام لو لم يذللـه الله لهم لما أقرنوا له ولما أطاقوه جاء مبيناً في آيات أخر. قال تعالى في ركوب الفلك: {أية : وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} تفسير : [يس: 41-42]. وقال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّا} تفسير : [النحل: 14] الآية. وقال تعالى: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ لِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} تفسير : [الجاثية: 12] الآية. وقال تعالى: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلأَنْهَارَ} تفسير : [إبراهيم: 32] الآية. وقال تعالى: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاس} تفسير : [البقرة: 164] الآية. وقال تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلأَرْضِ وَٱلْفُلْكَ تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} تفسير : [الحج: 65] الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة. وقال تعالى في تسخير الأنعام: {أية : وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} تفسير : [يس: 72] وقال تعالى: {أية : فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [الحج: 36-37] إلى غير ذلك من الآيات.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلأَزْوَاجَ} {وَٱلأَنْعَامِ} (12) - وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي خَلَقَ مَا أَنْبَتَتْهُ الأَرْضُ مِنَ الأَصْنَافِ المُخْتَلِفَةِ، وَمِنَ الحَيَوَانِ عَلَى اخْتِلاَفِ أَجْنَاسِهِ وَأَلْوَانِهِ وَأَحْجَامِهِ، وَهُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ السُّفُنِ مَا تَرْكَبُونَهُ فِي البَحْرِ والنَّهْرِ فِي أَسْفَارِكُمْ، وَنَقْلِ أَمْتِعَتِكُمْ وَأَرْزَاقِكُمْ، وَجَعَلَ لَكُمْ مَا تَرْكَبُونَهُ فِي البرِّ وَتَحْمِلُونَ عَلَيْهِ أَثْقَالَكُمْ كَالحَمِيرِ والبِغَالِ والجِمَالِ. خَلَقَ الأَزْوَاجَ - أَوْجَدَ الأَصْنَافَ مِنَ المَخْلُوقَاتِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كلمة {ٱلأَزْوَاجَ ..} [الزخرف: 12] جمع: زوج. والزوج كما قلنا هو المفرد الذي معه مثله، والزوجان كل متقابلين مثل: أبيض وأسود، حُلو وحامض، فوق وتحت، يمين وشمال. والزوجية كما أخبر الحق سبحانه موجودة في كل شيء {أية : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} تفسير : [الذاريات: 49] ومنها ما نعلمه ومنها ما لا نعلمه؛ لذلك قال هنا {وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا ..} [الزخرف: 12] كلمة {كُلَّهَا} أي: مما نعلمه كالذكر والأنثى ومما لا نعلمه. وأهل الفكر والتدبُّر يقفون عند هذه الآية يلتمسون ما فيها من حكمة، فالحق سبحانه يمتنُّ بأنْ خلق الأزواج كلها ليُثبتَ لنا أنه سبحانه فرْد لا زوجَ معه، فقانون الاستقصاء العلمي يقول: إن الزوج يعني الاثنين، أو ما يقبل القسمة على اثنين. فحين نأخذ الترتيب من أوله نقول: إن الواحد الذي ليس له ثانٍ، واثنان يعني واحداً انضمَّ له واحد آخر. إذن: الاثنان كرقم يحتاج إلى الواحد، أما الواحد فلا يحتاج إلى شيء، إذن: المفرد الحق هو الذي لا يحتاج لشيء، وهذه لا تكون إلا لله عز وجل. إذن: الزوج يحتاج إلى الفرد، والفرد لا يحتاج إلى الزوج. وما دام أنه سبحانه خالق الأزواج كلها. إذن: هو فرد لا مثيلَ له، والمتأمل يجد أنَّ الزوجين مختلفان في الصفات مثل الذكر والأنثى، لكل منهما صفاته مع وجود صفات مشتركة بينهما. فالصفات المشتركة تعني أن لكل زوج منهما مثلاً، والصفات المختلفة تعني أن كلاً منهما فيه نقص عن الآخر، والله سبحانه وتعالى فرد لا مِثْلَ له، وكامل لا نقصَ فيه، فكأن الآية تثبت أن الله تعالى فرد خالق لا يحتاج إلى شيء، ويحتاج إليه كلُّ شيء. وقوله: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ} [الزخرف: 12] الفلك. أي: السُّفن. ومن الأنعام التي تُركب مثل الإبل، كما قال سبحانه: {أية : وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ ..} تفسير : [النحل: 7]. فالمعنى: خلق لكم من الفلك والأنعام ما تركبونه، لكنه قال {مَا تَرْكَبُونَ} [الزخرف: 12] ولم ما تركبونها ليطمر الفلك في الأنعام، والسفن لا نركبها إنما نركب فيها، لذلك سماها {أية : ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ} تفسير : [الصافات: 140] وقال: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ..} تفسير : [يونس: 22]. إذن: نحن نركب على الأنعام ونستوي على ظهورها، ونركب في السفن، حتى السفن القديمة كان لها جدران وبداخلها مقاعد، فما بالُكَ بالسفن المكوّنة من أدوار مثل البيوت والتي وصفها القرآن بأنها كالأعلام. لكن لماذا غلَّب الأنعام وطمر فيها السفن؟ لا بدَّ أنَّ هنا حكمة، لأن الحق سبحانه هو الذي يتكلم، لذلك تجد كل لفظة في موضعها بدقة تعبيرية، فغلَّب الأنعام وقال {مَا تَرْكَبُونَ} [الزخرف: 12] لأننا نركب على الأنعام، أما السفن ففي السفن. ثم لأن الأنعام خَلْقُ الله المباشر، والفلك خَلْق الإنسان، كما أن الحق سبحانه يخاطب بهذه الآية العرب في المقام الأول، والعرب لم يكُنْ عندهم دراية بالسفن ولا يركبونها، إنما كانت وسائلهم في الانتقال والحمل هي الأنعام، فهي معهودة لهم.