٤٣ - ٱلْزُّخْرُف
43 - Az-Zukhruf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
18
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ} فيه مسألتان: الأولى ـ قوله تعالى: {أَوَمَن يُنَشَّأُ} أي يُرَبَّى ويَشِبّ. والنُّشوء: التربية؛ يقال: نشأت في بني فلان نَشْئاً ونشوءاً إذا شَبَبْتَ فيهم. ونُشِّىء وأنشىء بمعنًى. وقرأ ابن عباس والضحاك وابن وَثّاب وحفص وحمزة والكسائي وخلف «يُنَشَّأ» بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين؛ أي يربى ويَكْبَر في الحِلْية. وٱختاره أبو عبيد، لأن الإسناد فيها أعلى. وقرأ الباقون «يَنْشأ» بفتح الياء وإسكان النون، وٱختاره أبو حاتم؛ أي يرسخ ويثبت، وأصله من نشأ أي ارتفع، قاله الهروي. فـ «ـيُنَشّأ» متعد، و «ينشأ» لازم. الثانية ـ قوله تعالى: {فِي ٱلْحِلْيَةِ} أي في الزينة. قال ابن عباس وغيره: هنّ الجواري زِيُّهن غير زيّ الرجال. قال مجاهد: رخص للنساء في الذهب والحرير؛ وقرأ هذه الآية. قال الكيا: فيه دلالة على إباحة الحُلِيّ للنساء، والإجماع منعقد عليه والأخبار فيه لا تحصى. قلت ـ روي عن أبي هريرة أنه كان يقول لابنته: يا بنيّة، إياك والتحلّي بالذهب! فإني أخاف عليك اللهب. قوله تعالى: {وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ } أي في المجادلة والإدلاء بالحجة. قال قتادة، ما تكلمت امرأة ولها حجة إلا جعلتها على نفسها. وفي مصحف عبد الله «وهو في الكلام غير مبين». ومعنى الآية: أيضاف إلى الله مَن هذا وصفه! أي لا يجوز ذلك. وقيل: المنّشأ في الحلية أصنامهم التي صاغوها من ذهب وفضة وحلّوْها؛ قاله ابن زيد والضحاك. ويكون معنى «وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ» على هذا القول: أي ساكت عن الجواب. و «من» في محل نصب، أي اتخذوا للّه من ينشأ في الحِلية. ويجوز أن يكون رفعاً على الابتداء والخبر مضمر؛ قاله الفرّاء. وتقديره: أومن كان على هذه الحالة يستحق العبادة. وإن شئت قلت خفض رداً إلى أوّل الكلام وهو قوله: {بِمَا ضَرَبَ}، أو على «ما» في قوله: {مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ}. وكون البدل في هذين الموضعين ضعيف لكون ألف الاستفهام حائلة بين البدل والمبدل منه. {وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً} قرأ الكوفيون «عِبَادُ» بالجمع. واختاره أبو عبيد؛ لأن الإسناد فيها أعلى، ولأن الله تعالى إنما كذبهم في قولهم إنهم بنات الله، فأخبرهم أنهم عبيد وأنهم ليسوا ببناته. وعن ٱبن عباس أنه قرأ «عُبَّادُ الرَّحْمَنِ»، فقال سعيد بن جبير: إن في مصحفي «عبد الرحمٰن» فقال: ٱمحها واكتبها «عِبَادُ الرَّحْمَنِ». وتصديق هذه القراءة قوله تعالى: {أية : بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ}تفسير : [الأنبياء: 26]. وقوله تعالى: {أية : أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيۤ أَوْلِيَآءَ}تفسير : [الكهف: 102]. وقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} تفسير : [الأعراف: 194]. وقرأ الباقون «عند الرحمٰن» بنون ساكنة واختاره أبو حاتم. وتصديق هذه القراءة قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ}تفسير : [الأعراف: 206] وقوله: {أية : وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ} تفسير : [الأنبياء: 19]. والمقصود إيضاح كذبهم وبيان جهلهم في نسبة الأولاد إلى الله سبحانه، ثم في تحكمهم بأن الملائكة إناث وهم بنات الله. وذِكر العباد مدح لهم؛ أي كيف عبدوا من هو في نهاية العبادة، ثم كيف حكموا بأنهم إناث من غير دليل. والجعل هنا بمعنى القول والحُكْم؛ تقول: جعلت زيداً أعلم الناس؛ أي حكمت له بذلك. {أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ} أي أحضروا حالة خلقهم حتى حكموا بأنهم إناث. وقيل: حديث : إن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «فما يدريكم أنهم إناث»؟ فقالوا: سمعنا بذلك من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا في أنهم إناثتفسير : ، فقال الله تعالى: {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} أي يسألون عنها في الآخرة. وقرأ نافع «أُوشْهِدوا» بهمزة ٱستفهام داخلة على همزة مضمومة مسهّلة، ولا يمدّ سوى ما روى المسيّبِي عنه أنه يمدّ. وروى المفضل عن عاصم مثل ذلك وتحقّق الهمزتين. والباقون «أَشَهِدُوا» بهمزة واحدة للاستفهام. وروي عن الزهري «أُشْهِدُوا خَلْقَهُمْ» على الخبر، «سَتُكْتَبُ» قراءة العامة بضم التاء على الفعل المجهول «شَهَادَتُهُمْ» رفعاً. وقرأ السُّلمِي وٱبن السمَيْقَع وهُبيرة عن حفص «سَنَكْتُبُ» بنون، «شَهَادَتَهُمْ» نصباً بتسمية الفاعل. وعن أبي رجاء «سَتُكْتَبُ شَهَادَاتُهُمْ» بالجمع.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَوَ } همزة الإِنكار وواو العطف بجملة أي يجعلون لله {مَن يُنَشَّؤُاْ فِى ٱلْحِلْيَةِ } الزينة {وَهُوَ فِى ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ } مظهر الحجة لضعفه عنها بالأنوثة؟
ابن عبد السلام
تفسير : {يُنَشَّؤُاْ} يُرَبَّى يريد به الجوارى "ع"، أو البنات، أو الأصنام {الْخِصَامِ} الحجة، أو الجدل {غَيْرُ مُبِينٍ} قليل البلاغة، أو ضعيف الحجة أو ساكت عن الجواب قال [قتادة] ما حاجت امرأة قط إلا أوشكت أن تتكلم بغير حجتها.
اسماعيل حقي
تفسير : {او من ينشا فى الحلية} تكرير للانكار والهمزة لإنكار الواقع واستقباحه ومن منصوب بمضمر معطوف على جعلوا والتنشئة التربية وبالفارسية بروردن. والحلية ما يتحلى به الانسان ويتزين وبالفارسية آرايش. والجمع حلى بكسر الحاء وضمها وفتح اللام والمعنى او جعلوا من شانه ان يربى فى الزينة وهو عاجز عن ان يتولى لامره بنفسه يعنى البنات وقال سعدى المفتى لعل القدير اجترأوا على مثل هذه العظيمة وجعلوا (وقال الكاشفى) آياكسىكه برورده كردد در بيرايه يعنى بناز برورش يابد و اورا قوت حرب ميدان داى نباشد {وهو} مع ما ذكر من المقصود {فى الخصام} مع من يخاصمه ويجادله اى فى الجدال الذى لا يكاد يخلو الانسان منه فى العادة {غير مبين} غير قادر على تقرير دعواه واقامة حجته كما يقدر الرجل عليه لنقصان عقله وضعف رأيه وربما يتكلم عليه وهو يريد ان يتكلم له وهذا بحسب الغالب والا فمن الاناث من هو اهل الفصاحة والفاضلات على الرجال قال الاحنف سمعت كلام ابى بكر رضى الله عنه حتى مضى وكلام عمر رضى الله عنه حتى مضى وكلام عثمان رضى الله عنه حتى مضى وكلام على رضى الله عنه حتى مضى لا والله ما رأيت ابلغ من عائشة رضى الله عنها وقال معاوية رضى الله عنه ما رأيت ابلغ من عائشة ما اغلقت بابا فارادت فتحه الا فحته ولا فتحت بابا فارادت اغلاقه الا اغلقته ويدل عليه قوله عليه السلام فى حقها "حديث : انها ابنة ابى بكر" تفسير : اشعارا بحسن فهمها وفصاحة منطقها كما سبق (قال الكاشفى) عرب راشجاعت وفصاحت فخربودى واغلب زنان ازين دوحليه عاطل مى باشد حق تعالى فرموده آياكسى انيجنين باشد خداى تعالى اورابفرزندى ميكيرد. قال اهل التفسير اضافة غير لا تمنع عمل ما بعده فى الجار المتقدم لانه بمعنى النفى كأنه قال وهو لا يبين فى الخصام ومثله مسألة الكتاب انا زيدا غير ضارب قال فى كشف اسرار فى الآية تحليل لبس الذهب والحرير للنساء وذم لتزين الرجال بزينة النساء وقال فى بحر العلوم وفى الاية دلالة بينة لكل ذى عقل سليم على ترك النشو فى الزينة والنعومة والحذر عنه لانه تعالى جعله من المعايب والمذام ومن صفات الاناث ويعضده قول النبى عليه السلام لمعاذ "حديث : اياك والتنعم فان عباد الله ليسوا بمتنعمين" تفسير : والتنعم استعمال ما فيه النعومة واللين من المأكولات والملبوسات. غداكر لطيفست وكر سرسرى. جو ديرت بدست اوفتد خوش خورى. ومن الكلمات الحكمية نم على اوطأ الفراش اى وقت غلبة النوم وكل ألذ الطعام اى وقت غلبة الجوع والعجب كل العجب من علماء عصرك ومتفقهة زمانك يتلون هذه الآية ونحوها والاحاديث المطابقة لها فى المعنى ثم لا يتأملونها تأملا صحيحا ولا يتبعون فيها نبيهم الكريم فى ترك الزينة والتنعم مهمجو طفلان منكر اندر شرخ وزرد. جون زنان مغرور رنك وبومكرد (وقال بعضهم) خويشت آراى مشوجون بهار. تانبود برتو طمع روز كار. وفيه اشارة الى ان المرء المتزين كالمرأة فالعاقل يكتفى بما يدفع الحر والبرد ويجتهد فى تزيين الباطل فانه المنظر الالهى ولو كانت للنساء عقول راجحة لما ملن الى التزين بالذهب والفضة والحلى والحلل اما يكفى للمرء والمرأة مضمون ما قيل. نشد عزيز تر از كعبه اين لباس برست. بجامه كه بسالى رسد قناعت كن
الجنابذي
تفسير : {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ} الم يتفكّروا وجعلوا من ينشّؤ ويربّى فى الزّينة ولداً له؟ او من مبتدء خبرٍ محذوفٍ، او خبر مبتدءٍ محذوفٍ والمعنى اهو ادنى منكم ومن ينشّؤ فى الزّينة ولد له ومن يبارز فى المحاربة ولد لكم؟ او المعنى اهو ادنى منكم وولده من ينشّؤ فى الزّينة؟ {وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} لدعواه وحجّته بل فى الاغلب يتكلّم حين المخاصمة بما هو حجّة عليه، وقرئ ينشّؤ من الثّلاثىّ المجرّد مبنيّاً للفاعل، ومن التّفعيل ومن المفاعلة ومن الافعال مبنيّاً للمفعول.
اطفيش
تفسير : {أَوَ مَن} الهمزة انكار أحقية جعل من هذه صفته ولداً له وللتوبيخ والتعجيب وهي مما بعد واو العطف أو من محذوف والمعطوف محذوف أي ويجعلون أو يجعل* {مَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ} ولدا لله وهذا تحقير لشأنه {وَيُنَشَّأ} يتربى (والحلية) الزينة والنعمة من نحو ذهب وفضة وحجر وغير ذلك وذلك هو الأنثى وذلك انها لنقصانها احتاجت أن تزين نفسها فعلى الرجل اجتناب تصنع النساء ويأنف منه ويزين باطنه بالتقى. وقرأ حمزة والكسائي وحفص بضم الياء وفتح النون وتشديد النون مفتوحة أي يربي أو قرئ (ينشوا) أي يتربى ويناشئ أي يربي كعالاه بمعنى أعلاه ويجوز تقدير ناصب من مادة الاتخاذ بل هو أولى لسبقها ويجوز كون (من) مبتدأ أي (أو من هذه حالته ولده) فحذف الخبر* {وَهُوَ فِي الْخِصَامِ} أي المجادلة وفى مصحف ابن مسعود وهو في الكلام* {غَيْرُ مُبِينٍ} غير مظهر ومقرر لحجته عند الخصام لا يبان له لحجته وهذا نقص آخر وذلك لضعف عقلهن وحالهن. قال قتادة: (قلما تكلمت امرأة تريد حجتها الا تكلمت بالحجة عليها، وقلما نجد امرأة الا تفسد الكلام وتخلط المعاني) وقال ابن زيد: المراد بمن {يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ} الأصنام لانها تحلى بالذهب والفضة وغيرهما ولا تعرف الكلام أصلاً وفي الخصام متعلق (بمبين) وتقدم معمول المضاف اليه على المضاف لان الاضافة غير محضة. قاله ابن مالك وقال ابن هشام يعطى الشيء حكم ما أشبهه فى معناه نحو (زيداً غير ضارب) لانه في معنى (انا زيد لا اضرب) ولولا ذلك لم يجز اذ لا يتقدم المضاف وكذا معموله لا تقول (زيداً أول ضارب) ودليل المسألة وهي في الخصام غير مبين الخ.
اطفيش
تفسير : {أو مَن يُنشَّأ في الحِلْية} مفعول لمحذوف، أى أتعاموا وجعلوا من ينشَّأ فى الحلية ولداً له، أو أأتخذ من ينشأ فى الحلية ولدا له تعالى، أو خبر أو مبتدأ أى أتعاموا وقالوا من ينشأ فى الحلية ولده، أو ولده من ينشأ فى الحلية، أو من ينشأ فى الحلية جعلوه ولده، والحلية الزينة، والذى ينشأ فيها الأنثى، والنشأة فى الزينة والنعومة من شأن ربات الحجال، فوجب أن يجتنبها الرجال. وعن عمر رضى الله عنه: اخشوشنوا فى الطعام، واخشوشنوا فى اللباس، فان أباكم معداً كان كذلك، ومن أراد الزينة فليزين باطنه بالتقوى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تمعددوا واخشوشنوا وانتضلوا، وامشوا حفاة" تفسير : رواه الطبرانى عن أبى حدرد، وقيل: من ينشأ فى الحلية الأصنام، وكانوا يجعلون عليها الحلى، ويرده أن حقيقة النشوء فيما يزداد ويرده أيضا قوله تعالى: {وهو في الخِصام غَيْر مُبين} فان الأصنام لا يتصور منها الخصام، فضلا عن أن يقال: هى غير مبينة فيه، إلا أن يراد نفى الخصم عنها البتة، كقولك: لا ترى زيادا فى الخصام، أى لا يدخله، وقوله: شعر : * وترى الضب فيها لا ينجحر* تفسير : أى لا يكون فضلا عن أن يكون له فيها جحر، وقوله: شعر : * على لا حب لا يهتدى بمناره* تفسير : أى لا منار فيه وعليه، فالمعنى أعموا واتخذوا الأصنام آلهةً، أو وقالوا الأصنام آلهتنا، أو المعنى لا تظهر خصاما لمن أصابها بسوء، وفيه أن الكلام قبل وبعد على البنات، ومبين على كل حال من أبان المتعدى أى لا تظهر حجة، قال مقاتل: لا تتكلم المرأة إلا وتأتى بالحجة عليها لا لها، لقلة عقلها، وكذا قال قتادة، وفى الخصام متعقل بمبين، وفيه تقديم معمول المضاف اليه على المضاف أجازه بعض فى غير، والأولى تعليقه بمحذوف، أى وهو متعضل فى الخصام غير مبين لحجته.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ} تكرير للإنكار و {مَن} منصوبة المحل بمضمر معطوف على {جَعَلُواْ} [الزخرف:15] وهناك مفعول محذوف أيضاً أي أو جعلوا له تعالى من شأنه أن يتربـى في الزينة وهن البنات ـ كما قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي ـ ولداً، فالهمزة لإنكار الواقع واستقباحه. وجوز انتصاب {مَن} بمضمر معطوف على {أية : ٱتَّخَذَ}تفسير : [الزخرف: 16] فالهمزة حينئذٍ لإنكار الوقوع واستبعاده، وإقحامها بين المعطوفين لتذكير ما في (أم) المنقطعة من الإنكار، والعطف للتغاير العنواني أي أو اتخذ سبحانه من هذه الصفة الذميمة ولداً {وَهُوَ} مع ما ذكر من القصور {فِي ٱلْخِصَامِ} أي الجدال الذي لا يكاد يخلو عنه إنسان في العادة {غَيْرُ مُبِينٍ} غير قادر على تقرير دعواه وإقامة حجته لنقصان عقله وضعف رأيه، والجار متعلق / بمبين، وإضافة {غَيْرِ} لا تمنع عمل ما بعدها فيه لأنه بمعنى النفي فلا حاجة لجعله متعلقاً بمقدر، وجوز كون (من) مبتدأ محذوف الخبر أي أو من حاله كيت وكيت ولده عز وجل، وجعل بعضهم خبره جعلوه ولداً لله سبحانه وتعالى أو اتخذه جل وعلا ولداً. وعن ابن زيد أن المراد بمن ينشأ في الحلية الأصنام قال: وكانوا يتخذون كثيراً منها من الذهب والفضة ويجعلون الحلي على كثير منها. وتعقب بأنه يبعد هذا القول قوله تعالى: {وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} إلا إن أريد بنفي الإبانة نفي الخصام أي لا يكون منها خصام فإبانة كقوله:شعر : على لا حب لا يهتدى بمناره تفسير : وعندي أن هذا القول بعيد في نفسه وأن الكلام أعني قوله سبحانه: {أَمِ ٱتَّخَذَ} إلى هنا وارد لمزيد الإنكار في أنهم قوم من عادتهم المناقضة ورمي القول من غير علم. وفي المجىء بأم المنقطعة وما في ضمنها من الإضراب دليل على أن معتمد الكلام إثبات جهلهم ومناقضتهم لا إثبات كفرهم لكنه يفهم منه كما سمعت وتسمع إن شاء الله تعالى. وقرأ الجحدري في رواية {ينشأ} مبنياً للمفعول مخففاً، وقرأ الحسن في رواية أيضاً {يناشأ} على وزن يفاعل مبنياً للمفعول، والمناشاة بمعنى الإنشاء كالمغالاة بمعنى الإغلاء، وقرأ الجمهور {ينشأ} مبنياً للفاعل. والآية ظاهرة في أن النشوء في الزينة والنعومة من المعايب والمذام وأنه من صفات ربات الحجال فعلى الرجل أن يجتنب ذلك ويأنف منه ويربأ بنفسه عنه ويعيش كما قال عمر رضي الله تعالى عنه اخشوشنوا في اللباس واخشوشبوا في الطعام وتمعددوا وإن أراد أن يزين نفسه زينها من باطن بلباس التقوى.
ابن عاشور
تفسير : عطف إنكارٍ على إنكار، والواو عاطفة الجملة على الجملة وهي مؤخرة عن همزة الاستفهام لأن للاستفهام الصدْر وأصل الترتيب: وَأَمَنْ ينشأ. وجملة الاستفهام معطوفة على الإنكار المقدّر بعدَ {أم} في قوله: { أية : أم اتخذ ممّا يخلق بناتٍ } تفسير : [الزخرف: 16]، ولذلك يكون {من ينشؤا في الحلية} في محل نصب بفعل محذوف دلّ عليه فعل {اتخذ} في قوله: { أية : أم اتخذ مما يخلق بنات } تفسير : [الزخرف: 16]. والتقدير: أأتّخذ مَن ينشأ في الحلية الخ. ولك أن تجعل {من ينشؤا في الحلية} بدلاً من قوله {بنات} بدلاً مطابقاً وأبرز العامل في البدل لتأكيد معنى الإنكار لا سيما وهو قد حذف من المبدل منه. وإذ كان الإنكار إنما يتسلط على حكم الخبر كان موجب الإنكار الثاني مغايراً لموجب الإنكار الأول وإن كان الموصوف بما لوصفين اللذيْن تعلق بهما الإنكار موصوفاً واحداً وهو الأنثى. ونَشْءُ الشيء في حالةٍ أن يكون ابتداءُ وجوده مقارناً لتلك الحالة فتكون للشيء بمنزلة الظرف. ولذلك اجتلب حرف {في} الدّالة على الظرفية وإنما هي مستعارة لِمعنى المصاحبة والملابسة فمعنى {من ينشؤا في الحلية} مَن تُجعل له الحلية من أول أوقات كونه ولا تفارقُه، فإن البنت تُتَّخَذُ لها الحلية من أول عمرها وتستصحب في سائر أطوارها، وحسبك أنها شُقّت طرفا أذنيها لتجعل لها فيهما الأقراط بخلاف الصبي فلا يُحلّى بمثل ذلك وما يستدام له. والنَّشْءُ في الحلية كناية عن الضعف عن مزاولة الصعاب بحسب الملازمة العُرفية فيه. والمعنى: أن لا فائدة في اتخاذ الله بنات لا غناء لهن فلا يحصل له باتخاذها زيادة عِزّة، بناء على متعارفهم، فهذا احتجاج إقناعي خطابي. و{الخصام} ظاهره: المجادلة والمنازعة بالكلام والمحاجّة، فيكون المعنى: أن المرأة لا تبلغ المقدرة على إبانة حجتها. وعن قتادة: ما تكلمت امرأة ولها حجة إلا جعلتْها على نفسها، وعنه: {من ينشأ في الحلية} هنّ الجواري يسفِّههن بذلك، وعلى هذا التفسير درج جميع المفسرين. والمعنى عليه: أنّهن غير قوادر على الانتصار بالقول فبلأولى لا يقدرْنَ على ما هو أشد من ذلك في الحرب، أي فلا جدوى لاتّخاذهن أولاداً. ويجوز عندي: أن يحمل الخصامُ على التقاتل والدّفاع باليد فإن الخصم يطلق على المُحارب، قال تعالى: { أية : هذان خصمان اختصموا في ربّهم } تفسير : [الحج: 19] فُسِّر بأنهم نفر من المسلمين مع نفر من المشركين تقاتلوا يوم بدر. فمعنى {غير مبين} غيرُ محقق النصر. قال بعض العرب وقد بُشر بولادة بنت: «والله ما هي بِنِعْمَ الولدُ بزُّها بكاء ونصرها سرقة». والمقصود من هذا فضح معتقدهم الباطل وأنهم لا يحسنون إعمال الفكر في معتقداتهم وإلا لكانوا حين جعلوا لله بنوة أن لا يجعلوا له بنوة الإناث وهم يُعدّون الإناث مكروهات مستضعفات. وتذكير ضمير {وهو في الخصام} مراعاة للفظ {مَن} الموصولة. و{الحلية}: اسم لما يُتحلّى به، أي يُتزين به، قال تعالى: { أية : وتستخرجون منه حلية تلبسونها } تفسير : [النحل: 14]. وقرأ الجمهور {يَنشأ} بفتح الياء وسكون النون. وقرأه حفص وحمزة والكسائي {يُنَشَّأُ} بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين ومعناه: يعوده على النشأة في الحلية ويربّى.
د. أسعد حومد
تفسير : {يُنَشَّأُ} (18) - وَقَدْ جَعَلُوا الأُنْثَى للهِ، وَهِيَ نَاقِصَةٌ تَتَدَارَكُ نَقْصَهَا بِلبْسِ الحُلِيِّ والزِّينَةِ مُنْذُ أَنْ تَكُونَ طِفْلَةً، وَإِذَا خَاصَمَتْ فَهِيَ عَاجِزَةٌ عَيِيَّةٌ قَاصِرَةٌ عَنِ البَيَانِ. أَفَمَنْ يَكُونُ هَذَا حَالُهُ يَلِيقُ بِهِ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى اللهِ العَظِيمِ؟ يُنَشَّأُ فِي الحِلْيَةِ - يُرَبَّى فِي الزِّينَة والنِّعْمَةِ (البَنَاتِ). الخِصَامِ - فِي الجَدَلِ والمُخَاصَمَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الهمزة هنا أيضاً للاستفهام، يقول سبحانه: أتستوي عندكم البنت التي تُنشَّأ في الحلية بالولد. ومعنى {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ} [الزخرف: 18] يعني: تُربَّى في الزينة والرفاهية، فالبنت عندنا مثلاً نهتم بها وبملبسها ومظهرها، نُلبسها الحَلَق والأسوْرة والثياب الجميلة على خلاف الولد. {وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ ..} [الزخرف: 18] أي: في مواقف الجدل والدفاع {غَيْرُ مُبِينٍ} [الزخرف: 18] يعني: ليس له قوة في إظهار الحجة. إذن: البنت التي نسبوها لله تُربَّى على الرفاهية والنعمة، ولبس الحرير والذهب والزينة، لأنها خُلقَتْ للاستمالة، ونحن نحرص على مظهر البنت وشكلها ونُزيِّنها أولاً وأخيراً لتتزوج. وفي الغالب نلجأ للزينة وللجمال الصناعي حينما لا يتوفر للبنت الجمال الطبيعي، بدليل أن العرب كانت تسمي المرأة الجميلة غانية. يعني: استغنت بجمالها الطبيعي عن أيِّ زينة. أما الذكر فعلى خلاف ذلك، الذكر مع أبيه في الحقل وفي المصنع، وفي الخصام والجدال، وفي كل عمل شاقّ، فهل يستويان؟ وهذا لا يعني أن هذه قاعدة عامة في الجنس كله، فقد نجد في النساء صاحبة الرأي السديد والحجة القوية التي فاقتْ الرجال. تذكرون لما مُنع الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته من دخول مكة للعمرة وهم على مشارفها، واضطرَّ رسول الله لأنْ يبرم معاهدة الحديبية مع كفار مكة على أنْ يعودَ هذا العام ويحجّ في العام الذي يليه. عندما غضب الصحابة وثاروا وعزَّ عليهم أنْ يُمنعوا من البيت وهم على مشارف مكة، حتى أن سيدنا عمر ثار وقال: يا رسول الله ألسنا على الحق؟ قال: بلى، قال: أليسوا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فَلِمَ نعطى الدَّنية في ديننا؟ وكان القوم يخرجون عن طاعة رسول الله ويعصون أوامره، حتى دخل خباءه على السيدة أم سلمة وهو مُغْضَب، فقالت له: ما لي أراك مُغْضباً يا رسول الله؟ فقال: هلك القوم، أمرتُهم فلم يمتثلوا. فقالت: يا رسول الله، اعذرهم فهم قوم مكروبون، وقد جاءوا من المدينة على شوق للبيت، ويشقّ عليهم أنْ يُمْنَعوه وهم على مشارف مكة، فاذهب يا رسول الله إلى ما أمرك الله، فافعله أمامهم، فلو رأوْكَ تفعل علموا أن الأمر عزيمة لا جدالَ فيه، فلما فعل الرسول أمامهم فعلوا مثله، وانتهت المشكلة وعادوا إلى المدينة. ورحمةً بغيرة المسلمين على دينهم نزل الوحي على سيدنا رسول الله وهو في الطريق وقبل أنْ يصلوا المدينة يوضح لهم الحكمة الإلهية من عودتهم هذا العام، فقال تعالى: {أية : هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} تفسير : [الفتح: 25]. إذن: الحكمة من العودة هذا العام أن مكة كان بها كثير من المسلمين الذين أخفوْا إسلامهم، فلو دخلتم مكة عُنْوة، وحدث بينكم وبين الكفار قتال فسوف يصيب إخوانكم المسلمين، وسوف تُلحقون بهم الضرر دون علم منكم. وهكذا علموا صواب رأي رسول الله، وأنه صلى الله عليه وسلم على الحق. هذا مثال لسداد الرأي في النساء، والتاريخ مليء بنماذج من نساء تفوقن على الرجال في الجدل وقوة وسداد الرأي لأن الخالق سبحانه لا يخلق بطريقة ميكانيكية، إنما بقدرة وحكمة فليس شرطاً أن يكون الرجال جميعاً عندهم قوة في الجدال، والنساء جميعاً عندهُنَّ ضعف في الرأي وعدم قدرة على الجدال، فالقاعدة لابدَّ أنْ يكون لها شواذ. فإذا كانت القاعدةُ في النساء {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} [الزخرف: 18] فطلاقة القدرة لله عز وجل تجعل من هذا الضعف قوة تتفوق على قوة الرجال، فنرى من النساء مَنْ كانت ملكة على قومها، مثل ملكة سبأ مثلاً التي قصَّ القرآنُ قصَّتها مع سيدنا سليمان. فهل وصلت للمُلْك لعدم وجود الرجال؟ أبداً، بل تفوقتْ بذكائها وقوة رأيها حتى سلَم لها الرجال وقدَّموها عليهم. وحين نقرأ قصتها في سورة النمل نجد ما يدل على هذا الذكاء وهذه الفطنة والسياسة والقدرة على الجدل، فلما وصفها الهدهد قال: {أية : إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} تفسير : [النمل: 23]. ولما وصلها كتاب سليمان لم تستأثر بالرأي؛ إنما شاورت أهل الرأي: {أية : قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} تفسير : [النمل: 29] وأخذت بمبدأ الشورى {أية : قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِيۤ أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ} تفسير : [النمل: 32]. ثم تحاول حَلَّ المسألة بطريقة ودية بعيدة عن العنف وإراقة الدماء لأنها تعلم طبيعة الملوك: {أية : قَالَتْ إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ * وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ} تفسير : [النمل: 34-35]. وتأمل لباقتها وسياستها في الرد لما نكّروا لها عرشها وسألوها: {أية : أَهَكَذَا عَرْشُكِ ..} تفسير : [النمل: 42]؟ {أية : قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ..} تفسير : [النمل: 42] ولما انتهى الأمر بإسلامها قالت: {أية : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [النمل: 44] فهي لم تُسلم خوفاً من سليمان، ولا إرضاء له، إنما أسلمتْ معه لله، فأنا وهو سواء في إسلام الوجه لله تعالى. وعندنا في مصر (شجر الدر)، وكان لها رأي سديد وحنكة سياسية مكنَّتها من تجاوز الأزمة لمَّا مات زوجها فأخفتْ نبأ موته، وأدارت هي دفّة الحكم حتى لا تفُتّ في عَضُد الجيش الذي كان خارج البلاد في مهمة حربية (شجر الدر) هي التي أوصلتنا بالكعبة وهي التي كسَتْهَا، وهي امرأة. وهذه الأمثلة ليستْ في تاريخ الإسلام فحسب، إنما أيضاً في الجاهلية وجدنا نساء بارزات لهُنَّ رأي وحكمة تفوق الرجال. ويُروَى أن أُمامة بنت الحارث بن عمر تزوجتْ من عوف بن مُحلِّم الشيباني وأنجبتْ له بنتاً اسمها أم أُناس، وكانت جميلة، تسامع العرب بجمالها وفصاحتها، فأراد أنْ يتزوجها عمرو بن حُجْر أمير كندة، وكان سيِّداً من سادات العرب. فقال عمرو لصاحبه ابن سنان: أرأيتَ يا بن سنان لو أنِّي خطبتُ من أيِّ حَيٍّ من العرب أيردُّونني؟ قال: نعم، أعرف مَنْ يردك، قال: مَنْ؟ قال: عوف بن مُحلِّم، قال: فهيا نذهب إليه. فلما ذهبا ودخلا عليه قال: مرحباً بك يا عمرو، ماذا جاء بك؟ قال: أتيتُكَ خاطباً، قال له: ولكنك لستَ هنالك - يعني: لستَ كُفْؤاً لأنْ تتزوج ابنتي. سمعت امرأة عوف هذا الحوار فقالت له: يا عوف ما رجلٌ جاء إليك راكباً فلم يُطِلْ معك الكلام؟ فقال: إنه عمرو بن حجر سيد من سادات العرب، فقالت: ولماذا لم تستنزله؟ يعني: تستضيفه وتكرمه - قال: لأنه استهجنني، قالت: بماذا؟ قال: أتاني خاطباً، قالت: إنْ كان سيداً من سادات العرب وجاءك خاطباً، فمَنْ تُزوِّج بناتك إنْ لم تُزوِّجهن سادات العرب؟ الحق به واسترضه. لحق عوفٌ بعمرو وصاحبه ابن سنان وناداه: يا عمرو أربع عليَّ ولك عندي ما تحب، فرجع عمرو وصاحبه، فقال عوف: أتيتني وأنا مُغْضَب وقلتُ لك ما قلتُ، ولكن راجعتُ نفسي، وأخذه إلى البيت. وكان عند عوف ثلاث بنات: كبرى ووسطى وصغرى. فجاء إلى الكبرى. وقال لها: يا ابنتي إن عمرو بن حُجْر جاء يخطبك، فقالت: لا يا أبي، قال: لم؟ قالت: إنِّي امرأة فيَّ ردة - يعني في وجهي شيء يردُّ الناظر إليها - وفي خُلُقي شدة، والحارث ليس بجار لك ولا أنا بنت عمه، وأخشى إنْ حدث شيء مني أنْ يطلقني فيصبح ذلك سُبَّة لي، قال: قُومي بارك الله فيك. ثم ذهب إلى الوسطى فقال لها ما قال لأختها، فقالت: لا يا أبي إنِّي امرأة لستُ جميلة ولا صَنَاع وأخشى أنْ يُطلِّقني فيصبح ذلك سُبَّة لي. فقال لها: قومي بارك الله فيك. ثم جاء بالصغرى وقال لها مثل ما قال لأختيْها، فقالت له: نعم يا أبي، فأنا الحسنة خُلُقاً، والجميلة خَلْقاً، والصَّنَاع يداً، فإنْ طلَّقني فلا باركَ الله له ولا أخلف عليه. فخرج عوف وقال لعمرو: زوَّجتُكَ ابنتي الصغرى بهيسة، ثم أعدَّ له خباءً في بيته ليدخل فيه على عروسه، فلما دخل عليها قالت له: لقد كنتُ أحببتُك واحترمتُك، لكني الآن زهدتُ فيك، قال: لم؟ قالت: أيكون هذا عند أبي وبين إخوتي، والله لا يكون أبداً. فقال: إذن نرحل إلى ديارنا. وأمر صاحبه ابن سنان أنْ يسير مع الركْب، وتخلَّف هو في جانب الطريق ودخل عليها، فقالت: أهكذا كما يُفعل بالسَّبية الأخيذة، والله لا يكون أبداً إلا حين تذهب إلى حَيِّكَ وتنحر وتذبح وتُطعم الناس، وتصنع ما يصنع مثلُك لمثلي. فلما وصل إلى حَيِّه ذبح الذبائح وأطعم الناس، ثم أراد أنْ يدخل عليها، فقالت: يا عمرو أترغب في النساء وفي العرب حَيَّانِ يقتتلان، اذهب فأصلح بينهما أولاً، ثم لا يفوتك من أهلك شيء. خرج عمرو وأصلح بين الحيَّيْن ودفع دِيَة القتلى من الجانبين ثلاثة آلاف بعير من ماله، ثم عاد إلى زوجته فلما علمتْ بما فعل قالت له: الآن يا حارث. هذه أمثلة من النساء اللاتي كان لهُنَّ عقل راجح ورأي سديد وقدرة على الجدل. ولما أراد عمر خطبة أم أُناس بنت عوف دعا امرأة من كندة اسمها عصام، وقال لها: اذهبي حتى تعلمي لي عِلْمَ ابنة عوف، فذهبتْ إلى بيت عوف وقابلتْها أمامة، وعرفتْ منها سبب مجيئها، جعلتْ أُمامة لبنتها خيمة وقالت: اجلسي فيها وستدخل عليك عصام فلا تستري عنها شيئاً أرادت النظر إليه من وجه وخَلْق، وناطقيها فيما استنطقتك به، لأنها جاءت لكذا وكذا. دخلتْ عصام على أُم أناس فوجدتها كما أرادتْ، لم تُخْفِ عنها شيئاً. فقالت: تَرَكَ الخداع من كَشَف القناع، فصارت مثلاً عند العرب حتى الآن. فلما انتهت إلى عمرو قال لها: ما وراءك يا عصام؟ قالت: أبدى المخض عن الزبد - يعني: الرحلة جاءتْ بالنتيجة المرضية - فقال لها: ناطقيني، قالت: أخبرك حقاً وصدقاً، ثم أخذتْ تصف له أم أُناس (من ساسها لراسها) ونكتفي هنا بوصف ما لا يحرم. قالت: رأيتُ جبهة كالمرآة الصقيلة، يُزينها شعر كأذناب الخيل المضفورة، إن مشطته خِلْتَه السلاسل، وإنْ أرسلتْهُ قلتَ: عناقيد كَرْم جَلاَها الوابل، تحته حاجبان مُتقوِّسان كأنما خُطَّا بقلم أو سُوِّدا بحمم، قد تقوَّسا على عيني الظبية العبهرة التي لم يرعها قانص، ولم يُفزعها قسورة. بينهما أنف كحدِّ السيف المصقول لم يخنس به قِصَر، ولم يُمعن به طول، حَلَّقت به وجنتان كالأرجوان في بياض محض كالجُمان، فيه فم كالخاتم لذيذ المبتسم، ذو ثنايا غُرّ، وفيه لسان مُليء بياناً، يزينه شفتان حمراوان كأنهما الورد، يجلبان ريقاً كالشهد، وتحته عنق كإبريق الفضة اتصل به عضدان ممتلئان .. إلى آخر ما قالتْ عصام في الوصف. وقبل أنْ تغادر أم أُناس بيت أبيها إلى بيت زوجها لم يَفُتْ أمامة بنت الحارث أنْ توصي ابنتها هذه الوصية الغالية التي تضمن لها السعادة الزوجية، إنْ هي التزمت بها، واسمع أمامة تقول: أي بُنيَّة .. إن الوصية لو تُركَتْ لفضل أدب تُركت لذلك منك، ولكنها تذكرة للغافل ومعونة للعاقل، ولو أن امرأة استغنتْ عن الزوج لِغَنى أبويها وشدَّة حاجتهما إليك كنتِ أغنى الناس عنه، ولكن النساء للرجال خُلِقْنَ، ولهُنَّ خُلِق الرجال. أي بنية .. إنك مفارقة الجو الذي منه خرجتِ، وخلفتِ العُشَّ الذي فيه درجتْ، إلى وكْر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فاحفظي له خصالاً عشراً يكُنْ لكِ ذُخراً: أما الأولى والثانية: فالرضا له بالقناعة، وحُسْن السمع له والطاعة. وأما الثالثة والرابعة: فالتفقُّد لمواقع عينيه وأنفه، فلا تقع عينُه منكِ على قبيح. ولا يشمُّ أنفه منكِ إلا أطيب ريح. وأما الخامسة والسادسة: فالتفقد لوقت منامه وطعامه، فإنَّ تواتُرَ الجوع مَلْهبة، وتنغيص النوم مَغْضبة. وأما السابعة والثامنة: فالإحراز لماله، والإرعاء على حَشمه وعياله، ومِلاك الأمر في المال حُسْن التدبير وفي العيال حُسْن التقدير. وأما التاسعة والعاشرة: فلا تَعصِينَّ له أمراً، ولا تُفشِينَّ له سراً، فإنك إنْ خالفت أمره أوغرتِ صدره، وإن أفشيتِ سِرَّه لم تأمني غدره. ثم إياك والفرح بين يديه إنْ كان مُهتماً، والكآبة بين يديه إنْ كان فَرحاً .. هذه نماذج من النساء صاحبات العقل الراجح والتفكير السديد. ولو أخذت الزوجاتُ بهذه النصيحة لكفَتْنا شراً كثيراً من الخلافات الزوجية التي نعاني منها اليوم.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} قال الإِمامُ زيد بن علي عليهما السّلامُ: هُنّ النِّساءُ. فَرَّقَ بين زَيّهنَّ وزيّ الرِّجالِ. ونَقَصهنَّ فِي المِيراثِ والشَّهادةِ، وأَمرهن بالعُدةِ، وسَماهن الخَوالفَ.
همام الصنعاني
تفسير : 2757- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ}: [الآية: 18]، قال: جعلوا له البنات، وهم {أية : وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ}تفسير : بهن {أية : ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ}تفسير : [النحل: 58] وأما قوله: {وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ}: [الآية: 18]، يقول: قَلَّ ما تكلمت امرأة، تريد أن تُكَلِّم بحجتها، إلاّ تكلمت بالحجة عَلَيْهَا. 2758- حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرني الثَّوْري، عن علقمة بن مرثد، عن مجاهد قال: ذكر له أنهم يقولون: من يحلي بمثل خربصيصة - يعني دابة صغيرة - فقال مجاهد: رخَّصَ للنساء في الذهب والحرير ثم تَلاَ هذه الآية: {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ}: [الآية: 18].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):