Verse. 439 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

وَكَاَيِّنْ مِّنْ نَّبِيٍّ قٰتَلَ۝۰ۙ مَعَہٗ رِبِّيُّوْنَ كَثِيْرٌ۝۰ۚ فَمَا وَہَنُوْا لِمَاۗ اَصَابَھُمْ فِيْ سَبِيْلِ اللہِ وَمَا ضَعُفُوْا وَمَا اسْتَكَانُوْا۝۰ۭ وَاللہُ يُحِبُّ الصّٰبِرِيْنَ۝۱۴۶
Wakaayyin min nabiyyin qatala maAAahu ribbiyyoona katheerun fama wahanoo lima asabahum fee sabeeli Allahi wama daAAufoo wama istakanoo waAllahu yuhibbu alssabireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وكأيِّن» كم «من نبي قاتِلَ» وفي قراءة قَُتل والفاعل ضميره «معه» خبر مبتدؤه «ربِّيون كثير» جموعٌ كثيرة «فما وهَنوا» جبنوا «لما أصابهم في سبيل الله» من الجراح وقتل أنبيائهم وأصحابهم «وما ضعفوا» عن الجهاد «وما استكانوا» خضعوا لعدوهم كما فعلتم حين قبل قُتل النبي «والله يحب الصابرين» على البلاء أي يثيبهم.

146

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أنه تعالى من تمام تأديبه قال للمنهزمين يوم أحد: إن لكم بالأنبياء المتقدمين وأتباعهم أسوة حسنة، فلما كانت طريقة أتباع الأنبياء المتقدمين الصبر على الجهاد وترك الفرار، فكيف يليق بكم هذا الفرار والانهزام، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير «وكائن» على وزن كاعن ممدوداً مهموزاً مخففا، وقرأ الباقون «كأين» مشدوداً بوزن كعين وهي لغة قريش، ومن اللغة الأولى قول جرير:شعر : وكائن بالأباطح من صديق يراني لو أصيب هو المصاب تفسير : وأنشد المفضل:شعر : وكائن ترى في الحي من ذي قرابة. تفسير : المسألة الثانية: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو {قتل معه} والباقون {قاتل معه} فعلى القراءة الأولى يكون المعنى أن كثيرا من الأنبياء قتلوا والذين بقوا بعدهم ما وهنوا في دينهم، بل استمروا على جهاد عدوهم ونصرة دينهم، فكان ينبغي أن يكون حالكم يا أمة محمد هكذا. قال القفال رحمه الله: والوقف على هذا التأويل على قوله: (قتل) وقوله: (معه ربيون) حال بمعنى قتل حال ما كان معه ربيون، أو يكون على معنى التقديم والتأخير، أي وكأين من نبي معه ربيون كثير قتل فما وهن الربيون على كثرتهم، وفيه وجه آخر، وهو أن يكون المعنى وكأين من نبي قتل ممن كان معه وعلى دينه ربيون كثير فما ضعف الباقون ولا استكانو لقتل من قتل من إخوانهم، بل مضوا على جهاد عدوهم، فقد كان ينبغي أن يكون حالكم كذلك، وحجة هذه القراءة أن المقصود من هذه الآية حكاية ما جرى لسائر الأنبياء لتقتدي هذه الأمة بهم، وقد قال تعالى: {أية : أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} تفسير : [آل عمران: 144] فيجب أن يكون المذكور قتل سائر الأنبياء لا قتالهم، ومن قرأ {قاتل معه} فالمعنى: وكم من نبي قاتل معه العدد الكثير من أصحابه فأصابهم من عدوهم قرح فما وهنوا، لأن الذي أصابهم إنما هو في سبيل الله وطاعته وإقامة دينه ونصرة رسوله، فكذلك كان ينبغي أن تفعلوا مثل ذلك يا أمة محمد. وحجة هذه القراءة ان المراد من هذه الآية ترغيب الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في القتال، فوجب أن يكون المذكور هو القتال. وأيضاً روي عن سعيد بن جبير أنه قال: ما سمعنا بنبي قتل في القتال. المسألة الثالثة: قال الواحدي رحمه الله: أجمعوا على أن معنى «كأين» كم، وتأويلها التكثير لعدد الأنبياء الذين هذه صفتهم، ونظيره قوله: {أية : فَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا } تفسير : [الحج: 45] {أية : وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا } تفسير : [الحج: 48] والكافي في «كأين» كاف التشبيه دخلت على «أي» التي هي للاستفهام كما دخلت على «ذا» من «كذا» و«أن» من كأن، ولا معنى للتشبيه فيه كما لا معنى للتشبيه في كذا، تقول: لي عليه كذا وكذا: معناه لي عليه عدد ما، فلا معنى للتشبيه، الا أنها زيادة لازمة لا يجوز حذفها، واعلم أنه لم يقع للتنوين صورة في الخط إلا في هذا الحرف خاصة، وكذا استعمال هذه الكلمة فصارت كلمة واحدة موضوعة للتكثير. المسألة الرابعة: قال صاحب «الكشاف»: الربيون الربانيون، وقرىء بالحركات الثلاث والفتح على القياس، والضم والكسر من تغييرات النسب. وحكى الواحدي عن الفراء أنه قال: الربيون: الأولون، وقال الزجاج: هم الجماعات الكثيرة، الواحد ربي، قال ابن قتيبة: أصله من الربة وهي الجماعة، يقال: ربي كأنه نسب الى الربة. وقال الأخفش: الربيون الذين يعبدون الرب، وطعن فيه ثعلب، وقال: كان يجب أن يقال: ربي ليكون منسوباً إلى الرب، وأجاب من نصر الأخفش وقال: العرب إذا نسبت شيئاً الى شيء غيرت حركته، كما يقال: بصري في النسب الى البصرة، ودهري في النسبة الى الدهر، وقال ابن زيد: الربانيون الأئمة والولاة، والربيون الرعية، وهم المنتسبون الى الرب. واعلم أنه تعالى مدح هؤلاء الربيون نوعين: أولا بصفات النفي، وثانيا بصفات الإثبات، أما المدح بصفات النفي فهو قوله تعالى: {فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ } ولا بد من الفرق بين هذه الأمور الثلاثة، قال صاحب «الكشاف»: ما وهنوا عند قتل النبي وما ضعفوا عن الجهاد بعده وما استكانوا للعدو، وهذا تعريض بما أصابهم من الوهن والانكسار، عند الإرجاف بقتل رسولهم، وبضعفهم عند ذلك عن مجاهدة المشركين، واستكانتهم للكفار حتى أرادوا أن يعتضدوا بالمنافق عبدالله بن أُبَيّ، وطلب الأمان من أبي سفيان، ويحتمل أيضا أن يفسر الوهن باستيلاء الخوف عليهم، ويفسر الضعف بأن يضعف إيمانهم، وتقع الشكوك والشبهات في قلوبهم، والاستكانة هي الانتقال من دينهم إلى دين عدوهم، وفيه وجه ثالث وهو ان الوهن ضعف يلحق القلب. والضعف المطلق هو اختلال القوة والقدرة بالجسم، والاستكانة هي إظهار ذلك العجز وذلك الضعف، وكل هذه الوجوه حسنة محتملة، قال الواحدي: الاستكانة الخضوع، وهو أن يسكن لصاحبه ليفعل به ما يريد. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ } والمعنى أن من صبر على تحمل الشدائد في طريق الله ولم يظهر الجزع والعجز والهلع فإن الله يحبه، ومحبة الله تعالى للعبد عبارة عن إرادة إكرامه واعزازه وتعظيمه، والحكم له بالثواب والجنة، وذلك نهاية المطلوب. ثم إنه تعالى أتبع ذلك بأن مدحهم بصفات الثبوت فقال:

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ}. قال الزهريّ: صاح الشيطان يوم أُحُد: قتِل محمد؛ فانهزم جماعة من المسلمين. قال كعب بن مالك: فكنت أوّل من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأيتُ عينيْه من تحت المِغْفر تزهران، فناديت بأعلى صوتي: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأومأ إليّ أن أسكت، فأنزل الله عز وجل: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ} الآية. و «كأين» بمعنى كَمْ. قال الخليل وسيبويه: هي أيّ دخلت عليها كاف التشبيه وبنيت معها فصار في الكلام معنى كم وصوّرت في المصحف نوناً؛ لأنها كلمة نقلت عن أصلها فغُيِّر لفظها لتغير معناها، ثم كثر استعمالها فتلعَّبَت بها العرب وتصرفت فيها بالقلب والحذف، فحصل فيها لغات أربعٌ قُرِىء بها. وقرأ ابن كثير «وكَائِنْ» مثل وكَاعِنْ، على وزن فاعل، وأصله كَيْءٍ فقلبت الياء ألفاً، كما قلبت في يَيْأَس فقيل ياءَسُ؛ قال الشاعر:شعر : وكَائِنْ بالأبَاطِحِ من صَديقٍ يَرَانِي لَوْ أُصِبْتُ هو المُصَابَا تفسير : وقال آخر:شعر : وكَائِنْ رَدَدْنا عنكم مِن مُدَجَّجٍ يَجِىءُ أمامَ الرَّكْب يَرْدِي مُقَنَّعَا تفسير : وقال آخر:شعر : وكَائِنْ في المَعاشِرِ من أُنَاس أخوهم فَوْقَهم وهُمُ كِرَامُ تفسير : وقرأ ابن محيصِن «وكَئِنْ» مهموزاً مقصوراً مثل وكَعِن، وهو من كَائِنْ حذفت ألفه. وعنه أيضاً «وكَأْيِن» مثل وكَعْيِّنْ وهو مقلوب كَيْءٍ المخفف. وقرأ الباقون «كَأَيِّنْ» بالتشديد مثل كَعَيِّن وهو الأصل، قال الشاعر:شعر : كَأَيِّنْ من أُناسٍ لم يزالوا أخوهم فوقَهم وهُمُ كرامُ تفسير : وقال آخر:شعر : كأَيِّنْ أبَدْنا من عدوّ بِعزِّنا وكائِنْ أجَرْنا من ضَعِيفٍ وخائفٍ تفسير : فجمع بين لغتين: كأَيِّنْ وكَائِنْ، ولغة خامسة كَيْئِنْ مثل كَيْعِنْ، وكأنه مخفَّف من كَيِّىء مقلوب كَأيِّنْ. ولم يذكر الجوهري غير لغتين: كائِنْ مثل كاعِنْ، وكأَيِّنْ مثل كَعَيِّنْ؛ تقول كأَيِّنْ رجلاً لقيتُ؛ بنصب ما بعد كأَيِّنْ على التمييز. وتقول أيضاً: كأَيِّنْ مِن رجل لقيت؛ وإدخال مِن بعدَ كأيِّنْ أكثرُ من النصب بها وأجودُ. وبكأَيِّنْ تبيع هذا الثوب؟ أي بكم تبيع؛ قال ذو الرمّة:شعر : وكَائِنْ ذَعَرْنا من مَهَاةٍ ورَامِحٍ بِلاَدُ العِدَا لَيْسَتْ له بِبِلادِ تفسير : قال النحاس: ووقف أبو عمرو «وكَأَيْ» بغير نون؛ لأنه تنوين. وروى ذلك سَوْرَةُ ابن المبارك عن الكسائيّ. ووقف الباقون بالنون اتباعاً لخط المصحف. ومعنى الآية تشجيع المؤمنين، والأمر بالاقتداء بمن تقدّم من خِيار أتباع الأنبياء؛ أي كثير من الأنبياء قُتِل معه رِبِّيُّون كثير، أو كثير من الأنبياء قتِلوا فما ٱرتدّ أممهم؛ قولان: الأوّل للحسن وسعيد بن جبير. قال الحسن: ما قُتِل نبي في حرب قط. وقال ابن جبير: ما سمعنا أن نبياً قتل في القتال. والثاني عن قتادة وعكرمة. والوقف ـ على هذا القول ـ على «قُتِل» جائز، وهي قراءة نافع وابن جبير وأبي عمرو ويعقوب. وهي قراءة ابن عباس وٱختارها أبو حاتم. وفيه وجهان: أحدهما أن يكون «قُتِل» واقعاً على النبيّ وحده، وحينئذ يكون تمام الكلام عند قوله «قُتِل» ويكون في الكلام إضمار، أي ومعه ربيون كثير؛ كما يقال: قُتِل الأمير معه جيش عظيم، أي ومعه جيش. وخرجْتُ معي تجارة؛ أي ومعي. الوجه الثاني أن يكون القتل نال النبيّ ومن معه من الربِّيّين، ويكون وجه الكلام قتِل بعض من كان معه؛ تقول العرب: قتلنا بني تميم وبني سليم، وإنما قتلوا بعضهم. ويكون قوله {فَمَا وَهَنُوا} راجعاً إلى من بقي منهم. قلت: وهذا القول أشبه بنزول الآية وأنسب، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يقتل، وقُتِل معه جماعة من أصحابه. وقرأ الكوفيون وابن عامر «قَاتَلَ» وهي قراءة ابن مسعود؛ واختارها أبو عبيْد وقال. إن الله إذا حَمِد من قاتل كان من قُتِل داخلاً فيه، وإذا حمِد من قُتِل لم يدخل فيه غيرهم؛ فقاتل أعمّ وأمدح. و «الرِّبيون» بكسر الراء قراءة الجمهور. وقراءة عليّ رضي الله عنه بضمها. وابن عباس بفتحها؛ ثلاث لغات. والرِّبِّيون الجماعات الكثيرة؛ عن مجاهد وقتادة والضّحاك وعِكرمة، واحدهم رُبِّيّ بضم لراء وكسرها؛ منسوب إلى الرِّبة بكسر الراء أيضاً وضمها، وهي الجماعة. وقال عبد الله بن مسعود: الربِّيُّون الألوف الكثيرة. وقال ابن زيد: الربِّيُّون الأتباع. والأوّل أعرف في اللغة؛ ومنه يقال للخِرقة التي تجمع فيها القِدَاح: رِبّةٌ ورُبّة. والرِّبَاب قبائل تجَمَّعَت. وقال أَبَان بن ثعلب: الرِّبي عشرة آلاف. وقال الحسن: هم العلماء الصُّبُر. ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع والسّدي: الجمْعُ الكثير؛ قال حسّان:شعر : وإذا مَعْشَرٌ تَجَافَوْا عن الحَـ ـقِّ حمَلْنَا عليهمُ رُبِّيَا تفسير : وقال الزجاج: ها هنا قراءتان «رُبِّيُّون» بضم الراء «ورِبِّيُّون» بكسر الراء؛ أما الرُّبيون (بالضم): الجماعات الكثيرة. ويقال: عشرة آلاف. قلت: وقد روي عن ابن عباس «رَبِّيُّون» بفتح الراء منسوب إلى الرب. قال الخليل: الرِّبِّي الواحد من العبّاد الذين صبروا مع الأنبياء. وهم الربانيون نسبوا إلى التَألُّه والعبادة ومعرِفة الربُوبِية لِلّه تعالى، والله أعلم. قوله تعالى: {فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} «وَهَنُوا» أي ضعُفوا، وقد تقدّم والوهن: انكسار الجدّ بالخوف. وقرأ الحسن وأبو السَّمّال «وَهِنُوا» بكسر الهاء وضمها، لغتان عن أبي زيد. وهَن الشيء يَهِن وَهْناً. وأوْهَنْته أنا ووَهَّنته ضعّفته. والوَاهِنة: أسفل الأضلاع وقِصَارُها. والوَهَن من الإبل: الكثيف. والوَهْن: ساعة تمضي من الليل، وكذلك المَوْهِن. وأوْهَنا صِرْنا في تلك الساعة؛ أي ما وَهَنوا لقتل نبيهم، أو لقتل مَن قُتِل منهم، أي ما وهن باقيهم؛ فحذف المضاف. {وَمَا ضَعُفُواْ} أي عن عدوّهم. {وَمَا ٱسْتَكَانُواْ} أي لِما أصابهم في الجهاد. والاستكانة: الذّلّة والخضوع؛ وأصلها «ٱسْتَكَنُوا» على افتعلوا؛ فأُشبِعت فتحةُ الكاف فتولّدت منها ألفٌ. ومن جعلها من الكَوْن فهي استفعلوا؛ والأوّل أشبه بمعنى الآية. وقُرىء «فَمَا وَهْنُوا وَمَا ضَعْفُوا» بإسكان الهاء والعين. وحكى الكِسائي «ضَعَفُوا» بفتح العين. ثم أخبر تعالى عنهم بعد أن قُتل منهم أو قتل نبيّهم بأنهم صبروا ولم يفِرّوا ووطّنوا أنفسهم على الموت، واستغفَروا ليكون موتهم على التوبة من الذنوب إن رُزِقُوا الشهادة، ودعوا في الثبات حتى لا ينهزموا، وبالنصر على أعدائهم. وخَصّوا الأقدَام بالثبات دون غيرها من الجوارح لأن الاعتماد عليها. يقول: فهلا فعلتم وقلتم مثل ذلك يا أصحاب محمدٍ؟ فأجاب دعاءهم وأعطاهم النصر والظفر والغنيمة في الدنيا والمغفرة في الآخرة إذا صاروا إليها. وهكذا يفعل الله مع عباده المخلصين التائبين الصادقين الناصرين لدينه، الثابتين عند لقاء عدوّه بوعده الحق، وقوله الصدق. {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ} يعني الصابرين على الجهاد. وقرأ بعضهم {وَمَا كَانَ قَوْلُهُمْ} بالرفع؛ جعل القول ٱسماً لكان؛ فيكون معناه وما كان قولُهم إلاّ قولَهم: {ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} ومن قرأ بالنصب جعل القول خبر كان. واسمها {إِلاّ أَنْ قَالُوا}. {رَبَّنَا ٱغْفرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} يعني الصغائر {وَإِسْرَافَنَا} يعني الكبائر. والإسراف: الإفراط في الشيء ومجاوزة الحدّ. وفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعريّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو بهدا الدعاء. «حديث : اللّهم ٱغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني» تفسير : وذكر الحديث. فعلى الإنسان أن يستعمل ما في كتاب الله وصحيح السنة من الدعاء ويَدَع ما سواه، ولا يقول أختار كذا؛ فإن الله تعالى قد اختار لنبيّه وأوليائه وعَلَّمهم كيف يدعون.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَكَأَيِّن } كم {مِّن نَّبِىٍّ قَاتَلَ } وفي قراءة( قاتَل)، والفاعل ضميره {مَعَهُ } خبر مبتدؤه {رِبّيُّونَ كَثِيرٌ } جموع كثيرة {فَمَا وَهَنُواْ } جبنوا {لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } من الجراح وقتل أنبيائهم وأصحابهم {وَمَا ضَعُفُواْ } عن الجهاد {وَمَا ٱسْتَكَانُواْ } خضعوا لعدوّهم كما فعلتم حين قيل: قُتل النبي صلى الله عليه وسلم {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ } على البلاء أي يثيبهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {رِبِّيُّونَ} يعبدون الرب واحدهم رِبَّي، أو جماعات كثيرة، أو علماء كثيرون، أو الرِّبيون: الأتباع والرعية، والرَّبانيون: الولاة، قال الحسن: ما قتل نبي قط في المعركة. {فَمَا وَهَنُواْ} الوهن: الانكسار بالخوف، والضعف: نقص القوة، والاستكانة: الخضوع "لم يهنوا بقتل نبيهم، ولا ضعفوا عن عدوهم، ولا استكانوا لما أصابهم"، قاله أبن إسحاق.

ابن عادل

تفسير : هذه اللفظة، قيل: هي مركبة من كاف التشبيه، ومن "أيِّ"، وقد حدث فيهما بعد التركيب معنى التكثير، المفهوم من "كَمْ" الخبرية، ومثلُها في التركيب وإفهام التكثير: "كذا" في قولهم: له عندي كذا درهماً، والأصل: كاف التشبيه و "ذا" الذي هو اسم إشارة، فلما رُكَِّبَا حدَثَ فيهما معنى التكثير، فـ "كم" الخبرية وكأيِّن وكذا كلها بمعنًى واحد، وقد عهدنا في التركيب إحداث معنى آخر؛ ألا ترى أن "لولا" حدث لها معنًى جديدٌ، وكان من حقها - على هذا - أو يُوقَفَ عليها بغير نون؛ لأن التنوين يُحْذَف وقفاً، إلا أن الصحابة كتبتها "كَأيِّنْ" - بثبوت النون -، فمن ثم وقف عليها جمهور القراء بالنون؛ اتِّبَاعاً لرسم المصحف. ووقف أبو عمرو وسورة بن المبارك عن الكسائي "كأي" - من غير نون - على القياس. واعتل الفارسيُّ لوقف النون بأشياء، منها: أن الكلمة لما رُكِّبَتْ خرجت عن نظائرها، فجعل التنوين كأنه حرف أصلي من بنية الكلمة. وفيها لغات خمس. أحدها: "كأيِّنْ" - وهي الأصل - وبها قرأ الجماعة، إلاَّ ابن كثير. وقال الشاعر: [الوافر] شعر : 1647- كَأيِّنْ فِي الْمَعَاشِرِ مِنْ أنَاسٍ أخُوهُمْ فَوْقَهُمْ، وَهُمُ كِرَامُ تفسير : الثانية: "كائِنْ" - بزنة كاعِن - وبها قرأ ابن كثير وجماعة، وهي أكثر استعمالاً من "كأيِّنْ" وإن كانت تلك الأصل -. قال الشاعر: [الوافر] شعر : 1648- وَكَائنْ بِالأبَاطِحِ مِنْ صَدِيقٍ يَرَانِي لَوْ أصِبْتُ هُوَ المُصَابَا تفسير : وقال الآخر: [الطويل] شعر : 1649- وَكَائِنْ رَدَدْنَا عَنْكُمُ مِنْ مُدَجَّجٍ ................. تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 1650 - وَكَائِنْ تَرَى فِي الْحَيِّ مِنْ ذِي قَرَابَةٍ ................. تفسير : أنشده المفضل ممدوداً، مهموزاً، مخففاً. واختلفوا في توجيه هذه القراءة، فنُقِل عن المبرد أنها اسم فاعل من كان، يكون، فهو كائن، واستبعده مكِّيّ، قال: لإتيان "مِنْ" بعده، ولبنائه على السكون. وكذلك أبو البقاء، قال: "وهو بعيد الصحة؛ لأنه لو كان كذلك لكان معرباً، ولم يكن فيه معنى التكثير". لا يقال: هذا تحامُل على المبرد؛ فإن هذا لازم له - أيضاً - فإن البناء، ومعنى التكثير عارضان - أيضاً - لأن التركيب عُهِد فيه مثل ذلك - كما تقدم في "كذا"، و "لولا"، ونحوهما، وأما لفظٌ مفردٌ يُنقل إلى معنى، ويُبْنَى من غير سبب، فلم يُوجد له نظير. وقيل: هذه القراءة أصلها "كَأيِّنْ" - كقراءة الجماعة - إلا أن الكلمة دخلها القلب، فصارت "كائن" مثل كاعن - واختلفوا في تصييرها بالقلب كذلك على أربعة أوجه: أحدها: أنه قُدِّمت الياءُ المشددةُ على الهمزة، فصار وزنها كَعَلف، إلا أنك قدمتَ العينَ والسلام، وهما الياء المشددة - ثم حذفت الياء الثانية لثقلها بالحركة والتضعيف، كما قالوا في: "أيُّها"، ثم قلبت الياء الساكنة ألفاً، كما قلبوها في نحو آية - والأصل: أيَّة - وكما قالوا: طائِيّ - والأصل: طَيئ - فصار اللفظ "كَأيِنْ" ووزنه كَعْف، لأن الفاء أخرت إلى موضع اللام، واللام قد حُذفَتْ. الوجه الثاني: أنه حذفت الياء الساكنة - التي هي عين - وقُدِّمَت المتحركة - التي هي لام - فتأخرت الهمزة - التي هي فاء - وقلبت الياء ألفاً؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار "كائن" ووزنه كلف. الوجه الثالث: ويُعْزَى للخليل - أنه قُدِّمَت إحدى الياءين في موضع الهمزة، فتحركت بحركة الهمزة - وهي الفتحة - وصارت الهمزة ساكنة في موضع الياء، فتحركت الياءُ، وانفتح ما قبلها، فقُلِبَتْ ألفاً، فالتقى الساكنان - الألف المنقلبة عن الياء، والهمزة بعدها ساكنة - فكُسِرَت الهمزة على أصل التقاء الساكنين، وبقيت إحدى الياءين متطرفة، فأذهبها التنوين - بعد سلب حركتها - كياء قاضٍ وغازٍ. الوجه الرابع: أنه قُدِّمَت الياء المتحركةُ، فانقلبت ألفاً، وبقيت الأخرى ساكنة، فحذفها التنوين - مثل قاضٍ - ووزنه على هذين الوجهين أيضاً كلف؛ لما تقدم من حذف العين، وتأخير الفاء، وإنما الأعمال تختلف. اللغة الثالثة: "كَأْيِنْ" - بياء خفيفة بعد الهمزة - على مثال كَعْيِن، وبها قرأ ابنُ مُحَيْصِن، والأشهبُ العقيلي، ووجهها أن الأصل: "كَأيِّنْ" - كقراءة الجماعة - فحُذِفَت الياءُ الثانية، استثقالاً، فالتقى ساكنان - الياء والتنوين - فكُسِر الياء؛ لالتقاء الساكنين، ثم سكنت الهمزة تخفيفاً لثقل الكلمة بالتركيب، فصارت كالكلمة الواحدة كما سكنوا "فهو" و "فهي". اللغة الرابعة: "كَيْإن" بياء ساكنة، بعدها همزة مكسورة، وهذه مقلوب القراءة التي قبلها، وقرأ بها بعضهم. اللغة الخامسة: "كإنْ" - على مثال كَعٍ - ونقلها الداني قراءة عن ابن مُحَيْصِن أيضاً. وقال الشاعر: [الطويل] شعر : 1651- كَئِنْ مِنْ صَدِيقٍ خِلْتُهُ صَادِقَ الإخَا ءِ أبَانَ اخْتِبَاري أنَّهُ لِي مُدَاهِنُ تفسير : وفيها وجهان: أحدهما: أنه حذف الياءين دُفعَةً واحدةً لامتزاج الكلمتين بالتركيب. والثاني: أنه حذف إحدى الياءين - على ما تقدم تقريره -، ثم حذف الأخرى لالتقائها ساكنةً مع التنوين ووزنه - على هذا - كَفٍ؛ لحذف العين واللام منه. واختلفوا في "أي" هل هي مصدر في الأصل، أم لا؟ فذهب جماعة إلى أنها ليست مصدراً، وهو قول أبي البقاء؛ فإنه قال "كَأيِّنْ" الأصل فيه: "أيٌّ"، التي هي بعض من كل، أدخلت عليها كافُ التشبيه. وفي عبارته عن "أيّ" بأنها بعض من كل، نظر لأنها ليست بمعنى: بعض من كل، نعم إذا أضيفت إلى معرفة فحُكْمها حُكم "بعض" في مطابقة الجُزْء، وعود الضمير، نحو: أيُّ الرجلين قائم ولا نقول: قاما، فليست هي التي "بعض" اصلاً. وذهب ابنُ جني إلى أنها - في الأصل - مصدر أوَى يأوِي - إذا انضم، واجتمع - والأصل: أوْيٌ، نحو طَوَى يَطْوي طيًّا - فاجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء، وكأن ابن جنِّي ينظر إلى أن معنى المادة من الاجتماع الذي يدل عليه "أي" فإنها للعموم، والعموم يستلزم الاجتماع. وهل هذه الكاف الداخلة على "أي" تتعلق بغيرها من حروف الجر، أم لا؟ والصحيح أنها لا تتعلق بشيء؛ لأنها مع "أي" صارتا بمنزلة كلمة واحدة - وهي "كم" - فلم تتعلق بشيء، ولذلك هُجِر معناه الأصلي - وهو التشبيه -. وزعم الحوفيّّ أنها تتعلق بعامل، فقال: "أما العامل في الكاف، فإن جعلناها على حكم الأصل، فمحمول على المعنى، والمعنى: إصابتكم كإصابة من تقدَّم من الأنبياء وأصحابهم، وإن حملنا الحكم على الانتقال إلى معنى "كم"، كان العامل بتقدير الابتداء، وكانت في موضع رفع، و "قاتل" الخبر، و "مِنْ" متعلقة بمعنى "الاستقرار"، والتقدير الأول أوضح؛ لحمل الكلام على اللفظ دون المعنى، بما يجب من الخفض في "أي"، وإذا كانت "أي" على بابها من معاملة اللفظ، فـ "من" متعلقة بما تعلقت به الكاف من المعنى المدلول عليه" اهـ. وهو كلام غريب. واختار أبو حيان أن "كأين" كلمة بسيطة - غير مركبة - وأن آخرها نون - هي من نفس الكلمة - لا تنوين؛ لأن هذه الدعاوى المتقدمة لا يقوم عليها دليل، وهذه طريق سهلة، والنحويون ذكروا هذه الأشياء؛ محافظةً على أصولهم، مع ما ينضم إلى ذلك من الفوائد، وتمرين الذهن. هذا ما يتعلق بها من حيث التركيب، فموضعها رفع بالابتداء، وفي خبرها أربعة أوجه: أحدها: أنه "قاتل" فإن فيه ضميراً مرفوعاً به، يعود على المبتدأ، والتقدير: كثير من الأنبياء قاتل. قال ابو البقاء: والجيد أن يعود الضمير على لفظ "كأين"، كما تقول: مائة نبي قُتِل، فالضمير للمائة؛ إذ هي المبتدأ. فإن قيل: لو كان كذلك لأنثت، فقلت: قُتِلَتْ؟ قيل: هذا محمول على المعنى؛ لأن التقدير: كثير من الرجال قُتِل. كأنه يعني بغير الجيد عوده على لفظ "نَبِيّ"، فعلى هذا جملة {مَعَهُ رِبِّيُّونَ} جملة في محل نصب على الحال من الضمير في "قُتِل". ويجوز أن يرتفع "ربيون" على الفاعلية بالظرف، ويكون الظرف هو الواقع حالاً، التقدير: استقر معه ربيون. وهو أولى؛ لأنه من قبيل المفردات، وأصل الحال والخبر والصفة أن تكون مفردة. ويجوز أن يكون "مَعَهُ" - وحده - هو الحال، و "رِبِّيُّونَ" فاعل به، ولا يحتاج - هنا - إلى واو الحال؛ لأن الضمير هو الرابط - أعني: الضمير في "مَعَهُ". ويجوز أن يكون حالاً من "نَبِيّ" - وإن كان نكرة - لتخصيصه بالصفة حينئذ؛ ذكره مكي. وعمل الظرف - هنا - لاعتماده على ذي الحال. قال أبو حيان: وهي حال محكية، فلذلك ارتفع "ربيون" بالظرف - وإن كان العامل ماضياً، لأنه حكى الحال الماضية، كقوله: {أية : وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ} تفسير : [الكهف: 18]، وذلك على مذهب البصريين، وأما الكسائي فيعمل اسم الفاعل العاري من "أل" مطلقاً. وفيه نظر؛ لأنا لا نسلم أن الظرف يتعلق باسم فاعل، حتى يلزم عليه ما قال من تأويله اسم الفاعل بحال ماضية، بل يدعى تعلُّقه بفعل، تقديره: استقر معه ربيون. الوجه الثاني: أن يكون "قَاتَلَ" جملة في محل جر؛ صفة لِـ "نَبِيّ"، و {مَعَهُ رِبِّيُّونَ} هو الخبر، لكن الوجهان المتقدمان في جعله حالاً - أعني: إن شئت أن تجعل "مَعَهُ" خبراً مقدماً، و "ربِّيُّونَ" مبتدأ مرخراً، والجملة خبر "كَأيِّنْ"، وأن تجعل "مَعَهُ" - وحده - هو الخبر، و "ربِّيُّونَ" فاعل به؛ لاعتماد الظرف على ذي خبر. الوجه الثالث: أن يكون الخبر محذوفاً، تقديره: في الدنيا، أو مضى، أو: صابر، وعلى هذا، فقوله: "قَاتَلَ" في محل جر؛ صفة لِـ "نَبِيٍّ"، و "مَعَهُ ربِّيُّونَ" حال من الضمير في "قَاتَلَ" - على ما تقدم تقريره - ويجوز أن يكون "مَعَهُ ربِّيُّونَ" صفة ثانية لـ "نَبِيٍّ"، وُصِف بصفتين: بكونه قاتل، وبكونه معه ربيون. الوجه الرابع: أن يكون "قَاتَلَ" فارغاً من الضمير، مسنداً إلى "رِبِّيُّونَ" وفي هذه الجملة - حينئذ - احتمالان: أحدهما: أن تكون خبراً لـ "كأيِّنْ". الثاني: ان تكون في محل جر لـ "نَبِيٍّ" والخبر محذوف - على ما تقدم - وادِّعَاء حذف الخبر ضعيف لاستقلال الكلام بدونه. وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون "قَاتَلَ" مسنداً لِـ "رِبِّيُّونَ"، فلا ضمير فيه على هذا، والجملة صفة "نَبِيٍّ". ويجوز أن يكون خبراً، فيصير في الخبر أربعة أوجه، ويجوز أن يكون صفةً لِـ "نَبِيٍّ" والخبر محذوف على ما ذكرنا. وقوله: صفة لـ "رَبِّيُّونَ" يعني: أن القتل من صفتهم في المعنى، وقوله: "فيصير في الخبر أربعة أوجه" يعني: ما تقدم له من أوجه ذكرها، وقوله: فلا ضمير فيه - على هذا - والجملة صفة "نبي" غلط؛ لأنه يبقى المبتدأ بلا خبرٍ. فإن قلتَ: إنما يزعم هذا لأنه يقدر خبراً محذوفاً؟ قلت: قد ذكر أوجهاً أخَر؛ حيثُ قال: "ويجوز أن تكون صفة لـ "نَبِيٍّ" والخبرُ محذوفٌ - على ما ذكرنا". ورجَّح كونَ قَاتَلَ مسنداً إلى ضمير النبي أن القصة بسبب غزوةِ أحُدٍ، وتخاذل المؤمنين حين قيل: إن محمداً قد ماتَ مقتولاً؛ ويؤيدُ هذا الترجيح قوله: {أية : أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ} تفسير : [آل عمران: 144] وإليه ذهب ابنُ عباسٍ والطبريُّ وجماعة. وعن ابن عباسٍ - في قوله: {أية : وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} تفسير : [آل عمران: 161] - قال: النبي يُقتل فكيف لا يُخَان؟ وذهب الحسنُ وابن جُبَيرٍ وجماعة إلى أن القتلَ للرِّبِّيِّينَ، قالوا: لأنه لم يُقْتَل نبيٌّ في حَرْب قط ونصر الزمخشري هذا بقراءة قُتِّل - بالتشديد - يعني أنّ التكثيرَ لا يتأتى في الواحد - وهو النبي - وهذا - الذي ذكره الزمخشريُّ - سبقه إليه ابنُ جني - وسيأتي تأويله -. وقرأ ابن كثيرٍ، ونافع، وأبو عمرو: قُتِل - مبنياً للمفعول - وقتادة كذلك، إلا أنه شدد التاء، وباقي السبعة: قاتل، وكل من هذه الأفعال يصلح أن يرفع ضمير "نَبِيّ" وأن يرفع "رِبِّيُّونَ" - كما تقدم تفصيلُهُ -. وقال ابنُ جني: إنَّ قراءة: قُتّل - بالتَّشْديد - يتعين أن يسند الفعل فيها إلى الظاهر - أعني: "رِبِّيُّونَ" - قال: لأنَّ الواحدَ لا تكثير فيه. قال أبو البقاء: "ولا يمتنع أنْ يكونَ فيه ضمير الأول؛ لأنه في معنى الجماعةِ". يعني أن "مِنْ نَبِيٍّ" المراد به الجنس، فالتكثير بالنسبة لكثرة الأشخاص؛ لا بالنسبة إلى كل فَرْد؛ إذ القتل لا يتكثر في كلِّ فردٍ. وهذا الجوابُ - الذي أجابَ به أبو البقاءِ- استشعر به أبو الفتحِ، وأجاب عنه، قَالَ: فإن قيل: فهلاَّ جاز فُعِّل؛ حَمْلاً على معنى "كَمْ"؟ فالجواب: أن اللفظ قد مشى على جهة الإفراد في قوله: "مِنْ نَبِيٍّ" ودلَّ الضمير المفرد "مَعَهُ" على أن المراد إنما هو التمثيلُ بواحدٍ واحدٍ، فخرج الكلامُ على معنى "كم". قال: في هذه القراءةِ دلالةٌ على أنَّ من قرأ من السَّبْعَةِ "قُتِلَ" أو "قَاتَل مَعَهُ رِبِّيُّونَ" فإن "ربِّيُّونَ" مرفوعٌ في قراءته بـ "قُتِل" أو "قَاتَل" وليس مرفوعاً بالابتداء، ولا بالظرف، الذي هو "مَعَه". قال أبو حيّان: "وليس بظاهر؛ لأن "كأين" مثل "كَمْ" وأنتَ خبيرٌ إذا قلتَ: كم من عانٍ فككته، فأفردت، راعيت لفظ "كم" ومعناها جمع، فإذا قلت: فككتهم، راعيت المعنى، وليس معنى مراعاة اللفظ إلا أنك أفردت الضمير، والمراد به الجمع. فلا فرق من حيثُ المعنى - بين فككته وفككتهم، كذلك لا فرق بين قتل معه ربيون، وقتل معهم ربيون، وإنما جاز مراعاة اللفظ تارةً، ومراعاة المعنى تارة؛ لأن مدلول "كم" و "كأين" كثير، والمعنى: جمع كثير، وإذا أخبرت عن جمع كثيرٍ فتارةً تفرد؛ مراعاةً للفظ، وتارة تجمع؛ مراعاة للمعنى، كما قال تعالى: {أية : أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} تفسير : [القمر: 44 و45]، فقال: "مُنْتَصِر" وقال: "وَيُوَلُّونَ" فأفرد في "مُنْتَصِرٌ" وجمع في "يُوَلُّونَ". ورجح بعضهم قراءة "قَاتَلَ" لقوله - بعد ذلك -: {فَمَا وَهَنُواْ} قال: وإذا قتلوا، فكيف يوصفون بذلك؟ إنما يوصف بهذا الأحياء؟ والجوابُ: أن معناه: قتل بعضهم، كما تقول: قُتِلَ بنو فلانٍ في وقعة كذا، ثم انصرفوا. وقال ابن عطية: قراءة من قَرَأ "قَاتَلَ" أعم في المدْحِ؛ لأنه يدخل فيها من قتل ومن بقي، ويحسن عندي - على هذه القراءة - إسنادُ الفعل إلى الربيين، وعلى قراءة: قتل - إسناده إلى "نبي". قال أبو حيّان: "قتل" يظهر أنها مدح، وهي أبلغ في مقصود الخطاب؛ لأنها نَصٌّ في وقوع القتل، ويستلزم المقاتلة. و "قَاتَل" لا تدلُّ على القتل؛ إذ لا يلزم من المقاتلة وجود القتل؛ فقد تكون مقاتلة ولا يقع قتل. قوله: {مِّن نَّبِيٍّ} تمييز لـ "كَأيِّنْ" لأنها مثل "كم" الخبرية. وزعم بعضهم أنه يلزم جره بـ "من" ولهذا لم يجئ في التنزيل إلا كذلك، وهذا هو الأكثرُ الغالب. قال وقد جاء تمييزُها منصوباً، قال الشاعرُ: [الخفيف] شعر : 1652- أطْرُدِ الْيَأسَ بِالرَّجَاءِ فَكَائِن آلِماً حُمَّ يُسْرُهُ بَعْدَ عُسْرِ تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 1653- فَكَائِنْ لَنَا فَضْلاً عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةً قَدِيماً، وَلاَ تَدْرُونَ مَا مَنُّ مُنْعِمِ تفسير : وأما جره فممتنع؛ لأن آخرَها تنوين، وهو لا يثبت مع الإضافة. و "ربيون": جمع رِبِّيّ، وهو العالم، منسوب إلى الرَّبّ، وإنما كُسِرت راؤه؛ تغييراً في النسب، نحو: إمْسِيّ - في النسبة إلى أمس - وقيل: كُسِر للإتباع. وقيل: لا تغيير فيه، وهو منسوب إلى الرُّبة - وهي الجماعة - وقرأ الجمهور بكسر الرَّاءِ، وقرأ عليّ، وابنُ مسعودٍ، وابن عبّاسٍ، والحسنُ "رُبِّيُّونَ" - بضم الراء - وهو من تغيير النسبِ، إذا قلنا: هو منسوب إلى الربِّ، وقيل: لا تغيير، وهو منسوب إلى الربة، وهي الجماعة. قال القرطبيُّ "واحدهم ربِّيّ - بكسر الراء وضمها". وقرأ ابنُ عباسٍ - في رواية قتادة - رَبِّيُّونَ، بفتحها على الأصل، إن قلنا: منسوب إلى الرَّبِّ، وإلا فمن تغيير النسب، إن قلنا: إنه منسوب إلى الربة. قال ابن جني: والفتح لغة تميم. وقال النقاشُ: "هم المكثرون العلم" من قولهم: رَبَ الشيء يربو - إذا كَثر - وهذا سَهْوٌ منه؛ لاختلاف المادتين؛ لأن تلك من راء وياء وواو، وهذه من راء وباء مكررة. قال ابن عبَّاسٍ ومجاهدٌ وقتادةُ: الجماعات الكثيرة وقال ابنُ مسعودٍ: والربيون: الألوف. وقال الكلبيّ: الرِّبِّيَّة الواحدة: عشرة آلاف. وقال الضَّحَّاك: الرَّبِّيَّة الواحدة ألف، وقال الحسنُ: رِبِّيُّون: فُقَهاء وعُلَماء. وقيل: هم الأتباع، فالربانيون: الولاة، و الربانيون: الرعية. وحكى الواحديُّ - عن الفرّاءِ - الربانيون: الألوف. قوله: "كَثِيرٌ" صفة لِـ "رِبِّيُّونَ" وإن كان بلفظ الإفرادِ؛ لأن معناه الجمع. فصل معنى الآية - على القراءة الأولى - أن كثيراً من الأنبياء قُتِلوا، والذين بَقُوا بعدهم ما وَهَنوا في دينهم، بل استمرُّوا على نُصْرَة دِينهم [وقتال] عدوِّهم، فينبغي أن يكون حالُكُم - يا أمة محمدٍ - هكذا. قال القفالُ: والوقف - في هذا التأويل - على قوله: "قُتِل" وقوله {مَعَهُ رِبيُّونَ كَثِيرٌ} حال، بمعى: قُتِل حال ما كان معه ربيون كثير. أو يكون على معنى التقديم والتأخير أي: وكأين من نبي معه ربيون كثيرٌ، فما وهن الربيون على كثرتهم. وقيل: المعنى: وكأين من نبي قُتِل ممن كان معه وعلى دينه ربيون كثيرٌ، فما ضَعُفَ الباقون، ولا استكانوا؛ لقَتْل من قُتِل من إخوانهم، بل مضوا على جهاد عدوهم، فقد كان ينبغي أن يكون حالكم كذلك. وحُجَّة هذه القراءة أنّ المقصودَ من هذه الآية حكاية ما جرى لسائر الأنبياءِ؛ لتقتدي هذه الأمة بهم. والمعنى على القراءة الثانية -: وكم من نبي قاتل معه العددُ الكثيرُ من أصحابه، فأصابهم من عدوهم قروح، فما وَهَنُوا؛ لأن الذي أصابهم إنما هو في سبيل اللهِ وطاعته، وإقامة دينه، ونصرة رسوله، فكذلك كان ينبغي أن تفعلوا مثل ذلك يا أمةَ مُحَمدٍ. وحجة هذه القراءة: أن المراد من هذه الآية ترغيب الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في القتال، فوجب أن يكون المذكورُ هو القتال، وأيضاً رُوِي عن سعيد بن جبيرٍ أنه قال: ما سمعنا بنبي قُتِل في القتال. قوله: {فَمَا وَهَنُواْ} الضمير في "وَهَنُوا" يعود على الربِّيِّين بجُمْلتهم، إن كان قُتِل مسنداً إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم وكذا في قراءة "قَاتَلَ" سواء كان مسنداً إلى ضمير النبي، أو إلى الربِّيين، فالضمير يعود على بعضهم وقد تقدم ذلك عند ترجيح قراءة "قاتل". والجمهورُ على "وَهَنُوا" - بفتح الهاء - والأعمش وأبو السَّمَّال بكسرها، وهما لغتانِ: وَهَنَ يَهِنُ - كَوَعَدَ يَعِدُ - وَوَهَنَ يَوْهَنُ - كوَجَلَ يَوْجَلُ - وروي عن أبي السَّمَّال - أيضاً - وعِكْرمة: وهْنوا - بسكون الهاء - وهو من تخفيف فَعَل؛ لأنه حرف حلق، نحو نعم وشَهْد - في نَعِم وشَهِد -. قال القرطبيُّ: - عن أبي زيد -: "وَهِنَ الشيء يَهِنُ وَهْناً، وأوْهنته أنا ووهَّنْتُه: ضعَّفته، والواهنة: أسفل الأضلاع وقصارَاها، والوَهْن من الإبل: الكثيف، والوَهْن: ساعة تمضي من الليل، وكذلك المَوْهِن، وأوهَنَّا: صِرْنا في تلك الساعة". و {لِمَآ أَصَابَهُمْ} متعلق بـ "وَهَنُوا" و "ما" يجوز أن تكون موصولة اسمية، أو مصدرية، أو نكرة موصوفة. وقرأ الجمهور {وَمَا ضَعُفُواْ} - بضم العين - وقرئ: ضَعَفُوا - بفتحها - وحكاها الكسائي لغة. قوله: {وَمَا ٱسْتَكَانُواْ} فيه ثلاثةُ أقوالٍ: أحدها: أنه "استفعل" من الكَوْن - والكَوْن: الذُّلّ - وأصله: استكون، فنُقِلَتْ حركة الواو على الكافِ، ثم قُلِبَت الواو ألفاً. وقال الأزهريُّ وأبو علي: هو من قول العربِ: بَاتَ فُلان بكَيْنَةِ سوء - على وزن جَفْنَة - أي: بحالة سوء، فألفه - على هذا من ياء، والأصل: استكْيَن، ففُعِل بالياء ما فُعِل بأختها. [وهو القول الثاني]. الثالث: قال الفرّاء: وزنة "افتعل" من السكون، وإنما أُشْبِعَت الفتحة، فتولَّد منها ألف. كقول الشاعر: [الرجز] شعر : 1654- أعُوذُ باللهِ مِنَ الْعَقْرَابِ الشَّائِلاَتِ عُقَدِ الأذْنَابِ تفسير : يريد: العقرب الشائلة. ورُدَّ على الفرّاء بأن هذه الألف ثابتة في جميع تصاريف الكلمةِ، نحو: استكان، يستكين، فهو مستكينٌ ومُستكان إليه استكانةً. وبأنَّ الإشباعَ لا يكون إلا في ضرورةٍ. وكلاهما لا يلزمه؛ أما الإشباع فواقع في القراءات - السبع - كما سيأتي -. وأما ثبوت الألف في تصاريف الكلمةِ فلا يدلُّ - أيضاً - لأن الزائدَ قد يَلْزَم؛ ألا ترى أنَّ الميم - في تَمَنْدَل وتَمَدْرَع - زائدة، ومع ذلك ثابتة في جميع تصاريفِ الكلمة، قالوا: تَمَنْدَلَ، يَتَمَنْدَلُ، تَمَنْدُلاً، فهو مُتَمَنْدِل، ومُتَمَنْدَل به. وكذلك تَمَدْرَع، وهما من الندل والدرع. وعبارة أبي البقاءِ أحسن في الرَّدِّ؛ فإنه قال: "لأن الكلمة ثبتت عينها في جميع تصاريفها تقول: استكان، يستكين، استكانة، فهو مستكين، ومُسْتكان له والإشباع لا يكون على هذا الحد". ولم يذكر متعلق الاستكانة والضعف - فلم يَقُلْ: فما ضَعُفُوا عن كذا، وما استكانوا لكذا - للعلم، أو للاقتصار على الفعلين - نحو {أية : كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ} تفسير : [الحاقة: 24] ليعم كُلَّ ما يصلح لهما. وقال الزمخشري: ما وَهَنُوا عند قَتْل النبيّ. وقيل: ما وَهَنُوا لقتل من قتل منهم. فصل المعنى: ما جَبُنُوا لما أصابهم في سبيل اللهِ، وما ضَعُفُوا عن الجهادِ بما نالهم من الجراح، وما استكانوا للعدو. وقال مقاتلٌ: وما استسْلَموا، وما خضعوا لعدوهم. وقال السُّدِّيُّ: وما ذلوا. وهذا تعريض بما أصابهم من الْوَهَنِ، والانكسار عند الإرجاف بقَتْل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبضعفهم عند ذلك عن مجاهدة المشركين، واستكانتهم للكافرين، حتى أرادوا أن يعتضدوا بالمنافقِ عَبْدِ اللهِ بنِ أبَيٍّ؛ ليطلب لهم الأمان من أبي سفيان. ويحتمل - أيضاً - أن يُفَسَّر الوهن باستيلاء الخوفِ عليهم، ويُفَسَّر الضعف بأن يضعف إيمانُهم، وتقع الشكوك والشبهات في قلوبهم، والاستكانة: هي الانتقال من دينهم إلى دين عدوهم. ثم قال: {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ} أي: مَنْ صَبَر على تحمُّل الشدائدِ في طريق اللهِ ولم يُظْهِر الجزعَ والعجزَ والهلع؛ فإنَّ اللهَ يحبه. ومحبة الله - تعالى - للعبد عبارة عن إرادة إكرامه وإعزازه وتعظيمه، والحكم له بالثواب والجنة.

السيوطي

تفسير : أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد من طريق أبي عبيدة عن ابن مسعود أنه قرأ {وكأين من نبي قاتل معه ربيون} ويقول ألا ترى أنه يقول {فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله}. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذرعن سعيد بن جبير أنه كان يقول: ما سمعنا قط أن نبياً قتل في القتال. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن الحسن وإبراهيم، أنهما كانا يقرآن {قاتل معه}. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك أنه قرأ {وكأين من نبي قتل معه ربيون} بغير ألف. وأخرج عن عطية. مثله. وأخرج من طريق زر عن ابن مسعود مثله. أنه كان يقرأها بغير ألف. وأخرج عبد بن حميد عن عطية أنه قرأ {وكأيِّن من نبي قتل معه ربيون} بغير ألف. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود في قوله {ربيون} قال: ألوف. وأخرج سعيد بن منصور عن الضحاك في قوله {ربيون} قال: الربة الواحدة ألف. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس {ربيون} يقول: جموع. وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن في قوله {ربيون} قال: فقهاء علماء قال: وقال ابن عباس: هي الجموع الكثيرة. وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء والطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {ربيون} قال: جموع قال: وهل يعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول حسان: شعر : وإذا معشر تجافوا القصـ ـد أملنا عليهم ربيا تفسير : وأخرج ابن جرير من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله {ربيون كثيرٌ} قال: علماء كثير. وأخرج من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله {ربيون كثير} قال {الربيون} هم الجموع الكثيرة. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن {ربيون} قال: علماء كثير. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال {الربيون} الأتباع، والربانيون الولاة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وكأين من نبي قاتل} الآية. قال: هم قوم قتل نبيهم، فلم يضعفوا ولم يستكينوا لقتل نبيهم. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس {فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله} لقتل أنبيائهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك {فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله} يعني فما عجزوا عن عدوهم. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر عن قتادة في قوله {فما وهنوا...} الآية. يقول: فما عجزوا وما تضعضعوا لقتل نبيهم {وما استكانوا} يقول ما ارتدوا عن بصيرتهم ولا عن دينهم، إن قاتلوا على ما قاتل عليه نبي الله حتى لحقوا بالله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وما استكانوا} قال {ما استكانوا} قال: تخشعوا. وأخرج ابن جرير عن السدي {وما استكانوا} يقول: ما ذلوا. وأخرج عن ابن زيد {وما استكانوا} قال: ما استكانوا لعدوهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عن ابن عباس في قوله {وإسرافنا في أمرنا} قال: خطايانا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وإسرافنا في أمرنا} قال: خطايانا وظلمنا أنفسنا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله {وإسرافنا في أمرنا} يعني الخطايا الكبار. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله {فآتاهم الله ثواب الدنيا} قال: النصر والغنيمة {وحسن ثواب الآخرة} قال: رضوان الله ورحمته. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة {فآتاهم الله ثواب الدنيا} الفلاح، والظهور، والتمكن، والنصر على عدوهم في الدنيا {وحسن ثواب الأخرة} هي الجنة.

ابو السعود

تفسير : {وَكَأَيّن} كلامٌ مبتدأٌ ناعٍ عليهم تقصيرَهم وسوءَ صنيعِهم في صدودهم عن سَنن الربانيـين المجاهدين في سبـيل الله مع الرسل الخالين عليهم السلام، و{كأين} لفظةٌ مركبةٌ من كاف التشبـيهِ وأي، حدث فيها بعد التركيب معنى التكثيرِ كما حدث في كذا وكذا، والنون تنوينٌ أُثبتت في الخط على غير قياسٍ، وفيها خمسُ لغاتٍ هي إحداهن والثانيةُ كائِنْ مثلُ كاعن والثالثة كأْيِن مثل كعْيِن والرابعةُ كَيْئِن بـياء ساكنة بعدها همزة مكسورة وهي قلبُ ما قبلها والخامسةُ كأْن مثلُ كعن، وقد قرىء بكل منها ومحلُّها الرفعُ بالابتداء وقولُه تعالى: {مّن نَّبِىٍّ} تميـيزٌ لها لأنها مثلُ كم الخبرية، وقد جاء تميـيزُها منصوباً كما في قوله: [الخفيف] شعر : أطرُد اليأسَ بالرجا فكأيِّنْ آملاً حُمَّ يسرُه بعد عُسرِ تفسير : وقوله تعالى: {قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ} خبرٌ لها على أن الفعلَ مسندٌ إلى الظاهر، والرابطُ هو الضمير المجرورُ في معه، وقرىء قُتِل وقُتّل على صيغة المبني للمفعول مخففةً ومشددةً، والرِّبِّـيُّ منسوبٌ إلى الرب كالرَّباني وكسرُ الراء من تغيـيرات النّسْبِ وقرىء بضمها وبفتحها أيضاً على الأصل وقيل: هو منسوبٌ إلى الرَّبة وهي الجماعة، أي كثيرٌ من الأنبـياء قاتلَ معه لإعلاء كلمةِ الله وإعزاز دينِه علماءُ أتقياءُ أو عابدون أو جماعاتٌ كثيرة، فالظرفُ متعلقٌ بقاتل أو بمحذوف وقع حالاً من فاعله كما في القراءتين الأخيرتين إذ لا احتمالَ فيهما لتعلقه بالفعل أي قُتلوا أو قُتّلوا كائنين معه في القتال لا في القتل. قال سعيد بن جبـير: ما سمعنا بنبـي قُتل في القتال، وقال الحسنُ البصري وجماعةٌ من العظماء: لم يقتَلْ نبـي في حرب قطُّ، وقيل: الفعلُ مسنَدٌ إلى ضمير النبـي والظرفُ متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً منه، والرابطُ هو الضميرُ المجرورُ الراجعُ إليه، وهذا واضحٌ على القراءة المشهورةِ بلا خوف أي كم نبـيَ قاتلَ كائناً معه في القتال ربـيون كثير، وأما على القراءتين الأخيرتين فغيرُ ظاهرٍ لا سيما على قراءة التشديد وقد جوّزه بعضُهم وأيّده بأن مدارَ التوبـيخِ انخذالُهم للإرجاف بقتلِه عليه السلام أي كم من نبـي قُتل كائناً معه في القتل أو في القتال ربـيون الخ، وقوله تعالى: {فَمَا وَهَنُواْ} عطفٌ على قاتل على أن المرادَ به عدمُ الوهنِ المتوقَّعِ من القتال كما في قولك: وعظتُه فلم يتَّعِظْ وصِحْتُ به فلم ينزجِرْ فإن الإتيانَ بالشيء بعد ورودِ ما يوجب الإقلاعَ عنه وإن كان استمراراً عليه بحسب الظاهرِ ولكنه بحسب الحقيقةِ صنعٌ جديدٌ مصحِّحٌ لدخول الفاءِ المرتبةِ له على ما قبله أي فما فتَروا وما انكسرت هِمتُهم {لِمَا أَصَابَهُمْ} في أثناء القتالِ وهو علةٌ للمنفيّ دون النفيِ، نعم يُشعِرُ بعلّته قوله تعالى: {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} فإن كونَ ذلك في سبـيله عز وجل مما يقوِّي قلوبَهم ويُزيلُ وهنَهم، وما موصولةٌ أو موصوفةٌ، فإن جُعِل الضميران لجميع الرِّبـيِّـين فهي عبارةٌ عما عدا القتلِ من الجراح وسائرِ المكارِه المعتريةِ للكل، وإن جعلاً للبعض الباقين بعد ما قُتل الآخَرون كما هو الأليقُ بمقام توبـيخِ المنخذِلين بعد ما استُشهد الشهداءُ فهي عبارةٌ عما ذُكر مع ما اعتراهم من قتل إخوانِهم من الخوف والحُزْن وغيرِ ذلك. هذا على القراءة المشهورةِ وأما على القراءتين الأخيرتين: فإن أُسندَ الفعلُ إلى الرّبـيّـين فالضميران للباقين منهم حتماً، وإن أُسند إلى ضمير النبـي كما هو الأنسبُ بالتوبـيخ على الانخذال بسبب الإرجافِ بقتله عليه الصلاة والسلام فهما للباقين أيضاً إن اعتُبر كونُ الرّبـيّـين مع النبـي في القتل وللجميع إن اعتُبر كونُهم معه في القتال {وَمَا ضَعُفُواْ} عن العدو، وقيل: عن الجهاد، وقيل: في الدين {وَمَا ٱسْتَكَانُواْ} أي وما خضَعوا للعدو وأصلُه استكنَ من السكون لأن الخاضعَ يسكُن لصاحبه ليفعلَ به ما يريدُه، والألفُ من إشباع الفتحةِ أو استكْوَن من الكون لأنه يُطلب أن يكون لمن يُخضَع له. وهذا تعريضٌ بما أصابهم من الوهن والانكسارِ عند استيلاءِ الكفرةِ عليهم والإرجافِ بقتل النبـيِّ صلى الله عليه وسلم وبضَعفهم عند ذلك عن مجاهدة المشركين واستكانتِهم لهم حين أرادوا أن يعتضِدوا بابن أُبـيّ المنافق في طلب الأمانِ من أبـي سفيان {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ} أي على مقاساة الشدائدِ ومعاناةِ المكاره في سبـيل الله فينصُرهم ويُعظّم قدرَهم، والمرادُ بالصابرين إما المعهودون، والإظهارُ في موضع الإضمارِ للثناء عليهم بحسن الصبرِ والإشعارِ بعلة الحُكم، وإما الجنسُ وهم داخلون فيه دخولاً أولياً والجملة تذيـيل لما قبلها.

القشيري

تفسير : إنَّ الذين درجوا على الوفاء، وقاموا بحق الصفاء، ولم يرجعوا عن الطريق، وطالبوا نفوسهم بالتحقيق، وأخذوا عليها بالتضييق والتدقيق - وجدوا محبةَ الحقِّ سبحانه ميراثَ صبرِهم، وكان الخَلَف عنهم الحقُّ عند نهاية أمرهم، فما زاغوا عن شرط الجهد، ولا زاغوا في حفظ العهد، وسلَّموا تسليماً، وخرجوا عن الدنيا وكان كلٌّ منهم للعهد مقيماً مستديماً، وعلى شرط الخدمة والوداد مستقيماً.

البقلي

تفسير : {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} الربيون الربانيون الذين هموم لون قرب الرب ومشاهدته قال الجريرى منقطعون الى الرب فانية منهم اوصافهم وارادتهم متطلعون لارداة الله فيهم قال بعضهم ربيون وزاد الانبياء قوله تعالى {فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} لان عليهم روع انوار عظمة الله {وَمَا ضَعُفُواْ} لانهم مقوون بقوة الله {وَمَا ٱسْتَكَانُواْ} لانهم مؤيدون بتائيد الله ومع جلالهتم وضعوا أقدامهم على اعناق نفوسهم الخيانة الامارة هواها فخرجوا من دايعته هواهم الى مراد الله لا جرم البستهم الله لباس وصفه وصف نفسه بالصبر ثم احبهم لوصفه عليهم بقوله {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ} قال الوسطى اى كونوا كابى بكر لما كانت لنسبته الى الحق اتم لم يوثر عليه فقدان السبب ولما ضعف نسبتهم ثر عليهم فعمر بن الخكاب قال من قال مات محمد ضربت عنقه وابو بكر نظر الى ما دل عليه المصطفى صلوات الله وسلامه عليه فقرأ ما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل.

اسماعيل حقي

تفسير : {وكأين} اصله اى دخلت الكاف عليها فحدث فيها معنى التكثير فهى بمعنى كم الخبرية {من نبى} تمييز لها والغالب فى تمييزها ان يكون مجرورا بمن ولم يجىء فى التنزيل الا كذا وجره ممتنع لان آخره تنوين وهو لا يثبت مع الاضافة {قاتل معه ربيون كثير} خبر لقوله كأين لانها مبتدأ والفعل مسند الى ظاهره. والربى منسوب الى الرب كالربانى وكسر الراء من تغييرات النسب فان العرب اذا نسبت شيئاً الى شىء غيرت كما قالوا بصرى فى النسبة الى بصرة او منسوب الى الربة وهى الجماعة والمعنى كثير من الانبياء قاتل معه لاعلاء كلمة الله واعزاز دينه علماء اتقياء او جماعات كثيرة {فما وهنوا} عطف على قاتل اى فما فتروا وما انكسرت همتهم {لما اصابهم} فى اثناء القتال وهو علة للمنفى دون النفى {فى سبيل الله} ان جعل الضميران لجميع الربيين فما فى ما اصابهم عبارة عما عدا القتل من الجراح وسائر المكاره اللاحقة للكل وان جعلا للبعض الباقين بعد ما قتل الآخرون فهى عبارة عما ذكر مع ما اعتراهم من قتل اخوانهم والخوف والحزن وغير ذلك {وما ضعفوا} عن العدو او الجهاد او فى الدين {وما استكانوا} اى وما خضعوا للعدو. واصله استكن من السكون لان الخاضع يسكن لصاحبه ليفعل به ما يريده والالف لاشباع الفتحة. او استكون من الكون لانه يطلب ان يكون لم يخضع له وهذا تعريض بما اصابهم من الوهن والانكسار عند استيلاء الكفرة عليهم والارجاف بقتل النبى عليه السلام وبضعفهم عند ذلك عن مجاهدة المشركين واستكانتهم لهم حين ارادوا ان يعتضدوا بابن ابى المنافق فى طلب الامان من ابى سفيان {والله يحب الصابرين} اى على مقاساة الشدائد ومعاناة المكاره فى سبيل الله فينصرهم ويعظم قدرهم.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {كأَيِّن}: أصله: أيْ، دخلت الكاف عليها وصارت بمعنى {كم}، وأثبت التنوين نوناً على غير قياس، وقرأ ابن كثير، {وكائن}، على وزن فاعل، ووجهه: أنه قلب الياء قبل الهمزة فصار: كيَاءٍ، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فصار كائن، وهما لغتان، وقد جمع الشاعر بينهما في بيت، فقال: شعر : كَأيّنْ أبَدْنَا مِنْ عَدوٍّ بعِزِّنا وكَائِنْ أجَرْنا مِنْ ضَعيفٍ وخائِفِ تفسير : و {الرِبِّيون}: جمع رُبَّة، أي: الفرقة. أي: معه جموع كثيرة، وقيل: العلماء الأتقياء، وقيل: الولاة، وهو: إما مبتدأ فيوقف على {قُتل}، أو نائب فاعل {قُتل}، أو فاعل على من قرأ بالبناء له، و {كثير}: نعت له، كقوله:{أية : وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ}تفسير : [التّحْريم: 4]؛ لأن فعيلاً يخبر به عن المفرد والجمع. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وكأين}؛ وكم {من نبي قتل} في المعركة ومعه جموع كثيرة، أو ربانيون علماء أتقياء، فلم يفشلوا ولم يضعفوا، بل ثبتوا على دينهم وجهاد عدوهم، أو يقول: كثير من الأنبياء قتل معهم ربانيون كثير، أي: ماتوا في الحرب فثبت الباقون، ولم يفتروا ولم يضعفوا عن عدوهم، ويترجح الأول بما صرَخَ به الصارخ يوم أحد: إن محمداً قد مات، فضرب لهم المثل بقوله: {وكأين من نبي قُتل}، ويترجح الثاني بأنه لم يقتل نبيّ قط في المحاربة. أو: {وكأين من نبيّ قاتل} أي: جاهد معه {ربِّيون كثير}، وبعدما قتل نبيهم أو جموعهم {فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله} أي: فما فتروا: ولم ينكسر جندهم؛ لأجل ما أصابهم من قتل نبيهم أو بعضهم، {وما ضعفوا} عن جهاد عدوهم ولا عن دينهم، {وما استكانوا} أي: خضعوا لعدوهم، من السكون؛ لأن الخاضع يسكن لعدوه يفعل به ما يريد، فالألف إشباع زائد، أي: فما سكنوا لعدوهم بل صبروا له، {والله يحب الصابرين} فينصرهم ويعزهم ويُعظم قدرهم. {وما كان قولهم} عند قتل نبيهم مع ثباتهم على دينه، {إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا} الصغائر، {وإسرافنا في أمرنا} أي: ما تجاوزنا به الحد في أمر ذنوبنا، كالكبائر، {وثبت أقدامنا} في مداحض الحرب؛ لئلا ننهزم، {وانصرنا على القوم الكافرين} من أعدائنا، فَهلاَّ فعلتم مثلهم، وقلتم ذلك يا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. {فآتاهم الله} في ثواب الاستغفار واللجوء إلى الله {ثواب الدنيا} وهو النصر والغنيمة والعز وحسن الذكر، {وحسن ثواب الآخرة} وهو النعيم الذي لا يفنى ولا يبيد، وخص ثواب الآخرة بالحسن؛ إشعاراً بفضله، وأنه المعتد به عنده، {والله يحب المحسنين} الثابتين على دينهم، لأنهم أحسنوا فيما بينهم وبين ربهم بحفظ دينه، فأحبهم الله وقربهم إلى حضرته. الإشارة: وكم من المريدين والأتباع مات شيخهم أو قتل، فثبتوا على طريقهم، فما فَشِلوا ولا ضعفوا، ولا خضعوا لمن يقطعهم عن ربهم، بل صبروا على السير إلى ربهم، أو الترقي في المقامات، ومن لم يرشد منهم طلب من يكمل له، {والله يحب الصابرين}، فإذا أحبهم كان سمعهم وبصرهم، كما في الحديث. وما كان حالهم عند موت شيخهم إلا الالتجاء إلى ربهم، والاستغفار مما بقي من مساوئهم، وطلب الثبات في مواطن حرب أنفسهم، فأعطاهم الله عزّ الدنيا والآخرة عزّ الدنيا بالإيمان والمعرفة، وعزّ الآخرة بدوام المشاهدة، فكانوا أحباب الله؛ {والله يحب المحسنين}.

الطوسي

تفسير : القراءة واللغة: قرأ ابن كثير "كاين" على وزن كاعن. الباقون "كأين" مشددة على وزن كعين. ومعناهما واحد، وهو بمعنى كما قال جرير: شعر : وكائن بالاباطح من صديق يراني لو اُصبت هو المصابا تفسير : وقال آخر: شعر : وكائن رددنا عنكم من مدحج يجيء أمام الالف يردي مقنعا تفسير : ومثل المشدد قول الشاعر: شعر : كاين في المعاشر من اناس اخوهم فوقهم وهم كرام تفسير : وأصل كاين (أي) دخلت عليها كاف التشبيه، كما أن أصل (كذا) (ذا) دخلت عليها كاف التشبيه. وانما غيرت في اللفظ لتغيرها في المعنى، لأنها نقلت إلى معنى (كم) في التكثير. ومن خفف فلكراهية التضعيف، كما خفف لا سيما. وقرأ أهل الكوفة، وابن عامر (قاتل) الباقون (قتل) فمن قرأ (قتل) نفى الوهن عمن بقي. ومن قرأ (قاتل) نفاه عمن ذكر. المعنى، واللغة: وقوله: {ربيون} قيل في معناه أقوال. أحدها - قال ابن عباس، والحسن: علماء فقهاء، وقال مجاهد، وقتادة: جموع كثيرة. وقال الاخفش: هم منسوبون إلى الرب. ومعناه المتمسكون بعبادة الله. وقال غيره: منسوبون إلى علم الرب. وقال الزجاج: الربو عشرة آلاف، وهو المروي عن أبي جعفر (ع)، وارتفاعه يحتمل أمرين: أحدهما - على مذهب الحسن في أنه لم يقتل نبي قط في معركة فيرتفع بأنه لم يسم فاعله في (قتل)، وعلى مذهب ابن اسحاق، وقتادة، والربيع، والسدي: رفع بالابتداء، فقدم عليه الخبر بمعنى قتل، ومعه ربيون كثير، فعلى هذا يكون النبي المقتول، والذين معه لا يهنون، وذلك أن يوم أحد كان أرجف بأن النبي (صلى الله عليه وسلم) قتل، فبين الله تعالى أنه لو قتل لما أوجب ذلك أن تهنوا وتضعفوا، كما لم يهن من كان مع الانبياء بقتلهم، وهو المروي عن أبي جعفر (ع). والوهن هو الضعف وإنما قال: فما وهنوا، وما ضعفوا من حيث أن الوهن انكسار الجد بالخوف، ونحوه. والضعف: نقصان القوة وقوله: {وما استكانوا} معناه ما ظهروا الضعف. وقيل معناه ما خضعوا، لأنه يسكن لصاحبه ليفعل به ما يريد، فلم يهنوا بالخوف، ولا ضعفوا بنقصان العدة، ولا استكانوا بالخضوع. وقال ابن اسحاق: فما وهنوا بقتل نبيهم، ولا ضعفوا عن عدوهم، ولا استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن دينهم. وقال الزجاج معنى ما وهنوا ما فتروا، وما ضعفوا وما جبنوا عن قتال عدوهم. وما استكانوا ما خضعوا. وقال الازهري: الاستكانة أصلها من الكنية، وهي الحالة السيئة يقال بات بكنية يعني بيتة سوء، ومجيئة سوء أي بحال سوء. وقوله: {والله يحب الصابرين} معناه يريد ثواب من صبر في جنبه في امتثال أمره، والقيام بواجباته التي من جملتها الجهاد في سبيل الله.

الجنابذي

تفسير : {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ} قرئ قتل مبنيّاً للمفعول، وقاتل من باب المفاعلة وهو خبر كايّن او صفة نبىٍّ ومرفوعه امّا ضمير نبىّ وحينئذٍ فقوله {مَعَهُ رِبِّيُّونَ} مبتدأ مكتف بمرفوعه ومرفوع مغن عن الخبر، او مبتدء مؤخّر وخبر مقدّم والجملة حالٌ او صفةٌ بعد صفةٍ او خبرٌ بعد خبر او خبر ابتداء و {كَثِيرٌ} صفة بعد صفةٍ او خبر بعد خبرٍ او خبر ابتداء وعلى بعض الوجوه الّذى لا يبقى معه خبر لكايّن يكون الخبر محذوفاً او مرفوع قاتل ربّيون وحينئذٍ يكون معه متعلّقاً بقاتل والجملة صفة او خبر وكثير صفة بعد صفة ويكون حينئذٍ خبر كأيّن محذوفاً او خبر بعد خبر او خبر ابتداء والرّبيّون منسوب الى الرّبّ وكسر الرّاء من تغييرات النّسب وقد قرئ بفتح الرّاء على الاصل وبضمّ الرّاء مثل الكسر مغيّراً عن هيئته او هو جمع الرّبّى منسوب الربة بالكسر بمعنى الجماعة الكثيرة، او بمعنى عشرة الاف، وبهذا المعنى قد يضمّ الربّة وفسّر فى الخبر بعشرة آلافٍ، وهذا أيضاً تقوية للمؤمنين وتسلية لهم وتعريض بفشلهم عند الارجاف بقتل النّبىّ (ص) فى احدٍ {فَمَا وَهَنُواْ} اى ما فتروا فى رأيهم عن القتال وعن القيام بأمر دينهم {لِمَآ أَصَابَهُمْ} من قتل النّبىّ (ص) او قتل بعضهم ومن الجرح والنّهب { فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} ظرف لاصابهم او متنازع فيه لقاتل ووهنوا واصابهم {وَمَا ضَعُفُواْ} فى ابدانهم او المراد بالوهن الضّعف فى الابدان وبالضّعف الوهن فى الرّأى {وَمَا ٱسْتَكَانُواْ} ما تذلّلوا افتعل من المسكنة بمعنى الذّلّة اشبع فتحة الكاف او استفعل من كان له بمعنى انقاد له وهو تعريض بما قالوا عندما ارجف بقتل النّبىّ (ص): اذهبوا بنا الى عبد الله بن أبىٍّ ليأخذ الامان لنا من أبى سفيان يعنى انّهم ما وهنوا كما وهنتم وانهزمتم وما تذلّلوا عند العدوّ كما أردتم التذلّل وصبروا على القتال {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ} تعريض ببغضهم لاجل الفرار وعدم الثّبات واكتفى عن قوله وصبروا بقوله {والله يحبُّ الصّابرين} لافادة سابقه ايّاه واستفادته منه مع شيءٍ زائدٍ هو اثبات محبّته لهم والتّعريض ببغضه للفارّين عن القتال.

اطفيش

تفسير : {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّ قَاتَلَ}: كأن مبتدأ لمعنى كم الخبرية التكثرية و{مِّن نَّبِىٍّ} نعته، وهو تمييز فىالمعنى جر بمن، ولا يضاف، كأين إلى تمييزها، لأن النون فى آخرها تنوين، كتبت فى خط المصحف، شذوذاً وذلك أنها مركبة من كاف التشبيه، وأى الاستفهامية المنونة، وبنيت فى التركيب، ولمعنى الحرف التكثيرى، كرب ومنها كتب التنوين التركيب، وقيل: مع ضميره المستتر العائد إلى كأين، جر كأين وزال معنى التشبيه والاستفهام بالتركيب، ولعله اختيرت أى الاستفهامية، وكاف التشبيه تلويحاً إلى أنه يتعجب من كثرة ما استعملت فيه، حتى أن يبلغ يقال فيه: كأى شىء هذا الشىء، فى الكثرة، والجمهور يقفون عليها بالنون، لرسم المصحف، وغيرهم، يقف بإسقاطها فيبقى حرف مشدد قبلها ولا يوقف على المحرك، فيسكن الياء فيلتقى ساكنان، لأن المدغم ساكن فيحذف أحدهما فقيل: الأول، وقيل الآخر، فبقى الكاف والهمزة وياء ساكنة، وقرأ ابن كثير بألف بعد الكاف، وهمزة بعد الألف بوزن قائل وبائع لكن نونه ساكن. قال جرير: شعر : وكائن بالأباطح من صديق يرانى لو أصبت هو المصابا تفسير : والأولى لغة قريش، وقيل: أصل هذه لغة قريش، لكن دخلها القلب المكانى، والحذف وصورة ذلك القلب كان بكسر الياء وتشديدها، حذفت الياء المكسورة تخفيفاً لثقلها بالكسر والتشديد، وقلبت الياء مدغمة ألفاً، وكسرت الهمزة، لأنها فى موضع فيه الياء المكسورة، قبل القلب، وليكون بوزن فاعل، بكسر العين، فإنه فى الأسماء أكثر من فاعل فى فتحها. {مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ}: معه خبر مقدم، وربيون مبتدأ مؤخر، والجملة حال من المستتر فى قتل ويجوز أن يكون ربيون نائب فاعل قتل فلا يكون فى قتل ضمير، ومعه على هذا متعلق بقتل، وهذه قراءة نافع، وابن كثير، وأبى عمرو، ويعقوب، وقرأ غيرهم: قاتل بفتح التاء أى قاتل جنس، أمثلة العدد الكثير، وما وهنت أصحابه، أو قاتلوا مع أنبيائهم العدد الكثير وما وهنوا، وجملة قاتل على أن فيه ضمير {كأين} خبر كأين، و{ربيون} مبتدأ ومعه خبره، والجملة حال من المستتر فى قاتل، أو ربيون فاعل قاتل، والجملة خبر كأين، والرابط "هاء" معه، وقرأ غيرهم أيضاً: قتل بالبناء للمفعول، وتشديد التاء وهى قراءة صالحة لجعل مرفوع قتل بالتخفيف ضمير "كأين" ولجعله ربيون ولا يتعين بما أن يكون مرفوع الفعل ربيون، ولا يترجح بها لأن التشديد، ولو كان للمبالغة، ولا مبالغة فى قتل الواحد، لكن معنى {كَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّ} الكثرة، لا الواحدة. ثم ظهر لى أن هذه القراءة ترجح كون المرفوع الفعل، هو ربيون، لأن الحكم فى {كَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّ} إلخ على كل فرد فرد على حدة، فيناسب أن مرفوعه ربيون لجمعيته، ويرجحه أيضاً ما روى عن الحسن، وسعيد بن جبير: أنه لم يقتل نبى فى حرب، لكن يرجح كون مرفوع الفعل، ضمير كأين إن مساق الآية فى تعنيف من انهزم بسماعه، أن النبى قتل، يقول الله إن كثيراً من الأنبياء قتلوا ولهم أصحاب فى الدين، لم يضعفوا بموت أنبيائهم، وأنه إذا كان ربيون مقتولين فكيف يوصفون بأنهم ما وهنوا، وما ضعفوا، وما استكانوا، فيحتاج إلى التأويل، بأنه ما وهن أصحابهم الباقون، وما ضعفوا، أو بأنهم قتلوا فى حال عدم الوهن، وعدم الضعف، وعدم الاستكانة، والربيون، منسوب إلى الرب سبحانه وتعالى، وفسر الراء من شذوذ تغيير النسب، كما قرأ ابن مسعود، وأبو رجاء والحسن وعكرمة بضم الراء شذوذاً فى تغيير النسب وهو لغة تميم، ومعنى النسبة إلى الرب أنهم يراعون حدود الله تعالى، فعلا وتركاً، يطلبون رضاه بعبادتهم، كما روى عن ابن عباس والحسن: أن المعنى علماء أتقياء، وقيل ذلك نسب إلى الربة بكسر الراء، وهى الجماعة فلا تغيير، والربى الجماعة المتكثرة، أفاد النسب فيه المبالغة كأحمرى، إذا أريد أحمر. وقيل الربى: الواحد لا الجماعة وهو أظهر لكن روى عن ابن عباس: أن الربى جموع كثيرة، وكذا عن مجاهد، وقتادة، ولا إشكال فى أن الربة الجماعة، قال الضحاك، الربة الواحدة ألف، وقال الكلبى: الربة الواحدة عشرة آلاف، وعن ابن مسعود: الربيون الألوف: قيل الربيون: اثنا عشر ألفاً. وقيل الإربيون: الولاة، والربيون: الرعية. {فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ}: ما تركوا حضور الحرب لبقاء حدتهم، أن نبيهم مات أو مات بعضهم معه، أو معهم دونه والوهن هنا الفتور عن حضور الحرب جبناً وخوفاً، وقرئ بكسر "هاء" وهنوا. {وَمَا ضَعُفُواْ}: إذ حضر الحرب، بل حضروها وهم أقوياء قلباً، مع ما نالهم من جرح وقتل أصحابهم، أو ما ضعفوا فى الدين، بل تصلبوا لا يتركون بعضه، وقاموا بالأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، ولم يضعف إيمانهم ولم يشكو حين أصيب نبيهم أو بعضهم. {وَمَا اسْتَكَانُواْ}: خَضَعوا لعدوهم، أو رجعوا إلى دين عدوهم وهو "افتعل" من السكون، فالسين أصل والألف إشباع، كقول الشاعر: شعر : أعوذ بالله من العقراب الشائلات عقد الأذناب تفسير : وذلك أن الخاضع يسكن لصاحبه، لا يمنعه عما يريد، ويجوز أن يكون استفعل من الكون، فالسين زائدة، والألف بدل من الواو الأصلية، وهو للطلب أى ما طلبوا من أنفسهم أن يكونوا لأعدائهم، أو ما كانوا كالكون فى الهوان، وهو لحمة فى الفرج، وذلك تعريض بالمؤمنين بما أصابهم من الوهن والضعف والاستكانة حين قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أرادوا أن يطلبوا عبد الله بن أبى المنافق، أن يأخذ لهم الأمان من أبى سفيان، وهو يومئذ مشرك وسبب غلبة المشركين، ركون الموحدين إلى الحياة وجمع المال والراحة والتلذذ، قال ثوبان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "توشك الأمم أن تتداعىعليكم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها" فقال قائل: ومن قلة يومئذ نحن؟ قال: "بلى وأنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن فى قلوبكم الوهن". فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: "حب الدنيا وكراهة الموت" . تفسير : {واللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِين}: فى الجهاد وغيره من أعمال الطاعات، وعلى ترك المعاصى، وحب الله تعالى، لم هو لازم الحب فى الخلق، فهو أن ينصرهم وينعم عليهم دنياً وأخرى.

اطفيش

تفسير : {وَكأَيِّن} تكثير ككم الخبرية، وأصلها كاف التشبيه، وأى الاستفهامية، كتب تنوينها فى الخط، وقيل، كاف التشبيه، وأوى بوزن ضرب مصدر، أوى بمعنى انضم، قلبت الواو ياء، وأغمت، والنون فى الخط تنوين حدث لها معنى التكثير بالتركيب، ككذا، حدث لها معنى ذلك لما ركبت من كاف التشبيه وذا الإشارية {مِّن نَبِىٍّ} مرسل، من للبيان، أى كل فرد من ذلك الكثير نبى {قَاتَلَ} فى الجهاد فى سبيل الله، أو قتل فى الله بلا قتال، وعن الحسن البصرى وسعيد بن جبير كما أخرجه عن ابن المنذر، ما سمعنا بنبى قتل فى الحرب، وهو نفى لقتله فيها، وللعلم به مع إمكانه {مَعَهُ} فى الجهاد أو في دين الله {رِبِّيُّونَ} أحياء بعده، لم يقتلوا معه، أى علماء أتقياء، أو معه عباد منسوبون إلى الرب سبحانه، لعلمهم وتقواهم، بكسر الراء، من شذوذ النسب، وكذا قراءة الضم، وقرىء بالفتح على القياس، وقيل الكسر، نسبة إلى الربة بالكسر، وهى الجماعة، وقيل ذلك كله العلماء، وقيل الأتباع والربانيون الولاة {كَثِيرٌ} ومعه ربيون جملة نعت لنبى، وقى قاتل ضمير نبى، أو حال من ضمير قتل ومن قال، لا تقتل الأنبياء فى الحرب، خص الآية بغير موتهم فى الحرب، بأن قاتل قومهم دونهم، أو جعل ربيون نائب فاعل قتل، عاب على المنهزمين بأحد وهنهم وضعفهم وخضوعهم بكثرة من لم يضعف ولم يهن ولم يخضع فى الأمم السابقة بعد قتل أنبيائهم، كما قال {فَمَا وَهَنُوا} مافتروا عن الحدة التى فيهم بموت نبيهم، وما استولى عليهم الخوف، وإن قلنا المقتول الربيون وحدهم أو مع نبيهم، أى معه فى القتل، فضمير وهنوا للأحياء بعدهم، دل عليه المقام، ونفى الوهن أو ما وهنوا حال رؤي بعض بعضا، يقتل أو أسند القتل لمن حضر معهم {لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللهِ} من الجراح وقتل أنبيائهم وأصحابهم {وَمَا ضَعُفُوا} فى دينهم بالشكوك والشبهات حتى أرادوا الرجوع عن دينهم لدين الكفر، ولا عن الجهاد بطلب الصلح وإعطاء الدنية لم يفعلوا ذلك مع مشاهدتهم قتل أنبيائهم، فكيف فعلتم أنتم إذ سمعتم بقتل نبيكم مجر سماع لا تحقق معه، بل هو حى، وأردتم طلب الأمان من أبى سفيان بواسطة ابن أبى {وَمَا اسْتَكَانُوا} استفعل من الكون، فالأصول الكاف والواو والياء المبدلة ألفا والنون، والكون والكين الذل أو السوء، أو الكون بمعنى الحصول، أى ما طلبوا من أنفسهم أو من غيرهم أن تكون لعدوهم، أو افتعل من السكن نحو الدار، فالأصول السين والكاف والنون، وأما الألف فللإشباع على غير قياس، وهو وجه ضعيف، لأنه فى غير الأخير، يختص بالشعر وبالشاذ، وقد وجدنا منه مخلصا {وَاللهُ يُحِبُّ} يثبت أو يمدح أو ينصر أو يعظم {الصَّابِرِينَ} على البلاء على العموم، أو الربيين، عبر عنهم بالصبر مدحا.

الالوسي

تفسير : {وَكَأَيّن} كلام مبتدأ سيق توبيخاً للمنهزمين أيضاً حيث لم يستنوا بسنن الربانيين المجاهدين مع الرسل عليهم الصلاة والسلام مع أنهم أولى بذلك حيث كانوا خير أمة أخرجت للناس. وقد اختلف في هذه الكلمة فقيل: إنها بسيطة وضعت كذلك ابتداءاً والنون أصلية، وإليه ذهب ابن حيان وغيره، وعليه فالأمر ظاهر موافق للرسم، وقيل وهو المشهور: إنها مركبة من ـ أي ـ المنونة وكاف التشبيه؛ واختلف في ـ أي ـ هذه فقيل: هي أي التي في قولهم: أي الرجال، وقال ابن جني: إنها مصدر أوى يأوي إذا انضم واجتمع وأصله أوى فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت وأدغمت مثل ـ طى وشى ـ وحدث فيها بعد التركيب معنى التكثير المفهوم من كم كما حدث في كذا بعد التركيب معنى آخر ـ فكم وكأين ـ بمعنى واحد قالوا: وتشاركها في خمسة أمور: الإبهام والافتقار إلى التمييز والبناء ولزوم التصدير وإفادة التكثير وهو الغالب والاستفهام وهو نادر، ولم يثبته إلا ابن قتيبة وابن عصفور وابن مالك، واستدل عليه بقول أبـيّ بن كعب لابن مسعود رضي الله تعالى عنهما: كائن تقرأ سورة الأحزاب آية فقال: ثلاثاً وسبعين، وتخالفها في خمسة أمور أيضاً، أحدها: أنها مركبة في المشهور وكم بسيطة فيه خلافاً لمن زعم أنها مركبة من الكاف وما الاستفهامية ثم حذفت ألفها لدخول الجار وسكنت للتخفيف لثقل الكلمة بالتركيب، والثاني: أن مميزها مجرور بمن غالباً حتى زعم ابن عصفور لزوم ذلك ويرده نص سيبويه على عدم اللزوم، ومن ذلك قوله:شعر : اطرد اليأس بالرجاء (فكائن) ألما حم يسره بعد عسر تفسير : والثالث: أنها لا تقع استفهامية عند الجمهور، والرابع: أنها لا تقع مجرورة خلافاً لابن قتيبة وابن عصفور / أجازا بكاين تبيع الثوب، والخامس: أن خبرها لا يقع مفرداً، وقالوا: إن بينها وبين ـ كذا ـ موافقة ومخالفة أيضاً فتوافقها ـ كذا ـ في أربعة أمور: التركيب والبناء والإبهام والافتقار إلى التمييز، وتخالفها في ثلاثة أمور: الأول: أنها ليس لها الصدر تقول: قبضت كذا وكذا درهما. الثاني: أن تمييزها واجب النصب فلا يجوز جره بمن اتفاقا ولا بالإضافة خلافاً للكوفيين أجازوا في غير تكرار ولا عطف أن يقال: كذا ثوب وكذا أثواب قياساً على العدد الصريح، ولهذا قال فقهاؤهم: إنه يلزم بقول القائل له عندي كذا درهم مائة، وبقوله: كذا دراهم ثلاثة، وبقوله: كذا كذا درهماً أحد عشر، وبقوله: كذا درهماً عشرون، وبقوله: كذا وكذا درهماً أحد وعشرون حملا على المحقق من نظائرهن من العدد الصريح؛ ووافقهم على هذا التفصيل ـ غير مسألتي الإضافة ـ المبرد والأخفش والسيرافي وابن عصفور، ووهم ابن السيد في نقل الإجماع على إجازة ما أجازه المبرد ومن ذكر معه، الثالث: أنها لا تستعمل غالباً إلا معطوفاً عليها كقوله:شعر : عد النفس نعمي بعد بؤسك ذاكراً (كذا وكذا لطفاً به نسى الجهد) تفسير : وزعم ابن خروف أنهم لم يقولوا كذا درهما، وذكر ابن مالك أنه مسموع لكنه قليل قاله ابن هشام، ثم إن إثبات تنوين كأين على القول المشهور في الوقف والخط على خلاف القياس لما أنه نسخ أصلها، وفيه لغات وكلها قد قرىء به: أحدها: كأين بالتشديد على الأصل وهي اللغة المشهورة، وبها قرأ الجمهور، والثانية: ـ كائن ـ بألف بعدها همزة مكسورة من غير ياء على وزن كاعن كاسم الفاعل، وبها قرأ ابن كثير ومن ذلك قوله:شعر : (وكائن) لنا فضلا عليكم ومنة قديماً ولا تدرون ما من منعم تفسير : واختلف في توجيهها فعن المبرد أنها اسم فاعل من كان يكون وهو بعيد الصحة إذ لا وجه لبنائها حينئذ ولا لإفادتها التكثير، وقيل: أصلها المشددة فقدمت الياء المشددة على الهمزة وصار ـ كيئن ـ بكاف وياء مفتوحتين وهمزة مكسورة ونون ووزنه كعلف، ونظير هذا التصرف في المفرد تصرفهم في المركب كما ورد في لغة نادرة رعملي بتقديم الراء في لعمرى ثم حذفت الياء الأولى للتخفيف فقلبت الثانية ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها أو حذفت الياء الثانية لثقلها بالحركة والتضعيف وقلبت الياء الساكنة ألفاً كما في آية، ونظيره في حذف إحدى الياءين وقلب الأخرى ألفاً طائي في النسبة إلى طي اسم قبيلة فإن أصله طَيَّىءٌّ بياءين مشددتين بينهما همزة فحذفت إحدى الياءين وقلبت الأخرى، والثالثة: ـ كأي ـ بياء بعد الهمزة، وبها قرأ ابن محيصن، ووجهها أنها حذفت الياء الثانية وسكنت الهمزة لاختلاط الكلمتين وجعلهما كالكلمة الواحدة كما سكنوا الهاء في لهو وفهو، وحركت الياء لسكون ما قبلها، والرابعة: ـ كيئن ـ بياء ساكنة بعدها همزة مكسورة؛ والخامسة: ـ كئن ـ بكاف مفتوحة وهمزة مكسورة ونون، ووزنه كع، وورد ذلك في قوله:شعر : (كئن) من صديق خلته صادق الإخا أبان اختباري إنه لمداهن تفسير : ووجهه أنه حذفت إحدى الياءين ثم حدفت الأخرى للتنوين أو حذفتا دفعة واحدة، واحتمل ذلك لما امتزج الحرفان والكاف لا متعلق لها لخروجها عن معناها، ومن قال به كالحوفي فقد تعسف، وموضعهما رفع بالابتداء. وقوله تعالى: {مّن نَّبِىٍّ } تمييز له كتمييزكم، وقد تقدم آنفاً الكلام في ذلك، ولعل المراد من النبـي / هنا الرسول وبه صرح الطبرسي {قَٰتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ } أي جموع كثيرة، وهو التفسير المشهور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، واستشهد له ـ كما رواه ابن الأنباري حين سأله نافع بن الأزرق ـ بقول حسان:شعر : وإذا معشر تجافوا عن القصـ ـد (أملنا عليهم ربّيا) تفسير : وعليه فهو منسوب إلى ربة بكسر الراء وكون الضم فيها لغة غير متحقق ـ وهي الجماعة ـ للمبالغة وخصها الضحاك بألف، وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن أنهم العلماء الفقهاء، وأخرجه ابن جبير عن ابن عباس أيضاً ـ وعليه فهو منسوب إلى الرب ـ كرباني على خلاف القياس كقراءة الضم، والموافق له الفتح ـ وبه قرىء ـ وقال ابن زيد: الرّبّيون هم الأتباع والربانيون الولاة، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ـ قتل ـ بالبناء للمفعول، وفي خبر المبتدأ أوجه: أحدها: أنه الفعل مع الضمير المستتر فيه الراجع إلى كأين أو إلى نبـي وحينئذ ـ فمعه ربيون ـ جملة حالية من الضمير، أو من نبـي لتخصيصه معنى، أو معه حال وربيون فاعله. وثانيها: أنه جملة {مَعَهُ رِبّيُّونَ } فحينئذ تكون جملة الفعل ـ مع ـ مرفوعه صفة لنبـي وثالثها: أنه محذوف وتقديره مضى ونحوه، وحينئذ يجوز أن يكون الفعل صفة لنبـي، و {مَعَهُ رِبّيُّونَ } حالاً على ما تقدم، ويجوز أن يكون الفعل مسنداً لربيون فلا ضمير فيه والجملة صفة لنبـي، ورابعها: أن يكون {رِبّيُّونَ } مرفوعاً بالفعل فلا ضمير، والجملة هي الخبر. وقرىء ـ قتل ـ بالتشديد قال ابن جني: وحينئذ فلا ضمير في الفعل لما في التضعيف من الدلالة على التكثير وهو ينافي إسناده إلى الواحد، وأجيب بأنه لا يمتنع أن يكون فيه ضمير الأول لأنه في معنى الجماعة. واعترض بأنه خلاف الظاهر، ومن هنا قيل: إن هذه القراءة تؤيد إسناد ـ قتل ـ إلى ـ الربيين ـ ويؤيدها أيضاً ما أخرجه ابن المنذر عن ابن جبير أنه كان يقول: ما سمعنا قط أن نبياً قتل في القتال، وقول الحسن وجماعة: لم يقتل نبي في الحرب قط ثم إن من ادعى إسناد القتل إلى النبـي وأنه في الحرب أيضاً على ما يشعر به المقام حمل النصرة الموعود بها في قوله تعالى: {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا }تفسير : [غافر: 51] على النصرة بإعلاء الكلمة ونحوه لا على الأعداء مطلقاً لئلا تتنافى الآيتان، وهذا أحد أجوبة في هذا المقام تقدمت الإشارة إليها فتذكر، والتنوين في {نَّبِىٍّ } للتعظيم. وزعم الأجهوري أنه للتكثير. {فَمَا وَهَنُواْ } عطف على قاتل على أن المراد عدم الوهن المتوقع من القتال والتلبس بالشيء بعد ورود ما يستدعي خلافه وإن كان استمراراً عليه بحسب الظاهر لكنه بحسب الحقيقة كما قال مولانا شيخ الإسلام: صنع جديد، ومن هنا صح دخول الفاء المؤذنة بترتب ما بعدها على ما قبلها، ومن ذلك قولهم: وعظته فلم يتعظ وزجرته فلم ينزجر، وأصل الوهن الضعف، وفسره قتادة وابن أبـي مالك هنا بالعجز، والزجاج بالجبن أي فما عجزوا أو فما جبنوا {لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } في أثناء القتال وهذا علة للمنفي لا للنفي، نعم يفهم المنفي من تقييد المثبت بهذا الظرف و ـ ما ـ موصولة أو موصوفة فإن جعل الضميران لجميع الربيين فهي عبارة عما عدا القتل من مكاره الحروب التي تعتري الكل، وإن جعلا للبعض الباقين بعد قتل الآخرين ـ وهو الأنسب ـ كما قيل: بمقام توبيخ المنخذلين بعد ما استشهد الشهداء ـ فهي عبارة عن ذلك أيضاً مع ما اعتراهم بعد قتل إخوانهم من نحو الخوف والحزن، هذا على القراءة المشهورة، وأما على القراءتين الأخيرتين أعني ـ قتل وقتل ـ على صيغة المبني للمفعول مخففة ومشددة فقد قالوا: إن أسند الفعل إلى الظاهر فالضميران للباقين حتماً والكلام حينئذ من قبيل ـ قتل بنو فلان إذا وقع القتل فيهم ولم يستأصلهم ـ وإن أسند إلى الضمير / كما هو الظاهر الأنسب عند البعض بالتوبيخ على الانخذال بسبب الارجاف بقتله صلى الله عليه وسلم. وإليه ذهب قتادة والربيع وابن أبـي إسحق والسدي ـ كما قيل ـ فهما للباقين أيضاً إن اعتبر كون الربيين مع النبـي في القتل وللجميع إن اعتبر كونهم معه في القتال. {وَمَا ضَعُفُواْ } أي ما فتروا عن الجهاد قاله الزجاج، وقيل: ما عراهم ضعف في الدين بأن تغير اعتقادهم لعدم النصر {وَمَا ٱسْتَكَانُواْ } أي ما ارتدوا عن بصيرتهم ولا عن دينهم قاله قتادة، وقيل: ما خضعوا لعدوهم، وإليه يشير كلام ابن عباس، وكثيراً ما يستعمل استكان بهذا المعنى، وكذا بمعنى تضرع، واختلف فيه هل هو من السكون فوزنه افتعل لأن الخاضع يسكن لمن خضع له فألفه للاشباع وهو كثير وليس بخطأ خلافاً لأبـي البقاء، ولا يختص بالشعر خلافاً لأبـي حيان، أو من الكون فوزنه استفعل وألفه منقلبة عن واو والسين مزيدة للتأكيد كأنه طلب من نفسه أن يكون لمن قهره، وقيل: لأنه كالعدم فهو يطلب من نفسه الوجود. وجوز أن يكون من قول العرب: بات فلان ـ بكينة سوء ـ أي بحالة سوء، أو من ـ كانه يكينه ـ إذا أذله، وعزى ذلك إلى الأزهري وأبـي علي، وحينئذ فألفه منقلبة عن ياء، والجمهور على فتح الهاء من وهنوا وقرىء بكسرها وهي لغة والفتح أشهر، وقرىء بإسكانها على تخفيف المكسور وفي الكلام تعريض لا يخفى. {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ } على مقاساة الشدائد ومعاناة المكاره في سبيله فينصرهم ويعظم قدرهم. والمراد بالصابرين إما الربيون، والإظهار في موضع الاضمار للتصريح بالثناء عليهم بالصبر الذي هو ملاك الأمر مع الإشعار بعلة الحكم، وإما ما يعمهم وغيرهم وهم داخلون في ذلك دخولاً أولياً. والجملة على التقديرين تذييل لما قبلها.

ابن عاشور

تفسير : عطف على قوله: { أية : ومن ينقلب على عقبيه}تفسير : [آل عمران: 144] الآية وما بينهما اعتراض، وهو عطف العبرة على الموعظة فإنّ قوله: {ومن ينقلب عقبيه} موعظة لمن يَهِمّ بالانقلاب، وقولَه: {وكأين من نبي قاتل} عبرة بما سلف من صبر أتباع الرسل والأنبياء عند إصابة أنبيائهم أو قتلهم، في حرب أو غيره، لمماثلة الحالين. فالكلام تعريض بتشبيه حال أصحاب أحُد بحال أصحاب الأنبياء السالفين لأنّ مَحَلّ المثل ليس هو خصوص الانهزام في الحرب بل ذلك هو الممثل. وأمَّا التَّشبيه فهو بصير الأتباع عند حلول المصائب أو موت المتبوع. «وكأيّن» كلمة بمعنى التكثير، قيل: هي بسيطة موضوعة للتكثير، وقيل: هي مركّبة من كاف التَّشبيه وأي الاستفهامية وهو قول الخليل وسيبويه، وليست (أيّ) هذه استفهاماً حقيقيّاً، ولكنّ المراد منها تذكير المستفهم بالتكثير، فاستفهامها مجازي، ونونها في الأصل تنوين، فلمّا ركّبت وصارت كلمة واحدة جعل تنوينها نوناً وبُنيت. والأظهر أنَّها بسيطة وفيها لغات أرْبع، أشهرها في النثر كأيِّن بوزن كعَيِّن (هكذا جرت عادة اللغويين والنحاة إذا وزنوا الكلمات المهموزة أن يعوّضوا عن حرف الهمزة بحرف العين لئلا تلتبس الهمزة بالألف أو الياء الَّتي تكتب في صورة إحداهما)، وأشهرها في الشِعْر كائن بوزن اسم فاعل كان، وليست باسم فاعل خلافاً للمبرّد، بل هي مخفّف كأيِّن. ولهم في كيفية تخفيفها توجيهات أصلها قول الخليل لمّا كثر استعمالها تصرّف فيها العرب بالقلب والحذف في بعض الأحوال. قلت: وتفصيله يطول. وأنا أرى أنَّهم لمّا راموا التَّخفيف جعلوا الهمزة ألفاً، ثمّ التقى ساكنان على غير حدّه، فحذفوا الياء الساكنة فبقيت الياء المكسورة فشابهت اسم فاعل (كان) فجعلوها همزة كالياء الَّتي تقع بعد ألف زائدة، وأكثر ما وقع في كلام العرب هو كاين لأنَّها أخف في النظم وأسعد بأكثر الموازين في أوائل الأبيات وأواسطها بخلاف كائن، قال الزجاج: اللغتان الجيّدتان كايِّن وكائن. وحكى الشَّيخ ابن عرفة في تفسيره عن شيخه ابن الحباب قال: أخبرنا شيخنا أحمد بن يوسف السلمي الكناني، قال: قلت لشيخنا ابن عصفور: لِم أكثرت في شرحك للإيضاح من الشواهد على كائن؟ فقال: لأنِّي دخلت على السلطان الأمير المستنصر (يعني محمد المستنصر ابن أبي زكرياء الحفصي والظاهر أنَّه حينئذ ولّي العهد) فوجدت ابن هشام (يعني محمد بن يحيى بن هشام الخضراوي نزيل تونس ودفينها المتوفّى سنة 646) فأخبرني أنَّه سأله عمَّا يحفظ من الشواهد على قراءة كايِّن فلم يستحضر غير بيت الإيضاح: شعر : وكائن بالأباطح من صديق يراني لو أُصِبت هو المصابا تفسير : قال ابن عصفور: فلمَّا سألني أنا قلت: أحفظ فيها خمسين بيتاً فلمَّا أنشدته نحو عشرة قال: حسبك، وأعطاني خمسين ديناراً، فخرجت فوجدت ابن هشام جالساً بالباب فأعطيته نصفها. وقرأ الجمهور {وكأيِّن} بهمزة مفتوحة بعد الكاف وياء تحتية مشدّدة بعد الهمزة، على وزن كلمة {كصَيِّب} وقرأه ابن كثير {كَائن} بألف بعد الكاف وهمزة مكسورة بعد الألف بوزن كَاهِن. والتكثير المستفاد من {كأيّن} واقع على تمييزها وهو لفظ (نبيء) فيحتمل أن يكون تكثيراً بمعنى مطلق العدد، فلا يتجاوز جمع القلّة، ويحتمل أن يكون تكثيراً في معنى جمع الكثرة، فمنهم من علمناه ومنهم من لم نعلمه، كما قال تعالى: {ومنهم من لم نقصص عليك}، ويحضرني أسماء ستة مِمَّن قتل من الأنبياء: أرمياء قتلته بنو إسرائيل، وحزقيال قتلوه أيضاً لأنَّه وبّخهم على سوء أعمالهم، وأشعياء قتله منسا بن حزقيال ملك إسرائيل لأنَّه وبّخه ووعظه على سوء فعله فنشره بمنشار، وزكرياء، ويحيى، قتلتهما بنو إسرائيل لإيمانهما بالمسيح، وقتل أهلُ الرسّ من العرب نبيئهم حنظلة ابن صفوان في مدّة عدنان، والحواريّون اعتقدوا أنّ المسيح قُتل ولم يهنوا في إقامة دينه بعده، وليس مراداً هنا وإنَّما العبرة بثبات أتباعه على دينه مع مفارقته لهم إذ العبرة في خلوّ الرسول وبقاء أتباعه، سواء كان بقتل أو غيره. وليس في هؤلاء رسول إلاّ حنظلة بن صفوان، وليس فيهم أيضاً من قُتِل في جِهادٍ، قال سعيد بن جبير: ما سمعنا بنبيء قتل في القتال. وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وأبو بكر عن عاصم: (قُتل) بصيغة المبنى للمجهول، وقرأه ابن عامر، وحمزة، وعاصم، والكسائي، وخلف، وأبو جعفر: (قَاتَلَ) بصيغة المفاعلة فعلى قراءة (قُتل) ـــ بالبناء للمجهول ـــ فمرفوع الفعل هو ضمير نبيء، وعلى كلتا القراءتين يجوز أن يكون مرفوع الفعلين ضميرَ نبيء فيكون قوله: {معه ربيون} جملة حاليَّة من (نبيء) ويجوز أن يكون مرفوع الفعلين لفظ (ربّيّون) فيكون قوله (معه) حالاً من (ربّيّون) مقدّماً. وجاءت هذه الآية على هذا النظم البديع الصالح لحمل الكلام على تثبيت المسلمين في حال الهزيمة وفي حال الإرجاف بقتل النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الوجهين في موقع جملة {ومعه ربّيّون} يختلف حُسن الوقف على كلمة (قتل) أو على كلمة (كثير). و(الرّبيُّون) جمع ربيّ وهو المتّبع لشريعة الرّب مثل الربّاني، والمراد بهم هنا أتباع الرسل وتلامذة الأنبياء. ويجوز في رَائه الفتح، على القياس، والكسر، على أنَّه من تغييرات النسب وهو الذي قرىء به في المتواتر. ومحلّ العبرة هو ثبات الربّانيّين على الدّين مع موت أنبيائهم ودعاتهم. وقوله: {كثير} صفة {ربّيّون} وجيء به على صيغة الإفراد، مع أنّ الموصوف جمع، لأنّ لفظ كثير وقليل يعامل موصوفهما معاملة لفظ شيءٍ أو عدد، قال تعالى: {أية : وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء}تفسير : [النساء: 1] وقال: {أية : ود كثير من أهل الكتاب}تفسير : [البقرة: 109] وقال: {أية : اذكروا إذ أنتم قليل}تفسير : [الأنفال: 26] وقال: {أية : إذ يريكهم الله في منامك قليلاً ولو أراكهم كثيراً}تفسير : [الأنفال: 43]. وقوله: {فما وهنوا} أي الربّيّون إذ من المعلوم أنّ الأنبياء لا يهنون فالقدوة المقصودة هنا، هي الاقتداء بأتباع الأنبياء، أي لا ينبغي أن يكون أتباع من مضى من الأنبياء، أجدر بالعزم من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم. وجمع بين الوهن والضّعف، وهما متقاربان تقارباً قريباً من الترادف؛ فالوهن قلَّة القدرة على العمل، وعلى النُّهوض في الأمر، وفعله كوعَد وورِث وكرُم. والضّعف ـــ بضم الضّاد وفتحها ـــ ضدّ القوّة في البدن، وهما هنا مجازان، فالأوّل أقرب إلى خور العزيمة، ودبيب اليأس في النُّفوس والفكر، والثَّاني أقرب إلى الاستسلام والفشل في المقاومة. وأمّا الاستكانة فهي الخضوع والمذلّة للعدوّ. ومن اللطائف ترتيبها في الذّكر على حسب ترتيبها في الحصول: فإنَّه إذا خارت العزيمة فَشِلت الأعضاء، وجاء الاستسلام، فتبعته المذلّة والخضوع للعدوّ. واعلموا أنَّه إذا كان هذا شأن أتباع الأنبياء، وكانت النُّبوءة هدياً وتعليماً، فلا بدع أن يكون هذا شأن أهل العلم، وأتباع الحقّ، أن لا يوهنهم، ولا يضعفهم، ولا يخضعهم، مقاومة مقاوم، ولا أذى حاسد، أو جاهل، وفي الحديث الصّحيح، في «البخاري»:حديث : أن خَبَّاباً قال للنَّبي صلى الله عليه وسلم "لقد لقينا من المشركين شدّة ألاَ تدعُو الله" فقعد وهو محمّر وجهه فقال: "لقد كان مَن قبلكم لَيُمشَط بِمِشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضَع المنشار على مَفْرِق رأسه فيُشَقّ باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه" تفسير : الحديث. وقوله تعالى: {وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا} الآية عطف على {فما وهنوا} لأنَّه لمّا وصفهم برباطة الجأش، وثبات القلب، وصفهم بعد ذلك بما يدلّ على الثبات من أقوال اللِّسان الَّتي تجري عليه عند الاضطراب والجزع، أي أنّ ما أصابهم لم يخالجهم بسببه تردّد في صدق وعد الله، ولا بَدَر منهم تذمّر، بل علموا أنّ ذلك لحكمة يعلمها سبحانه، أو لعلَّه كان جزاء على تقصير منهم في القيام بواجب نصر دينه، أو في الوفاء بأمانة التكليف، فلذلك ابتهلوا إليه عند نزول المصيبة بقولهم: {ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا} خشية أن يكون ما أصابهم جزاء على ما فرط منهم، ثُمّ سألوه النصر وأسبابه ثانياً فقالوا: {وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين} فلم يصُدّهم ما لحقهم من الهزيمة عن رجاء النَّصر، وفي «الموطأ»، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يستجاب لأحدكم ما لم يعجّل يقول: دعوت فلم يُستجب لي»تفسير : فقصر قولهم في تلك الحالة الَّتي يندر فيها صدور مثل هذا القول، على قولهم: {ربنا اغفر لنا} إلى آخره، فصيغة القصر في قوله: {وما كان قولهم إلا أن قالوا} قصر إضافي لردّ اعتقاد من قد يتوهمّ أنَّهم قالوا أقوالاً تنبىء عن الجزع، أو الهلع، أو الشكّ في النَّصر، أو الاستسلام للكفار. وفي هذا القصر تعريض بالَّذين جزِعوا من ضعفاء المسلمين أو المنافقين فقال قائلهم: لو كلّمنا عبد الله بن أبي يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان. وقدّم خبر (كان) على اسمها في قوله: {وما كان قولهم إلا أن قالوا} لأنَّه خبر عن مبتدأ محصور، لأنّ المقصود حصر أقوالهم حينئذ في مقالة {ربنا اغفر لنا ذنوبنا} فالقصر حقيقي لأنَّه قصر لقولهم الصّادر منهم، حين حصول ما أصابهم في سبيل الله، فذلك القيد ملاحظ من المقام، نظير القصر في قوله تعالى: {أية : إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا}تفسير : [النور: 51] فهو قصر حقيقي مقيّد بزمان خاص، تقييداً منطوقاً به، وهذا أحسن من توجيه تقديم الخبر في الآية بأنّ المصدر المنسبك المؤوّل أعرف من المصدر الصّريح لدلالة المؤوّل على النسبة وزمان الحدث، بخلاف إضافة المصدر الصّريح، وذلك جائز في باب (كان) في غير صيغ القصر، وأمَّا في الحصر فمتعيّن تقديم المحصور. والمراد من الذنوب جميعها، وعطف عليه بعض الذنوب وهو المعبّر عنه هنا بالإسراف في الأمر، والإسراف هو الإفراط وتجاوز الحدّ، فلعلّه أريد به الكبائر من الذنوب كما نقل عن ابن عبَّاس وجماعة، وعليه فالمراد بقوله: أمرْنا، أي ديننا وتكليفنا، فيكون عطف خاص للاهتمام بطلب غفرانه، وتمحّض المعطوف عليه حينئذ لبقية الذنوب وهي الصّغائر. ويجوز عندي أن يكون المراد بالإسْراف في الأمر التقصير في شأنهم ونظامهم فيما يرجع إلى أهبة القتال، والاستعداد له، أو الحذر من العدوّ، وهذا الظاهر من كلمة أمْر، بأن يكونوا شكُّوا أن يكون ما أصابهم من هزيمتهم في الحرب مع عدوّهم ناشئاً عن سببين: باطنٍ وظاهر، فالباطن هو غضب الله عليهم من جهة الذنوب، والظاهرُ هو تقصيرهم في الاستعداد والحذر، وهذا أولى من الوجه الأول. وقوله: {فأتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة} إعلام بتعجيل إجابة دعوتهم لِحصول خيري الدنيا والآخرة، فثواب الدّنيا هو الفتح والغنيمة، وثواب الآخرة هو ما كتب لهم حينئذ من حسن عاقبة الآخرة، ولذلك وصفه بقوله: {وحسن ثواب الآخرة} لأنَّه خيرٌ وأبقى. وتقدّم الكلام على الثّواب عند قوله تعالى ـــ في سورة [البقرة: 103] ـــ {أية : لمثوبة من عند اللَّه خير}تفسير : . وجملة {والله يحب المحسنين} تذييل أي يحبّ كلّ محسن، وموقع التذييل يدلّ على أنّ المتحدّث عنهم هم من الَّذين أحسنوا، فاللام للجنس المفيد معنى الاستغراق، وهذه من أكبر الأدلّة على أنّ (أل) الجنسية إذا دخلت على جمع أبطلت منه معنى الجمعية، وأنّ الاستغراق المفاد من (أل) إذا كان مدخولها مفرداً وجملة سواء.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} الآية. هذه الآية الكريمة على قراءة من قرأ {قَاتَلَ} بالبناء للمفعول يحتمل نائب الفاعل فيها أن يكون لفظة ربيون وعليه فليس في قتل ضمير أصلاً ويحتمل أن يكون نائب الفاعل ضميراً عائداً إلى النَّبي، وعليه فمعه خبر مقدم وربيون مبتدأ مؤخر سوغ الابتداء به اعتماده على الظرف قبله ووصفه بما بعده والجملة حالية والرابط الضمير وسوغ إتيان الحال من النكرة التي هي نبي وصفه بالقتل ظلماً وهذا هو أجود الأعاريب المذكورة في الآية على هذا القول، وبهذين الاحتمالين في نائب الفاعل المذكور يظهر أن في الآية إجمالاً. والآيات القرآنية مبينة أن النَّبي المقاتل غير مغلوب بل هو غالب كما صرح تعالى بذلك في قوله: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ}تفسير : [المجادلة: 21]. وقال قبل هذا: {أية : أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلأَذَلِّينَ} تفسير : [المجادلة: 20] وقال بعده: {أية : إِنَّ اللهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ} تفسير : [المجادلة: 21]. وأغلب معاني الغلبة في القرآن الغلبة بالسيف والسنان كقوله: {أية : إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [الأنفال: 65] الآية. وقوله: {أية : فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ} تفسير : [الأنفال: 66] وقوله: {أية : الۤـمۤ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ} تفسير : [الروم: 1-4] وقوله: {أية : كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً}تفسير : [البقرة: 249] وقوله: {أية : قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ} تفسير : [آل عمران: 12] إلى غير ذلك من الآيات. وبين تعالى أن المقتول ليس بغالب بل هو قسم مقابل للغالب بقوله: {أية : وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ} تفسير : [النساء: 74] فاتضح من هذه الآيات أن القتل ليس واقعاً على النَّبي المقاتل. لأن الله كتب وقضى له في أزله أنه غالب وصرح بأن المقتول غير غالب. وقد حقق العلماء أن غلبة الأنبياء على قسمين، غلبة بالحجة والبيان، وهي ثابتة لجميعهم، وغلبة بالسيف والسنان، وهي ثابتة لخصوص الذين أمروا منهم بالقتال في سبيل الله. لأن من لم يؤمر بالقتال ليس بغالب ولا مغلوب. لأنه لم يغالب في شيء وتصريحه تعالى، بأنه كتب أن رسله غالبون شامل لغلبتهم من غالبهم بالسيف، كما بينا أن ذلك هو معنى الغلبة في القرآن، وشامل أيضاً لغلبتهم بالحجة والبيان، فهو مبين أن نصر الرسل المذكور في قوله: {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا} تفسير : [غافر: 51] الآية وفي قوله: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ} تفسير : [الصافات: 171-172] أنه نصر غلبة بالسيف والسنان للذين أمروا منهم بالجهاد. لأن الغلبة التي بين أنها كتبها لهم أخص من مطلق النصر. لأنها نصر خاص، والغلبة لغة القهر والنصر لغة إعانة المظلوم، فيجب بيان هذا الأعم بذلك الأخص. وبهذا تعلم أن ما قاله الإمام الكبير ابن جرير - رحمه الله - ومن تبعه في تفسير قوله: {إِنَّا لَنَنصُرُ} الآية. من أنه لا مانع من قتل الرسول المأمور بالجهاد، وأن نصره المنصوص في الآية، حينئذ يحمل على أحد أمرين: أحدهما: أن الله ينصره بعد الموت، بأن يسلط على من قتله من ينتقم منه، كما فعل بالذين قتلوا يحيى وزكريا وشعيا من تسليط بختنصر عليهم، ونحو ذلك. الثاني: حمل الرسل في قوله: {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا} تفسير : [غافر: 51] على خصوص نبينا صلى الله عليه وسلم وحده، أنه لا يجوز حمل القرآن عليه لأمرين: أحدهما: أنه خروج بكتاب الله عن ظاهره المتبادر منه بغير دليل من كتاب، ولا سنة ولا إجماع، والحكم بأن المقتول من المتقاتلين هو المنصور بعيد جداً، غير معروف في لسان العرب، فحمل القرآن عليه بلا دليل غلط ظاهر، وكذلك حمل الرسل على نبينا وحده صلى الله عليه وسلم فهو بعيد جداً أيضاً، والآيات الدالة على عموم الوعد بالنصر لجميع الرسل كثيرة، لا نزاع فيها. الثاني: أن الله لم يقتصر في كتابه على مطلق النصر الذي هو في اللغة إعانة المظلوم، بل صرح بأن ذلك النصر المذكور للرسل نصر غلبة بقوله: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ} تفسير : [المجادلة: 21] الآية، وقد رأيت معنى الغلبة في القرآن ومر عليك أن الله جعل المقتول قسماً مقابلاً للغالب في قوله: {أية : وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ} تفسير : [النساء: 74] وصرح تعالى: بأن ما وعد به رسله لا يمكن تبديله بقوله جل وعلا: {أية : وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [الأنعام: 34] ولا شك أن قوله تعالى: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ} تفسير : [المجادلة: 21] من كلماته التي صرح بأنها لا مبدل لها وقد نفى جل وعلا: عن المنصور أن يكون مغلوباً نفياً باتاً بقوله: {أية : إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ} تفسير : [آل عمران: 160] وذكر مقاتل أن سبب نزول قوله تعالى: {كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ} الآية أن بعض الناس قال: أيظن محمد وأصحابه أن يغلبوا الروم، وفارس، كما غلبوا العرب زاعماً أن الروم وفارس لا يغلبهم النَّبي صلى الله عليه وسلم لكثرتهم وقوتهم فأنزل الله الآية، وهو يدل على أن الغلبة المذكورة فيها غلبة بالسيف والسنان. لأن صورة السبب لا يمكن إخراجها، ويدل له قوله قبله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلأَذَلِّينَ} تفسير : [المجادلة: 20] وقوله بعده: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} تفسير : [المجادلة: 21]. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب، أننا نستشهد للبيان بالقراءة السبعية بقراءة شاذة، فيشهد للبيان الذي بيَّنَّا به، أن نائب الفاعل {رِبِّيُّونَ} [آل عمران: 146] وأن بعض القراء غير السبعة قرأ {قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ} [آل عمران: 146] بالتشديد. لأن التكثير المدلول عليه بالتشديد يقتضي أن القتل واقع على الربيين. ولهذه القراءة رجح الزمخشري، والبيضاوي، وابن جنى. أن نائب الفاعل {رِبِّيُّونَ} [آل عمران: 146] ومال إلى ذلك الألوسي في تفسيره مبيناً أن دعوى كون التشديد لا ينافي وقوع القتل على النَّبي. لأن {وَكَأَيِّنْ} [آل عمران: 146] إخبار بعدد كثير أي: كثير من أفراد النَّبي قتل خلاف الظاهر، وهو كما قال، فإن قيل قد عرفنا أن نائب الفاعل المذكور محتمل لأمرين، وقد ادعيتم أن القرآن دل على أنه {رِبِّيُّونَ} [آل عمران: 146] لا ضمير النَّبي لتصريحه بأن الرسل غالبون، والمقتول غير غالب، ونحن نقول دل القرآن في آيات أخر، على أن نائب الفاعل ضمير النَّبي، لتصريحه في آيات كثيرة بقتل بعض الرسل كقوله: {أية : فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} تفسير : [البقرة: 87] وقوله: {أية : قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِٱلْبَيِّنَاتِ وَبِٱلَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ} تفسير : [آل عمران: 183] الآية، فما وجه ترجيح ما استدللتم به على أن النائب {رِبِّيُّونَ} على ما استدللنا به على أن النائب ضمير النَّبي فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول: أن ما استدللنا به أخص مما استدللتم به، والأخص مقدم على الأعم، ولا يتعارض عام وخاص، كما تقرر في الأصول، وإيضاحه أن دليلنا في خصوص نبي أمر بالمغالبة في شيء، فنحن نجزم بأنه غالب فيه تصديقاً لربنا في قوله: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ} تفسير : [المجادلة: 21] سواء أكانت تلك المغالبة في الحجة والبيان، أم بالسيف والسنان، ودليلكم فيما هو أعم من هذا. لأن الآيات التي دلت على قتل بعض الرسل، لم تدل على أنه في خصوص جهاد، بل ظاهرها أنه في غير حهاد، كما يوضحه. الوجه الثاني: وهو أن جميع الآيات الدالة على أن بعض الرسل قتلهم أعداء الله كلها في قتل بني إسرائيل أنبياءهم، في غير جهاد، ومقاتله إلا موضع النزاع وحده. الوجه الثالث: أن ما رجحناه من أن نائب الفاعل {رِبِّيُّونَ} تتفق عليه آيات القرآن اتفاقاً واضحاً، لا لبس فيه على مقتضى اللسان العربي في أفصح لغاته، ولم تتصادم منه آيتان، حيث حملنا الرسول المقتول على الذي لم يؤمر بالجهاد، فقتله إذن لا إشكال فيه، ولا يؤدي إلى معارضة آية واحدة من كتاب الله. لأن الله حكم للرسل بالغلبة، والغلبة لا تكون إلا مع مغالبة، وهذا لم يؤمر بالمغالبة في شيء، ولو أمر بها في شيء لغلب فيه، ولو قلنا بأن نائب الفاعل ضمير النَّبي لصار المعنى أن كثيراً من الأنبياء المقاتلين قتلوا في ميدان الحرب، كما تدل عليه صيغة {وَكَأَيِّن} [آل عمران: 146] المميزة بقوله: {أية : من نبي} تفسير : [المجادلة: 21] وقتل الأعداء هذا العدد الكثير من الأنبياء المقاتلين في ميدان الحرب مناقض مناقضة صريحة لقوله: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ} تفسير : [المجادلة: 21] وقد عرفت معنى الغلبة في القرآن، وعرفت أنه تعالى، بين أن المقتول غير الغالب، كما تقدم، وهذا الكتاب العزيز ما أنزل ليضرب بعضه بعضاً، ولكن أنزل ليصدق بعضه بعضاً، فاتضح أن القرآن دل دلالة واضحة على أن نائب الفاعل {رِبِّيُّونَ} [آل عمران: 146] وأنه لم يقتل رسول في جهاد، كما جزم به الحسن البصري وسعيد بن جبير، و الزجاج، والفراء، وغير واحد، وقصدنا في هذا الكتاب البيان بالقرآن، لا بأقوال العلماء، ولذا لم ننقل أقوال من رجح ما ذكرنا. وما رجح به بعض العلماء كون نائب الفاعل ضمير النَّبي من أن سبب النزول يدل على ذلك. لأن سبب نزولها "أن الصائح صاح قتل محمد صلى الله عليه وسلم" وأن قوله: {أية : أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ} تفسير : [آل عمران: 144] يدل على ذلك وأن قوله: {فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّه} [آل عمران: 146] يدل على أن الربيين لم يقتلوا لأنهم لو قتلوا لما قال عنهم {فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ} [آل عمران: 146] الآية. فهو كلام كله ساقط وترجيحات لا معول عليها فالترجيح بسبب النزول فيه أن سبب النزول لو كان يقتضي تعيين ذكر قتل النَّبي لكانت قراءة الجمهور قاتل بصيغة الماضي من المفاعلة جارية على خلاف المتعين وهو ظاهر السقوط كما ترى والترجيح بقوله: {أية : أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ} تفسير : [آل عمران: 144] ظاهر السقوط. لأنهما معلقان بأداة الشرط والمعلق بها لا يدل على وقوع نسبة أصلاً لا إيجاباً ولا سلباً حتى يرجح بها غيرها. وإذا نظرنا إلى الواقع في نفس الأمر وجدنا نبيهم صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت لم يقتل ولم يمت والترجيح بقوله: {فَمَا وَهَنُواْ} [آل عمران: 146] سقوطه كالشمس في رابعة النهار وأعظم دليل قطعي على سقوطه قراءة حمزة والكسائي {أية : وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ} تفسير : [البقرة: 191] كل الأفعال من القتل لا من القتال وهذه القراءة السبعية المتواترة فيها. {أية : فَإِن قَاتَلُوكُمْ} تفسير : [البقرة: 191] بلا ألف بعد القاف فعل ماض من القتل {فَٱقْتُلُوهُمْ} [البقرة: 191] أفتقولون هذا لا يصح لأن المقتول لا يمكن أن يؤمر بقتل قاتله. بل المعنى قتلوا بعضكم وهو معنى مشهور في اللغة العربية يقولون قتلونا وقتلناهم يعنون وقوع القتل على البعض كما لا يخفى. وقد أشرنا إلى هذا البيان في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب والعلم عند الله تعالى.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وكأيّن من نبي: كثير من الأنبياء. وتفسر كأين بكم وتكون حينئذ للتكثير. ربيّون: ربانيون علماء وصلحاًء وأتقياء عابدون. فما وهنوا لما أصابهم: ما ضعفوا عن القتال ولا انهزموا لأجل ما أصابهم من قتل وجراحات. وما استكانوا: ما خضعوا ولا ذلوا لعدوهم. الإِسراف: مجاوزة الحد في الأمور ذات الحدود التي ينبغي أن يوقف عندها. فآتاهم الله ثواب الدنيا: أعطاهم الله تعالى ثواب الدنيا النصر والغنيمة. المحسنين: الذين يحسنون نياتهم فيخلصون أعمالهم لله، ويحسنون أعمالهم فيأتون بها موافقة لما شرعت عليه في كيفياتها وأعدادها وأوقاتها. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن أحداث غزوة أحد فذكر تعالى هنا ما هو في تمام عتابه للمؤمنين في الآيات السابقة عن عدم صبرهم وانهزامهم وتخليهم عن نبيهم في وسط المعركة وحده حتى ناداهم: إليّ عباد الله إليّ عباد الله فثاب إليه رجال. فقال تعالى مخبراً بما يكون عظة للمؤمنين وعبرة لهم: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ} أي وكم من نبي من الأنبياء السابقين قاتل معه جموع كثيرة من العلماء والأتقياء والصالحين فما وهنوا أي ما ضعفوا ولا ذلوا لعدوهم ولا خضعوا له كما همّ بعضكم أن يفعل أيها المؤمنون، فصبروا على القتال مع أنبيائهم متحملين آلام القتل والجرح فأحبهم ربهم تعالى لذلك أنه يحب الصابرين. هذا ما تضمنته الآية الأولى [146] ونصها: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ} وأما الآية الثانية فأخبر تعالى فيها عن موقف أولئك الربيين وحالهم أثناء الجهاد في سبيله تعالى فقال: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ}. ولازم هذا كأنه تعالى يقول للمؤمنين لم لا تكون أنتم مثلهم وتقولواْ قولتهم الحسنة الكريمة وهي الضراعة لله تعالى بدعائه واستغفاره لذنوبهم الصغيرة والكبيرة والتي كثيراً ما تكون سبباً للهزائم والانتكاسات كما حصل لكم أيها المؤمنون فلم يكن لأولئك الربانيين من قول سوى قولهم ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، فسألوا لله مغفرة ذنوبه وتثبيت أقدامهم فى أرض المعركة حتى لا يتزلزلوا فينهزموا والنصرة على القوم الكافرين أعداء الله وأعدائهم فاستجاب لهم ربهم فأعطاهم ما سألوا وهو ثواب الدنيا بالنصر والتمكين وحسن ثواب الآخرة وهي رضوانه الذي أحله عليهم وهم في الجنة دار المتقين والأبرار هذا ما دلت عليه الآية الأخيرة [148] {فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- الترغيب في الائتساء بالصالحين في إيمانهم وجهادهم وصبرهم وحسن أقوالهم. 2- فضيلة الصبر والإِحسان، لحب الله تعالى الصابرين والمحسنين. 3- فضيلة الاشتغال بالذكر والدعاء عند المصائب والشدائد بدل التأوهات وإبداء التحسرات والتمنيات، وشر من ذلك التسخط والتضجر والبكاء والعويل. 4- كرم الله تعالى المتجلي في استجابة دعاء عباده الصابرين المحسنين.

القطان

تفسير : ربيون: مفرده ربّيّ. الجماعات الكثيرة، وله معنى آخر هو الربانيون، اي العلماء الأتقياء. وهنوا: ضعفوا. استكانوا: خضعوا للعدو. الاسراف: مجاوزة الحد في كل شيء. ما أكثر الأنبياء الذين قاتل معهم جماعات ممن آمنوا بهم فما خافوا ولا ضعفوا ولا خضعوا، ولا ولّوا الأدبار منهزمين، بل ثبتوا وصبروا على ما أصابهم في سبيل الله، والله يحب الصابرين. فعليكم يا أصحاب محمد ان تعتبروا بحال أولئك الرَّبِّيين وتصبروا كما صبروا. ولذلك طُلب اليكم ان تعرفوا عاقبة من سبقكم من الامم، وتقتدوا بعمل الصادقين منهم، وتقولوا مثل قولهم عند اشتداد الحرب ونزول الكوارث. ذلك انهم مع ثباتهم وصبرهم ضرعوا الى الله بالدعاء قائلين: ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وتجاوْز عما يكون منّا من إسراف في أعمالنا، وثبِّتنا في مواطن الحرب، ربّنا وانصرنا على أعداء دينك الذين جحدوا ألوهيتك. وفي هذا اشارة الى ان الذنوب والإسراف في الأمور من عوامل الخذلان، فيما الطاعة والثبات والاستقامة من أسباب النصر والفلاح. اذ ذاك لبّى الله طلبهم بقوله: فآتاهم الله ثواب الدنيا، بالنصر على الأعداء، والسيادة في الأرض، والكرامة في الحياة، والذِّكر الحسن بين الناس؛ وثوابَ الآخرة اذ فازوا برضوان الله ورحمته. والله تعالى يتلو على نبيّه هذه الآيات ليعلّمنا الاقتداء بالصالحين من الأمم السابقة، ويؤدبنا بأدب المؤمنين مع ربهم، ويُفهمنا أننا اذا أخلصنا حقاً وثبتنا على مبادئنا ثم طلبنا منه النصر فإنه يجيبنا وينصرنا بكرمه وفضله. قراءات: قرأ ابن كثير: "كأين" بدون تشديد، والباقون "كأين" بتشديد الياء. والمعنى واحد.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَكَأَيِّن} {قَاتَلَ} {ٱلصَّابِرِينَ} (146) - فِي هَذِهِ الآيَةِ يُسَلِّي اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ عَمَّا وَقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ يَوْمَ أحُدٍ، فَقَالَ لَهُمْ: كَمْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ وَهُوَ يُقَاتِلُ، وَكَانَ مَعَه جَمَاعَاتٌ كَثِيرَةٌ (رِبِّيُّونَ) مِمَّنْ آمَنُوا بِهِ، وَاعْتَقَدُوا أنَّهُ رَسُولُ اللهِ، فَمَا وَهَنُوا، وَمَا ضَعُفُوا بَعْدَ قَتْلِ النَّبِيِّ، وَمَا اسْتَكَانُوا، وَمَا اسَتَذَلُّوا لِمَا أصَابَهُمْ فِي الجِهَادِ فِي سَبيلِ اللهِ، وَفِي سَبيلِ إِعْلاَءِ دِينِهِ، وَإِنَّمَا صَبَرُوا عَلَى قِتَالِ الأعْدَاءِ، وَلَمْ يَهْرُبوا مُوَلِّينَ الأدْبَارَ، لأنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ فِي سَبيلِ نَبِيِّهِمْ، فَعَلَيْكُمْ أيُّهَا المُسْلِمُونَ أنْ تَعْتَبِرُوا بِأولَئِكَ الرِّبِّيِّينَ، وَتَصْبِرُوا كَمَا صَبَرُوا فَإنَّ دِينَ اللهِ وَاحِدٌ، وَسُنَّتَهُ فِي خَلْقِهِ وَاحِدَةٌ. رِبِّيُّونَ - جَمَاعَاتٌ كَثِيرَةٌ. الوَهْنُ - ضَعْفٌ يَلْحَقُ النَّفْسَ. الضَّعْفُ - اخْتِلاَلُ قُوَّةِ الجِسْمِ. الاسْتِكَانَةُ - الخُضُوعُ لِلْخَصْمِ.

الثعلبي

تفسير : {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ} . قرأ الحسن وأبو جعفر: (كاين) مقصوراً بغير همزة ولا تشديد حيث وقع. وقرأ مجاهد وابن كثير وشيبة: (وكأين) مهموزاً ممدوداً مخففاً على وزن فاعل، وهو اختيار أبي عبيد، اعتباراً بقول أُبي بن كعب لزر بن حبيش: (كاين) بعد سورة الأحزاب. فقال: كذا آية. وقرأ ابن محيصن: (كأي) ممدوداً بغير نون. وقرأ الباقون: (وكأيّن) مشدوداً بوزن كعَيّن، وهي لغة قريش واختيار أبي حاتم، وكلها لغات معروفة بمعنى واحد. وأنشد المفضل: شعر : وكائن ترى في الحي من ذي صداقة و غيران يدعو ويله من حذاريا تفسير : وقال في التشديد: شعر : كأين من أناس لم يزالوا أخوهم فوقهم وهم كرام تفسير : وجمع الآخر بين اللغتين، فقال: شعر : كأين أبدنا من عدوّ يغزنا وكأين أجرنا من ضعيف وخائف تفسير : ومعناه كم، وهي كاف التشبيه ضمت إلى أي الاستفهام، ولم يقع التنوين صورة في الخط إلاّ في هذا الحرف خاصة. {قُتل}. قرأ قتادة وابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب (قتل): وهي قراءة ابن عباس واختيار أبي حاتم. وقرأ الآخرون: (قاتل)، وهي قراءة ابن مسعود واختيار أبي عبيد، فمن قرأ (قاتل) فلقوله: {فَمَا وَهَنُواْ} ويستحيل وصفهم بأنهم لم يُهنوا بعدما قُتلوا، ولقول سعيد بن جبير: ما سمعنا أن نبياً قط قُتل في القتال. وقال أبو عبيد: إن الله تعالى إذا حمد من قاتل كان من قُتل داخلا فيه، وإذا حمد من قُتل خاصة لم يدخل فيه غيرهم، فقاتل أعم. ومن قرأ (قتل) فله ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون القتل واقعاً على النبي وحده، وحينئذ يكون تمام الكلام عند قراءة (قتل) فيكون في الآية اضمار معناه ومعه {رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} كما يقال: قتل الأمير معه جيش عظيم، أي ومعه، ويقول: خرجت معي تجارة، أي ومعي. والوجه الثاني: أن يكون القتل نال النبي ومعه من الربيين، ويكون وجه الكلام: قتل بعض من كان معه، تقول العرب: قتلنا بني تميم وبني فلان، وإنما قتلوا بعضهم ويكون قوله: {فَمَا وَهَنُواْ} راجعاً إلى الباقين الذين لم يقتلوا. والوجه الثالث: أن يكون القتل للربيين لا غير. {رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ}، قرأ ابن مسعود وأبو رجاء والحسن وعكرمة: (رُبيون) بضم الراء، وهي لغة بني تميم. الباقون: بالكسر، وهي اللغة الفاشية [العالية]. والربيون جمع الربّية وهي الفرقة، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع. السدي: جموع كثير. قال حسان: شعر : وإذا معشر تجافوا عن الحق حملنا عليهم رُبيا تفسير : ابن مسعود: الربيون الألوف، الضحاك: الربية الواحدة ألف، الكلبي: الربية الواحدة عشر ألف، الحسن: فقهاً علماً صبراً، ابن زيد: هم الأتباع، والرابيون: هم الولاة، والربيون: الرعية، وقال بعضهم: هم الذين يعبدون الرب، والعرب تنسب الشيء إلى الشيء فيغير حركته كما يقول بصريٌّ منسوب إلى بصرة، فكذلك ربيّون منسوب إلى الربّ، وقال بعضهم: مطيعون منيبون إلى الله فما وهنوا. قرأه العامة: بفتح الهاء، وقرأ قعتب أبو السماك العدوي: بكسر الهاء، فمن فتحه فهو من وَهن يهن وهناً، مثل وعد يعِد وعداً، قاله المبرد وأنشد: شعر : إن القداح إذا اجتمعن فرامَها بالكسر ذو جَلد وبطش أيد عزّت ولم تكسر وإن هي بددت قالوهن والتكسير للمتبدد تفسير : ومن كسر فهو من وَهِن يهن، مثل وَرِم يرم قاله أبو حاتم. فقال الكسائي: هو من وهن يوهن وهناً، مثل وجل يوجل وجلاً. قال الشاعر: شعر : طلب المعاش مفرق بين الأحبة والوطن ومصير جلد الرجال إلى الضّراعة والوهن تفسير : ومعنى الآية: فما ضعفوا عن الجهاد لما نالهم من ألم الجراح، وقيل: الأصحاب وما عجزوا لقتل نبيّهم. قال قتادة والربيع: يعني ما ارتدّوا عن بصيرتهم ودينهم، ولكنهم قاتلوا على ما قاتل عليه نبيهم حتى لحقوا بالله، السدي: وما ذلّوا، عطاء: وما تضرّعوا، مقاتل: وما استسلموا وما خضعوا لعدوهم، أبو العالية: وما جبنوا، المفضل والقتيبي: وما خشعوا، ومنه أخذ المسكين لذله وخضوعه وهو مفعيل منه، مثل مِعطير من العِطر ومنديل من الندل، وهو دفعه من واحد إلى آخر، وأصل الندل السوق، ولكنهم صبروا على أمر ربّهم وطاعة نبيّهم وجهاد عدوهم. {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ}. قرأ الحسن وابن أبي إسحاق: (قولهم) بالرفع على اسم كان وخبره في قوله: إن قالوا. وقرأ الباقون: بالنصب على خبر كان والاسم في أن، قالوا تقديره: وما كان قولهم إلاّ قولهم كقوله: {أية : وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} تفسير : [الأعراف: 82] و {أية : مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ} تفسير : [الجاثية: 25] ونحوهما، ومعنى الآية: وما كان قولهم عند قتل نبيّهم {إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا} يعني خطايانا الكبار، وأصله مجاوزة الحد {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} كيلا تزول {وٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} فهلاّ فعلتم وقلتم مثل ذلك يا أصحاب محمد {فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ}، وقرأ الجحدري: فأثابهم الله من الثواب، {ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا} النصرة والغنيمة {وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ} الأجر والجنة {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ * يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني اليهود والنصارى، فقال علي(رضي الله عنه): يعني المنافقين في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم، {يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} يرجعوكم إلى أول أمركم الشرك بالله تعالى {فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ} فتنقلبوا مغبونين ثم قال {بَلِ ٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ} ناصركم وحافظكم على دينكم { وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّاصِرِينَ * سَنُلْقِي}. قال السدي: لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أُحد متوجهين نحو مكة، انطلقوا حتى بلغوا بعض الطريق ثم إنّهم ندموا وقالوا: بئسما صنعنا، قتلناهم حتى لم يبق منهم إلاّ الشريد وتركناهم رجعوا. فلما عزموا على ذلك قذف الله في قلوبهم الرعب حتى رجعوا عمّا همّوا به. وستأتي هذه القصة بتمامها إن شاء الله وما نزّل الله تعالى فيها. {سَنُلْقِي} قرأ أيوب السختياني: سنلقي بالله يعني الله عزّ وجلّ لقوله: {بَلِ ٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ}، قرأ الباقون: بالنون على التعظيم أي سنقذف، {فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} الخوف وثقل عينه، أبو جعفر وابن عامر والكسائي ويعقوب، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم وخففها الآخرون. {بِمَآ أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ} هو (ما) المصدر، تقديره باشراكهم بالله {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} حجة وبياناً وعذراً وبرهاناً، ثم أخبر عن مصيرهم فقال: {وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّالِمِينَ} مقام الكافرين. {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ}، قال محمد بن كعب القرظي: حديث : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة، وقد أصابهم ما أصابهم بأُحد، فقال ناس من أصحابه: من أين أصابنا وقد وعدنا بالنصر، فأنزل الله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} الذي وعد بالنصر والظفر، وهو قوله: {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} الآية، وقول رسول الله للرماة: "لا تبرحوا مكانكم فإنا لا نزل غالبين ما ثبتم"، والصدق يتعدى إلى مفعولين كالمنع والغصب ونحوهما، {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل أُحداً خلف ظهره واستقبل المدينة وجعل حنين وهو جبل عن يساره، وأقام عليه الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير وقال لهم: "احموا ظهورنا فإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا" . تفسير : وأقبلوا المشركون وأخذوا في القتال، فجعل الرماة يرشفون بالنبل والمسلمون يضربونهم بالسيف حتى ولوا هاربين وانكشفوا منهزمين، فذلك قوله: {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} أي تقتلونهم قتلا ذريعاً سريعاً شديداً. قال الشاعر: شعر : حسسناهم بالسيف حسّاً فأصبحت بقيتهم قد شردوا وتبددوا تفسير : وقال أبو عبيدة: الحس الاستيصال بالقتل، يقال: جراد محسوس إذا قتله البرد، وسَنَة حسوس إذا أتت على كل شيء. قال روبة: شعر : إذا شكونا سنة حسوساً تأكل بعد الأخضر اليبيسا تفسير : {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ}، قال بعض أهل المعاني: يعني إلى أن فشلتم، جعلوا (حتى) غاية بمعنى إلى، وحينئذ لا جواب له. وقال الآخرون: هو بمعنى فلما وفي الكلام تقديم وتأخير قالوا: وفي قوله: {وَتَنَازَعْتُمْ} مقحمة زائدة، ونظم الآية: حتى إذا تنازعتم {فِي ٱلأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ} وفشلتم أي جبنتم وضعفتم، ومعنى التنازع الاختلاف، وأصله من نزع القوم الشيء بعضهم من بعض، وكان اختلافهم أن الرماة تكلموا حين هُزم المشركون وقالوا: انهزم القوم فما مقامنا، وقال بعضهم: لا تجاوزوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فثبت عبد الله بن جبير في نفر يسير دون العشرة وانطلق الباقون ينهبون، فلما نظر خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل إلى ذلك، حملوا على الرماة فقتلوا عبد الله بن جبير وأصحابه وأقبلوا على المسلمين، وحالت الريح فصارت دبوراً بعد ما كانت صبا، وانتفضت صفوف المسلمين، فاختلطوا وجعلوا يقتتلون على غير شعار، فقتل بعضهم بعضاً وما يشعرون من الدهش، ونادى إبليس ألا إن محمداً قد قتل، وكان ذلك سبب هزيمة المؤمنين. {مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ} يا معشر المؤمنين ما تحبون هو الظفر والغنيمة {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا} يعني الذين تركوا المركز فاقبلوا إلى النهب {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} يعني الذين ثبتوا مع ابن جبير حتى قتلوا. وقال عبد الله بن مسعود: ما شعرت أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا وعرضها حتى كان يوم أُحد فنزلت هذه الآية {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ} أي ردّكم عنهم بالهزيمة {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} فلم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة، قاله أكثر المفسرين، ونظيره: {أية : ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم} تفسير : [البقرة: 52]. وقال الكلبي: يعني تجاوز عنكم فلم يؤاخذكم بذنبكم. {وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ * إِذْ تُصْعِدُونَ} يعني ولقد عفونا عنكم إذ تصعدون هاربين. قرأه العامة: (تُصعِدون) بضم التاء وكسر العين. وقرأ أبو رجاء العطاردي وأبو عبد الرحمن والحسن وقتادة بفتح التاء. وقرأ ابن محيصن وشبل: إذ يصعدون ويلوون بالياء، يعني المؤمنين. ثم رجع إلى الخطاب فقال {وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيۤ أُخْرَاكُمْ} على البلوى. قال أبو حاتم: يقال أصعدت إذا مضيت حيال وجهك، وصعدت إذا ارتقيت في جبل أو غيره، والاصعاد السير في مستوى الأرض وبطون الأودية والشعاب، والصعود الإرتفاع على الجبال والسطوح والسلالم والدّرج، قال المبرد: أصعد إذا أبعد في الذهاب. قال الأعشى: شعر : إلاّ أيهذا السائلي أين أصعدت فإنّ لها من بطن يثرب موعدا تفسير : وقال الفراء: الإصعاد الابتداء في كل سفر والانحدار والرجوع منه يقال: أصعدنا من بغداد إلى مكة وإلى خراسان وأشباه ذلك، إذا خرجنا إليها وأخذنا في السفر وانحدرنا إذا رجعنا. وأنشد أبو عبيدة: شعر : لقد كنت تبكين على الاصعاد فاليوم سرحت وصاح الحادي تفسير : ودليل قراءة العامة قول النبي صلى الله عليه وسلم للمنهزمين: "لقد ذهبتم فيها عريضة". وقرأ أُبي بن كعب: إذ تصعدون في الوادي، ودليل فتح التاء والعين ما روى أنهم صعدوا في الجبل هاربين وكلتا القراءتين صواب، فقد كان يومئذ من المنهزمين مصعد وصاعد. وقال المفضل: صعد وأصعد وصعّد بمعنى واحد. {وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ} يعني ولا يعرجون ولا يقيمون على أحد منكم، لا يلتفت بعض إلى بعض هرباً. وقرأ الحسن: ولا يلوُن بواو واحدة اتباعاً للخط، كقولك: استحببت واستحبت على أحد. قال الكلبي: يعني على محمد صلى الله عليه وسلم {وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيۤ أُخْرَاكُمْ} أي في آخركم ومن ورائكم إليَّ عباد الله فأنا رسول الله من بكّر فله الجنة، يقال: جاء فلان في آخر الناس وآخرة الناس واقرى الناس وأُخراة الناس وأُخريات الناس، فجاز لكم جعل الأنابة بمعنى العقاب وأصلها في الحسنات كقوله: {أية : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الانشقاق: 24]. قال الشاعر: شعر : أخاف زياداً أن يكون عطاؤه أداهم سودا أو محدرجة سمرا تفسير : يعني بالسود: القيود والسياط وكذلك معنى الآية، جعل مكان الثواب الذي كنتم ترمون غمّاً بغمّ. قال الحسن: يعني بغم المشركين يوم بدر. وقال آخرون: الباء بمعنى على، أي غمّاً على غمَ، وقيل: غمّاً بغم، فالغم الأول ما فاتهم من الظفر والغنيمة، والغم الثاني ما نالهم من القتل والهزيمة، وقيل: الغم الأول انحراف خالد ابن الوليد عليهم بخيل من المشركين، والغم الثاني حين أشرف عليهم أبو سفيان، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق يومئذ يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة، فلما رأوه وضع رجل سهماً في قوسه فأراد أن يرميه فقال: "أنا رسول الله" ففرحوا حين وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرح النبي حين رأى في أصحابه من يمتنع، فلما اجتمعوا وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب عنهم الحزن، فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه، ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا، فأقبل أبو سفيان وأصحابه حتى وقفوا بباب الشعب، ثم أشرف عليهم، فلما نظر المسلمون إليهم، همّهم ذلك وظنّوا أنهم سوف يميلون عليهم فيقتلونهم، فأنساهم هذا ما نالهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ليس لهم أن يعلونا، اللهم إن تُقتل هذه العصابة لا تعبد في الأرض" ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم فنزلوا سريعاً. {لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ} من الفتح والغنيمة {وَلاَ مَآ أَصَابَكُمْ} (ما) في موضع خفض أي: ولا على ما أصابكم من القتل والهزيمة حين أنساكم ذلك هذا الغم، وهمّكم ما أنتم فيه غماً قد أصابكم قبل. فقال الفضل: (لا) صلة معناه: لكي تحزنوا على ما فاتكم وما أصابكم عقوبة لكم في خلافكم إياه، وترككم المركز كقوله: {أية : لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ} تفسير : [الحديد: 29] . {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ}، روى عبد الله بن الزبير بن العوام عن أبيه قال: لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد علينا الخوف أرسل الله علينا النوم، والله لا نسمع قول مصعب بن عمير والنعاس يغشاني ما أسمعه إلاّ كالحلم يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا، فأنزل الله تعالى {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ} يا معشر المؤمنين وأهل اليقين، {أَمَنَةً} يعني أمناً، وهي مصدر كالعظمة والغلبة، وقرأ ابن محيصن: أمنة بسكون الميم. {نُّعَاساً} بدل من الأمنة {يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ}، قرأ ابن محيصن والأعمش وحمزة والكسائي وخلف: (تغشي) بالتاء رداً إلى الأمنة، وقرأ الباقون: بالياء رداً إلى النعاس، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، قال أبو عبيد: لأن النعاس يلي الفعل، فالتذكير أولى به ممّا بعد منّه. قال ابن عباس: آمنهم يومئذ بنعاس يغشاهم بعد فرق، وإنما ينعس من يأمن والخائف لا ينام، ونظيره في سورة الأنفال في قصة بدر. روى حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عن أبي طلحة قال: رفعت رأسي يوم أُحد فجعلت ما أرى أحداً من القوم إلاّ وهو يميد تحت جُحفته من النعاس. قال أبو طلحة: وكنت ممّن أُلقي عليه النعاس يومئذ، وكان السيف يسقط من يدي فآخذه، ثم يسقط السوط من يدي من النوم فآخذه. {طَآئِفَةً} يعني المنافقين، وهب بن قشير وأصحابه، وهو رفع على الابتداء وخبرها في قوله: و{يَظُنُّونَ} {قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} أي حملتهم على الهمّ، يقال: أمر مهم، ومنه قول العرب: همّك ما أهمّك. {يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ} أي لا ينصر محمداً، وقيل: ظنوا أن محمداً قد قتل {ظَنَّ ٱلْجَاهِلِيَّةِ} أي كظن أهل الجاهلية والشرك {يَقُولُونَ هَل لَّنَا} أي ما لنا، لفظ استفهام ومعناه هل {مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} يعني النصر {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ}. قرأ أبو عمرو ويعقوب: (كلّه) على الرفع بالابتداء وخبره في قوله: لله وصار هذا الابتداء والجملة خبراً لإنّ، كما يقول: إن عبد الله وجهه حسن، فيكون عبد الله مبتدأ ووجهه ابتداء ثانياً وحسن خبره، وجملة الكلام خبر للإبتداء الأول. وقرأ الباقون: (كله) بالنصب على البدل، وقيل: على النعت. وروى مجاهد عن الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: {يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَاهِلِيَّةِ} يعني به التكذيب بالقدر، وذلك أنّهم يظنوا في القدر، فقال الله عزّ وجلّ: {إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ} يعني القدر خيره وشرّه من الله وهو قولهم: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا} وذلك أنّ المنافقين قال بعضهم لبعض: لو كان لنا عقول لم نخرج مع محمد إلى قتال أهل مكة ولمّا قتل رؤساؤنا، فقال الله: قل لهم: {لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ} لخرج. وقال ابن أبي حيوة: (لبُرّز) بضم الباء وتشديد الراء على الفعل المجهول. {ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ}، قرأ قتادة: القتال {إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ} مصارعهم، {وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ} ليختبر الله {مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ} يخرج ويطهّر {مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} بما في القلوب من خير أو شر {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ} انهزموا {مِنكُمْ} يا معشر المؤمنين {يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} جمع المسلمين والمشركين {إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ}. قال المفضل: حملهم على الزلل، وهو استفعل من الزلّة وهي الخطيئة. وقال القتيبي: طلب زلتهم، كما يقال: استعجلت عليها، أي طلبت عجلته، واستعجلته طلبت عمله، وقيل: أزل واستزل بمعنى واحد. وقال الكلبي: زيّن لهم الشيطان أعمالهم حينما كسبوا، أي بشؤم ذنوبهم، قال المفسرون: بتركهم المراكز، وقال الحسن: ما كسبوا قبولهم من إبليس وما وسوس إليهم من الهزيمة. {وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}. وروى إبراهيم بن إسحاق الزهري، أن جعفر بن عون حدثهم أن زائدة حدثهم عن كليب ابن وائل قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن عثمان أكان شهد بدراً؟ قال: لا، قال: أكان شهد بيعة الرضوان؟ قال: لا، قال: أفكان من الذين تولّوا يوم التقى الجمعان؟ قال: نعم، فقيل له: إن هذا يرى أنك قد عبته، فقال: عليّ به، أمّا بدر فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ضرب له بسهمه، وأما بيعة الرضوان فقد بايع [له] رسول الله صلى الله عليه وسلم ويد رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من يد عثمان، وأما الذين تولوا يوم التقى الجمعان [فإن الله قال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ}] فاذهب فاجهد عليّ جهدك.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {وَكَأَيِّن} هذه يقولون: إنها للتكثير، مثل "كم"؛ فعندما يقول لك إنسان مثلاً: لماذا تجافيني؟ فتقول له: كم زرتك؟ إن قولك: "كم زُرتك!" في ظاهرها أنها استفهام، وأنت لا تريد أن تقول له مستفهماً كم مرة زُرته فيها، بل تقول له: أنت الذي عليك أن تقول - لأنك بقولك ستعترف أني زُرتك كثيرا، فيكون الجواب موافقاً لما فعلت. وأنت لا تقول "كم زرتك" إلا وأنت واثق أنه إذا أراد أن يجيب فسيقول: "زرتني كثيراً" ولو كنت لا تثق أنه سيقول: زرتني كثيراً، لَمَا قلتها، فعندما تقول له: كم زرتك، كم تفضلت عليك، كم واسيتك، كم أكرمتك؟ فإن "كم" تأتي للتكثير، وتأتي مثلها "كأيِّن" إنها للتكثير أيضاً، عندما تقول مثلاً: "ياما حصل كذا" و"ياما" هذه معناها "كأيِّن". وقد يسألك صديق: كيف حدثت هذه الحكاية؟ فتقول له: كأي رجل يفعل كذا ويحصل له كذا، أي أن المسأله ليست غريبة، إن قولك: كأي رجل معناها أنها شاعت كثيراً، وعندما تقول: كم مرة زرتك، وكم من مرة زرتك فهذان الاستعمالان صحيحان والمعنى: كثير من نبي قاتل معه مؤمنون برسالته كما حدث وحصل مع رسول الله. وقوله الحق "رِبِّيُّونَ" أي ناس فقهاء فاهمون سبل الحرب، و"ربيون" أيضاً تعني: "أتباعاً يقاتلون"، و"ربيون" يمكن أن ينصرف معناها إلى أن منهجهم إلهي مثل "الربانيين". وقول الحق: "فما وهنوا" أي ما ضعفوا، إذن فهو يريد أن يأتي بالأسوة، وكأنه سبحانه يقول: أنتم لماذا ضعفتم في موقفكم في غزوة أُحُد وأنتم تقاتلون مع رسول الله. لقد كان الأولى بكم أن يكون حماسكم في القتال معه أشد من حماس أي أتباع نبي مع نبيهم؛ لأنه النبي الخاتم الذي سيضع المبدأ الذي ستقوم عليه الساعة، ولن يأتي أحد بعده، فكان يجب أن تتحمسوا؛ فأنتم خير أمة أخرجت للناس، وأنا ادخرتكم لذلك. إن الحق يعطيهم المثل وفيه تعريض بهم وعتاب لهم، وفي هذا القول تعليم أيضاً، فيقول: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ} [آل عمران: 146] أي وكثير من الأنبياء {قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ} [آل عمران: 146] ونستوحي من كلمة "وهنوا" أي ما ضعفوا. فكأنه قد حدث في القتال ما يضعف، {فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ} [آل عمران: 146] أي ما حدثت لهم نكسة مثلما حدثت لكم. {وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ} [آل عمران: 146]. وكل من "وهنوا" و"ضعفوا" و"استكانوا" هذه جاءت في موقعها الصحيح؛ لأن "الوهن" بداية الضعف، و"الوهن" محله القلب وهو ينضح على الجوارح ضعفاً. و"استكانوا" ماذا تعني؟ إنها من "سكن". والسكون تقابله الحركة. والحرب تحتاج إلى حركة، والذي يأتي للحرب فهو يحتاج إلى كَرّ وفر. أما الذي لا يتحرك فهذا معناه أنه ليس لديه قدرة على أن يتحرك، وساعة تسمع - الألف والسين والتاء - وتأتي بعدها كلمة، نعلم أن "الألف والسين والتاء" للطلب، "فاسْتَفْهَم" أي طلب أن يفهم، وهي تأتي لطلب المادة التي بعدها. كأن نقول: "استعلم" أي طلب أن يعلم، أو نقول: "استخبر" أي طلب الخبر، و"استكان" يعني طلب له كوْناً أي وجوداً، فكأنهم بلغوا من الوهن ومن الضعف مبلغاً يطلبون فيه أن يكون لهم مجرد وجود؛ لأن الوجود مظهره الحركة، والحركة انتهت، هذا هو معنى "استكانوا". وما دامت من الكون يكون وزنها - مثلما يقول الصرفيون - "استفعل" يعني طلب الكون، وطلب الوجود، وقد يكون وزنها ليس كذلك؛ إذا كانت من سكن، وهي بهذا الاعتبار لا يكون فيها طلب؛ لأن السين ستكون أصلية، فوزنها ليس "استفعل" بل هو "افتعل" فـ "استكانوا" هل تعني أنهم طلبوا السكون؟ لا؛ لأنهم كانوا ساكنين، إذن فالأولى أن يكون معناها أنهم طلبوا مجرد الوجود، هذا ما أميل إليه وأرجحه، وقيل في معناها: فما خضعوا وما ذَلوا من الاستكانة: وهي الذلة والخضوع. {فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146]. فما يصيب العبد ابتلاء من الله، وفي الحديث: "حديث : إذا أحب الله قوما ابتلاهم ". تفسير : وكل ذلك الوهن والضعف، لا يشغلهم عن المعركة، لأنهم لو صبروا على التحمل لأمدهم الله بمدد من عنده؛ لأنه حين تفرغ أسباب الخلق وتنتهي يأتي إمداد الخالق. ويلفتنا الحق سبحانه وتعالى بتذييل الآية: {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146] أي وكفى جزاء عن الصبر أن تكون محبوباً لله؛ لأننا قلنا سابقاً: قد نحب الله لنعمه التي أنعمها علينا، ولكن المسألة ليست في أن تحب الله أنت، وإنما في أن تصير بتطبيق منهجه فيك محبوباً لله. وقد أثر عن بعضهم قوله: وإلا أَلم تَرَ كثيراً أحَبَّ ولم يُحَبْ؟!! أنت أحببت للنعم، ولكنك تريد أن تكون محبوباً من الله؛ لأن حبك للنعم لا يكفي، فمثل هذه النعم أخذها الكافر أيضاً، إذن فهناك حاجة أخرى. هناك مقدم وهناك ومؤخر فالمقدم هو نعم الحياة وكل البشر شركاء فيها مؤمنهم وكافرهم، ولكن المؤخر هو جزاء الله في الآخرة وهو الأصل. إذن، فلو أن الناس فطنوا إلى قول الله: {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146] لقالوا: كفى بالجزاء عن الصبر أن نكون محبوبين لله، حين أصابهم ما أصابهم. صحيح أن الإصابة لم تصنع فيهم وهناً أو ضعفاً أو استكانة، وهذا معناه أن فيهم مُسكة اليقين بالله. ومُسكة اليقين بالله تجعلهم أهلاً لإمداد الله. فليس لك إلا أن تصبر على ما أنت فيه لتعرف مدد الله لك. ومدد الله لك لا يتجلى بحق إلا وقت الضعف؛ لأنك وقت قوتك قد تعمل مثل الذي قيل فيهم: {أية : فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [الزمر: 49]. لكن المؤمنين حين أصابهم ما أصابهم {فَمَا وَهَنُواْ} [آل عمران: 146]؛ لأنَّهم كانوا متيقظين إلى قضية إيمانية: إن الله لا يسلمك لنفسك إلا حين تغيب عنه، فقالوا: ولماذا حدث لنا هذا؟ لم يقولوا: ربنا انصرنا كي نخرج من الضعف، لا. بل فكروا في الأسباب التي أدت بهم إلى هذا: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} معناه أُلوفٌ وجَماعَاتٌ. والواحدُ رِبّي. ويقالُ: عُلَماءٌ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا تسلية للمؤمنين، وحث على الاقتداء بهم، والفعل كفعلهم، وأن هذا أمر قد كان متقدما، لم تزل سنة الله جارية بذلك، فقال: { وكأين من نبي } أي: وكم من نبي { قاتل معه ربيون كثير } أي: جماعات كثيرون من أتباعهم، الذين قد ربتهم الأنبياء بالإيمان والأعمال الصالحة، فأصابهم قتل وجراح وغير ذلك. { فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا } أي: ما ضعفت قلوبهم، ولا وهنت أبدانهم، ولا استكانوا، أي: ذلوا لعدوهم، بل صبروا وثبتوا، وشجعوا أنفسهم، ولهذا قال: { والله يحب الصابرين } . ثم ذكر قولهم واستنصارهم لربهم، فقال: { وما كان قولهم } أي: في تلك المواطن الصعبة { إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا } والإسراف: هو مجاوزة الحد إلى ما حرم، علموا أن الذنوب والإسراف من أعظم أسباب الخذلان، وأن التخلي منها من أسباب النصر، فسألوا ربهم مغفرتها. ثم إنهم لم يتكلوا على ما بذلوا جهدهم به من الصبر، بل اعتمدوا على الله، وسألوه أن يثبت أقدامهم عند ملاقاة الأعداء الكافرين، وأن ينصرهم عليهم، فجمعوا بين الصبر وترك ضده، والتوبة والاستغفار، والاستنصار بربهم، لا جرم أن الله نصرهم، وجعل لهم العاقبة في الدنيا والآخرة، ولهذا قال: { فآتاهم الله ثواب الدنيا } من النصر والظفر والغنيمة، { وحُسن ثواب الآخرة } وهو الفوز برضا ربهم، والنعيم المقيم الذي قد سلم من جميع المنكدات، وما ذاك إلا أنهم أحسنوا له الأعمال، فجازاهم بأحسن الجزاء، فلهذا قال: { والله يحب المحسنين } في عبادة الخالق ومعاملة الخلق، ومن الإحسان أن يفعل عند جهاد الأعداء، كفعل هؤلاء الموصوفين.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 164 : 28 : 13 - سفين عن عاصم بن بهدلة عن زر عن عبد الله في قوله {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} قال، الوف. [الآية 146].

همام الصنعاني

تفسير : 467- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الحسن في قوله تعالى: {مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ}: [الآية: 146]، قال: علماء كثير. 468- قال معمر وقال قتادة: جموع كثيرة. 469- قال ابن عَيَيْنة، وأخبرني الثوري عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن عبد الله، قال: هم الألوف.