Verse. 4344 (AR)

٤٣ - ٱلْزُّخْرُف

43 - Az-Zukhruf (AR)

وَجَعَلُوا الْمَلٰۗىِٕكَۃَ الَّذِيْنَ ہُمْ عِبٰدُ الرَّحْمٰنِ اِنَاثًا۝۰ۭ اَشَہِدُوْا خَلْقَہُمْ۝۰ۭ سَـتُكْتَبُ شَہَادَتُہُمْ وَيُسْــَٔــلُوْنَ۝۱۹
WajaAAaloo almalaikata allatheena hum AAibadu alrrahmani inathan ashahidoo khalqahum satuktabu shahadatuhum wayusaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا» حضروا «خلقهم ستكتب شهادتهم» بأنهم إناث «ويسألون» عنها في الآخرة فيترتب عليهم العقاب.

19

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَجَعَلُواْ ٱلْمَلَٰئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَٰدُ ٱلرَّحْمَٰنِ إِنَٰثاً أَشَهِدُواْ } حضروا {خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَٰدَتُهُمْ } بأنهم إناث {وَيُسْئَلُونَ } عنها في الآخرة فيترتب عليها العقاب.

ابن عبد السلام

تفسير : {عِبَادُ الرَّحْمَنِ} جمع عابد، أو أضافهم إليه تكريماً {إِنَاثاً} بنات الرحمن، أو ناقصون نقص الإناث {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ} عنها إذا بعثوا.

النسفي

تفسير : {وَجَعَلُواْ ٱلْمَلَـئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثاً } أي سموا وقالوا إنهم إناث {عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ } مكي ومدني وشامي، أي عندية منزلة ومكانة لا منزل ومكان. والعباد جمع عبد وهو ألزم في الحجاج مع أهل العناد لتضاد بين العبودية والولاد {أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ } وهذا تهكم بهم يعني أنهم يقولون ذلك من غير أن يستند قولهم إلى علم، فإن الله لم يضطرهم إلى علم ذلك ولا تطرقوا إليه باستدلال ولا أحاطوا به عن خبر يوجب العلم ولم يشاهدوا خلقهم حتى يخبروا عن المشاهدة {سَتُكْتَبُ شَهَـٰدَتُهُمْ } التي شهدوا بها على الملائكة من أنوثتهم {وَيُسْـئَلُونَ } عنها وهذا وعيد. {وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُمْ } أي الملائكة. تعلقت المعتزلة بظاهر هذه الآية في أن الله تعالى لم يشأ الكفر من الكافر وإنما شاء الإيمان، فإن الكفار ادعوا أن الله شاء منهم الكفر وما شاء منهم ترك عبادة الأصنام حيث قالوا {لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُمْ } أي لو شاء منا أن نترك عبادة الأصنام لمنعنا عن عبادتها، ولكن شاء منا عبادة الأصنام، والله تعالى رد عليهم قولهم واعتقادهم بقوله {مَّا لَهُم بِذَلِكَ } المقول {مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } أي يكذبون، ومعنى الآية عندنا أنهم أرادوا بالمشيئة الرضا وقالوا: لو لم يرض بذلك لعجل عقوبتنا، أو لمنعنا عن عبادتها منع قهر واضطرار، وإذ لم يفعل ذلك فقد رضي بذلك، فرد الله تعالى عليهم بقوله {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ } الآية. أو قالوا ذلك استهزاءً لا جداً واعتقاداً، فأكذبهم الله تعالى فيه وجهلهم حيث لم يقولوا عن اعتقاد كما قال مخبراً عنهم. {أية : أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ }تفسير : [يس: 47]. وهذا حق في الأصل، ولكن لما قالوا ذلك استهزاءً كذبهم الله بقوله {أية : إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ }تفسير : [يس: 47] وكذلك قال الله تعالى: {قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ } ثم قال {أية : وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ } تفسير : [المنافقون: 1] لأنهم لم يقولوه عن اعتقاد وجعلوا المشيئة حجة لهم فيما فعلوا باختيارهم، وظنوا أن الله لا يعاقبهم على شيء فعلوه بمشيئته، وجعلوا أنفسهم معذورين في ذلك، فرد الله تعالى عليهم {أَمْ ءَاتَيْنَـٰهُمْ كِتَـٰباً مِّن قَبْلِهِ } من قبل القرآن أو من قبل قولهم هذا {فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ } آخذون عاملون. وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره أشهدوا خلقهم أم آتيناهم كتاباً من قبله فيه أن الملائكة إناث {بَلْ قَالُوآ} بل لا حجة لهم يتمسكون بها لا من حيث العيان ولا من حيث العقل ولا من حيث السمع إلا قولهم {إِنَّا وَجَدْنَآ ءابَآءَنَا} على دين فقلدناهم وهي من الأم وهو القصد فالأمة الطريقة التي تؤم أي تقصد {وإِنّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُّهْتَدُونَ} الظرف صلة المهتدون أو هما خبران. {وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ } نبي {إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ} أي متنعموها وهم الذين أترفتهم النعمة أي أبطرتهم فلا يحبون إلا الشهوات والملاهي ويعافون مشاق الدين وتكاليفه {إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وإِنَّا عَلَى ءَاثٰرِهِم مُّقْتَدُونَ} وهذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وبيان أن تقليد الآباء داء قديم {قَٰلَ } شامي وحفص أي النذير، {قُلْ }: غيرهما أي قيل للنذير قل {أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ ءَابَآءَكُمْ} أي أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم؟ {قَالُوآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَـٰفِرُونَ } إنا ثابتون على دين آبائنا وإن جئتنا بما هو أهدى وأهدى {فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ } فعاقبناهم بما استحقوه على إصرارهم {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذّبِينَ وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ لأَِبِيهِ وَقَوْمِهِ } أي واذكر إذ قال {إِنَّنِى بَرَآءٌ } أي بريء وهو مصدر يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث كما تقول: رجل عدل وامرأة عدل وقوم عدل والمعنى ذو عدل وذات عدل {مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱلَّذِى فَطَرَنِى } استثناء منقطع كأنه قال: لكن الذي فطرني {فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ } يثبتني على الهداية {وَجَعَلَهَا } وجعل إبراهيم عليه السلام كلمة التوحيد التي تكلم بها وهي قوله {إِنَّنِى بَرَاء مّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱلَّذِى فَطَرَنِى } {كَلِمَةً بَـٰقِيَةً فِى عَقِبِهِ } في ذريته فلا يزال فيهم من يوحد الله ويدعو إلى توحيده {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } لعل من أشرك منهم يرجع بدعاء من وحد منهم والترجي لإبراهيم. {بَلْ مَتَّعْتُ هَـؤُلآءِ وَءَابَآءَهُمْ } يعني أهل مكة وهم من عقب إبراهيم بالمد في العمر والنعمة فاغتروا بالمهلة وشغلوا بالتنعم واتباع الشهوات وطاعة الشيطان عن كلمة التوحيد {حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ } أي القرآن {وَرَسُولٌ } أي محمد عليه السلام {مُّبِينٌ } واضح الرسالة بما معه من الآيات البينة. {وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ } القرآن {قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَـٰفِرُونَ وَقَالُواْ } فيه متحكمين بالباطل {لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ } فيه استهانة به {عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } أي رجل عظيم من إحدى القريتين كقوله {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } تفسير : [الرحمن: 22] أي من أحدهما، والقريتان: مكة والطائف. وعنوا بعظيم مكة الوليد بن المغيرة، وبعظيم الطائف عروة بن مسعود الثقفي، وأرادوا بالعظيم من كان ذا مال وذا جاه ولم يعرفوا أن العظيم من كان عند الله عظيماً. {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتِ رَبِّكَ} أي النبوة، والهمزة للإنكار المستقل بالتجهيل والتعجيب من تحكمهم في اختيار من يصلح للنبوة {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ } ما يعيشون به وهو أرزاقهم {فِى ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُنْيَّأ} أي لم نجعل قسمة الأدون إليهم وهو الرزق فكيف النبوة؟ أو كما فضلت البعض على البعض في الرزق فكذا أخص بالنبوة من أشاء {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ } أي جعلنا البعض أقوياء وأغنياء وموالي والبعض ضعفاء وفقراء وخدماء {لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً } ليصرف بعضهم بعضاً في حوائجهم ويستخدموهم في مهنهم ويتسخروهم في أشغالهم حتى يتعايشوا ويصلوا إلى منافعهم هذا بماله وهذا بأعماله {وَرَحْمَتُ رَبِّكَ} أي النبوة أو دين الله وما يتبعه من الفوز في المآب {خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } مما يجمع هؤلاء من حطام الدنيا. ولما قلل أمر الدنيا وصغرها أردفه بما يقرر قلة الدنيا عنده فقال.

الخازن

تفسير : {وجعلوا} أي وحكموا وأثبتوا {الملائكة الذين هم عباد} وقرىء عند {الرحمن إناثاً أشهدوا خلقهم} أي حضروا خلقهم حين خلقوا وهذا استفهام إنكار أي لم يشهدوا ذلك {ستكتب شهادتهم} أي على الملائكة أنهم بنات الله {ويسألون} أي عنها، قيل لما قالوا هذا القول سألهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: وما يدريكم أنهم بنات الله، قالوا: سمعنا من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا، فقال الله تعالى: {ستكتب شهادتهم} ويسألون عنها في الآخرة {وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم} يعني الملائكة وقيل الأصنام وإنما لم يعجل عقوبتنا على عبادتنا إياها لرضاه منا بذلك قال الله تعالى رداً عليهم. {ما لهم بذلك من علم} أي فيما يقولون {إن هم إلا يخرصون} يعني ما هم إلا كاذبون في قولهم إن الله رضي منا بعبادتها، وقيل يكذبون في قولهم إن الملائكة إناث وإنهم بنات الله {أم آتيناهم كتاباً من قبله} أي من قبل القرآن بأن يعبدوا غير الله {فهم به مستمسكون} أي يأخذون بما فيه {بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة} أي على دين وملة {وإنا على آثارهم مهتدون} يعني أنهم جعلوا أنفسهم مهتدين باتباع آبائهم وتقليدهم من غير حجة ثم أخبر أن غيرهم قد قال هذه المقالة بقوله تعالى: {وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها} أغنياؤها ورؤساؤها {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} أي بهم.

البقاعي

تفسير : ولما كان ربما ظن أن المحذور إنما هو جعلهم عيهم السلام إناثاً بقيد النسبة إليه سبحانه، نبه على أن ذلك قبيح في نفسه مطلقاً لدلالته على احتقارهم وانتقاصهم فهو كفر ثالث إلى الكفرين قبله: نسبة الولد إليه سبحانه ثم جعل أخص النوعين، فقال: {وجعلوا} أي مجترئين على ما لا ينبغي لعاقل فعله {الملائكة الذين هم} متصفون بأشرف الأوصاف أنهم {عباد الرحمن} العامة النعمة الذي خلقهم فهم بعض من يتعبد له وهم عباده وحقيقة لأنهم ما عصوه طرفه عين، فهم أهل لأن يكونوا على أكمل الأحوال، وقراءة "عند" بالنون شديدة المناداة عليهم بالسفه، وذلك أن أهل حضرة الملك الذين يصرفهم في المهمات لا يكونون إلا على أكمل الأحوال وعنديته أنهم لم يعصوه قط وهم محل مقدس عن المعاصي مشرف بالطاعات وأهل الاصطفاء، وذكر المفعول الثاني للجعل الذي بمعنى التعبير الاعتقادي والقول فقال: {إناثاً} وذلك أدنى الأوصاف خلقاً وذاتاً وصفة، ثم دل على كذبهم في هذا المطلق ليدل على كذبهم في المقيد من باب الأولى فقال تهكماً بهم وتوبيخاً لهم وإنكاراً عليهم إظهاراً لفساد عقولهم بأن دعاويهم مجردة عن الأدلة: {أشهدوا} أي حضروا حضوراً هم فيه على تمام الخبرة ظاهراً وباطناً - هذا هو معنى قراءة الجماعة، وأدخل نافع همزة التوبيخ على أخرى مضمومة بناء الفعل للمفعول تنبيهاً على عجزهم عن شهود ذلك إلا بمن يشهدهم إياه، وهو الخالق لا غيره، ومدها في إحدى الروايتين زيادة في المادة عليهم بالفضيحة، وسهل الثانية بينها وبين الواو إشارة إلى انحطاط أمرهم وسفول آرائهم وأفعالهم، وجميع تقلباتهم وأحوالهم كما سيكشف عنه الزمان ونوازل الحدثان {خلقهم} أي مطلب الخلق في أصله أو عند الولادة أو بعدها على حال من الأحوال حضوراً أوجب لهم تحقق ما قالوا بأن لم يغيبوا عن شيء من الأحوال الدالة على ذلك أعم من أن تكون تلك الشهادة حسية بنظر العين أو معنوية بعلم ضروري أو استدلالي بعقل أو سمع. ولما كان الجواب قطعاً: لا، قال مهدداً لهم مؤكداً لتهديدهم بالسين لظنهم أن لا بعث ولا حساب ولا حشر ولا نشر فقال: {ستكتب} بكتابة من وكلناهم بهم من الحفظة الذين لا يعصوننا فنحن نقدرهم على جميع ما نأمرهم به - هذا على قراءة الجماعة بالتاء والبناء للمفعول، وعظم الكتابة تفخيماً للوعيد وإكباراً لما اشتمل عليه من التهديد في قراءة النون المفيدة للعظمة والبناء للفاعل ونصب الشهادة {شهادتهم} أي قولهم فيهم أنهم إناث الذي لا ينبغي أن يكون إلا بعد تمام المشاهدة، فهو قول ركيك سخيف ضعيف - بما أشار إليه التأنيث في قراءة الجماعة {ويسألون} عنها عند الرجوع إلينا، ويجوز أن يكون في السين استعطاف إلى التوبة قبل كتابة ولا علم لهم به، فإنه قد روى أبو أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشراً، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات، لعله يسبح الله أو يستغفر"تفسير : رواه الشعبي والبغوي من طريقه والطبراني والبيهقي من طريق جعفر عن القاسم عن أبي أمامة والبيهقي من رواية بشر بن نمير عن القاسم نحوه وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه من طريق إسماعيل بن عياش عن عاصم بن رجاء عن عروة بن رويم عن القاسم عن أبي أمامة رضي الله عنه، وروى الحاكم وقال: صحيح الإسناد عن أم عصمة العوصية رضي الله تعالى عنها قال: حديث : ما من مسلم يعمل ذنباً إلا وقف الملك ثلاث ساعات، فإن استغفر من ذنبه لم يوقعه عليه ولم يعذب يوم القيامة . تفسير : ولما ذكر أنهم يسألون بطريق الأولى عن العبادة، نبه على أنهم عبدوهم مع ادعاء الأنوثة فيهم، فقال معجباً منهم في ذلك وفي جعل قولهم حجة دالة على صحة مذهبهم وهو من أوهى الشبه: {وقالوا} أي بعد عبادتهم لهم ونهيهم عن عبادة غير الله: {لو شاء الرحمن} أي الذي له عموم الرحمة {ما عبدناهم} لأن عموم الرحمة يمنع الإقرار على ما لا ينبغي ولكنه لم يشأ عدم عبادتنا لهم فعبدناهم طوع مشيئته، فعبادتنا لهم حق، ولولا أنها حق يرضاه لنا لعجل لنا العقوبة. ولما كان كأنه قيل: بماذا يجابون عن هذا، قال منبهاً على جوابهم بقوله دالاً على أن أصول الدين لا يتكلم فيها إلا بقاطع: {ما لهم بذلك} أي بهذا المعنى البعيد عن الصواب الذي قصدوا جعله دليلاً على حقية عبادتهم لهم وهو أنه سبحانه لا يشاء إلا ما هو حق ويرضاه ويأمر به، ومن أن الملائكة إناث، وأكد الاستغراق بقوله: {من علم} أي لأنه لو لزم هذا لكان وضعه بعموم الرحمة حينئذ اضطرارياً لا اختيارياً فيؤدي إلى نقص لا إلى كمال، ولكان أيضاً ذلك يؤدي إلى إيجاب أن يكون الناس كلهم مرضياً عنهم لكونهم على حق، وذلك مؤد بلا ريب إلى كون النقيضين معاً حقاً، وهو بديهي الاستحالة. ولما كان العلم قد ينتفي والمعلوم ثابت في نفسه قال نافياً لذلك: {إن هم} أي ما هم {إلا يخرصون} أي يكذبون في هذه النتيجة التي زعموا أنها دلتهم على رضى الله سبحانه لكفرهم فإنها مبنية على أنه سبحانه لا يشاء إلا ما هو حق، والذي جرأهم على ذلك أنهم يجددون على الدوام القول بغير تثبت ولا تحر، فكان أكثر قولهم كذباً، فصاروا لذلك يجترئون على تعمد القول للظن الذي لا يأمن صاحبه من الوقوع في صريح، وسيأتي تمام إبطال هذه الشبهة بقوله تعالى {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} وأن ذلك هو المراد لا ما طال الخبط فيه لإهمال في السوابق واللواحق الموجبة لسوق المقال، مطابقاً لمقتضى الحال، وقد جهلوا في هذا الكلام عدة جهالات: ادعاء الولدية للغني المطلق، وكون الولد أدنى الصنفين، وعبادتهم لهم مع أنفسهم منهم بغير دليل، واحتياجهم على صحة فعلهم بتقدير علم على ذلك وهو قد نهاهم عنه بلسان كل رسول، وظنهم أنه لا يشاء إلا ما هو الحق المؤدي إلى الجميع بين النقيضين إذ لا ريب فيه ولا خفاء به. ولما كان الإيمان بالملائكة الذين هم جند الملك من دعائم أصول الدين، وكان الإيمان بالشيء إن لم يكن على ما هو عليه الشيء ولو بأدنى الوجوه كان مختلاً، وأخبر سبحانه أنهم وصفوهم بغير ما هم عليه ففرطوا بوصفهم بالبنات حتى أنزلوهم إلى الحضيض وأفرطوا بالعبادة حتى أعلوهم عن قدرهم فانسلخوا في كلا الأمرين من صريح العقل بما أشار إليه ما مضى، أتبع ذلك أنهم عريئون أيضاً من صحيح النقل، فقال معادلاً لقوله {أشهدوا خلقهم} إنكاراً عليهم بعد إنكار، موجباً ذلك أعظم العار، لافتاً القول عن الوصف بالرحمة تنبيهاً بمظهر العظمة على أن حكمه تعالى متى برز لم يسع سامعة إلا الوقوف عنده والامتثال على كل حال وإلا حل به أعظم النكال: {أم آتيناهم} بما لنا من العظمة {كتاباً} أي جامعاً لما يريدون اعتقاده من أقوالهم هذه {من قبله} أي القرآن أخبرناهم فيه أنا جعلناهم إناثاً وأنا لا نشاء إلا ما هو حق نرضاه ونأمر به {فهم} أي فتسبب عن هذا الإيتاء أنهم {به} أي وحده {مستمسكون} أي موجدون الاستمساك به وطالبون للثبات عليه في عبادة غير الله، وفي أن ذلك حق لكونه لم يعاجلهم بالعقوبة، وفي وصفهم الملائكة بالأنوثة، وفي غير ذلك من كل ما يرتكبونه باطلاً، والإنكار يقتضي نفي ما دخل عليه من إيتاء الكتاب كما انتفى إشهاده لهم خلقهم، وهذه المعادلة التي لا يشك فيها من له بصر بالكلام تدل على صحة كون الإشارة في {ما لهم بذلك من علم} شاملة لدعواهم الأنوثة في الملائكة. ولما كان الجواب قطعاً عن هذين الاستفهامين: ليس لهم ذلك على مطلق ما قالوا ولا مقيده من صريح عقل ولا صحيح نقل إلى من يصح النقل عنه من أهل العلم بالأخبار الإلهية، نسق عليه قوله إرشاداً إليه: {بل قالوا} أي في جوابهم عن قول ذلك واعتقاده مؤكدين إظهاراً جهلاً أو تجاهلاً لأن ذلك لم يعب عليهم إلا لظن أنه لا سلف لهم أصلا فيه، فإذا ثبت أنه عمن تقدمهم انفصل النزاع: {إنا وجدنا آباءنا} أي وهم أرجح منا عقولاً وأصبح أفهاماً {على أمة} أي طريقة عظيمة يحق لها أن تقصد وتؤم مثل رحلة بمعنى شيء هو أهل لأن يرحل إليه، وكذا قدوة ونحوه. وقراءة الكسر معناها حالة حسنة يحق لها أن تؤم {وإنا على آثارهم} أي خاصة لا على غيرها ونحن في غاية الاجتهاد والقص للآثار وإن لم نجد عيناً نتحققها. ولما علم ذلك من حالهم، ولم يكن صريحاً في الدلالة على الهداية، بينوا الجار والمجرور، وأخبروا بعد الإخبار واستنتجوا منه قولهم استئنافاً لجواب من سأل: {مهتدون} أي نحن، فإذا ثبت بهذا الكلام المؤكد أنا ما أتينا بشيء من عند أنفسنا ولا غلطنا في الاتباع واقتفاء الآثار، فلا اعتراض علينا بوجه، هذا قوله في الدين بل في أصوله التي من ضل في شيء منها هلك، ولو ظهر لأحد منهم خلل في سعي أبيه الدنيوي الذي به يحصل الدينار والدرهم ما اقتدى به أصلاً وخالفه أي مخالفة، ما هذا إلا لمحض الهوى وقصور النظر، وجعل محطه الأمر الدنيوي الحاضر، لا نفوذ لهم في المعاني بوجه. ولما كان ترك المدعو للدليل واتباعه للهوى غائظاً موجعاً ومنكئاً مولماً، قال يسليه صلى الله عليه وسلم عاطفاً على قوله: {وكذلك} أي ومثل هذا الفعل المتناهي في البشاعة فعلت الأمم الماضية مع إخوانك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ ثم فسر ذلك بقوله: {ما أرسلنا} مع ما لنا من العظمة. ولما كانت مقالة قريش قد تقدمت والمراد التسلية بغيرهم، وكان صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين فلا أمة لغيره في زمانه ولا بعده يسليه بها، سلاه بمن مضى، وقدم ذكر القبلية اهتماماً بالتسلية وتخليصاً لها من أن يتوهم أنه يكون معه في زمانه أو بعده نذير، وإفهاماً لأن المجدد لشريعته إنما يكون مغيثاً لأمته وبشيراً لا نذيراً لثباتهم على الدين بتصديقهم جميع النبيين فقال تعالى: {من قبلك} أي في الأزمنة السالفة حتى القريبة منك جداً، فإن التسلية بالأقرب أعظم، وأثبت الجار لأن الإرسال بالفعل لم يعم جميع الأزمنة وأسقط هذه القبلية في "سبأ" لأن المراد فيها التعميم لأنه لم يتقدم لقريش ذكر حتى يخص من قبلهم. ولما كان أهل القرى أقرب إلى العقل وأولى بالحكمة والحكم، قال: {في قرية} وأعرق في النفي بقوله: {من نذير} وبين به أن موضع الكراهة والخلاف الإنذار على مخالفة الأهواء {إلا قال مترفوها} أي أهل الترفه بالضم وهي النعمة والطعام الطيب والشيء الطريق يكون خاصة بالمترف، وذلك موجب للقلة وهو موجب للراحة والبطالة الصارف عن جهد الاجتهاد إلى سفالة التقليد، وهو موجب لركون الهواء ولو بان الدليل، وهو موجب للبغي والإصرار عليه واللجاجة فيه والتجبر والطغيان، ومعظم الناس في الأغلب أتباع لهؤلاء: {إنا وجدنا آباءنا} أي وهم أعرف منا بالأمور {على أمة} أي أمر جامع يستحق أن يقصد ويؤم وطريقة ودين، وأكدوا قطعاً لرجاء المخالف من لفتهم عن ذلك {وإنا على آثارهم} لا غيرها، ثم بينوا الجار والمجرور وأخبروا خبراً ثانياً واستأنفوا لإتمام مرادهم قولهم إيضاحاً لأن سبب القص القدوة: {مقتدون} أي مستنون أي راكبون سنن طريقهم لازمون له لأنهم مقتدون لأن تقدم عليهم، وحالنا أطيب ما يكون في الاستقامة وأقرب وأسرع.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً‏} ‏ قال‏:‏ قد قال ذلك أناس من الناس ولا نعلمهم إلا اليهود‏:‏ أن الله عز وجل صاهر الجن فخرجت من بنيه الملائكة‏!‏‏؟ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه، قال‏:‏ كنت أقرأ هذا الحرف {‏الذين هم عباد الرحمن إناثا‏ً} ‏ فسألت ابن عباس فقال‏:‏ ‏ {‏عباد الرحمن‏} ‏ قلت‏:‏ فإنها في مصحفي ‏"‏عند الرحمن‏"‏ قال‏:‏ فامحها واكتبها ‏{‏عباد الرحمن‏} ‏ بالألف والباء‏.‏ وقال‏:‏ أتاني رجل اليوم وددت أنه لم يأتني، فقال‏:‏ كيف تقرأ هذا الحرف ‏ {‏وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا‏ً} ‏ قال‏:‏ إن أناساً يقرأون ‏"‏الذين هم عند الرحمن‏"‏ فسكت عنه، فقلت‏:‏ اذهب إلى أهلك‏!‏‏. وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأها ‏"‏الذين هم عند الرحمن‏"‏ بالنون‏.‏ وأخرج أبو عبيد وابن المنذر، عن مروان ‏"‏وجعلوا الملائكة عند الرحمن إناثاً‏"‏ ليس فيه ‏{‏الذين هم‏}‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ‏ {‏عباد الرحمن‏}‏ بالألف والباء ‏{‏أشهدوا خلقهم‏}‏ بنصبهم الألف والشين ‏{‏ستكتب‏} ‏ بالتاء ورفع التاء‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم‏} ‏ قال‏:‏ يعنون الأوثان لأنهم عبدوا الأوثان يقول الله‏:‏ ‏ {‏ما لهم بذلك من علم‏}‏ يعني الأوثان أنهم لا يعلمون ‏{‏إن هم إلا يخرصون‏}‏ قال‏:‏ يعلمون قدرة الله على ذلك‏. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة ‏ {‏وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم‏}‏ قال‏:‏ عبدوا الملائكة‏.‏ وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏{‏أم آتيناهم كتاباً من قبله‏} ‏ قال‏:‏ قبل هذا الكتاب‏.‏ وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة‏} ‏ قال‏:‏ على دين‏. وأخرج الطستي، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إنا وجدنا آباءنا على أمة‏} ‏ قال‏:‏ على ملة غير الملة التي تدعونا إليها‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم أما سمعت نابغة بني ذبيان وهو يعتذر إلى النعمان بن المنذر‏؟‏ ويقول‏: شعر : حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة ‏ {‏بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون‏}‏ قال‏:‏ قد قال‏ ذلك مشركو قريش‏:‏ انا وجدنا آباءنا على دين وانا متبعوهم على ذلك‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه ‏{‏إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون‏}‏ قال‏:‏ بفعلهم‏. وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم رضي الله عنه قال‏:‏ الأمة في القرآن على وجوه ‏{أية : ‏وادَّكر بعد أمة‏}‏تفسير : ‏[‏يوسف: 45‏]‏ قال‏:‏ بعد حين‏.‏ ‏{أية : ‏ووجد عليه أمة من الناس يسقون‏}تفسير : ‏ ‏[‏يوسف: 23‏]‏ قال‏:‏ جماعة من الناس ‏{‏وإنا وجدنا آباءنا على أمة‏} ‏ قال‏:‏ على دين‏.‏ ورفع الألف في كلها‏.‏ وقرأ ‏{‏قل أولو جئتكم‏}‏ بغير ألف بالتاء‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين‏} ‏ قال‏:‏ شر والله كان عاقبتهم، أخذهم بخسف وغرق فأهلكهم الله ثم أدخلهم النار‏.

ابو السعود

تفسير : {وَجَعَلُواْ ٱلْمَلَٰئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثاً} بـيانٌ لتضمن كفرِهم المذكورِ لكفرٍ آخرَ، وتقريعٌ لهم بذلكَ وهو جعلُهم أكملَ العبادِ وأكرمَهم على الله عزَّ وجلَّ أنقصَهُم رأياً وأخسَّهُم صِنفاً. وقُرِىءَ عبـيدُ الرحمنِ، وقُرِىءَ عبد الرحمن على تمثيل زلفاهم، وقرىء أُنُثاً وهُو جمعُ الجمعِ. {أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ} أي أحضرُوا خلقَ الله تعالى إيَّاهم فشاهدُوهم إناثاً حتى يحكموا بأنوثتِهم، فإنَّ ذلكَ مما يُعلم بالمشاهدةِ، وهو تجهيلٌ لهُم وتهكُّمٌ بهم. وقُرِىءَ أَأَشهِدُوا بهمزتينِ مفتوحةٍ ومضمومةٍ وآأُشهدوا بألفٍ بينهُما. {سَتُكْتَبُ شَهَـٰدَتُهُمْ} هذه في ديوانِ أعمالِهم {وَيُسْـئَلُونَ} عنها يومٍ القيامةِ. وقُرِىءَ سيكتُبُ وسنكتبُ بالياءِ والنونِ. وقُريَء شهاداتُهم. وهيَ قولُهم إنَّ لله جزءاً وإن له بناتٍ وأنها الملائكةُ. وقُرِىءَ يُساءلونَ من المساءلةِ للمبالغةِ. {وَقَالُواْ لَوْ شَاء ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُمْ} بـيانٌ لفنَ آخرَ من كُفرِهم، أيْ لو شاءَ عدمَ عبادتِنا للملائكةِ مشيئَةَ ارتضاءٍ ما عبدناهُم أرادُوا بذلكَ بـيانَ أنَّ ما فعلُوه حقٌّ مرضيٌّ عندَهُ تعالى وأنَّهم إنَّما يفعلُونه بمشيئتهِ تعالى إياه منهُم مع اعترافِهم بقبحهِ حتى ينتهضَ ذمُّهم به دليلاً للمعتزلةِ، ومَبْنى كلامِهم الباطلِ على مقدمتينِ: إحداهُما أنَّ عبادتَهُم لهم بمشيئتهِ تعالى، والثانيةُ أنَّ ذلكَ مستلزمٌ لكونِها مرضيةً عندَهُ تعالَى ولقد أخطأُوا في الثانيةِ حيث جهلُوا أن المشيئةَ عبارةٌ عن ترجيحِ بعضِ الممكناتِ على بعضٍ كائناً ما كانَ من غيرِ اعتبارِ الرَّضا أوالسَّخطِ في شيءٍ من الطرفينِ ولذلكَ جُهِّلُوا بقولِه تعالى: {مَّا لَهُم بِذَلِكَ} أي بما أرادُوا بقولِهم ذلكَ من كونِ ما فعلُوه بمشيئةِ الارتضاءِ لا بمطلقِ المشيئةِ فإنَّ ذلكَ محققٌ ينطقُ بهِ ما لا يُحصَى عن الآياتِ الكريمةِ {مِنْ عِلْمٍ} يستندُ إلى سندٍ مَا{إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} يتمحَّلُونَ تمحُّلاً باطلاً وقد جُوِّزَ أنْ يشارَ بذلكَ إلى أصلِ الدعوى كأنَّه لما أظهرَ وجوه فسادِها وحكى شُبهَهم المزيفةَ نَفَى أن يكونَ لهم بها علمٌ مِن طريقِ العقلِ ثم أضربَ عنه إلى إبطالِ أن يكونَ لهم سندٌ من جهةِ النقلِ فقيلَ: {أَمْ ءاتَيْنَـٰهُمْ كِتَـٰباً مّن قَبْلِهِ} من قبلِ القُرآنِ أو من قبلِ ادعائِهم ينطقُ بصحةِ ما يدَّعُونَهُ {فَهُم بِهِ} بذلكَ الكتابِ {مُسْتَمْسِكُونَ} وعليهِ معوّلونَ {بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءاثَـٰرِهِم مُّهْتَدُونَ} أي لم يأتُوا بحجةٍ عقليةٍ أو نقليةٍ بل اعترفُوا بأن لا سندَ لهم سوى تقليدِ آبائِهم الجهلةِ مثلِهمْ والأمةُ الدينُ والطريقةُ التي تُؤم أي تُقصدُ كالرُّحلةِ لما يُرحلُ إليهِ. وقُرِىءَ إِمةٍ بالكسرِ، وهي الحالةُ التي يكونُ عليها الآمُّ أي القاصدُ. وقولُه تعالى على آثارِهم مهتدونَ خبرُ إنَّ والظرفُ صلةٌ لمهتدونَ.

اسماعيل حقي

تفسير : {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن اناثا} بيان لتضمن كفرهم المذكور لكفر آخر وتقريع لهم بذلك وهو جعلهم اكمل العباد واكرمهم على الله انقصهم رأيا واخسهم صنفا. يعنى ملائكه كه مجاور ان صوامع عبادت وملازمان مجامع عبوديت اند دختران نام مى نهند. والبنات لا تكن عبادا والولد لا يكون عبد ابيه ففيه تكذيب لهم فى قولهم الملائكة بنات الله {أشهدوا خلقهم} من الشهود بمعنى الحضور لا من الشهادة اى أحضروا خلق الله تعالى اياهم فشاهدوهم اناثا حتى يحكموا بأنوثتهم فان ذلك انما يعلم بالمشاهدة وهو تجهيل لهم وتهكم بهم فانهم انما سمعوه من آبائهم وهم ايضا كذابون جاهلون وفيه تخطئة للمنجمين واهل الحكمة المموهة فى كثير من الامور فانهم بعقولهم القاصرة حكموا على الغيب. منجمى بخانه خود در آمد مرد بيكانه را ديد بازن خود بهم نشسته دشنام داد وسقط كفت وفتنه وا شواب بر خاست صاحب دلى برين حال واقف شد وكفت. تو براوج فلك جه دانى جيست. جو ندانى كه درسراى توكيست. قال العماد الكاتب اجمع المنجمون فى سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة فى جميع البلاد على خراب العالم فى شعبان عند اجتماع الكواكب الستة فى الميزان بطوفان الريح وخوفوا بذلك ملوك الاعاجم والروم فشرعوا فى حفر مغارات ونقلوا اليها الازواد والماء وتهيئوا فلما كانت الليلة التى عينها المنجمون بمثل ريح عاد ونحن جلوس عند السلطان والشموع تتوقد فلا تتحرك ولم نر ليلة فى ركودها مثلها {ستكتب شهادتهم} هذه فى ديوان اعمالهم يعنى يكتب الملك ما شهدوا بها على الملائكة {ويسألون} عنها يوم القيامة وهو وعيد قال سعدى المفتى السين فى ستكتب للتأكيد ويحتمل ان يكون للاستعطاف الى التوبة قبل كتابة ما قالوه ولا علم لهم به وفى الحديث "حديث : كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يسار الرجل وكاتب الحسنات امين على كاتب السيئات فاذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا واذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه سبع ساعات لعله يسبح الله او يستغفر" تفسير : قال ابن جربح هما ملكان أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره والذى عن يمينه يكتب الحسنات بغير شهادة صاحبه والذى عن يساره لا يكتب الا بشهادة صاحبه ان قعد فاحدهما عن يمينه والآخر عن شماله وان مشى فاحدهما امامه والآخر خلفه وان نام فاحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه والكفار لهم كتاب وحفظة كما للمؤمنين فان قيل فالذى يكتب عن يمينه اذا اى شىء يكتب ولم يكن لهم حسنة يقال له الذى عن شماله يكتب باذن صاحبه ويكون شاهدا على ذلك وان لم يكتب قال بعض المحدثين تجتنب الملائكة بنى آدم فى حالين عند الغائط وعند الجماع وفى شرح الطريقة يكره الكلام فى الخلاء وعند قضاء الحاجة اشد كراهة لان الحفظة تتأذى بالحضور فى ذلك الموضع الكريه لاجل كتابة الكلام فلا بد للمرء من الادب والمراقبة والمسارعة الى الخير دون الشر وفى الحديث "حديث : عند الله خزآئن الخير والشر مفاتيحها الرجال فطوبى لمن جعله مفتاحا للخير ومغلاقا للشر وويل لمن جعله مفتاحا للشر ومغلاقا للخير" تفسير : ثم فى الآية اشارة الى ان الله تعالى امهل عباده ولم يأخذهم بغتة فى الدنيا ليرى العباد أن العفو والاحسان احب اليه من الاخذ والانتقام وليتوبوا من الكفر والمعاصى بياتا براريم دستى زدل. كه نتوان برآورد فرد ازكل. نريزد خدا آب روى كسى. كه ريزد كناه آب جشمش بسى. ومن الله التوفيق لما يحبه ويرضاه

الجنابذي

تفسير : {وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً} قرئ عباد الرّحمن وعبيد الرّحمن وعند الرّحمن بالنّون يعنى انّ قولهم الملائكة بنات الله متضمّن لقبائح عديدة، الاوّل جعله مركّباً متجزّئاً وليس الاّ وصف ادنى الممكنات، والثّانى نسبة التّوالد اليه وهو يستلزم الاحتياج ووجود المثل له وهو غنىّ على الاطلاق، ولو كان له مثل لكان ممكناً مركّباً، والثّالث نسبة امرٍ اليه اذا نسب الى انفسهم تغيّروا واسودّت وجوههم وهو يستلزم جعله ادنى واهون من انفسهم، والرّابع جعل اضعف الاولاد ولداً له، والخامس جعل الملائكة الّذين هم مكرمون على الله بوصف ارذل النّاس {أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ} فانّ الانوثة والذّكورة لا تعلمان الاّ بالمشاهدة {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ} الّتى شهدوا بها على الملائكة انّهم اناثٌ {وَيُسْأَلُونَ} عن هذه الشّهادة يوم القيامة وهو تهديدٌ لهم.

فرات الكوفي

تفسير : قال: حدثني [ب: ثنا] جعفر [بن أحمد. ر. أ: بن محمد] قال: حدثنا علي بن بزرج قال: حدثنا يحيى بن محمد بن عبد الرحمان [بن. أ، ب] حنان [أ: جندب] عن أبيه [عن. ر] قنوا بنت رشيد عن أبيها: حديث : عن سلمان الفارسي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كلام ذكره في علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] فقال: والله يا سلمان لقد حدثني بما أخبرك به قال في [كلام] ذكره: يا علي قال الله تعالى: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمان إناثاً أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون} حتى يسلموا عليك ثم يحيوك بتحية الكرام [ب، ر: الكبرى] ويلقي الله عليك المحبة العظمى ولا يبقى لله ملك ولا رسول ولا نبي ولا مؤمن ولا شجرة ولا شيء مما خلق الرحمان إلا أحبكتفسير : . في كلام ذكره.

اطفيش

تفسير : {وَجَعَلُواْ الْمَلآَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ} العبودية مثال لزلفاهم هذه قراءة نافع وابن كثير ويعقوب وابن عباس قيل وابن عامر وقرأ الباقون من السبع {عِبَادُ} وقرئ عبيد* {إِنَاثاً} وقرئ (أناثى) وهو جمع الجمع كفروا بنسبة الولد الى الله ونسبة أخس النوعين اليه وجعلهم الملائكة ذلك الأخس مع أنه أكرم خلق الله فاحتقروهم* {أَشَهِدُواْ} انكار وتوبيخ وتعجيب أي جعلهم الله شاهدين حاضرين* {خَلْقَهُمْ} أي خلق الله اياهم أي لم يحضرهم عند خلق الملائكة فيعلموهم اناثاً وهو تجهيل وتهكم بهم والهمزة الثانية مضمومة مسهلة بين الهمزة والواو عند نافع وبادخال ألف بينهما عند قائلين في رواية وقرأ الباقون أشهدوا بهمزة واحدة مفتوحة وفتح الشين. {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ} على الملائكة انهم بنات الله وقرئ سيكتب بالمثناة تحت والباء للفاعل ونصب شهاداتهم وفاعله ضمير الله وقرئ (سنكتب) بالنون كذلك وقرئ شاداتهم بالرفع مع التاء والجمع وبالنصب بالكسرة مع الياء التحتية مع النون* {وَيُسْأَلُونَ} عنها يوم القيامة سؤال توبيخ ويعاقبون عليها وذلك وعيد مفضح لهم قيل لما قالوا ذلك سألهم النبي صلى الله عليه وسلم ما يدريكم انها بنات الله؟ قالوا سمعنا آباءنا ونحن نشهد انهم لا يكذبون فقال الله ستكتب شهادتهم ويسألون وعن سليمان بن راشد انه بلغه ان أمرأ لا يشهد شهادة في الدنيا الا شهد بها يوم القيامة على رؤوس الأشهاد ولا يمتدح عبداً في الدنيا الا أمتدح يوم القيامة على رؤوس الاشهاد. قال القرظي: وهذا صحيح تدل له الآية وقوله {أية : ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد} تفسير : وقرئ {يُسْأَلُون} بياء مضمومة فسين مفتوحة فألف فهمزة فلام.

اطفيش

تفسير : {وجَعَلوا الملائكة الَّذينَ هُم عبادُ الرَّحمن إناثاً} أى قالوا هم إناث، تقول جعلت زيدا عالما، أى قلت: إنه عالم، أو صيروهم فى اعتقادهم اناثا، ولفظ عند عبارة عن رفع منزلة الملائكة على الاستعارة، لأن العندية المكانية مستحيلة على الله سبحانه وتعالى، وهم قوم شأنهم مناقضة وفوا الله تعالى بصفات الخلق، ووصفوا الملائكة الذين من أفضل الخلق بصفة الخسة وهى الأنوثة. {أشهِدُوا خَلْقهم} أجعلهم الله شاهدين لخلقه تعالى اياهم، أى حاضرين مشاهدين فتبين لهم أنهم اناث، قال الله عز وجل: "أية : أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون" تفسير : {سَتُكْتبُ شهادتهم} ستكتب الملائكة شهادتهم، أى قولهم ان لله جزءاً، وان الملائكة اناث، وانهم بنات الله سبحانه وتعالى، فان قولهم ذلك شهادة، وقيل: إنهم شهدوا عن آبائهم بذلك، وقلدوهم وقالوا: انهم لا يكذبون، فقال الله عز وجل: {ستكْتَب شهادتهم} لنعاقبهم وآباءهم عليها، والسين للاستقبال على معنى سنجازيهم عليها يوم القيامة، فيكون عطف يسألون عطف متقدم على متأخر، أو هى للتأكيد. والكَتْب حين الاعتقاد، والقول لا متأخرة الى زمان قولهم ذلك مشافهة للنبى صلى الله عليه وسلم، إذ مضت مدة طويلة من حين قالوا ذلك واعتقدوه، الى أن شافهوا به النبى صلى الله عليه وسلم، أكثر من سبع ساعات، فلا يدخلون فى حديث: "حديث : إن ملك الحسنات أمين على ملك السيئات يأمره بتأخير سيئة كتبها سبع ساعات لعله يتوب" تفسير : وذلك فى شأن المؤمن والمشرك مع أنه يقرب أن يختص بالمؤمن كيف يراعى التأخير للمشرك، ليتوب من معصية، وهو باق على الشرك، إلا أن تكون المعصية غير شرك، وقولهم ذلك شرك، وقد يبحث بأن الشرك لا يؤخر كَتْبه، والعلم لله عز وجل {ويُسْألونَ} عنها يوم القيامة فيفتضحون، فيجازون عليها، أو يسألون عبارة عن يجاوزون.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً} أي سموا وقالوا إنهم اناث، قال الزجاج: الجعل في مثله بمعنى القول والحكم على الشيء تقول: جعلت زيداً أعلم الناس أي وصفته بذلك وحكمت به، واختار أبو حيان أن المعنى صيروهم في اعتقادهم إناثاً اعتراض وارد لإثبات مناقضتهم أيضاً وادعاء ما لا علم لهم به المؤيد لجعله معتمد الكلام على ما سبق آنفاً فإنهم أنثوهم في هذا المعتقد من غير استناد إلى علم فأرشد إلى أن ما هم عليه من إثبات الولد مثل ما هم عليه من تأنيث الملائكة عليهم السلام في أنهما سخف وجهل كانا كفرين أو لا، نعم هما في نفس الأمر كفران، أما الأول: فظاهر، وأما الثاني: فللاستخفاف برسله سبحانه أعني الملائكة وجعلهم أنقص العباد رأياً وأخسهم صنفاً وهم العباد المكرمون المبرأون من الذكورة والأنوثة فإنهما من عوارض الحيوان المتغذي المحتاج إلى بقاء نوعه لعدم جريان حكمة الله تعالى ببقاء شخصه وليس ذلك عطفاً على قوله سبحانه: {أية : وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} تفسير : [الزخرف: 15] لما علمت من أن الجملة في موضع الحال من فاعل {أية : لَّيَقُولَنَّ}تفسير : [الزخرف: 9] ولا يحسن بحسب الظاهر أن يقال: ليقولن خلقهن العزيز العليم وقد جعلوا الملائكة إناثاً. وقرىء (عبيد) جمع عبد وكذا {عباد} وقيل: عباد جمع عابد كصائم وصيام وقائم وقيام، وقرأ عمر بن الخطاب والحسن وأبو رجاء وقتادة وأبو جعفر وشيبة والأعرج والابنان ونافع {عند الرحمن} ظرفاً وهو أدل على رفع المنزلة وقرب المكانة، والكلام على الاستعارة في المشهور لاستحالة العندية المكانية في حقه سبحانه، وقرأ أُبـيّ (عبد الرحمن) بالباء مفرد عباد، والمعنى على الجمع بإرادة الجنس. وقرأ الأعمش {عباد} بالجمع والنصب حكاها ابن خالويه وقال: هي في مصحف ابن مسعود كذلك، وخرج أبو حيان النصب على إضمار فعل أي الذين هم خلقوا عباد الرحمن. وقرأ زيد بن علي {أنثاً} بضمتين ككتب جمع إناثاً فهو جمع الجمع، وعلى جميع القراءات، الحصر إذا سلم إضافي فلا يتم الاستدلال به على أفضلية الملك على البشر. {أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ} أي أحضروا خلق الله تعالى إياهم فشاهدوهم إناثاً حتى يحكموا بأنوثتهم فإن ذلك مما يعلم / بالمشاهدة، وهذا كقوله تعالى: {أية : أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلَـٰئِكَةَ إِنَـٰثاً وَهُمْ شَـٰهِدُونَ} تفسير : [الصافات: 150] وفيه تجهيل لهم وتهكم بهم، وإنما لم يتعرض لنفي الدلائل النقلية لأنها في مثل هذا المطلب مفرعة على القول بالبنوة وهم الكفرة الذين لا يقولون بها ولنفي الدلائل العقلية لظهور انتفائها والنفي المذكور أظهر في التهكم فافهم. وقرأ نافع {أأشهدوا} بهمزة داخلة على أشهد الرباعي المبني للمفعول، وفي رواية أنه سهل هذه الهمزة فجعلها بين الهمزة والواو وهي رواية عن أبـي عمرو، وروي ذلك عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس ومجاهد، وفي أخرى أنه سهلها وأدخل بينها وبين الأولى ألفاً كراهة اجتماع همزتين ونسبت إلى جماعة، والاكتفاء بالتسهيل أوجه، وقرأ الزهري وناس: {أشهدوا} بغير استفهام مبنياً للمفعول رباعياً فقيل المعنى على الاستفهام نحو قوله:شعر : قالوا تحبها قلت بهرا تفسير : وهو الظاهر، وقيل: على الإخبار، والجملة صفة {إِنَـٰثاً} وهم وإن لم يشهدوا خلقهم لكن نزلوا لجراءتهم على ذلك منزلة من أشهد أو المراد أنهم أطلقوا عليهم الإناث المعروفات لهم اللاتي أشهدوا خلقهن لا صنفاً آخر من الإناث؛ ولا يخفى ما في كلا التأويلين من التكلف. {سَتُكْتَبُ} في ديوان أعمالهم {شَهَـٰدَتُهُمْ} التي شهدوا بها على الملائكة عليهم السلام، وقيل: سألهم الرسول صلى الله عليه وسلم ما يدريكم أنهم إناث فقالوا: سمعنا ذلك من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا فقال الله تعالى: {سَتُكْتَبُ شَهَـٰدَتُهُمْ} {وَيُسْـئَلُونَ} عنها يوم القيامة، والكلام وعيد لهم بالعقاب والمجازاة على ذلك والسين للتأكيد، وقيل: يجوز أن تحمل على ظاهرها من الاستقبال ويكون ذلك إشارة إلى تأخير كتابة السيآت لرجاء التوبة والرجوع كما ورد في الحديث «إن كاتب الحسنات أمين على كاتب السيآت فإذا أراد أن يكتبها قال له: توقف فيتوقف سبع ساعات فإن استغفر وتاب لم يكتب» فلما كان ذلك من شأن الكتابة قرنت بالسين، وكونهم كفاراً مصرين على الكفر لا يأباه. وقرأ الزهري {سيكتب} بالياء التحتية مبنياً للمفعول، وقرأ الحسن كالجمهور إلا أنه قرأ {شهاداتهم} بالجمع وهي قولهم: إن لله سبحانه جزأ وإن له بنات وإنها الملائكة، وقيل: المراد ما أريد بالمفرد والجمع باعتبار التكرار، وقرأ ابن عباس وزيد بن علي وأبو جعفر وأبو حيوة وابن أبـي عبلة والجحدري والأعرج {سنكتب} بالنون مبنياً للفاعل {شهادتهم} بالنصب والإفراد. وقرأت فرقة {سيكتب} بالياء التحتية مبنياً للفاعل وبإفراد {شهادتهم} ونصبها أي سيكتب الله تعالى شهادتهم. وقرىء {يساءلون} من المفاعلة للمبالغة.

ابن عاشور

تفسير : عَطف على { أية : وجعلوا له من عباده جزءاً } تفسير : [الزخرف: 15]، أعيد ذلك مع تقدم ما يغني عنه من قوله: { أية : أم اتخذَ مما يخلق بناتٍ } تفسير : [الزخرف: 16] ليبْنَى عليه الإنكار عليهم بقوله: {أَأُشهدوا خلقهم} استقراء لإبطال مقالهم إذ أُبطل ابتداءً بمخالفته لدليل العقل وبمخالفته لما يجب لله من الكمال، فكمُل هنا إبطاله بأنه غير مستند لدليل الحس. وجملة {الذين هم عند الرحمٰن} صفة الملائكة. قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب {عند} بعين فنون ودال مفتوحة والعندية عندية تشريف، أي الذين هم معدودون في حضرة القدس المقدسة بتقديس الله فهم يتلقون الأمر من الله بدون وساطة وهم دائبون على عبادته، فكأنهم في حضرة الله، وهذا كقوله: { أية : وله من في السماوات والأرض ومَن عنده } تفسير : [الأنبياء: 19] وقوله: { أية : إن الذين عند ربّك لا يستكبرون عن عبادته } تفسير : [الأعراف: 206] ومِنْه قول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : تحاجَّ آدمُ وموسى عندَ الله عز وجل » تفسير : الحديث، فالعندية مجاز والقرينة هي شأن من أضيف إليه {عِنْد}. وقرأ الباقون {عِبَادُ الرّحمٰن} بعين وموحدة بعدها ألف ثم دال مضمومة على معنى: الذين هم عباد مُكرمون، فالإضافة إلى اسم الرحمان تفيد تشريفهم قال تعالى: { أية : بل عبادٌ مكرمون } تفسير : [الأنبياء: 26] والعبودية عبودية خاصة وهي عبودية القرب كقوله تعالى: { أية : فكذّبوا عَبْدنَا } تفسير : [القمر: 9]. وجملة {أَأُشهدوا خلقهم} معترضة بين جملة {وجعلوا الملائكة} وجملةِ { أية : وقالوا لو شاء الرّحمٰن ما عبدناهم } تفسير : [الزخرف: 20]. وقرأ نافع وأبو جعفر بهمزتين أولاهما مفتوحة والأخرى مضمومة وسكون شين {أَأُشْهدوا} مبنياً للنائب وكيفية أداء الهمزتين يَجري على حكم الهمزتين في قراءة نافع، وعلى هذه القراءة فالهمزة للاستفهام وهو للإنكار والتوبيخ. وجيء بصيغة النائب عن الفاعل دون صيغة الفاعل لأن الفاعِل معلوم أنه الله تعالى لأن العالَم العلوي الذي كان فيه خلق الملائكة لا يحضره إلا مَن أمر الله بحضوره، ألا ترى إلى ما ورد في حديث الإسراء من قول كُلّ ملَك موكَّلٍ بباب من أبواب السماوات لِجبريل حين يستفتح (من أنت؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد قال: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحباً ونعم المجيء جاء وفتح له). والمعنى: أأشهدهم الله خلق الملائكة وكقوله تعالى: { أية : ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض } تفسير : [الكهف: 51]. وقرأه الباقون بهمزة مفتوحة فشين مفتوحة بصيغة الفعل، فالهمزة لاستفهام الإنكار دخلت على فعل شَهِد، أي ما حضروا خلق الملائكة على نحو قوله تعالى: { أية : أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون } تفسير : [الصافات: 150]. وجملة {ستكتب شهادتهم} بدل اشتمال من جملة {أَأُشهدوا خلقهم} لأن ذلك الإنكار يشتمل على الوعيد. وهذا خبر مستعمل في التوعد. وكتابة الشهادة كناية عن تحقق العقاب على كذبهم كما تقدم آنفاً في قوله: { أية : وإنه في أُم الكتاب لدينا لعليٌّ حكيم } تفسير : [الزخرف: 4] ومنه قوله تعالى: { أية : سنكتب ما قالوا } تفسير : [آل عمران: 181]. والسِّين في {ستكتب} لتأكيد الوعيد. والمراد بشهادتهم: ادعاؤهم أن الملائكة إناثاً، وأطلق عليها شهادة تهكماً بهم. والسؤال سؤال تهديد وإنذار بالعقاب وليس مما يتطلب عنه جواب كقوله تعالى: { أية : ثم لتُسألُنّ يومئذٍ عن النعيم } تفسير : [التكاثر: 8]، ومنه قول كعب بن زهير: شعر : لَذاكَ أهيبُ عندي إذْ أُكلمه وقيل إنّك مَنْسُوبٌ ومَسْؤول تفسير : أي مسؤول عما سبق منك من التكذيب الذي هو معلوم للسائِل.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ}. قرأ هذا الحرف نافع وابن كثير وابن عامر {عند الرحمن} بسكون النون وفتح الدال ظرف كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} تفسير : [الأعراف: 206]، وقرأه أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي {الذين هم عباد الرحمن} بكسر العين وباء موحدة بعدها ألف وضم الدال جمع عبد كقوله: {وعباد الرحمن} الآية. وقوله {أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ}. قرأه عامة السبعة غير نافع أشهدوا بهمزة واحدة مع فتح الشين، وقرأه نافع أأشهد. بهمزتين الأولى مفتوحة محققة، والثانية مضمومة مسهلة بين بين وقالوا يجعل بين الهمزتين ألف الإدخال على إحدى الروايتين. وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أربع مسائل: الأولى: أن الكفار افتروا على الملائكة أنهم إناث زاعمين أنهم بنات الله. الثانية: أنه وبخهم على ذلك توبيخاً شديداً وأنكر عليهم ذلك في قوله: {أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ} يعني هل حضروا خلق الله لهم فعاينوهم إناثاً. الثالثة: أن شهادتهم الكاذبة بذلك ستكتب عليهم. الرابعة: أنهم يسألون عنها يوم القيامة. وهذه المسائل الأربع التي تضمنتها هذه الآية الكريمة، جاءت موضحة في غير هذا الموضع. أما الأولى منها. وهي كونهم اعتقدوا الملائكة إناثاً، فقد ذكرها تعالى في مواضع من كتابه كقوله تعالى {أية : أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً} تفسير : [الإسراء: 40]. وكقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلْمَلاَئِكَةَ تَسْمِيَةَ ٱلأُنْثَىٰ} تفسير : [النجم: 27] الآية، وقوله تعالى {أية : فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً} تفسير : [الصافات: 149-150] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. وأما المسألة الثانية: وهي سؤاله تعالى لهم على وجه الإنكار والتوبيخ والتقريع هل شهدوا خلق الملائكة وحضروه، حتى علموا أنهم خلقوا إناثاً فقد ذكرها في قوله تعالى: {أية : أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ} تفسير : [الصافات: 150] وبين تعالى أنه لم يشهد الكفار خلق شيء في قوله: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ} تفسير : [الكهف: 51] الآية. وأما المسألة الثالثة: التي هي كون شهادتهم بذلك الكفر ستكتب عليهم، فقد ذكرها تعالى في مواضع من كتابه كقوله تعالى: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} تفسير : [الإنفطار: 10-12] وقوله تعالى: {أية : هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ إِنَّ كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الجاثية: 29]، وقوله تعالى: {أية : أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} تفسير : [الزخرف: 80]، وقوله تعالى: {أية : إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} تفسير : [يونس: 21] وقوله تعالى: {أية : وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً ٱقْرَأْ كَتَابَكَ} تفسير : [الإسراء: 13-14] الآية. وقوله تعالى: {أية : سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً} تفسير : [مريم: 79]. وأما المسألة الرابعة: وهي كونهم يسألون عن ذلك الافتراء والكفر، فقد ذكرها تعالى في آيات من كتابه كقوله تعالى: {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} تفسير : [العنكبوت: 13] وقوله تعالى: {أية : فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الحجر: 92-93]، وقوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} تفسير : [الزخرف: 44] وقوله تعالى: {أية : وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمّا رَزَقْنَاهُمْ تَٱللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ} تفسير : [النحل: 56] إلى غير ذلك من الآيات.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 19- وسموا الملائكة المخلوقين للرحمن إناثاً، أرأوا خلقهم رؤية مشاهدة حتى يحكموا بذلك؟ لم يروه، سنسجل عليهم هذا الافتراء، ويُحاسبون عليه يوم القيامة. 20- وقال المشركون: لو شاء الرحمن عدم عبادتنا لهؤلاء الشركاء ما عبدناهم، زاعمين أنه راض عن عبادتهم لهؤلاء الشركاء، ليس لديهم بما قالوا أى علم يستندون إليه، وما هم إلا واهمون، يقولون قولاً غير مستند إلى دليل. 21- بل أعطيناهم كتاباً من قبل القرآن يؤيد افتراءهم، فهم به متعلقون أشد التعلق؟! لم ننزل عليهم ذلك، فلا حُجة لهم من النقل. 22- بل قال المشركون - حين فقدوا كل حُجة -: إنا وجدنا آباءنا على دين، وإننا على آثارهم سائرون. 23- ومثل الحال الذى عليه هؤلاء حال الأمم السابقة، ما أرسلنا من قبلك فى قرية رسولا إلا قال المتنعمون فيها - وهم الذين أبطرتهم النعمة -: إننا وجدنا آباءنا على دين، وإنا على آثارهم سائرون، فالتقليد ضلال قديم. 24- قال النذير: أتتبعون آباءكم ولو جئتكم بما هو أدخل فى الهداية مما وجدتم عليه آباءكم؟ قالوا - مجيبين لرسلهم يكذبون بالدين -: إننا بما أرسلتم به جاحدون. 25- فعاقبنا المكذبين لرسلهم عقاباً شديداً فى الدنيا، فانظر - أيها المتأمل - كيف صار مآل المكذبين لكم مثلا عجيباً وعظة بالغة؟!.

د. أسعد حومد

تفسير : {عِبَادُ} {إِنَاثاً} {ٱلْمَلاَئِكَةَ} {شَهَادَتُهُمْ} {يُسْأَلُونَ} (19) - وَاعْتَقَدَ المُشْرِكُونَ أَنَّ المَلاَئِكَةَ - وَهُمْ عَبِيدٌ للهِ، وَخَلْقٌ مِنْ خَلْقِهِ - هُمْ مِنْ جِنْسِ الإِنَاثِ وَسَمُّوهُمْ بِذَلِكَ، وَحَكَمُوا عَلَيهِمْ، فَهَلْ كَانُوا حَاضِرِينَ حِينَمَا خَلَقَهُمُ اللهُ فَعَرفُوا أَنَّهُمْ إِنَاثٌ؟ إِنَّهُمْ لَمْ يَشْهَدُوا شَيئاً. ثُمَّ تَهَدَّدَهُم اللهُ تَعَالَى فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ سَيَكْتُبُ شَهَادَتَهُمْ هَذِهِ، وَسَيَسْأَلُهُمْ عَنْهَا يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيُحَاسِبُهُمْ عَلَيْهَا. فَالْمُشْرِكُونَ كَفُروا فِي قَوْلِهِمْ إِنَّ المَلاَئِكَةَ بَنَاتُ اللهِ، وَإِنَّهُمْ إِنَاثٌ مِنْ ثَلاَثَةِ وُجُوهٍ: - إِنَّهُمْ نَسُبُوا بِقَوْلِهِمْ هَذَا الوَلَدَ للهِ سُبْحَانَهُ جَلَّ عَنْ ذَلِكَ. - ثُمَّ أَعْطَوْا مَا يَعْتَقِدُونَهُ أَخَسَّ النَّصِيبِين للهِ (البَنَاتِ). - ثُمَّ اسْتَخَفُّوا بِالمَلاَئِكَةِ فَجَعَلُوهُمْ مِنْ جِنْسِ الإِنَاثِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذه دعوى أخرى من دعاواهم وافتراءاتهم على الله، وتأتي هذه الآية بعد أنْ نسبوا إلى الله الولد {أية : وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا ..} تفسير : [الزخرف: 15] ثانياً نسبوا إلى الله البنات واستأثروا لأنفسهم بالبنين، وقد أوضح الحق سبحانه فساد معتقداتهم وردَّ عليهم بالحجة وبالدليل من واقعهم المعاش. وهنا يصفون الملائكة الذين هم عباد الرحمن بالأنوثة وهذا افتراء آخر، يردّ الله عليهم {أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ ..} [الزخرف: 19] يعني: كيف يحكمون هذا الحكم على الملائكة، أشهدوا خلق الملائكة وعلموا أنهم إناث، ثم يهددهم {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} [الزخرف: 19] ستُكتب وتُسجَّل عليهم ويُسألون عنها يوم القيامة، ويُحاسبون على كل هذه الافتراءات. وفي موضع آخر يقول سبحانه {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51]. وجاء الواقع ليثبت صدق هذه الآية، ورأينا المضلين في كل زمان يُضلون الناس ويصرفونهم عن الحق، بدايةً من الذين نسبوا لله الولد، ونسبوا لله البنات، ووصفوا الملائكة بأنهم إناثٌ إلى الذين قالوا بأن الإنسان أصله قرد وتطور. ونسأل كل هؤلاء: أشهدتُم خلق الله؟ الله الخالق يقول: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ} تفسير : [الكهف: 51] إذن: لا تُصدِّقوا هؤلاء فهم كذابون ومُضلون، وقد سخرهم الله تعالى لخدمة الحق، وجعلهم دليلاً على صدق كلامه. ومن هؤلاء المضلين قوم أنكروا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: نأخذ بما في القرآن فقط ولا نعترف بالسنة، وقد جاءت هذه الجماعة دليلاً على صدق سيدنا رسول الله الذي أخبر بمجيئهم قبل أربعة عشر قرناً، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يوشك رجل منكم يتكئ على أريكته يقول: بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه من حلال حللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرَّمناه، ألاَ وإنَّ ما قال رسول الله كما قال الله ".