٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
147
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: {وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا } يدل على أن فعل العبد خلق الله تعالى، والمعتزلة يحملونه على فعل الألطاف. المسألة الثانية: بين تعالى أنهم كانوا مستعدين عند ذلك التصبر والتجلد بالدعاء والتضرع بطلب الأمداد والإعانة من الله، والغرض منه أن يقتدي بهم في هذه الطريقة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن من عول في تحصيل مهماته على نفسه ذل، ومن اعتصم بالله فاز بالمطلوب، قال القاضي: إنما قدموا قولهم: {ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا } لأنه تعالى لما ضمن النصرة للمؤمنين، فاذا لم تحصل النصرة وظهر أمارات استيلاء العدو، دل ذلك ظاهراً على صدور ذنب وتقصير من المؤمنين؛ فلهذا المعنى يجب عليهم تقديم التوبة والاستغفار على طلب النصرة، فبين تعالى أنهم بدأوا بالتوبة عن كل المعاصي وهو المراد بقوله: {ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } فدخل فيه كل الذنوب، سواء كانت من الصغائر أو من الكبائر، ثم إنهم خصوا الذنوب العظيمة الكبيرة منها بالذكر بعد ذلك لعظمها وعظم عقابها وهو المراد من قوله: {وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا } لان الإسراف في كل شيء هو الإفراط فيه، قال تعالى: {أية : قُلْ يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} تفسير : [الزمر: 53] وقال: {أية : فَلاَ يُسْرِف فّى ٱلْقَتْلِ } تفسير : [الإسراء: 33] وقال: {أية : كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ } تفسير : [الأعراف: 31] ويقال: فلان مسرف اذا كان مكثرا في النفقة وغيرها، ثم إنهم لما فرغوا من ذلك سألوا ربهم أن يثبت أقدامهم، وذلك بإزالة الخوف عن قلوبهم، وإزالة الخواطر الفاسدة عن صدورهم، ثم سألوا بعد ذلك أن ينصرهم على القوم الكافرين، لان هذه النصرة لا بد فيها من أمور زائدة على ثبات أقدامهم، وهو كالرعب الذي يلقيه في قلوبهم، واحداث أحوال سماوية أو أرضية توجب انهزامهم، مثل هبوب رياح تثير الغبار في وجوههم، ومثل جريان سيل في موضع وقوفهم، ثم قال القاضي: وهذا تأديب من الله تعالى في كيفية الطلب بالأدعية عند النوائب والمحن سواء كان في الجهاد أو غيره.
البيضاوي
تفسير : {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي وما كان قولهم مع ثباتهم وقوتهم في الدين وكونهم ربانيين إلا هذا القول، وهو إضافة الذنوب والإِسراف إلى أنفسهم هضماً لها وإضافة لما أصابهم إلى سوء أعمالها والاستغفار عنها، ثم طلب التثبيت في مواطن الحرب والنصر على العدو ليكون عن خضوع وطهارة، فيكون أقرب إلى الإجابة، وإنما جعل قولهم خيراً لأن أن قالوا أعرف لدلالته على جهة النسبة وزمان الحدث.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ } عند قتل نبيهم مع ثباتهم وصبرهم {إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا } تجاوزنا الحدّ {فِى أَمْرِنَا } إيذاناً بأن ما أصابهم لسوء فعلهم وهضماً لأنفسهم {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا } بالقوّة على الجهاد {وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ }.
الخازن
تفسير : قال تعالى: {وما كان قولهم} يعني قول الربيين {إلاّ أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا} فيدخل فيه جميع الصغائر والكبائر {وإسرافنا في أمرنا} يعني ما أسرفنا فيه فتخطّينا إلى العظام من الذنوب لأن الإسراف الإفراط في الشيء ومجاوزة الحد فيه فيكون المعنى اغفر لنا ذنوبنا الصغائر منها والكبائر {وثبت أقدامنا} لكي لا نزلّ عند لقاء العدو وذلك يكون بإزالة الخوف والرعب من قلوبهم {وانصرنا على القوم الكافرين} لأن النصر على الأعداء لا يكون إلاّ من عند الله. بين الله تعالى أنهم كانوا مستعدين عند لقاء العدو بالدعاء والتضرع وطلب الإعانة والنصر من الله تعالى والغرض منه أن يقتدي بهم في هذه الطريقة الحسنة أمة محمد صلى الله عليه وسلم يقول هلا فعلتم مثل ما فعلوا وقلتم مثل ما قالوا {فآتاهم الله الثواب الدنيا} يعني النصر والغنيمة وقهر الأعداء، والثناء الجميل وغفران الذنوب والخطايا {وحسن ثواب الآخرة} يعني الجنة وما فيها من النعيم المقيم وإنما خص ثواب الآخرة بالحسن تنبيهاً على إجلاله وعظمته، لأنه غير زائل ولم يشب بتنغيص ولم يصف ثواب الدنيا بالحسن لقلته ولأنه سريع الزوال مع ما يشوبه من التنغيص {والله يحب المحسنين} يعني الذين يفعلون مثل ما فعل هؤلاء وهذا تعليم من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يقولوا مثل هذا عند لقاء العدو وفيه دقيقة لطيفة وهي أنهم لما اعترفوا بذنوبهم وكونهم مسيئين سماهم الله تعالى محسنين. قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا} يعني اليهود والنصارى، وقيل المنافقين وذلك في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة يوم أحد ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم. وقيل معناه أن تطيعوهم فيما يأمرونكم به من ترك الجهاد {يردوكم على أعقابكم} يعني يرجعوكم إلى أمركم الأول وهو الكفر والشرك بالله بعد الإيمان به لأن قبول قولهم في الدعوة إلى الكفر كفر {فتنقلبوا خاسرين} يعني مغبونين في الدنيا والآخرة أما خسار الدنيا فهو طاعة الكفار والتذلل للأعداء وأما خسار الآخرة فهو دخول النار وحرمان دار القرار.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا...} الآية: هذه الآيةُ في ذكْر الرِّبِّيِّين، أي: هذا كان قولَهُم، لا ما قاله بعضُكم، يا أصْحَاب محمَّد: {أية : لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا} تفسير : [آل عمران:154]، إلَىٰ غير ذلك ممَّا ٱقتضته تلْكَ الحَالُ مِن الأقوال، قُلْتُ: وهذه المقالَةُ ترجِّح القولَ الثانِيَ في تفْسير الرِّبِّيِّينَ؛ إذ هذه المقالةُ إنما تَصْدُرُ من علماء عارفينَ باللَّه. قال * ع *: وٱستغفارُ هؤلاءِ القَوْمِ الممْدُوحِينَ فِي هذا المَوْطِنِ يَنْحُو إلَىٰ أنهم رَأَوْا أَنَّ ما نزل مِنْ مصائبِ الدُّنْيا إنما هو بِذُنُوبٍ من البَشَرِ؛ كما نزلَتْ قصَّة أُحُدٍ بعصيان من عَصَىٰ، وقولهم: {ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا}: عبارتان عن معنًى قريبٍ بعضُهُ من بعضٍ؛ جاء للتأكيد، ولتعمَّ مناحي الذنوبِ؛ وكذلكَ فسَّره ابنُ عبَّاس وغيره، وقال الضَّحَّاك: الذنوبُ عامُّ، والإسرافُ في الأمر، أريدَ به الكبائرُ خاصَّة، {فَـآتَـٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا}؛ بأن أظهرهم علَىٰ عدُوِّهم، {وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ}: الجَنَّة بلا خلاف. قال الفَخْر: ولا شَكَّ أنَّ ثوابَ الآخِرَةِ هي الجَنَّة، وذلك غَيْرُ حاصلٍ في الحالِ، فيكون المرادُ أنَّه سبحانه، لَمَّا حكم لهم بحصولها في الآخرة، قام حُكْمُهُ لهُمْ بذلك مَقَامَ الحُصُول في الحالِ، ومَحْمَلُ قوله: {ءاتَـٰهُمُ} أنه سيؤتيهم. وقيل: ولا يمتنع أنْ تكون هذه الآية خاصَّةً بالشهداء، وأنه تعالَىٰ في حال نزول هذه الآية، كان قد آتاهم حُسْنَ ثواب الآخرة. انتهى.
ابن عادل
تفسير : الجمهور على نصب {قَوْلِهِمْ} خبراً مقدَّماً، والاسم "أنْ" وما في حيزها، تقديره: وما كان قولهم [إلا هذا الدعاء، أي: هو دأبهم وديدنهم]. وقرأ ابن كثيرٍ وعاصم - في رواية عنهما - برفع "قولُهم" على أنه اسم "كان" والخبر "أن" وما في حيزها. وقراءة الجمهور أوْلَى؛ لأنه إذا اجتمع معرفتانِ فالأولى أن تَجْعَل الأعرف اسماً، و "أن" وما في حيزها أعْرَف؛ قالوا: لأنها تُشْبِه المُضْمَر من حيثُ إنها لا تُضْمَر، ولا تُوصَف، ولا يُوصَف بها، و "قولهم" مضافٌ لمُضْمَرٍ، فَهُوَ في رُتْبَةِ العَلَمِ، فهو أقلُّ تعريفاً. ورَجَّحَ أبو البقاء قراءة الجمهور بوجهين: أحدهما: هذا، والآخر: أن ما بعد "إلاَّ" مُثبَت، والمعنى: كان قولَهُمْ: ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا دَأبَهم في الدعاء، وهو حَسَنٌ. والمعنى: وما كان قولهم شيئاً من الأقوالِ إلا هذا القول الخاصّ. فصل معنى الآية: وما كان قولهم عند قَتْل نبيِّهم إلا أن قالوا: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذنوبنَا، والغرض مِنْهُ تحريضُ هذه الأمة بالاقتداء بهم. قال القاضي: إنما قدموا طلب المغفرة للذنوب والإسراف؛ لأنه - تعالى - لما ضَمِن النُّصرةَ للمؤمنين، فإذا لم تحصل النصرة، وظهر أمارات استيلاء العدو، دلَّ ذلك ظاهراً - على صدور ذنب وتقصير من المؤمنين، فلهذا المعنى يجب عليهم تقديمَ التوبةِ والاستغفارِ على طلب النُّصْرَة، فبيَّن - تعالى - أنهم بدءوا بالتوبة عن كل المعاصي، فقالوا: {ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} أي: الصغائر {وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا} أي: الكبائر؛ لأن الإسراف في كل شيء هو الإفراط فيه؛ قال تعالى: {أية : قُلْ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} تفسير : [الزمر: 53] وقال {أية : فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ} تفسير : [الإسراء: 33] وقال: {أية : وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ} تفسير : [الأعراف: 31] ويقال: فلان مُسْرِف - إذا كان مكثراً في النفقة. قوله: {فِيۤ أَمْرِنَا} يَجُوز فيه وجهانِ: الأول: أنه متعلق بالمصدر قبله، يقال: أسرفتُ في كذا. الثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنَّه حَالٌ منه، أي: حال كونه مستقراً في أمرنا. والأول أوجهُ. ثم سألوا - بعد ذلك - أن يثبت أقدامهم، وذلك بإزالة الخوفِ عن قلوبهم، وهذا يدلُّ على أن فعل العبد مخلوقٌ للهِ، والمعتزلة يحملونه على الألطاف. ثم سألوا أن ينصرهم على القوم الكافرين، وهذه النصرة لا بد فيها من أمر زائدٍ على ثبات أقدامهم. قال القاضي: وهذا تأديبٌ من الله - تعالى - في كيفية الطلب بالأدعية عند النوائب والمِحَن، سواء كان في الجهادِ أو غيره. قوله: "فآتاهم الله" يقتضي أن اللهَ - تَعَالَى - أعطاهم [الأمْرَين] أما ثوابُ الدُّنْيَا فَهُوَ: النصرة و الغنيمة، وقهر العدو، والثناء الجميل، وانشراح الصدرِ بنور الإيمان، وأما ثوابُ الآخرة فلا شك أنه ثواب الجنة. وقرأ الجَحْدَرِيُّ فأثابهم - من لفظ الثواب - وخَصَّ - تعالى - ثواب الآخرة بالحُسْنِ؛ تنبيهاً على جلالةِ ثوابِهِم، وذلك لأنّ ثوابَ الآخرةِ كُلَّه في غاية الحُسْنِ. ويجوز أن يُحْمَل قوله: "فآتاهم" على أنه سيؤتيهم، كقوله تعالى: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} تفسير : [النحل: 1] أي: سيأتي أمرُ اللهِ. قيل: ولا يمتنع أن تكون هذه الآية مختصة بالشهداءِ - وقد أخبرَ - تَعَالَى - عن بعضهم أنهم أحياءٌ، عند ربِّهِم يرزقونَ - فيكون حالُ هؤلاء - أيضاً - كذلك. فصل قال فيما تقدم: {أية : وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا} تفسير : [آل عمران: 145] فأتى بلفظ "من" الدالة على التبعيض، وقال هنا: {فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ} ولم يذكر كلمة "من" لأن الذين يُريدون ثوابَ الآخرةِ إنما اشتغلوا بالعبادة لطلب الثوابِ، فكانت مرتبتهم في العبودية نازلةً عن مرتبة هؤلاء؛ لأنهم لم يذكروا من أنفسهم إلا الذنبَ والتقصيرَ، ولم يذكروا التدبيرَ والنصرةَ والإعانة إلا من ربّهم، فكان مقامهم في العبودية في غاية الكمالِ؛ لأنَّهم أرادوا خدمة مولاهم، وأما أولئك فإنما أرادوا الثواب.
ابو السعود
تفسير : {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ} كلامٌ مبـينٌ لمحاسنهم القوليةِ معطوفٌ على ما قبله من الجُمل المبـيِّنةِ لمحاسنهم الفعلية، و{قَوْلُهُمْ} بالنصب خبرٌ لكان، واسمُها أن وما بعدها في قوله تعالى: {إِلاَّ أَن قَالُواْ} والاستثناءُ مفرَّغٌ من أعم الأشياء أي ما كان قولاً لهم عند لقاءِ العدوِ واقتحامِ مضايق الحربِ وإصابةِ ما أصابهم من فنون الشدائدِ والأهوال لشيءٍ من الأشياء إلا أن قالوا {ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} أي صغائرَنا {وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا} أي تجاوزْنا الحدَّ في ركوب الكبائرِ، أضافوا الذنوبَ والإسرافَ إلى أنفسهم مع كونهم ربانيـين بُرَآءَ من التفريط في جنب الله تعالى هضماً لهم واستصغاراً لهممهم وإسناداً لما أصابهم إلى أعمالهم وقدّموا الدعاءَ بمغفرتها على ما هو الأهمُّ بحسب الحال من الدعاء بقولهم {وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا} أي في مواطن الحربِ بالتقوية والتأيـيدِ من عندك أو ثبتْنا على دينك الحقِّ {وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} تقريباً له إلى حيز القَبول، فإن الدعاءَ المقرونَ بالخضوع الصادرَ عن زكاء وطهارةٍ أقربُ إلى الاستجابة، والمعنى لم يزالوا مواضبـين على هذا الدعاءِ من غير أن يصدُرَ عنهم قولٌ يوهم شائبةَ الجزَعِ والخَوَرِ والتزلزُلِ في مواقف الحربِ ومراصدِ الدين. وفيه من التعريض بالمنهزمين ما لا يخفى. وقرأ ابنُ كثير وعاصمٌ في رواية عنهما برفع {قَوْلَهُمْ} على أنه الاسمُ والخبرُ أن وما في حيزها أي ما كان قولُهم حينئذ شيئاً من الأشياء إلا هذا القولَ المنبىءَ عن أحسن المحاسنِ، وهذا كما ترى أقعدُ بحسب المعنى وأوفق بمقتضى المقام لما أن الإخبارَ بكون قولِهم المطلقِ خصوصيةَ قولِهم المحكيِّ عنهم مفصلاً ــ كما تفيده قراءتهما ــ أكثرُ إفادةٍ للسامع من الإخبار بكون خصوصيةِ قولِهم المذكورِ قولَهم، لما أن مصبَّ الفائدةِ وموقِعَ البـيانِ في الجمل الخبرية هو الخبرُ، فالأحقُّ بالخبرية ما هو أكثرُ إفادةً وأظهرُ دِلالةً على الحدث وأوفرُ اشتمالاً على نِسَب خاصةٍ بعيدةٍ من الوقوع في الخارج وفي ذهن السامعِ. ولا يخفى أن ذلك هٰهنا في أنْ مع ما في حيُّزها أتمَّ وأكملَ، وأما ما تفيده الإضافةُ من النسبة المطلقةِ الإجماليةِ فحيث كانت سهلةَ الحصولِ خارجاً وذِهناً كان حقُّها أن تلاحَظَ ملاحظةً إجماليةً وتُجعلَ عنواناً للموضوع، لا مقصوداً بالذات في باب البـيانِ وإنما اختار الجمهورُ ما اختاره لقاعدة صناعيةٍ هي أنه إذا اجتمع معرفتان فالأعرفُ منهما أحقُّ بالاسمية، ولا ريب في أعرفية {أَن قَالُواْ} [آل عمران، الآية: 147] لدلالته على جهة النسبةِ وزمانِ الحدثِ ولأنه يشبه المضمرَ من حيث أنه لا يوصف ولا يوصف به، وقولَهم مضافٌ إلى مضمر فهو بمنزلة العَلَم فتأمل.
القشيري
تفسير : تحققوا بحقائق المعنى فَخَرِسُوا عن إظهار الدعوى، ثم نطقوا بلسان الاستغفار، ووقفوا في موقف الاستحياء، كما قيل: شعر : يتجنَّبُ الآثامَ ثم يخافها فكأنَّما حسناتُه آثامُ
البقلي
تفسير : {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً} بين الله سبحانه ان من قدرته اماتة حى اعظم من ايجاد حيى واعجب من ابقائه لان من الموجود قدرة وليس فى المعدوم قدرة وايضا اشارة الى اهل الرياضة الا ان النفس الامارة لا تزول بالرياضة والمجاهدة انها تطمئن باذن الله وبحلاوة ذكره ومناجاته قال الواسطى ليس نفس تملك الفناء والبقاء بل كل ذلك الاجال مضروبة كما قال تعالى لك اجل كتاب قوله تعالى {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا} ثواب الدنيا المعرفة وثواب الاخرة المشاهدة وايضا ثواب الدنيا محبته وثواب الاخرة قربته وايضا اى من وقع فى محل الارادة وارادنى فقد تجلى له بالأيات ومن الأيات وفى الأيات التباسا ومن وقع فى المعرفة وارادنى صرفا تجلى له بلا علة لان الارادة محل الغيبة والمعرفة محل الحضور وايضا ثواب الدنيا صحبة الاولياء وثواب الاخرة صحبة الحق قيل ثواب الدنيا العاقبة وقيل الهام شكر النعمة وثواب الاخرة الجنة ونعيمها.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما كان قولهم} بالنصب خبرا لكان واسمها ان وما بعدها فى قوله تعالى {الا ان قالوا} والاستثناء مفرغ من اعم الاشياء اى ما كان قولا لهم عند لقاء العدو واقتحام مضايق الحرب واصابة ما اصابهم من فنون الشدائد والاهوال شىء من الاشياء الا ان قالوا {ربنا اغفر لنا ذنوبنا} اى صغائرنا {واسرافنا فى امرنا} اى تجاوزنا الحد فى ارتكاب الكبائر اضافوا الذنوب والاسراف الى انفسهم مع كونهم ربانيين برآء من التفريط فى جنب الله هضما لها واستقصارا لهم واسنادا لما اصابهم الى اعمالهم وقدموا الدعاء بمغفرتها على ما هو الاهم بحسب الحال من الدعاء بقولهم {وثبت اقدامنا} اى فى مواطن الحرب بالتقوى والتأييد من عندك او ثبتنا على دينك الحق {وانصرنا على القوم الكافرين} تقريبا له الى حيز القبول فان الدعاء المقرون بالخضوع الصادر عن زكاء وطهارة اقرب الى الاستجابة والمعنى لم يزالوا مواظبين على هذا الدعاء من غير ان يصدر عنهم قول يوهم شائبة الجزع والتزلزل فى مواقف الحرب ومراصد الدين. وفيه من التعريض بالمنهزمين ما لا يخفى.
الطوسي
تفسير : المعنى واللغة: هذا إخبار عن الربيين الذين ذكرهم في الآية الاولى بأنهم كانوا يقولون في أكثر أحوالهم {ربنا اغفر لنا ذنوبنا} لأن من المعلوم أنهم قد كانوا يقولون أقوالا غير هذا، لكن لما كان هذا هو الأكثر لم يعتد بذلك. وقيل: معناه وما كان قولهم حين قتل نبيهم إلا هذا القول انقطاعاً إلى الله وطلباً لمغفرته. وقوله: {اغفر لنا ذنوبنا} أي استرها علينا بترك عقابنا، ومجازاتنا عليها {وإسرافنا في أمرنا} فالاسراف هو مجاوزة المقدار الذي تقتضيه الحكمة. والاسراف مذموم، كما أن الاقتار مذموم، كما قال تعالى: {أية : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط } تفسير : وكما قال {أية : والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما }تفسير : والاسراف، والافراط بمعنى، وضدهما التقصير والتقتير. وقيل الاسراف مجاوزة الحق إلى الباطل بزيادة أو نقصان. والأول أظهر. وأصل الاسراف مجاوزة الحد يقال: سرفت القوم إذا جاوزتهم، وأنت لا تعرف مكانهم وسرفت الشيء إذا نسيته لانك جاوزته إلى غيره بالسهو عنه. ويقال: أصنع من سرفة، وهي دويبة صغيرة تنقب الشجر، وتبني فيه بيتاً. إن قيل: كيف قوبل الذنوب والاسراف في الامر؟ قلنا: قال الضحاك: هو بمنزلة اغفر لنا الصغير والكبير من خطايانا. الاعراب، والمعنى: و {قولهم} نصب بأنه خبر (كل) والاسم {أن قالوا}، وانما اختير ذلك، لأن ما بعد الايجاب معرفة، فهو أحق بأن يكون الاسم، كقول الشاعر: شعر : وقد علم الاقوام ما كان داءها بثهلان إلا الخزيُ ممن يقودها تفسير : ويجوز الرفع على أنه اسم (كان) وقد قرئ به في الشواذ. ومثله قوله:{أية : ما كان حجتهم إلا أن قالوا } تفسير : {أية : وما كان جواب قومه إلا أن قالوا } تفسير : وقوله: {وثبت أقدامنا} أي أعنا وألطف لنا بما تثبت معه أقدامنا وإن كان ثبوت القدم من فعل العباد لكن لما كان بلطفه ومعونته جاز نسبته إليه مجازا.
الجنابذي
تفسير : {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ} مع ثباتهم فى دينهم وكمال جهدهم لرضا ربّهم {إِلاَّ أَن قَالُواْ} قالاً او حالاً {ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} يعنى انّهم مع تصلّبهم فى دينهم وبذل وسعهم فى سبيل ربّهم خافوا من ذنوبهم واستغفروا ربّهم والتجأوا اليه واستضروه على أعدائهم وأعداء ربّهم بخلافكم حيث اغتررتم ونسيتم ذنوبكم واردتم الالتجاء الى اعدائكم كابى سفيان وعبد الله بن أبىٍّ.
الهواري
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ} حيث لَقُوا عَدوَّهم {إِلاَّ أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا} أي على أنفسنا، يعنون خطاياهم. {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ فآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ}. أما ثواب الدنيا فالنصر الذي نصرهم على عدوّهم في تفسير الحسن. وقال بعضهم: الفتح والظهور والتمكين والنصر على عدوهم؛ وأما ثواب الآخرة فالجنة. {وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ}. قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا} يعني اليهود في تفسير الحسن {يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} أي إلى الشرك {فَتَنقَلِبُوا} إلى الآخرة {خَاسِرِينَ}. {بَلِ اللهُ مَوْلاَكُمْ} أي وليّكم {وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ} [ينصركم ويعصمكم من أن ترجعوا كافرين]. قوله: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} قال الحسن: يعني مشركي العرب. ذكر الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : نصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهرتفسير : . قوله: {بِمَا أَشْرَكُوا بِاللهِ} أي نلقي في قلوبهم الرعب بما أشركوا بالله {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} أي حجة بما هم عليه من الشرك {وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ} أي: مصيرهم النار. {وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} أي المشركين.
اطفيش
تفسير : {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} قول خبر كان وإن قالوا فى تأويل مصدر اسمها، ولم يعكس، لأن إن والفعل فى تأويل مصدر أشد تعريفاً من المضاف للضمير، لأنه يشبه المضمر، فى أنهُ يضمر ولا يوصف، ولا يوصف به ولأن المضاف المضمر فى رتبة العلم، وأن المضمر فى رتبة الضمير، والضمير فوق العلم، ولأن الفعل يدل صريحاً على أنه مسند إلى مرفوعه، بخلاف المضاف فمنه ما تكون إضافة إلى الفاعل، وما تكون إضافته إلى المفعول، والمعنى: وما كان قولهم ربنا اغفر لنا... إلخ، إلا أدباً لهم وعادة فى التكلم، يهضمون أنفسهم، مع رسوخهم فى العلم والعمل، ويرون أن ما أصباهم لذنوبهم، وإسرافهم وليسوا بمسرفين ويطلبون الغفران، والتثبيت فى الحرب المشبه بتثبيت القدم، حتى لا تزلق فيصرع، والنصر على القوم الكافرين، وأخروا طلب الثبوت والنصر، آخراً لأن المطلوب ينبغى تأخيره عن الثناء والاستغفار، والذنب يعم الصغير والكبير الفاحش، وما دون الفاحش من الكبائر، والقليل والكثير، والإسراف أخص وهو الكبير الفاحش، أو الكبير الكثير، ثم رأيت للضحاك ما يناسبه ولا مانع أن يروا الذنب كله إسرافاً فجمعوا بينهما فى الذكر مبالغة فى الاعتراف ثم رأيته لابن عباس وذلك كله فى الربانين، ذكره الله لنا لنكون كذلك، وكذا قال فيهم:
اطفيش
تفسير : {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ} مع ثباتهم وقوتهم فى الدين، وكونهم ربانيين بعد قتل نبيهم {إلآَّ أن قَالُوا} حرف المصدر والفعل بحسب التأويل كالمضمر، فإن ذلك لا يضمر ولا يوصف به ولا يوصف، وأنه أعرف للدلالة صريحا على الإسناد إلى المرفوع وزمان الحدث بخلاف المصدر المضاف فإنه يعلم أنه مضاف للفاعل أو المفعول بالدليل، فكان أن قالوا أحق بأن يسند إليه قولهم، فالمعنى، ما كان قولهم ربنا اغفر لنا إلا قولا معتادا لهم، بل يصح لغيره أن يكون قولهم وما زاد تعريفه، فهو أحق بالابتداء، فيكون اسما لكان مثلا، والمقدم يدل على تكرير قولهم المذكور بقوله تعالى {رَبَّنا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} والذنوب هنا الصغائر {وَإسْرَافَنَا} فعلنا الكبائر مجاوزة للحد {فِى أَمْرِنَا} فى مطلق أحوالنا، أو فى معصيتنا إذ بالغنا فيها بالكبائر، أو المراد بالذنب والإسراف واحد، الصغائر والكبائر، إلا أنهم ذكروها باسم مفهومه العتاب والعقاب، وباسم مفهومه مجاوزة الحد وذلك هضم لأنفسهم، لأنهم متصفون بأنهم ربيون، أو نظرا إلى حال تقدمت لهم، وفى ذلك تلويح إلى أن ما أصابهم إنما هو لذنوبهم {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} ألق علينا الصبر وأزل الخوف عنا، ووفقنا فى مواطن الحرب الحاضرة هذه التى قتل فيها نبى، والآتية وفى سائر دينك، وقدموا الاستغفار على مقصودهم الأهم بحسب الحال، وهو الصبر والنصر، سعيا ورغبة فى تحصيل النصر، لأن الدعاء فى خضوع وطهارة قلب أقرب إلى الاستجابة، وقيل، قدموا المغفرة لأنها تخلية، وهى قبل التحلية، وقبل، ليستحقوا طلب الثبات والنصر {وَانصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ} بإلقاء الرعب فى قلوبهم أو بتقويتنا عليهم، أو بما شئت، كرجم وخسف، وذلك تعريض بمنهزمى أحد، والاستغفار سبب لتثبيت الأقدام، وتثبيتها سبب للنصر غالباً، ومناجاتهم أحسن من مناجاة قوم طالوت.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ } كالتتميم والمبالغة في صلابتهم في الدين وعدم تطرق الوهن والضعف إليهم بالكلية، وهو معطوف على ما قبله، وقيل: كلام مبين لمحاسنهم القولية إثر بيان محاسنهم الفعلية، وقولهم بالنصب خبر لكان واسمها المصدر المتحصل من {أَنْ} وما بعدها في قوله تعالى: {إِلاَّ أَن قَالُواْ } والاستثناء مفرغ من أعم الأشياء أي ـ ما كان قولهم ـ في ذلك المقام واشتباك أسنة الشدائد والآلام إلا أن قالوا. {ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } أي صغائرنا {وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا } أي تجاوزنا عن الحد، والمراد كبائرنا وروي ذلك عن الضحاك، وقيل: الإسراف تجاوز في فعل ما يجب، والذنب عام فيه وفي التقصير، وقيل: إنه يقابل الإسراف وكلاهما مذموم، وسيأتي في هذه السورة إن شاء الله تعالى إطلاق الذنوب على الكبائر فافهم. والظرف متعلق بما عنده أو حال منه وإنما أضافوا ذلك إلى أنفسهم مع أن الظاهر أنهم برآء من التفريط في جنب الله تعالى هضماً لأنفسهم واستقصاراً لهمهم وإسناداً لما أصابهم إلى أعمالهم، على أنه لا يبعد أن يراد بتلك الذنوب وذلك الإسراف ما كان ذنباً وإسرافاً على الحقيقة لكن بالنسبة إليهم، وحسنات الأبرار سيئات المقربين، وقيل: أرادوا من طلب المغفرة طلب قبول أعمالهم حيث إنه لا يجب على الله تعالى شيء، وفيه ما لا يخفى، وقدموا الدعاء بالمغفرة على ما هو الأهم بحسب الحال من الدعاء بقوله سبحانه: {وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا } أي عند جهاد أعدائك بتقوية قلوبنا وإمدادنا بالمدد الروحاني من عندك {وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } / تقريباً له إلى حيز القبول فإن الدعاء المقرون بالخضوع الصادر عن زكاء وطهارة أقرب إلى الاستجابة. ومن الناس من قال: المراد من ـ ثبت أقدامنا ـ ثبتنا على دينك الحق فيكون تقديم طلب المغفرة على هذا التثبيت من باب تقديم التخلية على التحلية وتقديمهما على طلب النصرة لما تقدم، وقيل: إنهم طلبوا الغفران أولاً ليستحقوا طلب النصر على الكافرين بترجحهم بطهارتهم عن الذنوب عليهم وهم محاطون بالذنوب، وفي طلبهم النصر مع كثرتهم المفرطة التي دل عليها ما سبق إيذان بأنهم لا ينظرون إلى كثرتهم ولا يعوّلون عليها بل يسندون ثبات أقدامهم إلى الله تعالى ويعتقدون أن النصر منه سبحانه وتعالى، وفي الإخبار عنهم بأنه ما كان قولهم إلا هذا دون ما فيه شائبة جزع وخور وتزلزل من التعريض بالمنهزمين ما لا يخفى. وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية عنهما برفع {قَوْلُهُمْ } على أنه الاسم والخبر {أَنْ} وما في حيزها أي ما كان قولهم شيئاً من الأشياء إلا هذا القول المنبىء عن أحاسن المحاسن، قال مولانا شيخ الإسلام: ((وهذا كما ترى أقعد بحسب المعنى وأوفق بمقتضى المقام لما أن الإخبار بكون قولهم المطلق خصوصية قولهم المحكي عنهم مفصلاً كما تفيده قراءتهما أكثر إفادة للسامع من الإخبار بكون خصوصية قولهم المذكور قولهم لما أن مصب الفائدة وموقع البيان في الجمل الخبرية هو الخبر، فالأحق بالخبرية ما هو أكثر إفادة وأظهر دلالة على الحدث وأوفر اشتمالاً على نسب خاصة بعيدة من الوقوع في الخارج وفي ذهن السامع، ولا يخفى أن ذلك هٰهنا في أن مع ما في حيزها أتم وأكمل، وأما ما تفيده الإضافة من النسبة المطلقة الإجمالية فحيث كانت سهلة الحصول خارجاً وذهناً كان حقها أن تلاحظ ملاحظة إجمالية وتجعل عنواناً للموضوع لا مقصوداً بالذات في باب البيان، وإنما اختار الجمهور ما اختار والقاعدة صناعية هي أنه إذا اجتمع معرفتان فالأعرف منهما أحق بالإسمية، ولا ريب في أعرفية أن قالوا لدلالته على جهة النسبة وزمان الحدث ولأنه يشبه المضمر من حيث إنه لا يوصف ولا يوصف به، وقولهم مضاف إلى مضمر وهو بمنزلة العلم فتأمل)) انتهى. وقال أبو البقاء: جعل ما بعد {إِلا } اسماً لكان، والمصدر الصريح خبراً لها أقوى من العكس لوجهين: أحدهما: أن {أَن قَالُواْ } يشبه المضمر في أنه لا يوصف وهو أعرف، والثاني: أن ما بعد {إِلا } مثبت، والمعنى كان قولهم ربنا اغفر لنا ذنوبنا الخ دأبهم في الدعاء، وقال العلامة الطيبـي: كأن المعنى ما صح ولا استقام من الربانيين في ذلك المقام إلا هذا القول وكأن غير هذا القول مناف لحالهم، وهذه الخاصية يفيدها إيقاع {أَنْ} مع الفعل اسماً لكان، وتحقيقه ما ذكره صاحب «الانتصاف» من أن فائدة دخول {كَانَ } المبالغة في نفي الفعل الداخل عليه بتعديد جهة فعله عموماً باعتبار الكون وخصوصاً باعتبار خصوصية المقال فهو نفى مرتين، ثم قال: فعلى هذا لو جعلت رب الجملة أن قالوا واعتمدت عليه وجعلت قولهم كالفضلة حصل لك ما قصدته ولو عكست ركبت التعسف، ألا ترى إلى أبـي البقاء كيف جعل الخبر نسياً منسياً في الوجه الثاني واعتمد على ما بعد إلا انتهى. ومنه يعلم ما في كلام مولانا شيخ الإسلام فإنه متى أمكن اعتبار جزالة المعنى مع مراعاة القاعدة الصناعية لا يعدل عن ذلك إلى غيره لا سيما وقد صرحوا بأن جعل الاسم غير الأعرف ضعيف، قال في «المغني»: واعلم أنهم حكموا لأن وإن ـ المقدرتين بمصدر معرف بحكم الضمير لأنه لا يوصف كما أن الضمير أيضاً كذلك فلهذا قرأت السبعة {أية : مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ } تفسير : [الجاثية: 25] {أية : فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ }تفسير : [النمل: 56] والرفع ضعيف كضعف الاخبار بالضمير عما دونه في التعريف انتهى، وعلل بعضهم أعرفية المصدر المؤل بأنه لا ينكر. / وقد اعترضوا على كل من تعليلي ابن هشام والبعض، أما الاعتراض على الأول فبأن كونه لا يوصف لا يقتضي تنزيله منزلة الضمير فكم اسم لا يوصف بل ولا يوصف به وليس بتلك المنزلة؟ وأجيب بأنه جاز أن يكون في ذلك الاسم مانع من جعله بمنزلة الضمير لأن عدم المانع ليس جزءاً من المقتضى ولا شرطاً في وجوده، وأما الاعتراض على الثاني فبأنه غير مسلم لأنه قد ينكر كما في {أية : وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ أَن يُفْتَرَىٰ } تفسير : [يونس: 37] أي افتراءاً قاله الشهاب. وأجيب بأن مراد من قال: إن المصدر المؤل لا ينكر أنه في مثل هذا الموضع لا ينكر لا أن الحرف المصدري لا يؤل بمصدر منكر أصلاً، ويستأنس لذلك بتقييد المصدر بالمعرف في عبارة «المغني» حيث يفهم منها أن ـ أن وإن ـ تارة يقدران بمصدر معرف وتارة بمصدر منكر وأنهما إذا قدرا بمصدر معرف كان له حكم الضمير، ومن هنا قال صاحب «المطلع» في معنى ذلك التعليل: إن قول المؤمنين إن اختزل عن الإضافة يبقى منكراً بخلاف {أَن قَالُواْ } بقي في كلام «المغني» أمور، الأول: أن التقييد ـ بأن وإن ـ هل هو اتفاقي أم احترازي؟ الذي ذهب إليه بعض المحققين الأول: احتجاجاً بأنه أطلق في الجهة السادسة من الباب الخامس أن الحرف المصدري وصلته في نحو ذلك معرفة فلا يقع صفة للنكرة ولم يخص ـ بأن وإن وللذاهب إلى الثاني أن يقول فرق بين مطلق التعريف وكونه في حكم الضمير كما لا يخفى، وابن هشام قد أخذ المطلق في المطلق وقيد المقيد بالمقيد فلا بأس بإبقاء كلا العبارتين على ما يتراءى منهما الثاني: أنه يفهم من ظاهره أن الأداتين لو قدرتا بمصدر منكر لا يكون في حكم الضمير وظاهر هذا أنه يجوز الوصف حينئذ وفيه تردد لأنه قد يقال: لا يلزم من عدم ثبوت مرتبة الضمير لذلك جواز الوصف لأن امتناع الوصف أعم من مرتبة الضمير، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم. الثالث: أنه يفهم من كلامه أن المصدر المقدر المعرف بالإضافة سواء أضيف إلى ضمير أو غيره بمثابة الضمير ولم يصرح أحد من الأئمة بذلك لكن حيث أَنَّ ابن هشام ثقة وإمام في الفن ولم ينقل عن أئمته ما يخالفه يقبل منه ما يقول، الرابع: أن ما حكم به من أن الرفع ضعيف كضعف الإخبار بالضمير عما دونه في التعريف بينه وبين ما ذهب إليه ابن مالك من جواز الإخبار بالمعرفة عن النكرة المحضة في باب النواسخ بون عظيم، ويؤيد كلام ابن مالك قوله تعالى: {أية : فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ }تفسير : [الأنفال: 62] وكأنه لتحقيق هذا المقام ولما أشرنا إليه أولاً في تحقيق معنى الآية قال المولى قدس سره: فتأمل فتأمل.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكَافِرِينَ} (147) - فَاحْتَسَبَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنُونَ (الرِّبِّيُّونَ) اللهَ عِنْدَ اشْتِدَادِ الخَطْبِ، وَهُمْ يُقَاتِلُونَ أَعْدَاءَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ قَوْلٍ عِنْدَ نُزُولِ الكَوَارِث إلاَ الدُّعَاءُ إلَى اللهِ أنْ يَغْفِرَ لَهُمْ بِجِهَادِهِمْ مَا كَانُوا ألمُّوا بِهِ مِنْ ذنُوبٍ، وَتَجَاوَزُوا فِيهِ حُدُودَ الشَّرائعِ، وأن يُثَبِّتَ أقْدَامَهُمْ عَلَى الصِّرَاطِ القَوِيمِ، حَتَّى لا تُزَحْزِحَهُم الفِتَنُ، وَلا يَعْرُوهُمُ الفَشَلُ حِينَ مُقَابَلَةِ الأعْدَاءِ فِي سَاحَةِ الحَرْبِ. الإِسْرَافُ - مُجَاوَزَةُ الحَدِّ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فكأن ما حدث نتيجة لذنب تقدم ففطنوا إلى السبب، كان المفروض أنهم في معركة، وهذه المعركة أجهدتهم وأنهكتهم، صحيح أنهم لم يضعفوا، وكان المفروض أن يقولوا: "يارب انصرنا أولاً" لا. بل قالوا: لا بد أن نعرف السبب في النكسة الأولى، السبب في هذه النكسة أن الله لم يسلمني إلى نفسي إلا لأني نسيته. {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا} [آل عمران: 147]، "ربنا"، وانظر لكلمة النداء في "ربنا"، كان يمكن أن يقولوا: يا ألله إنما جاءوا بكلمة "ربنا" لماذا؟ لأن علاقة العبد بالربوبية هي قبل علاقته بالألوهية، فالألوهية مكلفة، فمعنى "إله" أي: معبود، وما دام معبوداً فله تكليف يطاع فيه، وهذا التكليف يأتي بعد ذلك، هو سبحانه له ربوبيتهُ في الخلق. قبل أن يكلفهم، وما دام الرب هو الذي يتولى التربية، فالأولى أن يقولوا: يارب، إذن قولهم: "ربنا" يعني أنت متولي أمورنا، أنت الذي تربينا. {ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} [آل عمران: 147] فكأنه لا شيء يصيبنا إلا بذنب من الغفلة ارتكبناه. ونعرف من كلمة "ذنب" أن الذي يفطن إلى معناه لا يفعلها أبداً، لأن كلمة "ذنب" مأخوذة من مادة "الذَنَب". والذَّنْبُ سيأتي بعده عقوبة. فاللفظ نفسه يوحي بأن شيئاً سيأتي، وعندما تتذكر عقاب الذنب فأنت لا تفعله. {ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا} [آل عمران: 147] لأن كل معصية تكون تجاوزاً عما أَحلَّه الله لك، وزيادة غير مشروعة وإن كانت من نوع ما أحله الله، ولكنها زيادة عن مقومات حياتك، فالله شرع لنا الزواج لنأتي بالأولاد، وعندما نأخذ أكثر من هذا من غير زواج نكون قد أسرفنا، والله أعطانا مالا بقدر حركتنا، فإن طمعنا في مال غيرنا فقد أسرفنا. "وأسرفت" يعني أن تأخذ حاجة ليست ضرورية لقوام حياتك ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}تفسير : [الزمر: 53]. إنه سبحانه يوضح: أنا حللت لك كذا من النساء فما الذي جعل عينيك تزوغ وتميل إلى غير ما أحله الله لك؟ أنا أحللت لك كسب يدك وإن كنت فقيراً فستأخذ صدقة، لماذا أسرفت؟ إذن فكل أمر زائد على الحد المطلوب لبقاء الحياة اسمه "إسراف" {وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} [آل عمران: 147]. لقد بدأوا يدخلون في الحق، لكنهم في البداية رَأَوْا الباطل، والباطل هو من أسباب تخلي الحق عن نصرتنا أولاً، لكن عندما يغفر سبحانه الذنب ويغفر الإسراف في الأمر نكون أهلاً للمدد وأهلاً لتثبيت الله. {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} [آل عمران: 147] كيف يقول الحق ذلك والمفهوم في المعركة أن الأقدام لا تثبت؟ المعركة تطلب من المقاتل أن يكون صوالاً جوالاً متحركاً، إذن فما معنى "وثبت أقدامنا"؟ إن قول الحق: "وثبت أقدامنا" يعني لا تجعلنا نفر من أرض المعركة، ولا نترك أرض المعركة أبداً. ولذلك قلنا: إن الكفار عندما حدث منهم ما حدث لم يظلوا في أرض المعركة، بل تركوا أرض المعركة وانصرفوا، وهؤلاء المؤمنون ولو أنهم انهزموا إلا أنهم مكثوا في أرض المعركة مدة، وكروا وراء أعدائهم وطردوهم. وقد اهتدى البشر أخيراً إلى هذا المعنى، ففي فرنسا نيشان يسمونه "نيشان الذبابة" لماذا الذبابة؟ لأن الذبابة إن طردتها عن مكان لابد أن تعود إليه، فكذلك المفروض على القائد - ما دام انسحب من منطقة - أن يوطن نفسه على العودة إليها، فيعطوه نيشان الذبابة. فقوله: {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} [آل عمران: 147] في أي منطقة؟ وفي أي معركة؟ علينا ألا نبرح أماكننا؛ لأننا ساعة أن نبرحها فهذه أول الهزيمة، وهذا أمر يُجَرِّئ العدو علينا. {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 147]. كلمة "وانصرنا على القوم الكافرين" هي حيثية، فما داموا قد قالوا: "وانصرنا على القوم الكافرين" فهم إذن مؤمنون، ومؤمنون بحق؛ ولذلك فإن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول قولته المشهورة: إنكم تنتصرون على عدوكم بطاعة الله، فإن استويتم أنتم وهم في المعصية غلبوكم بُعدتهم وعَددهم. ولذلك فالإيمان يتطلب أن تنتبهوا إلى موطن الضعف فيكم أولاً، والذي استوجب أن يصيبكم ما أصابكم، حقاً إنكم لم تضعفوا، ولم تستكينوا وأصابكم من المعركة شيء من التعب والألم. كأن الحق يوضح لنا أنهم قد تنبهوا فأحسنوا البحث في نفوسهم أولاً، لقد تكلموا عن الذنوب وطلبوا المغفرة وتكلموا عن الإسراف على النفس، وبعد ذلك تكلموا عن المعركة. فماذا كان العطاء من الله؟ ويأتينا الجواب في قوله الحق: {فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا} معناهُ تَفْرِيطُنَا فِيهِ.
الجيلاني
تفسير : {وَ} من غاية تصبرهم وتمكنمهم على الجهاد في سبيل الله {مَا كَانَ قَوْلَهُمْ} عند عروض المكروهات والمصيبات فيه {إِلاَّ أَن قَالُواْ} مستغفرين، مسترجعين إلى الله، خائفين من ضعف الأخلاص في امتثال أوامره: {ربَّنَا} يا من ربانا في مضيق الإمكان بأنواع اللطف والإحسان {ٱغْفِرْ لَنَا} بفضلك {ذُنُوبَنَا} خواطرنا التي خطرت في نفوسنا من خوف أعدائك بعدما أمرتنا إلى مقاتلتهم. {وَ} اغفر لنا أيضاً يا ربنا: {إِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا} أي: ميلنا وتجاوزنا إلى طرفي الإفراد والتفريط عن حدودك التي وضعت لنا في الغزو الجهاد {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} على جادتك التي وضعت له في علمك {و} بعد ثبوتنا بتثبيتك {ٱنْصُرْنَا} بحولك وقوتك {عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 147] الساترين نور الوجود بأباطيل هوياتهم وماهياتهم، المائلين عن طريق التوحيد بمتابعة عقولهم المموهة بشياطين الأوهام الباطلة. وبعدما أخلصوا لله، واستغفروا لذنوبهم، والتجأوا لحوله وقوته {فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ} مجازياً لهم؛ تفضلاً وامتناناً {ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا} من النصر والغنيمة، والفوز بالفتح، والظفر على الأعداء، والسيادة والرئاسة على الأولياء على أحيائهم {وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ} من المشاهدة والرضا والمكاشفة، واللقاء على شهدائهم الذين قتلوا في سبي الله، مشتشوقين إلى الفناء فيه؛ ليتحققوا ببقائه {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ}تفسير : [آل عمران: 169] عن الآية، {وَٱللَّهُ} الهادي لعباده إلى فضله في معاده {يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 148] منهم، ويرضى عنهم، خصوصاً الذين أحسنوا في سبيل الله ببذل المهج وأعطاء الروح. ربنا اجعلنا من خدامهم وتراب أقدامهم. ثم لمَّا أراد سبحانه تثبيت المؤمنين على قواعد الإسلام، ورسوخهم على مقتضى شعار الدين والإيمان، حذرهم عن إطاعة الكفار ومخالطتهم، والاستعانة منهم، والاستكانة إليهم، فقال منادياً لهم: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ} وتنقادوا وتستنصورا من {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بتوحيد الله عناداً، وأعرضوا عن كتبه ورسله؛ استكباراً {يَرُدُّوكُمْ} إلبتة بعد إهدائكم إلى الإيمان {عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} التي أنتم فيها من الكفر والطغيان قبل انكشافكم بالإيمان، وإن انقلبتم {فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ} [آل عمران: 149] خسراناً عظيماً، فعليكم أن تتركوا موالاتهم وموافاتهم. {بَلِ} يكفي {ٱللَّهُ} المدبر لأموركم {مَوْلاَكُمْ} يولي أموركم، ويعينكم عليهم متى اضطررتم {وَ} اعلموا أيها المضطرون في الوقائع {هُوَ خَيْرُ ٱلنَّاصِرِينَ} [آل عمران: 150] فاستنصروا منهم وتوكلوا عليه، وما النصر إلا من ندن الله العزيز العليم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):