٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
144
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم بأحد أمر الرماة أن يلزموا أصل الجبل، وأن لا ينتقلوا عن ذلك سواء كان الأمر لهم أو عليهم، فلما وقفوا وحملوا على الكفار وهزموهم وقتل علي طلحة بن أبي طلحة صاحب لوائهم، والزبير والمقداد شدا على المشركين ثم حمل الرسول مع أصحابه فهزموا أبا سفيان، ثم إن بعض القوم لما أن رأوا انهزام الكفار بادر قوم من الرماة إلى الغنيمة وكان خالد بن الوليد صاحب ميمنة الكفار، فلما رأى تفرق الرماة حمل على المسلمين فهزمهم وفرق جمعهم وكثر القتل في المسملين، ورمى عبدالله بن قميئة الحارثي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر رباعيته وشج وجهه، وأقبل يريد قتله، فذب عنه مصعب بن عمير وهو صاحب الراية يوم بدر ويوم أحد حتى قتله ابن قميئة، فظن أنه قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال قد قتلت محمدا، وصرخ صارخ ألا إنَّ محمدا قد قتل، وكان الصارخ الشيطان، ففشا في الناس خبر قتله، فهنالك قال بعض المسلمين: ليت عبدالله بن أبي يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان. وقال قوم من المنافقين: لو كان نبيا لما قتل، ارجعوا الى إخوانكم والى دينكم، فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: يا قوم ان كان قد قتل محمد فإن رب محمد حي لا يموت وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه، ثم قال: اللهم اني أعتذر اليك مما يقول هؤلاء، ثم سل سيفه فقاتل حتى قتل رحمه الله تعالى، ومر بعض المهاجرين بأنصاري يتشحط في دمه، فقال: يا فلان أشعرت أن محمدا قد قتل، فقال: ان كان قد قتل فقد بلغ، قاتلوا على دينكم، ولما شج ذلك الكافر وجه الرسول صلى الله عليه وسلم وكسر رباعيته، احتمله طلحة بن عبيدالله، ودافع عنه أبو بكر وعلي رضي الله عنهم ونفر آخرون معهم، ثم ان الرسول صلى الله عليه وسلم جعل ينادي ويقول: الى عباد الله حتى انحازت اليه طائفة من أصحابه فلامهم على هزيمتهم، فقالوا يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا، أتانا خبر قتلك فاستولى الرعب على قلوبنا فولينا مدبرين، ومعنى الآية {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ } فسيخلو كما خلوا، وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم، فعليكم أن تتمسكوا بدينه بعد خلوه، لأن الغرض من بعثة الرسل تبليغ الرسالة والزام الحجة، لا وجودهم بين أظهر قومهم أبدا. المسألة الثانية: قال أبو علي: الرسول جاء على ضربين: أحدهما: يراد به المرسل، والآخر الرسالة، وههنا المراد به المرسل بدليل قوله: {أية : إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } تفسير : [البقرة: 252] وقوله: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلّغْ } تفسير : [المائدة: 67] وفعول قد يراد به المفعول، كالركوب والحلوب لما يركب ويحلب والرسول بمعنى الرسالة كقوله:شعر : لقد كذب الواشون ما فهت عندهم بسر ولا أرسلتهم برسول تفسير : أي برسالة، قال: ومن هذا قوله تعالى: {أية : إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ } تفسير : [طه: 47] ونذكره في موضعه ان شاء الله تعالى ثم قال: {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} وفيه مسائل: المسألة الأولى: حرف الاستفهام دخل على الشرط وهو في الحقيقة داخل على الجزاء، والمعنى أتنقلبون على أعقابكم ان مات محمد أو قتل، ونظيره قوله: هل زيد قائم، فأنت إنما تستخبر عن قيامه، إلا أنك أدخلت هل على الاسم والله أعلم. المسألة الثانية: أنه تعالى بين في آيات كثيرة انه عليه السلام لا يقتل قال: {أية : إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ } تفسير : [الزمر: 30] وقال: {أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [المائدة: 67] وقال: {أية : لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدّينِ كُلّهِ } تفسير : [الصف: 9] فليس لقائل أن يقول: لما علم أنه لا يقتل فلم قال {أو قتل}؟ فان الجواب عنه من وجوه: الأول: أن صدق القضية الشرطية لا يقتضي صدق جزأيها، فانك تقول: ان كانت الخمسة زوجا كانت منقسمة بمتساويين، فالشرطية صادقة وجزآها كاذبان، وقال تعالى: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : [الأنبياء: 22] فهذا حق مع أنه ليس فيهما آلهة، وليس فيهما فساد، فكذا ههنا. والثاني: ان هذا ورد على سبيل الالزام، فإن موسى عليه السلام مات ولم ترجع أمته عن ذلك، والنصارى زعموا أن عيسى عليه السلام قتل وهم لا يرجعون عن دينه، فكذا ههنا، والثالث: ان الموت لا يوجب رجوع الأمة عن دينه، فكذا القتل وجب أن لا يوجب الرجوع عن دينه، لانه فارق بين الأمرين، فلما رجع الى هذا المعنى كان المقصود منه الرد على أولئك الذين شكوا في صحة الدين وهموا بالارتداد. المسألة الثالثة: قوله: {ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ } أي صرتم كفارا بعد إيمانكم، يقال لكل من عاد الى ما كان عليه رجع وراءه وانقلب على عقبه ونكص على عقبيه، وذلك أن المنافقين قالوا لضعفة المسلمين: ان كان محمد قتل فالحقوا بدينكم، فقال بعض الأنصار: ان كان محمد قتل فإن رب محمد لم يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد. وحاصل الكلام أنه تعالى بين أن قلته لا يوجب ضعفا في دينه بدليلين: الأول: بالقياس على موت سائر الأنبياء وقتلهم، والثاني: أن الحاجة الى الرسول لتبليغ الدين وبعد ذلك فلا حاجة اليه، فلم يلزم من قتله فساد الدين، والله أعلم. المسألة الرابعة: ليس لقائل أن يقول: إن قوله: {أفإن مات أو قتل } شك وهو على الله تعالى لا يجوز، فإنا نقول: المراد أنه سواء وقع هذا أو ذاك فلا تأثير له في ضعف الدين ووجوب الارتداد. ثم قال تعالى: {وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً } والغرض منه تأكيد الوعيد، لأن كل عاقل يعلم أن الله تعالى لا يضره كفر الكافرين، بل المراد أنه لا يضر الا نفسه، وهذا كما إذا قال الرجل لولده عند العتاب: ان هذا الذي تأتي به من الأفعال لا يضر السماء والأرض، ويريد به أنه يعود ضرره عليه فكذا ههنا، ثم أتبع الوعيد بالوعد فقال: {وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ } فالمراد أنه لما وقعت الشبهة في قلوب بعضهم بسبب تلك الهزيمة ولم تقع الشبهة في قلوب العلماء الأقوياء من المؤمنين، فهم شكروا الله على ثباتهم على الايمان وشدة تمسكهم به، فلا جرم مدحهم الله تعالى بقوله: {وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ } وروى محمد أبن جرير الطبري عن علي رضي الله عنه أنه قال: المراد بقوله: {وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ } أبو بكر وأصحابه، وروي عنه أنه قال أبو بكر من الشاكرين وهو من أحباء الله، والله أعلم بالصواب.
القرطبي
تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى: روي أنها نزلت بسبب انهزام المسلمين يوم أحُد حين صاح الشيطان: قد قتل محمد. قال عطية العوفِي: فقال بعض الناس: قد أصيب محمد فأعطوهم بأيديكم فإنما هم إخوانكم. وقال بعضهم: إن كان محمد قد أُصيب ألا تَمْضُون على ما مضى عليه نبيكم حتى تلحقوا به؛ فأنزل الله تعالى في ذلك {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ} إلى قوله: {فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا}. وما نافية، وما بعدها ابتداء وخبر، وبطل عمل «ما». وقرأ ٱبن عباس {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ رُسُلٌ} بغير أَلِفٍ ولامٍ. فأعلم الله تعالى في هذه الآية أن الرسل ليست بباقيةٍ في قومها أبداً، وأنه يجب التمسك بما أتت به الرسل وإن فُقِد الرسول بموتٍ أو قتلٍ. وأكرم نبيه صلى الله عليه وسلم (وصفيّه) بٱسمين مشتقّيْن من اسمه: محمَّد وأحْمَدُ، تقول العرب: رجل مَحْمُودٌ ومُحَمَّد إذا كثُرت خصاله المحمودة، قال الشاعر:شعر : إلـى الماجِـد القَـرْمِ الجَـوَاد المحَمّـدِ تفسير : وقد مضى هذا في الفاتحة. وقال عباس بن مِرداس:شعر : يا خاتِم النُّبَاءِ إنّك مُرْسَلٌ بالخَيْر كلُّ هُدَى السَّبِيلِ هُداكا إن الإله بنَى عليك مَحبَّةً في خَلْقِه ومُحَمّداً سَمّاكا تفسير : فهذه الآية من تَتِمّة العِتاب مع المنهزِمين، أي لم يكن لهم الانهزام وإن قتل محمدٌ، والنبوّة لا تدْرَأ الموت، والأديان لا تزول بموت الأنبياء، والله أعلم. الثانية: هذه الآية أدلّ دليل على شجاعة الصديق وجراءته، فإن الشجاعة والجرأة حدّهما ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبة أعظم من موت النبيّ صلى الله عليه وسلم كما تقدّم بيانه في «البقرة» فظهرت عنده شجاعته وعلمه. قال الناس: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم عمر، وخرس عثمان، واستخفى عليّ، واضطرب الأمر فكشفه الصديق بهذه الآية حين قدومه من مسكنه بالسُّنْح، الحديث؛ كذا في البخاري. وفي سنن ابن ماجه عن عائشة قالت: «لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر عند ٱمرأته ابنة خارجة بالعَوالي، فجعلوا يقولون: لم يمت النبيّ صلى الله عليه وسلم إنما هو بعض ما كان يأخذه عند الوحي. فجاء أبو بكر فكشف عن وجهه وقبَّل بين عينيه وقال: أنت أكرم على الله من أن يميتك! مرتين، قد والله مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر في ناحية المسجد يقول: والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يموت حتى يقطع أيدي أُناس من المنافقين كثيرٍ وأرجلهم. فقام أبو بكر فصعِد المنبر فقال: من كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لم يمت، ومن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ}. قال عمر: «فلكأنِّي لم أقرأها إلا يومئذ». ورجع عن مقالته التي قالها فيما ذكر الوَائِلي أبو نصر عبيد الله في كتابه الإبانة: عن أنس بن مالك أنه سمع عمر بن الخطاب حين بويع أبو بكر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم واستوى على مِنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تشهد قبل أبي بكر فقال: أمّا بعد فإني قلت لكم أمس مقالة وأَنها لم تكن كما قلتُ، وإِني والله ما وجدت المقالة التي قلت لكم في كتاب أنزله الله ولا في عهد عهِده إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكني كنت أرجو أن يعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يَدْبُرَنا ـ يريد أن يقول حتى يكون آخرنا موتا ـ فاختار الله عز وجل لرسوله الذي عنده على الذي عندكم، وهذا الكتاب الذي هدى الله به رسوله فخذوا به تهتدوا لما هدى له رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الوَائلي أبو نصر: المقالة التي قالها ثم رجع عنها هي «أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يمت ولن يموت حتى يقطع أيدي رجال وأرجلهم» وكان قال ذلك لعظيم ما ورد عليه، وخشِي الفتنة وظهور المنافقين، فلما شاهد قوّة يقينِ الصدّيقِ الأكبرِ أبي بكر، وتفوّهه بقول الله عز وجل: {أية : كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ}تفسير : [آل عمران: 85] وقوله: {أية : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} تفسير : [الزمر: 30] وما قاله ذلك اليوم ـ تَنَبّهَ وتثبّتَ وقال: كأني لم أسمع بالآية إلا من أبي بكر. وخرج الناس يتلونها في سِكك المدينة، كأنها لم تنزل قط إلا ذلك اليوم. ومات صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين بلا اختلاف، في وقت دخوله المدينة في هجرته حين اشتدّ الضحاء، ودفن يوم الثلاثاء، وقيل ليلة الأربعاء. وقالت صفية بنت عبد المطلب ترثي رسول الله صلى الله عليه وسلم:شعر : ألا يا رسول الله كنت رجاءنا وكنت بِنا بَرّاً ولم تك جافِياً وكنت رحيماً هادياً ومُعلِّما ليَبْكِ عليك اليومَ من كان باكِيا لعمرك ما أبكِي النبيَّ لِفقده ولكن لما أخشى من الهَرْجِ آتيا كأنّ على قلبي لِذِكرِ محمدٍ وما خِفت من بعد النبي المكاوِيا أفاطم صلى اللَّه رب محمدٍ على جَدَثٍ أمسى بيَثْرب ثَاوِيا فِدًى لرسول اللَّه أُمِّي وخالتي وعمى وآبائي ونفسي وما لِيا صدَقْتَ وبلّغتَ الرسالة صادقا ومتّ صَلِيبَ العودِ أبْلَجَ صافِيا فلو أن رب الناس أبقى نبينا سعِدنا، ولكن أمره كان ماضِيا عليك من اللَّه السلام تحيةً وأُدْخِلت جناتٍ من العَدْن راضِيا أرى حسنا أيتَمته وتركتَه يُبَكِّي ويدعو جده اليوم ناعِيا تفسير : فإن قيل وهي: الثالثة: فلِم أُخِر دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال لأهل بيت أخَّروا دفن ميتهم:«حديث : عجلوا دفن جيفتكم ولا تؤخروها»تفسير : . فالجواب من ثلاثة أوجه: الأوّل ـ ما ذكرناه من عدم ٱتفاقهم على موته. الثاني ـ لأنهم لا يعلمون حيث يدفنونه. قال قوم في البَقِيع، وقال آخرون في المسجد، وقال قوم: يحبس حتى يحمل إلى أبيه إبراهيم. حتى قال العالم الأكبر: سمعته يقول: «ما دفن نبيّ إلا حيث يموت» ذكره ابن ماجه والموطأ وغيرهما. الثالث ـ أنهم ٱشتغلوا بالخلاف الذي وقع بين المهاجرين والأنصار في البيعة، فنظروا فيها حتى استتب الأمر وانتظم الشمل واستوثقت الحال، واستقرّت الخلافة في نصابها فبايعوا أبا بكر، ثم بايعوه من الغد بيعة أُخرى عن ملأ منهم ورِضا؛ فكشف الله به الكُرْبة من أهل الردّة، وقام به الدّين، والحمد لله رب العالمين. ثم رجعوا بعد ذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فنظروا في دفنه وغسّلوه وكفّنوه، والله أعلم. الرابعة: واخْتُلِف هل صُلّي عليه أم لا، فمنهم من قال: لم يصلِّ عليه أحدٌ، وإنما وقف كل واحد يدعو، لأنه كان أشرف من أن يُصَلَّى عليه. وقال ابن العربيّ: وهذا كلام ضعيف؛ لأن السنة تقام بالصلاة عليه في الجنازة، كما تقام بالصلاة عليه في الدعاء، فيقول: اللّهم صلّى على محمد إلى يوم القيامة، وذلك منفعة لنا. وقيل: لم يصلَّ عليه؛ لأنه لم يكن هناك إمام. وهذا ضعيف؛ لأن الذي كان يقيم بهم الصلاة الفريضة هو الذي كان يَؤُمّ بهم في الصلاة. وقيل: صلّى عليه الناس أفذاذا؛ لأنه كان آخر العهد به، فأرادوا أن يأخذ كل أحدٍ بركته مخصوصاً دون أن يكون فيها تابعاً لغيره. والله أعلم بصحة ذلك. قلت: قد خرّج ٱبن ماجه بإسناد حسن بل صحيح من حديث ابن عباس وفيه: فلما فرغوا من جَهازه يوم الثلاثاء وُضع على سريره في بيته، ثم دخل الناسُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالا يُصلّون عليه، حتى إذا فرغوا أدخلوا النساء، حتى إذا فرغن أدخلوا الصبيان، ولم يَؤُمَّ الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدٌ. خرّجه عن نصر ابن علي الجَهْضَمِيّ أنبأنا وهب بن جرير حدّثنا أبي عن محمد بن إسحاق. قال حدّثني حسين ابن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس، الحديثَ بطوله. الخامسة: في تغيير الحال بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، عن أنس قال: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كلّ شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كلّ شيء، وما نَفَضْنا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا. أخرجه ابن ماجه، وقال: حدّثنا محمد بن بشّار أخبرنا عبد الرحمن بن مهديّ حدّثنا سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: كنا نتّقِي الكلام والانبساط إلى نسائنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مخافةَ أن ينزل فينا القرآن، فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم تَكلّمنا. وأسند عن أُم سلمَة بنت أبي أُمية زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم (أنها قالت): كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام المُصَلِّي (يصلي) لم يَعْدُ بصرُ أحدهم موضع قدميْه، فلما تُوفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر، فكان الناس إذا قام أحدهُم يصلي لم يَعْدُ بصر أحدهم موضع جبينه، فتوفى أبو بكر وكان عمر، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعْدُ بصر أحدهم موضع القبلة، فكان عثمان بن عفان فكانت الفتنة فتلفت الناس في الصلاة يميناً وشمالاً. قوله تعالى: {أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} «أفإين مات» شرط، «أو قتل» عطف عليه، والجواب {ٱنْقَلَبْتُمْ}. ودخل حرف الاستفهام على حرف الجزاء لأن الشرط قد انعقد به وصار جملة واحدة وخبراً واحداً. والمعنى: أفتنقلبون على أعقابكم إن مات أو قُتِل؟ وكذلك كل استفهام دخل على حرف الجزاء؛ فإنه في غير موضعه، وموضعه أن يكون قبل جواب الشرط. وقوله {ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} تمثيل، ومعناه ارتددتم كفاراً بعد إيمانكم، قاله قتادة وغيره. ويقال لمن عاد إلى ما كان عليه: انقلبت على عقبيْه. ومنه {أية : نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} تفسير : [الأنفال: 48] وقيل: المراد بالانقلاب هنا الانهزام، فهو حقيقة لا مجاز. وقيل: المعنى فعلتم فعل المرتدّين وإن لم تكن رِدّةٌ. قوله تعالى: {وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً} بل يضر نفسه ويعرّضها للعقاب بسبب المخالفة، والله تعالى لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية لغناه. {وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ}، أي الذين صبروا وجاهدوا واستشهدوا. وجاء {وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِين} بعد قوله: {فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً} فهو اتصال وعدٍ بوعيد.
ابن كثير
تفسير : لما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد، وقتل من قتل منهم، نادى الشيطان: ألا إن محمداً قد قتل، ورجع ابن قميئة إلى المشركين، فقال لهم: قتلت محمداً، وإنما كان قد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فشجه في رأسه، فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس، واعتقدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، وجَوَّزوا عليه ذلك، كما قد قص الله عن كثير من الأنبياء عليهم السلام، فحصل ضعف ووهن وتأخر عن القتال، ففي ذلك أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ} أي: له أسوة بهم في الرسالة، وفي جواز القتل عليه، قال ابن أبي نجيح عن أبيه: أن رجلاً من المهاجرين مر على رجل من الأنصار، وهو يتشحط في دمه، فقال له: يا فلان أشعرت أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد قتل، فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم، فنزل: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ} رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة. ثم قال تعالى منكراً على من حصل له ضعف: {أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ} أي: رجعتم القهقرى {وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ} أي: الذين قاموا بطاعته، وقاتلوا عن دينه، واتبعوا رسوله حياً وميتاً. وكذلك ثبت في الصحاح والمساند والسنن وغيرها من كتب الإسلام من طرق متعددة تفيد القطع، وقد ذكرت ذلك في مسندي الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أن الصديق رضي الله عنه، تلا هذه الآية لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة: أن عائشة رضي الله عنها، أخبرته أن أبا بكر رضي الله عنه، أقبل على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مغشى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه وقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي، والله لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد مِتَّها، وقال الزهري: حدثني أبو سلمة عن ابن عباس أن أبا بكر خرج، وعمر يكلِّم الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد، من كان يعبد محمداً، فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت. قال الله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ} إلى قوله {وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ} قال: فو الله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها عليهم أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما سمعها بشر من الناس إلا تلاها، وأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فَعَقِرتُ حتى ما تقلني رجلاي، وحتى هويت إلى الأرض. وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد، حدثنا أسباط بن نصر عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن علياً كان يقول في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم {أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ} والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله لئن مات أو قتل، لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت، والله إني لأخوه ووليه وابن عمه ووارثه، فمن أحق به مني؟ وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَـٰباً مُّؤَجَّلاً} أي: لا يموت أحد إلا بقدر الله، وحتى يستوفي المدة التي ضربها الله له، ولهذا قال: {كِتَـٰباً مُّؤَجَّلاً} كقوله: {أية : وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ}تفسير : [فاطر: 11] وكقوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ} تفسير : [الأنعام: 2] وهذه الآية فيها تشجيع للجبناء وترغيب لهم في القتال، فإن الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر، ولا يزيد فيه، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا العباس بن يزيد العبدي قال: سمعت أبا معاوية عن الأعمش عن حبيب بن صُهبان، قال: قال رجل من المسلمين، وهو حُجْر بن عدي: ما يمنعكم أن تعبروا إلى هؤلاء العدو هذه النطفة ـ يعني دجلة ـ {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَـٰباً مُّؤَجَّلاً}؟ ثم أقحم فرسه دجلة، فلما أقحم، أقحم الناس، فلما رآهم العدو، قالوا: ديوان، فهربوا. وقوله: {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا} أي: من كان عمله للدنيا فقط، نال منها ما قدره الله له، ولم يكن له في الآخرة نصيب، ومن قصد بعمله الدار الآخرة، أعطاه الله منها مع ما قسم له في الدنيا، كما قال تعالى: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِى ٱلاَْخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ }تفسير : [الشورى: 20] وقال تعالى: {أية : مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَـٰجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَـٰهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَـٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا }تفسير : [الإسراء: 18 ـ 19] ولهذا قال ههنا: {وَسَنَجْزِى ٱلشَّـٰكِرِينَ} أي: سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا في الدنيا والآخرة بحسب شكرهم وعملهم، ثم قال تعالى مسلياً للمؤمنين عما كان وقع في نفوسهم يوم أحد: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} قيل: معناه كم من نبي قتل، وقتل معه ربيون من أصحابه كثير. وهذا القول هو اختيار ابن جرير؛ فإنه قال: وأما الذين قرؤوا: {قُتِل معهُ رِبيُونَ كثيرٌ} فإنهم قالوا: إنما عنى بالقتل النبي وبعض من معه من الربيين دون جميعهم، وإنما نفى الوهن والضعف عمن بقي من الربيين ممن لم يقتل، قال: ومن قرأ: قاتل؛ فإنه اختار ذلك، لأنه قال: لو قتلوا لم يكن لقول الله: فَمَا وَهَنُواْ} وجه معروف؛ لأنه يستحيل أن يوصفوا بأنهم لم يهنوا ولم يضعفوا بعد ما قتلوا، ثم اختار قراءة من قرأ {قتل معه ربيون كثير} لأن الله عاتب بهذه الآيات والتي قبلها من انهزم يوم أحد، وتركوا القتال لما سمعوا الصائح يصيح بأن محمداً قد قتل، فعذلهم الله على فرارهم وتركهم القتال، فقال لهم: {أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ} أيها المؤمنون ارتددتم عن دينكم و{ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ} وقيل: وكم من نبي قتل بين يديه من أصحابه ربيون كثير، وكلام ابن إسحاق في السيرة يقتضي قولاً آخر، فإنه قال: وكأين من نبي أصابه القتل، ومعه ربيون، أي: جماعات، فما وهنوا بعد نبيهم، وما ضعفوا عن عدوهم، وما استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن الله وعن دينهم، وذلك الصبر {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ} فجعل قوله: {مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} حالاً، وقد نصر هذا القول السهيلي، وبالغ فيه، وله اتجاه؛ لقوله: {فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ} الآية، وكذا حكاه الأموي في مغازيه عن كتاب محمد بن إبراهيم، ولم يحك غيره، وقرأ بعضهم: {قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} قال سفيان الثوري، عن عاصم، عن زرّ عن ابن مسعود: {رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} أي: ألوف، وقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والحسن وقتادة والسدي والربيع وعطاء الخراساني: الربيون: الجموع الكثيرة. وقال عبد الرزاق عن معمر عن الحسن: {رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} أي: علماء كثير، وعنه أيضاً: علماء صبر أبرار أتقياء. وحكى ابن جرير عن بعض نحاة البصرة أن الربيين هم الذين يعبدون الرب عز وجل، قال: ورد بعضهم عليه فقال: لو كان كذلك لقيل: الربيون، بفتح الراء، وقال ابن زيد: الربيون: الأتباع والرعية، والربانيون: الولاة. {فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ} قال قتادة والربيع بن أنس: {وَمَا ضَعُفُواْ} بقتل نبيهم {وَمَا ٱسْتَكَانُواْ} يقول: فما ارتدوا عن نصرتهم ولا عن دينهم أن قاتلوا على ما قاتل عليه نبي الله حتى لحقوا بالله، وقال ابن عباس: {وَمَا ٱسْتَكَانُواْ}: تخشعوا، وقال السدي وابن زيد: وما ذلوا لعدوهم، وقال محمد بن إسحاق والسدي وقتادة: أي: ما أصابهم ذلك حين قتل نبيهم { وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىۤ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي لم يكن لهم هِجّيرى إلا ذلك {فَـآتَـٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا} أي النصر والظفر والعاقبة {وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ} أي: جمع لهم ذلك مع هذا {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل في هزيمتهم لما أشيع أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل وقال لهم المنافقون إن كان قتل فارجعوا إلى دينكم:{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ } كغيره {ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَٰبِكُمْ } رجعتم إلى الكفر، والجملة الأخيرة محل الاستفهام الإنكاري، أي ما كان معبودا فترجعوا {وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً } وإنما يضر نفسه {وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ } نعمه بالثبات.
الماوردي
تفسير : {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرَّسُلُ}. سبب نزولها أنه لما أشيع يوم أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل، قال أناس: لو كان نبياً ما قتل، وقال آخرون: نقاتل على ما قاتل عليه حتى نلحق به. {أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} يعني رجعتم كفاراً بعد إيمانكم. {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْدُّنيا نُؤْتِهِ مِنهَا} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: من أراد بجهاده ثواب الدنيا أي ما يصيبه من الغنيمة، وهذا قول بعض البصريين. والثاني: من عمل للدنيا لم نحرمه ما قسمنا له فيها من غير حظ في الآخرة، وهذا قول ابن إسحاق. والثالث: من أراد ثواب الدنيا بالنهوض لها بعمل النوافل مع مواقعة الكبائر جوزي عليها في الدنيا دون الآخرة. {وَكَأّيِّن مِن نَّبِيٍ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} قرأ بذلك ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وقرأ الباقون {قَاتَلَ}، وفي {رِبِّيُّونَ} أربعة أقاويل: أحدها: أنهم الذين يعبدون الرب وأحدهم رِبّيُّ، وهو قول بعض نحْويي البصرة. الثاني: انهم الجماعات الكثيرة، وهو قول ابن مسعود وعكرمة ومجاهد. والثالث: انهم العلماء الكثيرون، وهو قول ابن عباس، والحسن. والرابع: أن (الربيون) الأتباع. والربانيون: الولاة، والربيون الرعية، وهو قول أبي زيد، قال الحسن: ما قُتِلَ نبي قط إِلاَّ في معركة. {فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُواْ} الوهن: الانكسار بالخوف. الضعف نقصان القوة، الاستكانة الخضوع، ومعناه فلم يهنوا بالخوف، ولا ضعفوا بنقصان القوة ولا استكانوا بالخضوع. وقال ابن إسحاق: فما وهنوا بقتل نبيهم ولا ضعفوا عن عدوهم ولا استكانواْ لما أصابهم. {فَآتَاهُم اللهُ ثَوَابَ الدُّنيَا وَحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ} في ثواب الدنيا قولان: أحدهما: النصر على عدوهم، وهو قول قتادة، والربيع. والثاني: الغنيمة، وهو قول ابن جريج {وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ} الجنة، في قول الجميع.
ابن عطية
تفسير : {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ كِتَاباً مُّؤَجَّلاً} هذا استمرار في عتبهم، وإقامة لحجة الله عليهم، المعنى: أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول كسائر الرسل، قد بلغ كما بلغوا، ولزمكم أيها المؤمنون العمل بمضمن الرسالة وليست حياة الرسول وبقاؤه بين أظهركم شرطاً في ذلك، لأن الرسول يموت كما مات الرسل قبله، و {خلت} معناه مضت وسفلت، وصارت إلى الخلاء من الأرض. وقرأ جمهور الناس "الرسل" بالتعريف، وفي مصحف ابن مسعود "رسل" دون تعريف، وهي قراءة حطان بن عبد الله، فوجه الأولى تفخيم ذكر الرسل، والتنويه، بهم على مقتضى حالهم من الله تعالى، ووجه الثانية، أنه موضع تيسير لأمر النبي عليه السلام في معنى الحياة، ومكان تسوية بينه وبين البشر في ذلك، فجي تنكير "الرسل" جارياً في مضمار هذا الاقتصاد به صلى الله عليه وسلم، وهكذا يفعل في مواضع الاقتصاد بالشي، فمنه قوله تعالى: {أية : وقليل من عبادي الشكور} تفسير : [سبأ: 13] وقوله تعالى: {أية : وما آمن معه إلا قليل} تفسير : [هود: 40] إلى غير ذلك من الأمثلة، ذكر ذلك أبو الفتح، والقراءة بتعريف "الرسل" أوجه في الكلام، وقوله تعالى: {أفإن مات} الآية، دخلت ألف الاستفهام على جملة الكلام على الحد الذي يخبر به ملتزمه، لأن أقبح الأحوال أن يقولوا: إن مات محمد أو قتل انقلبنا، فلما كان فعلهم ينحو هذا المنحى وقفوا على الحد الذي به يقع الإخبار، وقال كثير من المفسرين: ألف الاستفهام دخلت في غير موضعها، لأن الغرض إنما هو: أتنقلبون على أعقابكم إن مات محمد؟ فالسؤال إنما هو عن جواب الشرط. قال الفقيه القاضي أبو محمد: وبذلك النظرالذي قدمته يبين وجه فصاحة دخول الألف على الشرط، وذلك شبيه بدخول ألف التقريب في قوله: {أية : أو لو كان آباؤهم} تفسير : [البقرة: 170، المائدة: 104] ونحوه من الكلام، كأنك أدخلت التقرير على ما ألزمت المخاطب أنه يقوله، والانقلاب على العقب يقتضي التولي عن المنقلب عنه، ثم توعد تعالى المنقلب على عقبه بقوله تعالى: {فلن يضر الله شيئاً} لأن المعنى فأنما يضر نفسه وإياها يوبق، ثم وعد الشاكرين وهم الذين صدقوا وصبروا ولم ينقلب منهم أحد على عقبيه بل مضى على دينه قدماً حتى مات، فمنهم سعد بن الربيع وتقضي بذلك وصيته إلى الأنصار، ومنهم أنس بن النضر، ومنهم الأنصاري الذي ذكر الطبري عنه بسند أنه مر عليه رجل من المهاجرين، والأنصاريّ يتشحط في دمه، فقال: يا فلان أشعرت أن محمداً قد قتل: فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فإنه قد بلغ، فقاتلوا عن دينكم. قال الفقيه أبو محمد: فهؤلاء أصحاب النازلة يومئذ صدق فعلهم قولهم: ثم يدخل في الآية الشاكرون إلى يوم القيامة: قال ابن إسحاق معنى {وسيجزي الله الشاكرين} أي من أطاعه وعمل بأمره، وذكر الطبري بسند عن علي بن أبي طالب وذكر غيره: أنه قال في تفسير هذه الآية: "الشاكرون":الثابتون على دينهم، أبو بكر وأصحابه وكان يقول: أبو بكر أمير الشاكرين، وهذه عبارة من علي بن أبي طالب رضي الله عنه إنما هي إلى صدع أبي بكر رضي الله عنه بهذه الآية في يوم موت النبي عليه السلام وثبوته في ذلك الموطن، وثبوته في أمر الردة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قبض وشاع موته، هاج المنافقون وتكلموا، وهموا بالاجتماع والمكاشفة، أوقع الله تعالى في نفس عمر رضي الله عنه أن النبي لم يقبض فقام بخطبته المشهورة المخوفة للمنافقين برجوع النبي عليه السلام، ففت ذلك في أعضاد المنافقين وتفرقت كلمتهم ثم جاء أبو بكر بعد أن نظر إلى النبي عليه السلام فسمع كلام عمر فقال له: اسكت، فاستمر عمر في كلامه فتشهد أبو بكر فأصغى الناس إليه، فقال: أما بعد فإنه من كان يعبد الله تعالى، فإن الله حي لا يموت ومن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل}، وتلا الآية كلها، فبكى الناس ولم يبق أحد إلا قرأ الآية كأن الناس ما سمعوها قبل ذلك اليوم، قالت عائشة رضي الله عنها في البخاري: فنفع الله بخطبة عمر، ثم بخطبة أبي بكر. قال الفقيه الإمام أبو محمد: فهذا من المواطن التي ظهر فيها شكر أبي بكر وشكر الناس بسببه. ثم أخبر تعالى عن النفوس أنها إنما تموت بأجل مكتوب محتوم واحد عند الله تعالى، أي فالجبن لا يزيد فيه، والشجاعة والإقدام لا تنقص منه، وفي هذه الآية تقوية النفوس للجهاد، قال ابن فورك: وفيها تسلية في موت النبي عليه السلام، العبارة بقوله: {وما كان} قد تجيء فيما هو ممكن قريب نحو قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله، وقد تقع في الممتنع عقلاً نحو قوله {أية : ما كان لكم أن تنبتوا شجرها} تفسير : [النمل: 60] فهي عبارة لا صيغة لها ولا تتضمن نهياً كما يقول بعض المفسرين، وإنما يفهم قدر معناها من قرائن الكلام الذي تجيء العبارة فيه، و"نفس" في هذه الآية: اسم الجنس، و"الإذن" التمكين من الشيء مع العلم بالشيء المأذون فيه، فإن انضاف إلى ذلك قول فهو الأمر، وقوله: {كتاباً} نصب على التمييز و {مؤجلا} صفة. وهذه الآية ردّ على المعتزلة في قولهم بالأجلين، وأما الانفصال عن تعلقهم بقوله تعالى: {أية : ويؤخركم إلى أجل مسمى} تفسير : [نوح: 4] ونحو هذا من الآيات، فسيجيء في مواضعه إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الأَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِى الشَّاكِرِينَ * وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} قوله تعالى: {نؤته منها} مشروط بالمشيئة، أي نؤت من شئنا منها ما قدر له، بيّن ذلك قوله تعالى: {أية : من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد} تفسير : [الإسراء: 18]، وقرينة الكلام تقتضي أنه لا يؤتى شيئاً من الآخرة لأن من كانت نيته من عمله مقصورة على طلب الدنيا، فلا نصيب له في الآخرة، والأعمال بالنيات، وقرينة الكلام في قوله: {ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها} لا تمنع أن يؤتى نصيباً من الدنيا، وقرأ جمهور الناس "نؤته ونؤته وسنجزي". كلها بنون العظمة، وقرأ الأعمش بالياء في الثلاثة، وذلك على على حذف الفاعل لدلالة الكلام عليه، قال ابن فورك: في قول الله تعالى: {وسنجزي الشاكرين} إشارة إلى أنه ينعمهم بنعيم الدنيا لا أنهم يقصرون على الآخرة. ثم ضرب تعالى المثل للمؤمنين بمن سلف من صالحي الأمم الذين لم يثنهم عن دينهم قتل الكفار لأنبيائهم فقال: {وكأين من نبي} الآية، وفي {كأين} أربع لغات: "كأين" على وزن كعين بفتح العين، و" كاين"، على وزن كاعن و"كأين" على وزن كعين بسكون العين وكان على وزن كعن بكسر العين، وأكثر ما استعملت العرب في أشعارها التي على وزن كاعن، فمن ذلك قول الشاعر: [الطويل] شعر : وَكَائِنْ رَدَدْنا عَنْكُمُ مِنْ مُدْجَّجٍ يجيءُ أمامَ القومِ يَرْدِي مُقَنَّعَا تفسير : وقال جرير: [الطويل] شعر : وَكَائِنْ بِالأَبَاطِحِ مِنْ صَدِيقٍ يَرَاني لَوْ أُصِبْتُ هُوَ المُصَابَا تفسير : وقال آخر: [زهير]: [الطويل]: شعر : وَكَائِنْ تَرَى مِنْ صَامِتٍ لَكَ مُعْجِب زِيَادَتُهُ أَوْ نَقْصُهُ في التَّكَلُّمِ تفسير : وقد جاء في اللغة التي ذكرتها أولاً قول الشاعر: [الوافر] شعر : كَأَيِّنْ في المَعَاشِرِ مِنْ أُنَاسٍ أَخْوهُمْ فَوْقَهُمْ وَهُمُ كِرَامُ تفسير : وهذه اللغة هي أصل هذه اللفظة، لأنها كاف التشبيه دخلت على "أي" كما دخلت على "ذا" في قولك لفلان كذا وكذا، وكما دخلت على "أن" في قولك كأن زيداً أسد، لكن بقي لها معنى التشبيه في كأن وزال عنها ذلك في كذا وكذا، وفي {كأين}، وصرفت العرب {كأين} في معنى "كم" التي هي للتكثير، وكثر استعمالهم للفظة حتى لعب فيها لسان العرب على اللغات الأربع التي ذكرت، وهذا كما لعب في قولهم: لعمري حتى قالوا: وعملي، وكما قالوا: أطيب وأيطب، وكما قالوا: طبيخ في بطيخ، فعوملت الكاف "وأي" معاملة ما هو شيء واحد، فأما اعتلال لغة من قال: "كأين" على وزن فاعل، فإنهم أخذوا الأصل الذين هو "كاين" فقلبوا الياء قبل الهمزة ونقلت حركة كل واحد منهما إلى أختها، فجاء "كيا" على وزن كيع، فحذفوا الياء الثانية المفتوحة تخفيفاً، كما حذفوا الياء من ميت وهين ولين فقالوا: ميت وهين ولين، وكما حذفوا الياء الثانية من "أي" تخفيفاً ومنه قول الفرزدق بن غالب التميمي: شعر : تنظرت نصراً والسماكين أيهما عليَّ من الغيث استهلت مواطره؟ تفسير : فجاء "كيا" على وزن كيع، فأبدلت هذه الياء الساكنة ألفاً مراعاة للفتحة التي قبلها، كما قالوا: في يوجل يأجل، وكما أبدلوا الياء ألفاً في "طاى" وكما أبدلت في آية عند سيبويه، إذا أصلها عنده أية على وزن فعلة بسكون العين، فجاء "كاء" ثم كتب هذا التنوين نوناً في المصحف، فأما قياس اللغة فحذفه في الوقف، فكما يقولون: مررت بزيد فكذلك يقولون كأي، ووقف عليه أبو عمرو بياء دون نون، وكذلك روى سورة بن المبارك عن الكسائي، ووقف سائر القراء بإثبات النون مراعاة لخط المصحف، قال أبو علي: ولو قيل إنه لما تصرف في الكلمة بالقلب صارت بمنزلة النون التي من نفس الكلمة وصارت بمنزلة لام فاعل فأقرت في الوقف، لكان قولاً، ويقوي ذلك أنهم لما حذفوا الكلام من قولهم أما لا، جعلوها بالحذف ككلمة واحدة، فأجازوا الإمالة في ألف "لا" كما تجوز في التي من نفس الكلمة في الأسماء والأفعال، فيوقف على "كأين" بالنون ولا يتوقف على النون إذا لم تقلب، كما لا تميل الألف من "لا" إذا لم يحذف فعلها. قال الفقيه أبو محمد: وبهذه اللغة التي فيها هذا القلب وقرأ ابن كثير وحده، وقرأ سائر السبعة باللغة التي هي الأصل "كأين"، وذهب يونس بن حبيب في "كأين" إلى أنه فاعل من الكون، وقوله مردود، إذ يلزم عنه إعراب الكلمة ولم يعربها أحد من العرب، وأما اللغة التي هي "كأين" على وزن كعين فهي قراءة ابن محيصن والأشهب العقيلي، وتعليل هذه اللغة أنه علل الأصل الذي هو "كأين" بالتعليل المتقدم، فلما جاء "كيا" على وزن كيعن، ترك هؤلاء إبدال الياء الساكنة ألفاً كما تقدم في التعليل الأول، وقلبوا الكلمة فجعلوها "كأين" على وزن كعين، وحسن هذا من وجهين: أحدهما أن التلعب والتصرف في هذه الكلمة مهيع، والثاني أنهم راجعوا الأصل الذي هو تقديم الهمزة على الياء، وأما اللغة التي هي كان على وزن كع فهي قراءة ابن محيصن أيضاً، حكاها عنه أبو عمرو الداني، وقرأها الحسن بن أبي الحسن، إلا أنه سهل الهمزة ياء فقرأ كي في جميع القرآن، وتعليل هذه اللغة أنهم حذفوا الألف من "كاء" المدودة على وزن كاعن بعد ذلك التصرف كله تخفيفاً، وهذا كما قالوا: أم والله، يريدون: أما، وكما قالوا على لسان الضب [المجتث]: شعر : لا أشتهي أنْ أردّا إلاّ عراداً عردّا وصلياناً بردّا وعنكثا ملتبدّا تفسير : أرادوا: عارداً وبادراً، فحذفوا تخفيفاً، وهذا كثير في كلامهم، {وكأين} في هذه الآية في موضع رفع بالابتداء، وهي بمنزلة "كم" وبمعناها تعطي في الأغلب التكثير، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع: "قُتِل"، بضم القاف وكسر التاء مخففة، وقرأ الباقون "قاتل معه" بألف بين القاف والتاء، وقرأ قتادة "قُتل" بضم القاف وكسر التاء مشددة على التكثير، وقوله تعالى: {قتل} قال فيه جماعة من المفسرين منهم الطبري: إنه مستند إلى ضمير {نبي}، والمعنى عندهم أن النبي قتل، قال ابن عباس في قوله: {أية : وما كان لنبي أن يغل} تفسير : [آل عمران: 161] النبي يقتل، فكيف لا يخان، وإذا كان هذا فــ {ربيون} مرتفع بالظرف بلا خلاف، وقوله: {معه ربيون} على هذا التأويل يجوز أن يكون صفة لـــ {نبي}، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير الذي أسند إليه {قتل} فإن جعلته صفة أضمرت للمبتدأ الذي هو {كأين} خبراً تقديره في آخر الكلام: مضى أو ذهب أو فقد: {فما وهنوا} وإن جعلت {معه ربيون} حالاً من الضمير فخبر المبتدأ في قوله: {قتل} وإذا جعلته صفة فالضمير في {معه} عائد على {النبي}، وإذا جعلته حالاً فالضمير في {معه} عائد على الضمير ذي الحال، وعلى كلا الوجهين من الصفة أو الحال فــ"معه ربيون" متعلق في الأصل بمحذوف، وليس متعلقاً بـــ {قتل} وقال الحسن بن أبي الحسن وجماعة معه: إن {قتل} إنما هو مستند إلى قوله: {ربيون} وهم المقتولون قال الحسن وسعيد بن جبير: لم يقتل نبي في حرب قط. قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا القول يتعلق قوله: {معه} بــ {قتل} - وهذه الجملة- {قتل معه ربيون}، هي الابتداء ويتصور في قراءة من قرأ "قاتل" جميع ما ذكرته من التقديرات في قراءة "قتل" وأما قراءة قتادة "قتل" فقال أبو الفتح: لا يحسن أن يسند الفعل إلا الربيين، لما فيه من معنى التكثير الذي لا يجوز أن يستعمل في قتل شخص واحد، فإن قيل: يستند إلى نبي مراعاة لمعنى "كم" فالجواب أن اللفظ قد مشى على جهة الإفراد في قوله {من نبي} ودل الضمير المفرد في {معه} على أن المراد إنما هو التمثيل بواحد واحد، فخرج الكلام على معنى "كم" قال أبو الفتح: وهذه القراءة تقوي قول من قال من السبعة: إن "قتل" - بتخفيف التاء أو "قاتل" إنما يستند إلى الربيين، ورجح الطبري استناد "قتل" إلى "النبي" بدلالة نازلة محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك أن المؤمنين إنما تخاذلوا لما قيل قتل محمد - فضرب بالمثل بنبي قتل. قال القاضي أبو محمد: وإذا لم يسند الفعل إلى "نبي" فإنما يجي معنى الآية: تثبيت المؤمنين بعد من قتل منهم فقط، وترجيح الطبري حسن، ويؤيد ذلك ما تقدم من قوله تعالى: {أية : أفإن مات أو قتل} تفسير : [آل عمران: 144] وحجة من قرأ "قاتل" أنها أعم في المدح لأنه يدخلها فيها من قتل ومن بقي. قال الفقيه أبو محمد: ويحسن عندي على هذه القراءة إسناد الفعل إلى الربيين، وعلى قراءة "قتل" إسناده إلى نبي، وأجمع السبعة وجماعة من الناس على كسر الراء من "رِبيون" وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن مسعود وابن عباس وعكرمة والحسن وأبو رجاء وعمرو بن عبيد وعطاء بن السائب: "رُبيون" بضم الراء، وروى قتادة عن ابن عباس "رَبيون" بفتح الراء، قال ابن جني: الفتح في الراء لغة تميم وكلها لغات، واختلف الناس في معنى {ربيون} فقال ابن مسعود: الربيون الألوف من الناس والجمع الكثير، وقال ابن عباس: {ربيون} جموع كثير، وقاله الحسن وقتادة وعكرمة ولقول عبد الله بن مسعود وابن عباس: إنهم الألوف، قال بعض المفسرين: هم عشرة آلاف فصاعداً، أخذ ذلك من بناء الجمع الكثير في قولهما: هم الألوف وهذا في الربيين أنهم الجماعات الكثيرة هو من الرِبة بكسر الراء وهي الجماعة الكثيرة، قاله يونس بن حبيب، وقال: إن قوله تعالى: {قتل معه ربيون} منسوبون إليها، قال قطرب: جماعة العلماء على قول يونس، وقال الزجّاج: يقال: إن الربة عشرة آلاف، وروي عن ابن عباس وعن الحسن بن أبي الحسن وغيرهما أنهم قالوا: {ربيون} معناه علماء، وقال الحسن: فقهاء علماء قال أيضاً: علماء صبر، وهذا القول هو على النسبة إلى الرب، إما لأنهم مطيعون له، أو من حيث هم علماء بما شرع، ويقوي هذا القول في قراءة من قرأ "رَبيون" بفتح الراء وأما في ضم الراء وكسرها فيجي على تغيير النسب، كما قالوا في النسبة إلى الحرم: حِرمي بكسر الحاء، وإلى البصرة، بصري بكسر الباء، وفي هذا نظر، وقال ابن زيد: "الربانيون": الولاة، والربيون الرعية الأتباع للولاة. قال الفقيه أبو محمد: كان هذا من حيث هم مربوبون، وقال النقاش: اشتقاق ربي من ربا الشي يربو إذا كثر، فسمي بذلك الكثير العلم. قال الفقيه أبو محمد: وهذا ضعيف، وقال مكي: رِبي بكسر الراء منسوب إلى الرب لكن كسرت راؤه إتباعاً للكسرة والياء اللتين بعد الراء، وروي بضم الراء كذلك لكنهم ضموها كما قيل: دُهري بضم الدال في النسب إلى الدهر، وقرأ جمهور الناس "فما وهَنوا" بفتح الهاء، وقرأ الأعمش والحسن وأبو السمال "وهِنوا" بكسر الهاء، وهما لغتان بمعنى، يقال: وهن بكسر الهاء يوهن ووهن بفتح الهاء يهن، وقرأ عكرمة وأبو السمال أيضاً "وهْنوا" بإسكان الهاء، وهذا الوهن في قوله آنفاً {أية : ولا تهنوا} تفسير : [آل عمران: 139] والضمير في قوله: {فما وهنوا} عائد على جميع الربيين في قول من أسند قتل إلى نبي، ومن أسنده إلى الربيين قال في الضمير إنه يعود على من بقي منهم، إذا المعنى يفهم نفسه، وقوله تعالى: {وما ضعفوا} معناه لم يتكسبوا من العجز والإلقاء باليد ما ينبي عن ضعفهم، وقوله تعالى: {وما استكانوا} ذهبت طائفة من النحاة إلى أنه من السكون فوزنه افتعلوا استكنوا، فمطلت فتحة الكاف فحدث من مطلها ألف، وذهبت طائفة إلى أنه مأخوذ من كان يكون فوزنه على هذا الاشتقاق استفعلوا أصله استكونوا، نقلت حركة الواو إلى الكاف، وقلبت ألفاً، كما فعلوا في قولك: استعانوا واستقاموا، والمعنى: أنهم لم يضعفوا ولا كانوا قريباً من ذلك، كما تقول: ما فعلت كذا ولا كدت، فتحذف لأن الكلام يدل على أن المراد، وما كدت أن أفعل، ومحبة الله تعالى للصابرين ما يظهر عليهم من نصره وتنعيمه.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ} لما شاع يوم أُحد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قُتل قال أناس: لو كان نبياً ما قُتل، وقال آخرون: نقاتل على ما قاتل عليه حتى نلحق به. {انقَلَبْتُمْ} رجعتم كفاراً.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وما محمد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل} قال أهل المغازي خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالشعب من أحد في سبعمائة رجل وجعل عبدالله بن جبير على الرجالة وكانوا خمسين رجلاً وقال: "حديث : أقيموا بأصل الجبل وانضحوا عنا بالنبل حتى لا يأتونا من خلفنا فإن كانت لنا أو علينا لا تبرحوا من مكانكم حتى أرسل إليكم فأنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم" تفسير : وكانت قريش على ميمنتهم خالد بن الوليد وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل ومعهم النساء يضربن بالدفوف وينشدن الأشعار فقاتلوا حتى حميت الحرب وحمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على المشركين فهزموهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذ سيفاً وقال: "حديث : من يأخذ هذا السيف بحقه ويضرب به العدو حتى يثخن" تفسير : فأخذه أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري فلما أخذه اعتم بعمامة حمراء وجعل يتبختر في مشيته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنها لمشية يبغضها الله تعالى ورسوله إلاّ في هذا الموضع" تفسير : فلما نظرت الرماة إلى المشركين وقد انكشفوا ورأوا أصحابهم ينهبون الغنيمة أقبلوا يريدون النهب، فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة واشتغال المسلمين بالغنيمة ورأى ظهورهم خالية صاح في خيله وحمل على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهزموهم ورمى عبدالله بن قميئة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر أنفه ورباعيته وشجه في وجهه فأثقله وتفرق عنه أصحابه ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرة ليعلوها فلم يستطع وكان قد ظاهر بين درعين فجلس تحته طلحة فنهض حتى استوى على الصخرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أوجب طلحة" تفسير : ووقعت هند والنسوة معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجدعن الآذان والأنوف حتى اتخذت من ذلك قلائد وأعطتها وحشياً وبقرت عن كبد حمزة رضي الله تعالى عنه وكان قد قتل يومئذٍ فأخذت منها قطعة فلاكتها فلم تسغها فلفظتها وأقبل عبدالله بن قميئة يريد قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فذب عنه مصعب بن عمير رضي الله عنه وهو يومئذٍ صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتله ابن قميئة وهو يرى أنه قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع وقال: إني قد قتلت محمداً وصاح صارخاً ألا إن محمداً قد قتل ويقال إن الصارخ إبليس اللعين فانكفأ الناس وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إليَّ عباد الله إليَّ عباد الله" تفسير : فاجتمع إليه ثلاثون رجلاً فحموه حتى كشفوا عنه المشركين ورمى سعد بن أبي وقاص حتى اندقت سية قوسه ونثل له رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته وقال: "حديث : ارم فداك أبي وأمي" تفسير : وكان أبو طلحة رجلاً رامياً شديد النزع كسر يومئذٍ قوسين أو ثلاثة وكان الرجل يمر معه جعبة النبل فيقول: "انثرها لأبي طلحة" وكان إذا رمى تشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر موضع نبله وأصيبت يد طلحة بن عبيدالله فيبست حين وقى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصيبت عين قتادة بن النعمان يومئذٍ حتى وقعت وجنته فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم فعادت أحسن ما كانت فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركه أبي بن خلف الجمحي وهو يقول لانجوت إن نجوت فقال: القوم يا رسول الله ألا تعطف عليه رجل منا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : دعوه" تفسير : حتى إذا دنا منه وكان أبي قبل ذلك يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول عندي رمكة أعلفها كل يوم فرق ذرة أقتلك عليها فقال رسول الله عليه وسلم: "حديث : بل أنا أقتلك إن شاء الله" تفسير : فلما دنا منه تناول رسول الله الحربة من الحارث بن الصمة ثم استقبله وطعنه في عنقه وخدشه خدشه فسقط عن فرسه وهو يخور كما يخور الثور ويقول قتلني محمد. فاحتمله أصحابه وقالوا ليس عليك بأس بل لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر لقتلتهم أليس قال لي أنا أقتلك؟ فلو بزق عليّ بعد تلك المقالة لقتلني بها فلم يلبث بعد ذلك إلاّ يوماً حتى مات بموضع يقال له سرف (خ) عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اشتد غضب الله على من قتله نبي في سبيل الله اشتد غضب الله على قوم أدموا وجه نبي الله"تفسير : قالوا وفشا في الناس أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد قُتِلَ فقال: بعض المسلمين ليت لنا رسولاً إلى عبدالله بن أبي فيأخذ لنا أماناً من أبي سفيان وجلس بعض الصحابة وألقوا ما بأيديهم وقال أناس من المنافقين إن كان محمد قد قتل فألحقوا بدينكم الأول وقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: يا قوم إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء ـ يعني المسلمين ـ وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء يعني المشركين ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق إلى الصخرة وهو يدعو الناس فأول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك قال قد عرفت عينيه تزهران تحت المغفرة فناديت بأعلى صوتي يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إلي أن أسكت فانحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم النبي صلى الله عليه وسلم على الفرار فقالوا يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا أتانا الخبر بأنك قد قتلت فرعبت قلوبنا فولّينا مدبرين فأنزل الله عز وجل: {وما محمد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل} ومعنى الآية فسيخلو محمد كما خلت الرسل من قبله فكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلو أنبيائهم فعليكم أنتم أن تتمسكوا بدينه بعد خلوه لأن الغرض من بعث الرسول تبليغ الرسالة وإلزام الحجة لا وجوده بين ظهراني قومه ومحمد اسم علم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه إشارة إلى وصفه بذلك وتخصيصه بمعناه وهو الذي كثرت خصاله المحمودة والمستحق جميع المحامد لأنه الكامل في نفسه صلى الله عليه وسلم فأكرم الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم فسماه باسمين مشتقين من اسمه المحمود سبحانه وتعالى فسماه محمداً وأحمد وفي ذلك يقول حسان بن ثابت: شعر : ألم تر أن الله أرسل عبده ببرهانه والله أعلى وأمجد أغر عليه للنبوة خاتم من الله مشهور يلوح ويشهد وشق له من اسمه ليجله فذو العرش من محمود وهذا محمد تفسير : (ق) عن جبير بن مطعم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب" تفسير : والعاقب الذي ليس بعده نبي وسماه الله رؤوفاً رحيماً (م) عن أبي موسى الأشعري قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمي لنا نفسه أسماء فقال: "حديث : أنا محمد وأنا أحمد وأنا المقفى ونبي التوبة ونبي الرحمة"تفسير : قوله المقفى هو آخر الأنبياء الذي لا نبي بعده والرسول هو المرسل ويكون بمعنى الرسالة والمراد به هنا المرسل بدليل قوله تعالى: {وإنك لمن المرسلين} {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} يعني أتنقلبون على أعقابكم إن مات محمد أو قتل وترجعون إلى دينكم الأول يقال لكل من رجع إلى ما كان عليه رجع وراءه ونكص على عقبيه وحاصل الكلام إن الله تعالى بيّن أن موت محمد صلى الله عليه وسلم أو قتله لا يوجب ضعفاً في دينه ولا الرجوع عنه بدليل موت سائر الأنبياء قبله وأن أتباعهم ثبتوا على دين أنبيائهم بعد موتهم {ومن ينقلب على عقبيه} يعني فيرتد عن دينه ويرجع إلى الكفر {فلن يضر الله شيئاً} يعني بارتداده لأن الله تعالى لا يضره كفر الكافرين لأنه تعالى غني عن العالمين وإنما يضر المرتد والكافر نفسه {وسيجزي الله الشاكرين} يعني الثابتين على دينهم الذين لم ينقلبوا عنه لأنهم شكروا نعمة الله عليهم بالإسلام وثباتهم عليه فسماهم الله شاكرين لما فعلوا والمعنى وسيثيب الله من شكره على توفيقه وهدايته وروى ابن جبير عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: {وسيجزي الله الشاكرين} قال الثابتين على دينهم أبا بكر وأصحابه وكان علي يقول أبو بكر أمين الشاكرين وأمين أخبار الله وكان أشكرهم وأحبهم إلى الله تعالى.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ...} الآية: هذا ٱستمرارٌ في عتبهم، وإقامةُ الحُجَّة علَيْهم: المَعْنَىٰ أنَّ محمدًا ـــ عليه السلام ـــ رسُولٌ كسائرِ الرُّسُلِ قد بَلَّغ كما بلَّغوا، ولزمكم أيُّها المؤمنُونَ العَمَلُ بمُضَمَّن الرسالة، وليسَتْ حياته وبَقَاؤه بَيْنَ أظهركم شَرْطاً في ذلك؛ لأنه يَمُوتُ؛ كما مَاتَتِ الرُّسُل قبله، ثم توعَّد سبحانه المُنْقَلِبَ علَىٰ عَقِبَيْهِ بقوله: {فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً}؛ لأن المعنَىٰ: فإنما يضرُّ نفسه، وإياها يوبق، ثم وعد الشاكِرِينَ، وهم الذين صدَقُوا، وصَبَرُوا، ومَضَوْا في دينهم، ووَفَّوْا للَّه بعَهْدهم؛ كسعدِ بْنِ الرَّبيع، ووصيته يومئذٍ للأنصار، وأَنَسِ بْنِ النَّضرِ، وغيرهما، ثم يَدْخُلُ في الآية الشاكرون إلى يوم القيامةِ، وقال عليٌّ (رضي اللَّه عنه) في تفسير هذه الآية: الشاكِرُونَ الثَّابِتُونَ على دِينِهِمْ؛ أبو بَكْر، وأصحابه، وكان يقولُ: أبُو بَكْرٍ أَمِيرُ الشَّاكِرِينَ؛ إشارة منه إلى صَدْعِ أبي بَكْر بهذه الآيةِ يوم مَوْتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وثبوتِهِ في ذلك المَوْطِن، وثبوتِهِ في أمْرِ الرِّدَّة، وسائرِ المواطنِ التي ظَهَرَ فيها شُكْرُهُ، وشُكْرُ الناس بسببه، ثم أخبر عزَّ وجلَّ عن النفوسِ؛ أنها إنما تَمُوتُ بَأجَلٍ مَكْتُوبٍ محتومٍ عند اللَّه تعالَىٰ، أي: فالجُبْنُ والخَوَرُ لا يزيدُ في الأجَلِ، والشَّجَاعَةُ والإقدامُ لا ينقصُ منه، وفي هذه الآية تقويةٌ للنفوس في الجهادِ، وفيها ردٌّ على المعتزلة في قَوْلِهِمْ بِالأَجَلَيْنِ. وقوله سبحانه: {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا...} الآية، أي: نؤت من شئْنا منها ما قُدِّرَ له؛ يبيِّن ذلك قولُهُ تعالَىٰ: {أية : مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَـاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ} تفسير : [الإسراء:18]، وقرينةُ الكلامِ تقتضي أنه لا يؤتَىٰ شيْئاً من الآخرة؛ لأنَّ مَنْ كانَتْ نيَّته من عمله مقصورةً على طَلَب الدُّنْيا، فلا نَصِيبَ له في الآخرة، والأعمال بالنيَّات، وقرينةُ الكلامِ مِنْ قوله: {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا} لا تمنع أنْ يؤتَىٰ نصيباً من الدنيا، قال ابنُ فُورَكَ في قوله تعالى: {وَسَنَجْزِي ٱلشَّـٰكِرِينَ}: إشارة إلى أنه ينعِّمهم بِنعَمِ الدُّنْيا، لا أنهم يقصرون عَلَى الآخرة. ثم ضَرَب سبحانه المثل للمؤمنينَ بمَنْ سَلَف مِنْ صالح الأمم الذين لم يَثْنِهِمْ عن دينهم قَتْلُ الكُفَّار لأنبيائِهِمْ، فقال: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَٰتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ...} الآية: وفي «كَأَيِّنْ» لغاتٌ، فهذه اللغة أصلها؛ لأنها كافُ التشبيه دخلَتْ علَىٰ «أيٍّ»، و «كَأَيِّنْ» في هذه الآية في موضِعِ رَفْعٍ بالابتداء، وهي بمنزلة «كَمْ»، وبمعناها تعطَىٰ في الأغلب التكثيرَ، وقرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو عمرو: «قُتِلَ» مَبْنياً لما لم يسمَّ فاعله، وقرأ الباقُونَ «قَاتَلَ»، فقوله: «قُتِلَ»، قال فيه جماعةٌ من المفسِّرين، منهم الطَّبريُّ: إنه مستند إلى ضميرِ «نَبِيٍّ»، والمعنى عندهم أنَّ النبيَّ قُتِلَ، ونحا إليه ابنُ عَبَّاس، وإذا كان هذا، فـ «رِبِّيُّونَ» مرتفعٌ بالظرف بلا خلاف، وهو متعلِّق بمحذوفٍ، وليس متعلِّقاً بـ «قُتِلَ»، وقال الحَسَن بْنُ أبي الحَسَن وجماعة: إنَّ «قُتِلَ» إنما هو مستندٌ إلى قوله: «رِبِّيُّون»، وهم المقتولُونَ، قال الحَسَن، وابنُ جُبَيْر: لم يقتل نبيٌّ في حَرْبٍ قطُّ. قال * ع *: فعلَىٰ هذا القول يتعلَّق قوله: «مَعَهُ» بـ «قُتِلَ» ورجح الطبريُّ القَوْلَ الأوَّل؛ بدلالة نازِلة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وذلك أنَّ المؤمنين إنما تخاذلوا يَوْم أحد، لما قِيلَ: قُتِلَ مُحَمَّد، فضرب المَثَل بنَبِيٍّ قُتِلَ، وترجيحُ الطبريِّ حسن؛ ويؤيِّد ذلك ما تقدَّم من قوله: {أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ} [آل عمران:144] وحجة من قَرَأَ «قَاتَلَ»: أنها أعمُّ في المدح؛ لأنه يدخل فيها مَنْ قُتِلَ، ومن بقي. قال * ع *: ويحسُنُ عندي علَىٰ هذه القراءةِ ٱستنادُ الفعْلِ إلى الربِّيِّين، وقوله: {رِبِّيُّونَ}، قال ابن عباس وغيره: معناه: جموعٌ كثيرةٌ، وهو من الرِّبَّة (بكسر الراء)، وهي الجماعة الكثيرة، وروي عنِ ٱبْنِ عَبَّاس والحسنِ بْنِ أبي الحَسَن وغيرهما: أنهم قالوا: ربِّيونَ: معناه: علماء؛ ويقوِّي هذا القولَ قراءةُ مَنْ قرأَ: رَبِّيُّونَ (بفتح الراء)، منسوبون إلى الرَّبِّ؛ إما لأنهم مطيعُونَ له، أوْ مِنْ حيث إنهم علماء بما شَرَع. وقوله سبحانه: {وَمَا ٱسْتَكَانُواْ}، ذهبتْ طائفةٌ من النحاة إلى أنَّه من السُّكُون، وذهَبَتْ طائفة إلى أنه مأخوذٌ مِنْ: «كَانَ، يَكُونُ»، وأصلُهُ: ٱسْتَكْوَنُوا، والمعنَىٰ: أنهم لم يَضْعُفوا، ولا كانوا قريباً من ذلكَ، قلْتُ: وٱعلم (رحمك اللَّه) أنَّ أصْلَ الوَهَنِ والضَّعْفِ عن الجِهَادِ، ومكافحةِ العَدُوِّ هو حُبُّ الدنيا، وكراهيةُ بَذْلِ النفُوسِ للَّه، وبَذْلِ مُهَجِهَا لِلقَتْلِ في سَبيلِ اللَّهِ؛ ألا تَرَىٰ إلَىٰ حال الصَّحابة (رضي اللَّه عنهم)، وقلَّتِهِمْ في صَدْرِ الإسلامِ، وكيف فتح اللَّه بهم البلاد، ودان لدِينِهِمُ العباد، لما بَذَلُوا للَّه أنفسَهُمْ في الجهاد، وحالِنا اليَوْمَ، كما تَرَىٰ؛ عددُ أهْل الإسلام كثيرٌ، ونكايتهم في الكُفَّار نَزْرٌ يسيرٌ، وقد رَوَىٰ أبو داود في «سننه» عن ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَتَدَاعَىٰ عَلَيْكُمْ؛ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إلَىٰ قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: ومِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ كَثِيرٌ، ولَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ المَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ فِي قُلُوبِكُمُ الوَهَنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الوَهَنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ»تفسير : . اهـــ، فانظر (رحمك اللَّه)، فهل هذا الزمانُ إلا زماننا بعَيْنه، وتأمَّل حال ملوكنا، إنما هِمَّتهم جمْعُ المالِ مِنْ حرامٍ وحلالٍ، وإعراضُهم عَنْ أمْر الجهاد، فإنا للَّه وإنا إليه راجعُونَ علَىٰ مُصَاب الإسلام.
ابن عادل
تفسير : "ما" نافية، ولا عمل لها هنا مطلقاً - أعني: على لغة الحجازيين والتميميِّين؛ لأن التميميين لا يعملونها - ألبتة - والحجازيين يُعْملونها بشروط، منها: ألا يَنْتَقضَ النفي بـ "إلا" إذْ يزول السبب الذي عَمِلَتْ لأجله - وهو شبهها بـ "ليس" في نفي الحال - فيكون "مُحَمَّدٌ" مبتدأ، و "رَسُولٌ" خبر. هذا - [أعني: إهمالها إذا نُقِضَ نفيُها] - مذهب الجمهور، وقد أجاز يونس إعمالها مُنْتَقَضَةَ النَّفْيِ بـ "إلا". وأنشد: [الطويل] شعر : 1642- وَمَا الدَّهْرُ إلاَّ مَنْجَنُوناً بِأهْلِهِ وَمَا صَاحِبُ الْحَاجَاتِ إلاَّ مُعَذَّبا تفسير : فنصب "منجنوناً"، و "مُعَذَّباً" على خبر "ما" - وهما بعد "إلا" -. ومثله قول الآخر: [الوافر] شعر : 1643- وَمَا حَقُّ الَّذِي يَعْثُو نَهَاراً وَيَسْرِقُ لَيْلَهُ إلاَّ نَكَالا تفسير : فـ "حق" اسم "ما" و "نكالا" خبرها. وتأول الجمهورُ هذه الشواهدَ على أنَّ الخبر محذوف، وهذا المنصوب مَعْمُولٌ لذلك الخبر المحذوفِ، والتقدير: وما الدَّهر إلا يدور دورانَ منجنونٍ، فحُذف الفعلُ الناصبُ لِـ "دَوَرَانَ" ثم حُذِفَ المضافُ، وأقيمَ المضافُ إليه مقامه في الإعراب، وكذا: "إلا مُعَذَّباً" تقديره: يُعَذَّبُ تعذيباً، فحُذِف الفعلُ، وأقيم "معذَّباً" مقام "تَعْذِيب"، كقوله تعالى: {أية : وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} تفسير : [سبأ: 19] أي: كل تمزيق. وكذا: "إلا نَكَالاً"، وفيه من التكلُّف ما ترى. و "مُحَمَّدٌ" هو المستغرق لجميع المحامد؛ لأن الحَمْد لا يستوجبه إلا الكامل، والتحميد فوق الحمد، فلا يستحقه إلا المُسْتَوْلي على الأمَد في الكمال. وأكرم الله نبيه باسمين مشتقَّيْن من اسمه - جل جلاله - وهما محمد وأحمد. قال أهل اللغة: كل جامع لصفات الخير يُسَمَّى "محمداً". قوله: {قَدْ خَلَتْ} في هذه الجملة وجهان: أظهرهما: أنها في محل رفع؛ صفة لِـ "رَسُولٌ". الثاني: أنها في محل نصب على الحال من الضمير المستكن في "رَسُولٌ"، وفيه نظر؛ لجريان هذه الصفة مجرى الجوامد، فلا تتحمل ضميراً. قوله: "من قبله" فيه وجهان - أيضاً -: أظهرهما: أنه معلق بـ "خلت". والثاني: أنه متعلق بمحذوفٍ؛ حال من "الرُّسُلُ" مقدَّماً عليها، وهي - حينئذ - حال مؤكِّدة؛ لأن ذِكْرَ الخُلُوِّ مُشْعِرٌ بالقَبْلِيَّة. وقرأ ابنُ عَبَّاسٍ "رُسُلٌ" - بالتنكير -. قال ابُو الفَتْحِ: ووجها أنَّه موضع تيسير لأمر النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الحياة ومكان تسوية بينه وبين البشر في ذلك، وكذلك يفعل في أماكن الاقتصاد، كقوله: {أية : وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} تفسير : [سبأ: 13]. وقوله: {أية : وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} تفسير : [هود: 40]. وقال أبُو البَقَاءِ: "وهو قريب من معنى "المعرفة". كأنه يريد أن المراد بالرسل "الجنس"، فالنكرة قريب منه بهذه الحيثية". وقراءة الجمهور أولى؛ لأنها تدل على تفخيم الرسل وتعظيمهم. قال أبو علي: والرسول جاء على ضربين: أحدهما: أن يراد به المرسل. والآخر: الرسالة، وهاهنا المراد منه "المُرْسَل"، كقوله تعالى: {أية : إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [يس: 3] وقوله: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ} تفسير : [المائدة: 67] و "فعول" قد يراد به: المفعول، كالرَّكُوب والحَلُوب لما يُرْكَب ويُحْلَب، والرسول بمعنى الرسالة. كقوله: [الطويل] شعر : 1644- لَقَدْ كَذَبَ الْوَاشُونَ ما بُحتُ عِنْدَهُم بِسِرٍّ، ولا أرْسَلتُهُمْ بِرَسُولِ تفسير : فصل قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وأصْحَابُ المَغَازِي: لما رأى خالد بن الوليد الرُّمَاةَ يوم أحد قد اشتغلوا بالغنيمة، ورأى ظهورَهم خاليةً، صاح في خَيْله من المُشْرِكِين، ثم حمل على أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم من خلفهم -، فهزموهم، وقتلوهم، ورمى عبد الله بن قمئة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحَجَر، فكسر أنفه ورباعيته، وشُجَّ في وجهه، فأثقله، وتفرق عنه أصحابُه؛ ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صَخْرَةٍ ليعلوها - وكان قد ظاهر بَيْن دِرْعَيْن - فلم يستطع، فجلس تحته طلحة، فنهض حتى استوى عليها فقال صلى الله عليه وسلم أوْجَبَ طَلْحَةُ، ووقعت هند والنسوةُ معها يُمَثِّلْنَ بالقَتْلَى من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يجدعن الآذان والأنوف، حتى اتخذت هند قلائدَ من ذلك، وأعطتها وَحْشِيًّا، ونقرت عن كبد حمزة، فلاكتها، فلم تَستسغها، فلفظَتْها، وأقبل عبدُ الله بن قمئة يريد قَتْلَ النبي صلى الله عليه وسلم فذَبَّ مصعب بن عمير وهو صاحب راية النبي صلى الله عليه وسلم عنه، فقتله ابنُ قَمِئة، وهو يرى أنه قتل النبي صلى الله عليه وسلم فرجع، وقال: إني قتلتُ محمداً، وصاح صارخ: ألا إن محمداً قد قُتِل - قيل: إن ذلك الصارخ كان إبليس - وانكف الناسُ، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناسَ: إليَّ عباد الله، إليَّ عباد الله، فاجتمع إليه ثلاثون رجلاً، فحَمَوْه حتى كسفوا عنه المشركين، ورمى سعدُ بن أبي وقاص حتى اندقت سِيَةُ قوسه، ومثل له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كنانته فقال: ارْمِ فداكَ أبي وأمي، وكان أبو طلحةَ رجلاً رامياً، شديد النزع، كسر يومَ أُحُد قوسين أو ثلاثة، فكان الرجل يمر معه بجَعْبَةٍ من النَّبْلِ، فيقول: انثرها لأبي طلحة، وكان إذ رمى يُشْرِفُ النبي صلى الله عليه وسلم فينظر إلى موضع نَبْلِهِ، وأَصيبت يَدُ طلحةَ بن عبيد الله فيبست، وقى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصِيبتْ عَيْنُ قتادةَ بن النعمان يومئذ، حتى وقعت على وجنته، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانَها، فعادت كأحسن ما كانت، فلما انصرف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أدْرَكَهُ أبَيّ بن خلف الجُمَحِيّ، وهو يقول: لا نجوتُ إن نَجَا، فقال القوم: يا رسولَ الله، ألا يعطف عليه رجل منا؟ فقال: صلى الله عليه وسلم: دَعُوه، حتى إذا دنا منه - وكان أبَيّ كُلَّما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم قَبْل ذلك، قال له: عندي دمكة أعلفها كل يوم فَرَق ذُرة؛ أقتلك عليها، فقال صلى الله عليه وسلم: بَلْ أنا أقْتُلُكَ إنْ شَاءَ اللهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ تَنَاوَلَ رَسُولُ اللهُ صلى الله عليه وسلم الحَرْبَة من الحارث بن الصِّمَّة، ثم استقبله فطعنه في عنقه، وخدشه خدشة، فتدأدأ عن فرسه - وهو يخور كما يخور الثور - وهو يقول: قتلني محمد، وحمله أصحابه، وقالوا: ليس بك من بأس، فقال: أليس قال لي: أقتلك؟ فلم يلبث إلا يوماً حتى مات بموضع يقال له: سرف. قال ابن عباس: اشتد غضب الله على مَنْ قتل نبيه، واشتد غضب الله على من رمى وَجْهَ رسول الله قال: وفشا في الناس أن محمداً قد قُتِل فقال بعضُ المسلمين: يا ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أماناً من أبي سفيان، وبعض الصحابة جلسوا وألقوا بأيديهم. وقال أناس من أهل النفاق: إن كان محمدٌ قد قُتِل فالحقوا بدينكم الأول، فقال أنَس بن النضر - عم أنس بن مالك: يا قوم، إن كان محمد قد قُتِل فإن ربَّ محمد لم يُقْتَل، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله، قوموا، فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه، ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء - يعني: المسلمين - وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني: المنافقين - ثم شد بسيفه، فقاتل حتى قُتِلَ ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق إلى الصخرة وهو يدعو الناس، فأوَّل من عرف رسول الله كعب بن مالك، وقال: عرفت عينيه تحت المِغْفر تزهران، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين، أبشروا؛ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إليَّ أن أسْكُتَ، فانْحَازَتْ إليه طائفة من أصحابه، فلامهم النَّبيُّ على الفرار. فقالوا: يا رسولَ الله - فديناك بآبائِنَا وأمهاتنا - أتانا الخبر بأنك قُتِلْتَ فَرَعَبتْ قلوبنا، فولَّينَا مُدْبِرِين، فأنزل الله قوله: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ}. قوله: {أَفإِنْ مَّاتَ} الهمزة لاستفهام الإنكار، والفاء للعطف، ورتبتها التقديم؛ لأنها حرف عطف، وإنما قُدِّمت الهمزة؛ لأن لها صَدر الكلام، وقد تقدم تحقيقه وأن الزمخشري يقدِّر بينهما فعلاً محذوفاً تعطف الفاء عليه ما بعدها. قال ابن الخطيب كَمَالُ الدِّينِ الزَّمَلْكَانِيُّ: "الأوجه: أن يقدر محذوف بعد الهمزة، وقبل الفاء، تكون الفاء عاطفة عليه، ولو صُرِّحَ به لقيل: أتؤمنون به مدة حياته فإن مات ارتددتم، فتخالفوا سُنَنَ أتباع الأنبياء قبلكم في ثباتهم على مِلَلِ أنبيائهم بعد وفاتهم. وهذا هو مذهب الزَّمَخْشَرِيِّ، إلا أنَّ الزمخشريَّ - هنا - عبر بعبارة لا تقتضي مذهبه الذي هو حذف جملة بعد الهمزة؛ فإنه قال: الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة قَبْلَها على معنى "التسبيب"، والهمزة لإنكار أن يجعلوا خُلُوَّ الرُّسُلِ قبله سبباً لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه - بموتٍ أو قَتْل - مع علمهم أن خُلُوَّ الرُّسُلِ قبله، وبقاء دينهم متمسكاً به يجب أن يجعل سبباً للتمسُّك بدين محمد صلى الله عليه وسلم لا للانقلاب عنه". فظاهر هذا الكلام أن الفاء عطفت هذه الجملة المشتملة على الإنكار على ما قبلها من قوله: {قَدْ خَلَتْ} من غير تقدير جملة أخرى. وقال أبو البقاء قريباً من هذا؛ فإنه قال: "الهمزة عند سيبويه في موضعها، والفاء تدل على تعلُّق الشرطِ بما قبله". لا يقال: إنه جعل الهمزة في موضعها، فيوهم هذا أن الفاء ليست مقدمة عليها؛ لأنه جعل هذا مقابلاً لمذهب يونس؛ فإن يونس يزعم أن هذه الهمزة - في مثل هذا التركيب - داخلة على جواب الشرط، فهي في مذهبه في غير موضعها وسيأتي تحريره. و "إن" شرطية، و "مَاتَ" و "انْقَلَبْتُمْ" شرط وجزاء، ودخول الهمزة على أداة الشرط لا يُغَيِّر سبباً من حكمها. وزعم يونس أن الفعل الثاني - الذي هو جزاء الشرط - ليس هو جزاء للشرط، وإنما هو المستفْهَم عنه، وأن الهمزة داخلة عليه تقديراً، فينوى به التقرير، وحينئذ لا يكون جواباً، بل الجواب محذوف، ولا بد - إذ ذاك - من أن يكون فعل الشرط ماضياً، إذْ لا يُحْذَف الجواب إلا والشرط ماضٍ، ولا اعتبار بالشعر؛ فإنه ضرورة، فلا يجوز عنده أن تقول: إن تكرمني أكرمك ولا يجزمهما، ولا بجزم الأول ورفع الثاني، لأن الشرط مضارع. ولا أإن أكرمتني أكرمك - بجزم أكرمك؛ لأنه ليس الجواب، بل دال عليه، والنية به التقديم، فإن رفعت "أكرمك" وقلت: أإن أكرمتني أكرمك، صح عنده. فالتقدير عند يونس: أانقلبتم على أعقابكم إن مات محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن الغرض إنكار انقلابهم على أعقابهم بعد موته، وبقول يونس قال كثير من المفسِّرين؛ فإنهم يقولون: ألف الاستفهام دخلت في غير موضعها؛ لأن الغرض إنما هو أتنقلبون إن مات محمد؟ وقال أبو البقاء: "وقال يونس: الهمزة في مثل هذا حقها أن تدخل على جواب الشرط، تقديره: أتنقلبون إن مات؟ لأن الغرض التنبيه، أو التوبيخ على هذا الفعل المشروط". ومذهب سيبويه الحقُّ؛ لوجهَيْن: أحدهما: أنك لو قدمتَ الجواب، لم يكن للفاء وجه؛ إذ لا يصح أن تقول: أتزورني فإن زرتك. ومنه قوله: {أية : أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 34]. والثاني: أنَّ الهمزة لها صدر الكلام، و "إنْ" لها صدر الكلام، وقد وقعا في موضعهما، والمعنى يتم بدخول الهمزة على جملة الشرط والجوابِ؛ لأنهما كالشيء الواحد. وقد رد النحويون على يونس بقوله: {أية : أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 34]، فإنَّ الفاء في قوله: "فَهُمْ" تعين أن يكون جواباً للشرط، وأتى - هنا - بـ "إن" التي تقتضي الشك، والموت أمر محقق، إلاَّ أنه أورده مورد المشكوك فيه؛ للتردد بين الموت والقتل. فإن قيل: إنه - تعالى - بَيَّن في آيات كثيرة أنه صلى الله عليه وسلم لا يُقْتَل، قال: {أية : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} تفسير : [الزمر: 30] وقال: {أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ}تفسير : [المائدة: 67] وقال: {أية : لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ}تفسير : [التوبة: 33]، وإذا عُلِم أنه لا يقتل، فلِمَ قال: (أو قتل)؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أن صدق القضية الشرطية لا تقتضي صدق جُزْأيها؛ فإنك تقول: إن كانت الخمسة زوجاص كانت مقسمة بمتساويين، فالشرطية صادقة، وجزآها كاذبان، وقال تعالى: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} تفسير : [الأنبياء: 22] فهذا حَقٌّ، مع أنه ليس فيهما آلهة، وليس فيهما فساد. الثاني: أن هذا ورد على سبيل الإلزام؛ فإن موسى - عليه السلام - مات ولم ترجع أمتُه عن دينه، والنصارى زعموا أن عيسى قُتِل، ولم يرجعوا عن دينه، فكذا هنا. وثالثها: أن الموت لا يُوجب رجوع الأمة عن دينه، فكذا القتل وجب ألا يوجب الرجوع عن دينه، لأنه لا فارق بين الأمرين، فلما رجع إلى هذا المعنى، كان المقصود منه الرد على أولئك الذين شكوا في صحة الدين، وهَمُّوا بالارتداد. فإن قيل: قوله: {أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ} شكٌّ، وهو - على الله تعالى - محال. فالجواب: أن المراد: أنه سَوَاءً وقع هذا أو ذاك، فلا تأثير له في ضَعْف الدين ووجوب الارتداد. فصل قوله: {ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} أي: صرتم كُفاراً بعد إيمانكم، يقال لكل من عاد إلى ما كان عليه: رجع وراءه، فانقلب على عقبه، ونكص على عقبيه، وذلك أن المنافقين قالوا لضَعَفَةِ المسلمين: إن كان محمد قد قُتِل فالحقوا بدينكم، فقال بعض الأنصار إن كان محمد قد قُتِل فالحقوا بدينكم، فقال بعض الأنصار إن كان محمد قد قُتِل، فإن رَبَّ محمد لم يُقْتَل، فقاتِلوا على ما قاتل عليه محمد صلى الله عليه وسلم. فقد بيَّن - تعالى - أن قتله لا يوجب ضعفاً في دينه بدليلين: أحدهما: القياس على موت سائر الأنبياء. والثاني: أن الحَاجَةَ إلى الرسول إنما هي لتبليغ الدين، وبعد ذلك لا حَاجَة إليه، فلم يلزم من قَتْلِه فَسَادُ الدين. قوله: {عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} فيه وجهان: أظهرهما: أنه متعلق بـ "انْقَلَبْتُمْ". والثاني: أنه حال من فاعل "انْقَلَبْتُمْ"، كأنه قيل: انقلبتم راجعين. قوله: {وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ}. قرأ ابنُ أبي إسحاق "على عقبه" - بالإفراد، و "شَيْئاً" نصب على المصدر أي: شيئاً من الضرر، لا قليلاً ولا كثيراً. والمراد منه: تأكيد الوعيد، وأن المنقلب بارتداده لا يضر الله شيئاً، وإنما يضر نفسه. ثم قال: {وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ} والمعنى: أن تلك الهزيمة لما أوقعَتْ شُبْهَةً في قلوب بعضهم، ولم تقع في قلوب العلماء الأقوياء من المؤمنين، فهم شكروا الله على ثباتهم على الإيمان وشدة تمسكهم به فمدحهم الله تعالى. رَوَى ابنُ جرير الطَّبَرِيُّ عن علي - رضي الله عنه - أنه قال المراد بقوله تعالى: {وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ}: أبو بكر وأصحابه. وروى عنه أيضاً أنه قال: أبو بكر أمين الشاكرين، وأمين الله تعالى.
البقاعي
تفسير : ولما كان التقدير: فانهزمتم عندما صرخ الشيطان كذباً: ألا إن محمداً قد قتل! ولم يكن لكم ذلك فإنكم إنما تعبدون رب محمد الحي القيوم وتقاتلون له، وأما محمد فما هو بخالد لكم في الدنيا قال: {وما محمد إلا رسول} أي من شأنه الموت، لا إله، ثم قرر المراد من السياق بقوله: {قد خلت} أي بمفارقة أممهم، إما بالموت أو الرفع إلى السماء، ولما كان المراد أن الخلو منهم إنما كان في بعض الزمان الماضي لما مضى أثبت الجار فقال: {من قبله الرسل} أي فيسلك سبيلهم، فاسلكوا أنتم سبيل من نصح نفسه من أتباعهم فاستمسك بنورهم. ولما سبب عن ذلك إنكار انهزامهم ودعتهم على تقدير فقده أنكر عليهم بقوله: {أفإن} ولما كان الملك القادر على ما يريد لا يقول شيئاً وإن كان فرضاً إلا فعله ولو على أقل وجوهه، وكان في علمه سبحانه أنه صلى الله عليه وسلم يموت موتاً - لكونه على فراشه، وقتلاً - لكونه بالسم، قال: {مات} أي موتاً على الفراش {أو قتل} أي قتلاً {انقلبتم} أي عن الحال التي فارقكم عليها فأضعتم مشاعر الدين وتركتم مشاريع المرسلين! ثم قرر المعنى بقوله: {على أعقابكم} لئلا يظن أن المراد مطلق الانتقال وإن كان على الاستواء والانتقال إلى أحسن {ومن} أي انتقلتم والحال أنه من {ينقلب على عقبيه} أي بترك ما شرعه له نبيه أو التقصير فيه {فلن يضر الله} أي المحيط بجميع العظمة {شيئاً} لأنه متعالٍ عن ذلك بأن الخلق كلهم طوع أمره، لا يتحركون حركة إلا على وفق مراده، فلو أراد لهداهم أجمعين، ولو أراد أضلهم أجمعين، وإنما يضر ذلك المنقلب نفسه لكفره بالله، وسيجزي الله الشاكرين، ومن سار ثابتاً على المنهج السوي فإنما ينفع نفسه لشكره لله {وسيجزي الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {الشاكرين *} أي كلهم، فالآية من الاحتباك: أثبت الانقلاب وعدم الضر أولاً دليلاً على حذف ضده ثانياً، والجزاء ثانياً دليلاً على حذف مثله أولاً. ولما كان موت الرأس من أنصار الدين لا يصلح أن يكون سبباً للفرار إلا إذا كان موته بغير إذن صاحب الدين، وكان الفرار لا يصلح إلا أذا كان يمكن أن يكون سبباً للنجاة، وأما إذا كان موته لا يكون إلا بإرادة رب الدين، والفرار لا يكون سبباً في زيادة الأجل ولا نقصه؛ أشار إلى ذلك بقوله: {وما كان لنفس} أي من الأنفس كائنة من كانت {أن تموت} أي بشيء من الأشياء {إلا بإذن الله} أي بعلم الملك الأعلى الذي له الإحاطة التامة وإرادته وتمكينه من قبضها "كتب لكل نفس عمرها" {كتاباً مؤجلاً} أي أجلاً لا يتقدم عنه بثبات، ولا يتأخر عنه بفرار أصلاً. ولما كان المعنى: فمن أقدم شكرته ولم يضره الإقدام، ومن أحجم ذممته ولم ينفعه الإحجام، وكان الحامل على الإقدام إيثار ما عند الله، والحامل على الإحجام إيثار الدنيا؛ عطف على ذلك قوله: {ومن يرد ثواب الدنيا} أي بعمله - كما افهمه التعبير بالثواب، وهم المقبلون على الغنائم بالنهب والفارون كفراً لنعمة الله {نؤته منها} أي ما أراد، وختام الآية يدل على أن التقدير هنا: وسنردي الكافرين , ولكنه طواه رفقاً لهم {ومن يرد ثواب الآخرة} أي وهم الثابتون شكراً على إحسانه إليهم من غير أن يشغلهم شاغل عن الجهاد، ولما كان قصد الجزاء غير قادح في الإخلاص منه من الله تعالى علينا قال: {نؤته} ونبه على أن العمل لذات الله من غير نظر إلى ثواب ولا عقاب أعلى فقال: {منها} أي وسنجزيه لشكره، وهو معنى قوله: {وسنجزي الشاكرين *} لكنه أظهر لتعليق الحكم بالوصف وعمم. ولما ذكر سبحانه وتعالى هذه الجمل على هذا الوجه الذي بين فيه العلل، وأوضح بحال الزلل، وكان التقدير بعد انقضائها: فكأين من قوم أمرناهم بالجهاد، فكانوا على هذين القسمين، فأثبنا الطائع وعذبنا العاصي، ولم يضرنا ذلك شيئاً، ولا جرى شيء منه على غير مرادنا، عطف عليه يؤسيهم بطريق الصالحين من قبلهم ويسيلهم بأحوالهم قوله: {وكأين} وهي بمعنى كم، وفيها لغات كثيرة، قرىء منها في العشر بثنتين: الجمهور بفتح الهمزة بعد الكاف وتشديد الياء المكسورة، وابن كثير وأبو جعفر بألف ممدودة بعد الكاف وهمزة مكسورة، ولعلها أبلغ - لأنه عوض عن الحرف المحذوف - من المشهورة بالمد، والمد أوقع في النفس وأوقر في القلب؛ وفيها كلام كثير - في لغاتها ومعناها وقراءاتها المتواترة والشاذة وصلاً ووقفاً، ورسمها في مصحف الإمام عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي وقع إجماع الصحابة عليه ليكون المرجع عند الاختلاف إليه، وهل هي بسيطة أو مركبة ومشتقة أو جامدة وفي كيفية التصرف في لغاتها - استوعبته في كتابي الجامع المبين لما قيل في {كأين} ، وقال سبحانه: {من نبي} لتكون التسلية أعظم بذكر ما هو طبق ما وقع في هذه الغزوة من قتل أصحابه، واحتمال العبارة لقتله نفسه بقوله: {قاتل} أي ذلك النبي حال كونه {معه} لكن الأرجح إسناد {قاتل} إلى {ربيون} لموافقته قراءة الجماعة - سوى الحرميين وأبي عمرو -: قاتل معه {ربيون} أي علماؤهم ورثة الأنبياء، وعلى منهاجهم {كثير فما} أي فما تسبب عن قتل نبيهم وهنهم، أو يكون المعنى ويؤيده الوصف بالكثرة -: قتل الربيون، فما تسبب عن قتلهم أن الباقين بعدهم {وهنوا} أي ضعفوا عن عملهم {لما أصابهم في سبيل الله} أي الملك الأعظم من القتل لنبيهم الذي هو عمادهم، أو لإخوانهم الذين هم أعضادهم لكونه من الله {وما ضعفوا} أي مطلقاً في العمل ولا في غيره {وما استكانوا} أي وما خضعوا لأعدائهم فطلبوا أن يكونوا تحت أيديهم - تعريضاً بمن قال: اذهبَوا إلى أبي عامر الراهب ليأخذ لنا أماناً من أبي سفيان، بل صبروا، فأحبهم الله لصبرهم {والله} أي الذي له صفات الكمال {يحب الصابرين *} أي فليفعلن بهم من النصر وإعلاء القدر وجميع أنواع الإكرام فعل من يحبه. ولما أثنى سبحانه وتعالى على فعلهم أتبعه قولهم فقال: {وما كان} أي شيء من القول {قولهم} أي بسبب ذلك الأمر الذي دهمهم {إلا أن قالوا} أي وهم يجتهدون في نصر دين الله ناسبين الخذلان إلى أنفسهم بتعاطي أسبابه {ربنا اغفر لنا ذنوبنا} أي التي استوجبنا بها الخذلان {وإسرافنا في أمرنا} هضماً لأنفسهم، فمع كونهم ربانيين مجتهدين نسبوا ما أصابهم إلى ذنوبهم، فافعلو أنتم فعلهم لتنالوا من الكرامة ما نالوا، كما أشار لكم سبحانه وتعالى إلى ذلك قبل الأخذ في قص القصة عندما وصف به المتقين من قوله: {أية : أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم}تفسير : [آل عمران: 135]. ولما دعوا بمحو ما أوجب الخذلان دعوا بثمرة المحو فقالوا: {وثبت أقدامنا} إشارة إلى أن الرعب من نتائج الذنب، والثبات من ثمرات الطاعة - إنما تقاتلون الناس بأعمالكم - ثم أشاروا إلى أن قتالهم لهم إنما هو لله، لا لحظ من حظوظ النفس أصلاً بقوله: {وانصرنا على القوم الكافرين *}.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر عن كليب قال: خطبنا عمر فكان يقرأ على المنبر آل عمران، ويقول: إنها أُحُدِيَّة، ثم قال: تفرقنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فصعدت الجبل فسمعت يهودياً يقول: قتل محمد فقلت لا أسمع أحداً يقول: قتل محمد إلا ضربت عنقه، فنظرت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يتراجعون إليه، فنزلت هذه الآية {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} . وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتزل هو وعصابة معه يومئذ على أكمة والناس يفرون، ورجل قائم على الطريق يسألهم: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وجعل كلما مروا عليه يسألهم فيقولون: والله ما ندري ما فعل! فقال: والذي نفسي بيده لئن كان قتل النبي صلى الله عليه وسلم لنعطينهم بأيدينا أنهم لعشائرنا وإخواننا وقالوا: لو أن محمداً كان حياً لم يهزم، ولكنه قد قتل، فترخصوا في الفرار حينئذ فأنزل الله {وما محمد إلا رسول...} الآية كلها. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في الآية قال: ذلك يوم أحد حين أصابهم ما أصابهم من القتل والقرح، وتداعوا نبي الله...؟ قالوا: قد قتل. وقال أناس منهم: لو كان نبياً ما قتل. وقال أناس من علية أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: قاتلوا على ما قتل عليه نبيكم حتى يفتح الله عليكم أو تلحقوا به، وذكر لنا أن رجلاً من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتخبَّط في دمه فقال: يا فلان أشعرت أن محمداً قد قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم. فأنزل الله {وما محمد إلا رسول الله قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} يقول: ارتددتم كفاراً بعد إيمانكم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: نادى مناد يوم أحد حين هزم أصحاب محمد: أن محمداً قد قتل فارجعوا إلى دينكم الأول، فأنزل الله {وما محمد إلا رسول...} الآية. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: قال أهل المرض والإرتياب والنفاق حين فر الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم: قد قتل محمد فالحقوا بدينكم الأول. فنزلت هذه الآية {وما محمد إلا رسول...} الآية. وأخرج ابن جرير عن السدي قال: فشا في الناس يوم أحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، فقال بعض أصحاب الصخرة: ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن أبي، فيأخذ لنا أماناً من أبي سفيان. يا قوم إن محمداً قد قتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلونكم. قال أنس بن النضر: يا قوم إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم إني أعتذر إليك ممَّا يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء. فشد بسيفه فقاتل حتى قتل. فأنزل الله {وما محمد إلا رسول} الآية. وأخرج ابن جرير عن القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخي بني عدي بن النجار قال: انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار وقد ألقوا بأيديهم فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قتل محمد رسول الله قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله. واستقبل القوم فقاتل حتى قتل. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عطية العوفي قال: لما كان يوم أحد وانهزموا قال بعض الناس: إن كان محمد قد أصيب فأعطوهم بأيديكم إنما هم إخوانكم. وقال بعضهم: إن كان محمد قد أصيب ألا تمضون على ما مضى عليه نبيكم حتى تلحقوا به؟ فأنزل الله {وما محمد إلا رسول} إلى قوله {فآتاهم الله ثواب الدنيا} . وأخرج ابن سعد في الطبقات عن محمد بن شرحبيل العبدري قال: حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أحد فقطعت يده اليمنى، فأخذ اللواء بيده اليسرى وهو يقول {وما محمد إلا رسول الله قد خَلَتْ من قبله الرسل أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} ثم قطعت يده اليسرى فجثا على اللواء وضمه بعضديه إلى صدره وهو يقول {وما محمد إلا رسول...} الآية. وما نزلت هذه الآية {وما محمد إلا رسول} يومئذ حتى نزلت بعد ذلك. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد {ومن ينقلب على عقبيه} قال: يرتد. وأخرج البخاري والنسائي من طريق الزهري عن أبي سلمة عن عائشة "حديث : أن أبا بكر أقبل على فرس من مسكنه بالسخ حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مغشى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه وقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي، والله لا يجمع الله عليك موتتين، وأما الموتة التي كتبت عليك فقدمتها"تفسير : . قال الزهري: وحدثني أبو سلمة عن ابن عباس. أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس فقال: اجلس يا عمر. وقال أبو بكر: أما بعد من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فان الله حي لا يموت. قال الله {وما محمد إلا رسول} إلى قوله {الشاكرين} فقال: فوالله لكان الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلاها الناس منه كلهم. فما أسمع بشراً من الناس إلا يتلوها. وأخرج ابن المنذر عن أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عمر بن الخطاب فقال: إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي، وأن رسول الله ـ والله ـ ما مات، ولكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات. والله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات. فخرج أبو بكر فقال: على رسلك يا عمر انصت. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس أنه من كان يعبد محمداً فان محمد قد مات، ومن كان يعبد الله فان الله حي لا يموت. ثم تلا هذه الآية {وما محمد إلا رسول} الآية. فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ، وأخذ الناس عن أبي بكر فإنما هي في أفواههم. قال عمر: فوالله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى وقعت إلى الأرض، ما تحملني رجلاي، وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات. وأخرج البيهقي في الدلائل عن عروة قال: لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم قام عمر بن الخطاب فتوعد من قال قد مات بالقتل والقطع، فجاء أبو بكر فقام إلى جانب المنبر وقال: إن الله نعى نبيكم إلى نفسه وهو حي بين أظهركم، ونعاكم إلى أنفسكم، فهو الموت حتى لا يبقى أحد إلا الله. قال الله {وما محمد إلا رسول} إلى قوله {الشاكرين} فقال عمر: هذه الآية في القرآن؟ والله ما علمت أن هذه الآية أنزلت قبل اليوم وقال: قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم {أية : إنك ميت وإنهم ميتون} تفسير : [الزمر: 30]. وأخرج ابن المنذر والبيهقي من طريق ابن عباس أن عمر بن الخطاب قال: كنت أتأوّل هذه الآية {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً}تفسير : [البقرة: 143] فوالله إن كنت لا أظن أنه سيبقى في أمته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها، وأنه هو الذي حملني على أن قلت ما قلت. وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب في قوله {وسيجزي الله الشاكرين} قال: الثابتين على دينهم، أبا بكر وأصحابه، فكان علي يقول: كان أبو بكر أمين الشاكرين. وأخرج الحاكم والبيهقي في الدلائل عن الحسن بن محمد قال "حديث : قال عمر: دعني يا رسول الله أنزع ثنيتي سهيل بن عمرو فلا يقوم خطيباً في قومه أبداً فقال: دعها فلعلها أن تسرك يوماً. فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم نفر أهل مكة، فقام سهيل عند الكعبة فقال: من كان يعبد محمداً فان محمداً قد مات والله حي لا يموت ". تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم عن ان عباس. أن علياً كان يقول في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يقول {أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت. وأخرج ابن المنذر عن الزهري قال: حديث : لما نزلت هذه الآية {ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم} [الفتح: 4] قالوا: يا رسول الله قد علمنا أن الإيمان يزداد فهل ينقص؟ قال: إي والذي بعثني بالحق إنه لينقص قالوا: يا رسول الله فهل لذلك دلالة في كتاب الله؟ قال: نعم. ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} فالإنقلاب نقصان لا كفر . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن إسحق {وما كان لنفس} الآية أي لمحمد صلى الله عليه وسلم أجل هو بالغه، فإذا أذن الله في ذلك كان {ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها} أي من كان منكم يريد الدنيا ليست له رغبة في الآخرة نؤته ما قسم له فيها من رزق ولا حظ له في الآخرة {ومن يرد ثواب الآخرة} منكم {نؤته منها} ما وعده مع ما يجري عليه من رزقه في دنياه، وذلك جزاء الشاكرين. وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن عبد العزيز في الآية قال: لا تموت نفس ولها في الدنيا عمر ساعة إلا بلغته. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {وسنجزي الشاكرين} قال: يعطي الله العبد بنيته الدنيا والآخرة. وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: قال أبو بكر: لو منعوني ولو عقالاً أعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لجاهدتهم. ثم تلا {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} . وأخرج البغوي في معجمه عن إبراهيم بن حنظلة عن أبيه أن سالماً مولى أبي حذيفة، كان معه اللواء يوم اليمامة فقطعت يمينه، فأخذ اللواء بيساره، فقطعت يساره، فاعتنق اللواء وهو يقول {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم...} الآيتين.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ} [الآية: 144]. قال الحسين: ليس للرسول إلا ما أُمر به أو كوشف به، ألا تراه لما سُئل فيم يختصم الملأ الأعلى بقى حيث لم يسمع حِسًا ولا نُطقًا فقال: لا أدرى، فلما غيب عنه شاهده بوقع الصفة عليه، شاهدهم بشهود الحق وذهب عنه صفة آدميَّته، أى: لما عاين ما أطلعه الله عليه من مشاهدته غاب عن صفته لأنه صار غير آدمى فتكلم بالعلوم كلها. قال الواسطى: سقمت البصائر عند موت محمد صلى الله عليه وسلم إلا من رجل واحد فُضِّلَ عليهم وهو الداعى إلى الله على البصيرة، وهو أبو بكر رضى الله عنه فكأن هذه الآية خصَّ هو بها، وعجزت الأمة عن ذلك لضعف تحايزها ووهن بصائرها وبأن فضيلة أبى بكر رضى الله عنه بذلك وهو قوله: "من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد مات". قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُريدُ ثَوابَ الدنيا نؤته منها}. قيل: ثواب الدنيا: العافية والإكثار منها. وقيل: إلهامُ شكر النعمة. {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا} [الآية: 145]: ثواب الآخرة: الجنة ونعيمها.
القشيري
تفسير : إن الرسل موقوفون حيثما وُقِفُوا، ومخبرون عمَّا عُرِّفوا بمقدار ما عَرفُوا؛ فإذا أُيِّدُوا بأنوار البصائر اطَّلعوا على مكنونات السرائر بلطائف التلويح بمقدار ما أُعْطُوا من الإشراق بوظائف البلوغ. {أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} لما تُوُفّي المصطفى - صلى الله عليه وسلم - سقمت البصائر إلا بصيرة الصديق رضي الله عنه فأمَدَّه الله بقوة السكينة، وأفرغ عليه قوة التولي فقال: "من كان يعبد محمداً فإنَّ محمداً قد مات" فصار الكُلُّ مقهورين تحت سلطان قالته لِمَا انبسط عليهم من نور حالته، كالشمس بطلوعها تندرج في شعاعها أنوارُ الكواكب فيستتر فيها مقادير مطارح شعاع كل نجم. وإنما قال: {أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ} لأنه صلى الله عليه وسلم مات. وقيل أيضاً لأنه قال: "حديث : ما زالت أكلة خيبر تعاودني فهذا أوان قطعت أبهري ".
البقلي
تفسير : {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ} ان الله تعالى ---- الكل بهذه الأية لما اخبرتكم ربوبيتى بلسان نبى واوجبت العبودية عليكم برسالته وعرفكم صفات الالويهة بغير وساطة فلم ---- بذهابه عن البيت واضطربتم عن حقائق الأيمان واخلاص العبودية عند الفترة والامتحان فلو كنتم مشاهدين جلالى ما اضطربتم بموته او برفع الوسائط بينى وبينكم لان من شاهد الحق دعائه يكون محبته وعبوديته بغير واسطة الربوبية قائمة بذاته انه ابدا ليتسنى للاولياء والانبياء الا الاخبار والانباء عند امر الله وكشفه مراده لهم وخص من بينهم الصديق واقرانه رضى الله عنه اجمعين لا نرى حين قبض رسو الله صلى الله عليه وسلم قال من كان يعبد محمد فان مات ومن كان لا يعبد الله فالله حيى لا يموت وهذا الوصف ظاهر فى اخر الاية {أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً} فى الصديق وتطرائه رضوان الرحمن عليهم بقوله {وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ} يعنى ابا بكر ومن كان قلبه مثل قلبه فى الايمان والا يقال شكرهم استقامتهم فى الرب والولاية وجزاء شكرهم نصر اله وظفره لهم بانهزام المروة عن ساحة الشريعة قال الواسطى غضت البصائر وفاة النبى صلى الله عليه وسلم الا لرجل واحد وهو فضل عليهم وهو الداعى الى الله بصيرة وهو ابو بكر فكان هذه الاية خص هو بها وعجزت عن ذلك لضعف نحائرها ووهن بصائرها وبان فضيلة ابى بكر بذلك وهو قول من كان يعبد محمدا قد مات وقال الحسين ليس للرسوم الا ما امر به اوكشف له الا يراه لما سئل فهو يختصم الملأ الا على يعنى لو يسمع حسا ولا فطنا فمال اغيب عنه شاهدة فوقع الصفة عليه شاهدتم بشهود الحق وذهبت عنه صفة أدميته فتكلم بالعلوم كلها.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما محمد} هو المستغرق لجميع المحامد لان الحمد لا يستوجبه الا الكامل والتحميد فوق الحمد فلا يستحقه الا المستولى على الامد فى الكمال واكرم الله نبيه وصفيه باسمين مشتقين من اسمه جل جلاله محمد واحمد {الا رسول} ـ روى ـ "حديث : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج الى الشعب من احد فى سبعمائة رجل جعل عبد الله بن جبير على الرجالة وكانوا خمسين راجلا وقال "اقيموا باصل الجبل وادفعوا عنا بالنبل لا يأتوننا من خلفنا ولا تنتقلوا من مكانكم حتى ارسل اليكم فلا نزال غالبين ما دمتم فى مكانكم" فجاء المشركون ودخلوا فى الحرب مع النبى عليه السلام واصحابه حتى حميت الحرب فاخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفا وقال "من يأخذه بحقه" فأخذه ابو دجانة فقاتل فى نفر من المسلمين قتالا شديدا وقاتل على بن ابى طالب حتى التوى سيفه وقاتل سعد بن ابى وقاص رضى الله عنه وكان النبى عليه السلام يقول لسعد "ارم فداك ابى وامى" فحمل هو واصحابه على المشركين فانزل الله نصره عليهم فهزموا المشركين فلما نظر الرماة الى قوم هاربين اقبلوا على النهب بترك مركزهم فقال لهم عبد الله بن جبير لا تبرحوا مكانكم فقد عهد اليكم نبيكم فلم يلفتوا الى قوله فجاؤا لاجل الغنيمة فبقى عبد الله بن جبير مع ثمانية نفر فخرج خالد بن الوليد مع خمسين ومائتى فارس من المشركين من قبل الشعب وقتلوا من بقى من الرماة ودخلوا خلف اقفية المسلمين فهزموهم ورمى ابن قميئة النبى عليه السلام بحجر فكسر رباعيته تفسير : وشجه وفيه يقول حسان بن ثابت شعر : ألم تر ان الله ارسل عبده ببرهانه والله اعلى وامجد وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد تفسير : وتفرق عنه اصحابه وحمل ابن قميئة لقتل النبى عليه السلام فذب عنه مصعب بن عمير صاحب الراية يومئذ فقتله ابن قميئة ورجع فظن انه كان قتل النبى عليه السلام فقال قتلت محمد وصرخ صارخ ألا ان محمدا قد قتل وكان ذلك ابليس فرجع اصحابه منهزمين متحيرين فاقبل انس بن النضر عم انس بن مالك الى عمر بن الخطاب رضى عنه وطلحة بن عبد الله فى رجال من المهاجرين والانصار فقال لهم ما يحبسكم قالوا قتل محمد صلى الله عليه وسلم فقال ما تصنعون فى الحياة بعده موتوا كراما على ما مات عليه نبيكم ثم اقبل نحو العدو فقاتل حتى قتل قال كعب بن مالك انا اول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين رأيت عينيه من تحت المغفر تزهران ينادى باعلى صوته "حديث : الىّ عباد الله الىّ عباد الله " .تفسير : فاجتمعوا اليه فلامهم رسول الله على هزيمتهم فقالوا يا رسول الله فديناك بآبائنا وامهاتنا اتانا خبر سوء فرعبت قلوبنا له فولينا مدبرين فوبخهم الله تعالى بقوله {وما محمد الا رسول} كسائر الرسل {قد خلت من قبله الرسل} فسيخلوا كما خلوا وكما ان اتباعهم بقوا متمكسين بدينهم بعد خلوهم فعليكم ان تتمسكوا بدينه بعد خلوه لان الغرض من بعثة الرسول الرسالة والزام الحجة لا وجوده بين اظهر قومه {أفأن مات او قتل انقلبتم على اعقابكم} انكار لارتدادهم وانقلابهم عن الدين بخلوه عليه السلام بموت او قتل بعد علمهم بخلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكا به {ومن ينقلب على عقبيه} بادباره عما كان يقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من امر الجهاد وغيره {فلن يضر الله} بما فعل من الانقلاب {شيئاً} اى شيئاً من الضرر وانما يضر نفسه بتعريضها للسخط والعذاب والله منزه عن النفع والضرر {وسيجزى الله الشاكرين} اى الثابتين على دين الاسلام الذى هو اجل نعمة واعز معروف سموا بذلك لان الثبات عليه شكر له وايفاء لحقه وفيه ايماء الى كفران المنقلبين. ولما توفى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم اضطرب المسلمون فمنهم من دهش ومنهم من اقعد فلم يطق القيام ومنهم من اعتقل لسانه فلم يطق الكلام ومنهم من انكر موته بالكلية حتى غفل عمر رضى الله عنه عن هذه الآية الكريمة عند وفاته صلى الله عليه وسلم وقام فى الناس فقال ان رجالا من المنافقين يزعمون انه عليه السلام توفى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مات ولكنه ذهب الى ربه كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه اربعين ليلة ثم رجع والله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأقطعن ايدى رجال وارجلهم يزعمونه ان رسول الله مات ولم يزل يكرر ذلك الى ان قام ابو بكر فحمد الله واثنى عليه ثم قال ايها الناس من كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فان الله حى لا يموت ثم تلا {وما محمد الا رسول} قال الراوى والله لكأن الناس لم يعلموا ان هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تلاها ابو بكر رضى الله عنه فاستيقن الناس كلهم بموته صلى الله عليه وسلم وكانت الجمادات تتصدع من ألم مفارقة الرسول فكيف بقلوب المؤمنين ولما فقده الجذع الذى يخطب عليه قبل اتخاذ المنبر حن اليه وصاح كما يصيح الصبى فنزل اليه فاعتنقه فجعل يهدى كما يهدى الصبى الذى يسكن عند بكائه وقال "حديث : لو لم اعتنقه لحن الى يوم القيامة " .تفسير : ما امرّ عيش من فارق الاحباب خصوصا من كانت رؤيته حياة الالباب ولما نقل النبى عليه السلام جعل يتغشاه الكرب فقالت فاطمة رضى الله عنها واكرب ابتاه فقال لها ليس على ابيك كرب بعد اليوم فلما مات قالت يا ابتاه اجاب ربا دعاه يا ابتاه جنة الفردوس مأواه فلما دفن قالت فاطمة يا انس اطابت انفسكم ان تحثوا على نبيكم التراب وعاشت فاطمة بعد موته صلى الله عليه وسلم سته اشهر ثم ماتت شعر : جهان اى برادر نماند بكس دل اندرجهان آفرين بندوبس تفسير : فعلى العاقل ان يتدارك حاله قبل منيته حتى لا يفتضح عند رؤوس الخلائق يوم القيامة وكيف لا يسارع الى الاعمال الصالحة من يعلم ان يوم القيامة يوم يفزع فيه الانبياء والاولياء شعر : دران روز كزفعل برسند وقول اولو العزم را تن بلرزد زهول بجايى كه وحشت خورد انبيا توعذر كنه را جه دارى بيا تفسير : يعنى بأى عذر ترتكب الآثام ولا تبالى بحالك ثم ان الخلاص والفوز بالمرام فى الايمان التحقيقى. قال الشيخ نجم الدين الكبرى الاشارة فى الآية ان الايمان التقليدى لا اعتبار له فينقلب المقلد عن ايمانه عند عدم المقلد به فمن كان ايمانه بتقليد الوالدين او الاستاذ او اهل البلد ولما يدخل الايمان فى قلبه ولم ينشرح صدره بنور الاسلام فعند انقطاعه بالموت عن هذه الاسباب المقلدة يعجز عن جواب سؤال الملكين فى قولهما من ربك فيقول هاه لا ادرى واذ يقولان ما تقول فى هذا الرجل فيقول هاه لا ادرى كنت اقول فيه ما قال الناس فيقولان له لا دريت ولا تليت شعر : ردانند كان بشنو امروز قول كه فردا نكيرت بيرسد بهول غنيمت شمار اين كرامى نفس كه بيمرغ قيمت ندارد قفس تفسير : يعنى البدن ليس له قدر بدون الروح فلا بد ان يغتم العاقل انفاسه قبل ان يخرج الروح من قفصه.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {كتاباً}: مصدر، أي: كتب الموت كتاباً مؤجلاً. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وما محمد إلا رسول} يصيبه ما أصابهم، {قد} مضت {من قبله الرسل}، فسيمضي كما مضوا بالموت أو القتل، {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} بعد تقرر شريعته وظهور براهينه، عاتبهم على تقدير أن لو صار منهم انقلاب لو مات صلى الله عليه وسلم أو قتل، أو على صدر من بعض المنافقين وهم ساكتون. قال أصحاب المغازي: خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالشعب من أحُد، في سبعمائة رجل، وأمَّر عبدَ الله بنَ جبيرٍ على الرماة، وهم خمسون رجلاً، وقال: انضحوا عنا بالنبل، لا يأتونا نم خلقنا، لا تبرحوا مكانكم؛ كانت لنا أو علينا، فإنا لن نزال غالبين ما ثبتُّم مكانكم، فجاءت قريش، وعلى ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة، ومعهم النساء. ثم انتشب القتال فقال عليه الصلاة والسلام:"حديث : مَنْ يأخذ هذا السيف بحقه؟"تفسير : فجاء رجال فمنعهم، حتى جاء أبو دُجانة، فقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال:"حديث : تضرب به العدو حتى ينحني"تفسير : ، وكان رجلاً شجاعاً يختال عند الحرب، فأخذه واعتم بعمامة حمراء، وجعل يتبختر بين الصفين، فقال عليه الصلاة والسلام:"حديث : إنها لمشيةٌ يبغضها الله إلاّ في هذا الموضع ". تفسير : ثم حمل النبيّ صلى الله عليه وسلم على المشركين فهزموهم، قال الزبير: (فرأيت هنداً وصواحبها هارباتٍ مصعدات في الجبل)، فلما نظر الرماة إلى القوم قك انكشفوا، قالوا: الغنيمة الغنيمة فقال لهم بعضهم: لا تتركوا أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال يلتفتوا، وانطلق عامتهم، فلما رأى خالد قلة الرماة، صاح في خيله من المشركين، ثم حمل على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من خلفهم، وقتل عبد الله بن جبير، واختلط الناس، فقتل بعضُهم بعضاً، ورمى عبدُ الله بن قمئة الحارثي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بحجر، فكسر أنفه ورباعيته، وشجَّه في وجهه، وكسر البيضة على رأسه، فذبَّ عنه مصعبُ بن عمير، وكان صاحب الراية، فقتله ابن قمئة وهو يرى أنه قتل النبيّ صلى الله عليه وسلمن فرجع إلى قومه، وقال: قد قتلت محمداً، وصرخ صارخ: ألا إنَّ محمداً قد مات. وقيل: إنه الشيطان، فانكفأ الناس، وجعل الرسول - عليه الصلاة والسلام - يدعو:"حديث : إليَّ عباد الله"تفسير : ، فانحاز إليه ثلاثون من الصحابة، وضموه حتى كشفوا عنه المشركين، وأصيبت يد طلحة بن عبيد الله فيبست، حتى وقَى بها النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأصيبت عين قتادة بن النعمان، حتى وقعت على وجنتيه، فردها النبيّ صلى الله عليه وسلم مكانها، فعادت أحسن مما كانت. وفشا في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات - فقال بعض المسلمين: ليت ابنُ أُبي يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان. وقال بعض المنافقين: لو كان نبيّاً ما قتل، ارجعوا إلى دينكم الأول. فقال أنس بن النضر - عمُّ أنس بن مالك: (إن كان قد قتل محمدٌ فَإِنَّ رب محمد لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعده؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه، حتى تمتوا على ما مات عليه). ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك ما صنع هؤلاء - يعني المسلمين - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني الكفار-، ثم شدّ سيفه وقاتل حتى قُتل، رحمة الله عليه. فأنزل فيما قال المنافقون: {ومن ينقلب على عقبيه} بارتداده {فلن يضر الله شيئاً} وإنما يضر نفسه، {وسيجزي الله الشاكرين} على نعمة الإسلام بالثبات عليه، كأنس وأضرابه، {وما كان} ينبغي {لنفس أن تموت إلا بإذن الله} أي: بإرادته ومشيئته، أو بإذنه لملكٍ في قبض روحه، والمعنى: أنَّ لكل نفس أجلاً مسمى في علمه تعالى وقضائه، لا تستأخر عنه ساعة ولا تستقدم، بالتأخر عن القتال ولا بالإقدام عليه، وفيه تشجيعهم على القتال ووعد للرسول بحفظه وتأخر أجله؛ فإن الله تعالى كتب أجل الموت {كتاباً مؤجلاً}؛ مؤقتاً لا يتقدم ولا يتأخر. ونزل في الرماة الذين خالفوا المركز للغنيمة: {ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤتها منها} الجزاء الجليل، {وسنجزي الشاكرين} الذين كروا نعم الله، فلم يشغلهم شيء عن الجهاد في سبيل الله، بل كان همهم رضي الله ورسوله دون شيء سواه. الإشارة: ينبغي للمريد أن يستغني بالله، فلا يركن إلى شيء سواه، وتكون بصيرته نافذة حتى يغيب عن الواسطة بشهود الموسوط، فإن مات شيخه لم ينقلب على عقبيه، فإن تمكن من الشهود فقد استغنى عن كل موجود، وإن لم يتمكن نظر من يكمله، فالوقوف من الوسائط وقوف مع النعم دون شهود المنعم، فلا يكون شاكراً للمْنعم حتى لا يحجبه عنه شيء، ولما مات - عليه الصلاة والسلام - دهشت الناس، وتحيّرت لوقوفهم مع شهود النعمة، إلاَّ الصدِّيق؛ كان نفذ من شهود النعمة إلى شهود المُنعم، فخطب حينئذٍ على الناس، وقال: (مَنْ كانَ يَعْبُدُ مُحَمَّداً فإن مُحَمَّداً قَدْ ماتَ، ومَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فإنَّ اللّهَ حَيٌ لاَ يَمُوتِ). ثم قرأ: {وما محمد إلا رسول...} إلى قوله: {وسنجزي الشاكرين}، وهم الذين نفذوا إلى شهود المنعم، ولم يقفوا مع النعمة. ودخل بعض العارفين على بعض الفقراء فوجده يبكي، فقال له: ما يبكيك؟ قال: مات أستاذي، فقال له العارف: ولم جعلت أستاذك يموت؟ وهلا جعلته حيّاً لا يمت. فنبهه على نفاذ بصيرته إلى شهود المنعم دون الوقوف مع النعمة، فالشيخ الحقيقي هو الذي يغني صاحبه عنه وعن غيره، بالدلالة على ربه.
الطوسي
تفسير : القصة، والنزول: قال ابن عباس، وقتادة، والضحاك، ومجاهد: إن سبب نزول هذه الآية انه لما ارجف بان النبي (صلى الله عليه وسلم) قتل يوم أحد واشيع ذلك، قال ناس لو كان نبياً ما قتل. وقال آخرون نقاتل على ماقاتل عليه حتى نلحق به. وكان سبب انهزامهم وتضعضهم اخلال الرماة بمكانهم من فم الشعب، وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) نهاهم عن الاخلال به، وحذرهم من الانصراف عن الشعب مخافة أن يخرج منه كمين عليهم، فلما انهزم المشركون في الجولة الأولى، فتبعوهم المسلمون وتواقعوا في غنائمهم فقال الموكلون بالشعب: يغنمون ولا نغنم. فقال لهم رئيسهم: الله الله لا تفعلوا فان النبي (صلى الله عليه وسلم) أمرنا ألا نبرح، فلم يقبلوا منه وانصرفوا، وثبت رئيسهم مع إثني عشر رجلا، فقتلوا، خرج عليهم خالد بن الوليد في مأتي فارس من الشعب، وكان كامنا فيه. وكان ذلك سبب هزيمة المسلمين، وإصابة رباعية النبي (صلى الله عليه وسلم) وجرحه. وكان الذي جرحه وكسر رباعيته عتبة بن أبي وقاص، وقيل إن عبد الله ابن قمية ضربه على حبل عاتقه، ومضى إلى المشركين، وقال قتلت محمداً وشاع ذلك فأنزل الله هذه الآية. فان قيل: كيف دخل الاستفهام على الشرط. وإنما هو كغيره من الانقلاب والتقدير أتنقلبون إن مات أو قتل؟ قيل: لأنه لما انعقد الشرط به صار جملة واحدة وخبراً واحداً بمنزلة تقدير الاسم قبل الفعل في الذكر إذا قيل أزيد قام، وكذلك تقديمه في القسم، والاكتفاء بجواب الشرط من جواب القسم، كما قال الشاعر: شعر : حلفت له إن تدلج الليل لا يزل أمامك بيت من بيوتي سائر تفسير : أي حلفت له لا يزال امامك بيت وأجاز الفراء في مثله {أفان مات أو قتل} تنقلبون بالرفع، والجزم ومعنى {انقلبتم على أعقابكم} أي ارتددتم كفاراً بعد إيمانكم، لأن الرجوع عن الحق إلى الباطل بمنزلة رجوع القهقرى في القبح، والتنكيل بالنفس فجرى كالمثل في هذا المعنى. والالف في قوله: {أفان} ألف انكار بصورة ألف استفهام، لأن التقرير به يظهر ما فيه من المنكر، فلذلك أخرج مخرج الاستفهام مع أن معناه الانكار. ومثله أتختار الفساد على الصلاح والخطأ على الصواب. وقوله: {أفان مات أو قتل} يدل عى أن الموت غير القتل لأنه لو كان هو إياه لما عطف به عليه، لأن الشيء لا يعطف على نفسه. والقتل هو نقض بنيه الحياة. والموت: في الناس من قال: هو معنى يضاد الحياة. وفيهم من قال: هو افساد البنية التي تحتاج الحياة إليها بفعل معان فيه تضاد المعاني التي تحتاج إليها الحياة. وقوله: {ومن ينقلب على عقبيه} أي من يرتد ويرجع عن الاسلام {فلن يضر الله شيئاً} لأنه لايجوز عليه المضار بل مضرته عائدة عليه، لأنه يستحق العقاب الدائم. وقوله: {وسيجزي الله الشاكرين} معناه يثيب الله الشاكرين على شكرهم لنعم الله واعترافهم بها. ووجه اتصال هذا بما قبله اتصال الوعد بالوعيد، لأن قوله: {فلن يضر الله شيئاً} دليل على معنى الوعيد، لأن معناه انما يضر نفسه باستحقاقه العقاب {وسيجزي الله الشاكرين} بما يستحقونه من الثواب.
الجنابذي
تفسير : {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ} اى مضت {مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ} بالموت او القتل فيخلو لا محالة {أَفإِنْ مَّاتَ} باجله من دون اسبابٍ خارجيّةٍ وآلات قتّالةٍ فانّ المتبادر من الموت هذا خصوصاً حين استعماله مقابل القتل وقد اشير فى الاخبار وصرّح بأنّه غير القتل {أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ} عن الدّين {عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} شبّه الرّاجع عن الدّين الّذى هو طريق النّفس بالرّاجع عن الطّريق الظّاهر وانّما قال على اعقابكم للاشارة الى انّ الانسان ان ارتدّ عن دينه كان وجهه الى مقصده بحسب فطرته مثل من ارتدّ عن طريقٍ على عقبه حيث يكون وجهه الى مقصده الاوّل وذكر فى نزول الآية انّه لمّا فشا يوم احدٍ فى النّاس انّ محمّداً (ص) قتل قال بعض المسلمين ليت لنا رسولاً الى عبد الله بن ابىّ فيأخذ لنا اماناً من ابى سفيان، وبعضهم جلسوا والقوا ما بايديهم وقال اناس من اهل النّفاق: ان كان محمّد (ص) قد قتل فالحقوا بدينكم الاوّل فقال انس بن نضر عمّ انس بن مالك: يا قوم ان كان قد قتل محمّد (ص) فانّ ربّ محمّدٍ (ص) لم يقتل وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله (ص) فقاتلوا على ما قاتل عليه رسول الله (ص) وموتوا على ما مات عليه، ثمّ انّ رسول الله (ص) انطلق الى الصّخرة وهو يدعو النّاس فاوّل من عرف رسول الله (ص) كعب بن مالك قال: فناديت بأعلى صوتى: يا معاشر المسلمين ابشروا فهذا رسول الله (ص) فاشار الىّ ان اسكت فانحازت اليه طائفة من اصحابه فلامهم النّبىّ (ص) على الفرار فقالوا: فديناك بآبائنا وامّهاتنا اتانا الخبر بانّك قتلت فرعبت قلوبنا فولّينا مدبرين فأنزل الله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ} (الى آخر الآية) وكان سبب هزيمة المسلمين يوم احد انّ رسول الله (ص) لمّا سمع اجتماع المشركين لحربه وكانوا ثلاثة الاف فارس والفى راجل واخرجوا معهم النّساء جمع اصحابه وحثّهم على الجهاد ومنع عبد الله بن ابىّ اصحابه عن الخروج وقال سعد بن معاذ وامثاله: نخرج من المدينة وقبل رسول الله (ص) رأيه وخرج من المدينة ووضع رسول الله عبد الله بن جبير على باب الشّعب واكّد عليهم فى ثباتهم فى مراكزهم ووضع ابو سفيان خالد بن وليد فى مأتى فارس كميناً وقال: اذا اختلطنا فاخرجوا عليهم من هذا الشّعب حتّى تكونوا وراءهم وعبّأ رسول الله (ص) اصحابه ودفع الرّاية الى امير المؤمنين (ع) فحمل الانصار على مشركى قريش فانهزموا هزيمة قبيحة ووقع اصحاب رسول الله (ص) فى سوادهم وانحطّ خالد بن وليد فى مأتى فارس على عبد الله بن جبير فاستقبلوهم بالسّهام فرجع ونظر اصحاب عبد الله بن جبير الى اصحاب رسول الله (ص) ينهبون سواد القوم فقالوا لعبد الله: قد غنم أصحابنا ونبقى نحن بلا غنيمة..!؟ فقال لهم عبدالله: اتّقوا الله فانّ رسول الله (ص) قد تقدّم الينا ان لا نبرح فلم يقبلوا منه واقبلوا ينسلّ رجل فرجل حتّى خلّوا مراكزهم وبقى عبد الله بن جبير فى اثنى عشر رجلاً وانحطّ خالد بن وليد على عبد الله بن جبير واصحابه فقتلهم على باب الشّعب ثمّ أتى المسلمين فى ادبارهم ونظرت قريش فى هزيمتها الى الرّاية قد رفعت فلاذوا بها وانهزم اصحاب رسول الله (ص) هزيمة عظيمة واقبلوا يصعدون فى الجبال وفى كلّ وجه {وَمَن يَنقَلِبْ} عن دينه {عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً} بل يضرّ نفسه ويهلك حرثه ونسله {وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ} يعنى ومن يثبت على دينه ويذهب على استقامة طريقه فهو شاكر ورابح وسيجزى الله الشّاكرين وانّما اقتصر على هذا لافادته ايّاه مع شيءٍ زائدٍ باخصر لفظ انّما كان الثّابت الذّاهب مستقيماً شاكراً لصرفه نعم الله الّتى هى مداركه وقواه وبدنه واعضاؤه وعلمه وشعوره فيما خلقت لاجله، ولحفظه حقّ المنعم وعظمته فى انعامه حين صرف نعمه فيما خلقت له، والمراد بالشّاكرين هاهنا علىّ (ع) ونفر يسير بقوا عند رسول الله (ص) حين انهزم المسلمون، روى عن الصّادق (ع) انّه لمّا انهزم المسلمون يوم احد عن النّبىّ انصرف اليهم بوجهه وهو يقول: "حديث : انا محمّد انا رسول الله لم اقتل ولم امت، فالتفت اليه بعض الصّحابة فقال: الان يسخر بنا ايضاً وقد هزمنا وبقى معه علىّ (ع) وابو دجانة رحمه الله فدعاه النّبىّ (ص) فقال: يا ابا دجانة انصرف وانت فى حلٍّ من بيعتك فامّا علىّ (ع) فهو انا وانا هو فتحوّل وجلس بين يدى النّبىّ وبكى وقال: لا والله ورفع رأسه الى السّماء وقال: لا والله لا جعلت نفسى فى حلٍّ من بيعتى، انّى بايعتك فالى من انصرف يا رسول الله (ص)؟! الى زوجةٍ تموت؟ او ولدٍ يموت؟ او دار تخرب؟ ومال يفنى؟ واجل قد اقترب؟ فرقّ له النّبىّ فلم يزل يقاتل حتّى قتل فجاء به علىّ (ع) الى النّبىّ (ص) فقال: يا رسول الله (ص) اوفيت ببيعتى؟ - قال: نعم، وقال له النّبىّ (ص) خيراً وكان النّاس يحملون على النّبىّ (ص) الميمنة فيكشفهم علىّ (ع) فاذا كشفهم اقبلت الميسرة الى النّبىّ (ص) فلم يزل كذلك حتّى تقطّع سيفه بثلاث قطع فجاء الى النّبىّ (ص) فطرحه بين يديه وقال: هذا سيفى قد تقطّع فيومئذٍ اعطاه النّبىّ (ص) ذا الفقار ولمّا رأى النّبىّ (ص) اختلاج ساقيه من كثرة القتال رفع رأسه الى السّماء وهو يبكى وقال: يا ربّ وعدتنى ان تظهر دينك وان شئت لم يعيك فأقبل علىّ (ع) الى النّبىّ (ص) فقال: يا رسول الله (ص) اسمع دويّاً شديداً واسمع اقدم يا حيزوم وما اهمّ اضرب احداً الاّ سقط ميّتاً قبل ان اضربه فقال: هذا جبرئيل وميكائيل واسرافيل والملائكة ثمّ جاء جبرئيل فوقف الى جنب رسول الله (ص) فقال: يا محمّد (ص) انّ هذا لهى المواساة فقال النّبىّ (ص): انّ عليّاً (ع) منّى وانا منه فقال جبرئيل: وانا منكم"تفسير : (الى آخر الحديث) ونزل {وسيجزى الله الشّاكرين} وهذا مضمون ما روى عن الصّادق أيضاً، وفى حديثٍ عن النّبىّ (ص) "حديث : الا وانّ عليّاً (ع) هو الموصوف بالصّبر والشّكر ثمّ من بعده ولدى من صلبه"تفسير : ، ويظهر من الاخبار انّ الآية تعريض بما احدث المنافقون من بعده من رجوعهم من علىّ (ع) وتركهم وصيّته (ص) فى حقّه فعن علىّ (ع) فى حديثٍ حتّى اذا دعا الله نبيّه ورفعه اليه لم يك ذلك بعده الاّ كلمحة من خفقةٍ او وميض من برقة الى ان رجعوا على الاعقاب وانتكصوا على الادبار وطلبوا بالاوتار واظهروا الكتائب وردموا الباب وفلوا الدّيار وغيّروا آثار رسول الله (ص) ورغبوا عن احكامه وبعدوا من انواره واستبدلوا بمستخلفه بديلاً وعن الباقر (ع) انّه قال كان النّاس اهل ردّةٍ بعد رسول الله (ص) الاّ ثلاثة قيل ومن الثّلاثة؟ - قال: المقداد وابو ذرّ وسلمان الفارسىّ ثمّ عرف اناس بعد يسير فقال: هؤلاء الّذين دارت عليهم الرّحا وابوا ان يبايعوا حتّى جاءوا بامير المؤمنين مكرهاً فبايع وذلك قول الله {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ} (الآية) وعن الصّادق (ع) فى موت النّبىّ (ص) وقتله انّه قال: اتدرون مات النّبىّ (ص) او قتل انّ الله يقول: {افان مات او قتل انقلبتم على اعقابكم} (الى آخر الحديث).
اطفيش
تفسير : {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ}: بالموت أو القتل فسيخلوا بالموت أو القتل، كما خلوا، والواجب عليكم العمل بما جاءكم، حى أو مات أو قتل، كما قال: {أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}: الهمزة للإنكار والفاء سببية أنكر عليهم أن يجعلوا خلق الرسل قبله سبباً لرجوعهم إلى الشرك بعد موته، أو قتله، صلى الله عليه وسلم، وكان ينبغى العكس، وهو زيادة التمسك بدينه بعده ليحيا، ويجوز أن تكون الفاء لمجرد التعقيب، والهمزة لإنكار أن يسوع ارتدادهم بموته، وقتله، بعد علمهم بموت الأنبياء قبله، وقتلهم وتمسك من هدى الله من أممهم بدينهم. {وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ}: بأن رجع إلى الشرك. {فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً}: برجوعه إلى الشرك بل يضر نفسه ديناً وأخرى، ودين الله نور لا يطفأ، سمى الرجوع إلى الشرك انقلاباً على عقبى رجليه، أى استقبالا لموضع قد كان معرضاً عنه مستدبراً له، روى أنهم لما هزم المشركون، ونادى منادى المشركين: إن محمداً قد مات، قال بعضهم ليت ابن أبّى يأخذن أماناً من أبى سفيان، وقال ناس من المنافقين: لو كان نبيا لما قتل، ارجعوا إلى اخوانكم ودينكم، وفى ذلك نزل {أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِل} إلى قوله {لَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً} وحين قالوا ذلك وأظهروه، قال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: يا قوم إن كان قتل محمد، إن رب محمد حى لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعده، فقاتلوا على ما قاتل عليه، ثم قال اللهم إنى أعتذر إليك مما يقولون وإبراء منهم، وشد بسيفه وقاتل حتى قتل، فذلك نزل فيه معهم، ونزل فى وشات مثله قوله تعالى: {وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}: من شكره على نعمه الإسلام بالثبات عليه، كأنس بن النضر وسعد بن الربيع، الذى أوصى الأنصار يومئذ ومات كما مر، وأبى بكر وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : أبو بكر أمين الشاكرين وأمين أخبار الله"تفسير : . وكذا على، وكسعد بن أبى وقاص، رمى حتى كسر فى يده يومئذ، قوسان أو ثلاثة وكان رامياً شديد النزع، وكان إذا رمى أشرف له رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر موضع نبله، ونشل له رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته، وقال "ارم فداك أبى وأمى" ومرَّ بعض المهاجرين بأنصارى يتشخط فى دمه، فقال: يا فلان أشعرت أن محمد قد قتل؟. فقال: إن كان قد قتل فقد بلغ "قاتلوا على دينكم".
الالوسي
تفسير : {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ } روي أنه لما التقى الفئتان يوم أحد وحميت الحرب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من يأخذ هذا السيف بحقه ويضرب به العدو حتى ينحني؟ فأخذه أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري ثم تعمم بعمامة حمراء وجعل يتبختر ويقول: * أنا الذي عاهدني خليلي * ونحن بالسفح لدى النحيل * * أن لا أقوم الدهر في الكبول * أضرب بسيف الله والرسول * فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها لمشية يبغضها الله تعالى ورسوله إلا في هذا الموضع تفسير : فجعل لا يلقى أحداً إلا قتله وقاتل علي كرم الله تعالى وجهه قتالاً شديداً حتى التوى سيفه وأنزل الله تعالى النصر على المسلمين وأدبر المشركون فلما نظر الرماة إلى القوم قد انكشفوا والمسلمون ينتهبون الغنيمة خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قليلاً منهم فانطلقوا إلى العسكر فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة واشتغال الناس بالغنيمة ورأى ظهورهم خالية صاح في خيله من المشركين وحمل على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلفهم في مائتين وخمسين فارساً ففرقوهم وقتلوا نحواً من ثلاثين رجلاً ورمى عبد الله بن قميئة الحارثي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر رباعيته وشج وجهه الكريم وأقبل يريد قتله فذب عنه مصعب بن عمير صاحب الراية رضي الله تعالى عنه حتى قتله ابن قميئة. وقيل: إن الرامي عتبة بن أبـي وقاص فرجع وهو يرى أنه قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني قتلت محمداً وصرخ صارخ لا يدري من هو حتى قيل: إنه إبليس ألا إن محمداً قد قتل فانكفأ الناس وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو: إليّ عباد الله فاجتمع إليه ثلاثون رجلاً فحموه حتى كشفوا عنه المشركين ورمى سعد بن أبـي وقاص حتى اندقت سية قوسه ونثل له رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته وكان يقول ارم فداك أبـي وأمي وأصيبت يد طلحة بن عبيد الله فيبست وعين قتادة حتى وقعت على وجنته فأعادها رسول الله صلى الله عليه وسلم فعادت كأحسن ما كانت فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركه أبـيّ بن خلف الجمحي وهو يقول: لا نجوت إن نجوت فقال القوم: يا رسول الله ألا يعطف عليه رجل منا، فقال: دعوه حتى إذا دنا منه تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحرث بن الصمة ثم استقبله فطعنه في عنقه وخدشه خدشة فتدهدى من فرسه وهو يخور كما يخور الثور وهو يقول: قتلني محمد وكان أبـيّ قبل ذلك يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: عندي رمكة أعلفها كل يوم فرق ذرة أقتلك عليها ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: بل أنا أقتلك إن شاء الله تعالى فاحتمله أصحابه وقالوا: ليس عليك بأس قال: بلى لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر لقتلتهم أليس قال لي: أقتلك؟ فلو بزق عليَّ بعد تلك المقالة قتلني فلم يلبث إلا يوماً حتى مات بموضع يقال له سرف. ولما فشا في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل قال بعض المسلمين: ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن أبـيّ فيأخذ لنا أماناً من أبـي سفيان، وبعضهم جلسوا وألقوا بأيديهم. وقال أناس من أهل النفاق إن كان محمد قد قتل فالحقوا بدينكم الأول، فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه / ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما قال هؤلاء ـ يعني المسلمين ـ وأبرأ إليك عما قال هؤلاء ـ يعني المنافقين ـ ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل رضي الله تعالى عنه. وروي أن أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك قال: «عرفت عينيه تحت المغفر تزهران فناديت بأعلى صوتي يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إليّ أن اسكت فانحازت إليه طائفة من أصحابه رضي الله تعالى عنهم فلامهم النبـي صلى الله عليه وسلم على الفرار فقالوا: يا رسول الله فديناك بآبائنا وأبنائنا أتانا الخبر بأنك قتلت فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين» فأنزل الله تعالى هذه الآية. ومحمد علم لنبينا صلى الله عليه وسلم منقول من اسم المفعول من حمد المضاعف لغة سماه به جده عبد المطلب لسابع ولادته لموت أبيه قبلها ولما سئل عن ذلك قال لرؤية رآها: رجوت أن يحمد في السماء والأرض، ومعناه قبل النقل من يحمد كثيراً وضده المذمم، وفي الخبر أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ألم تروا كيف صرف الله تعالى عني لعن قريش وشتمهم يشتمون مذمماً وأنا محمد»تفسير : . وقد جمع هذا الاسم الكريم من الأسرار ما لا يحصى حتى قيل: إنه يشير إلى عدة الأنبياء كإشارته إلى المرسلين منهم عليهم الصلاة والسلام وعبر عنه صلى الله عليه وسلم بهذا الاسم هنا لأنه أول أسمائه وأشهرها وبه صرخ الصارخ، وهو مرفوع على الابتداء وخبره ما بعد إلا ولا عمل ـ لما ـ بالاتفاق لانتقاض نفيه بإلا، واختلفوا في القصر هل هو قصر قلب أم قصر إفراد؟ فذهب العلامة الطيبـي وجماعة إلى أنه قصر قلب لأنه جعل المخاطبون بسبب ما صدر عنهم من النكوص على أعقابهم عند الإرجاف بقتل النبـي صلى الله عليه وسلم كأنهم اعتقدوا أن محمداً صلى الله عليه وسلم ليس حكمه حكم سائر الرسل المتقدمة في وجوب اتباع دينهم بعد موتهم بل حكمه على خلاف حكمهم فأنكر الله تعالى عليهم ذلك وبين أن حكم النبـي صلى الله عليه وسلم حكم من سبق من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين في أنهم ماتوا وبقي أتباعهم متمسكين بدينهم ثابتين عليه فتكون جملة {قَدْ خَلَتْ } الخ صفة لرسول منبئة عن كونه صلى الله عليه وسلم في شرف الخلو فإن خلو مشاركيه في منصب الرسالة من شواهد خلوه لا محالة كأنه قيل: قد خلت من قبله أمثاله فسيخلو كما خلوا، والقصر منصب على هذه الصفة فلا يرد أنه يلزم من قصر القلب أن يكون المخاطبون منكرين للرسالة لأن ذلك ناشىء من الذهول عن الوصف، وقيل: الجملة في موضع الحال من الضمير في {رَّسُولٍ } والانصباب هو الانصباب. وذهب صاحب «المفتاح» إلى أنه قصر إفراد إخراجاً للكلام على خلاف مقتضى الظاهر بتنزيل استعظامهم عدم بقائه صلى الله عليه وسلم منزلة استبعادهم إياه وإنكارهم له حتى كأنهم اعتقدوا فيه وصفين الرسالة والبعد عن الهلاك فقصر على الرسالة نفياً للبعد عن الهلاك، واعترض بأنه يتعين على هذا جعل جملة {قد خلت} مستأنفة لبيان أنه صلى الله عليه وسلم ليس بعيداً عن عدم البقاء كسائر الرسل إذ على اعتبار الوصف لا يكون إلا قصر قلب لانصباب القصر عليه، وكون الجملة مستأنفة بعيد لمخالفته القاعدة في الجمل بعد النكرات، وأجيب بأن ذلك ليس بمتعين لجواز أن تكون صفة أيضاً مؤكدة لمعنى القصر متأخرة عنه في التقدير، وقرأ ابن عباس ـ رسل ـ بالتنكير. {أَفَإيْن مَّاتَ أَوْ قُتلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبكُمْ} الهمزة للإنكار والفاء استئنافية أو لمجرد التعقيب، والانقلاب على الأعقاب في الأصل الرجوع القهقرى، وأريد به الارتداد والرجوع إلى ما كانوا عليه من الكفر في المشهور، والغرض إنكار ارتدادهم عن الدين بخلوه صلى الله عليه وسلم بموت أو قتل بعد علمهم بخلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكاً به، واستشكل بأن القوم لم يرتدوا فكيف عبر بالانقلاب على الأعقاب المتبادر منه ذلك؟ وأجيب بأنه ليس المراد ارتداداً حقيقة وإنما هو تغليظ عليهم فيما كان منهم من الفرار والانكشاف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسلامهم إياه للهلك، وقيل: الإنكار هنا بمعنى أنه لم يكن ذلك ولا ينبغي لا إنكار لما وقع، وقيل: هو إخبار عما وقع لأهل الردة بعد موته صلى الله عليه وسلم وتعريض بما وقع من الهزيمة لشبهه به. وحمل بعضهم الانقلاب هنا على نقص الإيمان لا الكفر بعده احتجاجاً بما أخرجه ابن المنذر عن الزهري قال: «لما نزلت هذه الآية أية : {لِيَزْدَادُواْ إِيمَـٰناً مَّعَ إِيمَـٰنِهِمْ } تفسير : [الفتح: 4] قالوا: حديث : يا رسول الله قد علمنا أن الإيمان يزداد فهل ينقص؟ قال: إي والذي بعثني بالحق إنه لينقص قالوا: فهل لذلك دلالة في كتاب الله تعالى؟ قال: نعم، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ } تفسير : والانقلاب نقصان لا كفر ولا يخفى أن هذا الخبر ليس من القوة إلى حيث يحتج به وإني لا أجد عليه طلاوة الأحاديث الصحيحة. وذهب بعضهم إلى أن الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة التي قبلها على معنى التسبب، والهمزة لإنكار ذلك أي لا ينبغي أن تجعلوا خلو الرسل قبله سبباً لانقلابكم على أعقابكم بعد موته أو قتله بل اجعلوه سبباً للتمسك بدينه كما هو حكم سائر الأنبياء عليهم السلام ففي انقلابكم على أعقابكم تعكيس لموجب القضية المحققة التي هي كونه رسولاً يخلو كما خلت الرسل، وإيراد الموت بكلمة (إن) مع العلم [به] البتة لتنزيل المخاطبين منزلة المترددين فيه لما ذكر من استعظامهم إياه، قال المولى: وهكذا الحال في سائر الموارد فإن كلمة (إن) في كلام الله تعالى لا تجري على ظاهرها أصلاً ضرورة علمه تعالى بالوقوع أو اللاوقوع بل تحمل على اعتبار حال السامع، أو أمر آخر يناسب المقام. والمراد من ـ الموت ـ الموت على الفراش و ـ بالقتل ـ الموت بواسطة نقض البنية وقدم تقدير الموت مع أن تقدير القتل هو الذي كاد يجرّ الموت الأحمر لما أن الموت في شرف الوقوع فزجر الناس عن الانقلاب عنده وحملهم على الثبات هناك أهم، ولأن الوصف الجامع في نفس الأمر بينه صلى الله عليه وسلم وبين الرسل عليهم الصلاة والسلام هو الموت دون القتل خلافاً لمن زعمه مستدلاً بما ورد من أكلة خيبر، وإن كان قد وقع فيهم قتل وموت وإنما ذكر القتل مع علمه سبحانه أنه لا يقتل لتجويز المخاطبين له وآية {أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ }تفسير : [المائدة: 67] على تقدير نزولها قبل أحد يحتمل أنها لم تصل هؤلاء المنهزمين، وبتقدير وصولها احتمال أن لا تحضرهم قائم في مثل ذلك المقام الهائل. وقد غفل عمر رضي الله تعالى عنه عن هذه الآية يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد روى أبو هريرة أنه رضي الله تعالى عنه قام يومئذٍ فقال: إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما مات ولكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل: قد مات والله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رجع موسى فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات، فخرج أبو بكر فقال: على رسلك يا عمر أنصت فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله تعالى فإن الله تعالى حي لا يموت، ثم تلى هذه الآية {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ } إلى آخرها فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذٍ فأخذها الناس من أبـي بكر، وقال عمر: فوالله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى / وقعت إلى الأرض ما تحملني رجلاي وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات، والاعتذار باختصاص فهم آية العصمة بالعلماء من الصحابة وذوي البصيرة منهم مع ظهور معنى اللفظ كما اعتذر به الزمخشري لا يخفى ما فيه، وكون المراد منها العصمة من فتنة الناس وإضلالهم لا يخفى بعده لأن النبـي صلى الله عليه وسلم لا يظن به ذلك، وإنما يرد مثله في معرض الإلهاب والتعريض. {وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ } بما فعل من الانقلاب لأنه تعالى لا تجوز عليه المضار {شَيْئاً } من الضرر وإن قل وإنما يضر نفسه بتعريضها للسخط والعذاب أو بحرمانها مزيد الثواب، ويشير إلى ذلك توجه النفي إلى المفعول فإنه يفيد أنه يضر غير الله تعالى وليس إلا نفسه {وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ } أي سيثيب الثابتين على دين الإسلام، ووضع الشاكرين موضع الثابتين لأن الثبات عن ذلك ناشىء عن تيقن حقيته وذلك شكر له، وفيه إيماء إلى كفران المنقلبين، وإلى تفسير الشاكرين بالثابتين ذهب علي كرم الله تعالى وجهه وقد رواه عنه ابن جرير، وكان يقول: الثابتون هم أبو بكر وأصحابه وأبو بكر رضي الله تعالى عنه أمير الشاكرين، وعن ابن عباس أن المراد بهم الطائعون من المهاجرين والأنصار، وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار للإعلان بمزيد الاعتناء بشأن جزائهم واتصال هذا بما قبله اتصال الوعد بالوعيد.
ابن عاشور
تفسير : عطف الإنكار على الملام المتقدّم في قوله تعالى: {أية : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة}تفسير : [آل عمران: 142] وقوله: {أية : ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه}تفسير : [آل عمران: 143] وكُلّ هاته الجمل ترجع إلى العتاب والتقريع على أحوال كثيرة، كانت سبب الهزيمة يوم أُحُد، فيأخذ كُلّ من حضر الوقعة من هذا الملام بنصِيبه المناسب لما يعلمه من حاله ظاهراً كان أم باطناً. والآية تشير إلى ما كان من المسلمين من الاضطراب حين أرجَف بموت الرّسول صلى الله عليه وسلم فقال المنافقون: لو كان نبيّاً ما قتل، فارجعوا إلى دينكم القديم وإخوانكم من أهل مكَّة ونكلّم عبد الله بن أبَي يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان، فهمّوا بترك القتال والانضمام للمشركين، وثبت فريق من المسلمين، منهم: أنس بن النضر الأنصاري، فقال: إن كان قُتل محمد فإنّ ربّ محمد حيّ لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعده، فقاتلوا على ما قاتل عليه. ومحمد اسم رسول الله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم سمَّاه به جدّه عبد المطلب وقيل له: لِمَ سَمّيتَه محمّداً وليس من أسماء آبائك؟ فقال: رجوت أن يحمده النَّاس. وقد قيل: لم يسمّ أحد من العرب محمداً قبل رسول الله. ذكر السهيلي في «الروض» أنّه لم يُسمّ به من العرب قبل ولادة رسول الله إلاّ ثلاثة: محمد بن سفيان بن مجاشع، جدّ جدّ الفرزدق، ومحمد بن أحَيْحَةَ بن الجُلاَح الأوسي. ومحمد بن حمران مِن ربيعة. وهذا الاسم منقول من اسم مفعول حَمَّده تحميداً إذا أكثر من حمده، والرسول فَعول بمعنى مَفعول مثل قولهم: حَلُوب ورَكوب وجَزور. ومعنى {خلت} مضت وانقرضت كقوله: {أية : قد خلت من قبلكم سنن}تفسير : [آل عمران: 137] وقول امرىء القيس: (مَن كان في العصر الخالي) وقَصر محمداً على وصف الرسالة قَصْرَ موصوف على الصفة. قصراً إضافياً، لردّ ما يخالف ذلك ردّ إنكار، سواء كان قصر قلب أو قصر إفراد. والظاهر أنّ جملة {قد خلت من قبله الرسل} صفة «لرسول»، فتكون هي محطّ القصر: أي ما هو إلاّ رسول موصوف بخلوّ الرسل قبله أي انقراضهم. وهذا الكلام مسوق لردّ اعتقاد من يعتقد انتفاء خلوّ الرسلِ مِن قبله، وهذا الاعتقاد وإن لم يكن حاصلاً لأحد من المخاطبين، إلاّ أنَّهم لمّا صدر عنهم ما من شأنه أن يكون أثراً لهذا الاعتقاد، وهو عزمهم على ترك نصرة الدّين والاستسلام للعدوّ كانوا أحرياء بأن ينزلوا منزلة من يعتقد انتفاء خلوّ الرسل مِن قبله، حيث يجدون أتباعهم ثابتين على مللهم حتّى الآن فكان حال المخاطبين حال من يتوهّم التلازم بين بقاء الملّة وبقاء رسولها، فيستدلّ بدوام الملّة على دوام رسولها، فإذا هلك رسول ملّة ظنّوا انتهاء شرعه وإبطال اتّباعه. فالقصر على هذا الوجه قصر قلب، وهو قلب اعتقادهم لوازم ضدّ الصّفة المقصور عليها، وهي خلوّ الرسل قبله، وتلك اللوازم هي الوهَن والتردّد في الاستمرار على نشر دعوة الإسلام، وبهذا يشعر كلام صاحب «الكشّاف». وجعَل السكاكي المقصور عليه هو وصف الرسالة فيكون محطّ القصر هو قوله: «رسول» دون قوله: {قد خلت من قبله الرسل} ويكون القصر قصرَ إفْراد بتنزيل المخاطبين منزلة من اعتقد وصفه بالرسالة مع التنزّه عن الهلاك، حين رتَّبوا على ظنّ موته ظنوناً لا يفرضها إلاّ من يعتقد عصمته من الموت، ويكون قوله: {قد خلت من قبله الرسل} على هذا الوجه استئنافاً لا صفة، وهو بعيد، لأنّ المخاطبين لم يصدر منهم ما يقتضي استبعاد خبر موته، بل هم ظنّوه صدقاً. وعلى كلا الوجهين فقد نُزّل المخاطبون منزلَة من يَجهل قصر الموصوف على هذه الصفة وينكره، فلذلك خوطبوا بطريق النَّفي والاستثناء، الَّذي كثر استعماله في خطاب من يجهل الحكم المقصورَ عليه وينكره دون طريق، إنَّما كما بيّنه صاحب «المفتاح». وقوله: {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} عطف على قوله: {وما محمد إلا رسول} إلخ... والفاء لتعقيب مضمون الجملة المعطوف عليها بمضمون الجملة المعطوفة، ولمَّا كان مضمون الجملة المعطوفة إنشاء الاستفهام الإنكاري على مضمونها، وهو الشرط وجزاؤه، لم يكن للتعقيب المفاد من فاء العطف معنى إلاّ ترتّب مضمون المعطوفة على المعطوف عليها، ترتّب المسبّب على السبب، فالفاء حينئذ للسببية، وهمزة الاستفهام مقدّمة من تأخير، كشأنها مع حروف العطف، والمعنى ترتّب إنكار أن ينقبلوا على أعقابهم على تحقّق مضمون جملة القصر: لأنّه إذا تحقّق مضمون جملة القصر، وهو قلب الاعتقاد أو إفرادُ أحد الاعتقادين، تسبّب عليه أن يكون انقلابهم على الأعقاب على تقدير أن يموت أو يقتل أمراً منكراً جديراً بعدم الحصول، فكيف يحصل منهم، وهذا الحكم يؤكِّد ما اقتضته جملة القصر، من التعريض بالإنكار عليهم في اعتقادهم خلاف مضمون جملة القصر، فقد حصل الإنكار عليهم مرتين: إحداهما بالتَّعريض المستفاد، من جملة القصر، والأخرى بالتَّصريح الواقع في هاته الجملة. وقال صاحب «الكشاف»: الهمزة لإنكار تسبّب الانقلاب على خلوّ الرسول، وهو التسّبب المفاد من الفاء أي إنكار مجموع مدلول الفاء ومدلول مدخولها مثل إنكار الترتّب والمهلة في قوله تعالى: {أية : أثم إذا ما وقع آمَنْتم به}تفسير : [يونس: 51] وقول النابغة: شعر : أثُمّ تَعَذّرانِ إلَيّ منهَا فإنّي قد سمِعْتُ وقد رأيتُ تفسير : بأن أنكر عليهم جعلهم خلوّ الرسل قبله سبباً لارتدادهم عند العلم بموته. وعلى هذا فالهمزة غير مقدّمة من تأخير لأنَّها دخلت على فاء السَّببية. ويَرِد عليه أنَّه ليس علمهم بخلوّ الرسل من قبله ـــ مع بقاء أتباعهم متمسكين ـــ سبباً لانقلاب المخاطبين على أعقابهم، وأجيب بأنّ المراد أنَّهم لمَّا علموا خلوّ الرسل من قبله مع بقاء مللهم، ولم يَجْروا على موجَب علمهم، فكأنَّهم جعلوا علمهم بذلك سبباً في تحصيل نقيض أثره، على نحو ما يعرض من فساد الوضع في الاستدلال الجدلي، وفي هذا الوجه تكلّف وتدقيق كثير. وذهب جماعة إلى أنّ الفاء لِمجرّد التَّعقيب الذكري، أو الاستئناف، وأنَّه عطف إنكار تصريحي على إنكار تعريضي، وهذا الوجه وإن كان سهلاً غير أنَّه يفيت خصوصية العطف بالفاء دون غيرها، على أنّ شأن الفاء المفيدة للترتيب الذكري المحض أن يعطف بها الأوصاف نحو {أية : والصافات صفا فالزاجرات زجراً}تفسير : [الصافات: 1، 2] أو أسماء الأماكن نحو قوله: شعر : بَيْنَ الدّخول فحَوْمَل فتُوضِحَ فالمقراة... إلخ تفسير : والانقلاب: الرجوع إلى المكان، يقال: انقلب إلى منزله، وهو هنا مجاز في الرجوع إلى الحال الَّتي كانوا عليها، أي حال الكفر. و {على} للاستعلاء المجازي لأنّ الرجوع في الأصل يكونُ مُسبَّباً على طريق. والأعقاب جمع عقب وهو مؤخّر الرّجل، وفي الحديث «حديث : وَيْل للأعقاب من النَّار»تفسير : والمراد منه جهة الأعقاب أي الوراء. وقوله: {ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً} أي شيئاً من الضر، ولو قليلاً، لأنّ الارتداد عن الدّين إبطال لما فيه صلاح النَّاس، فالمرتدّ يضرّ بنفسه وبالنَّاس، ولا يضرّ الله شيئاً، ولكن الشاكر الثَّابت على الإيمان يجازي بالشكر لأنَّه سعى في صلاح نفسه وصلاح النَّاس، والله يحبّ الصلاح ولا يحبّ الفساد. والمقصود من الآية العتاب على ما وقع من الاضطراب، والثناءُ على الَّذين ثبتوا ووعظوا النَّاس، والتحذيرُ من وقوع الارتداد عند موت الرسول ـــ عليه السَّلام ـــ، وقد وقع ما حذّرهم الله منه بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إذا ارتد كثير من المسلمين، وظنّوا اتِّباعَ الرسول مقصوراً على حياته، ثُمّ هداهم الله بعد ذلك، فالآية فيها إنباء بالمستقبل.
القطان
تفسير : في غمرة المعركة وساعة المحنة، وحيث انقلبت الكفة ودارت الدائرة على المسلمين ـ قُتل مصعب بن عمير. وكان مصعب يشبه النّبي شبهاً تاما، فنادى قاتلُه: قتلتُ محمداً. في تلك الساعة الحرجة قال أنس بن النضر (وهو عم أنس من مالك): يا قوم، ان كان محمد قد قُتل فان رب محمد حيّ لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله! قاتِلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه. ثم شد سيفه وقاتل حتى قُتل. فالله سبحانه وتعالى هنا يخاطب هؤلاء بقوله: ليس محمد إلا رسول قد مضت قبله الرسل، فماتوا وقُتل بعضهم ولم يُكتب لأحد منهم الخلود. وسيموت محمد كما ماتوا، أفإن مات أو قُتل رجعتم على اعقابكم الى الكفر! ان من يرجع الى الكفر في تلك الحال لن يضر الله شيئاً، وانما يضر نفسه، بتعريضها للعذاب. ويرشدنا الله في هذه الآية الى ان نتّبع الرسول ونسترشد برسالته وهدية ودينه، اما ما يصيب جسمه من جرح أو ألم. وما يعرض له من حياة وموت ـ فلا مدخل له في صحة دعوته، ولا لخضوعنا نحن. ذلك ان محمداً بشر مثلنا خاضع لسنن الله. {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله...} فالموت والحياة بيد الله، ولا يمكن ان تموت نفس إلا بإذن الله، وفي أجل معين يعلمه الله، لا يتقدم ولا يتأخر. لذلك، قد يموت الصغير ويبقى الكبير، ويفتك المرض بالشابّ القوى فيما يعيش المريض العليل. وقد يسلم المقدام في الحرب ويُقتل الجبان. ومن ثم لا عذر للمرء هنا في الوهن والضعف. وفي الآية تحريض على الجهاد، والذي تركناه اليوم لليهود، فهم يجاهدون عن وطنهم المزعوم ونحن قاعدون مستسلمون لنكبة وطننا الحق، نريد من الأمم أن تحل قضيّتنا. ألا بئس ما نحن فيه! ما دام الأجل محتوماً، ومؤقتا بميقات، فلماذا هذا الجُبن والخور! {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا...} ومن قصَد بعمله حظَّ الدنيا أعطاه الله ثوابها، ومن قصد الآخرة اعطاه الله حظاً من ثوابها وأجزله له، وسيجزي الله الشاكرين لنعمائه، وهم الذين أطاعوه فيما أمرهم به وجاهدوا وصبروا مع النبي صلى الله عليه وسلم. وقد كرر تعالى: قوله: {وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ} حتى يعلم كل انسان ان الله كريم لا يُضيع أجر من أحسن عملا.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَفإِنْ} {أَعْقَابِكُمْ} {ٱلشَّاكِرِينَ} (144) - لَمَّا انْهَزَمَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ، أُشِيعَ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ قُتِلَ، فَحَصَلَ ضَعْفٌ فِي صُفُوفِ المُسْلِمِينَ، وَتَأخُّرٌ عَنِ القِتَالِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيةَ، وَفِيهَا يُذَكِّرُ المُسْلِمِينَ بِأَنَّ مُحَمَّداً بَشَرٌ قَدْ سَبَقَتْه رُسُلٌ، مِنْهُمْ مَنْ مَاتَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ، ثُمَّ يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ ضَعُفَ مِنْهُمْ، حِينَ سَمَاعِ إِشَاعَةِ قَتْلِ الرَّسُولِ، ضَعْفَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: أفإنْ مَاتَ مُحَمَّدٌ، أوْ قُتِلَ، تَرَاجَعْتُمْ وَنَكَصْتُمْ عَلَى أعْقَابِكُمْ؟ وَمَنْ يَتَرَاجَعْ وَيَنْكُصْ عَلَى عَقِبَيْهِ، فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيئاً، لأِنَّ اللهَ غَنِيٌ عَنِ العَالَمِينَ، أمَّا الذِينَ امْتَثَلُوا لأِمْرِ اللهِ، وَقَاتَلُوا عَنْ دِينِهِ، وَاتَّبَعُوا رَسُولَهُ، فَهَؤُلاءِ هُمُ الشَّاكِرُونَ، وَسَيَجْزِيهِمْ رَبُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ. انْقَلَبَ عَلَى عَقِبَيْهِ - رَجَعَ إلَى الوَرَاءِ، وَنَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونحن نعرف ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه الأول هو "محمد"، وله اسم ثانٍ عرفناه من القرآن وجاء في الإنجيل هو "أحمد": {أية : وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي ٱسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ}تفسير : [الصف: 6]. وقد ورد اسمه صلى الله عليه وسلم "مُحمد" في القرآن أربع مرات، و"أحمد" وردت مرة واحدة. والآية التي نحن بصددها، وهي آية ذكر فيها اسم محمد: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ} [آل عمران: 144]. ولنقرأ قول الحق: {أية : مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً}تفسير : [الأحزاب: 40]. وقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ}تفسير : [محمد: 2]. وها هو ذا القول الكريم: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً ..}تفسير : [الفتح: 29]. والاسم هو ما وُضع عَلَماً على المسَمَّى؛ بحيث إذا ذُكر الاسم جاء إلى الذهن المسمى، فإذا اشترك اثنان في بيئة واحدة في اسم؛ فلا بد من التمييز بينهما بوصف. فإذا كان في أسرة واحدة ولدان اسم كل واحد منهما مُحمد، فلا بد أن نميز بين الاثنين بصفة، وفي الريف نجد من يسمى "مُحمداً الكبير" و "مُحمداً الصغير". وكلمة "مُحمد" وكلمة " أحمد" مشتركتان في أصل المادة؛ لأنهما من "الحاء والميم والدال" فالمادة هي الحمد، إلا أن التوجيه الاشتقاقي في محمد غير التوجيه الاشتقاقي في أحمد، لأن الاسم قبل أن يكون علماً إذا خرجت به عن معناه الأصلي، انحل عن معناه الأصلي، وصار علماً على الشخص. ولذلك قد نجد رجلاً له جارية سوداء فيسميها "قمراً" وقد يكون للرجل عبد شقي فيسميه: "سعيداً". فإذا صار الاسم علماً على شيء فإنه ينتقل من معناه الأصلي ويصير عَلَماً على المسمَّى، لكن الناس حين تُسمى أبناءها تلمح التفاؤل في أن يصير المعنى الأصلي واقعاً. والدميمة التي يسميها صاحبها "قمراً" افتقدت جمال المسمى، ولذلك فهو يريد لها أن تأخذ جمال الاسم .. وكلمة "مُحمد" حين ننظر إليها في الاشتقاق نجد أنها ذاتٌ يقع عليها الحَمْد من غيرها، مثلما تقول: فلان مكرَّم أي وقع التكريم من الغير عليه. وكلمة "أحمد" نجدها ذاتاً وقع عليها الحمد لغيرها. وعندما نقول: مُكرِّم - بضم الميم وفتح الكاف مع تشديد الراء مكسورة - أي وقع التكريم منه لغيره. ونحن عندنا اسمان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، في القرآن وكلاهما من مادة "الحمد" فـ "محمد" ملحوظ فيه أن الحمد وقع عليه كثيراً من غيره. لكن لو كان المراد أن الحمد وقع عليه دون الكثرة فيه لكان اسم "محمود" هو الذي يطلق عليه فقط. أما "أحمد" فقد قلنا إنه ملحوظ فيها أن الحَمْد وقع منه لغيره. و"أحمد" تتطابق مع أفعل التفضيل فنحن نقول: "فلان كريم وفلان أكرم من فلان". إذن فـ "أحمد" أي وقع منه الحمد لغيره كثيراً، فلو كان الحمد قد وقع منه بقدر محدود لقلنا "حامد". إذن فـ"أحمد" مبالغة في "حامد" وقع منه الحمد لغيره كثيراً فصار أحمد. و"محمد" مبالغة في "محمود"، وقع عليه الحمد من غيره كثيراً فصار محمداً. إذن فرسول الله صلى الله عليه وسلم جمع له الله بين الأمرين؛ فهو محمد من الله وحامد لله؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع الله له بين مقامين: مقام الاصطفاء ومقام المجاهدة، فبالاصطفاء كان "محمداً" و"محموداً"، وبالمجاهدة كان "حامداً" و"أحمد". إذن نحن هنا أمام مقامين اثنين لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا محمد وأحمد والمقفى والحاشر ونبي التوبة ونبي الرحمة ". تفسير : وسيكون لذلك كلام ونحن نتناول هنا بالخواطر معركة أُحد، فبعد أن انحل القوم من الرماة عن أمره، وحدثت الكرَّة عليهم من المشركين القرشيين، بعد ذلك يتجه الصحابة هنا وهناك ليفروا، ويتكتل المشركون على رسول الله لدرجة أن ابن قمئة يمسك حجراً ويضرب به حضرة النبي عليه الصلاة والسلام فيكسر رَبَاعِيَّتَه. وتنغرز في وجنتي الرسول حلقتا المغفر، ويسيل منه الدم، ويحاول الرسول صلى الله عليه وسلم أن يصعد على صخرة من الجبل ليعلوها فلم يستطع فجلس تحته طلحة بن عبيد الله فنهض به حتى استوى عليها. وكلها مجاهدات بشرية. أما كان الله بقادر أن يُجنِّب رسوله كل ذلك؟ إنه سبحانه قادر. ولكن كل ذلك كان تكريماً من الله، ولم يرد سبحانه أن يحرم رسوله من لذة المجاهدة، وحتى يعرِّف الله المؤمنين بمحمد نقول: إن الله لم يأت بمحمد ليدللـه على خلقه، ولكن ليدُلَّ كُلَّ مؤمن على أن رسول الله حينما حدث له ما حدث قد ذاق المجاهدة؛ فقد فر بعض المقاتلين من المعركة في أُحُد، وكادت ريح الهزيمة تهب على معسكر الإيمان، ها هو ذا سيدنا أبو عبيدة رضي الله عنه يذهب إلى رسول الله فيجد حلقتي المغفر في وجنتيه صلى الله عليه وسلم، فيحاول سيدنا أبو بكر أن يخلع حلقتي المغفر، فيتألم الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقول سيدنا أبو عبيدة: - إليك يا أبا بكر. بالله دعني. ويمسك أبو عبيدة بإحدى الحلقتين وينزعها من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقطت ثنيته، ثم نزع الحلقة الأخرى فسقطت ثنيته الأخرى فكان أبو عبيدة - رضي الله عنه - ساقط الثنيتين، وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح".تفسير : وينزف دمه صلى الله عليه وسلم، وسيدتنا فاطمة يلهمها الله أن تأتي بقطعة من حصير وتحرقها، وتأخذ التراب الباقي من الحريق وتضمد به الجرح. إن الله لم يشأ أن يحرم رسوله لذة المجاهدة. ويأتي أنس بن النضر ويجد الصحابة وفيهم عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله وقد ألقوا ما بأيديهم، فيسألهم أنس: ما يجلسكم؟ فيقولون: قُتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول: فماذا تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم استقبل القوم من المشركين فقاتل حتى قُتِل. هذه كلها مواقف لم تكن تأتي وتظهر إلا بهذه المعركة. {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ} [آل عمران: 144] أي اسمعوا. هذا محمد وهذه منزلته، هو رسول من الله جاء بعد عيسى بن مريم، وكان من الواجب أن نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم مؤكد على بشريته. {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران: 144]. وهل انقلب أتباع الرسل السابقين على أعقابهم حينما ماتت رسلهم؟ فكيف تكونون أقل شأنا من هذه الأمم؟ هبوا أن ذلك قد حدث، فلماذا لا يبقى الخير الذي بلغه فيكم رسول الله إلى يوم القيامة؟ الرجل الذي يكون قد صنع خيراً يموت بموته، أيكون قد صنع شيئاً؟ لا؛ فالذي يريد أن يصنع خيراً فعليه أن يصنع خيراً يخلفه. لذلك فالزعامات الفاشلة هي التي يكون الفرد فيها زعيماً، ثم يموت ونبحث عن زعيم بعده فلا نجد ونتساءل: لماذا خنق الزعيم أصحابه وزملاءه؟ أكان خائفاً منهم؟ ونظل نتمنى أن يكون قد ربَّى الزعيم أناساً، فإذا ما ذهب نجد من يخلفه، فلا يوجد إنسان يضمن حياته؛ لذلك يقول الحق: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ} [آل عمران: 144]. وساعة تسمع القول الكريم: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ} [آل عمران: 144] فهذا أسلوب اسمه أسلوب القصر. إنه سبحانه وتعالى يقصر محمداً على الرسالة. فإذا قصر محمد صلى الله عليه وسلم على الرسالة فهذا يعني أن بعض المعاصرين له كانوا يعتقدون أن محمداً أكبر من رسول ولا يموت. فأوضح الله سبحانه أن محمداً رسول، وقد خلت من قبله الرسل، ولن يخلد الله أحداً. وهل غاب ذلك عن الذهن؟ نعم كان ذلك يغيب عن الذهن بدليل أنه حتى بعد أن نزلت هذه الآية وصارت قرآناً يُتلى، نجد أن سيدنا عمر رضي الله عنه وكانت له فطرة صافية توافق وحي الله، أنه محدَّث مُلْهَم. ها هو ذا عمر بن الخطاب حينما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتقل إلى رحاب الله يقول: والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يموت حتى يقطع أيدي أناس من المنافقين كثير وأرجلهم. قال عمر بن الخطاب ذلك من هول الفاجعة ونسي الآية فيأتي سيدنا أبو بكر فيقول: من كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لم يمت، ومن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، وتلا قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِين} [آل عمران: 144]. فقال عمر بن الخطاب: "فلكأني لم أقرأها إلا يومئذ". ثم إن عمر بعد أن بايع المسلمون أبا بكر بالخلافة قال: أما بعد فإني قلت لكم أمس مقالة، وإنها لم تكن كما قلت، وإني والله ما وجدت المقالة التي قلت لكم في كتاب أنزله الله، ولا في عهد عهده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكني كنت أرجو أن يعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يَدْبُرنا فاختار الله عز وجل لرسوله الذي عنده على الذي عندكم، وهذا الكتاب الذي هدى الله به رسوله فخذوا به تهتدوا كما هُدِيَ له رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذه تعطينا أمرين اثنين: الأمر الأول: هو عِشق الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والأمر الثاني: هو حاجة إيمان؛ فالعشق لا يستقيم ولا يصح أن يخرجنا عن طور التصور الإيماني؛ فعمر بن الخطاب قال: عندما سمعت أبا بكر يتلو هذه الآية عرفت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى هويت على الأرض. إذن فقوله سبحانه: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ} [آل عمران: 144] يعني لا ترتفعوا به أنتم أيها المؤمنون برسالته فوق ما رفعته أنا. ومعنى {يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} [آل عمران: 144] أي يَرجع. فهل هذا الرجوع رجوع عن المعركة؟ أو رجوع عن أصل التشريع وأصل الديانة وأصل الرسالة التي جاء بها محمد؟ إن هذا يصح، وذلك يصح. وقوله الحق: {أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ} [آل عمران: 144] قول واضح، وسبق أن تعرضنا إلى الموت وإلى القتل، وقلنا: إن الموت والقتل مؤداهما واحد، وهو الذهاب بالحياة، إلا أن الذهاب بالحياة مرة يكون بنقض البنية التي لا تسكن الروح فيها إلاّ بمواصفاتها، فإن نقضت البنية ولم تجد الروح المسكنَ الملائم لها تتركه، لكن الموت على إطلاقه: هو أن تذهب الحياة بدون نقض البنية، فالإنسان يذهب حتف أنفه، أي نجده قد مات وحده. إذن فنقض البنية يؤدي إلى ذهاب الحياة بالقتل؛ لأن الروح لا تسكن في مادة إلا بمواصفات خاصة، فإذا انتهت هذه المواصفات ذهبت الروح. لكن عندما تذهب الروح بمفردها بدون نقض للبنية فهذا هو الموت لا القتل. والله سبحانه يقول: {أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ} [آل عمران: 144] ذلك أنهم أشاعوا أن النبي قد قتل. وكيف يجوز ذلك على الصحابة والله قد قال: {أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ..}تفسير : [المائدة: 67]. وهنا نقول: هل أنت علمت أن هذه الآية قد نزلت قبل أُحد أو بعدها؟ وهل أنت حسن الظن بأن كل صحابي يكون مستحضراً لكل آيات القرآن في بؤرة شعوره؟ ألا ترى أنهم عندما سمعوا خبر قتله هربوا، وإذا كان سيدنا عمر قد نسي هذه الآية: {أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ} [آل عمران: 144] كما أنه يحتمل أن يكون المراد من عصمة الله رسوله من الناس أنه - سبحانه - يحفظه من فتنة الناس وإذلالهم. وهكذا أراد الله أن تمثل لنا معركة أُحد كل الطوائف والأصناف التي تُنسب إلى الإيمان تمثيلاً يتضح في موقف ابن أُبيّ حيث انخذل وانقطع عن رسول الله بثلث القوم، ومرحلة أقل منها، تتمثل في طائفتين هَمَّتا، ثم شاء الله أن يربط على قلوبهما فيظلا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما نشبت المعركة كان للرماة موقف في المعركة الأُحدية. فحين رأوا النصر أولاً ورأوا الغنائم سال لعاب بعضهم على الغنائم، فحصل انشقاق فيهم، فعبد الله بن جبير وهو رئيس الرماة ومعه من معه من القلة يُصر على تنفيذ أمر رسول الله فيقاتل حتى استشهد، واستشهدوا وهؤلاء هم الذين أرادوا الآخرة. بينما كان هناك قوم آخرون أرادوا الغنائم، وحينما أشيع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قُتل فرت البقية الباقية من الرماة وغيرهم من المعركة، ورسول الله ينادي القوم: "حديث : إليَّ عباد الله إليَّ عباد الله ". تفسير : كل هذه مصاف إيمانية تمثل لنا كيف يُصفي الله مواقف المنسوبين إليه. وتظهر وتوضح موقف كل واحد، وأنه مفضوح إيمانياً إن وقف موقفاً يخالف منهج الله. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم - في هذا الوقت - في موقف الإنهاك لقوته البشرية لدرجة أننا قلنا: إنه أراد أن يصعد فلم تَقو مادته البشرية، فطأطأ طلحة ظهره ليصعد النبي عليه، وهو في هذه المرحلة من الإنهاك المادي البشري يريد الحق سبحانه وتعالى أن يعطيه من القوة في هذا الضعف وفي هذا الإنهاك ما يقف به أمام جبار من جبابرة قريش. كان هذا الجبار يتهدده. ولو أن الموقف كان موقف قوة لرسول الله أكان من المعقول أن ينتصر رسول الله على جبار قريش؟ ولكن الله يريد أن يُرينا تأييد الله لرسوله، في موقف إنهاكه وكيف يقف من جبار قريش هذا الموقف، هذا الجبار هو "أبي بن خلف الجمحي" وكانت عنده رَمَكة فيقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه الرمكة أنا أعلفها كل يوم فَرَقاً مِن ذُرة لأقتلك عليها. فيقول له رسول الله قولة الواثق من أن ربه لن يخذله: "حديث : بل أنا أقتلك إن شاء الله ". تفسير : لم يلتق هذا الرجل مع رسول الله وهو في قوته، ولكنه جاء لرسول الله وهو في هذا الموقف الذي أثخنته فيه الجراح وكسرت رَبَاعيته ودخلت حلقتا المغفر في وجنتيه وسال دمه. وبعد ذلك يأتي إليه هذا الرجل "أبي بن خلف الجمحي" وهو يقول: أين محمد؟ لا نجوت إن نجا، فقال القوم: يا رسول الله أيعطف عليه رجل منا؟ فيشير إليهم رسول الله أن اسكتوا. إنه - رسول الله - لايريد قوة لقوة، ولكنه علم أن أُبَيّاً قد عرف أن رسول الله منهك فجاء في هذا الوقت، فأخذ رسول الله الحربة، وضرب أبي بن خلف بها فنالت منه، فسقط من على فرسه يخور كما يخور الثور، فقال له أصحابه: "لا بأس عليك يا أُبيّ، ما أجزعك: إنما هو خدش". وهذا الذي قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي اشتد عليه غضب الله تعالى لما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال: "اشتد غضب الله على مَنْ قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده في سبيل الله واشتد غضب الله على قوم دَمَوْا وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم". ولننظر كيف أن الذين عادوا رسول الله صلى عليه وسلم استكباراً وعناداً، ولم يعادوه عقيدة قلبية، إنهم يعتقدون صدقه، ويعتقدون حُسن بلاغه عن الله، ويتحقق ذلك من قوله سبحانه وتعالى: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ}تفسير : [النمل: 14]. فما هو الاستيقان هنا؟ لقد قال أصحاب أبيّ له: ما أجزعك إنما هو خدش فقال أبيّ: والذي نفسي بيده لو كان الذي بي بأهل الحجاز لماتوا جميعاً. لكن أصحاب أبي قالوا له مرة أخرى: لا بأس عليك يا أُبَيّ إنه خدش بسيط. لكنْ أبي يقول: - لا والله لقد علمت أنه يقتلني؛ لأنه قال لي بمكة: "أنا قاتلك إن شاء الله" فوالله لو بصق علي لقتلني. فمات وهم قافلون به إلى مكة. هذا يحدث من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في موقف الضعف والإنهاك، ويشاء له الله أن يقتل جباراً من جبابرة قريش وهو في هذه الحالة. إن كان ذلك لأدلة تثبت لهم أن البشرية المادية لا علاقة لها مطلقاً بمدد النصر من الله؛ فالله يُمد رسوله حتى في وقت الضعف. ومدده سبحانه لرسوله وقت ضعف الرسول هو إعلام بقيوميته سبحانه على جنوده؛ لأنهم لو ظلوا أقوياء لقيل في عرف البشر: أقوياء وغلبوا. لكن ها هو ذا الرسول يصيب الجبار من قريش في مقتل والرسول ضعيف، وبعد ذلك يعطي الحق سبحانه لرسول الله أشياء إيمانية تزيده ثقه بأنه هو رسول الله، وتزيد المؤمنين ثقة بأنه رسول الله. لقد خرج إلى المعركة وهو يعلم بما سيكون فيها؛ لأنه قال:"حديث : إني قد رأيت والله خيراً رأيت بقرا تُذبح ورأيت في ذباب سيفي ثَلْماً، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لقد رأيتني يوم أحد وما في الأرض قربي مخلوق غير جبريل عن يميني وطلحة عن يساري ". تفسير : إذن فالمعركة بكل أحوالها عُرضت عليه، ومع ذلك أقبل رسول الله على المعركة ليستدل من ذلك على أن الله أعطاه المناعة قبل أن يخوض المعركة. هذا ما يتعلق به صلى الله عليه وسلم، لقد رأى فأوَّلَ، وأما الذي يتعلق بالناس، فيأتي إلى واحد من قتلى المعركة - وقتلى المعركة، لا يُغسَّلون؛ لأن الذي يغسل هو من يموت في غير معركة - يأتي الرسول إلى واحد من هؤلاء الشهداء فيقول: "إن صاحبكم لتغسله الملائكة" - يعني حنظلة - المؤمنون يرون أنه صلى الله عليه وسلم قد خرج عن القاعدة في الشهداء. كيف؟ لقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بالخبر بعد ذلك .. ولا يُخرج حنظلة عن قانون الشهداء أنه يُغسّل .. ولكن الذي يغسله هم الملائكة .. إن الملائكة تغسل حنظلة. وبعد أن رجع رسول الله إلى المدينة يسأله أهله ما شأنه .. فيعلم أن حنظلة قد دخل بعروسه .. ثم نودي للمعركة .. فأعجله نداء المعركة .. فذهب إلى المعركة جُنباً .. فذلك غُسْل الملائكة له، لقد تأكد الخبر من زوجة حنظلة .. إذن فهذه شهادة أخرى أن الله سُبحانه وتعالى لم يتخل عنهم في أوقات الضعف، وأن تلك العملية كانت عملية مقصودة. إن الحق سبحانه وتعالى يعطي الرسول صلى الله عليه وسلم أشياء لتؤكد لنفسه أنه رسول الله. ألم نقل سابقاً: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء له صحابته فقالوا يا رسول الله: إن جابر بن عبد الله عليه دين ليهودي وأجل الدين إلى جَزّ التمر وتمرُه خَاسَ هذا العام أي فسد من آفةٍ مثلاً فنحب يا رسول الله أن تطلب من اليهودي أن يُنظر جابراً - أي ينتظر عليه ويؤخره إلى وقت آخر - فذهب رسول الله إلى اليهودي وطلب منه أن يُنْظِر جابراً، فلم يرض اليهودي وقال: لا يا أبا القاسم. فأعاد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال اليهودي: لا يا أبا القاسم. فأعاد عليه الرسول مرة ثالثة فقال اليهودي: لا يا أبا القاسم .. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بثقة الإيمان بالله ما معناه: يا جابر اذهب بي إلى بستانك. وذهب رسول الله فجاس خلال النخل، ثم ذهب إلى عريش جابر الذي يجلس فيه، واضطجع وقال: يا جابر جز واقض. قال جابر: فذهبت فجززت، فإذا ما جززته يؤدي ما عليّ لليهودي ويبقى لي ما لم يبق لي وأنا غير مدين. فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أشهد أني رسول الله". إن الحق سبحانه يعطي رسوله بينات توضح أنه رسول الله، فاليهودي لم يرض شفاعة النبي، فيعطي الله رسوله ما يؤكد أنه رسول الله. وهكذا نرى أن الله يعطي رسوله في وقت الضعف الأدلة التي تؤكد له أنه رسول الله. والذي يدل على ذلك هؤلاء الذين أحبوا أن يؤذوه في اسمه. إنّ اسمه مُحمد كما نعرف، و"محمد" أي الممدوح من الكل، وبكثرة، فيأتي خصومه ويريدون أن يهجوه وأن يلعنوه، فيصرفهم الله سبحانه وتعالى حتى عن شتم الاسم لا المسمى فقط. إن الله أراد أن يصعد العصمة، وأراد - سبحانه - ألا ينالوا بالسباب من اسم رسول الله، فألهم الله خصوم رسول الله أن يسموا المشتوم عندهم "مذمما" بدلاً من "محمد". وعندما يريدون اللعن، فهم لا يلعنون الاسم محمداً ولكنهم يسبون الاسم الذي اختاروه وهو "مذمم"، فيضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ عندما سمع ما قالته أم جميل امرأة أبي لهب: "مذمما عصينا .. وأمره أبينا .. ودينه قلينا". وهي تقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد حدث أن حمالة الحطب أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد عند الكعبة ومعه أبو بكر الصديق وفي يدها حجر فلما وقفت عليهما أخذ الله ببصرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ترى إلا أبا بكر فقالت: يا أبا بكر أين صاحبك؟ فقد بلغني أنه يهجوني والله لو وجدته لضربت بهذا الحجر فاه أما والله إني لشاعرة وقالت ما قالت. ويقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"حديث : ألا تعجبون لِمَا يصرف الله عني من أذى قريش يشتمون مُذَمَّماً ويلعنون مذمماً وأنا محمد ". تفسير : هكذا نرى من أفواه الحاقدين على رسول الله أنه معصوم بإرادة الله، حتى الاسم أبعده الله عن اللعن، أما المسمى فلن يلعن ولن يشتم. إن ما حدث في غزوة أحد كان هو التربية الأولى لصحابة رسول الله، والتأكيد على صدق بلاغه عن الله. إن هذه المعركة قد صورت ذلك وجسدته، ولذلك حين نلحظ المعارك التي جاءت بعد هذه المعركة فإننا لا نجد للمؤمنين هزيمة أبداً، لأنهم صُفوا التصفية وربُوا التربية التي جعلت كل واحد منهم عارفاً أن الله يعلم ما يخفيه وإن لم يحسن البلاء والجهاد فسيفضح الله ما في نفسه، وسيعلن الله عنه؛ لذلك دخل كل مؤمن منهم المعارك وهو مقبل على الجهاد، وكل المعارك بعد أُحد جاءت نصراً وجاءت سلاماً. وهنا يعلمنا الحق أن البقاء على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم هو النجاة وهو النصر، ويحذرنا سبحانه ألا ينقلب المؤمن على عقبيه، قال لنا: {أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144]. {وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} [آل عمران: 144] هي صورة حركية مادية مرئية. وقد حدث ذلك من بعض الصحابة في معركة أحُد، لقد فر البعض وانقلب بعضهم إلى المدينة، ومعنى "انقلب" أي أعطى ظهره للمعركة بعد أن كان مواجهاً لعدوه، وهي مثل قوله: "وَلَّوُا الأدبار". ولكن في قوله: {ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران: 144] فيه انقلاب حسي أيضاً، وفيها كذلك انقلاب نفسي، وهو الانصراف عن أصل الدين، ولذلك سيعرفنا الحق أن المنافقين بعد حدوث تلك الواقعة وبعد ما فشا وذاع في الناس قتل الرسول كان لهم كلام، وضعاف الإيمان كان لهم كلام آخر؛ فالمنافقون الذين هم أكثر شراً من الكفار قالوا: لو كان نبياً لما قتل، ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم. أما الذي آمنوا إيماناً ضعيفاً فقالوا: سنذهب إلى ابن أُبَيّ ليأخذ لنا أمانا من أبي سفيان. فيقف أنس بن النضر قائلاً: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - أي المنافقون - وأعتذر إليك مما يقول هؤلاء - أي ضعاف الإيمان -. لقد وزعها بالحق؛ فهو يبرأ إلى الله من قول المنافقين الذين قالوا: إنهم سيعودون إلى دينهم القديم، ويعتذر ويستغفر عن ضِعاف الإيمان. ويقول سبحانه: {وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً} [آل عمران: 144]. لماذا؟ لأن الله أزلاً وقبل أن يخلق شيئاً من خلقه له كل صفات الكمال، إذن فأي صفة من صفات الكمال لم تطرأ عليه - سبحانه - من خلقه، إنه - سبحانه - أوجد الكون بما فيه الخلق لأنه قادر، وأوجده لأنه حكيم، وأوجده لأنه عالم، إذن فخلق الخلق لم يزد الله صفة من صفاته، فحين خلقكم وصنعكم أعطى لكم المنهج لتكونوا خلقاً سوياً. إذن فالمصلحة تعود علينا نحن الخلق، فكان يجب أن تنظروا إلى المناهج التي تأتي من الله على أنه لا نفع فيها لله، ولكن النفع فيها عائد عليكم. ولذلك فمن يلحظ هذه، فهو يعرف أن ربنا يستحق الشكر على أنه كلفنا بالمنهج. ولذلك جاءت الآية من بعد ذلك لتقول: {وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144] لأن الشكر إنما يؤديه العبد على نعمة، نعمة تمحيص وتعليم وبيان مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم من ربه. لقد تعلم المؤمنون أن الله يستحق منهم الشكر على هذه النعم. وبعد ذلك ينتقل بنا الحق إلى قضية عامة، القضية العامة للناس جميعاً هي: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ، عن بن أَبي نجيح، عن أَبيه أَن رجلاً من المهاجرين مر على رجل من الأَنصار وهو يتشحط في دمه، فقال له: يا فلان أَشعرت أَن محمداً قد قتل؟ فقال الأَنصاري: إِن كان محمد قد قتل فقد بلَّغ، فقاتلوا عن دينكم. يقول: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ} إِلى قوله {وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} [الآية: 144] يقول: من يرتد. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَإِسْرَافَنَا} [الآية: 147] قال: خطايانا. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله:{أية : هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ ٱللَّهِ}تفسير : [الآية: 163] يقول: لهم درجات عند الله.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} معناهُ رَجِعْتُمْ عَمّا أَنْتُم عَليهِ.
الجيلاني
تفسير : {وَ} اعلموا أيها المسترشدون {مَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ} من الرسل، هادٍ لكم إلى التوحيد الذاتي ينبهكم على طريقه {قَدْ خَلَتْ} مضت {مِن قَبْلِهِ} أي: قبل ظهوره {ٱلرُّسُلُ} الهادين إليه مثله، المنبهين لطريقه في ضمن توحيد الصفات والأفعال، وما لهم وله إلا التبليغ والتنبيه، فعليكم أن تتنبهوا وتتحقوا بمقام التحقيق واليقين، معرضين عن التقليد والتخمين، أتؤمنون به وتسترشدون منه أيها المريدون حال حياته؟. {أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} غير واصلين إلى فضاء التوحيد {وَمَن يَنقَلِبْ} منكم {عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} بلا وصول إلى الغاية {فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً} بنقصان أو زيادة؛ إذ و مستوٍ على عرضه كما كان، بلا تبديل ولا تغيير، بل ما يضر إلا نفسه بعدم إيصالها إلى غياتها الممكن لها، وبذلك حط عن رتبة الشاكرين {وَ} اعلموا أيها المؤمنون {سَيَجْزِي ٱللَّهُ} بلطفه بالجزاء الجميل والإحسان الجزيل {ٱلشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144] منكم، الصادقين جميع القوى والجوارح إلى ما خلق لأجله الصابرين على ما أصابهم في سبيله، الباذلين مهجهم في إعلاء كلمة توحيده، الراجين منه الوصول إلى زلال تجريده وتفريده. {وَ} اعلموا أيها المؤمنون بقضاء الله وقدره {مَا كَانَ لِنَفْسٍ} من النفوس الخيرة والشريرة {أَنْ تَمُوتَ} بقتل أو حتف أنفه {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللهِ} بتقديره ومشيئته، الثابت المثبت في قضائه، السابق له {كِتَٰباً} جامعاً بجميع ما يجري عليه في عالم الشهادة، حياته وموته ورزقه {مُّؤَجَّلاً} بوقت معين لا يتأخر عنه ولا يتقدم {وَمَن يُرِدْ} منكم {ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا} التي هي أدنى مرتبة الإنسان، وأنزل منزلته من المفاخرة بالمال والجاه والحسب والنسب {نُؤْتِهِ} نعطه {مِنْهَا} مقدار ما يقدر لنا في سابق علمنا، ونحاسبه عليها في يوم الجزاء في النشأة الأخرى. {وَمَن يُرِدْ} منكم {ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ} من الحقائق والمعارف والمواهب العلية التي هي المقصد الأقصى، والمطلب الأعلى من وجوده {نُؤْتِهِ مِنْهَا} مقدار ما يقتضي استعداده الفطري {وَ} اعلموا أيها المؤمنون {سَنَجْزِي} بفضلنا وجودنا بلا وساطة ووسائل {ٱلشَّٰكِرِينَ} [آل عمران: 145] المنسلخين عن الإرادة، بل عن جميع الأمور المرادة، الراضين بما قسم لهم، وقدر عليهم في سابق علمنا بروضة الرضا وجنة التسليم. {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ} يجاهد في سبيل الله؛ لترويج توحيده {قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ} ربانيون مخلصون {كَثِيرٌ} منهم قتلوا وأصيبوا {فَمَا وَهَنُواْ} وما جبنوا {لِمَآ أَصَابَهُمْ} من القرْح {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} لإعلاء دينه {وَمَا ضَعُفُواْ} من محاربة أعداء الله {وَمَا ٱسْتَكَانُواْ} وتضرعوا إليهم؛ استبقاءً واستخلافاً، بل كانوا كرَّارين جرَّارين، بحيث لا يرى عليهم أمارات الجبن والخوف أصلاً، صابرين على ما أصابهم من القرْح والجرح، وقتل الأقارب والعشائر {وَٱللَّهُ} الهادي لعباده إلى توحيده {يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146] منهم في البلوى، والطائرين شوقاً إلى المولى، الراضين بما يحب له ويرضى.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } أي: ليس ببدع من الرسل، بل هو من جنس الرسل الذين قبله، وظيفتهم تبليغ رسالات ربهم وتنفيذ أوامره، ليسوا بمخلدين، وليس بقاؤهم شرطا في امتثال أوامر الله، بل الواجب على الأمم عبادة ربهم في كل وقت وبكل حال، ولهذا قال: { أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم } بترك ما جاءكم من إيمان أو جهاد، أو غير ذلك. قال [الله] تعالى: { ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا } إنما يضر نفسه، وإلا فالله تعالى غني عنه، وسيقيم دينه، ويعز عباده المؤمنين، فلما وبخ تعالى من انقلب على عقبيه، مدح من ثبت مع رسوله، وامتثل أمر ربه، فقال: { وسيجزي الله الشاكرين } والشكر لا يكون إلا بالقيام بعبودية الله تعالى في كل حال. وفي هذه الآية الكريمة إرشاد من الله تعالى لعباده أن يكونوا بحالة لا يزعزعهم عن إيمانهم أو عن بعض لوازمه، فقدُ رئيس ولو عظم، وما ذاك إلا بالاستعداد في كل أمر من أمور الدين بعدة أناس من أهل الكفاءة فيه، إذا فقد أحدهم قام به غيره، وأن يكون عموم المؤمنين قصدهم إقامة دين الله، والجهاد عنه، بحسب الإمكان، لا يكون لهم قصد في رئيس دون رئيس، فبهذه الحال يستتب لهم أمرهم، وتستقيم أمورهم. وفي هذه الآية أيضا أعظم دليل على فضيلة الصديق الأكبر أبي بكر، وأصحابه الذين قاتلوا المرتدين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم هم سادات الشاكرين. ثم أخبر تعالى أن النفوس جميعها متعلقة بآجالها بإذن الله وقدره وقضائه، فمن حتَّم عليه بالقدر أن يموت، مات ولو بغير سبب، ومن أراد بقاءه، فلو أتى من الأسباب كل سبب، لم يضره ذلك قبل بلوغ أجله، وذلك أن الله قضاه وقدره وكتبه إلى أجل مسمى: {أية : إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } . تفسير : ثم أخبر تعالى أنه يعطي الناس من ثواب الدنيا والآخرة ما تعلقت به إراداتهم، فقال: { ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها } . قال الله تعالى: {أية : كلا نمدُّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا } . تفسير : { وسنجزي الشاكرين } ولم يذكر جزاءهم ليدل ذلك على كثرته وعظمته، وليعلم أن الجزاء على قدر الشكر، قلة وكثرة وحسنا.
همام الصنعاني
تفسير : 465- عبد الرزاق قال: أخبرني معمر عن الزهري أنَّ الشيطان صاح بأعلى صوته يوم أُحُد: أن محمداً قتل، قال كعب بن مالك: فكنت أوَّل من عَرَفَ النبي صلى الله عليه وسلم، عرفت عينيه من تحت المِغْفَر فناديت بصوتي الأعلى: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إليَّ أن أسكت فأنزل الله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ}: [الآية: 144].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):