Verse. 4346 (AR)

٤٣ - ٱلْزُّخْرُف

43 - Az-Zukhruf (AR)

اَمْ اٰتَيْنٰہُمْ كِتٰبًا مِّنْ قَبْلِہٖ فَہُمْ بِہٖ مُسْتَمْسِكُوْنَ۝۲۱
Am ataynahum kitaban min qablihi fahum bihi mustamsikoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أم آتيناهم كتاباً من قبله» أي القرآن بعبادة غير الله «فهم مستمسكون» أي لم يقع ذلك.

21

Tafseer

القرطبي

تفسير : هذا معادل لقوله: {أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ}. والمعنى: أحضروا خلقهم أم آتيناهم كتاباً من قبله؛ أي من قبل القرآن بما ٱدعوه؛ فهم به متمسكون يعملون بما فيه.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى منكراً على المشركين في عبادتهم غير الله بلا برهان ولا دليل ولا حجة: {أَمْ ءَاتَيْنَـٰهُمْ كِتَـٰباً مِّن قَبْلِهِ} أي: من قبل شركهم، {فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ} أي: فيما هم فيه؟ ليس الأمر كذلك؛ كقوله عز وجل: {أية : أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ} تفسير : [الروم: 35]؟ أي: لم يكن ذلك. ثم قال تعالى: { بَلْ قَالُوۤاْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَـٰرِهِم مُّهْتَدُونَ} أي: ليس لهم مستند فيما هم فيه من الشرك سوى تقليد الآباء والأجداد بأنهم كانوا على أمة، والمراد بها الدين ههنا. وفي قوله تبارك وتعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} تفسير : [الأنبياء: 92] وقولهم: {وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَـٰرِهِم} أي: وراءهم {مُّهْتَدُونَ} دعوى منهم بلا دليل. ثم بين جل وعلا أن مقالة هؤلاء قد سبقهم إليها أشباههم ونظراؤهم من الأمم السالفة المكذبة للرسل، تشابهت قلوبهم، فقالوا مثل مقالتهم {أية : كَذَلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَـٰحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْاْ بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَـٰغُونَ } تفسير : [الذاريات: 52 ــــ 53] وهكذا قال ههنا: { وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَـٰرِهِم مُّقْتَدُونَ} ثم قال عز وجل: {قُلْ} أي: يا محمد لهؤلاء المشركين: {أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ ءَابَآءَكُمْ قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَـٰفِرُونَ} أي: لو علموا وتيقنوا صحة ما جئتهم به، لما انقادوا لذلك؛ لسوء قصدهم، ومكابرتهم للحق وأهله. قال الله تعالى: {فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ} أي: من الأمم المكذبة بأنواع من العذاب؛ كما فصله تبارك وتعالى في قصصهم، {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} أي: كيف بادوا وهلكوا، وكيف نجى الله المؤمنين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَمْ ءَاتَيْنَٰهُمْ كِتَٰباً مِّن قَبْلِهِ } أي القرآن بعبادة غير الله {فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ } أي لم يقع ذلك.

الشوكاني

تفسير : قوله: {أَمْ ءاتَيْنَـٰهُمْ كِتَـٰباً مّن قَبْلِهِ } أم هي المنقطعة، أي: بل ءأعطيناهم كتاباً من قبل القرآن بأن يعبدوا غير الله {فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ } يأخذون بما فيه، ويحتجون به، ويجعلونه لهم دليلاً، ويحتمل: أن تكون أم معادلة لقوله: {ٱشْهَدُواْ }، فتكون متصلة، والمعنى: أحضروا خلقهم أم آتيناهم كتاباً... إلخ. وقيل: إن الضمير في: {مِن قَبْلِهِ } يعود إلى ادّعائهم، أي: أم آتيناهم كتاباً من قبل ادّعائهم ينطق بصحة ما يدّعونه، والأوّل أولى. ثم بيّن سبحانه: أنه لا حجة بأيديهم، ولا شبهة، ولكنهم اتبعوا آباءهم في الضلالة، فقال: {بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءاثَـٰرِهِم مُّهْتَدُونَ }، فاعترفوا بأنه لا مستند لهم سوى تقليد آبائهم، ومعنى {على أمة}: على طريقة، ومذهب، قال أبو عبيد: هي: الطريقة، والدين، وبه قال قتادة، وغيره. قال الجوهري: والأمة: الطريقة، والدين، يقال: فلان لا أمة له، أي: لا دين له، ولا نحلة، ومنه قول قيس بن الخطيم:شعر : كنا على أمة آبائنا ونقتدي الآخر بالأوّل تفسير : وقول الآخر:شعر : وهل يستوي ذو أمة وكفور تفسير : وقال الفراء، وقطرب: على قبلة. وقال الأخفش: على استقامة، وأنشد قول النابغة:شعر : حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع تفسير : قرأ الجمهور: {أمة} بضم الهمزة، وقرأ مجاهد، وقتادة، وعمر بن عبد العزيز بكسرها. قال الجوهري: والإمة بالكسر: النعمة، والإمة: أيضاً لغة في الأمة. ومنه قول عديّ بن زيد:شعر : ثم بعد الفلاح والملك والإمـ ـة وارتهم هناك قبور تفسير : ثم أخبر سبحانه أن غير هؤلاء من الكفار قد سبقهم إلى هذه المقالة، وقال بها، فقال: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُون} {مترفوها}: أغنياؤها، ورؤساؤها، قال قتادة: {مقتدون}: متبعون، ومعنى الاهتداء، والاقتداء متقارب، وخصص المترفين تنبيهاً على أن التنعم هو سبب إهمال النظر. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يردّ عليهم، فقال: {قُلْ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ ءابَاءكُمْ } أي: أتتبعون آباءكم، ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم، قال الزجاج: المعنى: قل لهم أتتبعون ما وجدتم عليه آباءكم، وإن جئتكم بأهدى منه. قرأ الجمهور: {قُلْ أَوَلَوْ جِئْتُكُم }، وقرأ ابن عامر، وحفص: (قال أو لو جئتكم)، وهو حكاية لما جرى بين المنذرين، وقومهم، أي: قال كلّ منذر من أولئك المنذرين لأمته، وقيل: إن كلا القراءتين حكاية لما جرى بين الأنبياء، وقومهم، كأنه قال: لكل نبيّ قل، بدليل قوله: {قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَـٰفِرُونَ }. وهذا من أعظم الأدلة الدالة على بطلان التقليد، وقبحه، فإن هؤلاء المقلدة في الإسلام إنما يعملون بقول أسلافهم، ويتبعون آثارهم، ويقتدون بهم، فإذا رام الداعي إلى الحق أن يخرجهم من ضلالة، أو يدفعهم عن بدعة قد تمسكوا بها، وورثوها عن أسلافهم بغير دليل نير، ولا حجة واضحة، بل بمجرّد قال. وقيل: لشبهة داحضة، وحجة زائفة، ومقالة باطلة، قالوا: بما قاله المترفون من هذه الملل: إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون، أو بما يلاقي معناه معنى ذلك، فإن قال لهم الداعي إلى الحقّ: قد جمعتنا الملة الإسلامية، وشملنا هذا الدين المحمدي، ولم يتعبدنا الله، ولا تعبدكم، وتعبد آباءكم من قبلكم إلاّ بكتابه الذي أنزله على رسوله، وبما صحّ عن رسوله، فإنه المبين لكتاب الله الموضح لمعانيه، الفارق بين محكمه، ومتشابهه، فتعالوا نردّ ما تنازعنا فيه إلى كتاب الله، وسنّة رسوله كما أمرنا الله بذلك في كتابه بقوله: {أية : فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ } تفسير : [النساء: 59]، فإن الردّ إليهما أهدى لنا ولكم من الردّ إلى ما قاله أسلافكم، ودرج عليه آباؤكم، نفروا نفور الوحوش، ورموا الداعي لهم إلى ذلك بكل حجر ومدر، كأنهم لم يسمعوا قول الله سبحانه: {أية : إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُواْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } تفسير : [النور: 51]، ولا قوله: {أية : فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً } تفسير : [النساء: 65]، فإن قال لهم القائل: هذا العالم الذي تقتدون به، وتتبعون أقواله هو مثلكم في كونه متعبداً بكتاب الله، وسنّة رسوله، مطلوباً منه ما هو مطلوب منكم، وإذا عمل برأيه عند عدم وجدانه للدليل، فذلك رخصة له لا يحلّ أن يتبعه غيره عليها، ولا يجوز له العمل بها، وقد وجدوا الدليل الذي لم يجده، وها أنا أوجدكموه في كتاب الله، أو فيما صحّ من سنّة رسوله، وذلك أهدى لكم مما وجدتم عليه آباءكم، قالوا: لا نعمل بهذا، ولا سمع لك، ولا طاعة، ووجدوا في صدورهم أعظم الحرج من حكم الكتاب، والسنّة، ولم يسلموا ذلك، ولا أذعنوا له، وقد وهب لهم الشيطان عصي يتوكئون عليها عند أن يسمعوا من يدعوهم إلى الكتاب، والسنّة، وهي أنهم يقولون: إن إمامنا الذي قلدناه، واقتدينا به أعلم منك بكتاب الله، وسنّة رسوله، وذلك لأن أذهانهم قد تصوّرت من يقتدون به تصوراً عظيماً بسبب تقدّم العصر، وكثرة الأتباع، وما علموا أن هذا منقوض عليهم، مدفوع به في وجوههم، فإنه لو قيل لهم: إن في التابعين من هو أعظم قدراً، وأقدم عصراً من صاحبكم، فإن كان لتقدم العصر وجلالة القدر مزية حتى توجب الاقتداء، فتعالوا حتى أريكم من هو أقدم عصراً، وأجلّ قدراً، فإن أبيتم ذلك، ففي الصحابة رضي الله عنهم من هو أعظم قدراً من صاحبكم علماً، وفضلاً، وجلالة قدر، فإن أبيتم ذلك، فها أنا أدلكم على من هو أعظم قدراً، وأجلّ خطراً، وأكثر أتباعاً، وأقدم عصراً، وهو: محمد بن عبد الله نبينا، ونبيكم، ورسول الله إلينا، وإليكم، فتعالوا، فهذه سنّته موجودة في دفاتر الإسلام، ودواوينه التي تلقتها جميع هذه الأمة قرناً بعد قرن، وعصراً بعد عصر، وهذا كتاب ربنا خالق الكل، ورازق الكل، وموجد الكل بين أظهرنا موجود في كل بيت، وبيد كل مسلم لم يلحقه تغيير، ولا تبديل، ولا زيادة، ولا نقص، ولا تحريف، ولا تصحيف، ونحن، وأنتم ممن يفهم ألفاظه، ويتعقل معانيه، فتعالوا لنأخذ الحقّ من معدنه، ونشرب صفو الماء من منبعه، فهو أهدى مما وجدتم عليه آباءكم، قالوا: لا سمع، ولا طاعة، إما بلسان المقال، أو بلسان الحال، فتدبر هذا، وتأمله إن بقي فيك بقية من إنصاف، وشعبة من خير، ومزعة من حياء، وحصة من دين، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم. وقد أوضحت هذا غاية الإيضاح في كتابي الذي سميته «أدب الطلب ومنتهى الأرب»، فارجع إليه إن رمت أن تنجلي عنك ظلمات التعصب، وتتقشع لك سحائب التقليد {فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ }. وذلك الانتقام ما أوقعه الله بقوم نوح، وعاد، وثمود {فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذّبِينَ } من تلك الأمم، فإن آثارهم موجودة. {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ } أي: واذكر لهم وقت قوله لأبيه، وقومه الذين قلدوا آباءهم، وعبدوا الأصنام {إِنَّنِى بَرَاء مّمَّا تَعْبُدُونَ } البراء مصدر نعت به للمبالغة، وهو يستعمل للواحد، والمثنى، والمجموع، والمذكر، والمؤنث. قال الجوهري: وتبرأت من كذا، وأنا منه براء وخلاء، لا يثنى، ولا يجمع، لأنه مصدر في الأصل، ثم استثنى خالقه من البراءة، فقال: {إِلاَّ ٱلَّذِى فَطَرَنِى } أي: خلقني {فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ } سيرشدني لدينه، ويثبتني على الحق، والاستثناء إما منقطع، أي: لكن الذي فطرني، أو متصل من عموم ما، لأنهم كانوا يعبدون الله، والأصنام، وإخباره بأنه سيهديه جزماً لثقته بالله سبحانه، وقوّة يقينه {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَـٰقِيَةً فِى عَقِبِهِ } الضمير في: {جعلها} عائد إلى قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِى فَطَرَنِى }، وهي بمعنى التوحيد، كأنه قال: وجعل كلمة التوحيد باقية في عقب إبراهيم، وهم: ذرّيته، فلا يزال فيهم من يوحد الله سبحانه، وفاعل جعلها: إبراهيم، وذلك حيث وصاهم بالتوحيد، وأمرهم بأن يدينوا به كما في قوله: {أية : وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرٰهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ } تفسير : [البقرة: 132] الآية، وقيل: الفاعل هو الله عزّ وجلّ، أي: وجعل الله عزّ وجلّ كلمة التوحيد باقية في عقب إبراهيم، والعقب: من بعد. قال مجاهد، وقتادة: الكلمة لا إلٰه إلاّ الله لا يزال من عقبه من يعبد الله إلى يوم القيامة. وقال عكرمة: هي: الإسلام. قال ابن زيد: الكلمة هي قوله: {أية : أَسْلَمْتُ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [البقرة: 131]، وجملة {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } تعليل للجعل، أي: جعلها باقية رجاء أن يرجع إليها من يشرك منهم بدعاء من يوحد. وقيل: الضمير في: {لعلهم} راجع إلى أهل مكة، أي: لعلّ أهل مكة يرجعون إلى دينك الذي هو دين إبراهيم. وقيل: في الكلام تقديم، وتأخير، والتقدير: فإنه سيهدين لعلهم يرجعون، وجعلها... إلخ. قال السدّي: لعلهم يتوبون، فيرجعون عما هم عليه إلى عبادة الله. ثم ذكر سبحانه نعمته على قريش، ومن وافقهم من الكفار المعاصرين لهم، فقال: {بَلْ مَتَّعْتُ هَـؤُلاَء وَءابَاءهُمْ } أضرب عن الكلام الأوّل إلى ذكر ما متعهم به من الأنفس، والأهل، والأموال، وأنواع النعم، وما متع به آباءهم، ولم يعاجلهم بالعقوبة، فاغترّوا بالمهلة، وأكبوا على الشهوات {حَتَّىٰ جَاءهُمُ ٱلْحَقُّ } يعني: القرآن {وَرَسُولٌ مُّبِينٌ } يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم، ومعنى {مبين}: ظاهر الرسالة واضحها، أو مبين لهم ما يحتاجون إليه من أمر الدين، فلم يجيبوه، ولم يعملوا بما أنزل عليه. ثم بيّن سبحانه ما صنعوه عند مجيء الحقّ، فقال: {وَلَمَّا جَاءهُمُ ٱلْحَقُّ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَـٰفِرُونَ } أي: جاحدون، فسموا القرآن سحراً، وجحدوه. واستحقروا رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } المراد بالقريتين: مكة، والطائف، وبالرجلين: الوليد بن المغيرة من مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف كذا قال قتادة، وغيره. وقال مجاهد، وغيره: عتبة بن ربيعة من مكة، وعمير بن عبد ياليل الثقفي من الطائف، وقيل غير ذلك. وظاهر النظم أن المراد: رجل من إحدى القريتين عظيم الجاه واسع المال مسوّد في قومه، والمعنى: أنه لو كان قرآناً لنزل على رجل عظيم من عظماء القريتين، فأجاب الله سبحانه عنهم بقوله: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ } يعني: النبوّة، أو ما هو أعمّ منها، والاستفهام للإنكار. ثم بيّن أنه سبحانه هو الذي قسم بينهم ما يعيشون به من أمور الدنيا، فقال: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا }، ولم نفوّض ذلك إليهم، وليس لأحد من العباد أن يتحكم في شيء بل الحكم لله وحده، وإذا كان الله سبحانه هو الذي قسم بينهم أرزاقهم، ورفع درجات بعضهم على بعض، فكيف لا يقنعون بقسمته في أمر النبوّة، وتفويضها إلى من يشاء من خلقه. قال مقاتل: يقول: أبأيديهم مفاتيح الرسالة، فيضعونها حيث شاءوا؟ قرأ الجمهور: {معيشتهم} بالإفراد، وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وابن محيصن: (معايشهم) بالجمع ومعنى {رَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ }: أنه فاضل بينهم، فجعل بعضهم أفضل من بعض في الدنيا بالرزق، والرياسة، والقوّة، والحرية، والعقل، والعلم، ثم ذكر العلة لرفع درجات بعضهم على بعض، فقال: {لّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً } أي: ليستخدم بعضهم بعضاً، فيستخدم الغنيّ الفقير، والرئيس المرءوس، والقويّ الضعيف، والحرّ العبد، والعاقل من هو دونه في العقل، والعالم الجاهل، وهذا في غالب أحوال أهل الدنيا، وبه تتمّ مصالحهم، وينتظم معاشهم، ويصل كلّ واحد منهم إلى مطلوبه، فإن كل صناعة دنيوية يحسنها قوم دون آخرين، فجعل البعض محتاجاً إلى البعض، لتحصل المواساة بينهم في متاع الدنيا، ويحتاج هذا إلى هذا، ويصنع هذا لهذا، ويعطي هذا هذا. قال السدّي، وابن زيد: {سخرنا}: خولا وخدما، يسخر الأغنياء الفقراء، فيكون بعضهم سبباً لمعاش بعض. وقال قتادة، والضحاك: ليملك بعضهم بعضاً، وقيل: هو من السخرية التي بمعنى: الاستهزاء، وهذا وإن كان مطابقاً للمعنى اللغوي، ولكنه بعيد من معنى القرآن، ومنافٍ لما هو مقصود السياق {وَرَحْمَةُ رَبّكَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ } يعني بالرحمة: ما أعدّه الله لعباده الصالحين في الدار الآخرة، وقيل: هي النبوّة لأنها المراد بالرحمة المتقدّمة في قوله: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ } ولا مانع من أن يراد كلّ ما يطلق عليه اسم الرحمة إما شمولاً أو بدلاً، ومعنى {مّمَّا يَجْمَعُونَ }: ما يجمعونه من الأموال، وسائر متاع الدنيا. ثم بيّن سبحانه حقارة الدنيا عنده، فقال: {وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً } أي: لولا أن يجتمعوا على الكفر ميلاً إلى الدنيا، وزخرفها {لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ } جمع الضمير في بيوتهم، وأفرده في يكفر باعتبار معنى من ولفظها، ولبيوتهم بدل اشتمال من الموصول، والسقف جمع سقف. قرأ الجمهور بضمّ السين، والقاف كَرَهْن، ورُهُن. قال أبو عبيدة: ولا ثالث لهما. وقال الفراء: هو جمع سقيف نحو كثيب، وكثب، ورغيف، ورغف، وقيل: هو جمع سقوف، فيكون جمعاً للجمع. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بفتح السين، وإسكان القاف على الإفراد، ومعناه الجمع لكونه للجنس. قال الحسن: معنى الآية: لولا أن يكفر الناس جميعاً بسبب ميلهم إلى الدنيا، وتركهم الآخرة لأعطيناهم في الدنيا ما وصفناه، لهوان الدنيا عند الله، وقال بهذا أكثر المفسرين. وقال ابن زيد: لولا أن يكون الناس أمة واحدة في طلب الدنيا، واختيارهم لها على الآخرة. وقال الكسائي: المعنى: لولا أن يكون في الكفار غنيّ، وفقير، وفي المسلمين مثل ذلك لأعطينا الكفار من الدنيا هذا لهوانها {وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ } المعارج: الدرج جمع معراج، والمعراج: السلم. قال الأخفش: إن شئت جعلت الواحدة مَعْرَج، ومِعْرَج مثل: مَرْقاة، ومِرْقاة، والمعنى: فجعلنا لهم معارج من فضة عليها يظهرون، أي: على المعارج يرتقون، ويصعدون، يقال ظهرت على البيت أي: علوت سطحه، ومنه قول النابغة:شعر : بلغنا السماء مجداً وفخراً وسؤددا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا تفسير : أي: مصعداً {وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوٰباً وَسُرُراً } أي: وجعلنا لبيوتهم أبواباً من فضة، وسرراً من فضة {عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ } أي: على السرر، وهو جمع سرير، وقيل: جمع أسرة، فيكون جمعاً للجمع، والاتكاء، والتوكؤ: التحامل على الشيء، ومنه {أية : أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} تفسير : [طه: 18] واتكأ على الشيء، فهو متكأ، والموضع متكىء، والزخرف: الذهب. وقيل: الزينة أعمّ من أن تكون ذهباً، أو غيره. قال ابن زيد: هو: ما يتخذه الناس في منازلهم من الأمتعة، والأثاث. وقال الحسن: النقوش، وأصله الزينة، يقال: زخرفت الدار أي: زينتها، وانتصاب {زخرفاً} بفعل مقدّر، أي: وجعلنا لهم مع ذلك زخرفاً، أو بنزع الخافض، أي: أبواباً، وسرراً من فضة، ومن ذهب، فلما حذف الخافض انتصب. ثم أخبر سبحانه أن جميع ذلك إنما يتمتع به في الدنيا، فقال: {وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} قرأ الجمهور: (لما) بالتخفيف، وقرأ عاصم، وحمزة، وهاشم عن ابن عامر بالتشديد. فعلى القراءة الأولى تكون إن هي المخففة من الثقيلة، وعلى القراءة الثانية هي النافية، و"لما" بمعنى إلاّ، أي: ما كل ذلك إلاّ شيء يتمتع به في الدنيا. وقرأ أبو رجاء بكسر اللام من (لما) على أن اللام للعلة، وما موصولة، والعائد محذوف، أي: للذي هو متاع {وَٱلآخِرَةُ عِندَ رَبّكَ لِلْمُتَّقِينَ } أي: لمن اتقى الشرك، والمعاصي، وآمن بالله وحده، وعمل بطاعته، فإنها الباقية التي لا تفنى، ونعيمها الدائم الذي لا يزول. وقد أخرج ابن جرير، عن ابن عباس {بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءنَا } قال: على دين. وأخرج عبد بن حميد عنه {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَـٰقِيَةً } قال: لا إلٰه إلاّ الله {فِى عَقِبِهِ } قال: عقب إبراهيم ولده. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه عنه أيضاً: أنه سئل عن قول الله: {لَوْلاَ نُزّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } ما القريتان؟ قال: الطائف، ومكة، قيل: فمن الرجلان؟ قال: عمير بن مسعود، وخيار قريش. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه أيضاً قال: يعني بالقريتين: مكة والطائف، والعظيم: الوليد بن المغيرة القرشي، وحبيب بن عمير الثقفي. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في الآية قال: يعنون أشرف من محمد: الوليد بن المغيرة من أهل مكة، ومسعود بن عمرو الثقفي من أهل الطائف. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {لَّوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً } الآية يقول: لولا أن أجعل الناس كلهم كفاراً لجعلت لبيوت الكفار سقفاً من فضة، ومعارج من فضة، وهي: درج عليها يصعدون إلى الغرف، وسرر فضة، وزخرفاً: وهو الذهب. وأخرج الترمذي وصححه، وابن ماجه، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء».

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} فيه خمسة أوجه: أحدها: على دين، قاله قتادة وعطية، ومنه قول قيس بن الخطيم: شعر : كنا على أمة آبائنا قد يقتدي الآخر بالأول تفسير : الثاني: على ملة وهو قريب من معنى الأول، قاله مجاهد وقطرب وفي بعض المصاحف.{قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا عَلَى مِلَّةٍ}. الثالث: على قبلة، حُكي ذلك عن الفراء. الرابع: على استقامة، قاله الأخفش، وأنشد النابغة: شعر : حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وهل يأثَمَن ذو أمة وهو طائع تفسير : الخامس: على طريقة، قاله عمر بن عبد العزيز، وكان يقرأ {عَلَى أُمَّةٍ} بكسر الألف والأمة الطريقة من قولهم أممت القوم. حكاه الفراء. {وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} قال قتادة متبعون. وحكى مقاتل أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة، وأبي سفيان، وأبي جهل، وعتبة، وشيبة ابني ربيعة من قريش.

اسماعيل حقي

تفسير : {ام آتيناهم} آيا داده ايم ايشانرا {كتابا من قبله} اى من قبل القرءآن او الرسول او من قبل ادعائهم ينطق بصحة ما يدعونه من عبادة غير الله وكون الملائكة بناته {فهم به} اى بذلك الكتاب {مستمسكون} وعليه معولون. ومقرر است كه ايشانرا كتابى نداده ايم بس ايشانرا حجتى نقلا وعقلانيست. يقال استمسك به اذا اعتصم به قال فى تاج المصادر الاستمساك جنك در زدن. ويعدى بالباء وفى المفردات امساك الشئ التعلق به وحفظه واستمسكت بالشئ اذا تحريت الامساك

الطوسي

تفسير : قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم {قال أولو جئتكم} على انه فعل ماض، وتقديره قال النذير. الباقون {قل} على الأمر على وجه الحكاية لما اوحى الله إلى النذير. قال كأنه قال اوحينا اليه أي فقلنا له {قل أولو جئتكم} وقرأ ابو جعفر {جئناكم} بالنون على وجه الجمع. لما حكى الله تعالى تخرص من يضيف عبادة الاصنام والملائكة إلى مشيئة الله، وبين انه لا يشاء ذلك قال {أم آتيناهم كتاباً} والمعنى التقريع لهم على خطئهم بلفظ الاستفهام، والتقدير أهذا الذي ذكروه شئ تخرصوه وافتروه {أم آتيناهم كتاباً من قبله فهم به مستمسكون}؟! فاذا لم يمكنهم ادعاء ان الله أنزل بذلك كتاباً علم انه من تخرصهم ودل على حذف حرف الاستفهام (أم) لأنها المعادلة. ثم قال ليس الامر على ما قالوه {بل قالوا} يعني الكفار {إنا وجدنا آباءنا على أمة} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: يعني على ملة وسميت الديانة أمة لاجتماع الجماعة على صفة واحدة فيها. وقرىء "على إمة" - بكسر الهمزة - والمراد به الطريقة {وإنا على آثارهم} أي على آثار آبائنا {مهتدون} نهتدي بهداهم. ثم قال مثل ما قال هؤلاء فى الحوالة على تقليد آبائهم فى الكفر كذلك لم نرسل من قبلك في قرية ومجمع من الناس نذيراً - لان (من) زيادة - {إلا قال مترفوها} وهم الذين آثروا الترفة على طلب الحجة، وهم المتنعمون الروساء {إنا وجدنا آباءنا على أمة} يعني على ملة {وإنا على آثارهم مقتدون} نقتدي بهم فأحال الجميع على التقليد للاباء فحسب، دون الحجة، والتقليد قبيح بموجب العقل لأنه لو كان جائزاً للزم فيه أن يكون الحق في الشيء ونقيضه، فيكون عابد الوثن يقلد أسلافه، وكذلك يقلد اسلافه اليهودي والنصراني والمجوسي، وكل فريق يعتقد أن الآخر على خطأ وضلال. وهذا باطل بلا خلاف، فاذاً لا بد من الرجوع إلى حجة عقل او كتاب منزل من قبل الله، فقال الله تعالى للنذير {قل} لهم {أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم} فهل تقبلونه؟ وفي ذلك حسن التلطف في الاستدعاء إلى الحق، وهو انه لو كان ما تدعونه حقاً وهدى على ما تدعونه، لكان ما جئتكم به من الحق اهدى من ذلك واوجب ان يتبع ويرجع اليه، لأن ذلك، إذا سلموا أنه اهدى مما هم عليه بطل الرد والتكذيب، وإذا بطل ذلك لزم اتباعه في ترك ما هم عليه. ثم حكى ما قالوا في الجواب عن ذلك فانهم قالوا {إنا بما أرسلتم به} معاشر الانبياء {كافرون} ثم اخبر تعالى فقال {فانتقمنا منهم} بأن اهلكناهم وعجلنا عقوبتهم {فانظر} يا محمد {كيف كان عاقبة المكذبين} لانبياء الله والجاحدين لرسله.

اطفيش

تفسير : {أَمْ آتَيْنَاهُمْ} أعطيناهم* {كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ} من قبل القرآن أو من قبل أدعيائهم أو من قبل الرسول ينطق بصحة ما قالوه من عبادة غير الله وقولهم ان الملائكة بنات الله وقولهم ان الله لم يكره ذلك {فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ} أي بذلك الكتاب

اطفيش

تفسير : {أم آتيناهم كتاباً} بل آتيناهم كتابا اضراب انتقال وانكار {مِن قبْله} قبل القرآن، أو قبل الرسول لدليل السياق فى الوجهين، ويجوز عوده على العلم المذكور على طريق الاستخدام، أو المراد من قبل قولهم هذا {فَهُم بِه مُسْتمسِكُونَ} بما فيه من أنه لو نهى الله عز وجل عن عبادة الملائكة لم تصدر منهم، أو من أنها غير محرمة، مالهم من الله من كتاب فى ذلك، بل قلدوا آباءهم كما قال تعالى: {بل قالُوا إنَّا وجدنا آباءنا على أمَّةٍ} طريقة تتخذ ديناً وتؤم أى تقصد، ولذلك فسر بالدين، لأنه يقصد، وذلك كقدوة لمن يقتدى به، ورحلة لمن يرحل اليه فى المهمات، وفسر بعضهم الأمة بالجماعة، وهو راجع للأول، لأن الجماعة مقصودة يقتدى بها، ويتبع بعضها بعضا قال شاعر اسلامى: شعر : وهل يستوى ذو أمة وكفور تفسير : أى ذو دين، وقال قيس بن الحطيم: شعر : كنا على أمة آبائنا ويقتدى بالأول الآخر تفسير : أى على دين آبائنا، ولا تقع معصية ولا طاعة ولا غيرهما إلا بمشيئة، والمعصية واقعة بمشيئته كالطاعة، قيل ولا تقل بارادته وباذنه إلا على معنى قضائه، ويجتنب ما يوهم، والصواب أن الارادة كالمشيئة والالزام أنه عصى مكرها، وكفرت المعتزلة من قال: المعصية بمشيئة الله، ونقول: هم كفروا بهذا التكفير كفر نفاق ونعمة، ولا حجة لهم فى الآية، لأن المعنى: ان الله عاب عليهم اعتذارهم بمشيئة الله عز وجل، وهى ليست عذرا لأنه لو لم يشأ لكان معصيا قهرا ولو وقع فى الوجود ما لم تجر عليه قدرته، وهذا كقولهم بخلق العبد فعله. واعلم أن الآية شاملة بالمعنى للفساق الموحدين فسق خيانة أو فسق تحليل وتحريم بتأويل، حيث لا يجوز الخلاف، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : افترقت اليهود على احدى وسبعين فرقة كلها هالكة إلا واحدة ناجية، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها هالكة إلاَّ واحدة ناجية، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة إلاَّ واحدة ناجية" تفسير : وهذا هو المشهور، وعليه أبو عبيدة رحمه الله تعالى. قال بعض أهل عمان: انه أدرك بعض الصحابة الذين أخذ عنهم جابر بن زيد رحمه الله، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفرقة الناجية فقال: "حديث : هم الذين يعملون بكتاب الله تعالى وسنتي"تفسير : ولفظ أبى يعقوب يوسف: " ستفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة كلهن الى النار ما خلا واحدة ناجية وكلهم يدعى تلك الواحدة" الحديث، وفى حديث آخر: "حديث : ستفترقون على احدى وستين فرقة" تفسير : وفى حديث آخر: "حديث : افترقت اليهود على احدى وسبعين فرقة والنصارى على اثنتين وسبعين، وستفترقون على ثلاث وسبعين فرقة"تفسير : الحديث، وفى حديث آخر: "حديث : افترقت النصارى على احدى وثمانين، واليهود على اثنتين وسبعين فرقة، وأنتم على ثلاث وسبعين فرقة"تفسير : الحديث، والحديث يعنى الحديث الأخير من المسندات، وليس من المتواترات، انتهى كلام أبى يعقوب، وفى الأحاديث موافقة لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل زمان شر مما قبله وخير مما بعده" تفسير : وكون هذه الآمة شرا من النصارى إنما هو باعتبار من تقوم عليهم الساعة، فانهم شر الأمم على الاطلاق، والكلام بالاعتبار لا بالاطلاق، لأن هذه الآمة أفضل الأمم. {وإنَّا عَلى آثارهم} خبر ان {مهْتَدون} خبر ثان، أو خبرها، وعلى متعلق به قدم للفاصلة، ولاهتمامهم بالآثار، والآثار استعارة من آثار الأقدام لأقوالهم الباطلة، قولهم: لو شاء، وقولهم: هذا وقولهم فى الملائكة انها إناث بنات الله سبحانه، وعلى الأول مجمع الأثر، لأن كلا منهم يقول: لو شاء، ويجوز أن يريدون بالآثار أباطيلهم كلها، كأنهم احتجوا بأنهم مقتفون بآبائهم فى أقوالهم، وإن منها، "أية : لو شاء الرحمن" تفسير : [الزخرف: 20] أو مع مسألة الملائكة.

الالوسي

تفسير : إضراب عن نفي أن يكون لهم بذلك علم من طريق العقل إلى إبطال أن يكون لهم سند من جهة النقل؛ فأم منقطعة لا متصلة معادلة لقوله تعالى: {ٱشْهَدُواْ} [الزخرف: 19] كما قيل لبعده. وضمير {قَبْلِهِ} للقرآن لعلمه من السياق أو الرسول عليه الصلاة والسلام، وسين {مُسْتَمْسِكُونَ} للتأكيد لا للطلب أي بل أآتيناهم كتاباً من قبل القرآن أو من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم ينطق بصحة ما يدعونه فهم بذلك الكتاب متمسكون وعليه معولون. وقوله جل وعلا: {بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ ...}

ابن عاشور

تفسير : إضراب انتقالي، عُطف على جملةِ { أية : ما لهم بذلك من علم } تفسير : [الزخرف: 20] فبعد أن نفى أن يكون قولُهم { أية : لو شاء الرحمان ما عبدناهم } تفسير : [الزخرف: 20] مستنداً إلى حجة العقل، انتقل إلى نفي أن يكون مستنداً إلى حجة النقل عن إخبار العالِم بحقائق الأشياء التي هي من شؤونه. واجتلب للإضراب حرف {أم} دون (بَل) لما تؤذن به {أم} من استفهام بعدها، وهو إنكاري. والمعنى: وما آتيناهم كتاباً من قبله. وضمير {من قبله} عائد إلى القرآن المذكور في أوّل السورة. وفي قوله: { أية : وإنه في أم الكتاب لدينا لعليٌّ حكيمٌ } تفسير : [الزخرف: 4]. وفي هذا ثناء ثالث على القرآن ضمني لاقتضائه أن القرآن لا يأتي إلا بالحق الذي يُستمسك به. وهذا تمهيد للتخلص إلى قوله تعالى: { أية : بل قالوا إنّا وجدنا آباءنا على أمةٍ } تفسير : [الزخرف: 22]. و{مِن} مزيدة لتوكيد معنى (قبْل). والضمير المضاف إليه (قَبْل) ضمير القرآن ولم يتقدم له معاد في اللّفظ ولكنه ظاهر من دلالة قوله: {كتاباً}. و{مستمسكون} مبالغة في (ممسكون) يقال: أمسك بالشيء، إذا شدّ عليه يده، وهو مستعمل مجازاً في معنى الثبات على الشيء كقوله تعالى: { أية : فاستمسك بالذي أوحي إليك } تفسير : [الزخرف: 43].

الشنقيطي

تفسير : أم هنا تتضمن معنى استفهام الإنكار، يعني جل وعلا أن هذا الذي يزعم الكفار من أنهم على حق في عبادتهم الأوثان، وجعلهم الملائكة بنات الله، لا دليل لهم عليه. ولذا أنكر أن يكون آتاهم كتاباً يحل فيه ذلك وأن يكونوا مستمسكين في ذلك بكتاب من الله، فأنكر عليهم هذا هنا إنكاراً دالاً على النفي للتمسك بالكتاب المذكور، مع التوبيخ والتقريع. وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أن كفرهم المذكور لم يكن عن هدى من الله، ولا كتاب أنزله الله بذلك، جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى في سورة فاطر {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّنْهُ} تفسير : [فاطر: 40] الآية. وقوله تعالى في الأحقاف {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ ٱئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [الأحقاف: 4]. وقوله تعالى في الروم: {أية : أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ} تفسير : [الروم: 35]. وقوله تعالى في الصافات: {أية : أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [الصافات: 156-157]. وقوله تعالى في النمل: {أية : أَمَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وٱلأَرْضِ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [النمل: 64]. وقوله تعالى في الحج ولقمان: {أية : ومِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} تفسير : [الحج: 8]. وقوله تعالى في الأنعام: {أية : قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ} تفسير : [الأنعام: 148].

د. أسعد حومد

تفسير : {آتَيْنَاهُمْ} {كِتَاباً} (21) - أَمْ يَعْتَمِد هَؤُلاَءِ فِي شِرْكِهِمْ وَعِبَادَتِهِم الأَصْنَامَ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَعْطَاهُمْ كِتَاباً قَبْلَ هَذَا القُرْآنِ (أَوْ قَبْلَ شِرْكِهِمْ هَذَا) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبُوا إِلَيهِ مِنْ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ فَهُمْ يَسْتَنِدُونَ إِلَيهِ؟ إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يُؤْتِهِمْ شَيئاً مِنْ ذَلِكَ، فَلاَ حُجَّةَ لَهُمْ عَلَى مَا قَالُوا، وَلاَ بُرْهَانَ وَلاَ دَلِيلَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لماذا يفعلون هذا؟ هل جاءهم بذلك رسول يقول لهم هذا الكلام، أو يجيز لهم أنْ يعبدوا الأصنام {فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ} [الزخرف: 21] يعني: بقوة.

الجيلاني

تفسير : أهم يدعون دليلاً عقلياً سواه على مدعاهم {أَمْ} يدعون دليلاً نقلياً بأن {آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ} أي: من قبل القرآن، مشتملاً على اتخاذهم وادعائهم المذكور؟! {فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ} [الزخرف: 21] متمسكون به في دعواهم هذه. {بَلْ} ليس لهم لا هذا ولا ذاك سوى أنهم {قَالُوۤاْ} على وجه التقليد: {إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ} طريقة معينة {وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} [الزخرف: 22] إلى ما اهتدوا تقليداً لهم واقتفاء بأثرهم. {وَكَذَلِكَ} أي: ومثل ما قال هؤلاء التائهون في تيه التقليد والضلال {مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ} يا أكمل الرسل {فِي قَرْيَةٍ} من القرى الهالكة {مِّن نَّذِيرٍ} من النذر الأولى {إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ} ومتنعموهها على سبيل البطر والمفاخرة: {إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ} أي: طريقة معهودة معينة {وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} [الزخرف: 23] لا نترك ديدنة آبائنا، بما اخترعتموه من تلقاء أنفسكم أيها المدعون. {قَٰلَ} - المفسر بقراءة قال على قراءة الجميع غير حفص وابن عامر - يا أكمل الرسل بعدما سمعت منهم ما سمعت كلاماً خالياً عن وصمة المراء والمجادلة، عارياً عن أمارات التقليد والتخمين: {أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ} يعني: أتقلدن، وتتبعون آباءكم أيها المقلدون المسرفون، ولو جئتكم {بِأَهْدَىٰ} أي: بدين أهدى، وأنفع لكم ي أولاكم وأخراكم {مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ} أي: من أديان آبائكم وتقليداتهم، فتتركون الهداية وتتبعون الضلال. وبعدما سمع من هؤلاء المقلدون والمسرفون ما سمع أسلافهم من النذر الأولى من الهداية والرشاد {قَالُوۤاْ} مصرين على ما هم عليه: {إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ} أي: بجميع ما جئتم به أيها المدعون للرسالة {كَافِرُونَ} [الزخرف: 24] منكرون جاحدون، لا نقل من أمثال هذا، ولا نترك دين آبائنا ومتابعتهم بمجرد ما ابتدعتموه مراء، ونسبتموه إلى الله افتراء. وبعدما أصروا على ضلالهم، وتقليداتهم الموروثة له من آبائهم، لم ينفعهم إرشاد الرسل وإهداؤهم {فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ} فأخذناهم صاغرين {فَٱنظُرْ} أيها المعتبر الناظر {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ} [الزخرف: 25] المصرين على التكذيب والعناد مع رسل الله، وذوي الخطر من خُلَّص عباده.