٤٣ - ٱلْزُّخْرُف
43 - Az-Zukhruf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
20
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى حكى نوعاً آخر من كفرهم وشبهاتهم، وهو أنهم قالوا لو شاء الرحمٰن ما عبدناهم، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قالت المعتزلة هذه الآية تدل على فساد قول المجبرة في أن كفر الكافر يقع بإرادة الله من وجهين الأول: أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا {لَوْ شَاء ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُمْ } وهذا صريح قول المجبرة، ثم إنه تعالى أبطله بقوله {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } فثبت أنه حكى مذهب المجبرة، ثم أردفه بالإبطال والإفساد، فثبت أن هذا المذهب باطل، ونظيره قوله تعالى في سورة الأنعام: { أية : سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء ٱللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا } تفسير : إلى قوله { أية : قُلْ هَلْ عِندَكُم مّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ }، تفسير : [الأنعام: 148] والوجه الثاني: أنه تعالى حكى عنهم قبل هذه الآية أنواع كفرهم فأولها: قوله { أية : وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً } تفسير : [الزخرف: 15]، وثانيها: قوله { أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلَـئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثاً } تفسير : [الزخرف: 19]، وثالثها: قوله تعالى: {وَقَالُواْ لَوْ شَاء ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُمْ } فلما حكى هذه الأقاويل الثلاثة بعضها على إثر بعض، وثبت أن القولين الأولين كفر محض فكذلك هذا القول الثالث يجب أن يكون كفراً، واعلم أن الواحدي أجاب في «البسيط» عنه من وجهين الأول: ما ذكره الزجاج: وهو أن قوله تعالى: {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ } عائد إلى قولهم الملائكة إناث وإلى قولهم الملائكة بنات الله والثاني: أنهم أرادوا بقولهم {لَوْ شَاءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُمْ } أنه أمرنا بذلك، وأنه رضي بذلك، وأقرنا عليه، فأنكر ذلك عليهم، فهذا ما ذكره الواحدي في الجواب، وعندي هذان الوجهان ضعيفان أما الأول: فلأنه تعالى حكى عن القوم قولين باطلين، وبين وجه بطلانهما، ثم حكى بعده مذهباً ثالثاً في مسألة أجنبية عن المسألتين الأوليين، ثم حكم بالبطلان والوعيد فصرف هذا الإبطال عن هذا الذي ذكره عقيبه إلى كلام متقدم أجنبي عنه في غاية البعد وأما الوجه الثاني: فهو أيضاً ضعيف، لأن قوله {لَوْ شَاءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُمْ } ليس فيه بيان متعلق بتلك المشيئة، والإجمال خلاف الدليل، فوجب أن يكون التقدير لو شاء الله ألا نعبدهم ما عبدناهم، وكلمة لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، فهذا يدل على أنه لم توجد مشيئة الله لعدم عبادتهم، وهذا عين مذهب المجبرة، فالإبطال والإفساد يرجع إلى هذا المعنى، ومن الناس من أجاب عن هذا الاستدلال بأن قال إنهم إنما ذكروا ذلك الكلام على سبيل الاستهزاء والسخرية، فلهذا السبب استوجبوا الطعن والذم، وأجاب صاحب «الكشاف» عنه من وجهين الأول: أنه ليس في اللفظ ما يدل على أنهم قالوا مستهزئين، وادعاء ما لا دليل عليه باطل الثاني: أنه تعالى حكى عنهم ثلاثة أشياء وهي: أنهم جعلوا له من عباده جزءاً وأنهم جعلوا الملائكة إناثاً، وأنهم قالوا {لَوْ شَاءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُمْ } فلو قلنا بأنه إنما جاء الذم على القول الثالث لأنهم ذكروه على طريق الجد، وجب أن يكون الحال في حكاية القولين الأولين كذلك، فلزم أنهم لو نطقوا بتلك الأشياء على سبيل الجد أن يكونوا محقين، ومعلوم أنه كفر، وأما القول بأن الطعن في القولين الأولين إنما توجه على نفس ذلك القول، وفي القول الثالث لا على نفسه بل على سبيل الاستهزاء، فهذايوجب تشويش النظم، وأنه لا يجوز في كلام الله. واعلم أن الجواب الحق عندي عن هذا الكلام ما ذكرناه في سورة الأنعام، وهو أن القوم إنما ذكروا هذا الكلام لأنهم استدلوا بمشيئة الله تعالى للكفر على أنه لا يجوز ورود الأمر بالإيمان فاعتقدوا أن الأمر والإرادة يجب كونهما متطابقين، وعندنا أن هذا باطل فالقوم لم يستحقوا الذم بمجرد قولهم إن الله يريد الكفر من الكافر بل لأجل أنهم قالوا لما أراد الكفر من الكافر وجب أن يقبح منه أمر الكافر بالإيمان، وإذا صرفنا الذم والطعن إلى هذا المقام سقط استدلال المعتزلة بهذه الآية، وتمام التقرير مذكور في سورة الأنعام، والله أعلم. المسألة الثانية: أنه تعالى لما حكى عنهم ذلك المذهب الباطل قال: {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } وتقريره كأنه قيل إن القوم يقولون لما أراد الله الكفر من الكافر وخلق فيه ما أوجب ذلك الكفر وجب أن يقبح منه أن يأمره بالإيمان لأن مثل هذا التكليف قبيح في الشاهد فيكون قبيحاً في الغائب فقال تعالى: {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ } أي ما لهم بصحة هذا القياس من علم، وذلك لأن أفعال الواحد منا وأحكامه مبنية على رعاية المصالح والمفاسد لأجل أن كل ما سوى الله فإنه ينتفع بحصول المصالح ويستضر بحصول المفاسد، فلا جرم أن صريح طبعه وعقله يحمله على بناء أحكامه وأفعاله على رعاية المصالح، أما الله سبحانه وتعالى فإنه لا ينفعه شيء ولا يضره شيء فكيف يمكن القطع بأنه تعالى يبني أحكامه وأفعاله على رعاية المصالح مع ظهور هذا الفارق العظيم فقوله تعالى: {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ } أي ما لهم بصحة قياس الغائب على الشاهد في هذا الباب علم. ثم قال: {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } أي كما لم يثبت لهم صحة ذلك القياس فقد ثبت بالبرهان القاطع كونهم كذابين خراصين في ذلك القياس لأن قياس المنزّه عن النفع والضر من كل الوجوه على المحتاج المنتفع المتضرر قياس باطل في بديهة العقل. ثم قال: {أَمْ ءَاتَيْنَـٰهُمْ كِتَـٰباً مّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ } يعني أن القول الباطل الذي حكاه الله تعالى عنهم عرفوا صحته بالعقل أو بالنقل، أما إثباته بالعقل فهو باطل لقوله {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } وأما إثباته بالنقل فهو أيضاً باطل لقوله {أَمْ ءَاتَيْنَـٰهُمْ كِتَـٰباً مّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ } والضمير في قوله {مِن قَبْلِهِ } للقرآن أو للرسول، والمعنى أنهم (هل) وجدوا ذلك الباطل في كتاب منزّل قبل القرآن حتى جاز لهم أن يعولوا عليه، وأن يتمسكوا به، والمقصود منه ذكره في معرض الإنكار، ولما ثبت أنه لم يدل عليه لا دليل عقلي ولا دليل نقلي وجب أن يكون القول به باطلاً. ثم قال تعالى: {بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءاثَـٰرِهِم مُّهْتَدُونَ } والمقصود أنه تعالى لما بيّن أن تمسك الجهال بطريقة التقليد أمر كان حاصلاً من قديم الدهر فقال: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثارهم مقتدون} وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: قرىء {عَلَىٰ إِمَّةٍ } بالكسر وكلتاهما من الأم وهو القصد، فالأمة الطريقة التي تؤم أي تقصد كالرحلة للمرحول إليه، والإمة الحالة التي يكون عليها الآم وهو القاصد. المسألة الثانية: لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآيات لكفت في إبطال القول بالتقليد وذلك لأنه تعالى بيّن أن هؤلاء الكفار لم يتمسكوا في إثبات ما ذهبوا إليه لا بطريق عقلي ولا بدليل نقلي، ثم بيّن أنهم إنما ذهبوا إليه بمجرد تقليد الآباء والأسلاف، وإنما ذكر تعالى هذه المعاني في معرض الذم والتهجين، وذلك يدل على أن القول بالتقليد باطل، ومما يدل عليه أيضاً من حيث العقل أن التقليد أمر مشترك فيه بين المبطل وبين المحق وذلك لأنه كم حصل لهذه الطائفة قوم من المقلدة فكذلك حصل لأضدادهم أقوام من المقلدة فلو كان التقليد طريقاً إلى الحق لوجب كون الشيء ونقيضه حقاً ومعلوم أن ذلك باطل. المسألة الثالثة: أنه تعالى بيّن أن الداعي إلى القول بالتقليد والحامل عليه، إنما هو حب التنعم في طيبات الدنيا وحب الكسل والبطالة وبغض تحمل مشاق النظر والاستدلال لقوله {إلاَّ قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة } والمترفون هم الذين أترفتهم النعمة أي أبطرتهم فلا يحبون إلا الشهوات والملاهي ويبغضون تحمل المشاق في طلب الحق، وإذاعرفت هذا علمت أن رأس جميع الآفات حب الدينا واللذات الجسمانية ورأس جميع الخيرات هو حب الله والدار الآخرة، فلهذا قال عليه السلام: «حديث : حب الدنيا رأس كل خطيئة». تفسير : ثم قال تعالى لرسوله: {قُلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ ءَابَاءَكُمْ } أي بدين أهدى من دين آبائكم فعند هذا حكى الله عنهم أنهم قالوا إنا ثابتون على دين آبائنا لا ننفك عنه وإن جئتنا بما هو أهدى {إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَـٰفِرُونَ } وإن كان أهدى مما كنا عليه، فعند هذا لم يبق لهم عذر ولا علة، فلهذا قال تعالى: {فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذّبِينَ } والمراد منه تهديد الكفار، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ} يعني قال المشركون على طريق الاستهزاء والسخرية: لو شاء الرحمٰن على زعمكم ما عبدنا هذه الملائكة. وهذا منهم كلمة حق أريد بها باطل. وكل شيء بإرادة الله، وإرادتُه تجب وكذا علمه فلا يمكن الاحتجاج بها؛ وخلاف المعلوم والمراد مقدور وإن لم يقع. ولو عبدوا الله بدل الأصنام لعلمنا أن الله أراد منهم ما حصل منهم. وقد مضى هذا المعنى في الأنعام عند قوله: {أية : سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا} تفسير : [الأنعام: 148] وفي «يۤس»: {أية : أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ}تفسير : [يۤس: 47]. وقوله: {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} مردود إلى قوله: {وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً} أي ما لهم بقولهم: الملائكة بنات الله ـ من علم؛ قاله قتادة ومقاتل والكلبي. وقال مجاهد وابن جريج: يعني الأوثان؛ أي ما لهم بعبادة الأوثان من علم. «مِن» صلة. {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} أي يَحْدِسون ويكذبون؛ فلا عذر لهم في عبادة غير الله عز وجل. وكان في ضمن كلامهم أن الله أمرنا بهذا أو رضي ذلك منا، ولهذا لم ينهنا ولم يعاجلنا بالعقوبة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالُواْ لَوْ شآءَ ٱلرَّحْمَٰنُ مَا عَبَدْنَٰهُمْ } أي الملائكة فعبادتنا إياهم بمشيئته فهو راض بها. قال تعالى: {مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ } المقول من الرضا بعبادتها {مِّنْ عِلْمٍ إِن } مَا {هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } يكذبون فيه فيترتب عليهم العقاب به.
ابن عطية
تفسير : ذكر الله تعالى احتجاج الكفار لمذهبهم ليبين فساد منزعهم، وذلك أنهم جعلوا إمهال الله لهم وإنعامه عليهم وهم يعبدون الأصنام، دليلاً على أنه يرضى عبادة الأصنام ديناً، وأن ذلك كالأمر به، فنفى الله عن الكفرة أن يكون لهم علم بهذا وليس عندهم كتاب منزل يقتضي ذلك، وإنما هم يظنون و {يخرصون} ويخمنون، وهذا هو الخرص والتخرص. وقرأ جمهور الناس: "على أُمة" بضم الهمزة، وهي بمعنى الملة والديانة، والآية على هذا تعيب عليهم التقليد. وقرأ مجاهد والعبدري وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: "على إمة" بكسر الهمزة وهي بمعنى النعمة، ومنه قول الأعشى: شعر : ولا الملك النعمان يوم لقيته بإمته يعطي القطوط ويافق تفسير : ومنه قول عدي بن زيد: [الخفيف] شعر : ثم بعد الفلاح والملك والإمّـ ـة وارتهم هناك القبور تفسير : فالآية على هذا استمرار في احتجاجهم، لأنهم يقولون: وجدنا آباءنا في نعمة من الله وهم يعبدون الأصنام، فذلك دليل رضاه عنهم، وكذلك اهتدينا نحن بذلك {على آثارهم}. وذكر الطبري عن قوم: أن الأمة الطريقة، مصدر من قولك: أممت كذا أمة ثم ضرب تعالى المثل لنبيه محمد عليه السلام وجعل له الإسوة فيمن مضى من النذر والرسل، وذلك أن المترفين من قومهم وهم أهل التنعم والمال قد قابلوهم بمثل هذه المقالة. وقرأ جمهور القراء: "قل أولو" والمعنى: فقلنا للنذير قل. وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم: "قال أو لو"، ففي "قال" ضمير بعود على النذير. وباقي الآية يدل على أن: "قل" في قراءة من قرأها ليست بأمر لمحمد عليه السلام، وإنما هي حكاية لما أمر به النذير. وقوله تعالى: {أو لو} هي ألف الاستفهام دخلت على واو عطف جملة كلام على جملة متقدمة، و {لو} في هذا الموضع كأنها شرطية بمعنى أن، كأن معنى الآية: وإن جئتكم بأبين وأوضح مما كان آباؤكم عليه فيصح لجاجكم وتقليدكم، فأجاب الكفار حينئذ لرسلهم: {إنا بما أرسلتم به كافرون}. وفي قوله تعالى: {فانتقمنا منهم} الآية وعيد لقريش وضرب مثل بمن سلف من الأمم المعذبة المكذبة بأنبيائها كما كذبت هي بمحمد عليه السلام. وقرأ جمهور الناس: "أو لو جئتكم" وقرأ أبو جعفر وأبو شيخ وخالد: "أو لو جئناكم". وقرأ الأعمش: "أو لو أتيتم".
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَقَالُواْ لَوْ شَاءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُمْ...} الآية، أي: ما عبدنا الأصنام. * ت *: وقال قتادة وغيره: يعني: ما عبدنا الملائكة، وجعل الكفارُ إمهالَ اللَّه لهم دليلاً على رضاه عنهم، وأنَّ ذلك كالأمرِ به، ثم نفى سبحانه علمهم بهذا، وليس عندهم كتاب مُنَزَّلٌ يقتضي ذلك؛ وإنَّما هم يَظُنُّونَ ويحدسون ويُخَمِّنُون، وهذا هو الخَرْصُ والتخرُّص، والأُمَّة هنا بمعنى الملَّة والديانة، والآية على هذا تُعِيبُ عليهم التقليد، وذكر الطبريُّ عن قوم أَنَّ الأمَّة الطريقة، ثم ضرب اللَّه المثل لنبيِّه محمد ـــ عليه السلام ـــ وجعل له الأُسْوَةَ فيمن مضى من النذر والرسل؛ وذلك أَنَّ المُتْرَفِينَ من قومهم، وهم أهل التنعُّم والمال، قد قابلوهم بِمِثْلِ هذه المقالةِ، وفي قوله عز وجل: {فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ...} الآية: وعيدٌ لقريشٍ، وضَرْبُ مَثَلٍ لهم بِمَنْ سَلَفَ من الأمم المُعَذَّبَةِ المُكَذِّبَةِ لأنبيائها.
القشيري
تفسير : قوله جل ذكره: {وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ}. إنما قالوا ذلك استهزاءً واستبعاداً لا إيماناً وإخلاصاً فقال تعالى: {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} ولو عَلِمُوا ذلك وقالوه على وجه التصديق لم يكن ذلك منهم معلولاً. ثم قال: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ}. أي ليس كذلك، حتى أخبر أنهم ركنوا إلى تقليد لا يُفْضي إلى العلم، فقال: {بَلْ قَالُوۤاْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ}. فنحن نقتدي بهم، ثم قال: {وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ}. سلكوا طريقَ هؤلاء في التقليد لأسلافهم، والاستنامةِ إلى ما اعتادوه من السِّيرة والعادة.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم} بيان لفن آخر من كفرهم اى قال المشركون العابدون للملائكة لو شاء الرحمن عدم عبادتنا للملائكة مشيئة ارتضاء ما عبدناهم ارادوا بذلك ان ما فعلوه حق مرضى عنده تعالى وانهم انما يفعلونه بمشيئة الله تعالى لا الاعتذار من ارتكاب ما ارتكبوه بأنه بمشيئة الله اياه منهم مع اعترافهم بقبحه حتى ينتهض ذمهم به دليلا للمعتزلة ومبنى كلامهم الباطل على مقدمتين احداهما ان عبادتهم لهم بمشيئة الله تعالى والثانية ان ذلك مستلزم لكونها مرضية عنده تعالى ولقد أخطأوا فى الثانية حيث جهلوا ان المشيئة عبارة عن ترجيح بعض الممكناث على بعض كائنا ما كان من غير اعتبار الرضى والسخط فى شئ من الطرفين ولذلك جهلوا بقوله {ما لهم بذلك} اى بما ارادوا بقولهم ذلك من كون ما فعلوه بمشيئة الارتضاء لا بمطلق المشيئة فان ذلك محقق ينطق به مالا يحصى من الآيات الكريمة {من علم} يستند الى سند ما {ان هم} اى ما هم {الا يخرصون} يكذبون فان الخرص الكذب وكل قول بالظن والتخمين سوآء طابق الواقع ام لا قال الراغب كل قول مقول عن ظن وتخمين يقال له خرص سوآء كان ذلك مطابقا للشىء او مخالفا له من حيث ان صاحبه لم يقله عن علم ولا غلبة ظن ولا سماع بل اعتمد فيه على الظن والتخمين كفعل الخارص فى خرصه وكل من قال قولا على هذا النحو يسمى كاذبا وان كان مطابقا للقول المخبر به كما حكى عن قول المنافقين فى قوله تعالى {أية : اذا جاءك المنافقون قالوا نشهد انك لرسول الله{ تفسير : الى قوله {أية : ان المنافقين لكاذبون } تفسير : يقول الفقير اسناد المشيئة الى الله ايمان وتوحيد ان صدر من المؤمن والا فكفر وشرك لانه من العناد والعصبية والجهل بحقيقة الامر فلا يعتبر ثم اضرب عنه الى ابطال ان يكون لهم سند من جهة النقل فقيل
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وقالوا لو شاء الرحمنُ} عدم عبادتنا للملائكة {ما عبدناهم}، أرادوا بذلك بيان أن ما فعلوه مَرْضِي عنده تعالى، ولولا ذلك ما خلّى بينهم وبينها، ويُجاب: بأنه تعالى قد يخلي بين العبد ومعصيته، لينفذ فيه ما سبق من درك الوعيد. وتعلقت المعتزلة بظاهر الآية في أن الله تعالى لم يشأ الكفر من الكفار، وإنما شاء الإيمان، فإنّ الكفار ادّعوا أن الله شاء منهم الكفر، وما شاء منهم ترك عبادة الأصنام، حيث قالوا: {لو شاء الرحمن ما عبدناهم} أي: لو شاء بنا أن نترك عبادة الأصنام لمَنَعَنَا عن عبادتها، لكنه لم يشأ ذلك. والله تعالى ردّ عليهم قولهم، واعتقادهم، بقوله: {ما لهم بذلك} القول {من علم إِن هم إِلا يَخْرُصُون} : يكذبون، ومعنى الآية عندنا: أنهم أرادوا بالمشيئة: الرضا، وقالوا: لو لم يرضَ بذلك لعجّل عقوبتنا، ولمَنعنا من عبادتها مع قهر واضطرار، وإذ لم يفعل ذلك فقد رضي بذلك، فردَّ الله عليهم بقوله: {ما لهم بذلك من علم...} الآية. أو: قالوا هذا القول استهزاء، لا جدّاً واعتقاداً، فأكذبهم وجهّلهم حيث لم يقولوه اعتقاداً، كما قالوا:{أية : أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ}تفسير : [يس: 47]. وهذا كلام حق أرادوا به باطلاً: انظر النسفي. قلت: ما تمسّكوا به من قوله: {لو شاء الرحمن ما عبدناهم} من الاحتجاج بالقدر، وهو لا ينفع هذه الدار، لأنه من التمسُّك بالحقيقة الخالية عن الشريعة، وهي بطالة وزندقة، ولذلك ردّهم الله تعالى إلى التمسُّك بالشريعة بقوله: {أم آتيناهم كتاباً مِن قبله}؛ من قبل القرآن، أو: من قبل ادعائهم ذلك، ينطق بصحة ما يدّعونه، {فهم به مسْتَمْسِكون}؛ آخذون. {بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أُمّةٍ}؛ على دين وقلّدناهم. والأمّة في الأصل: الطريقة التي تؤمّ وتُقصد {وإِنا على آثارهم مُقتدون} أي: لم يأتوا بحجة نقلية ولا عقلية، ولا سند لهم سوى تقليد آبائهم الجهلة مثلهم. والظرف: صلة لمهتدون، أو: هما خبران. {وكذلك ما أرسنا من قبلك في قريةٍ من نذيرٍ}؛ من نبيّ {إِلا قال مُترفوها} أي: منغّموها، وهم الذين أترفتهم النعمة، أي: أبطرتهم، فلا يُحبون إلا الشهوات والملاهي، ويعافون مشاقَّ الدين وتكاليفه، قالوا: {إِنا وجدنا آباءنا على أُمةٍ وإِنا على آثارهم مقتدون}، وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وبيان أن التقليد فيهم ضلالٌ قديم. وتخصيص المترفين بتلك المقالة؛ للإذيان بأن التنعُّم بالشهوات، وحب البطالة، هو الذي صرفهم عن النظر إلى التقليد. {قُلْ}، هو حكاية لما جرى بين المنذرين وبين أممهم، عند تعللهم بتقليد آبائهم، أي: قيل لكل نذير وأوحي إليه: أن قُلْ، وليس خطاباً لنبينا - عليه الصلاة والسلام - بدليل ما بعده من قوله: {قالوا...} الخ. وقيل: خطاب له عليه الصلاة والسلام، فتكون الجملة معترضة بين قصة المتقدمين؛ لأن قوله: "قالوا" راجع للمتقدمين، وقرأ الشامي وحفص: {قال} أي: النذير: {أوَ لَو جئتُكُم} أي: أتقتدون بآبائكم ولو جئتكم {بأهدى}؛ بدين أهدى {مما وجدتم عليه آباءكم} من الضلالة التي ليست من الهداية في شيء؟ {قالوا إِنا بما أُرسلتم به كافرون} أي: قالت كل أمة لنذيرها: إنا ثابتون على ديننا، وإن جئتمونا بما هو أهدى وأهدى. وقد أجمل عند الحكاية؛ للإيجاز، كقوله:{أية : يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ}تفسير : [المؤمنون: 51]. {فانتقمنا منهم}؛ فعاقبناهم بما استحقوه على إصرارهم، {فانظر كيف كان عاقبةُ المكذِّبين} من الأمم المذكورين، فلا تكترث قومك. والله تعالى أعلم. الإشارة: وقالوا: لو شاء الرحمن ما عبدناهم، تمسّكوا بالحقيقة الظلمانية، الخالية عن التشريع، وهو كفر وزندقة، ولذلك ردّ الله عليهم بقوله: {أم آتيناهم كتاباً...}الخ، وترى كثيراً ممن خذله الله يقول: لو أراد الله هدايتي لهداني، ولا ينفع ذلك في هذه الدار، التي هي التكليف، بل يجب عليه النهوض، والقصد إلى أمر الله به، من حقوق العبودية، فإن منعته الأقدار فلينظر إلى الواحد القهّار، وإلا فالشقاء لازم له. وقد قالوا: مَن تحقق ولم يتشرّع فقد تزنذق، ومَن تشرَع ولم يتحقق فقد تفسّق، ومَن جمع بينهما فقد تحقّق. فالواجب: النظر إلى تصريف الحقيقة في الباطن، والتمسُّك بالشريعة في الظاهر. وبالله التوفيق. وقوله تعالى: {بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة...} الآية، فيه توبيخ لمَن تجمّد على تقليد أسلافه، وقد ظهر مَن هو أهدى منهم، ففيه نزعة جاهلية، وحمية من حميتهم. ثم برهن على بطلان التقليد الرديء، فقال: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ}.
الجنابذي
تفسير : {وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} يعنى انّهم قالوا هذه الكلمة من غير تصوّرٍ لمعناها ومن غير علمٍ بنسبتها ولذلك كانوا كاذبين وانّما ارادوا بذلك الفرار من قبح عبادة غير الله ولم يعلموا انّ فاعليّة المشيّة او سببيّتها للاشياء ليست بحيث يسلب الاختيار عنهم ويرفع القبح عن فعلهم {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ} اى من قبل القرآن او من هذا القول {فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ} يعنى ليس لهم علمٌ تحقيقىٌّ بمعنى هذا القول ولا علمٌ تقليدىٌّ وليس لهم سوى الخرص والخرصُ والتّخمين فى باب العقائد مطرود عن باب الله وقد سبق فى سورة الانعام بيان لهذه الآية عند قوله تعالى: لو شاء الله ما اشركنا ولا آباؤنا (الآية).
الأعقم
تفسير : {وقالوا} يعني الكفار {لو شاء الرحمان ما عبدناهم} أي لو شاء أن لا نعبدهم ما عبدناهم قيل: الملائكة، وقيل: الأوثان {ما لهم بذلك من علم} أي لا يقولون ذلك عن صحة وعلم {إن هم إلا يخرصون} أي يكذبون {أم آتيناهم كتاباً من قبله فهم به مستمسكون} وهذا استفهام والمراد الإِنكار، أي ما أنزلنا كتاباً، ثم بيَّن تعالى أن أمرهم مبني على التقليد، فقال سبحانه: {بل قالوا} يعني المشركين وهذا جواب لمقالتهم، يعني لم يشهدوا خلقهم ولا يرجعوا إلى كتاب {قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة} قيل: على ملة كانوا مجتمعين متوافقين على هذا الذي نحن عليه {وإنا على آثارهم مهتدون} {وكذلك ما أرسلنا من قبلك} يا محمد {في قرية من نذير} أي نبي {إلا قال مترفوها} أي رؤساؤها ومنعموها: {إنا وجدنا آباءنا} على طريقة، وقيل: وجدناهم مجتمعين على هذا {وإنَّا على آثارهم مقتدون} نقتدي بهم فلا نخالفهم {قل} يا محمد {أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم} يعني أصوب وأولى لما عليه من الدليل {قالوا إنَّا بما أرسلتم به كافرون} {فانتقمنا منهم} عذبناهم بكفرهم، وقيل: انتقمنا للمؤمنين منهم {فانظر كيف كان عاقبة المكذبين} {وإذ قال إبراهيم لأبيه} آزر {وقومه إنني براء مما تعبدون} يعني من الأوثان والنجوم {إلاَّ الذي فطرني} خلقني ابتداء وهو الله تعالى {فإنه سيهدين} إلى الحق بما نصب لي من الدلالة وفيه بيان ثقته بالله، وقيل: سيهدين إلى جنته وثوابه {وجعلها كلمة باقية في عقبه} يعني إبراهيم جعل هذه الكلمة باقية في ذريته لم يزل منهم من يقولها، وقيل: إنه تعالى جعلها باقية يعني بأمره ولطفه، وقيل: إبراهيم جعلها باقية بأن يوصي بها، وأكد الأمر بالتكرير وهي كلمة التوحيد لا إله إلا الله، وقيل: كلمة التوحيد التي تكلم بها إبراهيم قوله: {إنني براء مما تعبدون} في عقبه في ذريته، فلا يزال من يوحد الله ويدعو إلى توحيده {لعلهم يرجعون} لعل من أشرك منهم يرجع بدعاء من وحده منهم، ونحوه {أية : ووصى بها إبراهيم بنيه} تفسير : [البقرة: 132] {بل متعت} أي أنعمت عليهم بالنعم ولم أعاجلهم بالعقوبة فتمتعوا {حتى جاءهم الحق} قيل: القرآن {ورسول مبين} {قالوا هذا سحرٌ} أي تمويه.
الهواري
تفسير : {وَقَالُوا لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم} أي: لو كره الله هذا [الدين] الذي نحن عليه لحوّلنا عنه إلى غيره. قال الله: {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} أي بأني أمرتهم أن يعبدوا غيري، إنما قالوا ذلك على الشرك والظّنّ {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} أي: يكذبون. قال: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِّن قَبْلِهِ} أي: من قبل هذا القرآن، فيه ما يدَّعون من أن الملائكة بنات الله، وقولهم: لو كره ما نحن عليه لحوّلنا عنه إلى غيره {فَهُم بِهِ}. أي: بذلك الكتاب {مُسْتَمْسِكُونَ} أي: يحاجّون به، أي: لم نؤتهم كتاباً فيه ما يقولون فهم به مستمسكون. {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ} أي: على ملّة، وهي ملة الشرك. {وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} أي: إنهم كانوا على هدى، ونحن نتّبعهم على ذلك الهدى. قال الله: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ} أي: من نبي ينذرهم العذاب {إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا} أي: جبابرتها وعظماؤها، أي: مشركوها، وهم أهل السعة والقادة في الشرك، فاتبعهم من دونهم {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ} أي: على ملة {وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} أي إنهم كانوا مهتدين، فنحن مقتدون بهداهم. قال الله للنبي عليه السلام: {قَالَ} يا محمد {أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ}. ثم رجع إلى قصة الأمم السالفة فأخبر بما قالوا لأنبيائهم: {قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ}.
اطفيش
تفسير : {وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم} ما عبدنا الملائكة فعبادتنا اياهم بمشيئة فهو راض بها واذا لم يعاقبنا وهذا كفران الى الثلاثة السابقة عبادة الملائكة وادعاء رضى الله بها وهذا كما تقول المجبرة قبحهم الله وليس فى العباد أبغض الى الله من حمل ذنبه على الله زعم بعضهم انهم لو قالوا ذلك جادين لا مستهزئين لكانوا مؤمنين ويرده انه لا دليل على انهم قالوه استهزاء بل دلت على عدم الاستهزاء حكاية انهم جعلوا من عبادة جزءا أو انهم قالوا باتخاذ الملائكة بنات وانهم عبدوهم ذكر ذلك عندهم ذما لهم وشهادة بالكفر ولو كان هزءا لكان النطق بالمحكيات قيل هذا المحكي الذي هو ايمان عند ذلك البعض لو نطقوا بها بالجد مدحاً لهم من قبل انها كلمات مكفرات وان جعل هذا المحكى وحده مقولاً بهزء فما ذلك الا تعويج فى الكتاب الذي لا يطرقه الباطل ولو كانت هذه كلمة حتى نطقوا بها هزؤا لم يكن لقوله تعالى. {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِّنْ عِلْمٍ إِنْ} أي ما* {هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} يحدسون ويكذبون لان من قال لا اله الا الله على طريق الهزء كان الواجب أن ينكر عليه استهزاؤه ولا يكذب به لانه لا يجوز تكذيب الناطق بالحق جاداً أو هازئاً ويرده أيضاً انهم لو قالوا ذلك جداً لم يكن ايماناً لانهم قالوه مع بقائهم على خصال من الشرك واستدلالا لهم بأنه لو شاء الرحمن ما عبدناهم استدلال ينفي مشيئته عدم العبادة على امتناع النهي عنها أو على حسنها وذلك باطل لان المشيء ترجيح بعض الممكنات على بعض مأموراً كان أو منهياً عنه حسناً أو غيره ولذلك جهلهم بأنه لا علم لهم بذلك وانه (ما هم الا يخرصون) قرئ يتعجلون تمحلاً وباطلاً يكذبون والاشارة الى القبول بالرضى بعبادة الملائكة ويجوز أن تكون الى أصل الدعوى كأنه لما أبدى وجوه فسادهم وحكى شبههم المزيفة نفى أن يكون لهم بها علم عن طريق العقل وتفسير بعضهم ما لهم بقولهم ان الملائكة بنات الله من علم {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} فى ذلك لقول لا فى تعليق عبادتهم بمشيئة الله تمحل مبطل. قاله الزمخشري ولما نفى ذلك عن العقل قال مضرباً ومنكراً لن يكون لهم سند من جهة النقل
اطفيش
تفسير : {وقالُوا لو شاء الرحْمَن} لعلهم اختاروا لفظ الرحمن لزعمهم أنه تعالى وعز وجل أباح لهم عبادة الملائكة رحمة للملائكة، أو لهم ولهم، أو رحمة بهم {ما عَبَدناهُم} أى الملائكة، عطف على جعلوا الملائكة الخ أى عبادتنا للملائكة بمشيئة الله تعالى، إذ لو لم يشأ لم نعبدهم، بل يجبرنا على ترك عبادتها، أو يهلكنا اذ لم يرض عبادتها، فعبادتنا لهم واجبة أو حسنة أو أحسن جائزة، وذلك باطل، لأن خلق الطاعة والمعصية، وشاء المعصية كما شاء الطاعة، فلا يلزم من صدور المعصية منهم أنه أباحها، أو استحسنها أو أوجبها. {مالَهُم بذلك} الذى قالوه من أنه لو شاء الرحمن ما عبدناهم، أو ذلك وقولهم إن لله جزءا وان الملائكة إناث، وإنهم بنات الله سبحانه أو الاشارة الى هذا أو الى ما ذكروه من شأن المشيئة، وانما هو تقوية لرد قولهم إن لله جزءا الخ، والأول أولى، والباء متعلق بعلم ولو كان مصدرا للتوسع فى الظروف، ولأن هذا المصدر هنا ليس على معنى ان الفعل، والباء للإلصاق {مِن عِلمٍ} ما تمسكوا بعلم حقيق فى ذلك، بل بجهل مركب، فان المشيئة لا تقتضى رضى بشىء، ولا قبحا ولا نهيا بل تقتضى أنها ليست أمرا بمعصية، ولا نهيا عن طاعة {إن هُم إلا يخرصُون} يحزرون تحزيراً غير موافق الواقع، كما يقال: خرص العامل الثمار على النخل، ويطلق أيضا على الكذب.
الالوسي
تفسير : {وَقَالُواْ لَوْ شَاء ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُمْ} عطف على قوله سبحانه: {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ } تفسير : [الزخرف: 19] الخ إشارة إلى أنه من جنس ادعائهم أنوثة الملائكة في أنهم قالوه من غير علم، ومرادهم بهذا القول على ما قاله بعض الأجلة الاستدلال بنفي مشيئة الله تعالى ترك عبادة الملائكة عليهم السلام على امتناع النهي عنها أو على حسنها فكأنهم قالوا: إن الله تعالى لم يشأ ترك عبادتنا الملائكة ولو شاء سبحانه ذلك لتحقق بل شاء جل شأنه العبادة لأنها المتحققة فتكون مأموراً بها أو حسنة ويمتنع كونها منهياً عنها أو قبيحة، وهو استدلال باطل لأن المشيئة لا تستلزم الأمر أو الحسن لأنها ترجيح بعض الممكنات على بعض حسناً كان أو قبيحاً فلذلك جهلوا بقوله سبحانه: {مَّا لَهُم بِذَلِكَ} القول على الوجه الذي قصدوه منه، وحاصله يرجع إلى الإشارة إلى زعمهم أن المشيئة تقتضي طباق الأمر لها أو حسن ما تعلقت به {مِنْ عِلْمٍ} يستند إلى سند ما. {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} أي يكذبون كما فسره به غير واحد، ويطلق الخرص على الحزر وهو شائع / بل قيل: إنه الأصل وعلى كل هو قول عن ظن وتخمين. وقوله تعالى: {أَمْ ءاتَيْنَـٰهُمْ كِتَـٰباً مّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ}
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة { أية : ولئن سألتهم مَن خلق السماوات والأرض ليقولُنّ خلقهن العزيز العليم } تفسير : [الزخرف: 9]، فإنها استدلال على وَحدانية الله تعالى وعلى أن معبوداتهم غيرُ أهل لأن تُعْبَد. فحكي هنا ما استظهروه من معاذيرهم عند نهوض الحجة عليهم يرومون بها إفحام النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين فيقولون: لو شاء الله ما عبَدْنا الأصنام، أي لو أن الله لا يحب أن نعبدها لكان الله صرفنا عن أن نعبدها، وتوهموا أن هذا قاطع لجدال النبي صلى الله عليه وسلم لهم لأنهم سمعوا من دينه أن الله هو المتصرف في الحوادث فتأولوه على غير المراد منه. فضمير الغيبة في {ما عبدناهم} عائد إلى معلوم من المقام ومن ذكر فعل العبادة لأنهم كانوا يعبدون الأصنام وهم الغالب، وأقوام منهم يعبدون الجنّ قال تعالى: { أية : بل كانوا يعبدون الجنّ } تفسير : [سبأ: 41]. قال ابن مسعود: كان نفر من العرب يعبدون الجنّ، وأقوام يعبدون الملائكة مثل بني مُلَيْح {بضم الميم وفتح اللام وبحاء مهملة} وهم حيّ من خزاعة. فضمير جمع المذكر تغليب وليس عائداً إلى الملائكة لأنهم كانوا يزعمون الملائكة إناثاً فلو أرادوا الملائكة لقالوا ما عبدناها أو ما عبدناهنّ. وهذا هو الوجه في معنى الآية. ومثله مروي عن مجاهد وابن جريج واقتصر عليه الطبري وابن عطية، ومن المفسرين من جعل معاد الضمير { أية : الملائكة } تفسير : [الزخرف: 19] ولعلهم حملهم على ذلك وقوع هذا الكلام عقب حكاية قولهم في الملائكة: إنهم إناث وليس اقتران كلام بكلام بموجب اتحاد محمَليْهما. وعلى هذا التفسير درج صاحب «الكشاف» وهو بعيد من اللّفظ لتذكير الضمير كما علمت، ومن الواقع لأن العرب لم يعبد منهم الملائكة إلا طوائف قليلة عبدوا الجن والملائكة مع الأصنام وليست هي الديانة العامة للعرب. وهذه المقالة مثارها تخليط العامة والدهماء من عهد الجاهلية بينَ المشيئة والإرادة، وبين الرضى والمحبة، فالعرب كانوا يقولون: شاءَ الله وإن شاء الله، وقال طرفة: شعر : فلو شاء ربّي كنت قيس بن عاصم ولو شاء ربّي كنت عَمرو بن مَرثد تفسير : فبنوا على ذلك تخليطاً بين مشيئة الله بمعنى تعلق إرادته بوقوع شيء، وبين مشيئته التي قدَّرها في نظام العالم من إناطة المسببات بأسبابها، واتصال الآثار بمؤثراتها التي رتبها الله بقدَر حين كوَّن العالم ونظَّمه وأقام له سنناً ونواميس لا تخرج عن مدارها إلاّ إذا أراد الله قلب نظمها لحكمة أخرى. فمشيئة الله بالمعنى الأول يدل عليها ما أقامه من نظام أحوال العالم وأهله. ومشيئته بالمعنى الثاني تدل عليها شرائعه المبعوث بها رسُلُه. وهذا التخليط بين المشيئتين هو مثار خبط أهل الضلالات من الأمم، ومثار حيرة أهل الجهالة والقصور من المسلمين في معنى القضاء والقدر ومعنى التكليف والخطاب. وقد بيّنا ذلك عند قوله تعالى: { أية : سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرَّمْنا من شيء كذلك كذّب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا } تفسير : في سورة الأنعام (148). وهذا القول الصادر منهم ينتظم منه قياس استثنائي أن يقال: لو شاء الله ما عبدنا الأصنام، بدليل أن الله هو المتصرف في شؤوننا وشؤون الخلائق لكنا عبدنا الأصنام بدليل المشاهدة فَقد شاء الله أن نعبد الأصنام. وقد أجيبوا عن قولهم بقوله تعالى: {ما لهم بذلك من علم} أي ليس لهم مستند ولا حجة على قياسهم لأن مُقدَّم القياس الاستثنائي وهو {لو شاء الرحمان ما عبدناهم} مبنيّ على التباس المشيئة التكوينية بالمشيئة التكليفية فكان قياسهم خلياً عن العلم وهو اليقين، فلذلك قال الله: {ما لهم بذلك} أي بقولهم ذلك {من علم} بل هو من جهالة السفسطة واللّبس. والإشارة إلى الكلام المحكي بقوله: {وقالوا لو شاء الرحمٰن}. وجملة {إن هم إلا يخرصون} بيان لجملة {ما لهم بذلك من علم}. والخرص: التوهم والظنّ الذي لا حجة فيه قال تعالى: { أية : قتل الخرَّاصون } تفسير : [الذاريات: 10].
الشنقيطي
تفسير : في هذه الآية الكريمة إشكال معروف، ووجهه أن قول الكفار الذي ذكره الله عنهم هنا، أعني قوله تعالى {وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} [الزخرف: 20]، هو بالنظر إلى ظاهره كلام صحيح، لأن الله لو شاء أن يعبدوهم ما عبدوهم، كما قال تعالى {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُوا} تفسير : [الأنعام: 107]، وقال تعالى: {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} تفسير : [الأنعام: 35]، وقال تعالى: {أية : وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} تفسير : [السجدة: 13] الآية. وقال تعالى: {أية : فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [الأنعام: 149]، وقال تعالى: {أية : وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} تفسير : [يونس: 99]. وهذا الإشكال المذكور في آية الزخرف هو بعينه واقع في آية الأنعام، وآية النحل. أما آية الأنعام فهي قوله: {أية : سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ} تفسير : [الأنعام: 148]. وأما آية النحل، فهي قوله: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلاۤ آبَاؤُنَا} تفسير : [النحل: 35] الآية. فإذا عرفت أن ظاهر آية الزخرف وآية الأنعام، وآية النحل: أن ما قاله الكفار حق، وأن الله لو شاء ما عبدوا من دونه من شيء ولا أشركوا به شيئاً، كما ذكرنا في الآيات الموضحة قريباً. فاعلم أن وجه الإشكال، أن الله صرح بكذبهم في هذه الدعوى التي ظاهرها حق، قال في آية الزخرف: {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} [الزخرف: 20] أي يكذبون، وقال في آية الأنعام {أية : كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ} تفسير : [الأنعام: 148]، وقال في آية النحل {أية : كَذٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلاَّ ٱلْبَلاغُ ٱلْمُبِينُ} تفسير : [النحل: 35]. ومعلوم أن الذي فعله الذين من قبلهم، هو الكفر بالله والكذب على الله، في جعل الشركاء له وأنه حرم ما لم يحرمه. والجواب عن هذا أن مراد الكفار بقولهم {لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} [الزخرف: 20] وقولهم {أية : لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا} تفسير : [الأنعام: 148] مرادهم به أن الله لما كان قادراً على منعهم من الشرك، وهدايتهم إلى الإيمان ولم يمنعهم من الشرك. دل ذلك على أنه راض منهم بالشرك في زعمهم. قالوا لأنه لو لم يكن راضياً به، لصرفنا عنه، فتكذيب الله لهم في الآيات المذكورة منصب على دعواهم أنه راض به، والله جل وعلا يكذب هذه الدعوى في الآيات المذكورة وفي قوله {أية : وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ} تفسير : [الزمر: 7]. فالكفار زعموا أن الإرادة الكونية القدرية، تستلزم الرضى وهو زعم باطل، وهو الذي كذبهم الله فيه من الآيات المذكورة. وقد أشار تعالى إلى هذه الآيات المذكورة، حيث قال في آية الزخرف: {أية : أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ} تفسير : [الزخرف: 21] أي آتيناهم كتاباً يدل على أنا رضوان منهم بذلك الكفر، ثم أضرب عن هذا إضراب إبطال مبيناً أن مستندهم في تلك الدعوى الكاذبة هو تقليد آبائهم التقليد الأعمى، وذلك في قوله {أية : بَلْ قَالُوۤاْ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ} تفسير : [الزخرف: 22] أي شريعة وملة وهي الكفر وعبادة الأوثان {أية : وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} تفسير : [الزخرف: 22]. فقوله عنهم مهتدون هو مصب التكذيب، لأن الله إنما يرضى بالاهتداء لا بالضلال. فالاهتداء المزعوم أساسه تقليد الآباء الأعمى، وسيأتي إيضاح رده عليهم قريباً إن شاء الله. وقال تعالى في آية النحل بعد ذكره دعواهم المذكورة: {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلالَةُ} تفسير : [النحل: 36]. فأوضح في هذه الآية الكريمة أنه لم يكن راضياً بكفرهم، وأنه بعث في كل أمة رسولاً، وأمرهم على لسانه أن يعبدوا الله وحده، ويجتنبوا الطاغوت أي يتباعدوا عن عبادة كل معبود سواه. وأن الله هدى بعضهم إلى عبادته وحده، وأن بعضهم حقت عليه الضلالة أي ثبت عليه الكفر والشقاء. وقال تعالى في آية الأنعام {أية : قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [الأنعام: 149]. فملكه تعالى وحده للتوفيق والهداية، هو الحجة البالغة على خلقه، يعني فمن هديناه وتفضلنا عليه بالتوفيق، فهو فضل منا ورحمة. ومن لم نفعل له ذلك فهو عدل منا وحكمة، لأنه لم يكن له ذلك ديناً علينا ولا واجباً مستحقاً يستحقه علينا، بل إن أعطينا ذلك ففضل، وإن لم نعطه فعدل. وحاصل هذا: أن الله تبارك وتعالى قدر مقادير الخلق، قبل أن يخلق الخلق، وعلم أن قوماً صائرون إلى الشقاء وقوماً صائرون إلى السعادة، فريق في الجنة وفريق في السعير. وأقام الحجة على الجميع، ببعث الرسل وتأييدهم بالمعجزات التي لا تترك في الحق لبساً فقامت عليهم حجة الله في أرضه بذلك. ثم إنه تعالى وفق من شاء توفيقه، ولم يوفق من سبق لهم في علمه الشقاء الأزلي، وخلق لكل واحد منهم قدرة وإرادة يقدر بها على تحصيل الخير والشر، وصرف قدرهم وإراداتهم بقدرته وإرادته إلى ما سبق لهم في علمه، من أعمال الخير المستوجبة للسعادة وأعمال الشر المستوجبة للشقاء. فأتوا كل ما أتوا وفعلوا كل ما فعلوا، طائعين مختارين، غير مجبورين، ولا مقهورين {أية : وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الإنسان: 30]. {أية : قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [الأنعام: 149]. وادعاء أن العبد مجبور لا إرادة له ضروري السقوط عند عامة العقلاء. ومن أعظم الضروريات الدالة عليه أن كل عاقل يعلم أن بين الحركة الاختيارية والحركة الاضطرارية، كحركة المرتعش فرقاً ضرورياً، لا ينكره عاقل. وأنك لو ضربت من يدعى أن الخلق مجبورون، وفقأت عينه مثلاً، وقتلت ولده واعتذرت له بالجبر، فقلت له: أنا مجبور ولا إرادة لي في هذا السوء الذي فعلته بك، بل هو فعل الله، وأنا لا دخل فيه فإنه لا يقبل منك هذه الدعوى بلا شك. بل يبالغ في إرادة الانتقام منك قائلاً: إن هذا بإرادتك ومشيئتك. ومن أعظم الأدلة القطعية الدالة على بطلان مذهب القدرية، وأن العبد لا يستقل بأفعاله دون قدرة الله ومشيئته، أنه لا يمكن أحداً أن ينكر علم الله بكل شيء، قبل وقوعه والآيات والأحاديث الدالة على هذا لا ينكرها إلا مكابر. وسبق علم الله بما يقع من العبد قبل وقوعه، برهان قاطع على بطلان تلك الدعوى. وإيضاح ذلك أنك لو قلت للقدري: إذا كان علم الله في سابق أزله تعلق بأنك تقع منك السرقة أو الزنا في محل كذا في وقت كذا، وأردت أنت بإرادتك المستقلة في زعمك دون إرادة الله أن لا تفعل تلك السرقة أو الزنا الذي سبق بعلم الله وقوعه، فهل يمكنك أن تستقل بذلك؟ وتُصيِّر علم الله جهلاً، بحيث لا يقع ما سبق في علمه وقوعه في وقته المحدد له؟ والجواب بلا شك: هو أن ذلك لا يمكن بحال كما قال تعالى: {أية : وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الإنسان: 30]، وقال الله تعالى: {أية : قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِين} تفسير : [الأنعام: 149]. ولا إشكال البتة في أن علم الله يخلق للعبد قدرة وإرادة يقدر بها على الفعل والترك، ثم يصرف الله بقدرته وإرادته قدرة العبد وإرادته إلى ما سبق به علمه فيأتيه العبد طائعاً مختاراً غير مقهور ولا يجور، وغير مستقل به دون قدرة الله وإرادته كما قال تعالى: {أية : وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّه} تفسير : [الإنسان: 30]. والمناظرة التي ذكرها بعضهم، بين أبي إسحاق الإسفراييني وعبد الجبار المعتزلي توضح هذا. وهي أن عبد الجبار قال: سبحان من تنزه عن الفحشاء يعني أن السرقة والزنا ليسا بمشيئة الله، لأنه في زعمه أنزه من أن تكون هذه الرذائل بمشيئته. فقال أبو إسحاق: كلمة حق أريد بها باطل. ثم قال: سبحان من لم يقع في ملكه إلا ما يشاء. فقال عبد الجبار: أتراه يشاؤه ويعاقبني عليه. فقال أبو إسحاق: أتراك تفعله جبراً عليه، أأنت الرب وهو العبد؟ فقال عبد الجبار: أرأيت إن دعاني إلى الهدى، وقضى علي بالرديء، دعاني وسد الباب دوني؟ أتراه أحسن أم أساء؟ فقال أبو إسحاق: أرى أن هذا الذي منعك إن كان حقاً واجباً لك عليه فقد ظلمك وقد أساء، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً، وإن كان ملكه المحض فإن أعطاك ففضل، وإن منعك فعدل، فبهت عبد الجبار، وقال الحاضرون: والله ما لهذا جواب. ومضمون جواب أبي إسحاق هذا الذي أفحم به عبد الجبار، هو معنى قوله تعالى: {أية : قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِين} تفسير : [الأنعام: 149]. وذكر بعضهم أن عمرو بن عبيد جاءه أعرابي فشكا إليه أن دابته سرقت وطلب منه أن يدعو الله ليردها إليه. فقال عمرو ما معناه: اللهم إنها سرقت ولم ترد سرقتها، لأنك أنزه وأجل من أن تدبر هذا الخنا. فقال الأعرابي: ناشدتك الله يا هذا، إلا ما كففت عني من دعائك هذا الخبيث، إن كانت سرقت ولم يرد سرقتها فقد يريد ردها ولا ترد، ولا ثقة لي برب، يقع في ملكه ما لا يشاؤه فألقمه حجراً. وقد ذكرنا هذه المسألة في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في الكلام عن آية الأنعام المذكورة في هذا البحث، وفي سورة الشمس في الكلام عن قوله تعالى: {أية : فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} تفسير : [الشمس: 8].
د. أسعد حومد
تفسير : {عَبَدْنَاهُمْ} (20) - وَقَالَ المُشْرِكُونَ: لَوْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى أَنْ لاَ يَعْبُدُوا هَذِهِ الأَصْنَامَ التِي صَوّرُوهَا عَلَى جِنْسِ المَلاَئِكَةِ وَقَالُوا عَنْهَا إِنَّهَا بَنَاتُ اللهِ، لَحَالَ اللهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ذَلِكَ، فَهُوَ تَعَالَى عَالِمٌ بِعِبَادَتِهِم لَهَا، وَهُوَ يُقِرُّهُمْ عَلَيْهَا. وَفِي الحَقِيقَةِ فَإِنَّ هَؤُلاَءِ لاَ دَلِيلَ لَهُمْ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ هَذَا، وَلاَ بُرْهَانَ لَهُمْ عَلَيْهِ، وَمَا هُمْ فِي دَعْوَاهُمْ هَذِهِ إِلاَّ كَاذِبُونَ، مُتَقَوِّلُونَ عَلَى اللهِ، نَاسِبُونَ إِلَيهِ مَا لَمْ يَقُلْهُ (مُتَخَرِّصُونَ). يَخْرُصُونَ - يَكْذِبُونَ فِيمَا قَالُوا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذه دعوى أخرى من دعاواهم وافتراءاتهم على الله، لذلك يرد الله عليهم بأن هذا الكلام كذب وافتراء تقولونه دون وعي ودون علم {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} [الزخرف: 20] يعني: ما هم إلا يكذبون في هذا الادعاء.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):