٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
142
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى الوجوه التي هي الموجبات والمؤثرات في مداولة الأيام ذكر في هذه الآية ما هو السبب الأصلي لذلك، فقال {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ } بدون تحمل المشاق وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أم: منقطعة، وتفسير كونها منقطعة تقدم في سورة البقرة. قال أبو مسلم: في {أَمْ حَسِبْتُمْ } إنه نهي وقع بحرف الاستفهام الذي يأتي للتبكيت، وتلخيصه: لا تحسبوا أن تدخلوا الجنة ولم يقع منكم الجهاد، وهو كقوله: {أية : الم * أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ }تفسير : [العنكبوت: 1, 2] وافتتح الكلام بذكر «أم» التي هي أكثر ما تأتي في كلامهم واقعة بين ضربين يشك في أحدهما لا بعينه، يقولون: أزيداً ضربت أم عمرواً، مع تيقن وقوع الضرب بأحدهما، قال: وعادة العرب يأتون بهذا الجنس من الاستفهام توكيداً، فلما قال: {أية : وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا } تفسير : [آل عمران: 139] كأنه قال: أفتعلمون أن ذلك كما تؤمرون به، أم تحسبون أن تدخلوا الجنة من غير مجاهدة وصبر، وإنما استبعد هذا لأن الله تعالى أوجب الجهاد قبل هذه الواقعة، وأوجب الصبر على تحمل متاعبها، وبين وجوه المصالح فيها في الدين وفي الدنيا، فلما كان كذلك، فمن البعيد أن يصل الانسان إلى السعادة والجنة مع إهمال هذه الطاعة. المسألة الثانية: قال الزجاج: إذا قيل فعل فلان، فجوابه أنه لم يفعل، وإذا قيل قد فعل فلان، فجوابه لما يفعل. لأنه لما أكد في جانب الثبوت بقد، لا جرم أكد في جانب النفي بكلمة «لما». المسألة الثالثة: ظاهر الآية يدل على وقوع النفي على العلم، والمراد وقوعه على نفي المعلوم، والتقدير: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يصدر الجهاد عنكم، وتقريره أن العلم متعلق بالمعلوم، كما هو عليه، فلما حصلت هذه المطابقة لا جرم. حسن إقامة كل واحد منهما مقام الآخر، وتمام الكلام فيه قد تقدم. أما قوله: {وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } فاعلم أنه قرأ الحسن {وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } بالجزم عطفاً على {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ } وأما النصب فبإضمار أن، وهذه الواو تسمى واو الصرف، كقولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، أي لا تجمع بينهما، وكذا ههنا المراد أن دخول الجنة وترك المصابرة على الجهاد مما لا يجتمعان، وقرأ أبو عمرو {وَيَعْلَمَ } بالرفع على تقدير أن الواو للحال. كأنه قيل: ولما تجاهدوا وأنتم صابرون. واعلم أن حاصل الكلام أن حب الدنيا لا يجتمع مع سعادة الآخرة، فبقدر ما يزداد أحدهما ينتقص الآخر، وذلك لأن سعادة الدنيا لا تحصل إلا باشتغال القلب بطلب الدنيا، والسعادة في الآخرة لا تحصل إلا بفراغ القلب من كل ما سوى الله وامتلائه من حب الله، وهذان الأمران مما لا يجتمعان، فلهذا السر وقع الاستبعاد الشديد في هذه الآية من اجتماعهما، وأيضاً حب الله وحب الآخرة لا يتم بالدعوى، فليس كل من أقر بدين الله كان صادقا، ولكن الفصل فيه تسليط المكروهات والمحبوبات، فان الحب هو الذي لا ينقص بالجفاء ولا يزداد بالوفاء، فإن بقي الحب عند تسليط أسباب البلاء ظهر أن ذلك الحب كان حقيقياً، فلهذه الحكمة قال: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ } بمجرد تصديقكم الرسول قبل أن يبتليكم الله بالجهاد وتشديد المحنة، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : «أم» بمعنى بل. وقيل: الميم زائدة، والمعنى أحسبتم يا من انهزم يوم أحد أن تدخلوا الجنة كما دخل الّذين قُتلوا وصبروا على ألَمِ الجِراح والقتل من غير أن تَسْلُكوا طريقهم وتصبروا صبرهم لا؛ حتى {يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ} أي عِلْم شهادة حتى يقع عليه الجزاء. والمعنى: ولم تجاهدوا فيعلم ذلك منكم؛ فلما بمعنى لم. وفرق سيبويه بين «لم» و «لما»، فزعم أن «لم يَفعلْ» نفى فَعَل، وأن «لَمّا يفعلْ». نفى قد فَعَل. {وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ} منصوب بإضمار أن؛ عن الخليل. وقرأ الحسن ويحيى بن يَعمَر «يَعْلَمِ الصَّابرينَ» بالجزم على النسق. وقرىء بالرفع على القطع، أي وهو يعلم. وروى هذه القراءة عبد الوارث عن أبي عمرو. وقال الزجاج. الواو هنا بمعنى حتى، أي ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم حتى يعلم صبرهم كام تقدّم آنفاً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَمْ } بل أ {حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا } لم {يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمْ } علم ظهور {وَيَعْلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ } في الشدائد.
ابن عطية
تفسير : {أم} هي بمعنى الإضراب عن الكلام الأول والترك له، وفيها لازم معنى الاستفهام، فلذلك قدرها سيبويه ببل وألف الاستفهام، و {حسبتم} معناه ظننتم. وهذه الآية وما بعدها تقريع وعتب لطوائف المؤمنين الذين وقعت منهم الهفوات المشهورة في يوم واحد، وقوله: {ولما يعلم} نفي مؤكد وهو معادل لقول القائل: قد كان كذا، فلما أكد هذا الخبر الموجب، بقد، أكد النفي المعادل له بلما، وإذا قال القائل: كان كذا، فمعادله لم يكن دون تأكيد في الوجهين، قاله سيبويه: وقرأ جمهور الناس: بكسر الميم للالتقاء في قوله: {ولما يعلم} وقرأ يحيى بن وثاب وإبراهيم النخعي: "ولما يعلم" بفتح الميم إتباعاً لفتحة اللام، وقرأ الجمهور "ويعلمَ" على النصب بإضمار - أن- عند البصريين، وبواو الصرف عند الكوفيين وروي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قرأ: "ويعلمُ" بالرفع على استئناف الفعل، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ويحيى بن يعمر وأبو حيوة وعمرو بن عبيد: "ويعلمِ" بكسر الميم جزماً معطوفاً على قوله {ولما يعلم}. ثم خاطب المؤمنين بقوله: {ولقد كنتم تمنون الموت} والسبب في ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة بدر يريد عير قريش مبادراً فلم يوعب الناس معه، إذ كان الظن أنه لا يلقى حرباً، فلما قضى الله ببدر ما قضى وفاز حاضروها بالمنزلة الرفيعة، كان المتخلفون من المؤمنين عنها يتمنون حضور قتال الكفار مع النبي صلى الله عليه وسلم ليكون منهم في ذلك غناء يلحقهم عند ربهم ونبيهم بمنزلة أهل بدر، ولأنس بن النضر في ذلك كلام محفوظ، فلما جاء أمر أحد -وحضر القتال لم يصدق كل المؤمنين، فعاتبهم الله بهذه الآية وألزمهم تعالى تمني الموت من حيث تمنوا لقاء الرجال بالحديد ومضاربتهم به، وهي حال في ضمنها في الأغلب الموت، ولا يتمناها إلا من طابت نفسه بالموت، فصار الموت كأنه المتمنى، وإلا فنفس قتل المشرك للمسلم لا يجوز أن يتمنى من حيث هو قتل، وإنما تتمنى لواحقه من الشهادة والتنعيم، وقرأ الجمهور: "من قبل أن تلقوه"، وقرأ الزهري وإبراهيم النخعي "من قبل أن تلاقوه" وهذه والأولى في المعنى سواء من حيث - لقي - معناه يتضمن أنه من اثنين وإن لم يكن على وزن فاعل، وقرأ مجاهد "من قبلُ" بضم اللام وترك الإضافة، وجعل {أن تلقوه} بدلاً من {الموت}، وقوله تعالى: {فقد رأيتموه} يريد رأيتم أسبابه وهي الحرب المشتعلة والرجال بأيديهم السيوف، وهذا كما قال عمير بن وهب يوم بدر: رأيت البلايا، تحمل المنايا، وكما قال الحارث بن هشام: [الكامل] شعر : وَوَجَدْتُ رِيحَ الْمَوْتِ مِنْ تِلْقَائِهِمْ في مَأْزقِ وَالْخَيْلُ لَمْ تتبددِ تفسير : يريد لقرب الأمر، ونحو هذا قول عامر بن فهيرة: شعر : لقد رأيت الموت قبل ذوقه تفسير : يريد لما اشتد به المرض، وقرأ طلحة بن مصرف "فلقد رأيتموه"، وقوله تعالى: {وأنتم تنظرون} يحتمل ثلاثة معان: أحدها التأكيد للرؤية وإخراجها من الاشتراك الذي بين رؤية القلب ورؤية العين في اللفظ، والآخر أن يكون المعنى وأنتم تنظرون في أسباب النجاة والفرار وفي أمر محمد عليه السلام هل قتل أم لا؟ وذلك كله نقض لما كنتم عاهدتم الله عليه، وحكى مكي عن قوم أنهم قالوا: المعنى: وأنتم تنظرون إلى محمد، وهذا قول ضعيف، إلا أن ينحى به إلى هذا القول الذي ذكرته أنه النظر في أمره هل قتل؟ والاضطراب بحسب ذلك، والمعنى الثالث أن يكون قد وقفهم على تمنيهم ومعاهدتهم، وعلى أنهم رأوا ذلك الذي تمنوا، ثم قال على جهة التوبيخ والعتب: {وأنتم تنظرون} في فعلكم الآن بعد انقضاء الحرب هل وفيتم أم خالفتم؟ كأنه قال: وأنتم حسباء أنفسكم، فتأملوا قبيح فعلكم وفي هذا التوبيخ على هذا الوجه ضرب جميع من الإبقاء والصون والاستدعاء، قال ابن فورك: المعنى وأنتم تتأملون الحال في ذلك وتفكرون فيها كيف هي؟ وهذا نحو ما تقدم.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {رايتموه} بغير همزة يعني بالتليين ونحوه {أية : رأوك} تفسير : [الفرقان:41] و{أية : رأوه} تفسير : [الملك:27] روى هبة الله بن جعفر الأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف. {يرد ثواب} وبابه مدغماً: أبو عمروا وشان بن عامر وسهل وحمزة وعلي وخلف {نؤته} مثل {أية : يؤده} تفسير : [آل عمران:75] {وكائن} بالمد والهمز مثل "كاعن" حيث كان: ابن كثير. وقرأ يزيد {وكاين} بالمد بغير همزة. وقرأ أبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي بغير نون في الوقف {وكأي} الباقون: {وكأين} في الحالين {قتل} أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير ونافع وقتيبة والمفضل. الباقون. {قاتل}. الوقوف: {الصابرين} ه {تلقوه} ص لطول الكلام {رسول} ج لأن ما بعده يصلح صفة واستئنافاً {الرسل} ط {أعقابكم} ط لتناهي الاستفهام {شيئاً} ط {الشاكرين} ه {مؤجلاً} ج لابتداء الشرط {منها} ج للعطف {منها} ط {الشاكرين} ه {قتل} ط ليكون قتل النبي صلى الله عليه وسلم إلزاماً للحجة على من اعتذر في الانهزام بما سمع من نداء إبليس ألا إن محمداً قد قتل. والتقدير ومعه ريبون كثير. ولو وصل كان الريبون مقتولين. ومن قرأ {قاتل} فله أن لا يقف {كثير} ج لابتداء النفي مع فاء التعقيب {وما استكانوا} ط {الصابرين} ه {الكافرين} ه {الآخرة} ط {المحسنين} ه {خاسرين} ه {مولاكم} ج {الناصرين} ه. التفسير: إنه سبحانه لما ذكر فوائد مداولة الأيام وحكمها، أتبعها ما هو السبب الأصلي في ذلك فقال: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة} بدون تحمل المشاق. و"أم" منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار و"لما" بمعنى "لم" مع زيادة التوقع. وليس المراد نفي العلم بالمجاهدين ولكن المراد نفي المعلوم. وإنما حسن إقامة ذلك مقام هذا لأن العلم متعلق بالمعلوم كما هو عليه، فلما حصلت بينهما هذه المطابقة حسن إقامة أحدها مقام الآخر. تقول: ما علم الله في فلان خيراً أي ما فيه خير حتى يعلمه. فحاصل الكلام لا تحسبوا أن / تدخلوا الجنة ولم تجاهدوا بعد. وإنما أنكر هذا الحسبان لأنه تعالى أوجب الجهاد قبل هذه الواقعة, وأوجب الصبر على تحمل متاعبها، وبين وجوه المصالح المنوطة بها في الدين والدنيا. وإذا كان كذلك فمن البعيد أن يصل الإنسان إلى السعادة والجنة مع إهمال مثل هذه الطاعة. والواو في قوله: {ويعلم الصابرين} واو الجمع في قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن. كأنه قيل: إن دخول الجنة وترك المصابرة على الجهاد مما لا يجتمعان فليس كل من أقر بدين الله كان صادقاً، ولكن الفيصل فيه تسليط المكروهات ومخالفات النفس فإن الحب هو الذي لا ينقص بالجفاء ولا يزداد بالوفاء. وقيل: التقدير أظننتم أن تدخلوا الجنة قبل أن يعلم الله المجاهدين وأن يعلم الصابرين؟ ووجه آخر وهو أن يكون مجزوماً أيضاً لكن الميم لما حركت للساكنين حركت بالفتحة إتباعاً للفتحة قبلها. وهذا كما قرىء {ولما يعلم الله} بفتح الميم إلا أن يراد ولما يعلمن بالنون الخفيفة ثم حذفت. وقرأ الحسن {ويعلم} بالجزم على العطف. وروي عن أبي عمرو {ويعلم} بالرفع على الحال كأنه قيل: ولما تجاهدوا وأنتم صابرون {ولقد كنتم تمنون الموت} الخطاب فيه للذين ألحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى المشركين وكان رأيه في الإقامة بالمدينة. ويراد بالموت سببه وهو الجهاد والقتل. قال المحققون: إنه لم يكن تمنيهم للموت تمنياً لأن يقتلوا لأن قتل المشركين لهم كفر. ولا يجوز للمؤمن أن يتمنى الكفر أو يريده أو يرضى به، بل إنما تمنوا الفوز بدرجات الشهداء والوصول إلى كراماتهم. وشبهوا ذلك بمن شرب دواء الطبيب النصراني فإن غرضه حصول الشفاء. ولا يخطر بباله جر منفعة وإحسان إلى عدو الله وتنفيق صناعته، قالت الأشاعرة ههنا: من أراد شيئاً أراد ما هو من لوازمه، وثواب الشهداء لا يحصل إلا بالشهادة، ولا ريب أنه تعالى أراد إيصال ثواب الشهداء إلى المؤمنين، ولهذا ورد من الترغيبات ما ورد فأراد صيرورتهم شهداء، ولن يصيروا شهداء إلا إذا قتلهم الكفار فلا بد أن يريد أن يقتلهم الكفار وذلك القتل كفر ومعصية، فثبت أنه تعالى مريد للكفر والإيمان والطاعة والعصيان. {من قبل أن تلقوه} من قبل أن تشاهدوه وتعرفوا شدته وصعوبة مقاساته. {فقد رأيتموه وأنتم تنظرون} قال الزجاج: أي وأنتم بصراء كقولهم: رأيته بعيني أي رأيتموه معاينين حين قتل بين أيديكم من قتل من إخوانكم وشارفتم أن تقتلوا. ويحتمل أن يراد رأيتم إقدام القوة وشدة حرصهم على قتلكم وعلى قتل الرسول، ثم بقيتم أنتم تنظرون إليهم من غير جد في دفعهم ولا اجتهاد في مقاتلتهم، وفيه توبيخ لهم على تمنيهم الجهاد وعلى إلحاحهم في الخروج إليه، ثم انهزامهم وقلة ثباتهم عنده. قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: حديث : لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم بالشعب أمر الرماة أن يلزموا أصل الجبل ولا ينتقلوا سواء كان الأمر لهم أو عليهم. فلما وقفوا وحملوا على الكفار هزموهم وقتل علي عليه / السلام طلحة بن أبي طلحة صاحب لوائهم، والزبير والمقداد شدا على المشركين، ثم حمل الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه فهزموا أبا سفيان. ثم إن بعض القوم لما رأوا انهزام الكفار بادر قوم من الرماة إلى الغنيمة، وكان خالد بن الوليد صاحب ميمنة الكفار، فلما رأى تفرق الرماة حمل على المسلمين فهزمهم وفرق جمعهم، وكثر القتل في المسلمين، ورمى عبد الله بن قميئة الحارثي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر وكسر رباعيته وشج وجهه وأقبل يريد قتله، فذب عنه مصعب بن عمير وهو صاحب الراية يوم بدر ويوم أحد حتى قتله ابن قميئة. واحتمل طلحة بن عبيد الله رسول الله ودافع عنه أبو بكر وعلي عليه السلام. وظن ابن قميئة أنه قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قد قتلت محمداً، وصرخ صارخاً ألا إن محمداً قد قتل. قيل: وكان الصارخ الشيطان ففشا في الناس خبر قتله صلى الله عليه وسلم فانكفؤا، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو: إليّ عباد الله، حتى انحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم على هربهم فقالوا: يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا، أتانا خبر قتلك فرعبت قلوبنا فنزلت تفسير : {وما محمد إلا رسول} أي مرسل. قال أبو علي: وقد يكون الرسول في غير هذا الموضع بمعنى الرسالة أي حاله مقصور على الرسالة لا يتخطاها إلى البقاء والدوام {قد خلت من قبله الرسل} فسيخلو كما خلوا. وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم فكونوا أنتم كذلك لأن الغرض من إرسال الرسل التبليغ وإلزام الحجة لا وجودهم بين أممهم أبداً {أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} الفاء لتسبيب الجملة الشرطية عن الجملة التي قبلها، والهمزة لإنكار الجزاء لأنه في الحقيقة كأنه دخل عليه. والمعنى: أفتنقلبون على أعقابكم إن مات محمداً أو قتل؟ وسبب الإنكار ما تقدم من الدليلين: أحدهما أن الحاجة الى الرسول هي التبليغ وبعد ذلك لا حاجة إليه، فلا يلزم من قتله أو موته الإدبار عما كان هو عليه من الدين وما يلزم كالجهاد. وثانيهما القياس على موت سائر الأنبياء وقتلهم، فإن موسى عليه السلام مات ولم ترجع أمته عن ذلك الدين. والنصارى زعموا أن عيسى عليه السلام قتل وهم لم يرجعوا عن دينه وإنما ذكر القتل. وقد علم أنه لا يقتل لكونه مجوّزاً عند المخاطبين. وقوله: {أية : والله يعصمك من الناس} تفسير : [المائدة:67] لو سلم أنه متقدم في النزول فإنه مما كان يختص بمعرفته العلماء منهم على أنه ليس نصاً في العصمة عن القتل، بل يحتمل العصمة من فتنة الناس وإضلالهم. وقوله: {أية : إنك ميت} تفسير : [الزمر:30] يراد به المفارقة إلى الآخرة بأي طريق كان بدليل {أية : وإنهم ميتون} تفسير : [الزمر:30] وكثير منهم قد قتلوا. ويمكن أن يقال: صدق القضية الشرطية لا يتوقف على صدق جزأيها لصدق قولنا إن كانت الخمسة زوجاً فهي تنقسم بمتساويين مع كذب جزأيها. ومعنى "أو" هو الترديد والتشكيك أي سواء فرض / وقوع الموت أو القتل فلا تأثير له في ضعف الدين ووجوب الإدبار أو الارتداد {ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً} بل لا يضر إلا نفسه، وهذا كما يقول الوالد لولده عند العتاب إن هذا الذي تأتي به من الأفعال لا يضر السماء والأرض. يريد أنه يعود ضرره عليه. وما ارتد أحد من المسلمين ذلك اليوم إلا ما كان من قول المنافقين. ويجوز أن يكون على وجه التغليظ عليهم فيما كان منهم من الفرار والإنكشاف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. روي أنه لما صرخ الصارخ قال بعض المسلمين: ليت عبد الله بن أبيّ يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان. وقال ناس من المنافقين: لو كان نبياً لما قتل، ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم. فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: يا قوم إن كان قتل محمد فإن رب محمد حي لا يموت. وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه. ثم قال: اللهم إني اعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل. وعن بعض المهاجرين أنه مر بأنصاري يتشحط في دمه فقال: يا فلان، اشعرت أن محمداً قد قتل؟ فقال: إن كان قتل فقد بلغ قاتلوا على دينكم. ففي أمثالهم قال تعالى: {وسيجزي الله الشاكرين} لأنهم شكروا نعمة الإسلام فيما فعلوا من الصبر والثبات. ثم قال: {وما كان لنفس أن تموت} ووجه النظم أن المنافقين أرجفوا أن محمداً قتل فارجعوا إلى ما كنتم عليه من الأديان، فأبطل قولهم بأن القتل مثل الموت في أنه لا يحصل إلا في الوقت المقدر. وكما أنه لو مات في بلده لم يدل ذلك على فساد دينه فكذا لو قتل. وفيه تحريض المؤمنين على الجهاد بإعلامهم أن الحذر لا يغنى عن القدر، وأن أحداً لا يموت قبل الأجل وإن خوّض المهالك واقتحم المعارك. أو الغرض بيان حفظة وكلاءته لنبيه فإنه ما بقي في تلك الواقعة سبب من أسباب الهلاك والشر إلا وقد حصل إلا أنه تعالى لما كان حافظاً لنبيه ولم يقدّر في ذلك الوقت أجله لم يضره ذلك. وفيه تقريع لأصحابه أنهم قد قصروا في الذب عنه صلى الله عليه وسلم، وجواب عما قاله المنافقون للصحابة لما رجعوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا. قال الأخفش والزجاج: تقدير الكلام وما كانت نفس لتموت إلا بإذن الله. وقال ابن عباس: الإذن هو قضاء الله وقدره فإنه لا يحدث شيء إلا بمشيئة الله وأرادته، فأورد الكلام على سبيل التمثيل كأنه فعل لا ينبغي لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الله فيه، وذلك أن إسناد الموت إلى النفس نسبة الفعل إلى القابل لا إلى الفاعل، فأقيم القابل مقام الفاعل. وقال أبو مسلم: الإذن هو الأمر. والمعنى أن الله تعالى يأمر ملك الموت بقبض الأرواح فلا يموت أحد إلا بهذا الأمر. وقيل: المراد التكوين والتخليق لأنه لا يقدر على خلق الموت والحياة أحد إلا الله. وقيل: التخلية والإطلاق وترك المنع بالقهر والإجبار. / والمعنى ما كان لنفس أن تموت بالقتل إلا بأن يخلي الله بين القاتل والمقتول. وفيه أنه تعالى لا يخلي بين نبيه وبين أحد ليقتله صلى الله عليه وسلم، ولكنه جعل من بين يديه صلى الله عليه وسلم ومن خلفه رصداً ليتم على يديه بلاغ ما أرسله به فلا تهنوا في غزواتكم بعد ذلك بإرجاف مرجف. وقيل: الإذن العلم أي لن تموت نفس إلا في الوقت الذي علم الله موتها فيه. وفي الآية دليل على أن المقتول ميت بأجله، وأن تغيير الآجال ممتنع ولذا أكد هذا المعنى بقوله: {كتاباً موجلاً} وهو مصدر مؤكد لنفسه لدلالة ما قبله عليه أي كتب الموت كتاباً مؤجلاً مؤقتاً له أجل معلوم لا يتقدم ولا يتأخر. وقيل: الكتاب المؤجل هو المشتمل على الآجال. وقيل: هو اللوح المحفوظ الذي كتب فيه جميع الحوادث من الخلق والرزق والأجل والسعادة والشقاوة. قال القاضي: الأجل والرزق مضافان إلى الله تعالى، وأما الكفر والفسق والإيمان والطاعة فكل ذلك مضاف إلى العبد. فإذا كتب تعالى ذلك فإنما يكتب ما يعلمه من اختيار العبد وذلك لا يخرج فيه العبد من أن يكون مذموماً أو ممدوحاً. والحق أن هذا تعكيس للقضية فإن الله تعالى إذا علم من العبد الكفر استحال أن يأتي هو بالإيمان وإلا انقلب علم الله جهلاً، وإذا كان هو غير قادر على الإيمان حينئذٍ فما معنى اختياره؟ ثم إنه كان في الذين حضروا يوم أحد من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة كما أخبر الله تعالى في هذه السورة فقوله: {ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها} أي من ثوابها تعريض بالفريق الدنيوي وهم الذين شغلتهم الغنائم، وباقي الآية مدح للفريق الآخر الأخروي، وإن فضله تعالى وعطيته شامل لكلا الفريقين، لكن ثواب الفريق الثاني هو المعتد به في الحقيقة ولهذا ختم الكلام بقوله: {وسنجزي الشاكرين} فأبهم الجزاء وأضافه إلى نفسه تنبيهاً على جزاء الذين شكروا نعمة الإسلام فلم يشغلهم عن الجهاد شيء لا يكتنه كنهه وتقصر عنه العبارة، وأنه كما يليق بعميم فضله وجسيم طوله. وهذه الآية وإن وردت في الجهاد لكنها عامة في جميع الأعمال كما قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : إنما الأعمال بالنيات "تفسير : وذلك لأن المؤثر في جانب الثواب والعقاب القصود والدواعي. فمن وضع الجبهة على الأرض والوقت ظهر والشمس أمامه، فإن قصد بذلك السجود عبادة الله تعالى كان من الإيمان، وإن قصد تعظيم الشمس كان من الكفر. {وكأين} الأكثرون على أنها في الأصل مركبة من كاف التشبيه و"أي" التي هي في غاية الإبهام إذا قطعت عن الإضافة. كما أن "كذا" مركبة من "الكاف" و"ذا" المقصود به / الإشارة. "فكأين" مثل "كذا" في كون المجرورين مبهمين عند السامع إلا أن في "ذا" إشارة في الأصل إلى ما في ذهن المتكلم بخلاف "أي" فإنه للعدد المبهم ومميزها منصوب ومفرد على الأصل. والأكثر إدخال "من" في مميز "كأين" وبه ورد القرآن, والتمييز بعد "كذا" و"كأين" في الأصل عن الكاف لا عن "ذا" و"أي" كما في "مثلك رجلاً" لأنك تبين في كذا رجلاً وكأين رجلاً أن مثل العدد المبهم في أي جنس هو ولم تبين العدد المبهم. فأي في الأصل كان معرباً لكنه انمحى عن الجزأين معناهما الإفرادي وصار المجموع كاسم مفرد بمعنى "كم" الخبرية فصار كأنه اسم مبني على السكون آخره نون ساكنة كما في "من" لا تنوين تمكن فلهذا يكتب بعد الياء نون، مع أن التنوين لا صورة له خطاً ولأجل التركيب تصرف فيه فقيل: كائن مثل كاعن. وربما ظن بعضهم أنه اسم فاعل من كان، ولكنه بني لكثرة الاستعمال وهاتان اللغتان فيه مشهورتان ولهذا قرىء بهما. وفيه لغات آخر غير مشهورة تركنا ذكرها لأنه لم يقرأ بها ولعلك تجدها في كتبنا الأدبية، ومحل {كأين} ههنا رفع على الابتداء، وقوله {قتل} أو {قاتل} خبره والضمير يعود إلى لفظ {كأين} فإنه مفرد اللفظ. وإن كان مجموع المعنى. والربيون معناه الألوف أو الجماعات الكثيرة. الواحد ربى عن الفراء والزجاج. قال ابن قتيبة: أصله من الربة الجماعة، فحذفت الهاء في النسبة، ويقال: ترببوا أي تجمعوا. وقال ابن زيد: الربانيون الأئمة والولاة، والربيون الرعية. والكسر فيه من تغييرات النسب كالضم في دهري، والقياس الفتح، ثم من قرأ {قتل} فمعنى الآية إن كثيراً من الأنبياء قتلوا والذين بقوا بعده ما وهنوا في دينهم بل استمروا على جهاد عدوّهم ونصرة دينهم وكان ينبغي أن يكون لكم فيهم أسوة حسنة. فيكون المقصود من الآية حكاية ما جرى لسائر الأنيباء لتقتدي هذه الأمم بهم. ومن قرأ {قاتل} فالمعنى: وكم من نبي قاتل معه العدد الكثير من أصحابه فأصابهم من عدوّهم قروح فما وهنوا. فعلى هذا يكون الغرض من الآية ترغيب الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في القتال. وربما تؤيد هذه القراءة بما روي عن سعيد بن جبير أنه قال: ما سمعنا بنبي قتل في القتال، ويحتمل أن تنزل القراءة الأولى على هذه الرواية أيضاً بأن يقال: المعنى وكأين من نبي قتل ممن كان معه وعلى دينه ربيون كثير، فما ضعف الباقون وما استكانوا لقتل من قتل من إخوانهم، بل مضوا على جهاد عدّوهم. ثم إنه تعالى مدح هؤلاء الربيين بصفات وذلك قوله {فما وهنوا} إلخ ولا بد من تغايرها فقيل {فما وهنوا} عند قتل النبي {وما ضعفوا} عن الجهاد بعده {وما استكانوا} للعدو أي لم يخضعوا له، وفيه تعريض بما أصاب المسلمين من الوهن والانكسار عن الإرجاف بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبضعفهم عند ذلك عن جهاد الكفار / واستكانتهم لهم حين أرادوا أن يعتضدوا بالمنافق عبد الله بن أبي في طلب الأمان من أبي سفيان. وقيل: الوهن استيلاء الخوف عليهم، والضعف ضعف الإيمان واختلاج الشبهات في صدورهم، والاستكانة الانتقال من دينهم إلى دين عدوهم. وقيل: الوهن ضعف يلحق القلب، والضعف مطلقاً اختلال القوة الجسمية، والاستكانة إظهار ذلك العجز والضعف. واستكان قيل"افتعل" من السكون كأنه سكن لصاحبه ليفعل به ما يريد. وعلى هذا فالمد شاذ كقولهم "هو منه بمنتزاح" أي ببعد يراد بمنتزح. والأصح أنه استفعل من "كان" والمد قياسي كأن صاحبه تغير من كون إلى كون أي من حال إلى حال. {والله يحب الصابرين} بأن يريد إكرامهم والحكم بالثواب والجنة لهم. ثم أخبر أنهم كانا مستعينين عند ذلك التصبر والتجلد بالدعاء والتضرع وطلب الإمداد والنصر من الله، والغرض أن تقتدي هذه الأمة بهم. فإن من عول في تحصيل مهماته على نفسه وعدده وعُدَدِه ذل، ومن اعتصم بالله والتجأ إليه فاز بالظفر. وفي إضافتهم الذنوب والإسراف إلى أنفسهم وهم ربانيون هضم للنفس واستصغار لها.قال المحققون: إنما قدموا الاستغفار لعلمهم بأنه تعالى ضمن نصر المؤمنين، فإذا لم يحصل النصرة وظهرت أمارات واستيلاء الأعداء دل ذلك على صدور ذنب وتقصير من المؤمنين، فيلزم تقديم التوبة والاستغفار على طلب النصرة ليكون طلبهم إلى ربهم عن زكاة وطهارة أقرب إلى الاستجابة. إنهم عمموا الذنوب أوَّلاً الصغائر والكبائر بقولهم: {ربنا اغفر لنا ذنوبنا} ثم خصصوا الذنوب الكبائر بقولهم {وإسرافنا في أمرنا} لأن الإسراف في كل شيء هو الإفراط فيه. والمراد بتثبيت الأقدام وإزالة الخوف عن قلوبهم وإماطة الخواطر الفاسدة عن صدورهم. والمراد بالنصر الأمور الزائدة على القوة والعدة والشدة كإلقاء الرعب في قلوب الأعداء، وكإحداث أحوال سماوية أو أرضية توجب انهزامهم كهبوب ريح تثير الغبار في وجوههم، وإجراء سيل في مواضع وقوفهم. وفي الآية تأديب وإراشاد من الله تعالى في كيفية الطلب عند النوائب جهاداً كان أو غيره {فآتاهم الله ثواب الدنيا} من النصرة والغنيمة والعز وطيب الذكر وانشراح الصدر {وحسن ثواب الآخرة} وهو الجنة وما فيها من المنافع واللذات وذلك غير حاصل في الحال. والمراد أنه حكم لهم بحصولها في الآخرة، وحكم الله بالحصول كنفس الحصول. أو المراد أنه سيؤتيهم مثل أتى أمر الله أي سيأتي، قال القاضي: ولا يمتنع أن تكون الآية مختصة بالشهداء وأنهم في الجنة عند ربهم كما ماتوا أحياء، وثواب الآخرة كله حسن، فما ظنك بحسن ثوابها؟ وإنما لم يصف ثواب الدنيا بالحسن لقلتها وامتزاجها بالمضار وكدر صفوها بالانقطاع والزوال. قال القفال: يحتمل أن يكون الحسن هو الحسن كقوله: {أية : وقولوا للناس / حسناً} تفسير : [البقرة:83] والغرض منه المبالغة كما يقال: فلان جود وعدل إذا كان غاية في الجود ونهاية في العدل. وههنا نكتة وهي أنه أدخل "من" التبعيضية في الآية المتقدمة في قوله: {نؤته منها} في الموضعين، ولم يذكر في هذه الآية. لأن أولئك اشتغلوا بالثواب عن العبودية فلم ينالوا إلا البعض، بخلاف هؤلاء فإنهم لم يذكروا أنفسهم إلا بالعيب والقصور ولم يسألوا ربهم إلا ما يوجب إعلاء كلمته، فلا جرم فازوا بالكل. وفيه تنبيه على أن من أقبل على خدمة الله أقبل على خدمته كل ما سوى الله. ثم قال {والله يحب المحسنين} والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه. وههنا سر وهو أنه تعالى وفقهم للطاعة ثم أثابهم عليها ثم مدحهم على ذلك فسماهم محسنين، ليعلم العبد أن الكل بعنايته وفضله. {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا} عن السدي: المراد بالذين كفروا هو أبو سفيان وأصحابه فإنه كان كبير القوم في ذلك اليوم. والمعنى إن تستكينوا لهم وتستأمنوهم. وعن علي عليه السلام: هم المنافقون عبد الله بن أبيّ وأشياعه قالوا للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم. وعن الحسن: هم اليهود والنصارى يستغوونهم ويوقعون لهم الشبهة في الدين ولا سيما عند هذه الواقعة كانوا يقولون: لو كان نبياً حقاً لما غلب ولما أصابه وأصحابه ما أصابهم وإنما هو رجل حاله كحال غيره من الناس يوم له ويوم عليه. والأقرب أنه عام في جميع الكفار فإن خصوص السبب لا ينافي إرادة العموم، فعلى المؤمنين أن لا يطيعوهم في شيء ولا ينزلوا على حكمهم وعلى مشورتهم حتى لا يستجرّوهم إلى موافقتهم وهو المراد بقوله: {يردوكم على أعقابكم} أي إلى الكفر بعد الإيمان {فتنقلبوا خاسرين} في الدنيا باستبدال ذلة الكفر بعزة الإسلام والانقياد للأعداء الذي هو اشق الأشياء لدى العقلاء، وفي الآخر بالحرمان عن الثواب المؤبد والوقوع في العقاب المخلد. {بل الله مولاكم} ناصركم وهو إضراب عما كانوا بصدده من طاعة الكفار. والمعنى أنكم إنما تطيعون الكفار لينصروكم ويعينوكم على مطالبكم وهذا خطأ وجهالة لأنهم عاجزون مثلكم متحيرون، وبغير إذن الله لا ينفعون ولا يضرون. {وهو خير الناصرين} لو فرض أن لأحد سواه قدرة على النصر لأنه خبير بمواقع الحاجات، قدير على إنجاز الطلبات، ينصر في الدنيا والآخرة بلا شائبة علة من العلات، ونصرة غيره لو فرض فإنه مخصوص بالدنيا وببعض الأمور وفي بعض الأوقات ولغرض من الأغراض الفاسدات، كيف ولا ناصر بالحقيقة سواه. التأويل: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة} أن تلجوا عالم الملكوت ولم تظهر منكم مجاهدات تورث المشاهدات ولا الصبر على تزكية النفوس وتصفية القلوب على وفق / الشريعة وقانون الطريقة لتتحلى الأرواح بأنوار الحقيقة {ولقد كنتم} يا أرباب الصدق وأصحاب الطلب {تمنون} موت النفوس عن صفاتها تزكية لها {من قبل أن تلقوه} بالمجاهدات والرياضات في خلاف النفس وقهرها عند لقاء العدو في الجهاد الأصغر ظاهراً وفي الجهاد الأكبر باطناً {فقد} رأيتم هذه الأسباب التي كنتم تمنونها عياناً {وأنتم تنظرون} لا تفدون أرواحكم و لاتجاهدون حق الجهاد في الله بأرواحكم وأشباحكم {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} فيه أن الإيمان التقليدي لا اعتبار له فينقلب المقلد عن إيمانه عند إعدام المقلد من الوالدين أو الاستاذ، وكذا عند موت المقلد فيعجز عند سؤال الملكين في قولهما له من ربك؟ فيقول: هاه لا أدري. فيقولون: ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هاه لا أدري كنت أقول فيه ما قال الناس. فيقولان له: لا دريت ولا تليت. {وسيجزي الله} بالإيمان الحقيقي {الشاكرين} الذين شكروا نعمة الإيمان التقليدي بأداء حقوقه وهو الائتمان بأوامر الشرع والانتهاء عن نواهيه {وما كان لنفس أن تموت} عن أوصافها الدنية وأخلاقها الردية وتتخلص عنها بطبعها إلا بتوفيق الله وجذبه وإشراق نوره كما أن ظلمة الليل لا تنتهي إلا بإشراق طلوع الشمس. ثم أثبت للعبد كسباً في طلب الهداية واستجلاب العناية بقوله: {ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها} وهذه رتبة الخواص أي من عمل شوقاً إلى الحق فقد رأى نعمة وجود المنعم، فثوابه نقد في الدنيا لأنه حاضر لا غيبه له وهو معنى قولهم "الصوفي ابن الوقت" وفيه أنشد: شعر : خليلي هل أبصرتما أو سمعتما بأكرم من مولى تمشى إلى عبد أتى زائراً من غير وعد وقال لي أصونك عن تعذيب قلبك بالوعد. تفسير : ومن عمل شوقاً إلى الجنة فنظره على النعمة فثوابه في الآخرة {وسجيزي الشاكرين} أي كلا الفريقين على قدر شكرهما {وكأين من نبي قاتل} أعدى العدو الذي بين جنبيه و {معه ربيون} متخلقون بأخلاق الرب {فما وهنوا لما أصابهم} من تعب المجاهدات {وما ضعفوا} في طلب الحق {وما استكانوا} باحتمال الذلة والالتفات إلى غير الله. {إن تطيعوا الذين كفروا} أي النفوس الكافرة وصفاتها {يردّوكم} إلى أسفل سافلين بشريتكم وبهيمتكم.
ابن عادل
تفسير : لما بيَّن في الآية الأولى الأسباب الموجبة في مداولة الأيام، ذكر في هذه الآية ما هو السبب الأصليّ لذلك، فقال: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ} بدون تحمُّل المشاق؟ وفي "أم" - هذه - أوجه: أظهرها: أنها منقطعة، مقدَّرة بـ "بل"، وهمزة الاستفهام ويكون معناه الإنكار عليهم. وقيل: "أمْ" بمعنى الهمزة وحدها، ومعناه كما تقدم التوبيخ والإنكار. وقيل: هذا الاستفهام معناه النهي. قال أبو مسلم: "إنه نهي وقع بحرف الاستفهام الذي يأتي للتبكيت، وتلخيصه: لا تحسبوا أن تدخلوا الجنة، ولم يقع منكم الجهاد، وهو كقوله: {أية : أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} تفسير : [العنكبوت: 2] وافتتح الكلام بذكر "أم" التي هي أكثر ما تأتي في كلامهم واقعة بين ضربين يشك في أحدهما، لا يعينه، يقولون: أزيد ضربت أم عمراً؟ مع تيقُّن وقوع الضرب بأحدهما، قال: وعادة العرب أن يأتوا بهذا الجنس من الاستفهام توكيداً، فلما قال: {أية : وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا} تفسير : [آل عمران: 139] كأنه قال: أفتعلمون أن ذلك كما تُؤمَرون به أم تحسبون أن تدخلوا الجنة من غير مجاهدةٍ وَصَبْر؟". وقيل: هي متصلة. قال ابنُ بَحْر: "هي عديلة همزة تقدر من معنى ما تقدم، وذلك أن قوله: {أية : إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ} تفسير : [آل عمران: 140] و {أية : وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [آل عمران: 140] إلى آخر القصة يقتضي أن نتبع ذلك أتعلمون أن التكليف يوجب ذلك أم حسبتم أن تدخلوا الجنة من غير اختبار وتحمُّل مشقة، وأن تجاهدوا، فيعلم الله ذلك منكم واقعاً". و "أحسب" - هنا - على بابها من ترجيح أحد الطرفين، و {أَن تَدْخُلُواْ} ساد مسد المفعولين - على رأي سيبويه - ومسد الأول، والثاني: محذوف - على رأي الأخفش. قوله: {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ} جملة حالية. قال الزَّمَخْشَرِي: "و "لما" بمعنى "لم"، إلا أنَّ فيه ضرباً من التوقُّع، فدلَّ على نفي الجهاد فيما مضى، وعلى توقُّعه فيما يستقبل، وتقول: وعدتني أن تفعل كذا ولمَّا، تريد: ولم تفعل، وأنا أتوقَّع فِعْلَه". قال أبو حيان: "وهذا الذي قاله في "لما" - من أنها تدل على توقُّع الفعل المنفي بها فيما يستقبل - لا أعلم أحداً من النحويين ذكره، بل ذكروا أنك إذا قلت: لما يخرج زيد، دل ذلك على انتفاء الخروج فيما مضى، متصلاً نفيه إلى وقت الاخبار، أما أنها تدل على توقُّعه في المستقبل فلا، لكنني وجدت في كلام الفراء شيئاً يُقارب ما قاله الزمخشري، قال: "لما" لتعريض الوجود بخلاف "لم"". قال شِهَابُ الدين: والنحاة إنما فرَّقوا بينهما من جهة أن المنفي بـ "لَمْ" هو فعل غير مقرون بـ "قد"، والمنفي بـ "لما" فعل مقرون بها، و "قد" تدل على التوقُّع، فيكون كلام الزمخشري صحيحاً من هذه الجهة، ويدل على ما قلته - من كون "لم" لنفي فعل فلان، و "لما" لنفي قد فعل - نصُّ سيبويه فمن دونه. قال الزجاج إذا قيل فعل فلان، فجوابه: لم يفعل، وإذا قيل: قد فعل فلان، فجوابه لما يفعل؛ لأنه لما أُكِّد في جانب الثبوت بـ "قد" لا جرم أنه أكد في جانب النفي بكلمة "لما"، وقد تقدم نظير هذه الآية في "البقرة" وظاهر الآية يدل على وقوع النفي على العلم، والمراد: وقوعه على نفي المعلوم، والتقدير: أم حسبتم أن تدخلوا الجنةَ، ولمَّا يصدر الجهادُ عنكم؟ وتقريره: أن العلم متعلق بالمعلوم، كما هو عليه، فلما حَصَلَتْ هذه المطابقة - لا جرم - حَسُن إقامة كلِّ واحدٍ منهما مقامَ الآخر. فصل قال القرطبيّ: والمعنى: أحسبتم يا من انهزم يوم أحد أن تدخلوا الجنة، كما دخل الذين قُتِلوا، وصبروا على ألم الجراح والقتل، من غير أن تسلكوا طريقهم، وتصبروا صَبْرَهم؟ لا؛ حتَّى يعلم الله الذين جاهدوا منكم، أي: علم شهادة، حتى يقع عليه الجزاء، والمعنى: ولم تجاهدوا، فيعلم ذلك منكم، فـ "لما" بمعنى: "لم". قوله: "مِنْكُمْ" حال من "الَّذِينَ". وقرأ العامة {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ} بكسر الميم - على أصل التقاء الساكنين. وقرأ النخعي وابن وثاب بفتحها، وفيها وجهان: الأول: أن الفتحة فتحة إتباع الميم لـ "اللام" قبلها. الثاني: أنه على إرادة النون الخفيفة، والأًصل: ولما يعلمن، والمنفي بـ "لما" قد جاء مؤكداً بها، كقول الشاعر: [الرجز] شعر : 1637- يَحْسَبُهُ الْجَاهِلُ مَا لَمْ يَعْلَمَا شَيْخاً عَلَى كُرْسِيِّهِ مُعَمَّمَا تفسير : فلما حذفت النون بقي آخر الفعل مفتوحاً، كقول الشاعر: [الخفيف] شعر : 1638- لا تُهِينَ الْفَقِيرَ عَلَّكَ أن تَرْ كَعَ يَوْماً وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ تفسير : وعليه تُخَرَّج قراءةُ: {أَلَم نَشْرَحَ} [الشرح: 1] - بفتح الحاء -. وقول الآخر: [الرجز] شعر : 1639- مِنْ أيِّ يَوْمَيَّ مِنَ الْمَوْتِ أفْر مِنْ يَوْمِ لَمْ يُقْدَرَ أوْ يَوْم قُدِرْ تفسير : قوله: "ويَعْلَمَ" العامة على فتح الميم، وفيها تخريجان: أحدهما: وهو الأشهر - أن الفعل منصوب، ثم هل نصبه بـ "أن" مقدَّرة بعد الواو المقتضية للجمع كهي في قولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، أي: لا تجمع بينهما - وهو مذهب البصريين - أو بواو الصرف - وهو مذهب الكوفيين - يعنون أنه كان من حق الفعل أن يُعْرَب بإعراب ما قبله، فلما جاءت الواو صرفته إلى وجهٍ آخرَ من الإعراب. الثاني: أن الفتحةَ فتحةُ التقاء الساكنين، والفعل مجزوم، فلما وقع بعده ساكنٌ آخر، احتيج إلى تحريك آخرهِ، فكانت الفتحة أوْلَى؛ لأنها أخف، وللإتباع لحركة اللام، كما قيل ذلك في أحد التخريجين في قراءة "وَلَمَّا يَعْلَمَ اللهُ" بفتح الميم - والأول هو الوجه. وقرأ الحسنُ وأبو حيوةَ وابنُ يَعْمُرَ: بكسر الميم؛ عطفاً على "يَعْلَم" المجزوم بـ "لَمَّا". وقرأ عَبْدُ الوَارِثِ - عن أبي عَمْرو بْنِ العَلاَءِ - "وَيعْلَمُ" بالرفع، وفيها وجهان: أظهرهما: أنه مستأنف، أخبر - تعالى - بذلك. وقال الزَّمَخْشَرِيُّ: "على أن الواو للحال، كأنه قيل: ولما تجاهدوا وأنتم صابرون". قال أبُو حَيَّانَ: "ولا يصح ما قال؛ لأن واو الحال لا تدخل على المضارع، لا يجوز: جاء زيد ويضحك - تريد: جاء زيد يضحك، لأن المضارع واقع موقع اسم الفاعل، فكما لا يجوز: جاء زيد وضاحكاً، كذلك لا يجوز: جاء زيد ويضحك فإن أولَ على أن المضارع خبر لمبتدأ محذوف، أمكن ذلك، التقدير: وهو يعلم الصابرين. كما أولوا قول الشاعر: [المتقارب] شعر : 1640-.................... نَجَوْتُ وَأرْهَنُهُمْ مَالِكا تفسير : أي: وأنا أرهنهم". قال شهابُ الدين: "قوله: لا تدخل على المضارع، هذا ليس على إطلاقه، بل ينبغي أن يقول: على المضارع المثبت، أو المنفي بـ "لا"؛ لأنها تدخل على المضارع المنفي بـ "لم ولمَّا". وقد عُرِف ذلك مراراً". ومعنى الآية: أن دخول الجنة، وترك المصابرة على الجهاد مما لا يجتمعان. قوله تعالى: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ} قرأ البزي: بتشديد تاء "تَمَنَّوْنَ"، ولا يمكن ذلك إلا في الوصل، وقاعدته: أنه يصل ميم الجمع بواو، وقد تقدم تحرير هذا عند قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} تفسير : [البقرة: 267]. قوله: "مِن قَبْلِ" الجمهور على كسر اللام؛ لأنها مُعْربة؛ لإضافتها إلى "أنْ" وصلتها. وقرأ مجاهد وابنُ جبير: {مِنْ قَبْلُ} بضم اللام، وقطعها عن الإضافة، كقوله تعالى: {أية : لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} تفسير : [الروم: 4] وعلى هذا فَـ "أنْ" وَصِلَتُها بدل اشتمال من "الْمَوْتَ" في محل نصب، أي: تَمَنَّوْنَ لقاء الموت، كقولك: رَهِبْتُ العَدُوَّ لقاءَه، والضمير في "تَلْقَوْهُ" فيه وجهان: أظهرهما: عوده على "الْمَوْتَ". والثاني: عوده على العدو، وإن لم يجر له ذِكْر - لدلالة الحال عليه. وقرأ الزُّهَرِيُّ، والنخعيّ "تُلاَقُوه"، ومعناه معنى "تَلْقَوْه"؛ لأن "لقي" يستدعي أن يكون بين اثنين - بمادته - وإن لم يكن على المفاعلة. قوله: {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ} الظاهر أن الرؤية بصرية، فيكتفى بمفعول واحد. وجوَّزوا أن تكون علمية، فتحتاج إلى مفعولٍ ثانٍ، هو محذوف، أي: فقد علمتموه حاضراً - أي: الموت -. إلا أن حَذْف أحد المفعولين في باب "ظن" ليس بالسَّهْل، حتى إن بعضهم يَخُصُّه بالضرورة، كقول عنترة: [الكامل] شعر : 1641- وَلَقَدْ نَزَلْتِ، فَلاَ تَظُنِّي غَيْرَهُ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ الْمُحَبِّ الْمُكْرَمِ تفسير : أي: فلا تظني غيره واقعاً مني. قوله: {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} يجوز أن تكون جملة حالية - وهي حال مؤكِّدة - رفعت ما تحتمله الرؤية من المجاز، أو الاشتراك بينها وبين رؤية القلب، ويجوز أن تكون مستأنفة، بمعنى: وأنتم تنظرون في فعلكم - الآن - بعد انقضاء الحرب، هل وَفَّيْتُمْ، أو خالفتم؟ وقال ابنُ الأنْبَارِي: "رَأيْتُمُوهُ"، أي: قابلتموه {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} بعيونكم، ولهذه العلة ذكر النظر بعد الرؤية حيث اختلف معناهما؛ لأن الأول بمعنى: المقابلة والمواجهة، والثاني بمعنى: رؤية العين. وهذا - أعني: إطلاق الرؤية على المقابلة والمواجهة - غير معروف عند أهل اللسان، وعلى تقدير صحته، فتكون الجملة من قوله: {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} جملة حالية مبيِّنة - لا مؤكِّدة - لأنها أفادت معنًى زائداً على معنى عاملها. ويجوز أن يقدَّر لِـ "تَنْظُرُونَ" مفعولاً، ويجوز أن لا يُقَدَّر؛ إذ المعنى: وأنتم من أهل النظر. فصل قال المفسرون: إنَّ قوماً من المسلمين تَمَنَّوا يوماً كيوم بدر؛ ليقاتلوا، وليستشهدوا، فأراهم الله يومَ أُحُد. وقوله: {تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ} أي: سبب الموت - وهو الجهاد - {مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ} يعني: أسبابه، وذكر النظر بعد الرؤية؛ تأكيداً - كما قدمناه -. وقيل: لأن الرؤية قد تكون بمعنى: العلم، فقال: {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} ليعلم أن المراد بالرؤية: هي البصرية. وقيل: وأنتم تنظرون إلى محمد صلى الله عليه وسلم.
ابو السعود
تفسير : {أَمْ حَسِبْتُمْ} كلامٌ مستأنفٌ سيق لبـيان ما هي الغايةُ القصوى من المُداولة والنتيجةِ لما ذُكر من تميـيز المخلِصين وتمحيصِهم واتخاذِ الشهداءِ وإظهارِ عزةِ منالِها، والخطابُ للذين انهزموا يوم أحُدٍ وأمْ منقطعةٌ وما فيها من كلمةِ بل للإضراب عن التسلية ببـيان السببِ فيما لقُوا من الشدّة إلى تحقيق أنها مبادىءُ الفوزِ بالمطلب الأسني، والهمزةُ للإنكار والاستبعادِ أي بل أحسِبتم {أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ} وتفوزوا بنعيمها. وقوله تعالى: {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ} حالٌ من ضمير تدخُلوا مؤكدةٌ للإنكار، فإن رجاءَ الأجرِ بغير عملٍ ممن يعلم أنه منوطٌ به مستبعَدٌ عند العقولِ، وعدمُ العلم كنايةٌ عن عدم المعلومِ لما بـينهما من اللزومِ المبنيِّ على لزوم تحققِ الأولِ لتحقق الثاني ضرورةَ استحالةِ تحققِ شيءٍ بدون علمِه تعالى به، وإيثارُها على التصريح للمبالغة في تحقيق المعنى المرادِ فإنها إثباتٌ لعدم جهادِهم بالبرهان، وللإيذان بأن مدارَ ترتبِ الجزاءِ على الأعمال إنما هو علمُ الله تعالى بها كأنه قيل: والحالُ أنه لم يوجَد الذين جاهدوا منكم، وإنما وجِّه النفيُ إلى الموصوفين مع أن المنفيَّ هو الوصفُ فقط وكان يكفي أن يقال: ولما يعلمِ الله جهادَكم كنايةً عن معنى ولما تجاهدوا للمبالغة في بـيان انتفاءِ الوصفِ وعدمِ تحققِه أصلاً، وفي كلمة لما إيذانٌ بأن الجهادَ متوقَّعٌ منهم فيما يُستقبل إلا أنه غيرُ معتبَرٍ في تأكيد الإنكارِ، وقرىء يعلمَ بفتح الميم على أن أصله يعلَمَن فحُذفت النونُ، أو على طريقة إِتباعِ الميمِ لما قبلها في الحركة لإبقاء تفخيمِ اسمِ الله تعالى، و{مّنكُمْ} حالٌ من الذين {وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} منصوبٌ بإضمار أن على أن الواوَ للجمع كما في قولك: لا تأكُلِ السمكَ وتشرَبَ اللبن أي لا يكن منك أكلُ السمك وشربُ اللبن والمعنى أم حسبتم أن تدخُلوا الجنة والحالُ أنه لم يتحقق منكم الجهادُ والصبرُ أي الجمعُ بـينهما، وإيثارُ اسمِ الفاعلِ على الموصول للدِلالة على أن المعتبرَ هو الاستمرارُ على الصبر، وللمحافظة على الفواصلِ، وقيل: مجزومٌ معطوفٌ على المجزوم قبله قد حُرِّك لالتقاء الساكنين بالفتح للخِفة والإتباعِ كما مر، ويؤيِّده القراءةُ بالكسر على ما هو الأصلُ في تحريك الساكن، وقرىء يعلمُ بالرفع على أن الواوُ للحال وصاحبُها الموصولُ، والمبتدأُ محذوفٌ أي وهو يعلمُ الصابرين كأنه قيل: ولما تجاهدوا وأنتم صابرون؟
القشيري
تفسير : من ظنَّ أنه يصل إلى محل عظيم من دون مقاساة الشدائد ألقته أمانيه في مهواة الهلاك، وإنَّ من عرف قَدْر مطلوبه سَهُلَ عليه بَذْلُ مجهوده: (....) وهو بلذاته على من يظن يخلع العذار وقال قائلهم: شعر : إذا شام الفتى برق المعاني فأهونُ فائتٍ طِيبُ الرُّقاد
اسماعيل حقي
تفسير : {أم حسبتم} ام منقطعة والهمزة للانكار والاستبعاد والحسبان الظن والخطاب للذين انهزموا يوم احد اى بل أظننتم {ان تدخلوا الجنة} وتفوزوا بنعيمها {ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} حال من ضمير تدخلوا مؤكدة للانكار فان رجاء الاجر بغير عمل بعيد ممن يعلم انه منوط به مستعبد عند العقول وعدم العلم كناية عن عدم المعلوم اى لما تجاهدوا لان وقوع الشىء يستلزم كونه معلوما لله ونفى اللازم يستلزم نفى الملزوم فنزل نفى العلم منزلة نفى الجهاد للتأكيد والمبالغة لان انتفاء اللازم برهان على انتفاء الملزوم وفيه اشعار بان علمه بالاشياء على ما هى عليه ضرورى يقول الرجل ما علم الله فى فلان خيرا يريد ما فيه خير حتى يعلمه ولما بمعنى لم الا ان فيه ضربا من التوقع فدل على نفى الجهاد فيما مضى وعلى توقعه فيما يستقبل تقول وعدنى ان يفعل كذا ولما يفعل اى لم يفعل وانا اتوقع فعله {ويعلم الصابرين} نصب باضمار ان والواو بمعنى الجمع والمعنى ام حسبتم ان تدخلوا الجنة والحال انه لم يتحقق منكم الجهاد والصبر على الشدائد اى الجمع بينهما فلا ينبغى ان تحسبوا دخولها كما دخل الذين قتلوا وبذلوا مهجتهم وثبتوا على ألم الجراح والضرب من غير ان تسلكوا طريقهم وتصبروا صبرهم ومن البعيد ان يصل الانسان الى السعادة والجنة مع عدم اعمال هذه الطاعة.
الطوسي
تفسير : القراءة والمعنى واللغة: قرأ الحسن {ويعلم الصابرين} بكسر الميم. الباقون بفتحها. ووجه قراءة الحسن أنه عطف على، ولما يعلم الله كأنه قال، ولما يعلم الله ويعلم الصابرين. وقوله: {أم حسبتم} معناه: أحسبتم {أن تدخلوا الجنة} وقيل معنى (أم) معنى بل على جهة الانكار، لأن يحسبوا ذلك الحسبان، كما يقال: قد صممت على الخلاف أم تتوهم الاهمال، والفرق بين لم ولما أن لما جواب، لقول القائل: قد فعل فلان يريد به الحال، فجوابه (لما فعل) وإذا قال: فعل فجوابه (لم يفعل)، فلما كانت (لما) مؤكدة بحرف كانت جواباً لما هو مؤكد بحرف. وأيضاً، فانه يجوز الوقف على (لما) في مثل أن يقول القائل: قد جاء فلان، فيجيبه آخر فيقول: لما أي لما يجيء، ولا يجوز ذلك في (لم). ومعنى {ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} أي لما يعلم الله جهادكم يعني أنهم لا يدخلون الجنة إلا بفعل الجهاد، لأنه من أعظم أركان الشرع. وقوله: {ويعلم الصابرين} نصب على الصرف عن العطف إذ ليس المعنى على نفي الثاني، والاول، وإنما هو على نفي اجتماع الثاني والاول، نحو قولهم: لا يسعني شيء ويعجز عنك. وقال الشاعر: شعر : لاتنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم تفسير : وانما جاز {ولا يعلم الله الذين جاهدوا منكم} على معنى نفي الجهاد دون العلم، لما فيه من الايجاز في انتفاء الجهاد، لانه لو كان لعلمه. وتقديره ولما يكن المعلوم من الجهاد الذي أوجب عليكم، لأن المعنى مفهوم لا يشتبه.
الجنابذي
تفسير : {أَمْ حَسِبْتُمْ} اضراب عمّا يستفاد من تلك التّسلية سواء جعل ام بمعنى بل مع الهمزة او بمعنى بل فقط كأنّه قال: ما تثبّتّم على الايمان وعلى الجهاد بل حسبتم {أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ} لمّا يظهر جهاد منكم فلم يظهر على الله بجهادكم او لم يعلم الله الجهاد منكم فى مقام مظاهره الّذين هم الانبياء (ع) واوصياؤهم والفرق بين لم ولمّا انّ لم لنفى الماضى من غير التفاتٍ الى استمراره الى الزّمان الحاضر ومن غير ترقّب وقوع المنفىّ بعد الزّمان الحاضر، ولمّا لنفى الماضى مع الاستمرار الى الزّمان الحاضر وترقّب وقوع المنفىّ بعده؛ والجملة حاليّة، {وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ} على الجهاد او عن الجهاد وقرئ بالنّصب باضمار ان بعد الواو بمعنى مع، وبالرّفع على ان يكون الجملة حالاً بتقدير مبتدءٍ او على ان تكون معطوفة على لمّا يعلم الله، ويكون المعنى ويعلم الصّابرين عن الجهاد ولمّا يعلم المجاهد.
اطفيش
تفسير : {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّة}: أى بل حسبتم أن تدخلوا الجنة، قام للإضراب الانتقالى، والاستفهام الإنكارى، والخطاب لمن انهزم يوم أحد. {وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ}: جملة لما يعلم الله حال من تاء أحسبتم، بالواو، واو الحال، أو حال من واو {تدخلوا} المحذوف لفظاً للساكن يعده، المرسوم خطأ، أى: كيف حسبتم أن تدخلوا الجنة، حال كونكم لم يعلم الله الذين جاهدوا منكم، ولكن كون صاحب الحال الواو، محتاج للتأويل، لأنه لا يتوقع جهاد بعد دخولهم الجنة، ومعنى لما يعلم الله الذين جاهدوا منكم لما تجاهدوا، فإنه يلزم من وقوع الجهاد، أن يعلم الله أنه قد وقع، فنفى اللازم وهو العلم يوقعه، والمراد نفى الملزوم، وهو وقوع الجهاد، فإنه إذا لم يقع الجهاد، لم يجز أن يقال إنه قد علم الله أنه قد وقع، لأن هذا جهل تعالى الله عنه، بل يقال: قد علم الله أنه يقع بعد أوانه، لا يقع ثم إنه لبس الجهاد منفياً البتة، بل نفى مقيد بالصبر، كما قال. {وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}: بنصب يعلم، على تقدير أن، بعد واو الجمع الواقعة فى جواب النفى، أى لما تجاهدوا، مع وجود الصبر، بل جاهدتم مع عدمه، إذ هزمتم وفررتم. معنى {ويعلم الصابرين}: ويحصل الصابرون فذكر حصول الصابرين بذكر علمه إياهم، لأنه يلزم من حصولهم علمه بحصولهم، لأنه لا يحصل شىء ويخفى حصوله عنه تعالى، فمصدر {يعلم} معطوف بالواو على مقدر معنى بتبديل التركيب، أى لما يكن علم الله بالذين جاهدوا، وعلم له بالصابرين بل علم بالجهاد فقط، لا بالصابرين لعدمهم عند الله، من هزم يوم أحد وفر بأن قال كيف تحسبون أنكم تدخلون الجنة كأهل بدر، ولم تصبروا وتثبتوا صبرهم وثبوتهم، وقيل: إن فتحة ميم {يعلم} ليس نصباً بل تخلص من الثقاء ساكنين، وكان بالفتح للتخفيف، وإن الفعل مجزوم عطفاً على يعلم الأول، وهو مشكل لن التخلص من التقاء الساكنين، بين كلمتين، فى القرآن، غير موجود إلا قولا فى ألم الله، ولأن الجزم يكون نفياً للكل علم من العالمين على حدة، ويكون المعنى: لم يقع جهاد مطلقاً ولا صبر، وليس كذلك، بل الجهاد وقع دون الصبر، إلا أن هذا التعليل الثانى، لا يلزم لجواز أن يقال ما قام زيد وعمرو، ويراد: ما قاما جميعاً، بل قام أحدهما فقط، أو يراد ما قام هذا ولا ذلك، فيجوز أن يراد على الجزم فى الآية، لما يكن علم الجهاد وعلم الصبر، بل كان أحدهما فقط وهو علم الجهاد بلا صبر فيه. وقيل: الفتح بناء على إسقاط نون التوكيد الخفيفة، وقرىء برفع يعلم الثانى، على أن جملته خبر لمحذوف، وجملة المبتدأ والخبر حال من اسم الجلالة، أى لما يعلم الله الذين جاهدوا فيكم، وهو يعلم الصابرين، بل علم اجتهادهم وهو غير عالم بصبرهم، لعدم صبرهم فضلا عن أن يقال علم الله بوقوعه، فالواو للحال.
اطفيش
تفسير : {أَمْ حَسِبْتُمْ} بل أظننتم، أو بل ظننتم، أو أظننتم، وذلك إنكار، والخطاب لمن انهزم من المؤمنين يوم أحد {أن تَدْخُلُوا الْجَنَةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} إنكار لليافة أن يدخل المنهزمون يوم أحد من المسلمين الجنة، والحال أنهم لم يجمعوا بين الجهاد والصبر عَلَى الشدائد، فيعلم الله جمعهم، وإذا كان علمه الله، وإذا لم يكن لم يجز أن يقال علم الله أنه كان إلا أن جهادهم وصبرهم كان متوقعا، فكان النفى لذلك بلما، أى ستجاهدون وتصبرون، فيعلم الله أنكم جاهدتم وصبرتم،وأما الآن فجاهدتم ولم تصبروا، إذ فررتم، ونفى العلم كناية عن نفى المعلوم، وهو الجهاد والصبر معاً نفى ملزوم بنفى لازم، إذ لا يتحقق شىء بدون علمه تعالى، والواو للمعية كلا تأكل السمك وتشرب اللبن بنصب تشرب، والآية تدل أن الجهاد فرض كفاية.
الالوسي
تفسير : {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ } خطاب للمنهزمين يوم أحد وهو كلام مستأنف لبيان ما هي الغاية القصوى من المداولة والنتيجة لما ذكر من العلل الثلاث الأول، و {أَمْ } منقطعة مقدرة ببل وهمزة الاستفهام الإنكاري، وكونها متصلة وعديلها مقدر تكلف، والإضراب عن التسلية ببيان العلل فيما لقوا من الشدة إلى تحقيق أنها من مبادىء الفوز بالمطلب الأسنى والمقام الأعلى، والمعنى بل لا ينبغي منكم أن تظنوا أنكم تدخلون الجنة وتفوزون بنعيمها وما أعد الله تعالى لعباده فيها. {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ } حال من ضمير {تَدْخُلُواْ } مؤكدة للإنكار فإن رجاء الأجر من غير عمل ممن يعلم أنه منوط به مستبعد عن العقول، ولهذا قيل:شعر : ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس تفسير : وورد عن شهر بن حوشب طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور، وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة، ونفي العلم باعتبار تعلقه التنجيزي كما مر في الإثبات على رأي. ويجوز أن يكون الكلام كناية عن نفي تحقق ذلك لأن نفي العلم من لوازم نفي التحقق إذ التحقق ملزوم علم الله تعالى، ونفي اللازم لازم نفي الملزوم وكثيراً ما يقال: ما علم الله تعالى في فلان خيراً ويراد ما فيه خير حتى يعلمه، وهل يجري ذلك في نفي علمنا أم لا؟ فيه تردد والذي قطع به صاحب «الانتصاف» الثاني، وإيثار الكناية على التصريح للمبالغة في تحقيق المعنى المراد ـ وهو عدم تحقق الجهاد الذي هو سبب للفوز الأعظم منهم ـ لما أن الكلام عليها كدعوى الشيء ببينة، وفي ذلك رمز أيضاً إلى ترك الرياء، وأن المقصود علم الله تعالى لا الناس، وإنما وجه النفي إلى الموصوفين مع أن المنفي هو الوصف الذي هو الجهاد للمبالغة في بيان انتقاء ذلك، وعدم تحققه أصلاً وكيف تحقق صفة بدون موصوف، وفي اختيار {لَّمّاً } على لم إشارة إلى أن الجهاد متوقع منهم فيما يستقبل بناءاً على ما يفهم من كلام سيبويه أن (لما) تدل على توقع الفعل المنفي بها، وقد ذكر الزجاج أنه إذا قيل: قد فعل فلان فجوابه ـ لما يفعل، وإذا قيل: فعل؟ فجوابه لم يفعل، فإذا قيل: لقد فعل، فجوابه ما فعل كأنه قال: والله لقد فعل فقال المجيب: والله / ما فعل، وإذا قيل: هو يفعل يريد ما يستقبل، فجوابه لا يفعل، وإذا قيل: سيفعل، فجوابه لن يفعل، فقول أبـي حيان: ((إن القول بأن لمّا تدل على توقع الفعل المنفي بها فيما يستقبل لا أعلم أحداً من النحويين ذكره)) غير متعدّ به، نعم هذا التوقع هنا غير معتبر في تأكيد الإنكار، وقرىء، {وَيَعْلَمَ } بفتح الميم على أن أصله يعلمن بنون خفيفة فحذفت في الدرج، وقد أجازوا حذفها إما بشرط ملاقاة ساكن بعدها أومطلقاً، ومن ذلك قوله:شعر : إذا قلت قدني قال بالله حلفة لتغني عني ذا أنائك أجمعا تفسير : على رواية فتح اللام؛ وقيل: إن فتح الميم لاتباع اللام ليبقى تفخيم اسم الله عز اسمه، و {مّنكُمْ } حال من {ٱلَّذِينَ } و من فيه للتبعيض، فيؤذن بأن الجهاد فرض كفاية. {وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } نصب بإضمار أن، وقيل: بواو الصرف، والكلام على طرز ـ لا تأكل السمك وتشرب اللبن ـ أي أم حسبتم أن تدخلوا الجنة والحال أنه لم يتحقق منكم الجهاد والصبر أي الجمع بينهما، وإيثار الصابرين على الذين صبروا للإيذان بأن المعتبر هو الاستمرار على الصبر وللمحافظة على رؤوس الآي، وقيل: الفعل مجزوم بالعطف على المجزوم قبله وحرك لالتقاء الساكنين بالفتحة للخفة والاتباع، ويؤيد ذلك قراءة الحسن {وَيَعْلَمَ ٱلصَّـابِرِينَ } بكسر الميم، وقرىء {وَيَعْلَمَ } بالرفع على أن الواو للاستئناف أو للحال بتقدير وهو يعلم، وصاحب الحال الموصول كأنه قيل: ولما تجاهدوا وأنتم صابرون.
ابن عاشور
تفسير : {أم} هنا منقطعة، هي بمعنى (بل) الانتقالية، لأنّ هذا الكلام انتقال من غرض إلى آخر، وهي إذا استعملت منقطعة تؤذن بأنّ ما بعدها استفهام، لملازمتها للاستفهام، حتَّى قال الزمخشري والمحقّقون: إنَّها لا تفارق الدلالة على الاستفهام بعدها، وقال غيره: ذلك هو الغالب وقد تفارقه، واستشهدوا على مفارقتها للاستفهام بشواهد تقبل التَّأويل. فقوله: {أم حسبتم} عطف على جملة {أية : ولا تهنوا}تفسير : [آل عمران: 139] وذلك أنَّهم لمّا مسّهم القرح فحزنوا واعتراهم الوهن حيث لم يشاهدوا مثل النَّصر الَّذي شاهدوه يوم بدر، بيّن الله أنّ لا وجه للوهن للعلل الَّتي تقدّمت، ثُمّ بيّن لهم هنا: أن دخول الجنَّة الَّذي هو مرغوبهم لا يحصل إذا لم يبذلوا نفوسهم في نصر الدّين فإذا حسبوا دخول الجنَّة يحصل دون ذلك، فقد أخطأوا. والاستفهام المقدّر بعد (أم) مستعمل في التَّغليط والنَّهي، ولذلك جاء بـ(أم) للدلالة على التغليط: أي لا تحسبوا أن تدخلوا الجنَّة دون أن تجاهدوا وتصبروا على عواقب الجهاد. ومن المفسّرين من قدّر لِـ(أمْ) هنا معادِلاً محذوفاً، وجعلها متَّصلة، فنقل الفخر عن أبي مسلم الأصفهاني أنَّه قال: عادة العرب يأتون بهذا الجنس من الاستفهام توكيداً لأنَّه لمّا قال: {أية : ولا تهنوا ولا تحزنوا}تفسير : [آل عمران: 139] كأنَّه قال: أفتعلمون أنّ ذلك كما تؤمرون أم حسبتم أن تدخلوا الجنَّة. وجملة {ولما يعلم الله} إلخ في موضع الحال، وهي مصبّ الإنكار، أي لا تحسبوا أن تدخلوا الجنَّة حين لا يعلم الله الَّذين جاهدوا. و (لَمَّا) حرف نفي أختُ (لم) إلاّ أنَّها أشدّ نفياً من (لم)، لأنّ (لم) لِنفي قول القائل فَعَل فلان، و (لمّا) لنفي قوله قد فعل فلان. قاله سيبويه، كما قال: إنّ (لا) لنفي يفعل و(لن) لنفي سيفعل و(ما) لنفي لقد فعل و(لا) لنفي هو يفعل. فتدلّ (لَمَّا) على اتِّصال النَّفي بها إلى زمن التكلّم، بخلاف (لم)، ومن هذه الدلالة استفيدت دلالة أخرى وهي أنّها تؤذن بأنّ المنفي بها مترقّب الثبوت فيما يستقبل، لأنَّها قائمة مقام قولك استمرّ النَّفي إلى الآن، وإلى هذا ذهب الزمخشري هنا فقال: و (لمّا) بمعنى (لم) إلاّ أنّ فيها ضرباً من التوقُّع وقال في قوله تعالى: {أية : ولما يدخل الإيمان في قلوبكم}تفسير : سورة [الحجرَات:14]: فيه دلالة على أنّ الأَعراب آمنوا فيما بعد. والقول في علم الله تقدّم آنفاً في الآية قبل هذه. وأريد بحالة نفي علم الله بالَّذين جاهدوا والصَّابرين الكناية عن حالة نفي الجهاد والصّبر عنهم، لأنّ الله إذا علم شيئاً فذلك المعلوم محقّق الوقوع فكما كنّى بعلم الله عن التّحقق في قوله:{أية : وليعلم الله الذين آمنوا}تفسير : [آل عمران: 140] كنّى بنفي العلم عن نفي الوقوع. وشرط الكناية هنا متوفّر وهو جواز إرادة المعنى الملزوم مع المعنى اللازم لِجواز إرادة انتفاء علم الله بجهادهم مع إرادة انتفاء جهادهم. ولا يرد ما أورده التفتزاني، وأجاب عنه بأنّ الكناية في النفي بنيت على الكناية في الإثبات، وهو تكلّف، إذ شأن التراكيب استقلالها في مفادها ولوازمها. وعقّب هذا النفي بقوله: {ويعلم الصابرين} معطوفاً بواو المعية فهو في معنى المفعول معه، لتنتظم القيود بعضها مع بعض، فيصير المعنى: أتحسبون أن تدخلوا الجنَّة في حال انتفاء علم الله بجهادكم مع انتفاء علمه بصبركم، أي أحسبتم أن تدخلوا الجنّة ولمّا يجتمع العلمان. والجهاد يستدعي الصّبر، لأنّ الصّبر هو سبب النَّجاح في الجهاد، وجالب الانتصار، وقد سئل عليّ عن الشَّجاعة، فقال: صبر ساعة. وقال زفر بن الحارث الكلابي، يعتذر عن انتصار أعدائهم عليهم شعر : سَقَيْنَاهُمُ كأْساً سَقَوْنا بمثلها ولكنَّهم كانُوا على الموْتِ أصبرا تفسير : وقد تسبّب في هزيمة المسلمين يومَ أُحُد ضعفُ صبر الرماة، وخفّتهم إلى الغنيمة، وفي الجهاد يُتطلّب صبر المغلوب على الغلب حتَّى لا يهن ولا يستسلم.
الشنقيطي
تفسير : أنكر الله في هذه الآية على من ظن أنه يدخل الجنة دون أن يبتلى بشدائد التكاليف التي يحصل بها الفرق بين الصابر المخلص في دينه، وبين غيره وأوضح هذا المعنى في آيات متعددة كقوله: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيب} تفسير : [البقرة: 214] وقوله: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} تفسير : [التوبة: 16] وقوله: {أية : الۤـمۤ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ} تفسير : [العنكبوت: 1-3]. وفي هذه الآيات سر لطيف وعبرة وحكمة، وذلك أن أبانا آدم كان في الجنة يأكل منها رغداً حيث شاء في أتم نعمة وأكمل سرور، وأرغد عيش. كما قال له ربه: {أية : إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ} تفسير : [طه: 118-119] ولو تناسلنا فيها لكنا في ارغد عيش وأتم نعمة، ولكن إبليس عليه لعائن الله احتال بمكره وخداعه على أبوينا حتى أخرجهما من الجنة، إلى دار الشقاء والتعب. وحينئذ حكم الله تعالى أن جنته لا يدخلها أحد إلا بعد الابتلاء بالشدائد وصعوبة التكاليف. فعلى العاقل منا - معاشر بني آدم - أن يتصور الواقع ويعلم أننا في الحقيقة سبي سباه إبليس بمكره وخداعه من وطنه الكريم إلى دار الشقاء والبلاء، فيجاهد عدوه إبليس ونفسه الأمارة بالسوء حتى يرجع إلى الوطن الأول الكريم، كما قال العلامة ابن القيم تغمده الله برحمته: شعر : ولكننا سبي العدو فهل ترى نرد إلى أوطاننا ونسلم تفسير : ولهذه الحكمة أكثر الله تعالى في كتابه من ذكر قصة إبليس مع آدم لتكون نصب أعيننا دائماً.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أم حسبتم: بل أظننتم فلا ينبغي أن تظنوا هذا الظن فالإِستفهام إنكاري. ولما يعلم: ولم يبتلكم بالجهاد حتى يعلم علم ظهور من يجاهد منكم ممن لا يجاهد كما هو عالم به في باطن الأمر وخفيّه. خلت من قبله: أي مضت من قبله الرسل بلغوا رسالتهم وماتوا. إفإن مات أو قتل: ينكر تعالى على من قال عندما أشيع أن النبي قُتل (هيا بنا نرجع الى دين قومنا، فالإستفهام منصبّ على قوله {ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ..} لا على فإن مات أو قتل، وإن دخل عليها. انقلبتم على أعقابكم: رجعتم عن الإِسلام إلى الكفر. كتاباً مؤجلاً: كتب تعالى آجال الناس مؤقتة بمواقيتها فلا تتقدم ولا تتأخر. ثواب الدنيا: الثواب: الجزاء على النية والعمل معاً، وثواب الدنيا الرزق وثواب الآخرة الجنة. الشاكرين: الذين ثبتوا على إسلامهم فاعتبر ثباتهم شكراً لله، وما يجزيهم به هو الجنة ذات النعيم المقيم، وذلك بعد موتهم. معنى الآيات: ما زال السياق متعلقاً بغزوة أحد فأنكر تعالى على المؤمنين ظنهم أنهم بمجرد إيمانهم يدخلون الجنة بدون أن يبتلوا بالجهاد والشدائد تمحيصاً لهم وإظهاراً للصادقين منهم في دعوى الإِيمان والكاذبين فيها، كما يظهر الصابرين الثابتين والجزعين المرتدين فقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ} ثم عابهم تعالى على قلة صبرهم وانهزامهم في المعركة مذكراً إياهم بتمنيات الذين لم يحضروا وقعة بدر، وفاتهم فيها ما حازه من حضرها من الأجر والغنيمة بأنهم إذا قُدر لهم قتال في يوم ما من الأيام يبلون فيه البلاء الحسن فلما قدر تعالى ذلك لهم في وقعة أحد جزعوا وما صبروا وفروا منهزمين فقال تعالى: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} أي فلم انهزمتم وما وفيتم ما واعدتم أنفسكم به؟ هذا ما تضمنته الآيتان الأولى [142]، والثانية [143] وأما الآية الثالثة [144] فقد تضمنت عتاباً شديداً لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما اشتدت المعركة وحمي وطيسها واستحر القتل في المؤمنين نتيجة خلو ظهورهم من الرماة الذين كانوا يحمونهم من ورائهم وضرب ابن قميئة - أقمأة الله - رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر في وجهه فشجه وكسر رباعيته، وأعلن أنه قتل محمداً فانكشف المسلمون وانهزموا، وقال من قال منهم لم نقاتل وقد مات رسول الله، وقال بعض المنافقين نبعث إلى ابن أبي رئيس المنافقين يأتي يأخذ لنا الأمان من أبي سفيان، ونعود إلى دين قومنا!! فقال تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ} وما دام رسولاً كغيره من الرسل، وقد مات الرسل قبله فلم ينكر موته، أو يندهش له إذاً؟ بعد تقرير هذه الحقيقة العلمية الثابتة أنكر تعالى بشدة على أولئك الذين سمعوا صرخة إبليس في المعركة (قتل محمد) ففروا هاربين إلى المدينة، ومنهم من أعلن ردته في صراحة وهم المنافقون فقال تعالى: {أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ} فعاتبهم منكراً على المنهزمين والمرتدين من المنافقين ردتهم، وأعلمهم أن ارتداد من ارتد أو يرتد لن يضر الله تعالى شيئاً فالله غنّي عن إيمانهم ونصرهم، وأنه تعالى سيجزي الثابتين على إيمانهم وطاعة ربهم ورسوله صلى الله عليه وسلم وسيجزيهم دنيا وآخرة بأعظم الأجور وأحسن المثوبات. هذه ما تضمنته الآية الثالثة أما الآية الرابعة [145] فقد تضمنت حقيقتين علميتين: الأولى: أن موت الإِنسان متوقف حصوله على إذن الله خالقه ومالكه فلا يموت أحد بدون علم الله تعالى بذلك فلم يكن لملك الموت أن يقبض روح إنسان قبل إذن الله تعالى له بذلك، وشيء آخر وهو أن موت كل إنسان قد ضبط تاريخ وفاته باللحظة فضلاً عن اليوم والساعة، وذلك في كتاب خاص فليس من الممكن أن يتقدم أجل إنسان أو يتأخر بحال من الأحوال، هذه حقيقة يجب أن تعلم، من قول الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللهِ كِتَٰباً مُّؤَجَّلاً}. والثانية: أن من دخل المعركة يقاتل باسم الله فإن كان يريد بقتاله ثواب الدنيا فلله عز وجل يؤتيه من الدنيا ما قدره له، وليس له من ثواب الآخرة شيء، وإن كان يريد ثواب الآخرة لا غير فالله عز وجل يعطيه في الدنيا ما كتب له ويعطيه ثواب الآخرة وهو الجنة وما فيها من نعيم مقيم وأن الله تعالى سيجزي الشاكرين بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. هذه الحقيقة التي تضمنها قوله تعالى: {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي ٱلشَّٰكِرِينَ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- الابتلاء بالتكاليف الشرعية الصعبة منها والسهلة من ضروريات الإِيمان. 2- تقرير رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وبشريته المفضلّة، ومَوْتَتِه المؤلمة لكل مؤمن. 3- الجهاد وخوض المعارك لا يقدم أجل العبد، والفرار من الجهاد لا يؤخره أيضاً. 4- ثواب الأعمال موقوف على نية العاملين وحسن قصدهم. 5- فضيلة الشكر بالثبات على الإِيمان والطاعة لله ورسوله في الأمر والنهي.
القطان
تفسير : الجهاد: احتمال المشقة ومكافحة الشدائد. ويكون بالقتال وبذلِ المال في سبيل الله، كما يكون بمجاهدة النفس لشهواتها أو لدفع الباطل ونصرة الحق. لا يزال الحديث موجّهاً الى من شهد معركة أُحد من المؤمنين. والقرآن يخاطبهم في الآية بصورة السؤال: لا تظنوا أيها المؤمنون أنكم تدخلون الجنة دون ان يتبين منكم المجاهدون الصابرون الذين تُطهّرهم المحن والشدائد. اعلموا ان طريق الجنة محفوف بالمكاره، زادُه الصبر على مشاق الطريق، فتحمّلوها. هنا يبين لنا سبحانه وتعالى ان طريق السعادة في الآخرة هو الصبر والجهاد في سبيل الله. كما أن طريقها في الدنيا هو اتباع الحق والتزام الإنصاف والعدل بين الناس. فسُنة الله واحدة لا تتبدل. {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ...}. وهذا أيضاً خطاب لمن شهد وقعة أُحد من المسلمين، فقد كان كثيرٌ من الصحابة الذين لم يشهدوا معركة بدر يلحّون في الخروج الى أحد حيث عسكر مشركو قريش، ليكون لهم يومٌ كيوم بدر. قال ابن عباس: لما أخبرهم الله تعالى على لسان نبيه بما فعل لشهداء بدر من الكرامة، رغبوا في الشهادة، فتمَّنوا قتالاً يستشهدون فيه.. فنزلتْ آية: لقد كنتم... تتمنون الموت قبل ان تلاقوا القوم، فها أنتم أولاء ترون ما كنتم تتمنّونه وتنظرون اليه، فما بالكم دهشتم عندما وقع الموت فيكم، وما بالكم تحزنون وتضعفون! وفي ذلك اليوم ثبت جماعة من الصحابة مع الرسول (وكانوا نحو ثلاثين رجلا) وذبّوا عنه الى ان انتهت المعركة، فيما تزعزع كثير منهم وضعفوا. وحين ارتفعت الصيحة ان محمداً قد قُتل كان لها وقعها الشديد على المسلمين، حتى إن الكثيرين منهم فروا مصعِّدين في الجبل، والرسول عليه السلام يناديهم وهم مولّون، حتى رجعوا اليه وثبّت الله قلوبهم. وهنا ينبّهنا القرآ الكريم الى ان الرسول بشرٌ يمكن ان يموت، لكن رسالته تظل باقية الى الأبد.
د. أسعد حومد
تفسير : {جَاهَدُواْ} {ٱلصَّابِرِينَ} (142) - وَلاَ تَحْسَبُوا أَنَّكُمْ تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَبِرَكُمُ اللهُ تَعَالَى وَيُمَحِّصَكُمْ فِي الشَّدَائِدِ وَالجِهَادِ لِيَرَى صِدْقَ إيمَانِكُمْ، وَيَرَى مَنْ يَسْتَجِيبُ للهِ، وَيُخْلِصُ فِي طَاعَتِهِ، وَقِتَالِ أعْدَائِهِ، وَيَصْبِرُ عَلَى مَكَارِهِ الحُرُوبِ. جَاهَدَ - احْتَمَلَ المَشَقَّةَ فِي مُكَابَدَةِ الشَّدَائِدِ، وَيُقْصَدُ بِالجِهَادِ هُنَا الدِّفَاعُ عَنِ الدِّينِ وَأهْلِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إن الإيمان ليس مجرد كلمة تقال هكذا، بل لابد من تجربة تثبت أنكم فُتِنْتُم ونجحتم في الفتنة، والفتنة هي الامتحان, إذن فلا تحسبوا أن المسألة سوف تمر بسهولة ويكتفي منكم أن تقولوا نحن نحمل دعوة الحق، لا. إذا كنتم صادقين في قولكم يلزمكم أن تكونوا أسوة حين يكون الحق ضعيفاً؛ فالحق حين يكون قوياً فهو لا يحتاج إلى أسوة. بل قضية الإيمان الحق تحتاج إلى الأسوة وقت الضعف. ودخول الجنة له اختبار يجب أن يجتازه المؤمن. والحق يقول: {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ} [آل عمران: 142] وعندما نسمع ذلك فعلينا أن نعرف أن الله يعلم علماً أزلياً من المجاهد ومن الصابر، ولكنه علم لا تقوم به الحُجة على الغير، فإذا حدث له واقع صار حُجة على الغير. وبعد ذلك يقول الحق: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):