Verse. 436 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَـمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ اَنْ تَلْقَوْہُ۝۰۠ فَقَدْ رَاَيْتُمُوْہُ وَاَنْتُمْ تَنْظُرُوْنَ۝۱۴۳ۧ
Walaqad kuntum tamannawna almawta min qabli an talqawhu faqad raaytumoohu waantum tanthuroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد كنتم تمنون» فيه حذف إحدى التاءين في الأصل «الموت من قبل أن تلقوه» حيث قلتم ليت لنا يوما كيوم بدر لننال ما نال شهداؤه «فقد رأيتموه» أي سببه الحرب «وأنتم تنظرون» أي بصراء تتأملون الحال كيف هي فلم انهزمتم؟ ونزل في هزيمتهم لما أشيع أن النبي قتل وقال لهم المنافقون إن كان قتل فارجعوا إلى دينكم.

143

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ} أي الشهادة من قبل أن تلقوه. وقرأ الأعمش {مِنْ قَبْلِ أَنْ تُلاَقُوهُ} أي من قبل القتل. وقيل: من قبل أن تلقوا أسباب الموت؛ وذلك أن كثيراً ممن لم يحضروا بدراً كانوا يتَمنَّون يوماً يكون فيه قِتال، فلما كان يوم أُحُد انهزموا، وكان منهم من تجلّد حتى قُتل، ومنهم أنس بن النضر عم أنس بن مالك، فإنه قال لما انكشف المسلمون: اللّهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، وباشر القتال وقال: إِيْهاً إنها ريح الجنةٰ إني لأجدها، ومضى حتى استشهد. قال أنس: فما عرفناه إلا ببنانه ووجدنا فيه بِضعاً وثمانين جراحة. وفيه وفي أمثاله نزل {أية : رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ} تفسير : [الأحزاب: 23]. فالآية عِتاب في حق من انهزم، لا سِيّما وكان منهم حَمْلٌ للنبيّ صلى الله عليه وسلم على الخروج من المدينة، وسيأتي. وتَمنِّي الموت يرجع من المسلمين إلى تَمنِّي الشهادة المبنية على الثبات والصبر على الجهاد، لا إلى قتل الكفار لهم؛ لأنه معصيةٌ وكفرٌ ولا يجوز إرادة المعصية، وعلى هذا يحمل سؤال المسلمين من الله أن يرزقهم الشهادة، فيسألون الصبر على الجهاد وإن أدّى إلى القتل. قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} قال الأخفش: هو تكرير بمعنى التأكيد لقوله: {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ} مثل {أية : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} تفسير : [الأنعام: 38]. وقيل: معناه وأنتم بُصَرَاء ليس في أعينكم عِلَلٌ؛ (كما) تقول: قد رأيت كذا وكذا وليس في عينيك عِلّة، أي فقد رأيته رؤية حقيقة؛ وهذا راجع إلى معنى التوكيد. وقال بعضهم: {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} إلى محمد صلى الله عليه وسلم. وفي الآية إضمار، أي فقد رأيتموه وأنتم تنظرون فلِمَ انهزمتم؟.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ } فيه حذف إحدى التاءين في الأصل {ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ } حيث قلتم ليت لنا يوما كيوم بدر لننال ما نال شهداؤه {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ } أي سببه الحرب {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } أي بصراء تتأملون الحال كيف هي فلم انهزمتم؟

ابن عبد السلام

تفسير : {تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ} تمنى الجهاد من لم يحضر بدراً ثم أعرض كثير منهم عنه يوم أحد فعوتبوا. {رَأَيْتُمُوهُ} علمتموه، أو رأيتم أسبابه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس. أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: ليتنا نقتل كما قتل أصحاب بدر ونستشهد. أو ليت لنا يوماً كيوم بدر نقاتل فيه المشركين، ونبلى فيه خيراً، ونلتمس الشهادة والجنة والحياة والرزق. فأشهدهم الله أحداً، فلم يلبثوا إلا من شاء منهم فقال الله {ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون} . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: غاب رجال عن بدر، فكانوا يتمنون مثل بدر أن يلقوه فيصيبوا من الأجر والخير ما أصاب أهل بدر، فلما كان يوم أحدٍ ولَّى من وَلَّى، فعاتبهم الله على ذلك. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الربيع وقتادة قالا: أن أناساً من المؤمنين لم يشهدوا يوم بدر والذي أعطاهم الله من الفضل، فكانوا يتمنون أن يروا قتالاً فيقاتلوا، فسيق إليهم القتال حتى إذا كان بناحية المدينة يوم أحد؛ فأنزل الله {ولقد كنتم تمنون الموت...} الآية. وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: بلغني أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: لئن لقينا مع النبي صلى الله عليه وسلم، لنفعلن ولنفعلن... فابتلوا بذلك، فلا والله ما كلهم صدق الله. فأنزل الله {ولقد كنتم تمنون الموت...} الآية. وأخرج عن السدي قال: كان ناس من الصحابة لم يشهدوا بدراً، فلما رأوا فصيلة أهل بدر قالوا: اللهم إنا نسألك أن ترينا يوماً كيوم بدر، نبليك فيه خيراً. فرأوا أُحُداً فقال لهم {ولقد كنتم تمنون الموت...} الآية. والله أعلم.

ابو السعود

تفسير : {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ} أي تتمنُّون الحربَ فإنها من مبادىء الموتِ، أو الموتَ بالشهادة، والخطابُ للذين لم يشهدوا بدراً وكانوا يتمنَّوْن أن يشهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهداً لينالوا ما ناله شهداءُ بدرٍ من الكرامة فألحُّوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج ثم ظهر منهم خلافُ ذلك {مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ} متعلقٌ بتَمنَّون مبـينٌ لسبب إقدامِهم على التمني أي من قبل أن تشاهدوه وتعرِفوا هولَه وشدَّته، وقرىء تلاقوه {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ} أي ما تتمنَّونه من أسباب الموتِ، أو الموتَ بمشاهدة أسبابِه، وقولُه تعالى: {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} حال من ضمير المخاطبـين، وفي إيثار الرؤيةِ على الملاقاة وتقيـيدِها بالنظر مزيدُ مبالغةٍ في مشاهدتهم له، والفاءُ فصيحةٌ كأنه قيل: إن كنتم صادقين في تمنيكم ذلك فقد رأيتُموه معاينين له حين قُتل بـين أيديكم مَنْ قُتل من إخوانكم وأقاربكم وشارفتم أن تُقتلوا فلِمَ فعلتم ما فعلتم؟ وهو توبـيخٌ لهم على تمنِّيهم الحربَ وتسبُّبهم لها ثم جُبنِهم وانهزامِهم، لا على تمني الشهادةِ بناءً على تضمُّنها لغلَبة الكفارِ، لما أن مطلبَ من يتمنّاها نيلُ كرامةِ الشهداءِ من غير أن يخطرُ بباله شيءٌ غيرُ ذلك فلا يستحِقُّ العتابَ من تلك الجهة. {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ} مبتدأٌ وخبرٌ ولا عمل لما بالاتفاق، لانتقاض نفيِه بإلا وقوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ} صفةٌ لرسول منبئةٌ عن كونه في شرف الخُلوِّ، فإن خلوَّ مشاركيه في منصِب الرسالةِ من شواهد خلوِّه عليه الصلاة والسلام لا محالة كأنه قيل: قد خلت من قبله أمثالُه فسيخْلو كما خلَوْا، والقصرُ قلبـيٌّ، فإنهم لمّا انقلبوا على أعقابهم فكأنهم اعتقدوا أنه عليه الصلاة والسلام رسولٌ لا كسائر الرسلِ في أنه يخلو كما خلَوْا، أو يجب التمسكُ بدينه بعده كما يجب التمسك بدينهم بعدَهم فرُدَّ عليهم بأنه ليس إلا رسولاً كسائر الرسلِ، فسيخلو كما خلَوْا ويجب التمسكُ بدينه كما يجب التمسكُ بدينهم، وقيل: هو قصرُ إفرادٍ فإنهم لما استعظموا عدمَ بقائِه عليه الصلاة والسلام لهم نُزِّلوا منزلةَ المستبعِدين لهلاكه كأنهم يعتقدون فيه عليه الصلاة والسلام وصفَيْن: الرسالة والبعدَ عن الهلاك فرُدَّ عليهم بأنه مقصورٌ على الرسالة لا يتجاوزها إلى البعد عن الهلاك فلا بد حينئذ من جعل قوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ} الخ، كلاماً مبتدأً مَسوقاً لتقرير عدمِ براءتِه عليه الصلاة والسلام من الهلاك وبـيانِ كونِه أُسوةً لمن قبله من الرسل عليهم السلام وأياً ما كان فالكلامُ يخرج على خلاف مقتضىٰ الظاهرِ {أفَإِنْ مَاتَ أوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلى أعْقَابِكُمْ} إنكارٌ لارتدادهم وانقلابِهم عن الدين بخُلوِّه بموتٍ أو قتلٍ بعد علمِهم بخلوِّ الرسلِ قبله وبقاءِ دينِهم متمسَّكاً به، وقيل: الفاءُ للسببـية والهمزةُ لإنكار أن يجعلوا خُلوَّ الرسلِ قبله سبباً لانقلابهم بعد وفاتِه مع كونه سبباً في الحقيقة لثباتهم على الدين، وإيرادُ الموتِ بكلمة إن مع علمهم به اْلبتةَ لتنزيل المخاطَبـيـين منزلةَ المتردِّدين فيه لما ذُكر من استعظامهم إياه، وهكذا الحالُ في سائر المواردِ فإن كلمةَ إنْ في كلام الله تعالى لا تجري على ظاهرها قطُّ ضرورة علمِه تعالى بالوقوع أو اللاوقوعِ، بل تُحملُ على اعتبار حالِ السامعِ أو أمرٍ آخرَ يناسب المقامَ، وتقديمُ تقديرِ الموتِ مع أن تقديرَ القتلِ هو الذي ثار منه الفتنةُ وعظُم فيه المحنةُ لِما أن الموتَ في شرف الوقوعِ فزجرُ الناسِ عن النُكوص عنده وحملُهم على التثبُّت هناك أهمُّ، ولأن الوصفَ الجامعَ بـينه وبـين الرسلِ عليهم السلام وهو الخلوُّ بالموت دون القتل. روي أنه لما التقى الفئتانِ حمل أبو دجانةَ في نفر من المسلمين على المشركين فقاتل قِتالاً شديداً، وقاتل عليُّ بنُ أبـي طالب رضي الله عنه قتالاً عظيماً حتى التوى سيفُه، وكذا سعدُ بنُ أبـي قاصٍ فقتلوا جماعةً من المشركين وهزموهم، فلما نظر الرماةُ إليهم ورأَوْا أنهم قد انهزموا أقبلوا على النَّهْب ولم يلتفتوا إلى نهي أميرِهم عبدِ اللَّهِ بنِ جبـيرٍ، فلم يبقَ منهم عنده إلا ثمانيةُ نفرٍ فلما رآهم خالدُ بنُ الوليدِ قد اشتغلوا بالغنيمة حمل عليهم في مائتين وخمسين فارساً من المشركين من قِبَل الشِّعبِ وقتلوا من بقيَ من الرُماة ودخلوا خلفَ أقفيةِ المسلمين ففرّقوهم وهزموهم، وحملوا على أصحاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وقاتلوهم حتى أصيب هناك نحوُ ثلاثين رجلاً كلٌّ منهم يجثو بـين يديه ويقول: وجهي لوجهك وقاءٌ، نفسي لنفسك فداءٌ وعليك سلامُ الله غيرَ مُودَّعٍ. ورمى عبدُ اللَّه بنُ قميئةَ الحارثيُّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر رَباعيتَه وشج وجهَه الكريمَ فذبّ عنه مصعبُ بنُ عميرٍ رضي الله عنه وكان صاحبَ الرايةِ حتى قتله ابنُ قميئة وهو يزعُم أنه قتل النبـيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: قتلتُ محمداً. وصرخ صارخ ــ قيل إنه إبليسُ ـ: ألا أن محمداً قد قُتل فانكفأ الناسُ وجعل الرسولُ صلى الله عليه وسلم يدعو: إليَّ عبادَ الله، قال كعبُ بنُ مالك: كنت أولُ من عرف رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين فناديت بأعلى صوتي: يا معشرَ المسلمين هذا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فانحاز إليه ثلاثون من أصحابه وحملوه حتى كشفوا عنه المشركين وتفرّق الباقون وقال بعضُهم: ليت ابنَ أُبـيَ يأخذ لنا أماناً من أبـي سفيانَ، وقال ناس من المنافقين: لو كان نبـياً لما قُتل ارجِعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم، فقال أنسُ بنُ النضر وهو عمُّ أنس بنِ مالك: يا قوم إن كان قُتل محمدٌ فإن ربَّ محمدٍ حيٌّ لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعد رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقاتِلوا على ما قاتل عليه وموتوا كِراماً على ما مات عليه. ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاءِ وأبرَأُ إليك مما جاء به هؤلاء، ثم شدّ بسيفه وقاتل حتى قُتل. وتجويزُهم لقتله عليه الصلاة والسلام مع قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [المائدة، الآية 67] لما أن كلَّ آيةٍ ليس يسمعها كلُّ أحدٍ ولا كلُّ من يسمعها يستحضِرُها في كل مقام لا سيما في مثل ذلك المقامِ الهائل، وقد غفَل عمرُ رضي الله عنه عن هذه الآية الكريمةِ عند وفاتِه عليه الصلاة والسلام وقام في الناس فقال: إن رجالاً من المنافقين يزعُمون أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم توفي وإن رسولَ الله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بنُ عمرانَ غاب عن قومه أربعين ليلةً ثم رجع، والله ليرجِعَنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ولأُقطِّعن أيديَ رجالٍ وأرجلَهم يزعُمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات ولم يزل يكرِّرُ ذلك إلى أن قام أبو بكر رضي الله عنه فحمِد الله عز وجل وأثنى عليه ثم قال: أيها الناسُ من كان يعبُد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبُد الله فإن الله حيٌّ لا يموت ثم تلا {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ} [آل عمران، الآية: 144]، قال الراوي: والله لكأن الناسَ لم يعلموا أن هذه الآيةَ نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تلاها أبو بكر، وقال عمرُ رضي الله عنه: والله ما هو إلا أن سمعتُ أبا بكر رضي الله عنه يتلوها فعقِرتُ حتى ما تحمِلُني رجلاي وعرفتُ أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قد مات {وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} بإدباره عما كان يُقبل عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من أمر الجهادِ وغيرِه وقيل: بارتداده عن الإسلامِ، وما ارتد يومئذ أحدٌ من المسلمين إلا ما كان من المنافقين {فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ} بما فعل من الانقلاب {شَيْئاً} أي شيئاً من الضرر وإنما يضُرُّ نفسَه بتعريضها للسُخط والعذاب {وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ} أي الثابتين على دين الإسلامِ الذي هو أجلُّ نعمةٍ وأعزُّ معروفٍ. سُمّوا بذلك لأن الثباتَ عليه شكرٌ له وعِرفانٌ لحقه وفيه إيماءٌ إلى كُفران المنقلبـين. ورُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد بهم الطائعون لله تعالى من المهاجرين والأنصارِ، وعن علي رضي الله عنه أبو بكرٍ وأصحابُه رضي الله عنهم. وعنه رضي الله عنه أنه قال: أبو بكر من الشاكرين، ومن أحبّاء الله تعالى، وإظهارُ الاسمِ الجليل في موقع الإضمار لإبراز مزيدِ الاعتناءِ بشأن جزائِهم.

القشيري

تفسير : طوارق التمني بعد الصبر على احتمال المشاق ولكن: شعر : إذا انسكبت دموعٌ في خُدُودٍ تبيَّن من بكى ممن تباكى

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد كنتم تمنون الموت} اى الحرب فانها من مبادى الموت او الموت بالشهادة والخطاب للذين لم يشهدوا بدرا وكانوا يتمنون ان يشهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهدا لينالوا ما ناله شهداء بدر من الكرامة فألحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الخروج ثم ظهر منهم خلاف ذلك {من قبل ان تلقوه} اى من قبل ان تشاهدوه وتعرفوا هوله وشدته {فقد رأيتموه} اى ما تتمنونه من اسباب الموت او الموت بمشاهدة اسبابه {وانتم تنظرون} معاينين مشاهدين له حين قتل بين ايديكم من قتل من اخوانكم واقاربكم وشارفتم ان تقتلوا فلم فعلتم ما فعلتم وهو توبيخ لهم على تمنيهم الحرب وتسببهم لها ثم جبنهم وانهزامهم لا على تمنى الشهادة بناء على ان فى تمنيها تمنى غلبة الكافر المسلم لان قصد متمنى الشهادة الى نيل كرامة الشهداء من غير ان يخطر بباله شىء غير ذلك فلا يستحق العتاب من تلك الجهة كما ان من يشرب دواء الطبيب النصرانى يقصد الى حصول المأمول من الشفاء ولا يخطر بباله ان فيه جر منفعة واحسانا الى عدو الله وتنفيقا لصناعته. واعلم ان حاصل الكلام ان حب الدنيا لا يجتمع مع سعادة الآخرة فبقدر ما يزداد احدهما ينتقص الآخر وذلك لان سعادة الدنيا لا تحصل الا باشتغال القلب بطلب الدنيا وسعادة الآخرة لا تحصل الا بفراغ القلب من كل ما سوى الله وامتلائه من حب الله وهذان الامران مما لا يجتمعان فلهذا السر وقع الاستبعاد الشديد فى هذه الآية من اجتماعهما. وايضا حب الله وحب الآخرة لا يتم بالدعوى فليس كل من اقر بدين الله كان صادقا ولكن الفصل فيه تسليط المكروهات والمحرمات فان الحب هو الذى لا ينتقص بالجفاء ولا يزداد بالوفاء فان بقى الحب عند تسلط اسباب البلاء ظهر ان ذلك الحب كان حقيقيا فلهذه الحكمة قال {أية : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة} تفسير : [آل عمران: 142]. بمجرد تصديقكم الرسول قبل ان يبتليكم الله بالجهاد وتشديد المحنة. قال القشيرى رحمه الله من ظن انه يصل الى محل عظيم دون مقاساة الشدائد القته امانيه فى مهواة الهلاك وان من عرف قدر مطلوبه سهل عليه بذل مجهوده قال الشاعر شعر : وما جاد دهر بلذاته على من يضن بخلع العذار تفسير : فالدولة العظمى هى سعادة الآخرة فانها باقية ودولة الدنيا فانية كما قيل شعر : جهان مثال جراغيست دركذركه باد غلام همت آنم كه دل بروننهاد تفسير : وسئل الشبلى عن نعت العارف فقال لسانه بذكر الله ناطق وقلبه بحجة الله صادق وسره بوعد الله واثق وروحه الى سبيل الله سابق وهو ابدا على الله عاشق فلا بد لان يكون المرء من العارفين من ترك الدعوى والاقبال الى المولى وبذل الروح فى طريقه ـ حكى ـ عن حاتم الاصم انه قال لقينا الترك وكان بيننا صولة فرمانى تركى بوهق فاقبلنى عن فرسى ونزل عن دابته وقعد على صدرى واخذ بلحيتى هذه الوافرة واخرج من خفه سكينا ليذبحنى قال فوحق سيدى ما كان قلبى عنده ولا عند سكينه وانا ساكت متحير اقول سيدى اسلمت نفسى اليك ان قضيت على ان يذبحنى هذا فعلى الرأس والعين اما انا لك وملكك فبينا انا اخاطب سيدى وهو قاعد على صدرى اذ رماه بعض المسلمين بسهم فما اخطأ حلقه فسقط عنى فقمت انا اليه فاخذت السكين من يده فذبحته بها فيا هؤلاء لتكن قلوبكم عند السيد حتى ترون من عجائب لطفه ما لا ترون من الآباء والامهات واعلموا ان من صبر واستسلم ظفر ومن فرّ اتبع فلم يتخلص ونعم العون الصبر عند الشدائد شعر : تحمل جو زهرت نمايد نخست ولى شهد كردد جو در طبع رست زعلت مدار اى خردمند بيم جوداروى تلخت فرستد حكم تفسير : ثبتنا الله واياكم.

الطوسي

تفسير : المعنى: قال الحسن، ومجاهد، والربيع، وقتادة، والسدي: كانوا يتمنون الموت بالشهادة بعد بدر قبل أحد، فلما رأوه يوم أحد أعرض كثير منهم عنه، فانهزموا فعاتبهم الله على ذلك. وقوله: {فقد رأيتموه} فيه حذف ومعناه رأيتم أسباب الموت، لأن الموت لا يرى كما قال الشاعر: شعر : ومحلما يمشون تحت لوائه والموت تحت لواء آل محلم تفسير : أي أسباب الموت. وقال البلخي: معنى {رأيتموه} أي علمتم، وأنتم تنظرون أسباب الموت من غير أن يكون في الأول حذف. فان قيل هل يجوز أن يتمنى قتل المشركين لهم ليناوا منزلة الشهادة؟ قلنا: لا، لأن قتل المشركين لهم معصية، ولا يجوز تمني المعاصي، كما لا يجوز إدارتها، ولا الأمر بها. فاذا ثبت ذلك، فتمنيهم الشهادة بالصبر على الجهاد إلى أن يقتلوا. وقال الجبائي: إنما تمنوا الموت دون القتل إذا كانوا مجاهدين. قال الازهري قوله: {رأيتموه وأنتم تنظرون} معناه وأعينكم صحيحة، كما يقول القائل رأيت كذا، وليس في عينك سوء. والفرق بين التمني والارادة أن الارادة من أفعال القلوب، والتمني هو قول القائل: ليت كان كذا وليت لم يكن كذا. وقوله: {وأنتم تنظرون} بعد، قوله {فقد رأيتموه} يحتمل أمرين: أحدهما - أن يكون تأكيداً للرؤية، كما تقول: رأيته عياناً ورأيته بعيني وسمعته باذني، لئلا يتوهم رؤية القلب، وسمع العلم. والثاني - أن يكون معناه وأنتم تتأملون الحال في ذلك كيف هي، لأن النظر هو تقليب الحدفة الصحيحة نحو المرئي طلباً لرؤيته، وليس معناه الرؤية على وجه الحقيقة.

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ} بالشّهادة والجملة حاليّة، روى انّ المؤمنين لمّا اخبرهم الله تعالى بالّذى فعل بشهدائهم يوم بدر فى منازلهم فى الجنّة رغبوا فى ذلك فقالوا: اللّهمّ ارنا قتالاً نستشهد فيه فاراهم الله يوم احدٍ ايّاه فلم يثبتوا الاّ من شاء الله منهم وانهزموا وفرّوا عن القتل والموت فقال تعالى: {ولقد كنتم تمنّون الموت} ببدرٍ {مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ} بمشاهدة قتلاكم من اخوانكم المؤمنين وضمير تلقوه ورأيتموه راجع الى الموت باعتبار لقاء اسبابه ورؤية اسبابه {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} ترون الموت باعينكم فيكون تأكيداً لرأيتموه لرفع احتمال ان يكون المراد رؤية القلب او تتفكّرون او تتأنّون.

فرات الكوفي

تفسير : {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنّونَ المَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأيْتُموهُ وَأنتم تَنْظُرون* وَما محمد إلاّ رَسولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُسُلُ أفإن ماتَ أَوْ قُتِلَ انُقَلَبْتُمْ عَلَى أعقابكم143-144} فرات قال: حدثني أبو القاسم بن جمال السمسار معنعناً: عن حذيفة [بن. ب] اليماني [رضي الله عنه. ر] حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر بالجهاد يوم أحد فخرج الناس سراعاً يتمنون لقاء العدو عدوهم! وبغوا في منطقهم وقالوا: والله لئن لقينا عدونا لا نولي حتى نقتل عن أخرنا رجل [رجل. ب] أو يفتح الله لنا. قال: فلما أتوا القوم ابتلاهم الله بالذي كان منهم ومن بغيهم فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى انهزموا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا علي بن أبي طالب عليه السلام وأبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري فلمّا رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما قد نزل بالناس من الهزيمة والبلاء رفع البيضة عن رأسه وجعل ينادي: أيّها الناس أنا لم أمت ولم أقتل. وجعل الناس يركب بعضهم بعضاً لا يلوون [ر: يألون] على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا [أ، ر: فلا] يلتفتون إليه، فلم يزالوا كذلك حتى دخلوا المدينة فلم يكتفوا بالهزيمة حتى قال أفضلهم رجلٌ في أنفسهم: قتل رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم. ر، ب]. فلما أيس رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم. ب] [ر: الرسول] من القوم رجع إلى موضعه الذي كان فيه فلم يزل [إلا. ر، أ] علي بن أبي طالب [عليه السلام. ر] وأبو دجانة الأنصاري [رضي الله عنه. ر] فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا أبا دجانة ذهب الناس فالحق بقومك. فقال أبو دجانة: يا رسول الله ما على هذا بايعناك وبايعنا الله ولا على هذا خرجنا يقول [ر، أ: بقول] الله [تعالى. ب، ر] {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم} [الفتح:10] فقال [رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ر]: يا أبا دجانة أنت في حلّ من بيعتك فارجع. فقال أبو دجانة: يا رسول الله لا تحدث نساء الأنصار في الخدور أني أسلمتك ورغبت نفسي عن نفسك يا رسول الله، لا خير في العيش بعدك. قال: فلما سمع رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم. ر] كلامه ورغبته في الجهاد إنتهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى صخرة فاستتر بها ليتقي بها من السهام سهام المشركين، فلم يلبث أبو دجانة إلا يسيراً حتى أثخن جراحه فتحامل حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجلس إلى جنبه مثخناً لا حراك به. قال: وعلي لا يبارز فارساً ولا راجلاً إلا قتله الله على يديه حتى انقطع سيفه، فلما انقطع سيفه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله انقطع سيفي ولا سيف لي. فخلع رسول الله صلى الله عليه وآل وسلم سيفه ذو [أ: ذا] الفقار فقلد [ه. ب] علياً ومشى إلى جمع المشركين فكان لا يبرز [ر: يبرى] له [أ: إليه] أحدٌ إلا قتله، فلم يزل على ذلك حتى وهت دراعته [ب: ذراعيه. ر: وهيت دراعة] ففرق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك فيه، فنظر رسول الله [ص. ب] إلى السماء وقال: "اللهم إن محمداً عبدك ورسولك جعلت لكل نبي وزيراً من أهله لتشد به عضده وتشركه في أمره، وجعلت لي وزيراً من أهلي، علي بن أبي طالب أخي، فنعم الأخ ونعم الوزير، اللهم وعدتني أن تمدني بأربعة آلاف من الملائكة مردفين، اللهم وعدك وعدك إنك لا تخلف الميعاد، وعدتني أن تظهر دينك على الدين كله ولو كره المشركون". قال: فبينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعو ربّه ويتضرع إليه إذ سمع دوياً من الناس فرفع رأسه فإذا جبرئيل عليه السلام على كرسي من ذهب ومعه أربعة آلاف من الملائكة مردفين هو يقول: لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار، فهبط جبرئيل [عليه السلام. ر] على الصخرة وحفت الملائكة برسول الله فسلموا عليه فقال جبرئيل [عليه السلام. ر]: يا رسول الله والذي أكرمك بالهدى لقد عجبت الملائكة المقربون لمواساة هذا الرجل لك بنفسه. فقال: يا جبرئيل ما يمنعه [أ: وما يصنعه. ر: فما يصنعه] يواسيني بنفسه وهو مني وأنا منه. فقال جبرئيل: وأنا منكما - حتى قالها ثلاثاً-. تفسير : ثم حمل علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] وحمل جبرئيل [عليه السلام. ر] والملائكة ثم إن الله تعالى هزم جمع المشركين وتشتت أمرهم فمضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] بين يديه ومعه اللواء قد خضبه بالدم وأبو دجانة [رضي الله عنه. ر] خلفه فلما أشرف على المدينة فإذا نساء الأنصار يبكين [على. ب، أ] [رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم. ب، أ] فلما نظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: استقبله أهل المدينة بأجمعهم ومال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المسجد ونظر إليه [إلى. ر] الناس فتضرعوا إلى الله وإلى رسوله وأقروا بالذنب وطلبوا التوبة فأنزل الله فيهم قرآناً يعيبهم بالبغي الذي كان منهم وذلك قوله [تعالى. ر]: {ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون} يقول: قد عاينتم الموت والعدو فَلِمَ نقضتم العهد وجزعتم من الموت وقد عاهدتم الله أن لا تنهزموا حتى قال بعضكم قتل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) [ب: وعلي وأبو دجانة]، فأنزل الله تعالى {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} إلى آخر الآية. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : أيها الناس إنكم رغبتم بأنفسكم عني، ووازرني علي وواساني، فمن أطاعه فقد أطاعني، ومن عصاه فقد عصاني وفارقني في الدنيا والآخرة. تفسير : قال: وقال حذيفة: ليس ينبغي لأحدٍ يعقل يشك فيمن لم يشرك بالله أنه أفضل ممن أشرك به، ومن لم ينهزم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفضل ممن انهزم، وأن السابق إلى الإيمان بالله ورسوله أفضل، وهو علي بن أبي طالب عليه السلام. فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد معنعناً عن حذيفة اليماني [أ، ب: اليمان] [رضي الله عنه. ر] عن النبي [ب، أ: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم] مثله. فرات قال: حدثني الحسين بن محمد بن مصعب معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] يقول في حياة النبي صلى الله علي وآله وسلم إن الله تعالى يقول في كتابه: {أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه، ومن أولى به مني وأنا أخوه ووارثه وابن عمه [عليه السلام. أ، ر] [وكرّم الله وجهه الأكرم. ر].

الهواري

تفسير : قوله: {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} أي الموت بالسيوف في أيدي الرجال. إن المؤمنين لما أخبرهم الله بما فعل بمن استشهد منهم يوم بدر ومنازلهم في الجنة في هذه الآية: (أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا ءَاتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ)تفسير : ... إلى آخر الآية [آل عمران: 169-170] لَمَّا نَزَلَتْ هذه الآية رغبوا في ذلك وقالوا: اللهم ربّنا أرِنا قتالاً لنستشهد فيه؛ فأراهم الله إياه يوم أُحد؛ فلم يثبت منهم إلا من شاء الله. نزلت هذه الآية في الشهداء في هذا الموضع قبل هذه الآية: {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ} وهي بعدها في التأليف. وقال بعضهم: قال أناس من المسلمين لم يشهدوا يوم بدر والذي أعطى الله أهل بدر من الفضل والشرف، وكانوا يتمنَّون أن يرَوْا قِتالاً فيقاتلوا؛ فَسِيق إليهم القتال، حتى كان القتال بناحية المدينة يومَ أُحد، فقال الله ما تسمعون: {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ}. قوله: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} أي إلى الشرك {وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً} أي إنما يضر نفسه. وقد أخبر الله محمداً أنه لا يُقتَل أبداً ولا يُظْهَر عليه بقتل أبداً فقال: (أية : وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ) تفسير : [الإِسراء:60] فمنعتك منهم أن يصلوا إليك. قال: {وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ} أي المؤمنين، يجزيهم الجنة. وقال بعضهم: ذلك يوم أحد حين أصابهم القرح والقتل، فتنازعوا نبي الله على تفئة ذلك، فقال أناس منهم: لو كان نبياً ما قتل، وقال أناس من علية أصحاب النبي عليه السلام: قاتلوا على ما قاتل عليه نبيكم حتى يفتح الله عليكم أو تلحقوا به: فقال الله: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}، أي: كفاراً بعد إيمانكم.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ}: خطاب لمن لم يشهد بدراً. {الْمَوْتَ}: بالشهادة. {مِن قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ}: لما رأوا من أجر الشهداء، إذ أخبرهم الله الرحمن الرحيم له فى قوله {أية : ولا تحسبن الذين قتلوا}تفسير : الآية، وذلك قول ابن عباس. وقيل: المراد بالموت الحرب، لأنها سبب الموت، تمنى من لم يحضر بدراً أن يكون قتال يحضرونه ليحصل لهم أجر كأجر أهل بدر، وكذا من تمنى الموت، لم يرده بالذات، بل للأجر. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تتمنوا لقاء العدو، ولكن إذا لقيتموه فاسألوا الله الصبر"تفسير : وذلك أن من يتمناه قد يتكل على قوته، وقد عنفهم الله إذا تمنوه وقروا، أو إذا تمنوا الشهادة المتضمنة بغلبة الكفار، وليس مراد المتمنى منهم غلبة الكفار، لكنهم رغبوا فى الأجر، فما هم إلا كمن شرب دواء النصرانى قاصداً للشفاء، ولا يخطر بباله أن فيه نفع الكافر، وتنفيقاً لدوائه. وقد قال عبد الله بن رواحة حين نهض إلى غزوة العسرة، وقيل لهُ ردكم الله: شعر : لكننى أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات قرع تقذف الزبدا أو ضربة من يدى جران مجهزة بحرية تنفذ الأحشاء والكبدا تفسير : {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ}: أى رأيتم الموت بعيونكم، أى: رأيتم ما يكون به كالسيوف والأيدى المرفوعة بها والرجال، وما يدل عليه كالوقوع على الأرض، بلا تنفس وخروج الدم والقطع. {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}: ذلك بعيونكم فالجملة حال من واو رأيتموه مؤكدة لعاملها، تدفع توهم رؤية القلب، وأما اشتراك الرؤية بين رؤية البصر ورؤية القلب، فبالظاهر أنهُ لا يتوهم فضلا عن أن يدفع.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ} تتمنون لقاء الموت، أى الحرب، سماها موتاً لأنها سبب، أى الموت بالشهادة والخطاب للذين لم يشهدوا بدراً وتمنوا أن يشهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حرباً لينالوا ما نال شهداء بدر، وألحوا فى الخروج إلى أحد مع كراهة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما مر، وليس فى ذلك إعانة أهل الشرك، لأن القصد نيل الثواب لا غلبتهم، مع أن موت بعض قليل ليس غلبة، وقد تمنى عبد الله بن رواحة أن يموت شهيداً، أو لم ينهه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيضاً كل من تمنى أن يموت شهيداً يحب أن ينصر الله عز وجل دينه ويحفظ أهله {مِنْ قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ} تشاهدوا شدته {فَقَدْ رَأَيْتُموهُ} أى شاهدتم الموت فى أصحابكم، أو شاهدتم الحرب بسيوفها ورماحها من عدوكم وجبنتم وانهزمتم مع أنكم السبب فى تهييجها، ولم تصدقوا فى دعواكم، ولا سيما مجرد تمنى للشهادة، فإنه لا يجوز لأن فيها غلبة الكفرة، بل يسأل الإنسان الظفر على العدو والنجاة لنفع الإسلام بعد، فإن قتل فشهادة رزقها، يصبر لها، فالآية توبيخ لهم عَلَى مَا ذكر، وعَلَى الإلحاح، ومقتضى الظاهر فقد لقيتموه، لكن ذكر الرؤية تلويحاً بأنهم كمن رآه وها به ولم يدخله، أو للمبالغة فى أنهم شاهدوه {وَأنتُمْ تَنظُرُونَ} حال مؤكدة لرأيتموه، مبينة أن الرؤية بصرية، كقولك رأيته وليس فى عينى علة، أو الرؤية علمية، والنظر بصرى، أو تنظرون محمداً صلى الله عليه وسلم، أو تتأملون كيف الحرب، فالجملة حال مؤسسة، ولما نودى فى هزيمة أحد، أن محمداً قد قتل فشل كثير من المسلمين وهربوا، كما مر وقال المنافقون، بعض لبعض: إن قتل محمد فارجعوا إلى دينكم فرجع بعض، وفى ذلك نزل قوله تعالى {وَمَا مُحَمَّدٌ إلاّ رَسُولٌ} لا يتجاوز الرسالة إلى الألوهية، فتترك العبادة لموته، ولا إلى الحياة أبداً بل يموت كما مات الرسل بقتل أو بغيره، كما قال {قَدْ خَلَتْ} مضت بالموت {مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} وذلك قصر إفراد، وله وجه آخر، هو كأنهم اعتقدوا له الرسالة والبعد عن الموت، فقصر عَلَى الرسالة، فيكون قد خلت مستأنفاً، ولا يلزم من وقوع الجملة بعد النكرة أن تكون نعتاً لها، وأيضاً يجوز أن تكون نعتاً لرسول مؤكداً؛ لأن عدم انتفاء الموت معلوم من حصره على الرسالة، أو قصر قلب إذ توهموا أنه لا يجب البقاء على دينه بعد موته، وهذا القصر منصب على النعت، وهو قد خلت، أما المنافقون فقالوا، لو كان رسولا لم يمت ألبتة، أو لم يمت بالقتل، وكلاهما توهم بعيد وأما ضعفاء المسلمين فضعفت قلوبهم بموته وكأنهم استبعدوا موته فى الوقعة، ولما قيل بموته فت فى عضدهم، والآية فيهم لا فى المنافقين لقوله: "فإن مات.. إلى ..ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا" لأن المنافقين فى ضلال، بقوا عَلَى النفاق، أو أظهروا الشرك، اللهم إلا أن يقال جازاهم على ظاهر أمرهم، وإلا فهم فى ضلال، انقلبوا عَلَى عقبهم أو لم ينقلبوا، لا كما فى قوله تعالى {أَفَإن مَّاتَ} بلا قتل {أَوْ قُتِلَ} كسائر الناس، والرسل وغيرهم {انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} رجعتم إلى الكفر بعد إذ خلفتموه وراءً، توهموا أنه نبى لا يموت، وأنه إن مات لم يجب البقاء على دينه، والتقدير: أتضعفون، أو أتؤمنون به فى حياته، وأفإن مات، والأولى أن معنى الانقلاب نقص الدين بزواله كله إلى الشرك، كما وقع من بعض، أو بضعفه، أو بإظهار المنافقين الشرك أو بفعل ما يشبه الكفر من الانكشاف عنه صلى الله عليه وسلم والفشل، ويجوز أن يكون المراد النهى عن الردة لمن لم تقع منه، كمن رأى من أحد قرب فعل شىء، فقال له: أتفعل كذا، وقيل: هى فى أهل الردة، وقيل فيهم وفى إظهار المنافقين الشرك، وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، علمنا أن الإيمان يزداد فهل ينقص، فمثلا الآية {وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ} بالردة {فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً} بكفره، بل ضر نفسه بعذاب النار الدائم لما هزم المسلمون يوم أحد، قال بعض الضعفاء من المؤمنين ليت ابن أبى أخذلنا أماناً من أبى سفيان، وقال المنافقون: لو كان نبيَّا لم يقتل ارجعوا إلى إخوانكم ودينكم {وَسَيَجْزِى اللهُ الشَّاكِرِينَ} له على نعمة الإسلام، وقيل الشاكرون الثابتون على الإسلام، لأن الثبات عليه ناشىء عن تيقن حقيقته، وذلك شكر، قال على: الصِّدِّيق أمير الشاكرين، والمراد فى الآية الشاكرون إلى قيام الساعة، وقيل المهاجرون والأنصار كأنس بن النضر عم أنس بن مالك لأنه قال: يا قوم إن كان محمد قتل فإن رب محمد حى لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعده، فقاتلوا على ما قاتل عليه اللهم إنى أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، يعنى ضعفاء المسلمين، وأبرأ مما قال هؤلاء، يعنى المنافقين، وشد بسيفه فقاتل حتى قتل، ونزلت الآية فيه، قال كعب بن مالك: كنت أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين بعينيه تزهران من تحت المغفر فناديت بأعلى صوت، يا معشر المسلمين، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إلىَّ أن أسكت، فانحاز إليه ثلاثون وحموه، وتفرق الباقون، وقد ضربه عتبة بن أبى وقاص وابن قمثة، فصرخ صارخ، قتل محمد، ولا يدرى الصارخ، ولعله الشيطان أو إبليس، وأدركه أبى بن خلف الجمحى، وقال: لا نجوتُ إن نجوتَ، فقال أصحابه الثلاثون: يا رسول الله، ألا يعطف عليه واحد منا، قال: دعوه، فدنا، فتناول صلى الله عليه وسلم الحرية من يد بعضهم، وهو الحارث بن الصمة، فطعنه فى عنقه وخدشه فهو يخور كالثور، ويقول: قتلنى محمد، فقال له أصحابه: لا بأس، فقال: لو كانت هذه الطعنة فى ربيعة ومضر لأهلكتهم، وقد قال لى: أقتلك، فلو بصق على لقتلنى، وبقى يوما ومات بسرف، وكان يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم لى رمكة أعلقها كل يوم فر قادرة أقتلك عليها ويقول صلى الله عليه وسلم: بل أنا أقتلك إن شاء الله تعالى.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ } خطاب لطائفة من المؤمنين لم يشهدوا غزوة بدر لعدم ظنهم الحرب حين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها فلما وقع ما وقع ندموا فكانوا يقولون: ليتنا نقتل كما قتل أصحاب بدر ونستشهد كما استشهدوا فلما أشهدهم الله تعالى أحداً لم يلبث إلا من شاء الله تعالى منهم. فالمراد بالموت هنا الموت في سبيل الله تعالى وهي الشهادة ولا بأس بتمنيها ولا يرد أن في تمني ذلك تمني غلبة الكفار لأن قصد المتمني الوصول إلى نيل كرامة الشهداء لا غير، ولا يذهب إلى ذلك وهمه كما أن من يشرب دواء النصراني مثلاً يقصد الشفاء لا نفعه ولا ترويج صناعته، وقد وقع هذا التمني من عبد الله بن رواحة من كبار الصحابة ولم ينكر عليه، ويجوز أن يراد بالموت الحرب فإنها من أسبابه، وبه يشعر كلام الربيع وقتادة فحينئذ المتمنى الحرب لا الموت. {مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ } متعلق بـ {تمنون} مبين لسبب إقدامهم على التمني أي من قبل أن تشاهدوا وتعرفوا هوله، وقرىء بضم اللام على حذف المضاف إليه ونية معناه وأن تلقوه حينئذ بدل من الموت بدل اشتمال أي كنتم تمنون الموت أن تلقوه من قبل ذلك، وقرىء (تلاقوه) من المفاعلة التي تكون بين اثنين وما لقيك فقد لقيته، ويجوز أن يكون من باب سافرت والضمير عائد إلى (الموت)، وقيل: إلى العدو المفهوم من الكلام وليس بشيء. {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ } أي ما تمنيتموه من الموت بمشاهدة أسبابه أو أسبابه، والفاء فصيحة كأنه قيل: إن كنتم صادقين في تمنيكم ذلك فقد رأيتموه، وإيثار الرؤية على الملاقاة إما للإشارة إلى انهزامهم أو للمبالغة في مشاهدتهم له كتقييد ذلك بقوله سبحانه: {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } لأنه في موضع الحال من ضمير المخاطبين أي رأيتموه معاينين له، وهذا على حد قولك: رأيته وليس في عيني علة أي رأيته رؤية حقيقية لا خفاء فيها ولا شبهة، وقيل: تنظرون بمعنى تتأملون وتتفكرون أي وأنتم تتأملون الحال كيف هي، وقيل: معناه وأنتم تنظرون إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى كل حال فالمقصود من هذا الكلام عتاب المنهزمين / على تمنيهم الشهادة وهم لم يثبتوا حتى يستشهدوا، أو على تمنيهم الحرب وتسببهم لها ثم جبنهم وانهزامهم لا على تمني الشهادة نفسها لأن ذلك مما لا عتاب عليه كما وهم.

ابن عاشور

تفسير : كلام ألقي إليهم بإجمال بالغ غاية الإيجاز، ليكون جامعاً بين الموعظة، والمعذرة، والملام، والواو عاطفة أو حالية. والخطاب للأحياء، لا محالة، الَّذين لم يذوقوا الموت، ولم ينالوا الشهادة، والَّذين كان حظّهم في ذلك اليوم هو الهزيمة، فقوله: {كنتم تمنّون الموت} أريد به تمنّي لقاء العدوّ يوم أُحُد، وعدم رضاهم بأن يتحصّنوا بالمدينة، ويقفوا موقف الدّفاع، كما أشار به الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ ولكنّهم أظهروا الشجاعة وحبّ اللِّقاء، ولو كان فيه الموت، نظراً لقوة العدوّ وكثرته، فالتمنّي هو تمنّي اللِّقاء ونصر الدّين بأقصى جهدهم، ولمَّا كان ذلك يقتضي عدم اكتراث كُلّ واحد منهم بتلف نفسه في الدّفاع، رجاء أن يكون قبل هلاكه قد أبلى في العدوّ، وهيّأ النَّصر لمن بقي بعده، جعل تمنّيهم اللِّقاء كأنَّه تمنّي الموت من أوّل الأمر، تنزيلاً لِغاية التمنّي منزلة مبدئه. وقوله: {من قبل أن تلقوه} تعريض بأنَّهم تمنّوا أمراً مع الإغضاء عن شدّته عليهم، فتمنّيهم إيّاه كتمنّي شيء قد جهلوا ما فيه من المصائب. وقوله: {فقد رأيتموه} أي رأيتم الموت، ومعنى رؤيته مشاهدة أسبابه المحقّقة، الَّتي رؤيتها كمشاهدة الموت، فيجوز أن يكون قوله: {فقد رأيتموه} تمثيلاً، ويجوز أن تطلق الرؤية على شدّة التوقّع، كإطلاق الشمّ على ذلك في قول الحارث بن هشام المخزومي: شعر : وشممتُ ريح الموت من تلقائهم في مأزق والخيل لم تتبدّد تفسير : وكإطلاقه في قول ابن معد يكرب يوم القادسية: فضمّني ضمّة وَجَدْت منها ريحَ الموت. والفاء في قوله: {فقد رأيتموه} فاء الفصيحة عن قوله: {كنتم تمنون} والتقدير: وأجبتم إلى ما تمنّيتم فقد رأيتموه، أو التقدير: فإن كان تمنّيكم حقّاً فقد رأيتموه، والمعنى: فأين بلاء من يتمنّى الموت، كقول عباس بن الأحنف: شعر : قالُوا خُراسانُ أقصى ما يُراد بنا ثُمّ القُفول فقدْ جِئْنا خُراسانا تفسير : ومنه قوله تعالى: {أية : فقد كذّبوكم بما تقولون}تفسير : [الفرقان: 19] وقوله - في سورة الروم (56): {أية : فهذا يوم البعث}تفسير : . وجملة {وأنتم تنظرون} حال مؤكّدة لمعنى {رأيتُموه}، أو هو تفريع أي: رأيتم الموت وكان حظّكم من ذلك النظر، دون الغَناء في وقت الخطر، فأنتم مبهوتون. ومحلّ الموعظة من الآية: أنّ المرء لا يطلب أمراً حَتَّى يفكِّر في عواقبه، ويسبر مقدار تحمّله لمصائبه. ومحلّ المعذرة في قوله: {من قبل أن تلقوه} وقوله: {فقد رأيتموه} ومحلّ الملام في قوله: {وأنتم تنظرون}. ويحتمل أن يكون قوله: {تمنون الموت} بمعنى تتمنَّوْن موت الشهادة في سبيل الله فقد رأيتم مشارفة الموت إياكم، وأنتم تنظرون من مات من إخوانكم، أي فكيف وجدتم أنفسكم حين رأيتم الموت، وكأنَّه تعريض بهم بأنَّهم ليسوا بمقام من يتمنّى الشهادة. إذ قد جبنوا وقت الحاجة، وخفّوا إلى الغنيمة، فالكلام ملام محض على هذا، وليس تمنّي الشهادة بملوم عليه، ولكن اللَّوم على تمنّي ما لا يستطيع كما قيل: (إذا لم تستطع شيئاً فدعه). كيف وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ولوددت أنّي أقتل في سبيل الله، ثُمّ أُحيا ثُمّ أقتل، ثمّ أحيا، ثمّ أقْتل»تفسير : . وقال عمر:« اللَّهم إنّي أسألك شهادة في سبيلك» وقال ابن رواحة: شعر : لكنّني أسأل الرّحمانَ مغفرة وضربةً ذات فرغ تقذِف الزبدا حتَّى يقولوا إذا مَرّوا على جَدثي أرشدَك الله من غازٍ وقد رشدا تفسير : وعلى هذا الاحتمال فالضّمير راجع إلى الموت، بمعنى أسبابه، تنزيلاً لرؤية أسبابه منزلة رؤيته، وهو كالاستخدام، وعندي أنَّه أقرب من الاستخدام لأنَّه عاد إلى أسباب الموت باعتبار تنزيلها منزلة الموت.

د. أسعد حومد

تفسير : (143) - يُخَاطِبُ اللهُ تَعَالَى مَنْ شَهِدَ وَقْعَةِ أحُدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ الذِينَ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْراً، وَكَانُوا يَتَحَرَّقُونَ شَوْقاً لِلْقِتَالِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِيَكُونَ لَهُمْ يَومٌ كَيَوْمِ بَدْرٍ، وَقَدْ ألَحُّوا عَلَى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فِي الخُرُوجِ إلى أحُدٍ لِيُقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ. وَيَقُولُ تَعَالَى لِهَؤُلاءِ: لَقَدْ كُنْتُمْ تَتَمَنَّوْنَ المَوْتَ فِي سَبِيلِ اللهِ قَبْلَ أنْ تُلاقوا القَوْمَ فِي مَيْدَانِ المَعْرَكَةِ، فَهَا أَنْتُمْ تَرَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَتَمَنَّوْنَ فَمَا بَالُكُمْ دَهِشْتُمْ عِنْدَمَا وَقَعَ المَوْتُ فِيكُمْ؟ وَمَا بَالُكُمْ تَحْزَنُونَ وَتَضْعُفُونَ عَنْ لِقَاءِ مَا كُنْتُمْ تُحِبُّونَ وَتَتَمَنَّوْنَ؟

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكان القوم الذين فاتهم شرف الاشتراك في بدر قد أرادوا أن يذهبوا مع الرسول للمشاركة في غزوة أُحُد، ويوضح لهم الحق: أكنتم تظنون أن تمنى المعارك وحده يحقق النصر، وهل كنتم تظنون أن كل معركة يدخلها المؤمنون لا بد أن تكون منتصرة؟ وإن كنتم تظنون أن المسألة هي نصر لمجرد التمني، فمعنى ذلك أنكم دخلتم إلى معسكر الإيمان من أجل الفأل واليُمن والنصر، ونحن نريد أن نعرف من الذي يدخل معسكر الإيمان وهو بائع روحه وهو مُحتسب حياته في سبيل الله. فلو أن الأمر يمر رخاء، لدخل كل واحد إلى معسكر الإيمان، لذلك يقول الحق: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ} [آل عمران: 143]. فهل ظننتم أنكم تدخلون الجنة بدون أن يُخرج الحق على الملأ ما علمه غيباً، وتترجمه الأحداث التي يُجريها سبحانه فيصير واقعاً وحُجة عليكم، ويبرز الله سبحانه من الذين جاهدوا؛ أي دخلوا في زُمرة الحق، والذين صبروا على الأذى في الحق. ويقول سبحانه: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} [آل عمران: 143] أي إن ما كنتم تتمنونه قديماً صار أمامكم، فلو أن التمني كان صحيحاً لأقبلتم على الموت كما تقبلون على الحياة. ويقول سبحانه من بعد ذلك: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ ...}.

الأندلسي

تفسير : {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ} الآية الخطاب للمؤمنين وظاهره العموم والمراد الخصوص وذلك أن جماعة من المؤمنين لم يحضروا غزوة بدر إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما خرج مبادراً يريد عبر القريش فلم يظنوا حرباً وفاز أهل بدر بما فازوا به من الكرامة في الدنيا والآخرة فتمنوا لقاء العدو ليكون لهم يوم كيوم بدر وهم الذين حرضوا على الخروج لأحد، فلما كان في يوم أحد ما كان من قتل عبد الله بن قميئة مصعب بن عمير الذاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاناً أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قتلت محمداً وصرخ صارخ وفشا ذلك في الناس انكفوا فآرين، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: اليَ عباد الله حتى انحازت إليه طائفة واستعذروا في انكفائهم بأنه أتانا خبر قتلك فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين، فنزلت هذه الآية بلومهم على ما صدر منهم مع ما كانوا قرروا مع أنفسهم من تمني الموت. وقرأ البزي: كنتم تمنون بشدّ التاء في حروف محصورة ذكرها القراء في كتبهم. {مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ} هو على حذف مضاف تقديره أن تلقوا أسبابه. {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ} أي رأيتم أسبابه وقرأ الجمهور الرسل. وقرىء رسل بالتنكير. {أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} لما صُرح بأن محمداً قد قتل تزلزلت أقدام المؤمنين ورعبت قلوبهم وأمعنوا في الفرار وكانوا ثلاث فرق فرقة قالوا ما نصنع بالحياة بعد رسول الله قاتلوا على ما قاتل عليه فقاتلوا حتى قتلوا منهم أنس بن النضر، وفرقة قالوا: نلقي إليهم بأيدينا فإِنهم قومنا وبنو عمّنا. وفرقة أظهرت النفاق وقالوا ارجعوا إلى دينكم الأول فلو كان محمداً نبياً ما قتل وقد اجتمع الاستفهام والشرط. ومذهب سيبويه ان انقلبتم جواب للشرط. ومذهب يونس ان لاستفهام داخل على انقلبتم، وجواب الشرط محذوف وهي مسألة ذكرت في النحو، وعلى أعقابكم معناه الارتداد وقيل الفرار وتقدم في البقرة تفسير نظيره. قال ابن عطية: كتاباً مؤجلاً كتاباً نصب على التمييز. انتهى. هذا لا يظهر فإِن التمييز: كما قسمه النحاة ينقسم إلى منقول وغير منقول وأقسامه في النوعين محصورة وليس هذا واحداً منها. انتهى. قرأ الأعمش: ومن يرد ثواب الدنيا يؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة يؤته منها بالياء فيهما. قال ابن عطية: وذلك على حذف الفاعل لدلالة الكلام عليه. انتهى. وهذا وهم وصوابه وذلك على إضمار الفاعل والضمير عائد على الله تعالى. {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ} الآية لما كان من المؤمنين ما كان يوم أحد وعتب الله عليهم ما صدر منهم في الآيات التي تقدمت أخبرهم بأن الأمم السالفة قتلت أنبياء كثيرين أو قتل ربيون كثير معهم فلم يلحقهم ما لحقكم من الوهن والضعف ولا تناهم عن القتال فجعهم بقتل أنبيائهم أو قتل ربّيّيهم بل مضوا قدماً في نصرة دينهم صابرين على ما حل بهم إذ قتل نبي أو أتباعه من أعظم المصائب، فكذلك كان ينبغي لكم التأسي بمن مضى من صالحي الأمم السابقة هذا وأنتم خير الأمم ونبيكم خير الأنبياء. وفي هذه الآية من العتب لمن فر عن النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى وكاين بمعنى للتكثير وهي مركبة من كاف التشبيه ومن أي وبعض القراء وقف على الياء وبعضهم على التنوين لثبوتها في رسم المصحف وفيها لغات منها وكائن. وقرىء بهذه الثلاث في الشواذ وكأين مبتدأ خبره قتل وفي نبي تمييز وتكثير زيادة من فيه وزعم ابن عصفور انها لازمة فيه والصحيح أنه يجوز حذف من ونصب التمييز نص عليه سيبويه وغيره، والضمير في قتل عائد على كأين، والجملة من قوله: معه ربيون في موضع الحال وجوز أن يكون المرفوع بقتل ربّيون والرّبيّ منسوب إلى الرب، وكسر الراء فيه شذوذ كما نسبوا إلى أمس امسى وهو عابد الرب لما أصابهم من قتل كان الضمير قتل يراد به النبي وإن كان المقتول الربيين فالضمير في وهنوا لا يعود على الربيين بل يعود على من بقي. قال ابن عطية: قراءة من قرأ قاتل أعم في المدح لأنه يدخل فيها من قتل ومن بقي ويحسن عندي على هذه القراءة إسناد الفعل إلى الربيين وعلى قراءة قتل إسناده إلى نبي. "انتهى". ويظهر أن قتل أمدح وهو أبلغ في مقصود الخطاب لأنها نص في وقوع القتل ويستلزم المقاتلة، وقاتل لا يدل على القتل إذ لا يلزم من المقاتلة وجود القتل إذ قد تكون مقاتلة ولا يقع قتل وما ذكر من أنه يحسن عنده ما ذكر لا يظهر حسنه بل القرآتان يحتملان الوجهين. قرأ قتادة: وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير. قال أبو الفتح بن جني: لا يحسن في هذه القراءة أن يستند الفعل إلا إلى الربيين لما فيه من معنى التكثير الذي لا يجوز أن يستعمل في قتل شخص واحد (فإِن قيل) يستند إلى نبي مراعاة لمعنى كم فالجواب أن اللفظ قد مشى على جهة الافراد في قوله: من نبي، ودل الضمير المفرد في معه على أن المراد إنما هو التمثيل بواحد واحد فخرج الكلام عن معنى كم قال ابو الفتح: وهذه القراءة تقوى قول من قال: ان قتل وقاتل إنما يستند إلى الربيين. انتهى كلامه. وليس بظاهر لأن كاين هي مثل كم وأنت إذا قلت كم من عان فككته فأفردت راعيت لفظ كم ومعناه الجمع فإِذا قلت كم من عان فككتم راعيت معنى كابن لا لفظها وليس معنى مراعاة اللفظ إلا أنك أفردت الضمير والمراد به الجمع فلا مفرق من حيث المعنى بين فككته. وفككتهم، كذلك لا فرق بين قتلوا معهم ربيون وقتل معه ربيون، وإنما جاز مراعاة اللفظ تارة ومراعاة المعنى تارة، لأن مدلول كم وكأين كثير والمعنى جمع كثير وإذا أخبرت عن جمع كثير فتارة تفرد مراعاة للفظ وتارة تجمع مراعاة للمعنى، كما قال تعالى: {أية : أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} تفسير : [القمر: 44-45]، فقال: منتصر، وقال: ويولون، فأفرد في منتصره وجمع في يولون. وقول أبي الفتح في جواب السؤال الذي فرضه: إن اللفظ قد جرى على جهة الافراد في قوله من نبي أي روعي لفظ كأين لكون تمييزها جاء مفرداً فناسب لما ميّزت بمفرد أن يراعي لفظها، والمعنى على الجمع. وقوله: ودل الضمير المفرد في معه على أن المراد إنما هو التمثيل بواحد واحد هذا المراد مشترك بين أن يفرد الضمير أو يجمع لأن الضمير المفرد ليس معناه هنا إفراد مدلوله بل لا فرق بينه مفرد أو مجموعاً من حيث المعنى فاذن لا فرق فدلالته عليه وهي دلالته على كل فرد فرد وقوله: فخرج الكلام من معنى كم لم يخرج الكلام عن معنى كم، إنما خرج عن جمع الضمير على معنى كم دون لفظها لأنه إذا أفرد لفظاً لم يكن مدلوله مفرداً إنما يكون جمعاً كما قالوا: هو أحسن الفتيان وأجمله معناه وأجملهم. وقرىء وهنوا بفتح الهاء وبكسرها وبسكونها. {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} ظاهره العموم. وقال علي وابن عباس: هم المنافقون قالوا للمؤمنين لما رجعوا من أحد لو كان نبياً ما أصابه الذي أصابه فارجعوا إلى إخوانكم.

همام الصنعاني

تفسير : 464- عبد الرزاق، قال: أنبنأ معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ}: [الأنعام: 143]، قال: كانوا يتمنون أن يلقوا المشركين أن يقاتلوهم، فلما لقوهم يوم أحُد ولّوا.