٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
148
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أنه تعالى لما شرح طريقة الربيين في الصبر، وطريقتهم في الدعاء ذكر أيضا ما ضمن لهم في مقابلة ذلك في الدنيا والآخرة فقال: {فَـآتَـٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: {فَـآتَـٰهُمُ ٱللَّهُ } يقتضي أنه تعالى أعطاهم الأمرين، أما ثواب الدنيا فهو النصرة والغنيمة وقهر العدو والثناء الجميل، وانشراح الصدر بنور الايمان وزوال ظلمات الشبهات وكفارة المعاصي والسيئات، وأما ثواب الآخرة فلا شك أنه هو الجنة وما فيها من المنافع واللذات وأنواع السرور والتعظيم، وذلك غير حاصل في الحال، فيكون المراد أنه تعالى حكم لهم بحصولها في الآخرة، فأقام حكم الله بذلك مقام نفس الحصول، كما أن الكذب في وعد الله والظلم في عدله محال، أو يحمل قوله: {فَأَتَـٰهُمُ } على أنه سيؤتيهم على قياس قوله: {أية : أتى أَمْر ٱللَّهِ } تفسير : [النحل: 1] أي سيأتي أمر الله. قال القاضي: ولا يمتنع أن تكون هذه الآية مختصة بالشهداء، وقد أخبر الله تعالى عن بعضهم أنهم أحياء عند ربهم يرزقون، فيكون حال هؤلاء الربيين أيضاً كذلك، فإنه تعالى في حال إنزال هذه الآية كان قد آتاهم حسن ثواب الآخرة في جنان السماء. المسألة الثانية: خص تعالى ثواب الآخرة بالحسن تنبيها على جلالة ثوابهم، وذلك لأن ثواب الآخرة كله في غاية الحسن، فما خصه الله بأنه حسن من هذا الجنس فانظر كيف يكون حسنه، ولم يصف ثواب الدنيا بذلك لقلتها وامتزاجها بالمضار وكونها، منقطعة زائلة، قال القفال رحمه الله: يحتمل أن يكون الحسن هو الحسن كقوله: {أية : وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا } تفسير : [البقرة: 83] أي حسنا، والغرض منه المبالغة كأن تلك الأشياء الحسنة لكونها عظيمة في الحسن صارت نفس الحسن، كما يقال: فلان جود وكرم، إذا كان في غاية الجود والكرم، والله أعلم. المسألة الثالثة: قال فيما تقدم: {أية : وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا } تفسير : [آل عمران: 145] فذكر لفظة «من» الدالة على التبعيض فقال في الآية: {فَـآتَـٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ } ولم يذكر كلمة «من» والفرق: أن الذين يريدون ثواب الآخرة انما اشتغلوا بالعبودية لطلب الثواب، فكانت مرتبتهم في العبودية نازلة، وأما المذكورون في هذه الآية فإنهم لم يذكروا في أنفسهم الا الذنب والقصور، وهو المراد من قوله: {أية : ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا } تفسير : [آل عمران: 147] ولم يروا التدبير والنصرة والإعانة إلا من ربهم، وهو المراد بقوله: {أية : وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [آل عمران: 147] فكان مقام هؤلاء في العبودية في غاية الكمال، فلا جرم أولئك فازوا ببعض الثواب، وهؤلاء فازوا بالكل، وأيضاً أولئك أرادوا الثواب، وهؤلاء ما أرادوا الثواب. وإنما أرادوا خدمة مولاهم فلا جرم أولئك حرموا وهؤلاء أعطوا، ليعلم أن كل من أقبل على خدمة الله أقبل على خدمته كل ما سوى الله. ثم قال: {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } وفيه دقيقة لطيفة وهي أن هؤلاء اعترفوا بكونهم مسيئين حيث قالوا: {ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا } فلما اعترفوا بذلك سماهم الله محسنين، كأن الله تعالى يقول لهم: إذا اعترفت باساءتك وعجزك فأنا أصفك بالإحسان وأجعلك حبيبا لنفسي، حتى تعلم أنه لا سبيل للعبد الى الوصول الى حضرة الله الا باظهار الذلة والمسكنة والعجز. وأيضاً: انهم لما أرادوا الإقدام على الجهاد طلبوا تثبيت أقدامهم في دينه ونصرتهم على العدو من الله تعالى، فعند ذلك سماهم بالمحسنين، وهذا يدل على أن العبد لا يمكنه الإتيان بالفعل الحسن، إلا إذا أعطاه الله ذلك الفعل الحسن وأعانه عليه، ثم إنه تعالى قال: {أية : هَلْ جَزَاء ٱلإحْسَـٰنِ إِلاَّ ٱلإحْسَـٰنُ }تفسير : [الرحمن: 60] وقال: {أية : لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ } تفسير : [يونس: 26] وكل ذلك يدل على أنه سبحانه هو الذي يعطي الفعل الحسن للعبد، ثم أنه يثيبه عليه ليعلم العبد أن الكل من الله وبإعانة الله.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ} أي أعطاهم {ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا}، يعني النصر والظفر على عدوّهم. {وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ} يعني الجنة. وقرأ الجَحْدَري {فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ} من الثواب. {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} تقدّم.
البيضاوي
تفسير : {فَـآتَـٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} فأتاهم الله بسبب الاستغفار واللجأ إلى الله النصر والغنيمة والعز وحسن الذكر في الدنيا، والجنة والنعيم في الآخرة، وخص ثوابها بالحسن إشعاراً بفضله وأنه المعتد به عند الله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَئَاتَٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا } النصر والغنيمة {وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلأَخِرَةِ } أي الجنة وحُسْنُةُ: التفضل فوق الاستحقاق {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ }.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية في ذكر الربيين، أي هذا كان قولهم، لا ما قاله بعضكم يا أصحاب محمد، من قول من قال: نأخذ أماناً من أبي سفيان ومن قول من قال: نرجع إلى ديننا الأول، ومن قول من فر، فلا شك أن قوله مناسب لفعله ولو بعض المناسبة، إلى غير ذلك مما اقتضته تلك الحال من الأقوال، وقرأ السبعة وجمهور الناس "قولَهم" بالنصب، ويكون الاسم فيما بعد {إلا} وقرأ جماعة من القراء "قولُهم" بالرفع وجعلوا الخبر فيما بعد {إلا} وروى ذلك حماد بن سلمة عن ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم، ذكره المهدوي، واستغفار هؤلاء القوم الممدوحين في هذا الموطن ينحو إلى أنهم رأوا ما نزل من مصائب الدنيا إنما هو بذنوب من البشر وقوله تعالى: {ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا} عبارتان عن معنى قريب بعضه من بعض، جاء ذلك للتأكيد ولتعم مناحي الذنوب، وكذلك فسر ابن عباس وغيره، وقال الضحاك: الذنوب عام، والإسراف في الأمر أريد به الكبائر خاصة، وقولهم: {وثبت أقدامنا} يحتمل أن يجري مع ما قبله من معنى الاستغفار، فيكون المعنى: اجعلنا دائبين على طاعتك والإيمان بك، وتثبيت القدم على هذا: استعارة، ويحتمل أن يكون في معنى ما بعده من قوله: {وانصرنا على القوم الكافرين} فيراد ثبوت القدم حقيقة في مواقف الحرب، قال ابن فورك: في هذا الدعاء رد على القدرية، لقولهم: إن الله لا يخلق أفعال العبد، ولو كان ذلك لم يسغ أن يدعي فيما لا يفعله. و {ثواب الدنيا} في هذه الآية: الظهور على عدوهم، قاله ابن إسحاق وقتادة وغيرهما، وقال ابن جريج: الظفر والغنيمة، وفسر بهذا جماعة من المؤلفين في التفسير، قال النقاش: ليس إلا الظفر والغلبة فقط، لأن الغنيمة لم تحلل إلا لهذه الأمة. قال الفقيه الإمام: وهذا اعتراض صحيح، {وحسن ثواب الآخرة} الجنة بلا خلاف، وعبر بلفظة "حسن" زيادة في الترغيب وباقي الآية بين.
ابن عبد السلام
تفسير : {ثَوَابَ الدُّنْيَا} النصر على العدو، أو الغنيمة. {ثَوَابِ الآخِرَةِ} الجنة إجماعاً.
النسفي
تفسير : {فَئَاتَٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا } أي النصرة والظفر والغنيمة {وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ } المغفرة والجنة. وخص بالحسن دلالة على فضله وتقدمه وأنه هو المعتد به عنده {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } أي هم محسنون والله يحبهم. { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ } يرجعوكم إلى الشرك {فَتَنقَلِبُواْ خَـٰسِرِينَ } قيل: هو عام في جميع الكفار وعلى المؤمنين أن يجانبوهم ولا يطيعوهم في شيء حتى لا يستجروهم إلى موافقتهم. وعن السدي: إن تستكينوا لأبي سفيان وأصحابه وتستأمنوهم يردوكم إلى دينهم. وقال علي رضي الله عنه: نزلت في قول المنافقين للمؤمنين عند الهزيمة ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم {بَلِ ٱللَّهُ مَوْلَـٰكُمْ } ناصركم فاستغنوا عن نصرة غيره {وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّـٰصِرِينَ * سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ } «الرعب» شامي وعلي وهما لغتان. قيل: قذف الله في قلوب المشركين الخوف يوم أحد فانهزموا إلى مكة من غير سبب ولهم القوة والغلبة {بِمَا أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ } بسبب إشراكهم أي كان السبب في إلقاء الله الرعب في قلوبهم إشراكهم به {مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَـٰناً } آلهة لم ينزل الله بإشراكها حجة، ولم يرد أن هناك حجة إلا أنها لم تنزل عليهم لأن الشرك لا يستقيم أن تقوم عليه حجـة، وإنما المراد نفي الحجة ونزولها جميعاً كقوله:شعر : ولا ترى الضب بها ينجحر تفسير : أي ليس بها ضب فينجحر، ولم يعن أن بها ضباً ولا ينجحر {وَمَأْوَاهُمُ } مرجعهم {ٱلنَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّـٰلِمِينَ } النار فالمخصوص بالذم محذوف. ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه إلى المدينة قال ناس من أصحابه، من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟ فنزل {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ } أي حقق {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ } تقتلونهم قتلاً ذريعاً. وعن ابن عيسى: حسه أبطل حسه بالقتل {بِإِذْنِهِ } بأمره وعلمه {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ } جبنتم {وَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلأَمْرِ } أي اختلفتم {وَعَصَيْتُمْ } أمر نبيكم بترككم المركز واشتغالكم بالغنيمة {مِن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } من الظفر وقهر الكفار. ومتعلق «إذا» محذوف تقديره حتى إذا فشلتم منعكم نصره، وجاز أن يكون المعنى صدقكم الله وعده إلى وقت فشلكم {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا } أي الغنيمة وهم الذين تركوا المركز لطلب الغنيمة. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل أحداً خلف ظهره واستقبل المدينة وأقام الرماة عند الجبل وأمرهم أن يثبتوا في مكانهم ولا يبرحوا ـــــ كانت الدولة للمسلمين أو عليهم ـــــ فلما أقبل المشركون جعل الرماة يرشقون خيلهم والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا، والمسلمون على آثارهم يقتلونهم. حتى إذا فشلوا وتنازعوا فقال بعضهم: قد انهزم المشركون فما موقفنا هاهنا، فادخلوا عسكر المسلمين وخذوا الغنيمة مع إخوانكم، وقال بعضهم: لا تخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن ثبت مكانه عبد الله بن جبير أمير الرماة في نفر دون العشرة وهم المعنيون بقوله {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلأَخِرَةَ } فكر المشركون على الرماة وقتلوا عبد الله ابن جبير وأقبلوا على المسلمين حتى هزموهم وقتلوا من قتلوا وهو قوله {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ } أي كف معونته عنكم فغلبوكم {لِيَبْتَلِيَكُمْ } ليمتحن صبركم على المصائب وثباتكم عندها وحقيقته ليعاملكم معاملة المختبر لأنه يجازي على ما يعمله العبد لا على ما يعلمه منه {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } حيث ندمتم على ما فرط منكم من عصيان رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } بالعفو عنهم وقبول توبتهم، أو هو متفضل عليهم في جميع الأحوال سواء أديل لهم أو أديل عليهم، لأن الابتلاء رحمة كما أن النصرة رحمة. وانتصب. {إِذْ تُصْعِدُونَ } تبالغون في الذهاب في صعيد الأرض، والإصعاد الذهاب في صعيد الأرض أو الإبعاد فيه بصرفكم، أو بقوله «ليبتليكم» أو بإضمار «اذكروا» {وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ } ولا تلتفون وهو عبارة عن غاية انهزامهم وخوف عدوهم {وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ } يقول «حديث : إليّ عباد الله أنا رسول الله من يكر فله الجنة» تفسير : والجملة في موضع الحال {فِى أُخْرَاكُمْ } في ساقتكم وجماعتكم الأخرى وهي المتأخرة. يقال جئت في آخر الناس وأخرهم كما تقول في أولهم وأولاهم بتأويل مقدمتهم وجماعتهم الأولى {فَأَثَـٰبَكُمْ } عطف على «صرفكم» أي فجازاكم الله {غَمّاً } حين صرفكم عنهم وابتلاكم {بِغَمّ } بسبب غم أذقتموه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعصيانكم أمره أو غماً مضاعفاً، غماً بعد غم وغماً متصلاً بغم، من الاغتمام بما أرجف به من قتل رسول الله عليه السلام والجرح والقتل وظفر المشركين وفوت الغنيمة والنصر {لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ } لتتمرنوا على تجرع الغموم فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع {وَلاَ مَا أَصَـٰبَكُمْ } ولا على مصيب من المضار {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } عالم بعملكم لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وهذا ترغيب في الطاعة وترهيب عن المعصية. {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ ٱلْغَمّ أَمَنَةً نُّعَاساً } ثم أنزل الله الأمن على المؤمنين وأزال عنهم الخوف الذي كان بهم حتى نعسوا وغلبهم النوم. عن أبي طلحة: غشينا النعاس ونحن في مصافنا فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه ثم يسقط فيأخذه. والأمنة الأمن، و«نعاساً» بدل من «أمنة» أو هو مفعول و«أمنة» حال منه مقدمة عليه نحو «رأيت راكباً رجلاً» والأصل أنزل عليكم نعاساً ذا أمنة إذ النعاس ليس هو الأمن، ويجوز أن يكون «أمنة» مفعولاً له أو حالاً من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة أو على أنه جمع آمن كبار وبررة {يَغْشَىٰ } يعني النعاس. «تغشى» بالتاء والإمالة: حمزة وعلي أي الأمنة {طَائِفَةٌ مّنكُمْ } هم أهل الصدق واليقين {وَطَائِفَةٌ } هم المنافقون {قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } ما يهمهم إلا هم أنفسهم وخلاصها لا همّ الدين ولا همّ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين رضوان الله عليهم {يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقّ } في حكم المصدر أي يظنون بالله غير الظن الحق الذي يجب أن يظن به وهو أن لا ينصر محمداً صلى الله عليه وسلم {ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ } بدل منه والمراد الظن المختص بالملة الجاهلية، أو ظن أهل الجاهلية أي لا يظن مثل ذلك الظن إلا أهل الشرك الجاهلون بالله {يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَىْء } هل لنا معاشر المسلمين من أمر الله نصيب قط يعنون النصر والغلبة على العدو {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ } أي النصر والغلبة {كُلُّهُ لِلهِ } ولأوليائه المؤمنين {أية : وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ } تفسير : [الصافات: 173] «كله» تأكيد للأمر و«لله» خبر «أن» «كله» بصري وهو مبتدأ و«لله» خبره والجملة خبر «إن» {يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ } خوفاً من السيف {يَقُولُونَ } في أنفسهم أو بعضهم لبعض منكرين لقولك لهم «إن الأمر كله لله» {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْء مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا } أي لو كان الأمر كما قال محمد «حديث : إن الأمر كله لله ولأوليائه وأنهم الغالبون» تفسير : لما غلبنا قط، ولما قتل من المسلمين من قتل في هذه المعركة. «قد أهمتهم» صفة لـ «طائفة» و«يظنون» خبر لـ «طائفة» أو صفة أخرى، أو حال أي قد أهمتهم أنفسهم ظانين. و«يقولون» بدل من «يظنون» و«يخفون» حال من «يقولون» و«قل إن الأمر كله لله» اعتراض بين الحال وذي الحال و«يقولون» بدل من «يخفون» أو استئناف {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ } أي من علم الله منه أنه يقتل في هذه المعركة وكتب ذلك في اللوح لم يكن به من وجوده، فلو قعدتم في بيوتكم {لَبَرَزَ } من بينكم{ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ } مصارعهم بأحد ليكون ما علم الله أنه يكون، والمعنى أن الله كتب في اللوح قتل من يقتل من المؤمنين وكتب مع ذلك أنهم الغالبون لعلمه أن العاقبة في الغلبة لهم، وأن دين الإسلام يظهر على الدين كله، وأن ما ينكبون به في بعض الأوقات تمحيص لهم {وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ } وليمتحن ما في صدور المؤمنين من الإخلاص ويمحص ما في قلوبهم من وساوس الشيطان فعل ذلك. أو فعل ذلك لمصالح جمة وللابتلاء والتمحيص {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } بخفياتها. {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ } انهزموا {يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ } جمع محمد عليه السلام وجمع أبي سفيان للقتال بأحد {إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } دعاهم إلى الزلة وحملهم عليها {بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ } بتركهم المركز الذي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثبات فيه فالإضافة إلى الشيطان لطف وتقريب والتعليل بكسبهم وعظ وتأديب. وكان أصحاب محمد عليه السلام تولوا عنه يوم أحد إلا ثلاثة عشر رجلاً منهم أبو بكر وعلي وطلحة وابن عوف وسعد بن أبي وقاص والباقون من الأنصار {وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ } تجاوز عنهم {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } للذنوب {حَلِيمٌ } لا يعاجل بالعقوبة { يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } كابن أبيّ وأصحابه {وَقَالُواْ لإِخْوٰنِهِمْ } أي في حق إخوانهم في النسب أو في النفاق {إِذَا ضَرَبُواْ فِى ٱلأَرْضِ } سافروا فيها للتجارة أو غيرها {أَوْ كَانُواْ غُزًّى } جمع غازٍ كعافٍ وعفّى وأصابهم موت أو قتل {لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ } اللام يتعلق بـ «لا تكونوا» أي لا تكونوا كهؤلاء في النطق بذلك القول واعتقاده ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم خاصة ويصون منها قلوبكم، أو بـ «قالوا» أي قالوا ذلك واعتقدوه ليكون ذلك حسرة في قلوبهم والحسرة الندامة على فوت المحبوب {وَٱللَّهُ يُحْيىِ وَيُمِيتُ } رد لقولهم «إن القتال يقطع الآجال» أي الأمر بيده قد يحيـي المسافر والمقاتل. ويميت المقيم والقاعد {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فيجازيكم على أعمالكم. «يعملون» مكي وحمزة وعلي أي الذين كفروا.
البقاعي
تفسير : فلما تم الثناء على فعلهم وقولهم ذكر ما سببه لهم ذلك من الجزاء فقال {فأتاهم الله} المحيط علماً وقدرةً {ثواب الدنيا} أي بأن قبل دعاءهم بالنصر والغنى بالغنائم وغيرها وحسن الذكر وانشراح الصدر وزوال شبهات الشر. ولما كان ثواب الدنيا كيف ما كان لا بد أن يكون بالكدر مشوباً وبالبلاء مصحوباً، لأنها دار الأكدار؛ أعراه من وصف الحسن، وخص الآخرة به فقال: {وجسن ثواب الآخرة} أي مجازاً بتوفيقهم إلى الأسباب في الدنيا، وحقيقة في الآخرة، فإنهم أحسنوا في هذا الفعال والمقال، لكونهم لم يطلبوا بعبادتهم غير وجه الله، فأحبهم لإحسانهم {والله} المحيط بصفات الكمال {يحب المحسنين *} كلهم، فهو جدير بأن يفعل بهم كل جميل ولذلك رفع منزلتهم ولم يجعل ثوابهم بعضاً، كما فعل بمن عبد لإرادة الثواب فقال: {أية : نؤته منها} تفسير : [آل عمران: 145] فقد بان أن هذه الآية منعطفة على ما أمر به الصحابة رضي الله عنهم على طريقة اللف والنشر المشوش، فنفي الوهن تعريض بمن أشير إليه في آية {أية : ولقد كنتم تمنون الموت} تفسير : [آل عمران: 143] ونحو ذلك والثناء لعى قولهم حث عل مثل ما ندبهم إليه في قولهم {أية : ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم}تفسير : [آل عمران: 135] وثبات الإقدام إشارة إلى {أية : وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} تفسير : [آل عمران: 139] وإلى أن ثبات القدم للنصر على أعداء الله كان شاغلاً لهم عن الالتفات إلى غيره، وتعريض بمن أقبل على الغنائم وترك طلب العدو لتمام النصر المشار إليهم بآية {أية : ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها} تفسير : [آل عمران: 145] وإيتاء الثواب ناظر إلى النهي عن الربا وما انتظم في سلكه وداناه، وإلى الأمر بالمسارعة إلى الجنة وما والاه، وإيماء إلى أن من فعل فعلهم نال ما نالوا، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، لأن علمه محيط، وكرمه لا يحد، وخزائنه لا تنفد، بل لا تنقص، ثم ختمها بما ختم به للحث على التخلق بأوصاف المتقين؛ فقد اتضح بغير لبس أن المراد بهذه الآية - وهي الإخبار عن إيتائهم الثواب - التنبيه على أن أهم الأمور وأحقها بالبداءة التخلق بما وعظوا به قبل قص القصة، ولا ريب أن في مدح من سواهم تهييجاً زائداً لانبعاث نفوسهم وتحرك هممهم وتنبيه نشاطهم وثوران عزائمهم غيرة منهم أن يكون أحد - وهم خير أمة أخرجت للناس - أعلى همة وأقوى عزيمة وأشد شكيمة وأصلب عوداً واثبت عموداً وأربط جأشاً وأذكر لله وأرغب فيما عنده وأزهد فيما أعرض عنه منهم. ولما أمر سبحانه وتعالى بطاعته الموجبة للنصر والأجر وختم بمحبته للمحسنين، حذر من طاعة الكافرين المقتضية للخذلان رغبة في موالاتهم ومنا صرتهم فقال تعالى واصلاً بالنداء في آية الربا: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان {إن تطيعوا} بخضوع واستئمان أو غيره {الذين كفروا} أي هذا الفريق منهم أو غيره {يردوكم على أعاقبكم} بتعكيس أحوالكم إلى أن تصيروا مثلهم ظالمين كافرين {فتنقلبوا خاسرين *} في جميع أموركم في الدارين، فتكونوا في غاية البعد من أحوال المحسنين، فتكونوا بمحل السخط من الله صغرة تحت أيدي الأعداء في الدنيا خالدين في العذاب في الأخرى، وذلك ناظر إلى قوله تعالى أول ما حذر من مكر الكفار {أية : يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب}تفسير : [آل عمران: 100]، وموضح أن جميع هذه الآيات شديد اتصال بعضها ببعض - والله الموفق. ولما كان التقدير: فلا تطيعوهم، إنهم ليسوا صالحين للولاية مطلقاً ما دمتم مؤمنين، عطف عليه قوله: {بل الله} أي الملك الأعظم {مولاكم} مخبراً بأنه ناصرهم وأن نصره لا يساويه نصر أحد سواه بقوله: {وهو خير الناصرين *} أي لأن من نصره سبب له جميع أسباب النصر وأزال عنه كل أسباب الخذلان, فمنع غيره - كائناً من كان - من إذلاله, ثم قرر ذلك بقوله محققاً للوعد: {سنلقي} أي بعظمتنا {في قلوب الذين كفروا الرعب} أي المقتضي لامتثال ما أمر به من الجرأة عليهم وعدم الوهن في أمرهم، كما افتتح القصة بالإيماء إلى ذلك بالأمر بالسير في الأرض والنظر في عاقبة المكذبين، ثم بين سبب ذلك فقال: {بما أشركوا بالله} أي ليعلموا قطعاً أنه لا ولي لعدوه لأنه لا كفوء له، وبين بقوله: {ما لم ينزل} أي في وقت من الأوقات {به سلطاناً} أنه لا حجة لهم في الإشراك، وما لم ينزل به سلطاناً فلا سلطان له، ومادة سلط ترجع إلى القوة، ولما كان التقدير: فعليهم الذل في الدنيا لاتباعهم ما لا قوة به، عطف عليه: {ومأواهم النار} ثم هوّل أمرها بقوله: {وبئس مثوى الظالمين *} أي هي، وأظهر في موضع الإضمار للتعميم وتعليق الحكم بالوصف. ولما كانت السين في {سنلقي} مفهمة للاستقبال كان ذلك ربما أوهم أنه لم يرغبهم فيما مضى، فنفى هذا الوهم محققاً لهم ذلك بتذكيرهم بما أنجز لهم من وعده في أول هذه الوقعة مدة تلبسهم بما شرط عليهم من الصبر والتقوى بقوله تعالى - عطفاً على قوله: {أية : بلى إن تصبروا وتتقوا}تفسير : [آل عمران: 125]، مصرحاً بما لوح إليه تقديراً قبل {أية : ولقد نصركم الله ببدر}تفسير : [آل عمران: 123] كما مضى -: {ولقد صدقكم الله وعده} أي في قوله {أية : وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم}تفسير : [آل عمران: 120] {إذ تحسونهم} أي تقتلونهم بعضهم بالفعل والباقين بالقوة التي هيأها لكم {بإذنه} فإن الحسن بالفتح: القتل والاستئصال - قاله في القاموس. ثم بين لهم سبب هزيمتهم بعد تمكينه منهم ليكون رادعاً لهم عن المعاودة إلى مثله فقال مبيناً لغاية الحسن: {حتى إذا فشلتم} أي ضعفتم وتراخيتم بالميل إلى الغنيمة خلاف ما تدعو إليه الهمم العوالي، فكيف بهم إذا كانوا من حزب مولى الموالي! فلو كانت العرب على حال جاهليتها تتفاخر بالإقبال على الطعن والضرب في مواطن الحرب والإعراض عن الغنائم - كما قال عنترة بن شداد العبسي يفتخر: شعر : هلا سألت الخيل يا ابنة مالك إن كنت جاهلة بما لم تعلمي إذ لا أزال على رحالة سابح نهد تعاوره الكماة مكلم طوراً يعرض للطعان وتارة يأوي إلى حصد القسي عرموم يخبرك من شهد الوقيعة أنني أغشى الوغى وأعفّ عند المغنم تفسير : وقال يفاخر بقومه كلهم: شعر : إنا إذا حمس الوغى نروي القنا ونعف عند مقاسم الأنفال تفسير : ولما ذكر الفشل عطف عليه ما هو سببه في الغالب فقال: {وتنازعتم} أي بالاختلاف، وأصله من نزع بعض شيئاً من يد بعض {في الأمر} أي أمر الثغر المأمور بحفظه {وعصيتم} أي وقع العصيان بينكم بتضييع الثغر. وأثبت الجار تصويراً للمخالفة بأنها كانت عقب رؤية النصر سواء، وتبشيراً بزوالها فقال: {من بعد ما أراكم ما تحبون} أي من حسهم بالسيوف وهزيمتهم. ولما كان ذلك ربما أفهم أن الجميع عصوا نفي ذلك معللاً للعصيان بقوله: {منكم من يريد الدنيا} أي قد أغضى عن معايبها التي أجلاها فناؤها. ولما كان حكم الباقين غير معين للفهم من هذه الجملة قال: {ومنكم من يريد الآخرة} وهم الثابتون في مراكزهم، لما يعرجوا على الدنيا. ولما كان التقدير جواباً لإذا: سلطهم عليكم، عطف عليه قوله: {ثم صرفكم عنهم} أي لاندهاشكم إتيانهم إليكم من ورائكم، وعطفه بثم لاستبعادهم للهزيمة بعد ما رأوا من النصرة {ليبتليكم} أي يفعل في ذلك فعل من يريد الاختبار في ثباتكم على الدين في حالي السراء والضراء. ولما كان اختباره تعالى بعصيانهم شديد الإزعاج للقلوب عطف على قوله {صرفكم} {ولقد عفا عنكم} أي تفضلاً عليكم لإيمانكم {والله} الذي له الكمال كله {ذو فضل على المؤمنين *} أي كافة، وهو من الإظهار في موضع الإضمار للتعميم وتعليق الحكم بالوصف.
ابو السعود
تفسير : {فَـاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ} بسبب دعائِهم ذلك {ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا} أي النصرَ والغنيمةَ والعزَّ والذكرَ الجميلَ {وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ} الحسنُ وهو الجنةُ والنعيمُ المخلّدُ، وتخصيصُ وصفِ الحسن به للإيذان بفضله ومزيتِه وأنه المعتدُّ به عنده تعالى {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} تذيـيلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله، فإن محبةَ الله تعالى للعبد عبارةٌ عن رضاه عنه وإرادةِ الخيرِ به، فهي مبدأٌ لكل سعادة، واللامُ إما للعهد، وإنما وُضع المُظهرُ موضِعَ ضميرِ المعهودين للإشعار بأن ما حُكيَ عنهم من الأفعال والأقوالِ من باب الإحسانِ، وإما للجنس وهم داخلون فيه دخولاً أولياً وهذا أنسبُ بمقام ترغيبِ المؤمنين في تحصيل ما حُكي عنهم من المناقب الجليلة. {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} شروعٌ في زجرهم عن متابعة الكفارِ ببـيان استتباعِها لخسران الدنيا والآخرة إثرَ ترغيبِهم في الاقتداء بأنصار الأنبـياءِ ببـيان إفضائه إلى فوزهم بسعادة الدارين، وتصديرُ الخطابِ بالنداء والتنبـيهِ لإظهار الاعتناءِ بما في حيِّزه، ووصفُهم بالإيمان لتذكير حالِهم وتثبـيتِهم عليها بإظهار مباينتِها لحال أعدائِهم كما أن وصفَ المنافقين بالكفر في قوله تعالى: {إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} لذلك قصداً إلى مزيد التنفيرِ عنهم والتحذيرِ عن طاعتهم، قال علي رضي الله عنه: نزلت في قول المنافقين للمؤمنين عند الهزيمةِ: ارجِعوا إلى إخوانكم وادخُلوا في دينهم، فوقوعُ قوله تعالى: {يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ} جواباً للشرط ــ مع كونِه في قوة أن يقال: إن تُطيعوهم في قولهم: ارجِعوا إلى إخوانكم وادخُلوا في دينهم يُدخِلونكم في دينهم ــ باعتبار كونه تمهيداً لقوله تعالى: {فَتَنقَلِبُواْ خَـٰسِرِينَ} أي للدنيا والآخرة غيرَ فائزين بشيء منهما واقعين في العذاب الخالدِ على أن الارتدادَ على العقِب عَلَمٌ على انتكاس الأمرِ ومثَلٌ في الحور بعد الكور وقيل: المراد بهم اليهودُ والنصارى حيث كانوا يستَغْنونهم ويُوقِعون لهم الشُّبَه في الدين ويقولون: لو كان نبـياً حقاً لما غُلب ولمَا أصابه وأصحابَه ما أصابهم وإنما هو رجلٌ حالُه كحال غيرِه من الناس يوماً عليه ويوماً له، وقيل: أبو سفيان وأصحابُه والمرادُ بطاعتهم استئمانُهم والاستكانةُ لهم، وقيل: الموصولُ على عمومه والمعنى نهيُ المؤمنين عن طاعتهم في أمر من الأمور حتى لا يستجرّوهم إلى الارتداد عن الدين فلا حاجةَ على هذه التقاديرِ إلى ما مر من البـيان.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا}. وأقل ذلك القناعة ثم الرضا ثم العيش معه ثم الأُنس في الجلوس بين يديه ثم كمال الفرح بلقائه، ثم استقلال السرِّ بوجوده. {وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}. يعني دخولهم الجنة محررون عنها، غير داخلين في أسرها. ويقال ثوابُ الدنيا والآخرة الغيبةُ عن الدارين برؤية خالقهما. ولمّا قال {ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا} قال في الآخرة {وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ} فوجب أن يكون لثواب الآخرة مزية على ثواب الدنيا حيث خصَّه بوصف الحسن، وتلك المزية دوامها وتمامها وثمارها، وأنها لا يشوبها ما ينافيها، ويوقع آفةً فيها.
اسماعيل حقي
تفسير : {فآتاهم الله} بسبب دعائهم ذلك {ثواب الدنيا} اى النصر والغنيمة والعز والذكر الجميل {وحسن ثواب الآخرة} اى وثواب آخرة الحسن وهى الجنة والنعيم المخلد وتخصيص وصف الحسن به للايذان بفضله ومزيته وانه المعتد به عنده تعالى {والله يحب المحسنين} ومحبة الله للعبد عبارة عن رضاه عنه وارادة الخير به فهى مبدأ لكل سعادة. والاشارة ان الله تعالى لما زاد لخواص عباده كرامة التخلق باخلاقه ابتلاهم بقتال العدو وثبتهم عند الملاقاة فاستخرج من معادن ذواتهم جواهر صفاته المكنونة فيها المكرمة بها بنوا آدم والصبر والاحسان من صفات الله والله تعالى يحب صفاته ويحب من تخلق بصفاته ولهذا قال {أية : والله يحب الصابرين} تفسير : [آل عمران: 146]. {والله يحب المحسنين} قال الامام فى قوله تعالى {والله يحب المحسنين} فيه لطيفة دقيقة وهى ان هؤلاء اعترفوا بكونهم مسيئين حيث قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا واسرافنا فى امرنا فلما اعترفوا بذلك سماهم الله محسنين كأنه تعالى يقول لهم اذا عرفت باساءتك وعجزك فانا اصفك بالاحسان واجعلك حبيبا لنفسى حتى يعلم انه لا سبيل للعبد الى الوصول الى حضرة الله الا باظهار الذلة والمسكنة والعجز شعر : كنون بايدت عذر تقصير كفت نه جون نفس ناطق ز كفتن بخت توبيش ازعقوبت درعفو كوب كه سودى ندارد فغان زير جوب تفسير : ـ حكى ـ ان آصف بن برخيا اذنب ذنبا يوما من الايام فأتى سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام فقال له ادع الله ان يغفر لى فدعا فغفر له ثم فعل ثانيا فغفر بدعائه ثانيا ثم وثم الى ان اوحى الله الى سليمان عليه السلام ان لا اجيب دعوتك فى حقه ان عاد بعد فلم يمكث ان فعل مرة اخرى فجاء الى سليمان عليه السلام لكى يدعو فاخبره بان الله لا يغفر له فرفع الرجل العصا وخرج الى الصحراء وضرب العصا الى الارض ورفع يده وقال يا رب انت انت وانا انا انت العائد بالمغفرة وانا العائد بالمعصية انا الضعيف المجرم وانت الغفور الرحيم ان لم تعصمنى من الذنوب فلأعودن ثم لأعودن كررها حتى غشىعليه فاوحى الله تعالى الى سليمان عليه السلام ان قل لابن خالتك ان عدت فأغفر لك ثم اغفر لك ثم اغفر لك ثم اغفر لك وانا الغفار شعر : كنونت كه جشمست اشكى ببار زبان دردهانست عذرى بيار فراشو جوينى در صلح باز كه ناكه درتوبه كردد فراز مرو زير باركنه اى بسر كه حمال عاجز بوددر سفر تفسير : فلا يغرنك الشيطان بتزيين الدنيا عليك فانك تعلم فناءها. واوحى الله الى داود عليه السلام [انى منزلك وذريتك الى دار بنيتها على اربعة اركان. احدها ان اخرب ما تعمرون. والثانى ان اقطع ما تصلون. والثالث ان اميت ما تلدون. والرابع ان افرق ما تجمعون] ومن الله العصمة والتوفيق الى سواء الطريق.
الطوسي
تفسير : المعنى، واللغة: قوله: {فآتاهم الله} يعني من تقدم ذكره من الربيين الذين وصفهم. وقال الجبائي: يعني به المسلمين الذين صفتهم ما تقدم ذكره أي أعطاهم الله ثواب الدنيا قال قتادة، والربيع: هو نصرهم على عدوهم حتى ظفروا بهم، وقهروهم. {وثواب الآخرة}: الجنة. وزاد ابن جريج الغنيمة. ويجوز أن يكون ما آتاهم الله في الدنيا من الظفر والنصر وأخذ الغنيمة ثواباً مستحقاً لهم على طاعاتهم، لأن في ذلك تعظيما لهم وتبجيلا، ولذلك تقول: إن المدح على أفعال الطاعة والتسمية بالاسماء الشريفة بعض الثواب، ويجوز أن يكون الله تعالى أعطاهم ذلك تفضلا منه تعالى، أو لما لهم فيه من اللطف، فتكون تسميته بأنه ثواب مجازاً. وحد الثواب هو النفع الخالص المستحق الذي يقارنه تعظيم وتبجيل، والعوض هو النفع المستحق الخالي من التعظيم والتبجيل، والتفضل هو النفع الذي ليس بمستحق ولا معه تعظيم وتبجيل. وانما جاز تأخير الثواب المستحق مع ثبوت الاستحقاق له عقيب الطاعة لامرين: أحدهما - قال أبوعلي: لأنه يوفر عليه ما يفوته في زمان التكليف إلى خير الثواب. وقال الرماني: لأنه إذا أخر عظم ما يستحقه بالتأخر على ما كان لو قدم، لأنه إذا استحق مثلا مائة جزء عاجلا، فاذا أخر استحق مائة وعشرة أو مائة وجزء. وقيل في وجه حسن تأخيره أنه لو كان عقيب الطاعة لأدى إلى أن يكون المكلف ملجأ إلى فعل الطاعة، لأن المنافع الكثيرة تلجئ إلى الفعل كما أن دفع المضار العظيمة تلجئ إلى مثله، وذلك ينافي التكليف. وقوله: {والله يحب المحسنين} أي يريد ثوابهم وتعظيمهم وتبجيلهم والفرق بين الاحسان والانعام أن الاحسان قد يكون إنعاماً بأن يكون نفعاً للمنتفعين به، وقد يكون احساناً بأن يكون فعلا حساً، ومن القسم الأخير يقال هو تعالى محسن بفعل العقاب، ولا يقال محسن من القسم الأول. ويقال هو محسن بفعل الثواب على الوجهين معاً.
الجنابذي
تفسير : {فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ} بسبب ثباتهم على القتال والتجائهم الى الله واستغفارهم منه واستنصارهم له {ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا} من الظّفر والغنيمة و الهيبة والرّعب فى قلوب الاعداء وحسن الصّيت والرّاحة من القتال بسبب علوّ كلمتهم وتسليم عدوّهم لهم وفوق الكلّ الالتذاذ بقرب الله ومناجاته {وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ} من المراتب العالية من الجنّات العالية مثل جنّة عدنٍ وجنّة الرّضوان ونعيمها ممّا وصف وممّا لم يوصف ولم يخطر على قلب بشرٍ وانّما أتى بالحسن فى ثواب الآخرة للاشعار بانّ ثواب الآخرة ذو مراتب كثيرةٍ بعضها حسن وبعضها أحسن وآتاهم الله احسنها لانّ الحسن المضاف الى امر ذى مراتب كلّها حسن يراد به حسن الاحسن منها كأنّ الاحسن حسن بالنّسبة وغير الاحسن غير حسنٍ بالنّسبة الى الاحسن، او المراد ثواب الآخرة مطلقاً والثّواب مطلقاً حسن لكنّه اضاف الحسن الى ثواب الآخرة دون ثواب الدّنيا للاعتناء بثواب الآخرة دون ثواب الدّنيا كأنّه ليس له حسن {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} اى يحبّهم ووضع الظّاهر موضع المضمر ايماء الى انّهم محسنون واشعاراً بعلّة المحبّة.
اطفيش
تفسير : {فَآتَاهُمُ اللَّه}: بسبب استغفارهم، واحتقارهم أنفسهم، والإلتجاء إلى الله. {ثَوَابَ الدُّنْيَا}: النصر والغنيمة والعز وحسن الذكر. {وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ}: الأمن فيها، والجنة وخص ثواب الآخرة بالحسن، لتعلم أنه المعتد به الفضل، لزوال ما فى الدنيا وتكدره، والحسن: مصدر باق على المعنى المصدرى، لأن من أعطاه الله نعمة، فقد أعطاه حسنها، ويجوز أن يكون المعنى الوصف، كأنه قيل: وثواب الآخرة الأحسن، أو الحسن، ومعنى: إيتاؤه إياهم ثواب الآخرة كتابته لهم، على وفق علمه الأزلى، فيوافوه يوم القيامة، ويحتمل أن يراد أن يؤتوه بعد موتهم، قبل قيام الساعة، لأن روح المؤمن تنعم فى الآخرة خارج الجنة بنعيم الجنة، ولا سيما أن يكون ذلك فى الشهداء، فإن أرواحهم تنعم فى الجنة بعد موتهم. {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}: يحب من أحسن بذلك كله كأنه قبل لمن هزم يوم أحد هلا فعلتم الربيون فتنالوا ما نالوا؟.
اطفيش
تفسير : {فَآتَاهُمُ اللهُ} لاستغفارهم وطلب التثبيت والنصر على أهل الكفر لكفرهم، كما دلت له الفاء {ثَوَابَ الدُّنيْا} النصر والعز والفتح وحسن الذكر فى الدنيا، والغنيمة بأن يتغلبوا عليهم حتى يأخذوها، ولو كانوا لا يأكلونها بل تنزل نار فتأخذها أمارة على قبول جهادهم والرضا عنهم، ولا تأكل الحيوان والعبيد بل تبقى لهم دون أنبيائهم،وأكل الغنيمة مخصوص بالنبى محمد صلى الله عليه وسلم وأمته {وَحُسْنَ ثَوَابِ الأَخِرَةِ} ثواب الآخرة كله حسن، بفتح السين والحاء، وفى كله حسن بضم الحاء وإسكان السين، وأكد بجعله هو نفس الحسن، بضم فإسكان، أو حسنة بالضم والإسكان، التفضل المحض فوق ما جعله الله بفضله مستحقا لأعمالهم وثوابا لها، وعلى كل حال فهو الحشر فى أمن، والتسهيل فى الموقف ورضى الله عز وجل، والجنة ونعيمها، والإسراع إليها فضلا واستحقاقا بلا وجوب، ولم يصف ثواب الدنيا بالحسن لأن ما فى الدنيا يزول ويتكدر بالمشاق والآلام والآفات، وقد يعد الغفران من ثواب الآخرة الحسن، أو ذو الحسن {وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ} مطلقا ومنهم هؤلاء، علمنا الله معشر الأمة أن نقتدى بهؤلاء فى ترك ما لا ينبغى فى الحرب، والإنصاف فيها بما ينبغى، فننال فوق ما نالوا، ونزل فى قول المنافقين المؤمنين فى هزيمة أحد، ارجعوا إلى الشرك وفى النزول على حكم أهل الشرك مطلقا، وفى طلب المؤمنين الضعفاء، ابن أبى أن يأخذ لهم الأمان من أبى سفيان، قوله عز وجل: {يَآيُّهَا الَّذِينَ ءِامَنُوا إن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا} تهتموا بطاعتهم أو تصمموا عليها، وذلك غير الرد على الأعقاب فلم يتحد الشرط والجواب، وأيضا قد تعتبر المخالفة باعتبار الخسارة من الجواب، وهى ضر الدنيا والآخرة، وهى غير الإطاعة، هم هؤلاء المنافقون القاتلون للمؤمنين، ارجعوا إلى الشرك وإلى إخوانكم، وطاعة الذين كفروا شاملة للنزول على حكم أبى سفيان بالأمان، فهو وأصحابه داخلون فى الذين كفروا، وقيل اليهود والنصارى، إذ يقولون، لو كان محمد رسولا لم يغلب، وقيل، الكفار مطلقا {يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} أى الشرك بعد كونكم فى التوحيد، كما يرد ماش إلى ورائه، فمحط الكلام فى تشبيه الرجوع إلى الشرك المحض الصريح من المنافقين المضمرين للشرك بالمشى إلى الوراء مجازاة على ظاهرهم، وإن خوطب من ضعف إيمانه فمحط الكلام فى الرد إلى الشرك هكذا، وهو أنسب بقوله يأيها الذين آمنوا {فَتَنقَلِبُوا} ترجعوا إلى باقى دنياكم وإلى آخرتكم، أو تنزلوا عن مراتبكم الدينية المحقة {خَاسِرِينَ} فى الدنيا والآخرة، بأن تنزلوا منازل المسلمين فى النار ومنازلكم، ويفوتكم منازلكم فى الجنة وغيرها، فتكون للمؤمنين، وتذالوا فى الدنيا، وتكونوا تحت القهر، ومن أشق الأشياء الإذعان للعدو وإظهار الحاجة إليه.
الالوسي
تفسير : {فَـآتَّـٰهُمُ ٱللَّهُ } أي بسبب قولهم ذلك كما تؤذن به الفاء {ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا } أي النصر والغنيمة قاله ابن جريج وقال قتادة: الفتح والظهور والتمكن والنصر على عدوهم، قيل: وتسمية ذلك ثواباً لأنه مترتب على طاعتهم، وفيه إجلال لهم وتعظيم، وقيل: تسمية ذلك ثواباً مجاز لأنه يحاكيه. واستشكل تفسير ابن جريج بأن الغنائم لم تحل لأحد قبل الإسلام بل كانت الأنبياء إذا غنموا مالاً جاءت نار من السماء فأخذته فكيف تكون الغنيمة ثواباً دنيوياً ولم يصل للغانمين منها شيء؟! وأجيب بأن المال الذي تأخذه النار غير الحيوان، وأما الحيوان فكان يبقى للغانمين دون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فكان ذلك هو الثواب الدنيوي {وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلأَْخِرَةِ } أي وثواب الآخرة الحسن، وهو عند ابن جريج رضوان الله تعالى ورحمته، وعند قتادة هي الجنة، وتخصيص الحسن بهذا الثواب للإيذان بفضله ومزيته وأنه المعتد به عنده تعالى، ولعل تقديم ثواب الدنيا عليه مراعاة للترتيب الوقوعي، أو لأنه أنسب بما قبله من الدعاء بالنصر على الكافرين. {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } تذييل مقرر لما قبله فإن محبة الله سبحانه للعبد مبدأ كل خير وسعادة، واللام إما للعهد ووضع الظاهر موضع المضمر إيذاناً بأن ما حكى عنهم من باب الإحسان، وإما للجنس وهم داخلون فيه دخولاً أولياً وفيه على كلا التقديرين ترغيب للمؤمنين في تحصيل ما حكى من المناقب الجليلة.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَآتَاهُمُ} {ٱلآخِرَةِ} (148) - فَآتَاهُمُ اللهُ النَّصْرَ وَالظَّفَرَ عَلَى الأعْدَاءِ، وَهُمَا ثَوَابُ الدُّنْيا، وَجَمَعَ لَهُمْ، إلَى ذَلِكَ الظَّفَرِ، حُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ، وَهُوَ الفَوْزُ بِرُضْوَانِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ، وَاللهُ يُحِبُّ الذِينَ يُحْسِنُونَ العَمَلَ، لأَِنَّهُمْ يُقِيمُونَ سُنَّتَهُ فِي أَرْضِهِ، وَيُظْهِرُونَ بِأنْفُسِهِمْ وَأعْمَالِهِمْ أنَّهُمْ جَدِيرُونَ بِخِلاَفَةِ اللهِ فِيهَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي أن الذي يريد الدنيا فالله يعطيه من الدنيا غنائم وأشياء، ولنا أن نلحظ أن الحق عندما يتكلم هنا عن الدنيا فهو لم يصفها بحُسن أو بشيء، فقد قال: {ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا} [آل عمران: 148]، لكن عندما تكلم عن الآخرة فهو يقول: {وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ} [آل عمران: 148] وهذا هو الجمال الذي يجب أن يُعشق؛ لأن الدنيا مهما طالت فهي متاع وغرور وزخرف زائل، ومهما كنت منعماً فيها فأنت تنتظر حاجة من اثنتين: إما أن تزول عنك النعمة، وإما أن تزول أنت عن النعمة. ويختم الحق الآية بقوله: {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 148] وقد أحسنوا حين ناجوا ربهم بعدما أصابهم. إنهم سألوا المغفرة، وسألوا أن يغفر لهم إسرافهم في أمرهم، وأن يثبت أقدامهم وأن ينصرهم على القوم الكافرين؛ لأنهم رأوا أن قوتهم البشرية حين يتخلى عنهم مدد الله تصبح هباءً لا وزن لها. {فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 148] ومثلما قلنا في الصبر: {أية : وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 146] كفى بالجزاء على الصبر أن تكون محبوباً لله، كذلك كفى بالجزاء على الإحسان أن تكون محبوباً لله. وبعد ذلك يقول الحق: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):