Verse. 438 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ اَنْ تَمُـوْتَ اِلَّا بِـاِذْنِ اللہِ كِتٰبًا مُّؤَجَّلًا۝۰ۭ وَ مَنْ يُّرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِہٖ مِنْھَا۝۰ۚ وَمَنْ يُّرِدْ ثَوَابَ الْاٰخِرَۃِ نُؤْتِہٖ مِنْھَا۝۰ۚ وَسَنَجْزِي الشّٰكِرِيْنَ۝۱۴۵
Wama kana linafsin an tamoota illa biithni Allahi kitaban muajjalan waman yurid thawaba alddunya nutihi minha waman yurid thawaba alakhirati nutihi minha wasanajzee alshshakireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله» بقضائه «كتابا» مصدر أي: كتب الله ذلك «مؤجَّلا» مؤقتا لا يتقدم ولا يتأخر فلم انهزمتم والهزيمة لا تدفع الموت والثبات لا يقطع الحياة «ومن يُرد» بعمله «ثواب الدنيا» أي جزاءه منها «نؤته منها» ما قسم له ولا حظَّ له في الآخرة «ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها» أي من ثوابها «وسنجري الشاكرين».

145

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: في كيفية تعلق هذه الآية بما قبله وجوه: الأول: أن المنافقين أرجفوا أن محمد صلى الله عليه وسلم قد قتل، فالله تعالى يقول: إنه لا تموت نفس الا بإذن الله وقضائه وقدره، فكان قتله مثل موته في أنه لا يحصل الا في الوقت المقدر المعين، فكما أنه لو مات في داره لم يدل ذلك على فساد دينه، فكذا إذا قتل وجب أن لا يؤثر ذلك في فساد دينه، والمقصود منه ابطال قول المنافقين لضعفة المسلمين أنه لما قتل محمد فارجعوا الى ما كنتم عليه من الأديان. الثاني: أن يكون المراد تحريض المسلمين على الجهاد بإعلامهم أن الحذر لا يدفع القدر، وأن أحداً لا يموت قبل الأجل وإذا جاء الأجل لا يندفع الموت بشيء، فلا فائدة في الجبن والخوف. والثالث: أن يكون المراد حفظ الله للرسول صلى الله عليه وسلم وتخليصه من تلك المعركة المخوفة، فإن تلك الواقعة ما بقي سبب من أسباب الهلاك إلا وقد حصل فيها، ولكن لما كان الله تعالى حافظاً وناصراً ما ضره شيء من ذلك وفيه تنبيه على أن أصحابه قصروا في الذب عنه. والرابع: وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله، فليس في إرجاف من أرجف بموت النبي صلى الله عليه وسلم ما يحقق ذلك فيه أو يعين في تقوية الكفر، بل يبقيه الله إلى أن يظهر على الدين كله. الخامس: أن المقصود منه الجواب عما قاله المنافقون، فإن الصحابة لما رجعوا وقد قتل منهم من قتل قالوا: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فاخبر الله تعالى أن الموت والقتل كلاهما لا يكونان الا باذن الله وحضور الأجل والله أعلم بالصواب. المسألة الثانية: اخلفوا في تفسير الإذن على أقوال: الأول: أن يكون الإذن هو الامر وهو قول أبي مسلم، والمعنى أن الله تعالى يأمر ملك الموت بقبض الأرواح فلا يموت أحد إلا بهذا الامر. الثاني: ان المراد من هذا الإذن ما هو المراد بقوله: {أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } تفسير : [النحل: 40] والمراد من هذا الأمر انما هو التكوين والتخليق والايجاد، لأنه لا يقدر على الموت والحياة أحد الا الله تعالى، فإذن المراد: أن نفساً لن تموت إلا بما أماتها الله تعالى. الثالث: أن يكون الاذن هو التخلية والإطلاق وترك المنع بالقهر والإجبار، وبه فسر قوله تعالى: {أية : وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 102] أي بتخليته فإنه تعالى قادر على المنع من ذلك بالقهر، فيكون المعنى: ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله بتخلي الله بين القاتل والمقتول، ولكنه تعالى يحفظ نبيه ويجعل من بين يديه ومن خلفه رصداً ليتم على يديه بلاغ ما أرسله به، ولا يخلي بين أحد وبين قتله حتى ينتهي الى الاجل الذي كتبه الله له، فلا تنكسروا بعد ذلك في غزواتكم بأن يرجف مرجف أن محمداً قد قتل. الرابع: أن يكون الإذن بمعنى العلم ومعناه أن نفسا لن تموت إلا في الوقت الذي علم الله موتها فيه، واذا جاء ذلك الوقت لزم الموت، كما قال {أية : فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }تفسير : [النحل: 61] الخامس: قال ابن عباس: الإذن هو قضاء الله وقدره، فإنه لا يحدث شيء إلا بمشيئته وارادته فيجعل ذلك على سبيل التمثيل، كأنه فعل لا ينبغي لأحد أن يقدم عليه إلا باذن الله. المسألة الثالثة: قال الأخفش والزجاج: اللام في {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ } معناها النفي، والتقدير وما كانت نفس لتموت الا باذن الله. المسألة الرابعة: دلت الآية على أن المقتول ميت بأجله، وأن تغيير الآجال ممتنع. وقوله تعالى: {كِتَـٰباً مُّؤَجَّلاً } فيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: {كِتَـٰباً مُّؤَجَّلاً } منصوب بفعل دل عليه ما قبله فإن قوله: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } قام مقام أن يقال: كتب الله، فالتقدير كتب الله كتابا مؤجلا ونظيره قوله: {أية : كِتَـٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } تفسير : [النساء: 24] لأن في قوله {أية : حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ }تفسير : [النساء: 23] دلالة على انه كتب هذا التحريم عليكم ومثله: {أية : صنع الله}، تفسير : [النمل: 88] و{أية : وعد الله}، تفسير : [الزمر: 20], و{أية : فطرة الله} تفسير : [الروم:30]، و{أية : صبغة الله}تفسير : [البقرة: 138]. المسألة الثانية: المراد بالكتاب المؤجل الكتاب المشتمل على الآجال، ويقال: إنه هو اللوح المحفوظ، كما ورد في الأحاديث أنه تعالى قال للقلم «حديث : اكتب فكتب ما هو كائن الى يوم القيامة». تفسير : واعلم أن جميع الحوادث لا بد أن تكون معلومة لله تعالى، وجميع حوادث هذا العالم من الخلق والرزق والأجل والسعادة والشقاوة لا بد وأن تكون مكتوبة في اللوح المحفوظ، فلو وقعت بخلاف علم الله لانقلب علمه جهلا، ولانقلب ذلك الكتاب كذبا، وكل ذلك محال، وإذا كان الأمر كذلك ثبت أن الكل بقضاء الله وقدره. وقد ذكر بعض العلماء هذا المعنى في تفسير هذه الآية وأكده بحديث الصادق المصدوق، وبالحديث المشهور من قوله عليه السلام «حديث : فحج آدم موسى»تفسير : قال القاضي: أما الأجل والرزق فهما مضافان الى الله، وأما الكفر والفسق والايمان والطاعة فكل ذلك مضاف الى العبد، فاذا كتب تعالى ذلك فانما يكتب بعلمه من اختيار العبد، وذلك لا يخرج العبد من أن يكون هو المذموم أو الممدوح. واعلم أنه ما كان من حق القاضي أن يتغافل عن موضع الإشكال، وذلك لأنا نقول: إذا علم الله من العبد الكفر وكتب في اللوح المحفوظ منه الكفر، فلو أتى بالإيمان لكان ذلك جمعا بين المتناقضين، لأن العلم بالكفر والخبر الصدق عن الكفر مع عدم الكفر جمع بين النقيضين وهو محال، وإذا كان موضع الإلزام هو هذا فأنى ينفعه الفرار من ذلك الى الكلمات الأجنبية عن هذا الإلزام. وأما قوله تعالى: {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِى ٱلشَّـٰكِرِينَ }. فاعلم أن الذين حضروا يوم أحد كانوا فريقين، منهم من يريد الدنيا، ومنهم من يريد الآخرة كما ذكره الله تعالى فيما بعد من هذه السورة، فالذين حضروا القتال للدنيا، هم الذين حضروا لطلب الغنائم والذكر والثناء، وهؤلاء لا بد وأن ينهزموا، والذين حضروا للدين، فلا بد وأن لا ينهزموا ثم أخبر الله تعالى في هذه الآية أن من طلب الدنيا لا بد وأن يصل الى بعض مقصوده ومن طلب الآخرة فكذلك، وتقريره قوله عليه السلام: «حديث : إنما الأعمال بالنيات»تفسير : الى آخر الحديث. واعلم أن هذه الآية وان وردت في الجهاد خاصة، لكنها عامة في جميع الأعمال، وذلك لأن المؤثر في جلب الثواب، والعقاب المقصود والدواعي لا ظواهر الأعمال، فإن من وضع الجبهة على الأرض في صلاة الظهر والشمس قدامه، فإن قصد بذلك السجود عبادة الله تعالى كان ذلك من أعظم دعائم الإسلام، وإن قصد به عبادة الشمس كان ذلك من أعظم دعائم الكفر. وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أن الله تعالى يقول يوم القيامة لمقاتل في سبيل الله «حديث : في ماذا قتلت فيقول أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت فيقول تعالى: كذبت بل أردت أن يقال فلان محارب وقد قيل ذلك» تفسير : ثم إن الله تعالى يأمر به الى النار.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً} هذا حَضٌّ على الجهاد، وإعلامٌ أن الموت لا بدّ منه وأن كلّ إنسان مقتولٍ أو غير مقتولٍ مَيِّتٌ إذا بلغ أجلَه المكتوب له؛ لأن معنى {مُؤَجَّلاً} إلى أجل. ومعنى {بِإِذْنِ الله} بقضاء الله وقَدَره. وَ «كِتَاباً» نصب على المصدر، أي كتب الله كتاباً مُؤَجَلا. وأجلُ الموت هو الوقت الذي في معلومه سبحانه، أن روح الحيّ تفارق جسده، ومتى قُتل العبد علمنا أن ذلك أجله. ولا يصحّ أن يقال: لو لم يقتلْ لَعَاش. والدليل على قوله: {كِتَاباً مُّؤَجَّلاً} {أية : فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} تفسير : [الأعراف: 34] {أية : فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ} تفسير : [العنكبوت: 5] {أية : لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} تفسير : [الرعد: 38]. والمعتزِلِيّ يقول: يتقدم الأجل ويتأخّر، وأن من قتل فإنما يهلِك قبل أجله، وكذلك كلُّ ما ذبح من الحيوان كان هلاكه قبل أجله؛ لأنه يجب على القاتل الضَّمَان والدية. وقد بيّن الله تعالى في هذه الآية أنه لا تهلك نفس قبل أجلها. وسيأتي لهذا مزيد بيان في «الأعراف» إن شاء الله تعالى. وفيه دليل على كتب العلم وتدوينه. وسيأتي بيانه في «طه» عند قوله. {أية : قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ} تفسير : [طه: 52] إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} يعني الغنيمة، نزلت في الذين تركوا المركز طلباً للغنيمة. وقيل: هي عامّة في كل من أراد الدنيا دون الآخرة؛ والمعنى نؤتِه مِنها ما قُسم له. وفي التنزيل: {أية : مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ} تفسير : [الإسراء: 18]. {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا} أي نؤته جزاء عمله، على ما وصف الله تعالى من تضعيف الحسنات لمن يشاء. وقيل: لمراد منها عبد الله بن جُبَيْر ومن لزم المرْكَز معه حتى قُتِلوا. {وَسَنَجْزِي ٱلشَّاكِرِينَ} أي نؤتيهم الثواب الأبَديّ جزاءً لهم على ترك الانهزام، فهو تأكيد لما تقدّم من إيتاء مزيد الآخرة. وقيل: {وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} من الرزق في الدنيا لئلا يُتَوَهّم أن الشاكر يُحرم ما قُسِم له مما يناله الكافر.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } بقضائه {كِتَٰباً } مصدر أي: كتب الله ذلك {مُّؤَجَّلاً } مؤقتاً لا يتقدّم ولا يتأخر فلمَ انهزمتم والهزيمة لا تدفع الموت والثبات لا يقطع الحياة؟{وَمَن يُرِدْ } بعمله {ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا } أي جزاءه منها {نُؤْتِهِ مِنْهَا } ما قسم له ولا حظَّ له في الآخرة {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلأَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا } أي من ثوابها {وَسَنَجْزِى ٱلشَّٰكِرِينَ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَمَن يُرِدْ} بجهاده {ثَوَابَ الدُّنْيَا} الغنيمة، أو من عمل للدنيا لم نحرمه ما قسمنا له منها من غير حظ في الآخرة، أو من أراد ثواب الدنيا بالتعرض لها بعمل النوافل مع مواقعة الكبائر جوزي بها في الدنيا دون الآخرة.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وما كان لنفس أن تموت إلاّ بإذن الله} أي بأمر الله وقضائه وقدره وعلمه وذلك أن الله تعالى يأمر ملك الموت بقبض الأرواح فلا يموت أحد إلاّ بإذن الله تعالى وأمره والمراد من الآية تحريض المؤمنين على الجهاد وتشجيعهم على لقاء العدو بإعلامهم بأن الجبن لا ينفع وأن الحذر لا يدفع المقدور وأن أحداً لا يموت قبل أجله وإن خاض المهالك واقتحم المعارك وإذا جاء الأجل لم يدفع الموت بحيلة فلا فائدة في الخوف والجبن. وفي الآية أيضاً ذكر حفظ الله رسوله صلى الله عليه وسلم عند غلبة العدو وتخليصه منهم عند التفافهم عليه وإسلام أصحابه له فأنجاه الله تعالى من عدوه سالماً مسلماً لم يضره شيء {كتاباً مؤجلاً} يعني مؤقتاً له أجل معلوم لا يتقدم ولا يتأخر. والمعنى أن الله تعالى كتب لكل نفس أجلاً لا يقدر أحد على تغييره أو تقديمه أو تأخيره وقيل الكتاب هو اللوح المحفوظ لأن فيه آجال جميع الخلق {ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها} يعني من يرد بعمله وطاعته الدنيا ويعمل لها نؤته منها ما يكون جزاء لعمله والمعنى نؤته منها ما نشاء على ما قدرناه له نزلت في الذين تركوا المركز يوم أحد وطلبوا الغنيمة {ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها} يعني من يرد بعمله الآخرة نؤته ثوابه فيها نزلت في الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد. واعلم أن هذه الآية وإن نزلت في الجهاد خاصة لكنها عامة في جميع الأعمال ذلك لأن الأصل في ذلك كله يرجع إلى نية العبد فإن كان يريد بعمله الدنيا فليس له جزاء إلاّ فيها وكذلك من أراد بعمله الدار الآخرة فجزاؤه أيضاً فيها (ق) عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إنما الأعمال بالنيات" تفسير : وفي رواية "حديث : بالنية وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها"تفسير : ، وفي رواية "حديث : ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه"تفسير : وروى البغوي بسنده عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من كانت نيته طلب الآخرة جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا راغمة وما كانت نيته طلب الدنيا جعل الله الفقر بن عينيه وشتت عليه أمره ولا يأتيه منها إلاّ ما كتب الله له ". تفسير : وقوله تعالى: {وسنجزي الشاكرين} يعني المؤمنين المطيعين الذين لم يشغلهم شيء عن الجهاد ولم يريدوا بأعمالهم إلاّ الله تعالى والدار الآخرة. قوله عز وجل: {وكأين من نبي} أي وكم من نبي {قتل معه} وقرئ قاتل معه فمن قرأ قتل بضم القاف فله أوجه: أحدها أن يكون القتل راجعاً على النبي وحده فعلى هذا يكون الوقف على قتل لأنه كلام تام وفيه إضمار تقديره قتل ومعه ربيون كثير. ويكون معناه قتل حال ما كان معه ربيون كثير والمعنى أن كثيراً من الأنبياء قتلوا والذين بقوا بعدهم ما وهنوا في دينهم وما استكانوا بل استمروا على جهاد عدوهم ونصرة دينهم فكان ينبغي لكم أن تكونوا مثلهم. الوجه الثاني أن القتل نال النبي ومن معه من الربيين ويكون أن المراد البعض ويكون قوله: {فما وهنوا} راجعاً إلى الباقين والمعنى وكأينٍ من نبي قتل وبعض من كان معه فما ضعف الباقون لقتل من قتل من إخوانهم بل مضوا على جهاد عدوهم فكان ينبغي لكم أن تكونوا كذلك. الوجه الثالث أن يكون القتل نال الربيين لا النبي والمعنى وكأيٍّ من نبي قتل من كان معه وعلى دينه ربيون كثير ومن قرأ قاتل معه ربيون كثير أصابهم بل استمروا على جهاد عدوهم لأن الذي أصابهم إنما هو في سبيل الله وطاعته وإقامة دينه ونصرة نبيه فكان ينبغي لكم أن تفعلوا مثل ذلك يا أمة محمد، وحجة هذه القراءة ما روي عن سعيد بن جبير أنه قال ما سمعنا أن نبياً قُتِلَ في القتال وقوله {ربيون كثير} قال ابن عباس جموع كثيرة وقيل الربيون الألوف وقيل الربية الواحدة عشرة آلاف وقيل ألف وقيل ربيون يعني فقهاء علماء وقيل الربيون هم الأتباع {فما وهنوا} أي فما جبنوا عن الجهاد في سبيل الله {لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا} يعني عن مجاهدة عدوهم بما نالهم من ألم الجراح وقتل الأصحاب {وما استكانوا} يعني وما استسلموا وما خضعوا لعدوهم ولكنهم صبروا على أمر ربهم وطاعة نبيهم وجهاد عدوهم وهذا تعريض بما أصابهم يوم أحد من الوهن والانكسار عند الارجاف بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وضعفهم عن مجاهدة المشركين واستكانتهم لهم حين أرادوا أن يعتضدوا بالمنافق عبدالله بن أبي في طلب الأمان من أبي سفيان والمقصود من الآية حكاية ما جرى لسائر الأنبياء وأتباعهم لتقتدي هذه الأمة بهم وترغيب الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد {والله يحب الصابرين} يعني في الجهاد، والمعنى أن من صبر على تحمل الشدائد في طلب الآخرة ولم يظهر الجزع والعجز فإن الله تعالى يحبه ومحبة الله تعالى للعبد عبارة عن إرادة إكرامه وإعزازه وإيصال الثواب له وإدخال الجنة مع أوليائه وأصفيائه.

ابن عادل

تفسير : {أَنْ تَمُوتَ} في محل رفع؛ اسماً لـ "كان"، و "لِنَفْسٍ" خبر مقدَّم فيتعلق بمحذوف، و {إِلاَّ بِإِذْنِ الله} حال من الضمير في "تَمُوتَ"، فيتعلق بمحذوف، وهو استثناء مفرَّغ، والتقدير: وما كان لها أن تموتَ إلا مأذوناً لها، والباء للمصاحبة. وقال أبُو البَقَاءِ: {إِلاَّ بِإِذْنِ الله} الخبر، واللام للتبيين، متعلِّقة بـ "كان". وقيل: هي متعلقة بمحذوف، تقديره: الموت لنفس، و "أنْ تَمُوتَ" تبيين للمحذوف، ولا يجوز أن تتعلق اللام بـ "تَمُوتَ" لما فيه من تقديم الصلة على الموصول. وقال بعضهم: إن "كَانَ" زائدة، فيكون "أن تموت" مبتدأ، و "لنفس" خبره. وقال الزجاج: اللام منقولة، تقديره وما كانت نفس لتموتَ ثم قدمت اللام، فجعل ما كان اسماً لـ "كان" - وهو (أن تَموتَ) - خبراً لها، وما كان خبراً - وهو "لِنَفْسٍ" - اسماً لها، فهذه خمسة أقوال، أظهرها: الأول. أما قول أبي البقاء: واللام للتبيين، فتتعلق بمحذوف، ففيه نظر من وجهين: أحدهما: أنَّ "كان" الناقصة لا تعمل في غير اسمها وخبرها، ولئن سُلِّم ذلك، فاللام التي للتبيين إنما تتعلق بمحذوف، وقد نَصُّوا على ذلك في نحو: سَقْياً لك. وقيل: إن فيه حذف المصدر وإبقاء معموله، وهو لا يجوز. أما مَنْ جعل "لِنَفْسٍ" متعلقة بمحذوف - تقديره: الموت لنفس، ففاسدٌ، لأنه ادَّعَى حذف شيء لا يجوز؛ لأنه إن جعل "كَانَ" تامة، أو ناقصة، امتنع حذفُ مرفوعها، لأن الفاعل لا يُحْذَف. وكذلك قول مَنْ جعل "كان" زائدة. أما على قول الزجاج فإنه تفسير معنًى، لا تفسير إعراب. فصل في تعلُّق هذه الآية بما قبلَها وجوه: أحدها: أن المنافقين حين قالوا: إن محمداً قُتِل، فقال تعالى: لا تموت نفس إلا بإذن الله، فقتله - أيضاً - مثل موته لا يحصل إلا في الوقت المقدَّر له، فكما أن موته في داره لا يدل على فساد دينه، كذلك إذا قُتِل لا يؤثر ذلك في فساد دينه. والمقصود منه إبطال قول المنافقين لضَعَفَةِ المسلمين: إن كان محمدٌ قُتِل فارجعوا إلى دينكم الأول. والثاني: أن المراد: تحريض المسلمين على الجهاد بإعلامهم أن الحذرَ لا يدفَع القدر، وأن أحداً لا يموت قبل الأجل، وإذا جاء الأجل لا يندفع، فلا فائدة في الجُبْن والخوف. والثالث: أن المراد حِفْظ الله للرسول صلى الله عليه وسلم من تلك الواقعة المخوفة؛ فإنه لم يَبْقَ سبب من أسباب الهلاك إلا وقد حصل، ولكن لما كان الله حافِظَه وناصِرَه ما ضَرَّه شيءٌ من ذلك، وفيه تنبيه على أن الصحابة قصَّروا في الذَّبِّ عنه. ورابعها: أن المقصود منه الجواب عن كلام المنافقين للصحابة، حين رجعوا وقد قتل منهم من قتل {أية : لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ} تفسير : [آل عمران: 156] فأخبر - تعالى - أنَّ الموت والقتل لا يكونان إلا بإذن الله. قوله: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 145]، فليس في إرجاف من أرجف بموت النبي صلى الله عليه وسلم ما يحقق ذلك فيه، أو يعين في تقوية الكُفْر، بل يُبْقيه الله إلى أن يَظْهَرَ على الدِّين كله. فصل قال القُرْطُبِي: "هذا حضٌّ على الجهاد، وإعلام بأن الموت، لا بد منه لكل إنسان وأن كل إنسان - مقتولاً كان أو غيرَ مقتول - مَيِّت إذا بلغ أجله المتكوبَ له؛ لأن معنى {مُّؤَجَّلاً} إلى أجل، ومعنى {بِإِذْنِ الله}: بقضاء الله وقدره". واختلفوا في الإذن. قال أبو مسلم: هو الأمر، أي أن الله - تعالى - يأمر ملك الموت بقبض الأرواح. وقيل: المراد منه: التكوين والإيجاد، لأنه لا يقدر على الإماتة والإحياء إلا الله تعالى. وقيل: الإذن: هو التخلية والإطلاق، وتَرْك المنع بالقهر والإجبار، كقوله تعالى: {أية : وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 102] أي: بتخليته بينه وبين قاتله. وقيل: الإذن بمعنى: العلم، والمعنى: أن نفساً لن تموتَ إلاَّ في الوقت الذي علم الله - تعالى - موتها فيه. وقال ابْنُ عَبَّاسٍ: الإذن: هو قَضَاءُ الله وقدره؛ فإنه لا يحدث شيء إلاَّ بمشيئته وإرادته - سبحانه وتعالى -. قوله: {كِتَاباً مُّؤَجَّلاً} في نصبه ثلاثة أوجه: أظهرها: أنه مصدر مؤكِّد لمضمون الجملة التي قبله، فعامله مُضْمَر، تقديره: كتب الله ذلك كتاباً، نحو قوله تعالى: {أية : صُنْعَ ٱللَّهِ} تفسير : [النمل: 88] وقوله: {أية : وَعَدَ ٱللَّهِ} تفسير : [الروم: 6]، وقوله: {أية : كِتَابَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} تفسير : [النساء: 24]. الثاني: أنه منصوب على التمييز، ذكره ابنُ عطية، وهذا غير مستقيم؛ لأن التمييز منقول وغير منقول، وأقسامه محصورة، وليس هذا شيئاً منها، وأيضاً فأين الذات المُبْهَمة التي تحتاج إلى تفسير؟ والثالث: أنه منصوب على الإغراء، والتقدير: الزموا كتاباً مؤجَّلاً، وآمنوا بالقدر، وليس المعنى على ذلك. وقرأ ورش: "مُوجَّلاً" بالواو بدل الهمزة، وهو قياس تخفيفها. فصل الكتاب المؤجَّل هو الكتاب المشتمل على الآجال، ويقال: إنه اللوح المحفوظ، أي: كتب لكل نفس أجلاً لا يقدر أحدٌ على تقديمه وتأخيره، جاء في الحديث حديث : أنه تعالى قال للقلم: اكتب، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة . تفسير : فصل قال القاضِي: أما الأجل والرزق، فهما مضافان إلى الله تعالى، وأمَّا الكُفْرُ والفِسْقُ والإيمان والطاعة، فكل ذلك مضاف إلى العبد، فإذا كتب الله ذلك، فإنما يكتب ما يعلمه من اختيار العبد وذلك لا يُخْرج العبد عن الاختيار. وجوابه: أنه إذا علم الله من العبد الكفر، وكتب في اللوح المحفوظ منه الكفر، فلو أتَى بالإيمان كان ذلك جمعاً بين المتنافيين؛ لأن العلم بالكفر، والخبر والصدق عن الكفر - مع عدم الكفر - جمع بين النقيضين، وهو محال، وهذا موضِعُ الإلزام. فصل قال المفسرون: أجل الموت هو الوقت الذي في معلوم الله - تعالى - أن روح الحيِّ تفارق جسده فيه، ومتى قُتِل العبدُ علمنا أن ذلك أجله، ولا يصح أن يقال: لو لم يُقْتَل لعاش، بدليل قوله تعالى: {كِتَاباً مُّؤَجَّلاً} [آل عمران: 145]، وقوله: {أية : إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}تفسير : [يونس: 49] وقوله: {أية : إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ} تفسير : [نوح: 4]، وقوله: {أية : لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} تفسير : [الرعد: 38]. والمعتزليّ يقول: يتقدَّم الأجل ويتأخّر، وأن مَنْ قُتِل فإنما يهلك قبل أجله، وكذلك كل ما ذبح من الحيوان كان هلاكه قبل أجله، لأنه يجب على القاتل الضمان والدِّيَة، وهذه الآية رَدٌّ عليهم. قوله: {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا} مبتدأ، وهي شرطية. وفي خبر هذا المبتدأ الخلاف المشهور. وأدغم أبو عمرو وحمزة والكسائي وابن عامر بخلاف عنه - دال "يُرِد" في الثاء. والباقون بالإظهار. وقرأ أبو عمرو بالإسكان في هاء "نُؤتِهِ" في الموضعين وَصْلاً ووقفاً. وهشام - بخلاف عنه - بالاختلاس وصلاً. والباقون بالإشباع وَصْلاً. فأما السكون فقالوا: إن الهاء لما حلت محلّ ذلك المحذوف أعطيت ما كان يستحقه من السكون، وأما الاختلاس، فلاستصحاب ما كانت عليه الهاء قبل حَذْف لام الكلمة؛ فإن الأصل: نؤتيه، فحُذِفَت الياء للجزم، ولم يُعْتَدّ بهذا العارض، فبقيت الهاء على ما كانت عليه. وأما الإشباع فنظراً إلى اللفظ؛ لأن الهاء بعد متحرِّكٍ في اللفظ، وإن كانت في الأصل بعد ساكن - وهو الياء التي حُذِفَت للجزم - والأوْلى أنْ يقال: إنَّ الاختلاس والإسكان بعد المتحرك لغة ثابتة عن بني عقيل وبني كلاب. حكى الكسائي: لَهْ مالٌ، وبِهْ داء - بسكون الهاء، واختلاس حركتها - وبهذا يَتَبَيَّن أن مَنْ قال: إسكان الهاء واختلاسها - في هذا النحو - لا يجوز إلا ضرورةً، ليس بشيءٍ، أمَّا غير بني عقيل، وبني كلاب، فنعم لا يوجد ذلك عندهم، إلا في ضرورة. كقوله: [الوافر] شعر : 1645- لَهُ زَجَلٌ كَأنَّهُ صَوْتُ حَادٍ إذَا طَلَبَ الوَسِيقَةَ أوْ زَمِيرُ تفسير : باختلاس هاء (كأنه). ومثله قول الآخر: [البسيط] شعر : 1646- وَأشْرَبُ الْمَاءَ مَا بِي نَحْوَهُ عَطَشٌ إلاَّ لأنَّ عُيُونَهْ سَيل وَادِيهَا تفسير : بسكونها. وجعل ابن عصفور الضرورة في "البيت الثاني" أحسن منها في "البيت الأول"، قال: لأنه إذهاب للحركة وصِلَتِها، فهي جَرْي على الضرورة [إجراءً] كاملاً، وإنما ذكرنا هذه التعليلات لكثرة ورود هذه المسالة، نحو: {أية : يَرْضَهُ لَكُمْ} تفسير : [الزمر: 7]، ونحو: {أية : فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ}تفسير : [الأنعام: 90]. وقُرِئ: يُؤتِه - بياء الغيبة - والضمير لله تعالى، وكذلك: "وسنجزي الشاكرين" بالنون والياء. فصل نزلت في الذين تركوا المركز يوم أُحُد؛ طلباً للغنيمة، {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا} يعني: الغنيمة، قوله: {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا} قيل: أراد الذين ثبتوا مع أميرهم عبد الله بن جُبَير حتى قُتِلوا، وهذه الآية - وإن وردت في الجهاد خاصة - عامة في جميع الأعمال؛ لأن المؤثر في جلب الثواب والعقاب هو القصد والدواعي، لا ظواهر الأعمال. ثم قال: "وسنجزي الشاكرين" أي: المؤمنين المطيعين. عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مَنْ كَانَتْ نِيَّتُه طَلَبَ الآخِرَةِ جَعَلَ اللهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ له شَمْلَهُ، وَأتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ. وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُه طَلَبَ الدُّنْيَا جَعَلَ اللهُ الفَقْرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَشَتَّتَ عَلَيْهِ أمْرَهُ، وَلاَ يَأتِيهِ مِنْهَا إلاَّ مَا كُتِبَ لَهُ" تفسير : وروى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّما الأعمالُ بالنياتِ، وإنَّمَا لِكُلُ امرئٍ ما نَوَى، فمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللهِ وَرَسُولِه فَهِجْرَتُه إلَى اللهِ وَرَسُولِه، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُه إلَى دُنْيَا يُصيبُها، أو امْرَأة يَنْكِحُهَا، فهِجْرَتُه إلى مَا هَاجَرَ إلَيْه ".

ابو السعود

تفسير : {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ} كلامٌ مستأنفٌ سيق للتنبـيه على خطئهم فيما فعلوا حذراً من قتلهم، وبناءً على الإرجاف بقتله عليه الصلاة والسلام ببـيان أن موتَ كلِّ نفسٍ منوطٌ بمشيئة الله عز وجل لا يكاد يقع بدون تعلقها به وإن خاضت مواردَ الحتوفِ واقتحمت مضايقَ كلِّ هولٍ ومَخُوفٍ، وقد أشير بذلك إلى أنها لم تكن متعلقةً بموتهم في الوقت الذي حذِروه فيه ولذلك لم يُقتلوا حينئذ لا لإحجامهم عن مباشرة القتالِ، وكلمة كان ناقصةٌ اسمُها أن تموت وخبرُها الظرفُ على أنه متعلقٌ بمحذوف. وقوله تعالى: {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأسباب أي وما كان الموتُ حاصلاً لنفس من النفوس بسبب من الأسباب إلا بمشيئته تعالى على أن الإذنَ مَجازٌ منها لكونها من لوازمه أو إلا بإذنه لملك الموتِ في قبض روحِها، وسَوْقُ الكلامِ مَساقَ التمثيل ــ بتصوير الموتِ بالنسبة إلى النفوس بصورةِ الأفعالِ الاختياريةِ التي لا يتسنى للفاعل إيقاعُها والإقدامُ عليها بدون إذنِه تعالى أو بتنزيل إقدامِها على مباديه أعني القتالَ منزلةَ الإقدام على نفسه ــ للمبالغة في تحقيق المرامِ فإن موتَها حيث استحال وقوعُه عند إقدامِها عليه أو على مباديه وسعْيِها في إيقاعه فلأَنْ يستحيلَ عند عدمِ ذلك أولى وأظهر، وفيه من التحريض على القتال ما لا يخفى {كِتَـٰباً} مصدرٌ مؤكّدٌ لمضمون ما قبله، أي كتبه الله كتاباً {مُّؤَجَّلاً} مؤقتاً بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخَّرُ ولو ساعةً. وقرىء مُوَجّلاً بالواو بدلَ الهمزةِ على قياس التخفيفِ، وبعد تحقيقِ أن مناطَ الموتِ والحياةِ محضُ مشيئةِ الله عز وجل من غير أن يكونَ فيه مدخلٌ لأحد أصلاً أشير إلى أن توفيةَ ثمراتِ الأعمالِ دائرةٌ على إرادتهم ليصْرِفوها عن الأغراض الدنيئةِ إلى المطالب السنيةِ فقيل: {وَمَن يُرِدِ} أي بعمله {ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ} بنون العظمةِ على طريق الالتفات {مِنْهَا} أي من ثوابها ما نشاء أن نؤتيَه إياه كما في قوله عز وجل: {أية : مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَـٰجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ } تفسير : [الإسراء، الآية 18] وهو تعريضٌ بمن شغلتهم الغنائمُ يومئذ وقد مر تفصيلُه {وَمَن يُرِدِ} أي بعمله {ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا} أي من ثوابها ما نشاء من الأضعاف حسبما جريَ به الوعدُ الكريمُ {وَسَنَجْزِى ٱلشَّـٰكِرِينَ} نعمةَ الإسلامِ الثابتين عليه الصارفين لما آتاهم الله تعالى من القُوى والقدر إلى ما خُلِقت هي لأجله من طاعة الله تعالى لا يَلْويهم عن ذلك صارفٌ أصلاً، والمرادُ بهم إما المجاهدون المعهودون من الشهداءِ وغيرهم وإما جنسُ الشاكرين وهم داخلون فيه دخولاً أولياء. والجملة اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله ووعدٌ بالمزيد عليه ــ وفي تصديرها بالسين وإبهامِ الجزاءِ من التأكيد والدَّلالة على فخامة شأنِ الجزاءِ وكونِه بحيث يقصُر عنه البـيانُ ــ ما لا يخفى. وقرىء الأفعالُ الثلاثةُ بالياء.

القشيري

تفسير : الأنفاس محصورة؛ لا زيادة فيها، ولا نقصان منها. {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا}: للصالحين العاقبة وللآخرين الغفلة. {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا}: وثواب الآخرة أوله الغفران ثم الجِنان ثم الرضوان. {وَسَنَجْزِي ٱلشَّٰكِرِينَ}: وجزاء الشكرِ الشكرُ.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما كان لنفس ان تموت الا بإذن الله} استثناء مفرغ من اعم الاسباب اى وما كان الموت حاصلا لنفس من النفوس بسبب من الاسباب الا بمشئيته تعالى او الا باذنه لملك الموت فى قبض روحها والمعنى ان لكل نفس اجل مسمى فى علمه تعالى وقضائه لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون بالاحجام عن القتال والاقدام عليه. وفيه تحريض وتشجيع على القتال ووعد الرسول بالحفظ وتأخير الاجل ورد على المنافقين قولهم لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا فالمجاهد لا يموت بغير اجله والمتخلف عنه لا يسلم مع حضور اجله شعر : بروز اجل نيزه جوشن درد ز بيراهن بى اجل نكذرد تفسير : {كتابا} مصدر مؤكد لما قبله اذ المعنى كتب الموت كتابا {مؤجلا} موقتا بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخر ولو ساعة وبعد تحقيق ان مدار الموت والحياة على محض مشيئة الله من غير ان يكون فيه مدخل لاحد اصلا اشير الى ان توفية ثمرات الاعمال دائرة على ارادتهم ليصرفوها عن الاعراض الدنية الى المطالب السنية فقيل {ومن يرد} اى بعمله {ثواب الدنيا نؤته منها} اى من ثوابها ما نشاء ان نؤتيه اياه. وفيه تعريض لمن شغلتهم الغنائم يوم احد {ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها} اى من ثوابها ما نشاء من الاصناف حسبما جرى به الوعد الكريم {وسنجزى الشاكرين} نعمة الاسلام الثابتين عليه الصارفين ما آتاهم الله من القوى والقدر الى ما خلقت هى لاجله من طاعة الله لا يلويهم عن ذلك صارف اصلا. ويدخل فى جنس الشاكرين المجاهدون المعهودون من الشهداء فى احد وغيرهم والآية وان وردت فى الجهاد خاصة لكنهاعامة فى جميع الاعمال وذلك لان المؤثر فى طلب الثواب والعقاب المقصود والدواعى لا ظواهر الاعمال فان من وضع الجبهة على الارض فى صلاة الظهر والشمس قدامه فان قصد بذلك السجود عبادة الله كان ذلك من اشرف دعائم الاسلام وان قصد به عبادة الشمس كان ذلك من اعظم دعائم الكفر. وروى ابو هريرة عنه عليه الصلاة والسلام "حديث : ان الله تعالى يقول يوم القيامة لمن قتل فى سبيل الله فيماذا قتلت فيقول امرت بالجهاد فى سبيلك فقاتلت حتى قتلت فيقول الله تعالى كذبت بل اردت ان يقال فلان محارب وقد قيل ذلك ثم ان الله تعالى يأمر به الى النار ". تفسير : فالمقاتل فى سبيل الله تحقيقا هو الذى يقاتل لتكون كلمة الله هى العليا لا للذكر الجميل واراءة المكان واصابة الغنيمة شعر : عبادت باخلاص نيت نكوست وكرنه جه آيد زبى مغز بوست بروى ريا خرقه سهلست دوخت كرش باخدا درتوانى فروخت تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من كانت نيته طلب الآخرة جعل الله غناه فى قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهى راغمة ومن كانت نيته طلب الدنيا جعل الله الفقر بين عينيه وشتت عليه شمله ولا يأتيه منها الا ما كتب له " .تفسير : وقال ايضا"حديث : انما الاعمال بالنيات وانما لكل امرىء ما نوى فمن كانت هجرته الى الله ورسوله فهجرته الى الله ورسوله ومن كانت هجرته الى دنيا يصيبها او امرأة يتزوجها فهجرته الى ما هاجر اليه ".تفسير : فمن عمل شوقا الى الجنة فقد رأى نعمة الجنة فثوابه فى الآخرة ومن عمل شوقا الى الحق فقد رأى نعمة وجود المنعم فثوابه فى الدنيا لانه حاضر لا غيبة له قريب لا يبعد وهو معكم اينما كنتم وقال "حديث : ألا من طلبنى وجدنى ومن تقرب الى شبرا تقربت اليه ذراعا" شعر : خليلىّ هل ابصرتما او سمعتما باكرم من مولى تمشى الى عبد اتى زائر من غير وعد وقال لى اجلك عن تعذيب قلبك بالوعد تفسير : فعلى السالك ان يهاجر الى الله ويجاهد من غير ان يخاف لومة لائم حتى يصل الى الله ويتخلص من الاضطرار. قال القاشانى فى تأويلاته من كان موقنا لسر القدر شاهدا لمعنى قوله تعالى {وما كان لنفس ان تموت الا باذن الله} كان من اشجع الناس ـ حكى ـ عن حاتم الاصم انه شهد مع شقيق البلخى بعض غزوات خراسان قال فلقينى شقيق وقد حمى الحرب فقال كيف تجد قلبك يا حاتم قلت كليلة الزفاف لا افرق بين الحالتين فوضع سلاحه وقال اما انا فهكذا ووضع رأسه على ترسه ونام بين المعركة حتى سمع غطيطه وهذا غاية فى سكون القلب الى الله تعالى ووثوقه به انتهى فاذا صحح العبد باطنه يسهل الله عليه كل عسير ويسخر له كل ما يخاف منه ـ حكى ـ عن ابراهيم الرقى انه قال قصدت ابا الخير الخراسانى مسلما عليه فصلى صلاة المغرب فلم يقرأ الفاتحة مستويا فقلت فى نفسى ضاعت سفرتى فلما سلمت خرجت للطهارة فقصدنى السبع فعدت اليه وقلت ان الاسد قصدنى فخرج وصاح على الاسد وقال ألم اقل لك لا تتعرض لاضيافى فتنحى فتطهرت فلما رجعت قال اشتغلتم بتقويم الظواهر فخفتم الاسد واشتغلنا بتقويم القلب فخافنا الاسد شعر : اوليا محبوب الله است دان كس نيازارد حبيبش درجها

الطوسي

تفسير : المعنى، والاعراب، واللغة: قيل في السبب الذي اقتضى قوله: {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله} قولان: أحدهما - التسلية عما يلحق النفس بموت النبي (صلى الله عليه وسلم) من جهة أنه باذن الله عز وجل. الثاني - للحض على الجهاد من حيث لا يموت أحد إلا باذن الله تعالى. وقوله: {إلا بإذن الله} يحتمل أمرين: أحدهما - إلا بعلمه. والثاني إلا بأمره. وقال أبوعلي: الآية تدل على أنه لا يقدر على الموت غير الله، كما لا يقدر على ضده من الحياة إلا الله، ولو كان من مقدور غيره لم يكن باذنه، لأنه عاص لله في فعله. وقوله: {كتاباً مؤجلاً} نصب على المصدر بفعل محذوف دل عليه أول الكلام مع العلم بأن كلما يكون فقد كتبه الله، فتقديره كتب الله ذلك {كتاباً مؤجلاً}. ويجوز أن يدل على الفعل المحذوف مصدره المنتصب به. وقوله: {ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها} قيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - من عمل للدنيا لم نحرمه ما قسمنا له فيها من غير حظ في الآخرة - في قول ابن اسحاق - أي فلا يغتر بحاله في الدنيا. [الثاني] ـ من أراد بجهاده ثواب الدنيا أي النصيب من الغنيمة في قول أبي علي الجبائي. الثالث - من يرد ثواب الدنيا بالتعرض له بعمل النوافل مع مواقعة الكبائر جوزي بها في الدنيا من غير حظ في الآخرة لاحباط عمله بفسقه على مذهب من يقول بالاحباط، ومن يرد بعمله ثواب الآخرة نؤته إياها. و (من) في قوله: "منها" تكون زائدة. ويحتمل أن تكون للتبعيض، لأنه يستحق الثواب على قدر عمله. وإنما كرر قوله: {وسنجزي الشاكرين} ها هنا، وفي الآية الأولى، لأمرين: أحدهما - للتأكيد ليتمكن المعنى في النفس. الثاني - {وسنجزي الشاكرين} من الرزق في الدنيا، عن ابن اسحاق لئلا يتوهم ان الشاكر يحرم ما يعطاه الكافر مما قسم له في الدنيا. وقال الجبائي في الآية دلالة على أن اجل الانسان إنما هو أجل واحد. وهو الوقت الذي يموت فيه، لأنه لا يقتطع بالقتل عن الأجل الذي أخبر الله أنه اجل لموته. وقال ابن الاخشاذ: لا دليل فيه على ذلك، لأن للانسان أجلين أجل يموت فيه لا محالة، وأجل هو موهبة من الله تعالى له، ومع ذلك فلن يموت إلا عند الأجل الذي جعله الله أجلا لموته. والأقوى الأول، لأن الاجل عبارة عن الوقت الذي يحدث فيه الموت أو القتل، وبالتقدير لايكون الشئ أجلا كما لا يكون بالتقدير ملكا، وقد بينا في شرح الجمل ذلك مستوفى.

الجنابذي

تفسير : {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ} كأنّ المراد بالموت هاهنا معنىً اعمّ من القتل {إِلاَّ بِإِذْنِ الله} اى باباحته وهذا تقوية لقلوب المؤمنين وتسلية لهم بانّه ما اصابهم من القتل وما يصيبهم ما كان ولا يكون الاّ بعلمه وترخيصه لخروج الرّوح ولو لم يخرج ارواح المقتولين بالقتل لخرجت بالموت فما لهم يتوانون من الجهاد ويخافون من القتل ويتحسّرون على القتلى {كِتَاباً} حال من ان تموت فانّه بتأويل الموت او مفعول مطلق لفعلٍ محذوفٍ {مُّؤَجَّلاً} مؤقّتاً لا يتخلّف عن وقته بتأخير ان فرّت وتقديم ان قاتلت {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} تعريض بمن شغلته الدّنيا ومنعه تعلّقه بها عن القتال وبمن شغلته الغنائم يوم احدٍ عن امتثال الامر كاصحاب عبد الله بن جبيرٍ وعن القتال كبعض الانصار وبمن فرّ عن القتال ذلك اليوم وترك الرّسول (ص) {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا} تعريض بمن ثبت على الامتثال كبعض اصحاب عبد الله بن جبير وبمن ثبت على القتال حتّى قتل او نجا {وَسَنَجْزِي ٱلشَّاكِرِينَ} من قبيل وضع الظّاهر موضع المضمر او المراد بالشّاكرين من بذل جهده فى سبيل الله وترك الدّنيا والآخرة وراء ظهره امتثالاً لامر الله واعلاءً لكلمته وحمايةً لدينه كعلىّ (ع) فكأنّه قال: ومن يرد وجه الله وطرح ثواب الدّنيا والآخرة فهو شاكر {وسنجزى الشّاكرين}، نسب الى الباقر (ع) انّه قال: اصاب عليّاً (ع) يوم احد ستّون جراحة وانّ النّبىّ (ص) امر امّ سليمٍ وامّ عطيّة ان تداوياه فقالتا: انّا لا نعالج منه مكاناً الاّ انفتق منه مكانٌ وقد خفنا عليه ودخل رسول الله (ص) والمسلمون يعودونه وهو قرحة واحدةٌ فجعل يمسحه بيده ويقول: انّ رجلاً لقى هذا فى الله فقد أبلى وأعذر، فكان القرح الّذى يمسحه رسول الله (ص) يلتئم فقال علىّ (ع): الحمدلله اذ لم افرّ ولم اولّ الدّبر فشكر الله له ذلك فى موضعين من القرآن وهو قوله {وسيجزى الله الشّاكرين} {وسنجزى الشّاكرين}.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله} الآية نزلت يوم أُحد فيمن ترك المركز طلباً للغنيمة، وقيل: نزلت في المنافقين جواباً لقولهم: لو أطاعونا ما قتلوا، يعني أن أحداً لا يموت قبل بلوغ أجله {كتاباً مؤجَّلاً} مصدر مؤكد لأن المعنى كتب الموت كتاباً مؤجلاً مؤقت له أجلٌ معلومٌ لا يتقدم ولا يتأخر {ومن يرد ثواب الدنيا نؤته} منها يعني الذين شغلتهم الغنائم يوم أُحُد نؤته منها اي من ثوابها وسنجزي الشاكرين الجزاء المبهم، وقيل: الجزاء المهم الذين شكروا نعمة الله فلم يشغلهم عن الجهاد شيء، قوله تعالى: {وكأين من نبيٍّ قتل} قرئ قاتل، وقِيل: بالتشديد والفاعل ربيُّون أو ضمير النبي {ومعه ربيُّون} حال عنه ومعنى ربيُّون علماء وزهَّاد يعني قتل ومعه ربيُّون {فما وهنوا} عند قتل النبي {وما ضعفوا وما استكانوا} للعدو، وهذا تعريض بما أصابهم من الوَهن والإِنكسار عند الارجاف بقتل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبضعفهم عند ذلك، عن مجاهدة المشركين واستكانتهم لهم حين أرادوا أن يعتضدوا بالمنافقين عبد الله بن أُبي في طلب الأمان، قوله تعالى: {وما كان قولهم} إلاَّ هذا القول وهو إضافة الذنوب والإسراف إلى أنفسهم، قال جار الله: والدعاء بالاستغفار وفيها مقدماً على طلب ثبوت الاقدام في مواطن الحرب والنصرة على العدو وليكون طلبهم إلى ربهم عن زكاة وطهارة وخضوع أقرب إلى الإِجابة مع كونهم ربانيين هضماً لها واستقصاراً، قوله تعالى: {فأتاهم الله ثواب الدنيا} من النصرة والغنيمة وطلب الذكر وخص ثواب الآخرة بالحسن دلالة على فضله، قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا} قال علي (عليه السلام): "نزلت في قول المنافقين للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم وارحلوا في دينهم" وعن الحسن: "ان تستنصحوا اليهود والنصارى وتقبلوا منهم" قوله تعالى: {بل الله مولاكم} أي ناصركم لا تحتاجون معه إلى نصرة أحد، قوله تعالى: {سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب} الآية نزلت في يوم أُحد لما ارتحل أبو سفيان والقوم معه نحو مكة ندموا وقالوا: بئس ما صنعنا قتلناهم حتى بقي منهم اليسير ارجعوا فاستأصلوهم فقذف الله في قلوبهم الرعب حتى هربوا خائفين.

الهواري

تفسير : قوله: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ كِتَاباً مُّؤَجَّلاً} أي لا تستقدم عنه ولا تستأخر. ذكروا عن سعيد بن جبير قال: أجله مكتوب في أول الكتاب، ثم يكتب في أسفل الكتاب: ذهب من أجله يوم كذا وكذا. وذهب كذا وكذا حتى يفنى عمره. قال: وهو قوله: (أية : وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ) تفسير : [فاطر: 11]. قوله: {وَمَن يُّرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} هو مثل قوله: (أية : مَّن كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ) تفسير : [الإسراء:18] {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا} يعني الجنة، يثاب على قدر عمله، {وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} أي المؤمنين. قوله: {وَكَأَيِّن} أي: وكم {مِّن نَّبيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} يقول: جموع كثيرة. قوله: {رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ}. قال الحسن: علماء كثير. وقال عبد الله بن مسعود جموع كثيرة، وقال مجاهد: جموع كثيرة. وقال بعضهم: الرّبيّون اثنا عشر ألفاً. وبعضهم يقرأها: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ}. قوله: {فَمَا وَهَنُوا} أي فما ضعفوا في تفسير الحسن ومجاهد. {لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا} وهو كلام مثنى في تفسير الحسن. وقال بعضهم: فما وهنوا: فما عجزوا وما ضعفوا لقتل نبيهم. وكذلك قال مجاهد. وقال بعضهم في قوله: {وَمَا اسْتَكَانُوا} أي وما ارتدوا عن بصيرتهم، أي: قاتلوا على ما قاتل عليه نبي الله حتى لحقوا بالله. {وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}.

اطفيش

تفسير : {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ}: أى بأمره ملك الموت أن يقبض روحها أو بإرادته، أو قضائه أو قدره، وفيه دليل على أن المقتول مات لأجله، وعلى قاتله ظلماً وزر القتل إذا هو فعله وهو قضاء الله وقدره، وإرادته وأمره لملك الموت، لا للقاتل، لا كما زعمت المعتزلة، أن المقتول مات لغير أجله، وفيه أيضاً تحريض على القتال، وإعلام بأن التأخر عنه لا يدفع الموت، والإقدام عليه لا يقدم أجلا، فمن قضى موته حتف أنفه مات حتفه، ومن قضى موته بقتل مات به، وقد انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واجتمع عليه العدو، فنجاه الله. {كِتَاباً مُّؤَجَّلاً}: مفعول مطلق نوعى وناصبه محذوف، أى كتب الله موتها مؤجلا ما فيه، بأجل لا يتقدم ولا يتأخر. قال سعيد بن جبير: أجله مكتوب فى أول الكتاب ثم يكتب فى أسفله ذهب من عمره يوم كذا وكذا وذهب كذا وكذا حتى يفنى عمره. قال وهو قوله: " وما يعمَّر من مُعمر ولا ينقَص من عمره إلا فى كتاب" وقيل الكتاب: الكتابة فى اللوح المحفوظ وقيل: نفس اللوح المحفوظ، وعلى هذا فهو مفعول به لمحذوف، أى: أثبتنا لذلك كتاباً مؤجلا. {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا}: يعمل للآخرة. {نُؤْتِهِ مِنْهَا}: لا من الآخرة وما نؤتيه من الدنيا إلا بعضاً وإن شئنا لو نعطه لقوله تعالى: {أية : عجلنا له فيها ما نشاء}تفسير : لمن نريد فى الآية الآخرى، قيل: نزل ذلك فى الذين انتقلوا من الرماة عن موضعهم الذى حدده له رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أحد للغنيمة وتابوا من ذلك، وإنما الهلاك على المصر. {وَمَنْ يُرِدْ}: بعمل الآخرة. {ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ}: فيها ثوابه وهو عظيم. {مِنْهَا}: أى من ثوابها لقوله {ثواب الآخرة} وله أيضاً رزقه مقدر من الدنيا إذ لا يفوتهُ رزقه بالعبادة، بل قال بان فورك فى قوله تعالى: {وَسَنَجْزِى الشَّاكِرِينَ}: إنه بنعمهم بنعم الدنيا، لأنهم مقصرون على الآخرة، فذلك جزاؤهم فى الدنيا ولا مانع من أن يقال: نؤته منها ما نؤته لا على أنه جزاء عمله فحذف المفعول، للتعظيم، وسنجزيه بما لا يعلم كنهه إلا الله تعالى ليشكره، بالعبادة وذلك فى جهاد أحد وجهاد غيره، وفى غير الجهاد، ولو نزلت فى جهاد أحد، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى الدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى من هاجر إليه"تفسير : . قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذى نفسى بيده لولا أن رجالا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عنى ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية تغزوا فى سبيل الله" "حديث : والذى نفسى بيده لوددت أنى أقتل فى سبيل الله ثم أحيا قم أقتل ثم أحيا ثم أقتل"تفسير : رواه أبو هريرة. وروى أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من عبد يموت لهُ عند الله عز وجل خير، يسره ان يرجع إلى الدنيا وإن الدنيا وما فيها إلا الشهيد لما يرى من فضل الشهادة، فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات، لما يرى من الكرامة ".

اطفيش

تفسير : {وَمَا كَانَ} ما صح أو ثبت {لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إلاّ بِإذْنِ اللهِ} لملك الموت فى توفيها، فالإذن على حقيقته، وهو أن يؤمر بفعل ما صلبت أو التخلية بينها وبينه أو إلا بمشيئة الله، لا يؤخرها عن أجلها ترك القتال ولا يقدمها عنه القتال إطلاقا للمسبب على السبب، لأن الإذن مسبب عن المشيئة، أو مستعار للمشيئة فى التيسير، وإذا كان أجلها فى القتال لم نجد تأخيراً عنه، فالمقتول مات لأجله، لا كما قالت المعتزلة، إنه مات لغير أجله، وأنه لو لم يقتل لعاش إلى أجل أو فى وقت القتل قولان فاسدان، وهذا من الأصول التى ينقطع فيها العذر فنكفرهم بقولهم تكفير نفاق لا شرك، وذلك أن الله تعالى لا يخلف الوعد ولا الوعيد، ولا يتجدد علمه فيبدو له ما لم يعلم، حاشاه أن يخفى عنه شىء ولا ينسى ولا يعجز ولا يغلبه شىء عن الأجل الموعود له، وإذا وقع خلاف ما قضى انقلب العلم جهلا واللوح المحفوظ كذبا {كِتَاباً مُؤَجَّلاَ} كتب الله الموت كتاباً مؤقتاً مبرما، لا يتقدم بقتال كما لا يتأخر بتحرز، وذلك كله تحريض على الجهاد، ووعد بالحياة، وهو مؤكد لمضمون قوله: وما كان لنفس الخ. {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا} معرضاً عن ثواب الآخرة، أو مريداً لثواب الآخرة أيضاً، إرادة ضعيفة لم تصدقه أقواله {نُؤْتِهِ مِنهَا} من ثوابها إن شئنا، ولا ثواب له فى الآخرة ولا نؤتيه إلا ما قسم له، من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الأَخِرَةِ} وحده، أو مع ثواب الدنيا، غير آكل بدينه ولا قاصداً إياه {نُؤْتِهِ مِنْهَا} من ثوابها لاستعداده له لما اشتد الحرب قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من يضرب بهذا السيف حتى ينحنى؟"تفسير : فأخذه أبو دجانة، سماك ابن خرشة الأنصارى فضرب به حتى انحنى، فلا يلقى أحداً إلا قتله به، وقاتل على قتالا شديداً، ورمى سعد بن أبى وقاص حتى اندق قوسه، ونثل له رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته، ويقول له: "حديث : أرم، فداؤك أبى وأمى"تفسير : ، وأصيبت يد طلحة ابن عبيد الله ووقعت عين قتادة على وجنته، فردها صلى الله عليه وسلم، وكانت أحسن مما كانت ولا ترمد {وَسَنَجْزِى الشَّاكِرِينَ} الله بالثبات فى أمر الدين، ومنه القتال والثبات يوم أُحد، ما لا عين رأت ولا خطر على قلب بشر أو ملك، وذلك تعريض بمن أكبوا على الغنائم حبا للدنيا، وتركوا المركز حتى قتلوا من ورائهم.

الالوسي

تفسير : {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } استئناف سيق للحض على الجهاد واللوم على تركه خشية القتل مع قطع عذر المنهزمين خشية ذلك بالكلية. ويجوز أن يكون تسلية عما لحق الناس بموت النبـي صلى الله عليه وسلم وإشارة إلى أنه عليه السلام كغيره لا يموت إلا بإذن الله تعالى فلا عذر لأحد بترك دينه بعد موته. والمراد بالنفس الجنس وتخصيصها بالنبـي عليه الصلاة والسلام كما روي عن ابن إسحق ليس بشيء، والموت هنا أعم من الموت حتف الأنف والموت بالقتل، كما سنحققه، وكان ناقصة اسمها أن تموت ولنفس متعلق بمحذوف وقع خبراً لها، والاستثناء مفرغ من أعم الأسباب. وذهب أبو البقاء إلى أن (بإذن الله) خبر كان ولنفس متعلق بها واللام للتبيين، ونقل عن بعضهم أن الجار متعلق بمحذوف تقديره الموت لنفس، و {أَنْ تَمُوتَ } تبيين للمحذوف، وحكي عن الزجاج وبعض عن الأخفش أن التقدير ـ وما كان نفس لتموت ـ ثم قدمت اللام وكل هذه الأقوال أوهن من الوهن لا سيما الأخير، والمعنى ما كان الموت حاصلاً لنفس من النفوس مطلقاً بسبب من الأسباب إلا بمشيئة الله تعالى وتيسيره. و ـ الإذن ـ مجاز عن ذلك لكونه من لوازمه، وظاهر التركيب يدل على أن الموت من الأفعال التي قدم عليها اختياراً فقد شاع استعمال ما كان لزيد أن يفعل كذا فيما إذا كان ذلك الفعل اختيارياً لكن الظاهر هنا متروك بأن يجعل ذلك من باب التمثيل بأن صور الموت بالنسبة إلى النفوس بصورة الفعل الاختياري الذي لا يقدم عليه إلا بالإذن. والمراد عدم القدرة عليه، أو بتنزيل إقدام النفوس على مباديه كالقتال مثلاً منزلة الإقدام عليه نفسه للمبالغة أو تحقيق المرام فإن موتها لما استحال وقوعه عند إقدامها عليه أو على مباديه وسعيها في إيقاعه فلأن يستحيل عند عدم ذلك أولى وأظهر، ويجوز على هذا أن يبقى الإذن على حقيقته ومفعوله مقدر للعلم به، والمراد / بإذنه تعالى إذنه لملك الموت فإنه الذي يقبض روح كل ذي روح بشراً كان أو لا شهيداً كان أو غير شهيد، براً أو بحراً حتى قيل: إنه يقبض روح نفسه، واستثنى بعضهم أرواح شهداء البحر فإن الله تعالى هو الذي يقبضها بلا واسطة واستدل بحديث جويبر ـ وهو ضعيف جداً ـ وفيه من طريق الضحاك انقطاع، وذهب المعتزلة إلى أن ملك الموت إنما يقبض أرواح الثقلين دون غيرهم، وقال بعض المبتدعة: إنه يقبض الجميع سوى أرواح البهائم فإن أعوانه هم الذين يقبضونها ولا تعارض بين {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا } تفسير : [الزمر: 42] و {أية : يَتَوَفَّـٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ }تفسير : [السجدة: 11] و {أية : تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا }تفسير : [الأنعام: 61] لأن إسناد ذلك له تعالى بطريق الخلق والإيجاد الحقيقي، وإلى الملك لأنه المباشر له، وإلى الرسل لأنهم أعوانه المعالجون للنزع من العصب والعظم واللحم والعروق. {كِتَـاباً } مصدر مؤكد لعامله المستفاد من الجملة السابقة والمعنى كتب ذلك الموت المأذون فيه كتاباً {مُّؤَجَّلاً } أي موقتاً بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخر، وقيل: حكماً لازماً مبرماً وهو صفة كتاباً ولا يضر التوصيف بكون المصدر مؤكداً بناءاً على أنه معلوم مما سبق وليس كل وصف يخرج عن التأكيد، ولك ـ لما في ذلك من الخفاء ـ أن تجعل المصدر لوصفه مبيناً للنوع وهو أولى من جعله مؤكداً، وجعل {مُّؤَجَّلاً } حالاً من الموت لا صفة له لبعد ذلك غاية البعد فتدبر. وقرىء {مُؤَجلاً} بالواو بدل الهمزة على قياس التخفيف. وظاهر الآية يؤيد مذهب أهل السنة القائلين أن المقتول ميت بأجله أي بوقته المقدر له وأنه لو لم يقتل لجاز أن يموت في ذلك الوقت وأن لا يموت من غير قطع بامتداد العمر ولا بالموت بدل القتل إذ على تقدير عدم القتل لا قطع بوجود الأجل وعدمه فلا قطع بالموت ولا بالحياة، وخالف في ذلك المعتزلة فذهب الكعبـي منهم إلى أن المقتول ليس بميت لأن القتل فعل العبد والموت فعل الله سبحانه أي مفعوله وأثر صفته، وأن للمقتول أجلين: أحدهما: القتل والآخر: الموت وأنه لو لم يقتل لعاش إلى أجله الذي هو الموت، وذهب أبو الهذيل إلى أن المقتول لو لم يقتل لمات البتة في ذلك الوقت. وذهب الجمهور منهم إلى أن القاتل قد قطع على المقتول أجله وأنه لو لم يقتل لعاش إلى أمد هو أجله الذي علم الله تعالى موته فيه لولا القتل، وليس النزاع بين الأصحاب والجمهور لفظياً كما رآه الأستاذ وكثير من المحققين حيث قالوا: إنه إذا كان الأجل زمان بطلان الحياة في علم الله تعالى لكان المقتول ميتاً بأجله بلا خلاف من المعتزلة في ذلك إذ هم لا ينكرون كون المقتول ميتاً بالأجل الذي علمه الله تعالى وهو الأجل بسبب القتل، وإن قيد بطلان الحياة بأن لا يترتب على فعل من العبد لم يكن كذلك بلا خلاف من الأصحاب فيه إذ هم يقولون بعدم كون المقتول ميتاً بالأجل غير المرتب على فعل العبد لأنا نقول حاصل النزاع أن المراد بأجل المقتول المضاف إليه زمان بطلان حياته بحيث لا محيص عنه ولا تقدم ولا تأخر على ما يشير إليه قوله تعالى: {أية : فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } تفسير : [الأعراف: 34] ويرجع الخلاف إلى أنه هل تحقق ذلك في حق المقتول أم المعلوم في حقه أنه إن قتل مات وإن لم يقتل يعش كذا في «شرح المقاصد»، ولعله جواب باختيار الشق الأول، وهو أن المراد زمان بطلان الحياة في علم الله تعالى لكنه لا مطلقاً بل على ما علمه تعالى وقدره بطريق القطع وحينئذٍ يصلح محلاً للخلاف لأنه لا يلزم من عدم تحقق ذلك في المقتول كما يقوله المعتزلة تخلف العلم عن المعلوم لجواز أن يعلم تقدم موته بالقتل مع تأخر الأجل الذي لا يمكن تخلفه عنه، وقد يقال: إنه يمكن أن يكون جواباً باختيار شق ثالث وهو المقدر بطريق القطع إذ لا تعرض في تقرير الجواب للعلم والمقدر أخص من الأجل المعلوم مطلقاً / والفرق بينه وبين كونه جواباً باختيار الأول لكن لا مطلقاً اعتبار قيد العلم في الأجل الذي هو محل النزاع على تقدير اختيار الأول وعدم اعتباره فيه على اختيار الثالث وإن كان معلوماً في الواقع أيضاً فافهم، ثم إن أبا الحسين ومن تابعه يدعون الضرورة في هذه المسألة وكذا الجمهور في رأي البعض، وعند البعض الآخر هي عندهم استدلالية. واحتجوا على مذهبهم بالأحاديث الواردة في أن بعض الطاعات تزيد في العمر وبأنه لو كان المقتول ميتاً بأجله لم يستحق القاتل ذماً ولا عقاباً ولم يتوجه عليه قصاص ولا غرم دية ولا قيمة في ذبح شاة الغير لأنه لم يقطع أجلاً ولم يحدث بفعله موتاً، وبأنه ربما يقتل في الملحمة والحرب ألوف تقضي العادة بامتناع اتفاق موتهم في ذلك الوقت بآجالهم، وتمسك أبو الهذيل بأنه لو لم يمت المقتول لكان القاتل قاطعاً لأجل قدره الله تعالى ومغيراً لأمر علمه وهو محال، والكعبـي بقوله تعالى: {أية : أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ } تفسير : [آل عمران: 144] حيث جعل القتل قسيماً للموت بناءاً على أن المراد بالقتل المقتولية وأنها نفس بطلان الحياة وأن الموت خاص بما لا يكون على وجه القتل ومتى كان الموت غير القتل كان للمقتول أجلان: أحدهما: القتل، والآخر: الموت. وأجيب عن متمسك الأولين: الأول: بأن تلك الأحاديث أخبار آحاد فلا تعارض الآيات القطعية كقوله تعالى: {أية : فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }تفسير : [الأعراف: 34] أو بأن المراد من أن الطاعة تزيد في العمر أنها تزيد فيما هو المقصود الأهم منه وهو اكتساب الكمالات والخيرات والبركات التي بها تستكمل النفوس الإنسانية وتفوز بالسعادة الأبدية، أو بأن العمر غير الأجل لأنه لغة الوقت، وأجل الشيء يقال لجميع مدته ولآخرها كما يقال أجل الدين شهران أو آخر شهر كذا، ثم شاع استعماله في آخر مدة الحياة، ومن هنا يفسر بالوقت الذي علم الله تعالى بطلان حياة الحيوان عنده على ما قررناه. والعمر لغة مدة الحياة ـ كعمر زيد ـ كذا ومدة البقاء ـ كعمر الدنيا ـ وكثيراً ما يتجوز به عن مدة بقاء ذكر الناس الشخص للخير بعد موته، ومنه قولهم: ذكر الفتى عمره الثاني؛ ومن هنا يقال لمن مات وأعقب ذكراً حسناً وأثراً جميلاً: ما مات، فلعله أراد صلى الله عليه وسلم أن تلك الطاعات تزيد في هذا العمر لما أنها تكون سبباً للذكر الجميل، وأكثر ما ورد ذلك في الصدقة وصلة الرحم وكونهما مما يترتب عليهما ثناء الناس مما لا شبهة فيه قيل: ولهذا لم يقل صلى الله عليه وسلم في ذلك إنه يزيد في الأجل، أو بأن الله تعالى كان يعلم أن هذا المطيع لو لم يفعل هذه الطاعة لكان عمره أربعين مثلاً لكنه علم أنه يفعلها ويكون عمره سبعين سنة فنسبة هذه الزيادة إلى تلك الطاعة بناءاً على علم الله تعالى أنه لولاها لما كانت هذه الزيادة. ومحصل هذا أنه سبحانه قدر عمره سبعين بحيث لا يتصور التقدم والتأخر عنه لعلمه بأن طاعته تصير سبباً لثلاثين فتصير مع أربعين من غير الطاعة سبعين، وليس محصل ذلك أنه تعالى قدره سبعين على تقدير وأربعين على تقدير حتى يلزم تعدد الأجل والأصحاب لا يقولون به. والثاني: بأن استحقاق الذم والعقاب وتوجه القصاص أو غرم الدية مثلاً على القاتل ليس بما يثبت في المحل من الموت بل هو بما اكتسبه وارتكبه من الإقدام على الفعل المنهي عنه الذي يخلق الله تعالى به الموت كما في سائر الأسباب والمسببات لا سيما عند ظهور أمارات البقاء وعدم ما يظن معه حضور الأجل حتى لو علم موت شاة بإخبار صادق معصوم، أو ظهرت الإمارات المفيدة لليقين لم يضمن عند بعض الفقهاء، والثالث: بأن العادة منقوضة أيضاً بحصول موت ألوف في وقت واحد من غير قتال ولا محاربة كما في أيام الوباء مثلاً على أن / التمسك بمثل هذا الدليل في مثل هذا المطلب في غاية السقوط. وأجيب عن متمسك أبـي الهذيل بأن عدم القتل إنما يتصور على تقدير علم الله تعالى بأنه لا يقتل وحينئذٍ لا نسلم لزوم المحال وبأنه لا استحالة في قطع الأجل المقدر الثابت لولا القتل لأنه تقرير للمعلوم لا تغيير له، وعن متمسك الكعبـي المخالف للمعتزلة والأشاعرة في إثبات الأجلين بأن القتل قائم بالقاتل وحال له لا للمقتول وإنما حاله الموت وانزهاق الروح الذي هو بإيجاد الله تعالى وإذنه ومشيئته وإرادة المقتولية المتولدة عن قتل القاتل بالقتل وهي حال المقتول إذ هي بطلان الحياة والتخصيص بما لا يكون على وجه القتل على ما يشعر به {أية : أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ} تفسير : [آل عمران: 144] خلاف مذهبه من إنكار القضاء والقدر في أفعال العباد إذ بطلان الحياة المتولد من قتل القاتل أجل قدره الله تعالى وعينه وحدده، ومعنى الآية ـ كما أشرنا إليه ـ أفئن مات حتف أنفه بلا سبب، أو مات بسبب القتل، فتدل على أن مجرد بطلان الحياة موت ومن هنا قيل: إن في المقتول معنيين قتلاً هو من فعل الفاعل وموتاً هو من الله تعالى وحده. وذهبت الفلاسفة إلى مثل ما ذهب إليه الكعبـي من تعدد الأجل فقالوا: إن للحيوان أجلاً طبيعياً بتحلل رطوبته وانطفاء حرارته الغريزيتين وآجالاً اخترامية تتعدد بتعدد أسباب لا تحصى من الأمراض والآفات، وبيانه أن الجواهر التي غلبت عليها الأجزاء الرطبة ركبت مع الحرارة الغريزية فصارت لها بمنزلة الدهن للفتيلة المشعلة وكلما انتقصت تلك الرطوبات تبعتها الحرارة الغريزية في ذلك حتى إذا انتهت في الانتقاص وتزايد الجفاف انطفأت الحرارة كانطفاء السراج عند نفاد دهنه فحصل الموت الطبيعي وهو مختلف بحسب اختلاف الأمزجة وهو في الإنسان في الأغلب تمام مائة وعشرين سنة. وقد يعرض من الآفات مثل البرد المجمد والحر المذوب وأنواع السموم وأنواع تفرق الاتصال وسوء المزاج ما يفسد البدن ويخرجه عن صلاحه لقبول الحياة إذ شرطها اعتدال المزاج فيهلك بسببه وهذا هو الأجل الاخترامي، ويرد ذلك أنه مبني على قواعدهم من تأثير الطبيعة والمزاج وهو باطل عندنا إذ لا تأثير إلا له سبحانه وتلك الأمور عندنا أسباب عادية لا عقلية كما زعموا. وادعى بعض المحققين أن النزاع بيننا وبين الفلاسفة كالنزاع بيننا وبين المعتزلة ـ على رأي الأستاذ ـ لفظي إذ هم لا ينكرون القضاء والقدر فالوقت الذي علم الله تعالى بطلان الحياة فيه بأي سبب كان واحد عندهم أيضاً، وما ذكروه من الأجل الطبيعي نحن لا ننكره أيضاً لكنهم يجعلون اعتدال المزاج واستقامة الحرارة والرطوبة ونحو ذلك شروطاً حقيقة عقلية لبقاء الحياة ونحن نجعلها أسباباً عادية وذلك بحث آخر وسيأتي تتمة الكلام على هذه المسألة إذ الأمور مرهونة لأوقاتها ولكل أجل كتاب. {وَمَن يُرِدِ } أي بعمله كالجهاد {ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا } كالغنيمة {نُؤْتِهِ } بنون العظمة على طريق الالتفات {مِنْهَا } أي شيئاً من ثوابها إن شئنا فهو على حدّ قوله تعالى: {أية : مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَـاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ } تفسير : [الإسراء: 18] وهذا تعريض بمن شغلتهم الغنائم يوم أحد عن مصلحة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم تفصيل ذلك. {وَمَن يُرِدِ } أي بعمله كالجهاد أيضاً والذبّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. {ثَوَابَ ٱلأَْخِرَةِ } مما أعدّ الله تعالى لعباده فيها من النعيم {نُؤْتِهِ مِنْهَا } أي من ثوابها ما نشاء حسبما جرى به قلم الوعد الكريم، وهذا إشارة إلى مدح الثابتين يومئذٍ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآية / وإن نزلت في الجهاد خاصة لكنها عامة في جميع الأعمال. {وَسَنَجْزِى ٱلشَّـٰكِرِينَ } يحتمل أنه أريد بهم المريدون للآخرة، ويحتمل أنه أريد بهم جنس الشاكرين وهم داخلون فيه دخولاً أولياً. والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبله ووعد بالمزيد عليه وفي تصديرها بالسين وإبهام الجزاء من التأكيد والدلالة على فخامة شأن الجزاء وكونه بحيث يضيق عنه نطاق البيان ما لا يخفى، وبذلك جبر اتحاد العبادتين في شأن الفريقين واتضح الفرق لذي عينين، وقرئت الأفعال الثلاثة بالياء. هذا ومن باب الإشارة: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ أَضْعَـٰفاً مُّضَـٰعَفَةً } إما إشارة إلى الأمر بالتوكل على الله تعالى في طلب الرزق والانقطاع إليه، أو رمز إلى الأمر بالإحسان إلى عباد الله المحتاجين من غير طلب نفع منهم، فقد ورد في بعض الآثار أن القرض أفضل من الصدقة، أو إيماء إلى عدم طلب الأجر على الأعمال بأن يفعلها محضاً لإظهار العبودية {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } من أكل الربا {أية : لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } تفسير : [آل عمران: 130] أي تفوزون بالحق {أية : وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [آل عمران: 131] أي اتقوني في النار لأن إحراقها وعذابها مني، وهذا سرّ عين الجمع قالوا: ويرجع في الحقيقة إلى تجلي القهر وهو بظاهره تخويف للعوام والتخويف الأول للخواص، وقليل ما هم {وَسَارِعُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ } وهي ستر أفعالكم التي هي حجابكم الأعظم عن رؤية الحق {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَاتُ وَٱلأْرْضُ } وهي جنة توحيد الأفعال وهو توحيد عالم الملك، ولذا ذكر سبحانه السماوات والأرض وذكر العرض دون الطول لأن الأفعال باعتبار السلسلة العرضية وهي توقف كل فعل على فعل آخر تنحصر في عالم الملك الذي تصل إليه أفهام الناس ويقدرونه، وأما باعتبار الطول فلا تنحصر فيه ولا يقدر قدرها إذ الفعل مظهر الوصف، والوصف مظهر الذات، والذات لا نهاية لها ولا حد {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } تفسير : [الأنعام: 91] فالمحجوبون عن الذات والصفات لا يرون إلا هذه الجنة، وأما البارزون لله الواحد القهار فعرض جنتهم عين طولها ولا حدّ لطولها فلا يقدر قدرها طولاً وعرضاً {أية : أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ }تفسير : [آل عمران: 133] حجب أفعالهم وترك نسبة الأفعال إلى غير الحق جل جلاله، ويحتمل أنه سبحانه دعا خلقه على اختلاف مراتبهم إلى فعل ما يؤدي إلى المغفرة على اختلاف مراتبها فإن الذنب مختلف وذنب المعصوم قلة معرفته بربه بالنظر إلى عظمة جماله وجلاله في نفس الأمر. وفي الخبر عن سيد العارفين صلى الله عليه وسلم «حديث : سبحانك ما عرفناك حق معرفتك» تفسير : فما عرفه العارفون من حيث هو وإنما عرفوه من حيث هم وفرق بين المعرفتين، ولهذا قيل: ما عرف الله تعالى إلا الله تعالى ودعاهم أيضاً إلى ما يجرّهم إلى الجنة، والخطاب بذلك إن كان للعارفين فهو دعاء إلى عين الجمع ليتجلى لهم بالوسائط لبقائهم في المعرفة وفي الحقيقة معرفته قربته وجنته مشاهدته، وفي حقيقة الحقيقة هي الذات الجامع التي لا يصل إليها الأغيار، ومن هنا قيل: ليس في الجنة إلا الله تعالى وإن كان الخطاب بالنظر إلى آحاد المؤمنين فالمراد بها أنواع التجليات الجمالية أو ظاهرها الذي أفصح به لسان الشريعة ودعاؤهم إليه من باب التربية وجلب النفوس البشرية التي لم تفطم بعد من رضع ثدي اللذائذ إلى ما يرغبها في كسب الكمالات الإنسانية والترقي إلى ذروة المعارج الإلۤهية (الذين ينفقون) نفائس نفوسهم لمولاهم (في السراء والضراء) في حالتي الجمال والجلال، ويحتمل أن يراد الذين لا تمنعهم الأحوال المتضادة عن الإنفاق فيما يرضي الله تعالى لصحة توكلهم عليه سبحانه برؤية جميع الأفعال منه {وَٱلْكَـاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ } الذي يعرض للإنسان بحسب الطبيعة البشرية وكظمهم له قد يكون بالشدّ عليه بوكاء التسليم والرضا وذلك بالنظر لمن هو في مقام جنة الصفات، وأما من دونهم فكظمهم دون هذا الكظم، / وسبب الكظم أنهم يرون الجناية عليهم فعل الله تعالى وليس للخلق مدخل فيها {وَٱلْعَـافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ } إما لأنهم في مقام توحيد الأفعال، أو لأنهم في مقام توحيد الصفات {أية : وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } تفسير : [آل عمران: 134] حسب مراتبهم في الإحسان {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـاحِشَةً } أي كبيرة من الكبائر وهي رؤية أفعالهم المحرمة عليهم تحريم رؤية الأجنبيات بشهوة {أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ } بنقصهم حقوقها والتثبط عن تكميلها {ذَكَرُواْ ٱللَّهَ } أي تذكروا عظمته وعلموا أنه لا فاعل في الحقيقة سواه {فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ } أي طلبوا ستر أفعالهم عنهم بالتبري عن الحول والقوة إلا بالله {وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ } وهي رؤية الأفعال أو النظر إلى سائر الأغيار {إِلاَّ ٱللَّهُ } وهو الملك العظيم الذي لا يتعاظمه شيء {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ } في غفلتهم ونقصوا حق نفوسهم {أية : وَهُمْ يَعْلَمُونَ } تفسير : [آل عمران: 135] حقيقة الأمر وأن لا فعل لغيره {أُوْلَـٰئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ } وهو ستره لوجودهم بوجوده وترقيهم من مقام توحيد الأفعال إلى ما فوقه {وَجَنَّـٰتٍ } أي أشياء خفية وهي جنات الغيب وبساتين المشاهدة والمداناة التي هي عيون صفات الذات {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } أي تجري منها أنهار الأوصاف الأزلية {خَـالِدِينَ فِيهَا } بلا مكث ولا قطع ولا خطر الزمان ولا حجب المكان ولا تغير {أية : وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـامِلِينَ } تفسير : [آل عمران: 136] ومنهم الواقفون بشرط الوفاء في العشق على الحضرة القديمة بلا نقض للعهود ولا سهو في الشهود {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ } بطشات ووقائع في الذين كذبوا الأنبياء في دعائهم إلى التوحيد {فَسِيرُواْ } بأفكاركم {فِى ٱلأَْرْضِ فَٱنظُرُواْ } وتأملوا في آثارها لتعلموا {أية : كَيْفَ كَانَ عَـاقِبَةُ ٱلْمُكَذّبِينَ }تفسير : [آل عمران: 137] أي آخر أمرهم ونهايته التي استدعاها التكذيب ويحتمل أن يكون هذا أمراً للنفوس بأن تنظر إلى آثار القوى النفسانية التي في أرض الطبيعة لتعلم ماذا عراها وكيف انتهى حالها فلعلها ترقى بسبب ذلك عن حضيض اللحوق بها {هَـٰذَا } أي كلام الله تعالى {بَيَانٌ لّلنَّاسِ } يبين لهم حقائق أمور الكونين {وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ } يتوصل به إلى الحضرة الإلهية {أية : لّلْمُتَّقِينَ }تفسير : [آل عمران: 138] وهم أهل الله تعالى وخاصته. واختلف الحال لاختلاف استعداد المستمعين للكلام إذ منهم قوم يسمعونه بأسماع العقول، ومنهم قوم يسمعونه بأسماع الأسرار، وحظ الأولين منه الامتثال والاعتبار، وحظ الآخرين مع ذلك الكشف وملاحظة الأنوار وقد تجلى الحق فيه لخواص عباده ومقربـي أهل اصطفائه فشاهدوا أنواراً تجلى وصفة قديمة وراء عالم الحروف تتلى {وَلاَ تَهِنُواْ } أي لا تضعفوا في الجهاد {وَلاَ تَحْزَنُواْ } على ما فاتكم من الفتح ونالكم من قتل الأخوان {وَأَنتُمُ الأَْعْلَوْنَ } في الرتبة {أية : إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } تفسير : [آل عمران: 139] أي موحدين حيث أن الموحد يرى الكل من مولاه فأقل درجاته الصبر {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مّثْلُهُ } ولم يبالوا مع أنهم دونكم {وَتِلْكَ ٱلأَْيَّامُ } أي الوقائع {نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ } فيوم لطائفة وآخر لأخرى {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } أي ليظهر علمه التفصيلي التابع لوقوع المعلوم {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء } وهم الذين يشهدون الحق فيذهلون عن أنفسهم {أية : وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ }تفسير : [آل عمران: 140] أي الذين ظلموا أنفسهم وأضاعوا حقها ولم يكملوا نشأتها {وَلِيُمَحّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } أي ليخلصهم من الذنوب والغواشي التي تبعدهم من الله تعالى بالعقوبة والبلية {وَيَمْحَقَ } أي يهلك {أية : ٱلْكَـٰفِرِينَ }تفسير : [آل عمران: 141] بنار أنانيتهم {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ } أي تلجوا عالم القدس {أية : وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـابِرِينَ } تفسير : [آل عمران: 142] أي ولم يظهر منكم مجاهدات تورث المشاهدات وصبر على تزكية النفوس وتصفية القلوب على وفق الشريعة وقانون الطريقة ليتجلى للأرواح أنوار الحقيقة {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ } أي موت النفوس عن صفاتها {مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ } بالمجاهدات والرياضات {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ } برؤية أسبابه وهي الحرب مع أعداء الله تعالى {أية : وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } تفسير : [آل عمران: 143] أي تعلمون أن / ذلك الجهاد أحد أسباب موت النفس عن صفاتها، ويحتمل أن يقال: إن الموقن إذا لم يكن يقينه ملكة تمنى أموراً وادعى أحوالاً حتى إذا امتحن ظهر منه ما يخالف دعواه وينافي تمنيه، ومن هنا قيل:شعر : وإذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده والنزالا تفسير : ومتى رسخ ذلك اليقين وتمكن وصار ملكة ومقاماً ولم يبق حالا لم يختلف الأمر عليه عند الامتحان، والآية تشير إلى توبيخ المنهزمين بأن يقينهم كان حالا ولم يكن مقاماً {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ } أي أنه بشر كسائر إخوانه من المرسلين فكما خلوا من قبله سيخلو هو من بعدهم {أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ } ورجعتم القهقرى، والإشارة في ذلك إلى أنه تعالى عاتب من تزلزل لذهاب الواسطة العظمى عن البين وهو مناف لمشاهدة الحق ومعاينته، ولهذا قال الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله تعالى فإن الله تعالى حي لا يموت {وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً } لفنائه الذاتي {وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ } بالإيمان الحقيقي {أية : ٱلشَّـٰكِرِينَ }تفسير : [آل عمران: 144] بالإيمان التقليدي بأداء حقوقه من الائتمار بأوامر الشرع والانتهاء عن نواهيه {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ } هذا الموت المعلوم، أو الموت عن أوصافها الدنية وأخلاقها الردية {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } ومشيئته، أو جذبه باشراق نوره {وَمَن يُرِدْ } بمقتضى استعداده {ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا } جزاءاً لعمله {نُؤْتِهِ مِنْهَا } حسبما تقتضيه الحكمة {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلأَخِرَةِ } جزاءاً لعمله {نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِى ٱلشَّـٰكِرِينَ} [آل عمران: 145] ولعلهم الذين لم يريدوا الثوابين ولم يكن لهم غرض سوى العبودية، وأبهم جزاءهم للاشارة إلى أنه أمر وراء العبارة ـ ولعله تجلى الحق لهم ـ وهذا غاية متمنىٰ المحبين ونهاية مطلب السالكين، نسأل الله تعالى رضاه وتوفيقه.

ابن عاشور

تفسير : جملة معترضة، والواو اعتراضية. فإن كانت من تتمة الإنكار على هلعهم عند ظنّ موت الرسول، فالمقصود عموم الأنفس لا خصوص نفس الرسول ـــ عليه السلام ـــ، وتكون الآية لوماً للمسلمين على ذهولهم عن حفظ الله رسولَه من أن يسلّط عليه أعداؤُه، ومن أن يخترم عمره قبل تبليغ الرسالة. وفي قوله: {أية : والله يعصمك من الناس}تفسير : [المائدة: 67] عقب قوله: {أية : بلغ ما أنزل إليك من ربك}تفسير : [المائدة: 67] الدالّ على أنّ عصمته من النَّاس لأجل تبليغ الشَّريعة. فقد ضمن الله له الحياة حتَّى يبلّغ شرعه، ويتمّ مراده، فكيف يظنّون قتله بيد أعدائه، على أنَّه قبل الإعلان بإتمام شرعه، ألا ترى أنَّه لمّا أنزل قوله تعالى: {أية : اليوم أكملت لكم دينكم}تفسير : [المائدة: 3] الآية. بكى أبو بكر وعلم أنّ أجل النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قد قرب، وقال: ما كمُل شيء إلاّ نقص. فالجملة، على هذا، في موضع الحال، والواو واو الحال. وإن كان هذا إنكاراً مستأنفاً على الَّذين فزعوا عند الهزيمة وخافوا الموت، فالعموم في النفس مقصود أي ما كان ينبغي لكم الخوف وقد علمتم أنّ لكلّ نفس أجلاً. وجيء في هذا الحكم بصيغة الجحود للمبالغة في انتفاء أن يكون موت قبل الأجل، فالجملة، على هذا، معترضة، والواو اعتراضية، ومثل هذه الحقائق تلقى في المقامات الَّتي يقصد فيها مداواة النُّفوس من عاهات ذميمة، وإلاّ فإنّ انتهاء الأجل منوط بعلم الله لا يعلم أحد وقته، {أية : وما تدري نفس بأي أرض تموت}تفسير : [لقمان: 34]، والمؤمن مأمور بحفظ حياته، إلاّ في سبيل الله، فتعيّن عليه في وقت الجهاد أن يرجع إلى الحقيقة وهي أنّ الموت بالأجل، والمراد {بإذن الله} تقديره وقت الموت، ووضعه العلامات الدالة على بلوغ ذلك الوقت المقدّر، وهو ما عبّر عنه مرّة بـ(كن)، ومرة بقدر مقدُور، ومرّة بالقلم، ومرّة بالكتاب. والكتاب في قوله: {كتاباً مؤجلاً} يجوز أن يكون اسماً بمعنى الشيء المكتوب، فيكون حالاً من الإذن، أو من الموت، كقوله: {أية : لكل أجل كتاب}تفسير : [الرعد: 38] و«مؤجّلاً» حالاً ثانية، ويجوز أن يكون {كتاباً} مصدر كاتب المستعمل في كتب للمبالغة، وقوله: {مؤجلاً} صفة له، وهو بدل من فِعله المحذوف، والتَّقدير: كُتِب كتاباً مؤجّلاً أي مؤقتاً. وجعله صاحب «الكشاف» مصدراً مؤكّداً أي لِمضمون جملة {وما كان لنفس} الآية، وهو يريد أنَّه مع صفته وهي {مؤجّلاً} يؤكِّد معنى {إلاّ بإذن الله} لأنّ قوله: {بإذن الله} يفيد أنّ له وقتاً قد يكون قريباً وقد يكون بعيداً فهو كقوله تعالى: {أية : كتاب الله عليكم}تفسير : [النساء: 24] بعد قوله: {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] الآية. عطف على الجملة المعترضة. أي من يرد الدنيا دون الآخرة، كالَّذي يفضّل الحياة على الموت في سبيل الله أو كالَّذين استعجلوا للغنيمة فتسبّبوا في الهزيمة، وليس المراد أنّ من أراد ثواب الدنيا وحظوظها يُحرم من ثواب الآخرة وحظوظها، فإنّ الأدلّة الشرعية دلّت على أنّ إرادة خير الدنيا مقصد شرعي حسن، وهل جاءت الشريعة إلاّ لإصلاح الدنيا والإعداد لِحياة الآخرة الأبدية الكاملة، قال الله تعالى: {أية : فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة}تفسير : [آل عمران: 148] وقال تعالى: {قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين} أي الغنيمة أو الشَّهادة، وغيرُ هذا من الآيات والأحاديث كثير. وجملة {وسنجزي الشاكرين} تذييل يعمّ الشاكرين ممّن يريد ثواب الدنيا ومن يريد ثواب الآخرة. ويعمّ الجزاء كلّ بحسبه، أي يجزي الشاكرين جزاء الدنيا والآخرة أو جزاء الدنيا فقط.

الواحدي

تفسير : {وما كان لنفس أن تموت} أَيْ: ما كانت نفسٌ لتموت {إلاَّ بإذن الله} بقضائه وقدره، كتب الله ذلك {كتاباً مؤجلاً} إلى أجله الذي قدِّر له، فلمَ انهزمتم؟ والهزيمة لا تزيد في الحياة. {ومَنْ يرد} بعمله وطاعته {ثواب الدنيا} زينتها وزخرفها {نؤته منها} نُعْطه منها ما قدَّرناه له، [أَيْ: لهؤلاء المنهزمين طلباً للغنيمة]، {ومن يرد ثواب الآخرة} يعني: الذين ثبتوا حتى قُتلوا {نؤته منها} ثمَّ احتجَّ على المنهزمين بقوله: {وكأين} أَيْ: وكم {من نبيٍّ قتل} في معركةٍ {معه ربيون كثير} جماعاتٌ كثيرةٌ {فما وهنوا لما أصابهم} أَيْ: ما ضعفوا بعد قتل نبيِّهم... الآية. {وما كان قولهم} أَيْ: قول أصحاب ذلك النبيِّ المقتول عند الحرب بعد قتل نبيِّهم {إلاَّ أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا} تجاوزنا ما حُدَّ لنا {في أمرنا وثَبِّتْ أقدامَنا} بالقوَّة من عندك والنُّصرة. {فآتاهم الله ثواب الدنيا} النَّصر والظَّفر {وحسن ثواب الآخرة} الأجر والمغفرة. {يا أيها الذين آمنوا إِنْ تطيعوا الذين كفروا} أَيْ: اليهود والمشركين حيث قالوا لكم يوم أُحدٍ: ارجعوا إلى دين آبائكم، وهو قوله: {يردوكم على أعقابكم} يرجعوكم إلى أوَّل أمركم من الشِّرك بالله. {بل الله مولاكم} أَيْ: فاستغنوا عن موالاة الكفَّار، فأنا ناصركم فلا تستنصروهم، ولمَّا انصرف المشركون من أحدٍ همُّوا بالرُّجوع لاستئصال المسلمين، وخاف المسلمون ذلك فوعدهم الله تعالى خذلان أعدائهم.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 145- لا يمكن أن تموت نفس إلا بإذن الله، وقد كتب الله ذلك فى كتاب مشتمل على الآجال. ومن يرد متاع الدنيا يؤته منها، ومن يرد جزاء الآخرة يؤته منها، وسيجزى الله الذين شكروا نعمته فأطاعوه فيما أمرهم به من جهاد وغيره. 146- وكم من الأنبياء قاتل مع كل منهم كثيرون من المؤمنين المخلصين لربهم، فما جبنت قلوبهم ولا فترت عزائمهم، ولا خضعوا لأعدائهم بسبب ما أصابهم فى سبيل الله، لأنهم فى طاعته، والله يثيب الصابرين على البلاء. 147- وما كان قولهم عند شدائد الحرب إلا أن قالوا: ربنا تجاوز عمَّا يكون منا من صغائر الذنوب وكبائرها، وثبتنا فى مواطن الحرب وانصرنا على أعداء دينك الكافرين بك وبرسالة رسلك. 148- فأعطاهم الله النصر والتوفيق فى الدنيا، وضمن لهم الجزاء الحسن فى الآخرة، والله يثيب الذين يحسنون أعمالهم. 149- يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الكفار أعداءكم الذين أعلنوا الكفر أو أخفوه فيما يدعونكم إليه من قول أو فعل يقلبوكم إلى الكفر فتخسروا الدنيا والآخرة. 150- والله هو ناصركم، ولا تخشوهم لأن الله أعظم الناصرين.

د. أسعد حومد

تفسير : {كِتَاباً} {ٱلآخِرَةِ} {ٱلشَّاكِرِينَ} (145) - لاَ يَمُوتُ أحَدٌ إلاَّ بِقَدَرِ اللهِ، وَحَتَّى يَسْتَوْفِيَ المُدَّةَ التِي جَعَلَهَا اللهُ لَهُ أَجَلاً (كِتَاباً مُؤَجَّلاً)، فَلاَ يَتَقَدَّمُ عَنْهُ وَلاَ يَتَأَخَّرُ. وَإِذَا كَانَ مَحْيَا الإِنْسَانِ وَمَمَاتُهُ بِإِذْنِ اللهِ فَلاَ مَحَلَّ لِلْخَوْفِ وَالجُبْنِ، وَلاَ عُذْرَ فِي الوَهَنِ وَالضَّعْفِ. وَفِي هَذِهِ الآيَةِ تَشْجِيعٌ لِلْجُبَنَاءِ عَلَى القِتَالِ. فَإِنَّ الإِقدَامَ وَالإِحْجَامَ لاَ يُنْقِصَانِ مِنْ عُمْرِ الإِنْسَانِ، وَلاَ يَزِيْدَانِ فِيهِ. وَمَنْ كَانَ عَمَلُهُ لِلْدُّنيا فَقَطْ نَالَهُ مِنَها مَا قَدَّرَهُ اللهُ لَهُ مِنْ ثَوَابِها، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الآخِرَةِ نَصْيبٌ. وَمَنْ قَصَدَ بِعَمَلِهِ ثَوَابَ الآخِرَةِ أَعْطَاهُ اللهُ مِنْ ثَوَابِهَا، وَأَعْطَاهُ مَعَها مَا قَسَمَهُ لَهُ فِي الدُّنيا مِنْ نَصِيبٍ. وَاللهُ يَجْزِي الشَّاكِرِينَ الذِينَ يَعْرِفُونَ أنْعُمَ اللهِ عَلَيْهِمْ، وَيَسْتَعْمِلُونَهَا فِي الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. وَيُعْطِيهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ بِمِقْدَارِ شُكْرِهِمْ وَعَمَلِهِمْ. المُؤَجَّلُ - ذُو الأَجَلِ أوِ المُدَّةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وساعة تسمع "ما كان" أي "ما ينبغي". فنحن في حياتنا نقول: ما كان لك أن تضرب زيداً، ونقصد أنه ما ينبغي أن تضرب زيداً. فقوله: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله} [آل عمران: 145] هذا القول قد يدفع إلى التساؤل: وهل الموت أمر اختياري؟ لا، ولكن تعبير الحق سبحانه له إيحاء؛ لأنك عندما تقول: ما كان لفلان أن يفعل كذا، فهذا معناه أن لفلان أن يختار أن يفعل ذلك أو لا يفعله، وفي قدرة فلان أن يفعل أو لا يفعل. أما عن قدرة الله فلا يمكن أن يقول أحد ذلك. إننا نفهمه على فرض أن النفس تدفع نفسها إلى موارد التهلكة، فما لها أن تموت إلا أن يأذن الله. فإذا كانت النفس هي التي تدفع نفسها إلى موارد التهلكة، ومع ذلك لا تملك أن تموت، فكيف إذا لم تدفع نفسها إلى موارد التهلكة. إذن فالموت إن أرادته النفس فلن يأتي إلا أن يكون الله قد أذن بذلك. وإننا نجد في واقع الحياة صوراً شتى من هذه الصور. نجد من يضيق ذرعاً بهذه الحياة؛ لأن طاقته الإيمانية لا تتسع للبلاء والكد في الدنيا فينتحر، إنه يريد أن يفر مما لا يقدر على دفع أسبابه. أما الذي يملك الطاقة الإيمانية الرحبة فأي شقاء أو بلاء يقابله يقول: إن لي رباً، وما أجراه عليّ ربي فهو المربي الحكيم الذي يعرف مصلحتي أكثر مما أعلم، ولعل هذا البلاء كفارة لي عن ذنب. وهذا عكس من يفر مما لا يقدر على دفع أسبابه، فيحاول أن يقتل نفسه، وكل منا قد رأى أو سمع عن بعض الذين يريدون ذلك لكن يتم إنقاذهم ويدركهم من ينفذ مشيئة الله في إنقاذهم، كغسيل المعدة لمن ابتلع أقراصاً سامة، أو إطفاء حريق من أشعل في نفسه النار. فالمنتحر يريد لنفسه الموت ولكن الله إذا لم يأذن، فلا يبلغه الله هذا، فقد تجد مُنتحراً يريد أن يطلق على نفسه رصاصة من مسدس فلا تنطلق الرصاصة، أو تجد منتحراً آخر يريد أن يشنق نفسه بحبل معلق في السقف فينقطع الحبل، لماذا؟ لأنه لا يقبض الحياة إلا من وَهَبَ الحياة. قد يقول قائل: ولكن هناك المقتول الذي يقتله إنسان آخر. وهنا يرد المثل الشعبي: لو صبر القاتل على المقتول لمات بمفرده، إن اللحظة التي تفارق الروح مادة الجسد موقوتة بأجل محدود، فمرة تأتي اللحظة بدون سبب، فيموت الإنسان حتف أنفه، ويقول أصدقاؤه: لقد كان معنا منذ قليل. إنهم ينسون أنه مات لأنه يموت بكتاب مؤجل. ولذلك نجد إنساناً يسعى إلى عافية الحياة، فيذهب إلى إجراء جراحة ما، وأثناء إجراء الجراحة يموت. ورحم الله أمير الشعراء أحمد شوقي حين يقول في ذلك: شعر : في الموت ما أعيا وفي أسبابه كل امرئ رهن بطيِّ كتابه أسد لعمرك من يموت بظفره عند اللقاء كمن يموت بنابه إن نام عنك فكل طب نافع أو لم ينم فالطب من أذنابه تفسير : إن الكتاب إذا انطوى فقد انتهى الأمر، حتى عندما يلتقي الإنسان بأسد، فيستوي الموت بالناب، كالموت بظفر الأسد. فإن نام الموت عن الإنسان فقد يشفيه من أمراضه قرص دواء أو جرعة ماء. أما إن استيقظ الموت فالطب والعلاج قد يكون ذَنَبَاً أو أداة للموت، والقاتل كل ما فعله أنه نقض بنْية المقتول، وهذا هو ما يعاقب عليه. إذن فقول الحق: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً} [آل عمران: 145] يطلق قضية عامة. والكتاب المؤجل يطلق مرة على زمن العمر كله، ومرة يطلق على النهاية النهائية منه، والنهاية النهائية هي الموت الحقيقي. فالقاتل حين ينقض بنية القتل إنما يوافق الأجل المكتوب الذي أراده الله. لكن لماذا نعاقب القاتل إذن؟ نحن نعاقبه لأنه نقض بنية إنسان آخر. والحق يقول: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً} [آل عمران: 145]. ولنلحظ قوله: "بإذن الله" فهي تدلنا على أن الله هو الذي يطلق الإذن. والإذن يكون للملائكة ليقوموا بهذه المسألة، ولذلك نجد القرآن الكريم حين يتعرض لهذه المسألة يسند مرة هذه العملية لله فيقول سبحانه: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا فَيُمْسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}تفسير : [الزمر: 42]. ومرة أخرى يسند القرآن هذه العملية لِمَلَكٍ واحد: {أية : قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ}تفسير : [السجدة: 11]. ومرة يسندها الحق سبحانه إلى رسل من المعاونين لملك الموت: {أية : وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ}تفسير : [الأنعام: 61]. والحق سبحانه وتعالى صادق في كل بلاغ عنه؛ كل أمر يحدد الأجل ليس بمراد الموكَّل بإنهاء الأجل، إنما هو بإذن من الله تعالى الذي يحدد ذلك. وما دام كل أمر قد صدر منه فهو سبحانه الذي يتوفى الأنفس، وبعد ذلك فالملك الذي يتوفى الأنفس - عزرائيل - له أعوان؛ فهو عندما يتلقى الأمر من الله فهو ينقل الأوامر إلى أعوانه ليباشر كل واحد مهمته. إذن فصيرورة الأمر بالموت نهائياً إلى الله. وصيرورة الأمر بالموت إلى الملائكة ببلاغ من الله، هذا هو الإذن، والإذن يقتضي مأذوناً، والمأذون هم ملائكة الموت الذين أذن لهم ملك الموت بذلك، وملك الموت تلقى الإذن من الله سبحانه وتعالى. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} [آل عمران: 145] فالذي يريد جزاء الدنيا وهو الذي يطلب جزاء حركته فيها، يأخذها، ولو كان كافراً: {أية : مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً}تفسير : [الإسراء: 18]. ويقول سبحانه وتعالى في موضع آخر من القرآن الكريم: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ}تفسير : [الشورى: 20]. وهذا ينهي عملية أن تقول: إن الكفار حالتهم أفضل من حالتنا، الكفار متقدمون؛ ونحن متخلفون. وهل لم تأت فترة كان فيها المؤمنون متقدمين جداً؟ لقد جاءت فترة تقدم فيها المؤمنون، وكانوا متقدمين لألف سنة، وهم الدولة الأولى في العالم. وكان الكفار يسمون زمانهم ودولهم بأنها تحيا في عصر الظلمات. لماذا أنكرتم هذه!؟ لأن التاريخ جاء لنا من ناحية هؤلاء وقد شوهوه، ولذلك نقول لهم: نحن كنا متقدمين وأنتم والتاريخ يشهد بذلك. ولذلك قلنا: يجب على المؤمن بالله أن يكون غيوراً على أسباب الله، فلا يدع أسباب الله للكافر بالله، أيأخذ الكافر بأسباب الله وأنت يا مؤمن بالله تترك الأسباب ليأخذها هو!؟ لا؛ لأن من يعبد الله أولى بسرِّه في الوجود، فكوننا نتركهم يأخذون الأسرار العلمية ولا ننافسهم في هذا المجال هذا تقصير منا. {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي ٱلشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 145] ونلحظ أن الحق قد جاء بلفظ "الشاكرين" مرتين، والقرآن يؤكد هذا المعنى. إنه سبحانه أعطاكم أسباباً فإن كانت الأسباب قد جاءت لكم بمسائل الدنيا فهي تستحق الشكر، وإن كانت ستعطيكم تكليفاً مع الأسباب فهذا التكليف سيعطيكم خير الآخرة، وهو أمر يستحق الشكر أيضاً. وبعد هذا الكلام النظري {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً} [آل عمران: 145] .. يقول ما يؤكد وجوده في موكب الإيمان الذي سبقكم؛ لأن فيه فرقاً بين الكلام وبين أن يقع مدلول الكلام، فواقع الكلام سبقكم فيقول: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن المؤمن المقلد أنه هو الذي يريد العقبى بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللهِ} [آل عمران: 145]، إشارة في الآية: إنه لا يكون للنفس أن تموت عن أوصافها الدنية وأخلاقها الردية ويتخلص منها بطبعها إلا بإذن الله تعالى وأمره ونظر عنايته وجذبه فضله ورحمته، كما أن ظلمة الليل لا تنتهي إلا بإشراق طلوع الشمس، فكذلك ظلمة ليل النفس لا يغيب إلا بإشراق أنوار الربوبية، كما قال: {أية : وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ}تفسير : [الزمر: 69]؛ {كِتَٰباً مُّؤَجَّلاً} أي: كتابة من الله مؤجلة بوقت تعينه ومشيئته، كما قال تعالى: {أية : كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ}تفسير : [المجادلة : 22]؛ أي بقلم العناية من نور الهداية. ثم اثبت للعبد كسباً في طلب الهداية واستجلاب العناية بقوله تعالى: {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا} [آل عمران: 145]، والإشارة فيه: إن ثواب الدنيا هو أنواع الكرامات التي خص الله تعالى بعض خواصه في الدنيا من العلوم اللدنية الربانية، والكشوف والشهود الروحانية النورانية، وغيرها مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أولئك الذين نفذ الله لهم الوعد، كما قال الصوفي ابن وقته في معناه: شعر : أنشدوا خليلي هل أبصرتما أو سمعتما بأكرم من مولى تمشي إلى عبد أتى زائراً من غير وعد وقال لي أصونك عن تعذيب قلبك بالوعد تفسير : يعني: من كانت همته في الطلب التبتل إلى الله تعالى بالكلية والتوحيد إليه بخلوص النية وصفاء الطوية، ويقطع بقدم الصدق مفاوز البشرية، تستقبله ألطاف الربوبية وتنزله مقام العندية قبل خروجه بالصورة عن الدار الدنيوية؛ {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ } [آل عمران: 145]؛ يعني: من كان مشربه من الأعمال لا من الأحوال، ولا يزعجه الشوق المبرح عن مألوفات الطبع، فيسير بقدم الشرع ومقصده نعيم الجنان لا بمقصوده يوجه به، يدل على هذا التصريح قوله تعالى: {أية : رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً}تفسير : [البقرة: 201]، والحسنة ما أشرنا إليها في معنى الثواب، وحمل الثواب على هذا المعنى أولى من حمله على معنى إرادة الدنيا؛ لأن الثواب يستعمل بضد العقاب وإرادته هي عين العقاب؛ ولأنه ما ذكر الله تعالى عقيب قوله: {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} [آل عمران: 145]، {أية : وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ}تفسير : [الشورى: 20]، كما قال تعالى في قوله: {أية : وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ}تفسير : [الشورى: 20] وله نظائر كثيرة، وقال في عقبه: {وَسَنَجْزِي ٱلشَّٰكِرِينَ} [آل عمران: 145]، وهذا وعد لا وعيد، والوعد يذكر عند فعل مقبول محمود، والوعيد يذكر عند فعل مردود ومذموم؛ والمعنى: سوف نجزي كلا الفريقين على قدر شكرهما، وهو رؤية النعمة، وجزاء الشكر ازدياد النعمة، فمن عمل شوقاً على الجنة فقد رأى نعمة الجنة فثوابه في الآخرة، ومن عمل شوقاً إلى الحق تعالى، فقد رأى نعمة وجود المنعم فثوابه في الدنيا؛ لأنه حاضر لا غيبة له، قريب لا بعيد، {أية : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ}تفسير : [الحديد: 4]، وقال: "حديث : ألا من طلبني وجدني، ومن تقرَّب إليّ شبراً، تقرَّبت إليه ذراعاً ". تفسير : ثم أخبر عن إقامة الشكر في إدامة الصبر بقوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ} [آل عمران: 146]، إشارة في الآيات: إنه وكم من نبي قاتل العدو، وأعدى العدو هي النفس التي بين جنبي الإنسان، {قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} [آل عمران: 146]، قاتلوا العدو والربّيون، هي المتخلقون بأخلاق الرب {فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ} [آل عمران: 146]، من تعب مجاهدات النفس وتضرر رياضتها، ومما ابتلاهم الله به {أية : مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ}تفسير : [البقرة: 155]، {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 146]؛ أي: في سلوك طريق الوصول إلى الله تعالى: {وَمَا ضَعُفُواْ} [آل عمران: 146]؛ يعني: في طلب الحق، {وَمَا ٱسْتَكَانُواْ} [آل عمران: 146]؛ يعني: وما رجعوا عن الطريق بالعجز، وما أذلوا نفوسهم بالتفات إلى غير الحق والصد عن سبيل الله، بل شبوا على قدم الطلب واستقاموا كما أمروا وصبروا على ما نهوا عنه، {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146]، عند أحكام مجازي القدر المستسلمين لقضائه والمتحملين أعباء بلائه. {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ} [آل عمران: 147]، عند إصابة الآلام والأسقام ونزول الأقضية والأحكام، {إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} [آل عمران: 147]؛، أي استر ذنوب وجودنا بإسبال مغفرتك {وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا} [آل عمران: 147]؛ أي: أمح عنا سرف أمورنا، {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} [آل عمران: 147] على جادة الطلب {وٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 147]، متمردين صفات النفس الكافرة {فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ} [آل عمران: 148] بصنيعهم وقولهم {ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا} [آل عمران: 148]؛ أي: فتوحات الغيب والموهب في الدنيا، {وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ} [آل عمران: 148]؛ أي: أحسن المراتب وأعلى المقامات في الآخرة، {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 148]، الذين يعبدون الله على بصيرة كأنهم يرونه، وفيها إشارة أخرى وهي: إن الله تعالى لما أراد بخواص عباده كرامة التخلق بأخلاقه، ابتلاهم بقتال العدو وثبتهم عند المقامات، فاستخرج من معادن ذواتهم جواهر الصفات المكنونة فيها المكرم بها بنو آدم الصبر والإحسان، فهما صفات من صفات الله تعالى، ويتخلقوا بها هذا من ثواب الذي أتاهم الله تعالى، والله يحب صفاته ويحب من تخلق بصفاته، ولهذا قال تعالى: { وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134].