٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
149
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أن هذه الآية من تمام الكلام الأول، وذلك لأن الكفار لما أرجفوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل، ودعا المنافقون بعض ضعفة المسلمين الى الكفر، منع الله المسلمين بهذه الآية عن الالتفات الى كلام أولئك المنافقين. فقال: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قيل: {إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } المراد أبو سفيان، فإنه كان كبير القوم في ذلك اليوم، قال السدي: المراد أبو سفيان لأنه كان شجرة الفتن، وقال آخرون: المراد عبدالله بن أبي وأتباعه من المنافقين، وهم الذين ألقوا الشبهات في قلوب الضعفة وقالوا لو كان محمد رسول الله ما وقعت له هذه الواقعة، وإنما هو رجل كسائر الناس، يوما له ويوما عليه، فارجعوا الى دينكم الذي كنتم فيه، وقال آخرون: المراد اليهود لأنه كان بالمدينة قوم من اليهود، وكانوا يلقون الشبهة في قلوب المسلمين، ولا سيما عند وقوع هذه الواقعة، والأقرب أنه يتناول كل الكفار، لأن اللفظ عام وخصوص السبب لا يمنع من عموم اللفظ. المسألة الثانية: قوله: {إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } لا يمكن حمله على طاعتهم في كل ما يقولونه بل لا بد من التخصيص فقيل: ان تطيعوهم فيما أمروكم به يوم أحد من ترك الإسلام، وقيل: إن تطيعوهم في كل ما يأمرونكم من الضلال، وقيل في المشورة، وقيل في ترك المحاربة وهو قولهم: {أية : لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا} تفسير : [آل عمران: 156]. ثم قال: {يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ } يعني يردوكم الى الكفر بعد الإيمان، لأن قبول قولهم في الدعوة الى الكفر كفر. ثم قال: {فَتَنقَلِبُواْ خَـٰسِرِينَ }. واعلم أن اللفظ لما كان عاما وجب أن يدخل فيه خسران الدنيا والآخرة، أما خسران الدنيا فلأن أشق الأشياء على العقلاء في الدنيا الانقياد للعدو والتذلل له وإظهار الحاجة اليه، وأما خسران الآخرة فالحرمان عن الثواب المؤبد والوقوع في العقاب المخلد. ثم قال تعالى: {بَلِ ٱللَّهُ مَوْلَـٰكُمْ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّـٰصِرِينَ } والمعنى أنكم إنما تطيعون الكفار لينصروكم ويعينوكم على مطالبكم وهذا جهل، لأنهم عاجزون متحيرون، والعاقل يطلب النصرة من الله تعالى، لأنه هو الذي ينصركم على العدو ويدفع عنكم كيده، ثم بين أنه خير الناصرين، ولو لم يكن المراد بقوله: {مَوْلَـٰكُمْ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّـٰصِرِينَ } النصرة، لم يصح أن يتبعه بهذا القول، وإنما كان تعالى خير الناصرين لوجوه: الأول: أنه تعالى هو القادر على نصرتك في كل ما تريد، والعالم الذي لا يخفى عليه دعاؤك وتضرعك، والكريم الذي لا يبخل في جوده، ونصرة العبيد بعضهم لبعض بخلاف ذلك في كل هذه الوجوه، والثاني: أنه ينصرك في الدنيا والآخرة، وغيره ليس كذلك، والثالث: أنه ينصرك قبل سؤالك ومعرفتك بالحاجة، كما قال: {أية : قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } تفسير : [الأنبياء: 42] وغيره ليس كذلك. واعلم أن قوله: {وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّـٰصِرِينَ } ظاهره يقتضي أن يكون من جنس سائر الناصرين وهو منزه عن ذلك، لكنه ورد الكلام على حسب تعارفهم كقوله: {أية : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } تفسير : [الروم: 27].
القرطبي
تفسير : لما أمر الله تعالىٰ بالاقتداء بمن تقدّم من أنصار الأنبياء حَذّرَ طاعة الكافرين؛ يعني مشركي العرب: أبا سفيان وأصحابه. وقيل: اليهود والنصارى. وقال عليّ رضي الله عنه: يعني المنافقين في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى دين آبائكم. {يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} أي إلى الكفر. {فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ} أي فترجعوا مغبونين. ثم قال: {بَلِ ٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ} أي مُتولِّي نصركم وحفظكم إن أطعتموه. وقُرىء «بَلِ اللَّهَ» بالنصب، على تقدير بل وأطيعوا الله مولاكم.
البيضاوي
تفسير : { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ} أي إلى الكفر. {عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَـٰسِرِينَ} نزلت في قول المنافقين للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى دينكم وإخوانكم ولو كان محمد نبياً لما قتل. وقيل أن تستكينوا لأبي سفيان وأشياعه وتستأمنوهم يردوكم إلى دينهم. وقيل عام في مطاوعة الكفرة والنزول على حكمهم فإنه يستجر إلى موافقتهم.
ابن كثير
تفسير : يحذر تعالى عباده المؤمنين عن طاعة الكافرين والمنافقين، فإن طاعتهم تورث الردى في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى: {إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَـٰسِرِينَ} ثم أمرهم بطاعته وموالاته والاستعانة به والتوكل عليه، فقال تعالى: {بَلِ ٱللَّهُ مَوْلَـٰكُمْ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّـٰصِرِينَ} ثم بشرهم بأنه سيلقي في قلوب أعدائهم الخوف منهم والذلة لهم؛ بسبب كفرهم وشركهم، مع ما ادخره لهم في الدار الآخرة من العذاب والنكال، فقال: { سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَـٰناً وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّـٰلِمِينَ} وقد ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأحلت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة»تفسير : . وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي عن سليمان التيمي عن سيار عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : فضلني ربي على الأنبياء ـ أو قال: على الأمم ـ بأربع: قال: أرسلت إلى الناس كافة، وجعلت لي الأرض كلها ولأمتي مسجداً وطهوراً، فأينما أدركت رجلاً من أمتي الصلاة، فعنده مسجده وطهوره، ونصرت بالرعب مسيرة شهر يقذفه في قلوب أعدائي، وأحلت لي الغنائم»تفسير : . ورواه الترمذي من حديث سليمان التيمي عن سيار القرشي الأموي مولاهم الدمشقي سكن البصرة، عن أبي أمامة صدي بن عجلان رضي الله عنه به، وقال: حسن صحيح. وقال سعيد بن منصور: أنبأنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث أن أبا يونس حدثه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : نصرت بالرعب على العدو»تفسير : ، ورواه مسلم من حديث ابن وهب. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه أبي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أعطيت خمساً: بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي، ونصرت بالرعب شهراً، وأعطيت الشفاعة، وليس من نبي إلا وقد سأل شفاعته، وإني اختبأت شفاعتي، ثم جعلتها لمن مات لا يشرك بالله شيئاً»تفسير : تفرد به أحمد. وروى العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: {سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} قال: قذف الله في قلب أبي سفيان الرعب، فرجع إلى مكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفاً، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب»تفسير : رواه ابن أبي حاتم. وقوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} قال ابن عباس: وعدهم الله النصر. وقد يستدل بهذه الآية على أحد القولين المتقدمين في قوله تعالى: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءَالاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ مُنزَلِينَ بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ مُسَوِّمِينَ} أن ذلك كان يوم أحد؛ لأن عدوهم كان ثلاثة آلاف مقاتل، فلما واجهوهم، كان الظفر والنصر أول النهار للإسلام، فلما حصل ما حصل من عصيان الرماة وفشل بعض المقاتلة، تأخر الوعد الذي كان مشروطاً بالثبات والطاعة، ولهذا قال: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} أي: أول النهار {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ} أي: تقتلونهم {بِإِذْنِهِ} أي بتسليطه إياكم عليهم {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ} وقال ابن جريج: قال ابن عباس: الفشل: الجبن {وَتَنَـٰزَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ} كما وقع للرماة {مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ} وهو الظفر بهم {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا} وهم الذين رغبوا في المغنم حين رأوا الهزيمة {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} ثم أدالهم عليكم؛ ليختبركم ويمتحنكم {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} أي: غفر لكم ذلك الصنيع، وذلك، والله أعلم، لكثرة عدد العدو وعددهم، وقلة عدد المسلمين وعددهم، قال ابن جريج: قوله {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} قال: لم يستأصلكم، وكذا قال محمد بن إسحاق، رواهما ابن جرير {وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، عن عُبيد الله، عن ابن عباس أنه قال: ما نصر الله النبي صلى الله عليه وسلم في موطن كما نصر يوم أحد، قال: فأنكرنا ذلك، فقال ابن عباس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله، إن الله يقول في يوم أحد: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} يقول ابن عباس: والحسن: القتل {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} الآية، وإنما عنى بهذا الرماة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع، ثم قال: «حديث : احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا»تفسير : فلما غنم النبي صلى الله عليه وسلم وأباحوا عسكر المشركين، أكب الرماة جميعاً ودخلوا في العسكر ينهبون، ولقد التقت صفوف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم هكذا ـ وشبك بين يديه ـ وانتشبوا، فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها، دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضرب بعضهم بعضاً، والتبسوا، وقتل من المسلمين ناس كثير، وقد كان النصر لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أول النهار، حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، وجال المسلمون جولة نحو الجبل، ولم يبلغوا حيث يقول الناس الغار، إنما كانوا تحت المهراس، وصاح الشيطان: قتل محمد، فلم يشكوا به أنه حق، فلا زلنا كذلك ما نشك أنه حق حتى طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين السعدين، نعرفه بتكفئه إذا مشى، قال: ففرحنا حتى كأنه لم يصبنا ما أصابنا، قال: فرقي نحونا، وهو يقول: «حديث : اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله»تفسير : ويقول مرة أخرى: «حديث : ليس لهم أن يعلونا»تفسير : حتى انتهى إلينا، فمكث ساعة، فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل: اعلُ هبل ـ مرتين، يعني: إلهه ـ أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله، ألا أجيبه؟ قال:«حديث : بلى»تفسير : . فلما قال: اعل هبل. قال عمر: الله أعلى وأجل. فقال أبو سفيان: قد أنعمت. عينها فعاد. عنها أو فَعَالَ. فقال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أبو بكر، وها أنا ذا عمر. قال: فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، الأيام دول، وإن الحرب سجال، قال: فقال عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار. قال: إنكم تزعمون ذلك، فقد خبنا وخسرنا إذن، ثم قال أبو سفيان: إنكم ستجدون في قتلاكم مَثْلاً، ولم يكن ذلك عن رأي سراتنا. قال: ثم أدركته حمية الجاهلية، فقال: أما إنه إن كان ذلك لم نكرهه. هذا حديث غريب وسياق عجيب، وهو من مرسلات ابن عباس، فإنه لم يشهد أحداً ولا أبوه، وقد أخرجه الحاكم في مستدركه عن أبي النضر الفقيه، عن عثمان بن سعيد، عن سليمان بن داود بن علي بن عبد الله بن عباس، به، وهكذا رواه ابن أبي حاتم والبيهقي في دلائل النبوة من حديث سليمان بن داود الهاشمي به. ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها، فقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد عن عطاء بن السائب، عن الشعبي، عن ابن مسعود، قال: إن النساء كن يوم أحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين، فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبر أنه ليس منا أحد يريد الدنيا، حتى أنزل الله: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} فلما خالف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعصوا ما أمروا به، أفرد النبي صلى الله عليه وسلم في تسعة: سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، وهو عاشرهم صلى الله عليه وسلم فلما رهقوه قال: «حديث : رحم الله رجلاً ردهم عنا»تفسير : قال: فقام رجل من الأنصار، فقاتل ساعة حتى قتل، فلما رهقوه أيضاً قال: «حديث : رحم الله رجلاً ردهم عنا»تفسير : فلم يزل يقول ذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبيه: «حديث : ما أنصفنا أصحابنا»تفسير : فجاء أبو سفيان فقال: اعل هبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قولوا: الله أعلى وأجل»تفسير : ، فقالوا: الله أعلى وأجل. فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : قولوا: الله مولانا والكافرون لا مولى لهم»تفسير : ، فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، فيوم علينا ويوم لنا، يوم نساء ويوم نسر، حنظلة بحنظلة، وفلان بفلان، وفلان بفلان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا سواء: أما قتلانا، فأحياء يرزقون، وأما قتلاكم، ففي النار يعذبون»تفسير : فقال أبو سفيان: لقد كان في القوم مثلة، وإن كان، لَعَنْ غير ملأ منا، ما أمرت ولا نهيت، ولا أحببت ولا كرهت، ولا ساءني ولا سرني، قال: فنظروا، فإذا حمزة قد بقر بطنه، وأخذت هند كبده، فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أكلت شيئاً»تفسير : ؟ قالوا: لا. قال: «حديث : ما كان الله ليدخل شيئاً من حمزة في النار»تفسير : قال: فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حمزة فصلى عليه، وجيء برجل من الأنصار، فوضع إلى جنبه، فصلى عليه، فرفع الأنصاري وترك حمزة، حتى جيء بآخر، فوضع إلى جنب حمزة، فصلى عليه، ثم رفع وترك حمزة، حتى صلى عليه يومئذ سبعين صلاة، تفرد به أحمد أيضاً. وقال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لقينا المشركين يومئذ، وأجلس النبي صلى الله عليه وسلم جيشاً من الرماة، وأمر عليهم عبد الله بن جبير، وقال: «حديث : لا تبرحوا، إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا، فلا تعينونا»تفسير : فلما لقيناهم، هربوا، حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل رفعن عن سوقهن، قد بدت خلاخلهن، فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة. فقال عبد الله بن جبير: عهد إليّ النبي صلى الله عليه وسلم أن لا تبرحوا، فأبوا، فلما أبوا، صرف وجوههم، فأصيب سبعون قتيلاً، فأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ فقال: «حديث : لا تجيبوه»تفسير : . فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال: «حديث : لا تجيبوه»تفسير : . فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قد قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه فقال له: كذبت يا عدو الله قد أبقى الله لك ما يحزنك، قال أبو سفيان: اعل هبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أجيبوه»تفسير : قالوا: ما نقول؟ قال: «حديث : قولوا: الله أعلى وأجل»تفسير : . قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أجيبوه»تفسير : قالوا: ما نقول؟ قال: «حديث : قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم»تفسير : . قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، وتجدون مثلة، لم آمر بها، ولم تسؤني. تفرد به البخاري من هذا الوجه، ثم رواه عن عمرو بن خالد عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن البراء بنحوه، وسيأتي بأبسط من هذا. وقال البخاري أيضاً: حدثنا عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما كان يوم أحد، هزم المشركون، فصرخ إبليس: أي عباد الله أخراكم، فرجعت أولاهم، فاجتلدت هي وأخراهم، فبصر حذيفة، فإذا هو بأبيه اليمان، فقال: أي عباد الله أبي أبي. قال: قالت: فو الله ما احتجزوا حتى قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم. قال عروة: فو الله ما زالت في حذيفة بقية خير حتى لحق بالله عز وجل. وقال محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جده: أن الزبير بن العوام قال: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند وصواحباتها مشمرات هوارب، ما دون أخذهن كثير ولا قليل، ومالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه، يريدون النهب، وخلوا ظهورنا للخيل، فأتتنا من أدبارنا، وصرخ صارخ: ألا إن محمداً قد قتل، فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء، حتى ما يدنو منه أحد من القوم. قال محمد بن إسحاق: فلم يزل لواء المشركين صريعاً حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية، فدفعته لقريش، فلاثوا به. وقال السدي، عن عبد خير قال: قال عبد الله بن مسعود: ما كنت أرى أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى نزل فينا ما نزل يوم أحد: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} وقد روي من غير وجه عن ابن مسعود، وكذا روي عن عبد الرحمن بن عوف وأبي طلحة، رواهن ابن مردويه في تفسيره. وقوله تعالى: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} قال ابن إسحاق: حدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أحد بني عدي بن النجار، قال: انتهى أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار قد ألقوا ما بأيديهم، فقال: ما يخليكم؟ فقالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه، ثم استقبل القوم، فقاتل حتى قتل رضي الله عنه. وقال البخاري: حدثنا حسان بن حسان، حدثنا محمد بن طلحة، حدثنا حميد عن أنس بن مالك أن عمه، يعني: أنس بن النضر، غاب عن بدر، فقال: غبت عن أول قتال النبي صلى الله عليه وسلم، لئن أشهدني الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليرين الله ما أجد، فلقي يوم أحد، فهزم الناس، فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء ـ يعني: المسلمين ـ وأبرأ إليك مما جاء به المشركون، فتقدم بسيفه، فلقي سعد بن معاذ، فقال: أين يا سعد؟ إني أجد ريح الجنة دون أحد، فمضى فقتل، فما عرف حتى عرفته أخته ببنانه أو بشامة، وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم، هذا لفظ البخاري، وأخرجه مسلم من حديث ثابت عن أنس بنحوه. وقال البخاري أيضاً: حدثنا عبدان، حدثنا أبو حمزة عن عثمان بن موهب، قال: جاء رجل حج البيت، فرأى قوماً جلوساً، فقال: من هؤلاء القعود؟ قالوا: هؤلاء قريش. قال: من الشيخ؟ قالوا: ابن عمر، فأتاه فقال: إني سائلك عن شيء فحدثني، قال: سل، قال: أنشدك بحرمة هذا البيت، أتعلم أن عثمان بن عفان فر يوم أحد؟ قال: نعم. قال: فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. فكبر، فقال ابن عمر: تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه، أما فراره يوم أحد، فأشهد أن الله عفا عنه، وأما تغيبه عن بدر، فإنه كان تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه»تفسير : وأما تغيبه عن بيعة الرضوان، فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان، لبعثه مكانه، فبعث عثمان، فكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، بيده اليمنى: «حديث : هذه يد عثمان»تفسير : فضرب بها على يده، فقال: «حديث : هذه يد عثمان اذهب بها الآن معك»تفسير : ثم رواه البخاري من وجه آخر عن أبي عوانة، عن عثمان بن عبد الله بن موهب. وقوله تعالى: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ} أي: صرفكم عنهم إذ تصعدون، أي: في الجبل، هاربين من أعدائكم. وقرأ الحسن وقتادة: {إِذْ تُصْعِدُونَ} أي: في الجبل {وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ} أي: وأنتم لا تلوون على أحد؛ من الدهش والخوف والرعب {وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىۤ أُخْرَاكُمْ} أي: وهو قد خلفتموه وراء ظهوركم يدعوكم إلى ترك الفرار من الأعداء، وإلى الرجعة والعودة والكرة. قال السدي: لما شدَّ المشركون على المسلمين بأحد، فهزموهم، دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة، فقاموا عليها، فجعل الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الناس: «حديث : إليّ عباد الله، إليّ عباد الله»تفسير : فذكر الله صعودهم إلى الجبل، ثم ذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إياهم، فقال: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىۤ أُخْرَاكُمْ} وكذا قال ابن عباس وقتادة والربيع وابن زيد. وقال عبد الله بن الزبعرى يذكر هزيمة المسلمين يوم أحد في قصيدته، وهو مشرك بعد لم يسلم، التي يقول في أولها:شعر : يا غُرابَ البَيْنِ أَسْمَعْتَ فَقُلْ إِنَّما تَنْطِقُ شَيْئاً قَدْ فُعِلْ إِنَّ للخيرِ ولِلشَّرِ مَدًى وكِلا ذلكَ وَجْهٌ وقَبَلْ تفسير : إلى أن قال:شعر : ليتَ أشياخي بِبَدْرٍ شَهدُوا جَزَعَ الخَزْرَجِ مِنْ وَقْعِ الأَسَلْ حِيْنَ حلَّتْ بِقُباءٍ بَرْكَها واسْتَحَرَّ القَتْلُ في عَبْدِ الأَشَل ثم خَفُّوا عند ذاكم رُقَّصاً رَقَصَ الحُفَّانِ يَعْلُو في الجَبَلْ فَقَتَلْنا الضعْفَ من أشرافِهِمْ وَعَدَلْنا مَيْلَ بَدْرٍ فَاعْتَدَلْ تفسير : الحفان: صغار النعم. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أفرد في اثني عشر رجلاً من أصحابه. كما قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق عن البراء بن عازب رضي الله عنه، قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة يوم أحد ـ وكانوا خمسين رجلاً ـ عبد الله بن جبير، قال: ووضعهم موضعاً، وقال: «حديث : إن رأيتمونا تخطفنا الطير، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا ظهرنا على العدو وأوطأناهم، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم»تفسير : قال: فهزموهم، قال: فأنا والله رأيت النساء يشتددن على الجبل، وقد بدت أسوقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن، فقال أصحاب عبد الله: الغنيمة، أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ قال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قاله لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: إنا والله لنأتين الناس، فلنصيبن من الغنيمة. فلما أتوهم، صرفت وجوههم، فأقبلوا منهزمين، فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع رسول الله إلا اثنا عشر رجلاً، فأصابوا منا سبعين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر مائة وأربعين، سبعين أسيراً وسبعين قتيلاً. قال أبو سفيان: أفي القوم محمد؟ أفي القوم محمد؟ ـ ثلاثاً ـ قال. فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ ثم أقبل على أصحابه، فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا، وقد كفيتموهم، فما ملك عمر نفسه أن قال: كذبت والله يا عدو الله، إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسوءك، فقال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال. وإنكم ستجدون في القوم مثلة، لم آمر بها، ولم تسؤني. ثم أخذ يرتجز يقول: اعل هبل، اعل هبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا تجيبوه؟»تفسير : قالوا: يا رسول الله، وما نقول؟ قال: «حديث : قولوا: الله أعلى وأجل»تفسير : قال: لنا العزى ولا عزى لكم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا تجيبوه؟»تفسير : قالوا: يا رسول الله، وما نقول؟ قال «حديث : قولوا الله مولانا ولا مولى لكم»تفسير : . وقد رواه البخاري من حديث زهير بن معاوية مختصراً، ورواه من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق بأبسط من هذا كما تقدم، والله أعلم. وروى البيهقي في دلائل النبوة من حديث عمارة بن غزية، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم أحد، وبقي معه أحد عشر رجلاً من الأنصار، وطلحة بن عبيد الله، وهو يصعد الجبل، فلقيهم المشركون، فقال: «حديث : ألا أحد لهؤلاء؟»تفسير : فقال طلحة: أنا يا رسول الله، فقال: «حديث : كما أنت يا طلحة»تفسير : فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله، فقاتل عنه، وصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن بقي معه، ثم قتل الأنصاري، فلحقوه، فقال: «حديث : ألا رجل لهؤلاء»تفسير : فقال طلحة مثل قوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل قوله، فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله، فقاتل عنه، وأصحابه يصعدون، ثم قتل، فلحقوه، فلم يزل يقول مثل قوله الأول، فيقول طلحة: فأنا يا رسول الله، فيحبسه، فيستأذنه رجل من الأنصار للقتال، فيأذن له، فيقاتل مثل من كان قبله، حتى لم يبق معه إلا طلحة، فغشوهما، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من لهؤلاء؟»تفسير : فقال طلحة: أنا، فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله، وأصيبت أنامله، فقال: حَس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو قلت: باسم الله، وذكرت اسم الله، لرفعتك الملائكة، والناس ينظرون إليك حتى تلج بك في جو السماء»تفسير : ثم صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، وهم مجتمعون. وقد روى البخاري عن أبي بكر ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم، قال: رأيت يد طلحة شلاء، وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: يوم أحد. وفي الصحيحين من حديث معتمر بن سليمان عن أبيه، عن أبي عثمان النهدي، قال: لم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الأيام التي قاتل فيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا طلحة بن عبيد الله وسعد عن حديثهما. وقال الحسن بن عرفة: حدثنا مروان بن معاوية، عن هاشم بن هاشم الزهري، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: نَثَل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته يوم أحد، وقال: «حديث : ارم فداك أبي وأمي»تفسير : . وأخرجه البخاري عن عبد الله بن محمد، عن مروان بن معاوية. وقال محمد بن إسحاق: حدثني صالح بن كيسان عن بعض آل سعد، عن سعد بن أبي وقاص، أنه رمى يوم أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سعد: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يناولني النبل، ويقول: «حديث : ارم فداك أبي وأمي»تفسير : حتى إنه ليناولني السهم ليس له نصل، فأرمي به. وثبت في الصحيحين من حديث إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جده، عن سعد بن أبي وقاص قال: رأيت يوم أحد عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم، وعن يساره، رجلين عليهما ثياب بيض، يقاتلان عنه أشد القتال، ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده، يعني: جبريل وميكائيل عليهما السلام. وقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد وثابت عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار، واثنين من قريش، فلما أرهقوه قال: «حديث : من يردهم عنا وله الجنة، أو: وهو رفيقي في الجنة»تفسير : فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، ثم أرهقوه أيضاً، فقال: «حديث : من يردهم عنا وله الجنة»تفسير : فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبيه: «حديث : ما أنصفنا أصحابنا» تفسير : رواه مسلم عن هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة به، نحوه، وقال أبو الأسود عن عروة بن الزبير، قال: كان أبيّ بن خلف أخو بني جمح قد حلف وهو بمكة ليقتلن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بلغت رسول الله حلفته، قال: «حديث : بل أنا أقتله إن شاء الله»تفسير : فلما كان يوم أحد، أقبل أبيّ في الحديد مقنعاً، وهو يقول: لا نجوت إن نجا محمد، فحمل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يريد قتله، فاستقبله مصعب بن عمير، أخو بني عبد الدار، يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، فقتل مصعب بن عمير، وأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوة أبيّ ابن خلف، من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة، وطعنه فيها بحربته، فوقع إلى الأرض عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم، فأتاه أصحابه، فاحتملوه وهو يخور خوار الثور، فقالوا له: ما أجزعك؟ إنما هو خدش، فذكر لهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : بل أنا أقتل أبياً»تفسير : ثم قال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي، بأهل ذي المجاز، لماتوا أجمعين، فمات إلى النار {أية : فَسُحْقًا لأَِصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ}تفسير : . [الملك: 11] وقد رواه موسى بن عقبة في مغازيه، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب بنحوه وذكر محمد بن إسحاق، قال: لما أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب، أدركه أبيّ ابن خلف، وهو يقول: لا نجوتُ إن نجوتَ، فقال القوم: يا رسول الله يعطف عليه رجل منا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : دعوه»تفسير : فلما دنا، تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة، فقال بعض القوم ـ كما ذكر لي ـ فلما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مراراً. وذكر الواقدي عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمرو بن قتادة، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، نحو ذلك. قال الواقدي: وكان ابن عمر يقول: مات أبي بن خلف ببطن رابغ، فإني لأسير ببطن رابغ بعد هويّ من الليل، وإذا أنا بنار تأجج فهبتها، فإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يهيج به العطش، وإذا رجل يقول: لا تسقه، فإن هذا قتيل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا أبيّ بن خلف. وثبت في الصحيحين من رواية عبد الرزاق عن معمر، عن همام بن منبه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : اشتد غضب الله على قوم فعلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حينئذ يشير إلى رباعيته واشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله»تفسير : وأخرجه البخاري أيضاً من حديث ابن جريج عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: اشتد غضب الله على من قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده في سبيل الله، واشتد غضب الله على قوم دَمَّوا وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن إسحاق: أصيبت رباعية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشج في وجنته، وكلمت شفته، وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص، فحدثني صالح بن كيسان، عمن حدثه عن سعد بن أبي وقاص قال: ما حرصت على قتل أحد قط ما حرصت على قتل عتبة بن أبي وقاص، إن كان ما علمته لسيىء الخلق مبغضاً في قومه، ولقد كفاني فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "اشتد غضب الله على من دَمَّى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم" وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري، عن عثمان الجزري، عن مقسم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على عتبة بن أبي وقاص يوم أحد حين كسر رباعيته ودَمَّى وجهه، فقال: «حديث : اللهم لا تحل عليه الحول حتى يموت كافراً»تفسير : فما حال عليه الحول حتى مات كافراً إلى النار. وذكر الواقدي عن ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن أبي الحويرث، عن نافع بن جبير، قال: سمعت رجلاً من المهاجرين يقول: شهدت أحداً، فنظرت إلى النبل يأتي من كل ناحية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطها، كل ذلك يصرف عنه، ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يقول يومئذ: دلوني على محمد، لا نجوت إن نجا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ليس معه أحد، ثم جاوزه، فعاتبه في ذلك صفوان، فقال: والله ما رأيته، أحلف بالله إنه منا ممنوع، خرجنا أربعة، فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله، فلم نخلص إلى ذلك. قال الواقدي: والذي ثبت عندنا، أن الذي رمى في وجنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن قميئة، والذي دَمَّى شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا ابن المبارك عن إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله، أخبرني عيسى بن طلحة عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد، قال: ذاك يوم كله لطلحة، ثم أنشأ يحدث، قال: كنت أول من فاء يوم أحد، فرأيت رجلاً يقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم دونه، وأراه قال: حمية، فقال: فقلت: كن طلحة؛ حيث فاتني ما فاتني، فقلت: يكون رجلاً من قومي أحب إلي، وبيني وبين المشركين رجل لا أعرفه، وأنا أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، وهو يخطف المشي خطفاً لا أخطفه، فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح، فانتهينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كسرت رباعيته، وشج في وجهه، وقد دخل في وجنته حلقتان من حلق المغفر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : عليكما صاحبكما»تفسير : يريد طلحة، وقد نزف، فلم نلتفت إلى قوله، قال: وذهبت لأنزع ذلك من وجهه، فقال أبو عبيدة: أقسمت عليك بحقي لما تركتني، فتركته، فكره أن يتناولها بيده، فيؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأزَّم عليه بفيه، فاستخرج إحدى الحلقتين، ووقعت ثنيّته مع الحلقة، وذهبت لأصنع ما صنع، فقال: أقسمت عليك بحقي لما تركتني، قال: ففعل مثل ما فعل في المرة الأولى، فوقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة، فكان أبو عبيدة أحسن الناس هتماً، فأصلحنا من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتينا طلحة في بعض تلك الجفار، فإذا به بضع وسبعون، أو أقل أو أكثر؛ من طعنة ورمية وضربة، وإذا قد قطعت أصبعه، فأصلحنا من شأنه. ورواه الهيثم بن كليب والطبراني من حديث إسحاق بن يحيى به. وعند الهيثم: فقال أبو عبيدة: أنشدك الله يا أبا بكر إلا تركتني، فأخذ أبو عبيدة السهم بفيه، فجعل ينضنضه كراهية أن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استل السهم بفيه، فبدرت ثنية أبي عبيدة، وذكر تمامه، واختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه، وقد ضعَّف علي بن المديني هذا الحديث من جهة إسحاق بن يحيى هذا؛ فإنه تكلم فيه يحيى بن سعيد القطان، وأحمد، ويحيى بن معين، والبخاري، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن سعد، والنسائي، وغيرهم. وقال ابن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث: أن عمر بن السائب حدثه: أنه بلغه أن مالكاً أبا أبي سعيد الخدري لما جرح النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، مص الجرح حتى أنقاه، ولاح أبيض، فقيل له: مجه، فقال: لا، والله لا أمجه أبداً، ثم أدبر يقاتل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا»تفسير : فاستشهد. وقد ثبت في الصحيحين من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد، أنه سئل عن جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: جرح وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه صلى الله عليه وسلم، فكانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تغسل الدم، وكان علي يسكب عليه الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة، أخذت قطعة من حصير، فأحرقتها حتى إذا صارت رماداً، ألصقته بالجرح، فاستمسك الدم. وقوله تعالى: {فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ} أي: فجزاكم غماً على غم، كما تقول العرب: نزلت ببني فلان، ونزلت على بني فلان. وقال ابن جرير: وكذا قوله: {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ} أي: على جذوع النخل. قال ابن عباس: الغم الأول بسبب الهزيمة، وحين قيل: قتل محمد صلى الله عليه وسلم، والثاني حين علاهم المشركون فوق الجبل، وقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : اللهم ليس لهم أن يعلونا»تفسير : . وعن عبد الرحمن بن عوف: الغم الأول بسبب الهزيمة، والثاني حين قيل: قتل محمد صلى الله عليه وسلم كان ذلك عندهم أشد وأعظم من الهزيمة، رواهما ابن مردويه. وروي عن عمر بن الخطاب نحو ذلك. وذكر ابن أبي حاتم، عن قتادة نحو ذلك أيضاً. وقال السدي: الغم الأول بسبب ما فاتهم من الغنيمة والفتح، والثاني يإشراف العدو عليهم. وقال محمد بن إسحاق: {فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ} أي: كرباً بعد كرب: قتل مَنْ قتل من إخوانكم، وعلو عدوكم عليكم، وما وقع في أنفسكم من قول من قال: قتل نبيكم، فكان ذلك متتابعاً عليكم غماً بغم. وقال مجاهد وقتادة: الغم الأول سماعهم قتل محمد صلى الله عليه وسلم، والثاني ما أصابهم من القتل والجراح. وعن قتادة والربيع بن أنس عكسه. وعن السدي: الأول ما فاتهم من الظفر والغنيمة، والثاني إشراف العدو عليهم، وقد تقدم هذا القول عن السدي. قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: {فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ} فأثابكم بغمكم أيها المؤمنون بحرمان الله إياكم غنيمة المشركين والظفر بهم والنصر عليهم، وما أصابكم من القتل والجراح يومئذ بعد الذي كان قد أراكم في كل ذلك ما تحبون؛ بمعصيتكم أمر ربكم، وخلافكم أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم غم ظنكم أن نبيكم قد قتل، وميل العدو عليكم بعد فلولكم منهم. وقوله تعالى: {لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ} أي: على ما فاتكم من الغنيمة والظفر بعدوكم {وَلاَ مَآ أَصَـٰبَكُمْ} من الجراح والقتل، قاله ابن عباس وعبد الرحمن بن عوف والحسن وقتادة والسدي، {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} سبحانه وبحمده، لا إله إلا هو جل وعلا.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } فيما يأمرونكم به {يَرُدُّوكُمْ } إلَى الكفر {عَلَىٰ أَعْقَٰبِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ }.
الشوكاني
تفسير : لما أمر الله سبحانه بالاقتداء بمن تقدّم من أنصار الأنبياء حذر عن طاعة الكفار، وهم مشركو العرب؛ وقيل اليهود والنصارى. وقيل: المنافقون في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى دين آبائكم. وقوله: {يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ } أي يخرجوكم من دين الإسلام إلى الكفر {فَتَنقَلِبُواْ خَـٰسِرِينَ } أي ترجعوا مغبونين. وقوله: {بَلِ ٱللَّهُ مَوْلَـٰكُمْ } إضراب عن مفهوم الجملة الأولى: أي إن تطيعوا الكافرين يخذلوكم ولا ينصروكم بل الله ناصركم لا غيره؛ وقريء: «بل الله» بالنصب على تقدير بل أطيعوا الله. قوله: {سَنُلْقِى } قرأ السَّخْتِيَانّي بالياء التحتية، وقرأ الباقون بالنون. وقرأ ابن عامر، والكسائي: "ٱلرُّعْبَ" بضم العين. وقرأ الباقون بالسكون، وهما لغتان، يقال: رَعَبْتُه رُعباً، ورُعُباً، فهو مرعُوب، ويجوز أن يكون مصدراً، والرعب بالضم: الاسم، وأصله المَلء، يقال: سْيل راعب، أي: يملأ الوادي، ورعبت الحوض: ملأته، فالمعنى: سنملأ قلوب الكافرين رعباً، أي: خوفاً، وفزعاً، والإلقاء يستعمل حقيقة في الأجسام، ومجازاً في غيرها، كهذه الآية، وذلك أن المشركين بعد وقعة أحد ندموا أن لا يكونوا استأصلوا المسلمين، وقالوا: بئسما صنعنا قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم؛ ارجعوا، فاستأصلوهم، فلما عزموا على ذلك ألقى الله في قلوبهم الرعب حتى رجعوا، عما هموا به: {بِمَا أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ } متعلق بقوله: {سَنُلْقِى } و"ما" مصدرية، أي: بسبب إشراكهم {مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَـٰناً } أي: ما لم ينزل الله بجعله شريكاً له حجة، وبياناً، وبرهاناً، والنفي يتوجه إلى القيد، والمقيد، أي: لا حجة، ولا إنزال، والمعنى: أن الإشراك بالله لم يثبت في شيء من الملل. والمثوى: المكان الذي يقام فيه، يقال ثوى يثوي ثواءً. قوله: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ } نزلت لما قال بعض المسلمين من أين أصابنا هذا، وقد وعدنا الله النصر، وذلك أنه كان الظفر لهم في الابتداء، حتى قتلوا صاحب لواء المشركين، وتسعة نفر بعده؛ فلما اشتغلوا بالغنيمة، وترك الرماة مركزهم طلباً للغنيمة كان ذلك سبب الهزيمة. والحسّ: الاستئصال بالقتل، قاله أبو عبيد. يقال: جراد محسوس: إذا قتله البرد، وسنة حسوس: أي: جدبة تأكل كل شيء. قيل: وأصله من الحسّ الذي هو الإدراك بالحاسة، فمعنى حسه: أذهب حسه بالقتل، وتحسونهم: تقتلونهم، وتستأصلونهم، قال الشاعر:شعر : حسسناهم بالسيف حسَّاً فأصْبَحت بِقيَّتهُم قد شُرِّدوا وتَبَدَّدوا تفسير : وقال جرير:شعر : تَحُسَّهُم السّيوفُ كما تسامىَ حَرِيقُ النَّارِ في الأجِمِ الحَصِيدِ تفسير : {بِإِذْنِهِ } أي: بعلمه، أو بقضائه {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ } أي: جبنتم وضعفتم، قيل: جواب حتى محذوف تقديره امتحنتم، وقال الفراء: جواب حتى قوله: {وَتَنَـٰزَعْتُمْ } والواو مقحمة زائدة، كقوله: {أية : فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ }تفسير : [الصافات: 103] وقال أبو علي: يجوز أن يكون الجواب صرفكم عنهم، وقيل: فيه تقديم وتأخير، أي: حتى إذا تنازعتم، وعصيتم فشلتم. وقيل: إن الجواب عصيتم، والواو مقحمة. وقد جوّز الأخفش مثله في قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ } تفسير : [التوبة: 118]، وقيل: "حتى" بمعنى "إلى"، وحينئذ لا جواب لها، والتنازع المذكور هو ما وقع من الرماة حين قال بعضهم: نلحق الغنائم، وقال بعضهم: نثبت في مكاننا، كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومعنى قوله: {مّن بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } ما وقع لهم من النصر في الابتداء في يوم أحد، كما تقدّم: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا } يعني: الغنيمة {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلأخِرَةَ } أي: الأجر بالبقاء في مراكزهم امتثالاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ } أي: ردّكم الله عنهم بالانهزام بعد أن استوليتم عليهم ليمتحنكم {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } لما علم من ندمكم، فلم يستأصلكم بعد المعصية، والمخالفة، والخطاب لجميع المنهزمين، وقيل: للرماة فقط. قوله: {إِذْ تُصْعِدُونَ } متعلق بقوله: {صَرَفَكُمْ } أو بقوله: {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } أو بقوله: {لِيَبْتَلِيَكُمْ } وقرأه الجمهور بضمّ التاء، وكسر العين، وقرأ أبو رجاء العطاردي، وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، وقتادة بفتح التاء، والعين. وقرأ ابن محيصن، وقنبل: «يصعدون» بالتحتية. قال أبو حاتم: أصعدت: إذا مضيت حيال وجهك، وصعدت إذا ارتقيت في جبل، فالإصعاد: السير في مستوى الأرض، وبطون الأودية، والصعود: الارتفاع على الجبال، والسطوح، والسلالم، والدرج، فيحتمل أن يكون صعودهم في الجبل بعد إصعادهم في الوادي، فيصح المعنى على القراءتين. وقال القتيبي: أصعد: إذا أبعد في الذهاب، وأمعن فيه، ومنه قول الشاعر:شعر : ألا أيها ذا السَائِلي أيْنَ أصْعدت فِإنَ لَها من بَطِن يَثرِبَ مَوْعِدا تفسير : وقال الفراء: الإصعاد: الابتداء في السفر، والانحدار: الرجوع منه، يقال: أصعدنا من بغداد إلى مكة، وإلى خراسان، وأشباه ذلك: إذا خرجنا إليها، وأخذنا في السفر، وانحدرنا: إذا رجعنا. وقال المفضل: صعد، وأصعد بمعنى واحد. ومعنى: {تَلْوُونَ } تعرجون، وتقيمون، أي: لا يلتفت بعضكم إلى بعض هرباً، فإن المعرج إلى الشيء يلوي إليه عنقه أو عنق دابته: {عَلَىٰ أَحَدٍ } أي: على أحد ممن معكم، وقيل: على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقرأ الحسن: «تلون» بواو واحدة، وقرأ عاصم في رواية عنه بضم التاء، وهي لغة. قوله: {وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِى أُخْرَاكُمْ } أي: في الطائفة المتأخرة منكم، يقال جاء فلان في آخر الناس، وآخرة الناس، وأخرى الناس، وأخريات الناس. وكان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أي عباد الله ارجعوا»تفسير : . قوله: {فَأَثَـٰبَكُمْ } عطف على صرفكم، أي: فجازاكم الله غماً حين صرفكم عنه بسبب غمّ أذقتموه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعصيانكم، أو غماً موصولاً بغمّ بسبب ذلك الإرجاف، والجرح، والقتل، وظفر المشركين، والغمّ في الأصل: التغطية، غميت الشيء: غطيته، ويوم غمّ، وليلة غمة: إذا كانا مظلمين، ومنه: غمّ الهلال، وقيل: الغمّ الأول: الهزيمة، والثاني: الإشراف من أبي سفيان، وخالد بن الوليد عليهم في الجبل. قوله: {لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ } اللام متعلقة بقوله: {فَأَثَـٰبَكُمْ } أي: هذا الغمّ بعد الغمّ لكيلا تحزنوا على ما فات من الغنيمة، ولا ما أصابكم من الهزيمة، تمريناً لكم على المصائب، وتدريباً لاحتمال الشدائد. وقال المفضل: معنى: {لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ } لكي تحزنوا، و"لا" زائدة كقوله تعالى: {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ }تفسير : [الأعراف: 12] أي: أن تسجد، وقوله: {أية : لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [الحديد: 29] أي: ليعلم. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن جريج في قوله: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } قال: لا تنتصحوا اليهود، والنصارى على دينكم، ولا تصدقوهم بشيء في دينكم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ يقول: إن تطيعوا أبا سفيان بن حرب يردّكم كفاراً. وأخرج ابن جرير، عنه في قوله: {سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ } نحو ما قدّمناه في سبب نزول الآية. وأخرج البيهقي في الدلائل عن عروة في قوله: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ } قال: كان الله وعدهم على الصبر، والتقوى أن يمدّهم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، وكان قد فعل، فلما عصوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتركوا مصافهم، وتركت الرماة عهد الرسول إليهم أن لا يبرحوا منازلهم، وأرادوا الدنيا رفع عنهم مدد الملائكة. وقصة أحد مستوفاة في السير، والتواريخ، فلا حاجة إلى إطالة الشرح هنا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن عبد الرحمن بن عوف في قوله: {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ } قال: الحسّ: القتل. وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه. قال: الفشل: الجبن. وأخرج ابن المنذر عن البراء بن عازب في قوله: {مّن بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } قال: الغنائم، وهزيمة القوم. وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله: {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } قال: يقول الله: قد عفوت عنكم أن لا أكون استأصلتكم. وأخرج أيضاً عن ابن جرير نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس: {إِذْ تُصْعِدُونَ } قال: أصعدوا في أحُد فراراً، والرسول يدعوهم في أخراهم: «حديث : إليّ عباد الله ارجعوا إليّ عباد الله ارجعوا»تفسير : . وأخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن عوف: {فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاً بِغَمّ } قال: الغمّ الأوّل بسبب الهزيمة، والثاني: حين قيل: قتل محمد، وكان ذلك عندهم أعظم من الهزيمة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {غَمّاً بِغَمّ } قال: فرّة بعد الفرّة الأولى حين سمعوا الصوت أن محمداً قد قتل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم قال: الغم الأوّل: الجراح والقتل، والغم الآخر: حين سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل. وأخرج ابن جرير، عن الربيع مثله.
الماوردي
تفسير : {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ} أي تقتلونهم في قول الجميع، يقال حَسه حَسّاً إذا قتله، لنه أبطل بمعونته. {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ} والفرق بين الإِصعاد والصعود أن الإِصعاد في مستوى الأرض، والصعود في ارتفاع، وهذا قول الفراء، وأبي العباس، والزجاج، وروي عن ابن عباس أنهم صعدوا في جبل أُحُد فراراً. {وَالرَّسُوْلُ يَدْعُوكُم فِي أُخْرَاكُم} قيل إنه كان يقول: " يَا عِبَادَ اللهِ ارْجِعُواْ" ذكر ذلك عن ابن عباس، والسدي، والربيع. {فَأَثَابَكُم غَماً بِغَمٍّ} فيه قولان: أحدهما: غماً على غم. والثاني: غمّاً مع غم. وفي الغم الأول والثاني تأويلان: أحدهما: أن الغم الأول القتل والجراح، والغم الثاني الإرجاف بقتل النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا قول قتادة، والربيع. والثاني: غماً يوم أحد بغم يوم بدر، وهو قول الحسن.
ابن عطية
تفسير : الإشارة بقوله: {الذين كفروا} إلى المنافقين الذين جنبوا المسلمين وقالوا في أمر - أحد - لو كان محمد نبياً لم يهزم، والذين قالوا: قد قتل محمد فلنرجع إلى ديننا الأول، إلى نحو هذه الأقوال، ثم اللفظ يقتضي كل كافر كان في ذلك الوقت ويكون إلى يوم القيامة، نهى الله المؤمنين عن طاعتهم. و {بل} ترك للكلام الأول ودخول في غيره، وقرأ جمهور الناس "بل اللهُ مولاكم" على الابتداء والخبر، وهذا تثبيت، وقرأ الحسن بن أبي الحسن "بل اللهَ" بالنصب على معنى: بل أطيعوا الله. وقوله تعالى: {سنلقي} استعارة، إذ حقيقة الإلقاء إنما هي في الأجرام، وهذا مثل قوله تعالى: {أية : والذين يرمون المحصنات} تفسير : [النور:4] ونحوه قول الفرزدق: [الطويل] شعر : هما نفثا في فيّ من فَمَوَيْهِما عَلى النَّابحِ الْعاوي أَشَدَّ رَجَامِ تفسير : وقرأ جمهور الناس "سنلقي" بنون العظمة، وقرأ أيوب السختياني "سيلقي" بالياء على معنى هو، وقرأ ابن عامر والكسائي "الرعُب" بضم العين حيث وقع، وقرأ الباقون "الرعْب" بسكون العين، وهذا كقولهم: عُنُق وعنْق وكلاهما حسن فصيح، وسبب هذه الآية: أنه لما ارتحل أبو سفيان بالكفار بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وقال: انظر القوم، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وركبوا الإبل فهم متشمرون إلى مكة، وإن كانوا على الخيل فهم عائدون إلى المدينة، فمضى علي فرآهم قد جنبوا الخيل فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسر وسر المسلمون، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فتجهز واتبع المشركين يريهم الجلد، فبلغ حمراء الأسد وأن أبا سفيان قال له كفار قريش: أحين قتلناهم وهزمناهم ولم يبق إلا الفل والطريد ننصرف عنهم؟ ارجع بنا إليهم حتى نستأصلهم فعزموا على ذلك، وكان معبد بن أبي معبد الخزاعي قد جاء إلى رسول الله عليه السلام وهو على كفره، إلا أن خزاعة كلها كانت تميل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له، والله يا محمد لقد ساءنا ما أصابك، ولوددنا أنك لم ترزأ في أصحابك، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس بما عزمت عليه قريش من الانصراف، اشتد ذلك عليهم، فسخر الله ذلك الرجل معبد بن أبي معبد، وألقى بسببه الرعب في قلوب الكفار، وذلك أنه لما سمع الخبر، ركب حتى لحق بأبي سفيان بالروحاء، وقريش قد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فلما رأى أبو سفيان معبداً قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم، قد اجتمع إليه من كان تخلف عنه، وندموا على ما صنعوا، قال: ويلك ما تقول؟ قال والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم، قال: فإني أنهاك عن ذلك، والله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه شعراً قال وما قلت؟ قال قلت: [البسيط] شعر : كادت تُهَدُّ مِنَ الأَصْواتِ رَاحلتي إذ سالتِ الأرضُ بالجُرْدِ الأَبابيلِ ترْدِي بِأُسْدٍ كِرامٍ لا تنابلةٍ عندَ اللقاءِ ولا ميلٍ معازيلِ فَظلْتُ عَدْواً أَظُنُّ الأَرْضَ مائلة لمّا سَمَوْا برئيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ تفسير : إلى آخر الشعر، فوقع الرعب في قلوب الكفار، وقال صفوان بن أمية: لا ترجعوا فإني أرى أنه سيكون للقوم قتال غير الذي كان، فنزلت هذه الآية في هذا الإلقاء، وهي بعد متناولة كل كافر، ويجري معها قول النبي عليه السلام:حديث : نصرت بالرعب مسيرة شهرتفسير : ، ويظهر ان هذه الفضيلة إنما أعلم عليه السلام بها بعد هذه الأحوال كلها حين امتد ظل الإسلام، قال بعض أهل العلم: إنه لما أمر الله المؤمن بالصبر، ووعده النصر، وأخبره أن الرعب ملقى في قلوب الكفار، نقص الرعب من كل كافر جزءاً مع زيادة شجاعة المؤمن، إذ قد وعد النصر فلذلك كلف المؤمن الوقوف للكافرين، وقوله تعالى: {بما أشركوا} هذه باء السبب، والمعنى: أن المشرك بالله نفسه مقسمة في الدنيا وليس له بالله تعالى ثقة، فهو يكره الموت ويستشعر الرعب منه، و"السلطان"، الحجة والبرهان، ثم أخبر تعالى بعاقبة الكفار في الآخرة، و "المأوى": مفعل من أويت إلى المكان إذا دخلته وسكنت فيه، و"المثوى"، مفعل من: ثويت، والتقدير: وبئس مثوى الظالمين هي.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}، يعني: المنافقين الذين خَيَّبوا المسلمين، وقالوا في أمر أُحُد: لو كان محمَّد نبيًّا، لم ينهزم. وقوله سبحانه: {بَلِ ٱللَّهُ مَوْلَـٰكُمْ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّـٰصِرِينَ} هذا تثبيتٌ لهم، وقوله سبحانه: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} سبب هذه الآيةِ أنه لما ارتحَلَ أبُو سُفْيان بالكفَّار، رجع النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ، فتجهَّز، واتبع المشركِينَ، وكان مَعْبَدُ بْنُ أبي مَعْبَدٍ الخُزَاعِيُّ قد جاء إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ، لَقَدْ سَاءَنَا مَا أَصَابَكَ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ تَمِيلُ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ رَكِبَ مَعْبَدٌ؛ حَتَّىٰ لَحِقَ بِأَبِي سُفْيَانَ، فَلَمَّا رَأَىٰ أَبُو سُفْيَانَ مَعْبَداً، قَالَ: مَا وَرَاءَكَ، يَا مَعْبَدُ؟ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي أصْحَابِهِ يَطْلُبُكُمْ فِي جَمْعٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ، يَتَحَرَّقُونَ عَلَيْكُمْ قَدِ ٱجْتَمَعَ مَعَهُ مَنْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ، ونَدِمُوا عَلَىٰ مَا صَنَعُوا، قَالَ: وَيْلَك! مَا تَقُولُ؟ قَالَ: وَاللَّهِ، مَا أَرَاكَ أَنْ تَرْحَلَ حَتَّىٰ تَرَىٰ نَوَاصِيَ الخَيْلِ، قَالَ: فَوَاللَّهِ، لَقَدْ أَجْمَعْنَا الكَرَّةَ إلَيْهِمْ، قَالَ: فَإنِّي أَنْهَاكَ عَنْ ذَلِكَ، وَوَاللَّهِ، لَقَدْ حَمَلَنِي مَا رَأَيْتُ عَلَىٰ أَنْ قُلْتُ فِيهِمْ شِعْراً، قَالَ: وَمَا قُلْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ: [البسيط] شعر : كَادَتْ تَهُدُّ مِنَ الأَصْوَاتِ رَاحِلَتِي إذْ سَالَتِ الأَرْضُ بِالجُرْدِ الأَبَابِيلِ تَرْدِي بِأُسْدٍ كِرَامٍ لاَ تَنَابِلَةٍ عِنْدَ اللِّقَاءِ وَلاَ مِيلٍ مَعَازِيلِ فَظَلْتُ عَدْواً أَظُنُّ الأَرْضَ مَائِلَة لَمَّا سَمَوْا بِرَئيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ تفسير : إلى آخر الشِّعْر، فألقى اللَّه الرُّعْبَ في قلوبِ الكفَّارِ، وقالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّة: لاَ تَرْجِعُوا فإني أرَىٰ أنه سيكُونُ للقَوْمِ قِتَالٌ غَيْرُ الذي كَانَ، فنَزَلَتِ الآيةُ في هذا الإلقاء، وهي بَعْدُ متناولَةٌ كلَّ كافرٍ؛ قال الفَخْر: لأنه لا أحد يخالفُ دِينَ الإسلام، إلا وَفِي قلبه خَوْفٌ من الرُّعْب، إما عند الحَرْب، وإما عند المُحَاجَّة. انتهى. وقوله سبحانه: {بِمَا أَشْرَكُواْ}، هذه باءُ السَّبَبِ، والسُّلْطَانُ: الحُجَّة والبُرْهَان. قال * ص *: قوله: {وَبِئْسَ}، المخصوصُ بالذَّمِّ محذوفٌ، أي: النار [انتهى]. وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ}، جاء الخطَابُ لجميعِ المؤمنينَ، وإن كانَتِ الأمور التي عاتبهم سبحانه علَيْها، لم يقَعْ فيها جميعُهم؛ ولذلك وجوهٌ من الفصاحةِ، منْها: وعْظ الجميع، وزجْرُه؛ إذ مَنْ لم يفعلْ مُعَدٌّ أنْ يفعل؛ إن لم يزجر، ومنها: السَّتْر والإبقاء علَىٰ من فعل، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم قد وَعَدَ المؤمِنِينَ النَّصْرَ يَومَئِذٍ علَىٰ خبر اللَّه؛ إنْ صَبَرُوا وجَدُّوا، فصَدَقَهُم اللَّه وعْدَه؛ وذلك أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم صَافَّ المشركين يومئذ، ورتَّب الرماة، علَىٰ ما قَدْ ذكَرْناه قَبْلَ هذا، وٱشتعلَتْ نارُ الحَرْب، وأَبْلَىٰ حمزةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأَبُو دُجَانَةَ، وعليٌّ، وعَاصِمُ بْنُ أَبِي الأَقْلَحِ، وغيرُهم، وٱنهزَم المشركُونَ، وقُتِلَ منهم ٱثنانِ وعشْرُونَ رجُلاً، فهذا معنَىٰ قوله عز وجل: {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ}، والحَسُّ: القتل الذَّريعُ، يقال: حَسَّهُمْ إذا ٱستأصلهم قتْلاً، وحَسَّ البَرْدُ النَّباتَ. وقوله سبحانه: {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ}، يحتملُ أنْ تكونَ «حَتَّىٰ» غايةً؛ كأنه قال: إلَىٰ أنْ فشلتم، والأظهر الأقوَىٰ أنَّ «إذا» علَىٰ بابها تحتاجُ إلى الجوابِ، ومَذْهَبُ الخَلِيلِ، وسِيبَوَيْهِ، وفُرْسَانِ الصِّنَاعة؛ أنَّ الجوابَ محذوفٌ يدلُّ عليه المعنَىٰ، تقديرُهُ: ٱنهزمتمْ، ونحوه، والفَشَل: ٱستشعارُ العَجْزِ، وترْكُ الجِدِّ، والتَّنَازُعُ هو الَّذي وقَعَ بَيْنَ الرماةِ، {وَعَصَيْتُمْ}: عبارةٌ عن ذَهَابِ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الرماة، وتأمَّل (رحمك اللَّه) ما يوجبه الركُونُ إلى الدنيا، وما يَنْشَأُ عنها من الضَّرَرِ، وإذا كان مَثَلُ هؤلاءِ السَّادة علَىٰ رِفْعَتِهِمْ وعظيمِ منزلتهم، حَصَلَ لهم بسببها مَا حَصَلَ؛ مِنَ الفَشَل والهزيمةِ، فكيف بأمثالنا، وقد حذَّرَ اللَّه عز وجلَّ ونبيُّه ـــ عليه السلام ـــ من الدُّنْيا وآفاتها؛ بما لا يخفَىٰ علَىٰ ذي لُبٍّ، وقد ذكرنا في هذا «المُخْتَصَرِ» جملةً كافيةً لمَنْ وفَّقه اللَّه، وشَرَح صدْره، وقد خرَّج البَغَوِيُّ في «المُسْنَدِ المُنْتَخَبِ» له، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «حديث : لاَ تُفْتَحُ الدُّنْيَا عَلَىٰ أَحَدٍ إلاَّ أَلْقَتْ بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إلَىٰ يَوْمِ القِيَامَةِ»تفسير : . انتهى من «الكوكب الدري». وقال - عليه السلام - للأنْصَارِ: لما تعرَّضوا له؛ إذْ سمعوا بقُدُوم أبي عُبَيْدةِ بمالِ البَحْرَيْنِ: «حديث : أَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ، مَا الفَقْرَ أَخْشَىٰ عَلَيْكُم! وَلَكِنِّي أَخْشَىٰ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ؛ كَمَا بُسِطَتْ عَلَىٰ مَنْ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُم كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»تفسير : ، أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ والترمذيُّ، واللفظ له، وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ. انتهى. واعلم (رحمك اللَّه) أنَّ تيسير أسْبَابِ الدُّنْيا مع إعراضك عن أمر آخرتك، ليس ذلك من علاماتِ الفَلاَحِ؛ وقد روى ابنُ المُبَارك في «رقائقه»، قال: أخبرنا ابْنُ لَهِيعَةَ، قال: حدَّثني سعيدُ بنُ أَبِي سَعِيدٍ؛ أنَّ رجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ كَيْفَ أَنَا؟ قَالَ: «حديث : إذَا رَأَيْتَ كُلَّمَا طَلَبْتَ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ، وَٱبْتَغَيْتَهُ، يُسِّرَ لَكَ، وَإذَا أَرَدتَّ شَيْئاً مِنَ الدُّنْيَا، وَٱبْتَغَيْتَهُ، عُسِّرَ عَلَيْكَ، فَأَنْتَ عَلَىٰ حَالٍ حَسَنَةٍ، وَإذَا رَأَيْتَ كُلَّمَا طَلَبْتَ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ، وٱبْتَغَيْتَهُ، عُسِّرَ عَلَيْكَ، وَإذَا أَرَدتَّ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وَٱبْتَغَيْتَهُ، يُسِّرَ لَكَ، فَأَنْتَ عَلَىٰ حَالٍ قَبِيحَةٍ»تفسير : . انتهى، فتأمَّله راشداً، وقولَه: {مِّن بَعْدِ مَا أَرَٰكُمْ مَّا تُحِبُّونَ}، يعني: هزيمةَ المشركين، قال الزُّبَيْر، واللَّه، لَقَدْ رأيتُنِي أنْظُرُ إلَىٰ خَدَمِ هنْدِ بنْتِ عُتْبَةَ، وصواحِبِهَا مشَمِّراتٍ هَوَارِبَ، ما دُونَ أخْذِهِنَّ قليلٌ، ولا كثيرٌ؛ إذ مالَتِ الرماةُ إلى العَسْكَر حين كَشَفْنَا القَوْمَ عَنه، يريدون النَّهْبَ، وخَلَّوْا ظهورَنَا للخَيْلِ، فَأُوتِينَا مِنْ أَدْبَارنا، وصَرَخَ صَارِخٌ أَلاَ إنَّ محمَّداً قد قُتِلَ، وٱنْكَفَأَ علينا القومُ. وقوله سبحانه: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا}، يعني بهم الذين حَرَصُوا على الغنيمة، وكان المالُ همَّهم؛ قاله ابنُ عَبَّاسٍ، وسائرُ المفسِّرين، وقال عبدُ اللَّهِ بْنُ مسْعود: ما كنتُ أرى أنَّ أحداً مِنْ أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم يريدُ الدنيا؛ حتى نَزَلَ فينا يَوْمَ أُحُدٍ: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا}. وقوله سبحانه: {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلأَخِرَةَ} إخبارٌ عن ثبوتِ مَنْ ثَبَتَ من الرُّماة، مع عبد اللَّه بن جُبَيْر؛ ٱمتثالاً للأمْر حتى قُتِلُوا، ويدخلُ في هذا أنَسُ بْنُ النَّضْر، وكلُّ من جَدَّ ولم يَضْطَرِبْ من المؤمنين.
ابن عادل
تفسير : لما أمر اللهُ تَعَالَى بالاقتداء بأنصار الأنبياءِ حذَّر عن طاعة الكفار - يعني مشركي العرب - وذلك أنّ الكفار لما أرجفوا بقولهم إن النبي صلى الله عليه وسلم قد قُتِل ودعا المنافقونَ بعضَ ضَعَفَةِ المُسْلِمِين، مَنَعَ المسلمين بهذه الآية عن الالتفات إلى كلام أولئك المنافقين. وقيل: المرادُ - بالذين كفروا - عبد الله بن أبي وأتباعه في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم، وادخلوا في دينهم، وقالوا: لو كان محمدٌ رسولَ اللهِ ما وقعت له هذه الواقعةُ، وإنما هو رجل كسائر الناسِ، يَوْمٌ لَهُ، وَيَومٌ عليه. وقال آخرون: المراد - بالذين كفروا - اليهود الذين كانوا بالمدينة يُلْقُون الشُّبهَاتِ. وقيل: المرادُ أبو سفيان؛ لأنه كان شجرة الفتن. قال ابنُ الْخَطِيبِ: "والأقرب أنه يتناول كُلَّ الكفار؛ لأن اللفظ عامٌّ، وخصوص السببِ لا يمنع من عموم اللفظِ". قوله: {يَرُدُّوكُم} جواب {إِن تُطِيعُواْ} وقوله: {إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} لا يُمْكن حمله على طاعتهم في كل ما يقولونه، بل لا بُدَّ من التخصيصِ. وقيل: إن تطيعوهم فيما يأمرونكم به يوم أحُدٍ من ترك الإسلامِ. وقيل: إن تطيعوهم في كل ما يأمرونكم به من الضلال. وقيل في المشورة. وقيل في تَرْك المحاربة، وهو قوله: {أية : لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ} تفسير : [آل عمران: 156] ثم قال: {يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} يعني يردوكم إلى الكُفْر بعد الإيمان؛ لأن قبولَهُم في الدعوة إلى الكفر، ثم قال: {فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ} فلما كان اللفظ عاماً دخل فيه خُسران الدنيا وخُسْران الآخرة. أما خسران الدنيا فلان أشَقَّ الأشياء على العُقلاء في الدنيا الانقياد إلى العَدُوِّ، وإظهار الحاجة إليه. وأما خُسْران الآخرة فالحرمان من الثواب المؤبَّد، والوقوع في العقاب المخلَّد و "خَاسِرِينَ" حالٌ. قوله: {بَلِ ٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ} مبتدأ وخبر، وقرأ الحسنُ بنصب الجلالةِ؛ على إضمار فِعْل يدل عليه الشرط الأول، والتقدير: لا تطيعوا الذين كفروا، بل أطيعوا الله، و "مَوْلاَكُمْ" صفة. وقال مَكِّي: "وأجاز الفرَّاء: بل الله - بالنصب -" كأنه لم يطلع على أنها قراءة. فصل والمعنى: أنكم إن تطيعوا الكفار لينصروكم ويُعينوكم فهذا جَهْل، لأنهم عاجزون متحيرون، والعاقل يطلب النُّصْرَةَ من الله تعالى؛ لأنه هو الذي ينصركم على العَدُوِّ، ثم بيَّن أنه خير الناصرين، وذلك لوجوهٍ: أولها: أنه - تعالى - هو القادرُ على نصرتك في كلِّ ما تريدُ والعالم الذي لا يَخْفَى عليه دعاؤك وتضرُّعك، والكريم الذي لا يبخل في جوده ونصرة العبيد بعضهم لبعض بخلاف ذلك في كل هذه الوجوه. ثانيها: أنه ينصرك في الدُّنْيَا والآخرة، وغيره ليس كذلك. ثالثها: أنه ينصرك قبل سُؤالك ومعرفتك بالحاجة، كما قال: {أية : قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} تفسير : [الأنبياء: 42] وغيره ليس كذلك. واعلم أن ظاهر قوله: {وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّاصِرِينَ} يقتضي أن يكون من جنس سائر الناصِرِينَ، وهو منزَّه، عن ذلك، وإنما ورد الكلامُ على حسب تعارفهم، كقوله: {أية : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} تفسير : [الروم: 27]. قوله: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} هذا من تمامِ ما تقدم من وجوه الترغيبِ في الجهاد وعدم المبالاةِ بالكفارِ. قوله: {سَنُلْقِي} الجمهور بنون العظمة، وهو التفات من الغيبة - في قوله: {وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّاصِرِينَ} وذلك للتنبيه على عظم ما يلقيه - تعالى -. وقرأ أيوب السَّخْتِيانيّ "سَيُلْقِي" بالغيبة؛ جَرْياً على الأصل. وقدم المجرور على المفعول به؛ اهتماماً بذكر المحلّ قبل ذكر الحَال: والإلقاء - هنا - مجاز؛ لأن أصلَه في الأجرام، فاستُعِيرَ هنا، كقول الشَّاعر: [الطويل] شعر : 1655- هُمَا نَفَثَا فِي فِيَّ مِنْ فَمَويْهِمَا عَلَى النَّابِحِ الْعَاوِي أشَدَّ رِجَامِ تفسير : وقرأ ابنُ عامرٍ والكسائيُّ، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ: "الرُّعْب" و "رُعْباً" - بضم العين - والباقون بالإسكان فقيل: هما لغتان. وقيل: الأصل الضم، وخُفِّف، وهذا قياس مطردٌ. وقيل: الأصلُ السكون، وضُمَّ إتباعاً كالصبْح والصبُح، وهذا عكس المعهود من لغة العربِ. والرُّعْب: الخوف، يقال: رعبته، فهو مرعوب، وأصله من الامتلاء، يقال: رَعَبْتُ الحوض، أي: ملأته وسَيْل راعب، أي: ملأ الوادي. فصل قيل: هذا الوعدُ مخصوصٌ بيوم أحُد؛ لأن الآياتِ المتقدمة إنما وردت في هذه الواقعة. والقائلون بهذا ذكروا في كيفية إلقاء الرعبِ في قلوب المشركين وجهين: الأول: أن الكفارَ لما هزموا المسلمين أوقع اللهُ الرعب في قلوبهم، فتركوهم، وفرّوا منهم من غير سبب، حتى رُوِيَ أن أبا سفيان صعد الجبل، وقال: أين ابنُ أبي كبشةَ؟ أين ابن أبي قُحافةَ؟ أين ابن الخطابِ؟ فأجابه عمر، ودارت بينهم كلماتٌ، وما تجاسَر أبو سفيان على النزول من الجبل، والذهاب إليهم. والثاني: أن الكفار لما ذهبوا متوجهين إلى مكة - وكانوا في بعض الطريقِ - ندموا، وقالوا: ما صنعنا شيئاً، قتلنا أكثرهم ولم يبق منهم إلا الشديد، ثم تركناهم ونحن قاهرون، ارجعوا حتى نستأصلهم بالكُلية، فلما عزموا على ذلك القى اللهُ الرُّعْبَ في قلوبهم. وقيل: إنَّ هذا الوْعَد غير مختصٍّ بيوم أُحُد، بل هو عام. قال القفالُ: كأنه قيل: إنه وإن وقعت لكم هذه الواقعة في يوم أُحُدٍ، إلا أنّ اللهَ تعالى - سَيُلْقي الرُّعب منكم بعد ذلك في قلوب الكُفَّار حتى يقهر الكفار، ويُظْهِرَ دينكم على سائِرِ الأديان، وقد فعل الله ذلك، حتى صار دين الإسلام قاهراً لجميع الأديان والملل. ونظير هذه الآية قوله: "نصرت بالرعب مسيرة شهر". فصل قال بعض العلماءِ: إن هذا العموم على ظاهره، لأنه لا أحد يخالف دينَ الإسلام إلا في قلبه ضَرْب من الرُّعْب، ولا يقتضي وقوع جميع أنواع الرُّعب في قلوب الكافرين، إنما يقتضي وقوع هذه الحقيقة في قلوبهم من بعض الوجوهِ، وذهب جماعة من المفسّرين إلى أن مخصوص بأوائل الكفار. قوله: {فِي قُلُوبِ} متعلق بالإلقاء، وكذلك {بِمَآ أَشْرَكُواْ} ولا يضر تعلُّق الحرفين؛ لاختلاف معناهما، فإن "في" للظرفية؛ الباء للسببية. و "ما" مصدرية، و "ما" الثانية مفعول به لِـ "أشْرَكُوا" وهي موصولة بمعنى الذي، أو نكرة موصوفة، والراجع: الهاء في "به" ولا يجوز أن تكون مصدرية - عند الجمهورِ - لعود الضمير عليها، وتسلط النفي على الإنزال - لفظاً - والمقصود نفي السلطان - أي: الحجة - كأنه قيل: لا سُلطان على الإشراك فينزل. كقول الشاعر: [السريع] شعر : 1656-.................... وَلاَ تَرَى الضَّبَّ بِهَا يَنْجَحِرْ تفسير : أي لا ينجحر الضَّبُّ بها، فيُرَى. ومثله قول الشاعر: [الطويل] شعر : 1657- عَلَى لاَحِبٍ لا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ .................... تفسير : أي: لا منار فيهتدى به، فالمعنى على نَفْي السلطان والإنزال معاً. و "سُلْطَاناً" مفعول به لِـ "يُنَزِّلُ". قوله: {بِمَآ أَشْرَكُواْ} "ما" مصدرية، والمعنى: بسبب إشراكهم باللهِ، وتقريره: أن الدعاء إنما يصير في محل الإجابة عند الاضطرار، كقوله: {أية : أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} تفسير : [النمل: 62] ومن اعتقد أن لله شريكاً لم يحصل له الاضطرار؛ لأنه يقول: إذا كان هذا المعبودُ لا ينصرني، فالآخر ينصرني، وإذا لم يحصل في قلبه الاضطرارُ لم تحصل له الأجابةُ ولا النصرة وإذا لم يحصل ذلك وجب أن يحصل الرعبُ والخوفُ في قلبه فثبت أن الشركَ باللهِ يوجب الرعبَ. قوله: {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} السُّلْطَان - هنا -: الحجة والبرهان، وفي اشتقاقه وجوهٌ: فقيل: من سليط السراج الذي يوقَد به، شُبِّه لإنارته ووضوحه. قاله الزجاجُ. وقال ابن دُرَيْدٍ: من السلاطة، وهي الحِدَّة والقَهْر. وقال الليثُ: السلطان: القدرة؛ لأن أصل بنائه من التسليط، فسلطان الملكِ: قوته وقدرته، ويسمى البرهان سُلْطَاناً، لقوته على دَفْعِ الباطِلِ. فإن قيل: إن هذا الكلامَ يوهم أنّ فيه سلطاناً إلا أنَّ اللهَ - تعالى - ما أنزله؟ فالجوابُ: أن تقدير الكلامِ أنه لو كان لأنزل الله به سلطاناً، فلما لم ينزل به سلطاناً وجب عدمه. وحاصل الكلام فيه ما يقوله المتكلمون: إن هذا لا دليلَ عليه، فلم يَجُزْ إثباتُه. وبالغ بعضهم، فقال: لا دليلَ عليه، فيجب نَفْيُه. فصل استدلوا بهذه الآية على فساد التقليد؛ لأن الآيةَ دلَّت على أنَّ الشِّركَ لا دليلَ عليه، فوجب أن يكونَ القولُ به باطلاً، فكذلك كل قولٍ لا دليلَ عليه. وقوله: {وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ} بين تعالى أنَّ أحوالَ المشركين في الدنيا هو وقوع الخوفِ في قلوبِهِم وأحوالهم في الآخرة هي أن مأواهم: مسكنهم النار. قوله: {وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّالِمِينَ} المخصوصُ بالذَّمِّ محذوفٌ، أي: مثواهم، أو النار. المثوى: مَفْعَل، من ثَوَيْتُ - أي: أقمت - فلامه ياء وقدم المأوى - وهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان - على المَثْوَى - وهو مكان الإقامةِ - لأن الترتيبَ الوجوديَّ أن يأوي، ثم يثوي، ولا يلزم المأوى الإقامة، بخلاف عكسه.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا...} الآية. لا تنتصحوا اليهود والنصارى عن دينكم، ولا تصدقوهم بشيء في دينكم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا...} الآية. يقول: إن تطيعوا أبا سفيان بن حرب يردوكم كفاراً. وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب. أنه سئل عن هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم} التعرب؟ فقال علي: بل هو الزرع. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمرو قال: ألا أخبركم بالمرتد على عقبيه، الذي يأخذ العطاء ويغزو في سبيل الله، ثم يدع ذلك ويأخذ الأرض بالجزية والرزق. فذلك الذي يرتد على عقبيه.
القشيري
تفسير : يعني إن طاوعتم الأضداد جرّوكم إلى أحوالهم، فألقوكم في ظلماتهم، بل الله مولاكم: ناصركم ومعينكم وسيدكم ومصلح أموركم، {وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّاصِرِينَ}: لأنه يعينكم على أنفسكم ليكفيكم شرَّها، ومَنْ سواه يزيد في بلائكم إذا ناصروكم لأنهم يعينون أنفسكم عليكم. {وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّاصِرِينَ} لأن مَنْ سواه بمن عليك بنصرته إياك، وهو يجازيك على استنصارك به. ويقال كل من استنصرت به احتجتَ إلى أن تُعْطِيَه شيئاً من كرائمك ثم قد ينصرك وقد لا ينصرك، فإذا استنصرته - سبحانه - يعطيك كلّ لطيفة، ولا يرضى بألا ينصرك.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا} نزلت فى قول المنافقين للمؤمنين عند الهزيمة ارجعوا الى دينكم واخوانكم ولو كان نبيا لما غلب وقتل فقال تعالى يا ايها المؤمنون {إن تطيعوا الذين كفروا} وهم المنافقون وصفوا بالكفر قصدا الى مزيد التنفير عنهم والتحذير من طاعتهم {يردوكم على اعقابكم} يدخلوكم فى دينهم اضاف الرد اليهم لدعائهم اليه والارتداد على العقب علم فى انتكاس الامر ومثل فى الحور بعد الكور. {فتنقلبوا خاسرين} كرامة الدنيا وسعادة الآخرة اما الاولى فلان اشق الاشياء على العقلاء فى الدنيا الانقياد للعدو والتذلل له واظهار الحاجة اليه واما الثانية فلانه يحرم من الثواب المؤيد ويقع فى العذاب المخلد.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا إن تُطيعوا الذين كفروا} وهم المنافقون، لما قالوا للمسلمين عند الهزيمة: ارجعوا إلى دينكم الأول، ولو كان نبيّاً ما قتل، {يردوكم على أعقابكم} راجعين عن إيمانكم، {فتنقلبوا خاسرين} مفتونين عن دينكم، فتحبط أعمالكم فتخسروا الدنيا والآخرة، بل أثبتوا على إيمانكم، فإن الله {مولاكم} سينصركم ويعزكم، {وهو خير الناصرين}، وقيل: إن تسكنوا إلى أبي سفيان وأشياعه وتستأمنوهم يردوكم إلى دينهم. وقيل: عام في مطاوعة الكفرة والنزول على حكمهم؛ فإنه يجر إلى موافقتهم على دينهم، لا سيما إن طالت مدة الاستئمان. قلت: وهذا هو السبب في ارتداد من بقي من المسلمين بالأندلس حتى رجعوا نصارى، هم وأولادهم، والعياذ بالله من سوء القضاء. الإشارة: يا أيها المريدون - وخصوصاً المتجردين - إن تطيعوا العامة، وتركنوا إليهم، يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين بطلب الدنيا وتعاطي أسبابها، فتزلَّ قدمٌ بعد ثُبْوتها، وتنحط من الهمة العالية إلى الهمة السفلى، فإن الطباع تُسرق، والمرء على دين خليله، بل أثبتوا على التجريد وتحقيق التوحيد، فإن الله مولاكم {وهو خير الناصرين}؛ فينصركم ويعزكم ويغنيكم بلا سبب، كما وعدكم؛{أية : وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لاَ يَحْتَسِبُ}تفسير : [الطلاق: 2، 3].
الطوسي
تفسير : المعنى: هذا خطاب للمؤمنين حذرهم الله من أن يطيعوا الكفار، وبين أنهم إن أطاعوهم ردوهم كافرين. والمعني بـ {الذين كفروا} قيل فيهم قولان: أحدهما - قال الحسن، وابن جريج إنهم اليهود، والنصارى أي إن تستنصحوهم وتقبلوا رأيهم يردوكم خاسرين. وقال السدي: أراد إن تطيعوا أبا سفيان وأصحابه يرجعوكم كافرين. والطاعة موافقة الارادة المرغبة في الفعل، وبالترغيب ينفصل من الاجابة، وإن كان موافقة الارادة حاصلة. وفي الناس من قال: الظاعة في موافقة الأمر، والاول أصح، لأن من فعل ما يقتضي العقل وجوبه أو حسنه يقال: إنه مطيع لله، وان لم يكن هناك أمر على أن من امتثل الأمر إنما سمي مطيعاً لموافقة الارادة المرغبة من حيث أن الأمر لايكون أمراً إلا بارادة المأمور به، والطاعة تكون بمتابعة الواجب والندب معاً، لأن الارادة تتناولهما. الاعراب، والحجة، واللغة، والمعنى: وقوله: {إن تطيعوا} جزم بأنه شرط. وقوله: {يردوكم} جزم بأنه جواب الشرط. وقوله: {فتنقلبوا} جزم بالعطف عليه. وقوله: {خاسرين} نصب على الحال. وقوله: {بل الله}، فحقيقة (بل) الاضراب عن الأول إلى الثاني سواء كانا موجبين أو نفيين أو احداهما موجباً والآخر نفياً تقول: جاء زيد بل عمرو، وما جاء زيد بل عمرو لم يجئ، وما أتى زيد بل خالد. فان قيل: كيف عطف ببل وهي لا تشرك الثاني مع الأول في المعنى؟ قلنا: لأن الاضراب عن الاول كالبدل، ولذلك وجب العطف بالاشراك في الاعراب كما يجب في البدل غير أن البدل لم يحتج إلى حرف، لأن الثاني هو الأول أو في تقدير ما هو كالأول، و (لكن) للاستدراك أيضاً، وهو يقتضي نفياً إما متقدماً أو متأخراً كقولك ما جاءني زيد، لكن عمرو، وجاء زيد لكن عمرو لم يأت، وبهذا فارقت بل. وقوله: {بل الله} كان يجوز النصب في (الله) قال الفراء: على معنى أطيعوا الله مولاكم، لأن قبله {إن تطيعوا} ثم أضرب عن الأول وأوجب الثاني بل أطيعوا الله {مولاكم}. والرفع يحتمل أن يكون على الابتداء ومولاكم خبره، ويحتمل أن يكون مولاكم مبتدأ، و (الله) خبره، وقد قدم عليه. ومعنى مولاكم أي هو أولى بطاعتكم ونصرتكم. وقيل معناه وليكم بالنصرة بدلالة قوله: {هو خير الناصرين} والأصل فيه، ولي الشيء الشيء من غير فصل بينه وبينه، فالولاية إيلاء النصرة، ويجوز لأنه يتولى فعل النصرة، وان لم يكله إلى غيره، لأن من فعل شيئاً فقد تولى فعله. فان قيل: كيف قال {وهو خير الناصرين} مع أنه لا يعتد بنصر غير الله مع نصرته؟ قيل: معناه إنه إن اعتد بنصرة غير الله فنصرة الله خير منها، لأنه لا يجوز أن يغلب، وغيره يجوز أن يغلب، وان نصر فالثقة بنصرة الله تحصل، ولا تحصل بنصرة غيره.
الجنابذي
تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} بالبيعة العامّة وقبول الدّعوة الظّاهرة ناداهم بعد ما عرّض بهم تلطّفاً بهم وجذباً لقلوبهم حتّى يتّعظوا بوعظه ويقبلوا نصحه {إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} قد مضى وجه التّعبير بالرّدّ على الاعقاب وانّه تمثيل للردّ على الدّين مع بقاء الفطرة بالرّدّ عن الطّريق مع توجّه الوجه الى المقصد الاوّل {فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ} نسب الى مولاى ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة امير المؤمنين (ع) انّه قال: نزلت فى المنافقين اذ قالوا للمؤمنين يوم احد عند الهزيمة ارجعوا الى اخوانكم وارجعوا الى دينكم.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِين}: قال السدى: نَزل فى الذّين أرادوا أن يَسْألُوا ابن أبى، أن يستأمنهم من أبى سفيان، وفيمن قال ارجعوا إلى دينكم وإخوانكم ولو كان محمد نبياً لما قتل، ويلحق بهم كل من لم يرسخ. وقيل: نزلت عامة، فى مطاوعة الكفار، وعلى كل حال، فنزول الإنسان على حكم الكفار، يجر إلى موافقتهم، فعلى الأول الذين كفروا، هم المنافقون والذين آمنوا من أرادوا الاستئمان من أبى سفيان، وقيل: الذين كفروا اليهود والنصارى، وقال الحسن: هم اليهود والمراد بطاعتهم: طاعتهم فى ترك الجهاد، وبعض أمور الإسلام، ومعنى الرد على الأعقاب، الرد إلى ورائكم وذلك كناية عن الرد إلى الشرك الذى كانوا فيه، ثم أعرضوا عنه، وطرحوه وراءهم، ومعنى انقلابهم خاسرين: أن يصيروا مغبونين فى الدنيا بالتذلل لكفار، وليسوا بأهل لأن يخضع لهم فى الآخرة بدخول النار، وحرمان دار القرار.
الالوسي
تفسير : { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } شروع في زجر المؤمنين عن متابعة الكفار ببيان مضارها إثر ترغيبهم في الاقتداء بأنصار الأنبياء عليهم السلام ببيان فضائله، وتصدير الخطاب بالنداء والتنبيه لإظهار الإعتناء بما في حيزه، ووصفهم بالإيمان لتذكيرهم بحال ينافي تلك الطاعة فيكون الزجر على أكمل وجه والمراد من الذين كفروا إما المنافقون لأن الآية نزلت ـ كما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه ـ حين قالوا للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم والتعبير عنهم بذلك قصداً إلى مزيد التنفير عنهم والتحذير عن طاعتهم، وإما أبو سفيان وأصحابه وحينئذ فالمراد بإطاعتهم الإستكانة لهم وطلب الأمان منهم وإلى ذلك ذهب السدي، وإما اليهود والنصارى فالمراد حينئذ لا تنتصحوا اليهود والنصارى على دينكم ولا تصدقوهم بشيء في ذلك، وإليه ذهب ابن جريج، وحكي أنهم كانوا يلقون إليهم الشبه في الدين ويقولون: لو كان محمد صلى الله عليه وسلم نبياً حقاً لما غلب وَلمَا أصابه وأصحابه ما أصابهم وإنما هو رجل حاله كحال غيره من الناس يوماً عليه ويوماً له فنهوا عن الإلتفات إليها، وإما سائر الكفار. وذهب إلى جواز ذلك بعض المتأخرين، وأتى بإن للإيذان بأن الإطاعة بعيدة الوقوع من المؤمنين. {يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ } أي يرجعوكم إلى أول أمركم وهو الشرك بالله تعالى والفعل جواب الشرط. وصح ذلك بناءاً على المأثور عن علي كرم الله تعالى وجهه من أن الكلام معه في قوة {إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } في قولهم: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم يدخلوكم في دينهم، ويؤول إلى قولك: إن تدخلوا في دينهم تدخلوا في دينهم وفيه اتحاد الشرط والجزاء بناءاً على أن الإرتداد على العقب علم في انتكاس الأمر ومثل في الحور بعد الكور، وقيل: إن المراد بالإطاعة الهمّ بها والتصميم عليها أي إن تصمموا على إطاعتهم في ذلك تردوا وترجعوا إلى ما كنتم عليه من الكفر وهذا أبلغ في الزجر إلا أنه بعيد عن اللفظ، وجوز أن تكون جوابيته باعتبار كونه تمهيداً لقوله تعالى: {فَتَنقَلِبُواْ خَـٰسِرِينَ } أي فترجعوا خاسرين لخير الدنيا وسعادة الآخرة وذلك أعظم الخسران.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي للانتقال من التَّوبيخ واللوم والعتاب إلى التَّحذير، ليتوسّل منه إلى معاودة التسلية، على ما حصل من الهزيمة، وفي ضمن ذلك كلّه، من الحقائق الحكمية والمواعظ الأخلاقية والعبر التَّاريخية، ما لا يحصيه مريد إحصائه. والطاعة تطلق على امتثال أمْر الآمِر وهو معروف، وعلى الدخول تحت حكم الغالب، فيُقال طَاعَت قبيلة كذا وطوّع الجيش بلاد كذا. و{الَّذين كفروا} شائع في اصطلاح القرآن أن يراد به المشركون، واللفظ صالح بالوضع لكلّ كافر من مشرك وكتابي، مظهر أو منافق. والردّ على الأعقاب: الارتداد، والانقلاب: الرجوع، وقد تقدّم القول فيهما عند قوله: {أية : أفأن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم}تفسير : [آل عمران: 144] فالظاهر أنَّه أراد من هذا الكلام تحذير المؤمنين من أن يُخامرهم خاطر الدخول في صلح المشركين وأمانهم، لأنّ في ذلك إظهار الضّعف أمامهم، والحاجة إليهم، فإذا مالوا إليهم استدرجوهم رويداً رويداً، بإظهار عدم كراهية دينهم المخالف لهم، حتَّى يردّوهم عن دينهم لأنَّهم لن يرضوا عنهم حتَّى يرجعوا إلى ملّتهم، فالردّ على الأعقاب على هذا يحصل بالإخارة والمآل، وقد وقعت هذه العبرة في طاعة مسلمي الأندلس لطاغية الجلالقة. وعلى هذا الوجه تكون الآية مشيرة إلى تسفيهِ رأي من قال: «لو كلّمنا عبد الله بن أبي يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان» كما يدلّ عليه قوله: {بل الله مولاكم}. ويحتمل أن يراد من الطاعة طاعة القول والإشارة، أي الامتثال، وذلك قول المنافقين لهم: لو كان محمد نبيئاً ما قُتل فارجعوا إلى إخوانكم وملّتكم. ومعنى الردّ على الأعقاب في هذا الوجه أنَّه يحصل مباشرة في حال طاعتهم إيّاهم. وقوله: {بل الله مولاكم} إضراب لإبطال ما تضمّنه ما قبله، فعلى الوحه الأول تظهر المناسبة غاية الظهور، لأنّ الطاعة على ذلك الوجه هي من قبيل الموالاة والحلف فناسب إبطالها بالتَّذكير بأنّ مولى المؤمنين هو الله تعالى، ولهذا التَّذكير موقع عظيم: وهو أن نقض الولاء والحلف أمر عظيم عند العرب، فإنّ للولاء عندهم شأناً كشأن النسب، وهذا معنى قرّره الإسلام في خطبة حجّة الوداع أو فتح مكة «مَن انتسب إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والنَّاس أجمعين» فكيف إذا كان الولاء ولاء سيد الموالي كلّهم. وعلى الوجه الثَّاني في معنى {إن تطيعوا الَّذين كفروا} تكون المناسبة باعتبار ما في طاعة المنافقين من موالاتهم وترك ولاء الله تعالى. وقوله: {وهو خير الناصرين} يقوّي مناسبة الوجه الأول ويزيد إرادته ظهوراً. و{خير النَّاصرين} هو أفضل الموصوفين بالوصف، فيما يراد منه، وفي موقعه، وفائدته، فالنصر يقصد منه دفع الغلب عن المغلوب، فمتى كان الدفع أقطع للغالب كان النصر أفضل، ويقصد منه دفع الظلم فمتى كان النصر قاطعاً لظلم الظالم كان موقعه أفضل، وفائدته أكمل، فالنصر لا يخلو من مدحة لأنّ فيه ظهور الشَّجاعة وإباء الضيم والنجدة. قال ودّاك بنُ ثمَيْل المازني: شعر : إذا استنجدوا لمْ يسْألوا من دعاهم لأية حرب أم بأي مكان تفسير : ولكنّه إذا كان تأييداً لظالم أو قاطع طريق، كان فيه دَخَل ومذمّة، فإذا كان إظهاراً لحقِّ المحقّ وإبطالِ الباطل، استكمل المحمدة، ولذلك فَسّر النَّبيء صلى الله عليه وسلم نصر الظالم بما يناسب خُلُق الإسلام لمّا قال: حديث : "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً" فقال بعض القوم: هذا أنصره إذا كان مظلوماً فكيف أنصره إذا كان ظالماً؟ فقال: "أنْ تنصره على نفسه فتكفّه عن ظلمه".
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إن تطيعوا الذين كفروا: المراد من طاعة الكافرين قبول قولهم والأخذ بإرشاداتهم. يردوكم على أعقابكم: يرجعوكم إلى الكفر بعد الإِيمان. خاسرين: فاقدين لكل خير في الدنيا، ولأنفسكم وأهليكم يوم القيامة. بل الله مولاكم: بل أطيعوا الله ربكم ووليكم ومولاكم فإنه خير من يطاع وأحق من يطاع. الرّعب: شدة الخوف من توقع الهزيمة والمكروه. مأواهم: مقر إيوائهم ونزولهم. مثوى: المثوى مكان الثوى وهو الإِقامة والاستقرار. الظالمين: المشركين الذين أطاعوا غير الله تعالى وعبدوا سواه. معنى الآيات: ما زال السياق في أحداث غزوة أحد فقد روى أن بعض المنافقين لما رأى هزيمة المؤمنين في أحد قال في المؤمنين ارجعوا إلى دينكم وإخوانكم ولو كان محمد نبياً لما قتل إلى آخر ما من شأنه أن يقال في تلك الساعة الصعبة من الإقتراحات التي قد كشف عنها هذا النداء الإِلهي للمؤمنين وهو يحذرهم من طاعة الكافرين بقوله عز وجل {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ} فلا شك أن الكافرين قد طالبوا المؤمنين بطاعتهم بتنفيذ بعض الإقتراحات التي ظاهرها النصح وباطنها الغش والخديعة، فنهاهم الله تعالى عن طاعتهم في ذلك وهذا النهي وإن نزل في حالة خاصة فإنه عام في المسلمين على مدى الحياة فلا يحل طاعة الكافرين من أهل الكتاب وغيرهم وفي كل ما يأمرون به أو يقترحونه، ومن أطاعهم ردّوه عن دينه إلى دينهم فينقلب: يرجع خاسراً في دنياه وآخرته، والعياذ بالله هذا ما تضمنته الآية الأولى [149] وأما الآية الثانية [150] فقد تضمنت الأمر بطاعته تعالى، إذ هو أولى بذلك لأنه ربهم ووليهم ومولاهم فهو أحق بطاعتهم من الكافرين فقال تعالى: {بَلِ ٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ} فأطيعوه، ولا تطيعوا أعداءه وإن أردتم أن تطلبوا النصر بطاعة الكافرين فإن الله تعالى خير الناصرين فاطلبوا النصر منه بطاعته فإنه ينصركم وفي الآية الثالثة [151] لما امتثل المؤمنون أمر ربهم فلم يطيعوا الكافرين وعدهم ربهم سبحانه وتعالى بأنه سيلقي في قلوب الكافرين الرعب وهو الخوف والفزع والهلع حتى تتمكنوا من قتالهم والتغلب عليهم وذلك هو النصر المنشود منكم، وعلل تعالى فعله ذلك بالكافرين بأنهم اشركوا به تعالى آلهة عبدوها معه لم ينزل بعبادتها حجة ولا سلطاناً وقال تعالى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} وأخيراً مأواهم النار أي محل إقامتهم النار، وذم تعالى الإِقامة في النار فقال ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين، يريد النار بئس المقام للظالمين وهم المشركون. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تحرم طاعة الكافرين في حال الإختيار. 2- بيان السر في تحريم طاعة الكافرين وهو أنه يترتب عليها الردة والعياذ بالله. 3- بيان قاعدة من طلب النصر من غير الله أذلة الله. 4- وعد الله المؤمنين بنصرهم بعد إلقاء الرعب في قلوب أعدائهم، إذ هم أبو سفيان بالعودة إلى المدينة بعد إنصرافه من أحد ليقضيَ عمن بقي في المدينة من الرجال كذا سولت له نفسه، ثم ألقى الله تعالى في قلبه الرعب فعدل عن الموضوع بتدبير الله تعالى. 5- بطلان كل دعوى ما لم يكن لأصحابها حجة وهي المعبر عنها بالسلطان في الآية إذ الحجة يثبت بها الحق ويناله صاحبه بواسطتها.
القطان
تفسير : يردوكم على اعقابكم: يرجعوكم الى الكفر. المولى: الناصر والمعين. السلطان: الحجة. المثوى: المأوى، ومقر الانسان. لا يزال الحديث في معركة أحد، وما حدث يومذاك من بلبلة في الأفكار وإرجاف من المشركين والمنافقين واليهود. فقد انتهزوا جميعاً ما أصاب المسلمين من الهزيمة وأخذوا يثبطون عزائمهم، ويخّوِفونهم عاقبة السير مع محمد، ويصورون لهم مخاوف الحرب ضد مشركي قريش وحلفائهم. ونحن نعرف ان جو الهزيمة لهو أصلح الأجواء لبلبلة النفوس، واشاعة عدم الثقة في القيادة، وتزيين الانسحاب من المعركة. لذلك نجده تعالى بعد ان رغّب المؤمنين في الاقتداء بأنصار الأنبياء الصادقين المخلصين، ينهاهم في الآية نفسها عن متابعة الكفار والمنافقين. {يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...} إن تطيعوا أعداء الله الذين أرجفوا يوم أُحد أن محمداً قد قتل، وانه لو كان رسولاً حقا لما هُزم، فإنهم سيطلبون اليكم ان ترجعوا الى دينكم الذي كنتم عليه، وبذلك تخسرون الدنيا والآخرة. وأيّ خسارة أشد من الارتداد عن الايمان الى الكفرِ! اما اذا حدثتم أنفسكم بأنه قد يترتب على الميل اليهم من طرفكم قدرٌ من الحماية والنصر فاعلَموا ان ذلك وهمٌ خادع (وهذا ما يفعله بعض حكام المسلمين مع اميركا في الوقت الحاضر). ان الله مولاكم، وهو ناصركم ومعين لكم وحاميكم.. فلا تخشوهم، إن الله أعظم الناصرين. ولا يضعفْكم ما أصابكم من خذلان يوم أحد، فنحن سنلقي الرعب في قلوب أعدائكم، جزاءً لهم على إشركاهم بالله في العبادة. وسيكون مقرهم النار، وبئس مقام الظالمين.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَا أَيُّهَا} {آمَنُوۤاْ} {أَعْقَابِكُمْ} {خَاسِرِينَ} (149) - يُحَذِّرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ مِنْ إطَاعَةِ الكَافِرِينَ وَالمُنَافِقينَ، الذِينَ حَاوَلُوا إلْقَاءَ الشُّبُهَاتِ فِي قُلُوبِ ضِعَافِ المُؤْمِنينَ بِقَوْلِهِمْ: لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ نَبِيّاً حَقّاً لانْتَصَرَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمٌ وَعَلِيهِ يَوْمٌ. (وَهَؤُلاءِ هُمْ أبُو سُفْيَانُ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ) لأنَّ إِطَاعَتَهُمْ تُورِثُ البَوَارَ فِي الدُّنْيا، بِخُضُوعِهِمْ لِسُلْطَانِهِمْ، وَذِلَّتِهِمْ بَيْنَهُمْ، وَفِي الآخِرَةِ فِيمَا يُصِيبُهُمْ مِنَ العَذَابِ الأَبَدِيِّ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَجَهَنَّمُ بِئْسَ المَصِيرُ وَالمُسْتَقَرُّ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وما دمتم مؤمنين وهم كفار فكيف يتأتى منكم أن تطيعوا الكافرين؟ إنكم وهم من أول مرحلة مختلفون؛ أنتم مؤمنون وهم كفار، والكافر والمنافق سيستغل فرصة الضعف في النفس الإيمانية المسلمة، ويحاول أن يتسلل إليها، مثلما قلنا: إن جماعة من المنافقين قالوا: قتل محمد، ولم يعد فينا رسول فلنلجأ إلى دين آبائنا. والمؤمنون الذين أصابتهم لحظة ضعف قالوا: نذهب إلى ابن أبي - المنافق الأول في المدينة - ونطلب منه أن يتوسط لنا عند أبي سفيان ليأخذ لنا الأمان. ولذلك يقول الحق: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ} [آل عمران: 149]، فإن كان الموقف يحتاج إلى ناصر فلا تطلبوا النصير من الكافرين، ولكن اطلبوه ممن آمنتم به. وينزل القول الحق: {بَلِ ٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لا تزال الآيات الكريمة تتناول سرد أحداث غزوة أُحد وما فيها من العظات والعبر، فهي تتحدث عن أسباب الهزيمة وموقف المنافقين الفاضح في تلك الغزوة، وتآمرهم على الدعوة الإِسلامية بتثبيط عزائم المؤمنين. اللغَة: {سُلْطَاناً} حجة وبرهاناً وأصله القوة ومنه قيل للوالي سلطان {مَثْوَىٰ} المثوى: المكان الذي يكون مقر الإِنسان ومأواه من قولهم ثوى بالمكان إِذا أقام فيه {تَحُسُّونَهُمْ} تقتلونهم قال الزجاج: الحسُّ الإِستئصال بالقتل وأصله الضرب على مكان الحس قال الشاعر: شعر : حسناهم بالسيف حساً فأصبحت بقيتهم قد شردوا وتبدّدوا تفسير : {تُصْعِدُونَ} الإِصعاد: الذهاب والإِبعاد في الأرض، والفرق بينه وبين الصعود أن الإِصعاد يكون في مستوى من الأرض، والصعود يكون في ارتفاع {لاَ تَلْوُونَ} أي لا تلتفتون إِلى أحد كما يفعل المنهزم وأصله من ليّ العنق للإِلتفات {أُخْرَاكُمْ} آخركم {أَثَابَكُمْ} جازاكم {أَمَنَةً} أمناً واطمئناناً {يَغْشَىٰ} يستر ويغطي {وَلِيُمَحِّصَ} التمحيص: التنقية وتخليص الشيء مما فيه من عيب {ٱسْتَزَلَّهُمُ} أوقعهم في الزلّة وهي الخطيئة {غُزًّى} جمع غازٍ وهو الخارج في سبيل الله. سَبَبُ النّزول: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى المدينة وقد أصيبوا بما أصيبوا يوم أُحد، قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟ فأنزل الله {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ ... إلى قوله مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا} يعني الرماة الذين فعلوا ما فعلوا يوم أُحد. التفسِير: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي إِن أطعتم الكفار والمنافقين فيما يأمرونكم به {يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} أي يردوكم إِلى الكفر {فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ} أي ترجعوا إِلى الخسران، ولا خسران أعظم من أن تتبدلوا الكفر بالإِيمان قال ابن عباس: هم المنافقون قالوا للمؤمنين لما رجعوا من أُحد لو كان نبياً ما أصابه الذي أصابه فارجعوا إِلى إِِخوانكم {بَلِ ٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ} بل للإِضراب أي ليسوا أنصاراً لكم حتى تطيعوهم بل الله ناصركم فأطيعوا أمره {وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّاصِرِينَ} أي هو سبحانه خير ناصر وخير معين فلا تستنصروا بغيره، ثم بشر تعالى المؤمنين بإِلقاء الرعب في قلوب أعدائهم فقال {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} أي سنقذف في قلوبهم الخوف والفزع {بِمَآ أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} أي بسبب إِشراكهم بالله وعبادتهم معه آلهة أخرى من غير حجة ولا برهان {وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ} أي مستقرهم النار {وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّالِمِينَ} أي بئس مقام الظالمين نار جهنم، فهم في الدنيا مرعوبون وفي الآخرة معذبون وفي الحديث "حديث : نصرت بالرعب مسيرة شهر" تفسير : {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} أي وفى الله لكم ما وعدكم به من النصر على عدوكم {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} أي تقتلونهم قتلاً ذريعاً وتحصدونهم بسيوفكم بإِرادة الله وحكمه {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ} أي حتى إِذا جبنتم وضعفتم واختلفتم في أمر المقام في الجبل {وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ} أي عصيتم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن كان النصر حليفكم، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع خمسين من الرماة فوق الجبل وأمرهم أن يدفعوا عن المسلمين وقال لهم: لا تبرحوا أماكنكم حتى ولو رأيتمونا تخطفتنا الطير، فلما التقى الجيشان لم تقو خيل المشركين على الثبات بسبب السهام التي أخذتهم في جوههم من الرماة فانهزم المشركون، فلما رأى الرماة ذلك قالوا: الغنيمة الغنيمةَ ونزلوا لجمع الأسلاب، وثبت رئيسهم ومعه عشرة فجاءهم المشركون من خلف الجبل فقتلوا البقية من الرماة ونزلوا على المسلمين بسيوفهم من خلف ظهورهم فانقلب النصر إِلى هزيمة للمسلمين فذلك قوله تعالى {مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ} أي من بعد النصر {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا} أي الغنيمة وهم الذين تركوا الجبل {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} أي ثواب الله وهم العشرة الذين ثبتوا في مركزهم مع أميرهم "عبد الله بن جبير" ثم استشهدوا {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} أي ردكم بالهزيمة عن الكفار ليمتحن إِيمانكم {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} أي صفح عنكم مع العصيان، وفيه إِعلام بأن الذنب كان يستحق أكثر مما نزل بهم لولا عفو الله عنهم ولهذا قال {وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي ذو منٍّ ونعمةٍ على المؤمنين في جميع الأوقات والأحوال {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ} أي اذكروا يا معشر المؤمنين حين وليتم الأدبار تبعدون في الفرار ولا تلتفتون إِلى ما وراءكم ولا يقف واحد منكم لآخر {وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيۤ أُخْرَاكُمْ} أي ومحمد صلى الله عليه وسلم يناديكم من وراءكم يقول "حديث : إِليَّ عبادَ الله، إِليَّ عباد الله، أنا رسول الله، من يكرُّ فله الجنة" تفسير : وأنتم تمعنون في الفرار {فَأَثَابَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ} أي جازاكم على صنيعكم غماً بسبب غمكم للرسول صلى الله عليه وسلم ومخالفتكم أمره {لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ} أي لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة {وَلاَ مَآ أَصَابَكُمْ} أي من الهزيمة، والغرض بيان الحكمة من الغم، وهو أن ينسيهم الحزن على ما فاتهم وما أصابهم وذلك من رحمته تعالى بهم {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي يعلم المخلص من غيره {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً} وهذا امتنانٌ منه تعالى عليهم أي ثم أرسل عليكم بعد ذلك الغم الشديد النعاس للسكينة والطمأنينة ولتأمنوا على أنفسكم من عدوكم فالخائف لا ينام، روى البخاري عن أنس أن أبا طلحة قال: "غشينا النعاسُ ونحن في مصافنا يوم أحد، قال فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه" ثم ذكر سبحانه أن تلك الأمنة لم تكن عامة بل كانت لأهل الإِخلاص، وبقى أهل النفاق في خوف وفزع فقال {يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ} أي يغشى النوم فريقاً منكم وهم المؤمنون المخلصون {وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} أي وجماعة أخرى حملتهم أنفسهم على الهزيمة فلا رغبة لهم إِلاَّ نجاتها وهم المنافقون، وكان السبب في ذلك توعد المشركين بالرجوع إِلى القتال، فقعد المؤمنون متهيئين للحرب فأنزل الله عليهم الأمنة فناموا، وأما المنافقون الذين أزعجهم الخوف بأن يرجع الكفار عليهم فقد طار النوم من أعينهم من الفزع والجزع {يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَاهِلِيَّةِ} أي يظنون بالله الظنون السيئة مثل ظنِّ أهل الجاهلية، قال ابن كثير: وهكذا هؤلاء اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنها الفيصلة، وأن الإِسلام قد باد وأهله، وهذا شأن أهل الريب والشك، إِذا حصل أمر من الأمور الفظيعة، تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة {يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ} أي ليس لنا من الأمر شيء، ولو كان لنا اختيار ما خرجنا لقتال {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ} أي قل يا محمد لأولئك المنافقين الأمر كله بيد الله يصرّفه كيف شاء {يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ} أي يبطنون في أنفسهم ما لا يظهرون لك {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا} أي لو كان الاختيار لنا لم نخرج فلم نُقتل ولكن أكرهنا على الخروج، وهذا تفسير لما يبطنونه قال الزبير: أُرسل علينا النوم ذلك اليوم وإِنّي لأسمع قول "معتّب بن قشير" والنعاس يغشاني يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هٰهنا {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ} أي قل لهم يا محمد لو لم تخرجوا من بيوتكم وفيكم من قدّر الله عليه القتل لخرج أولئك إِلى مصارعهم، فَقَدرُ الله لا مناص منه ولا مفر {وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ} أي ليختبر ما في قلوبكم من الإِخلاص والنفاق {وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} أي ولينقّي ما في قلوبكم ويطهّره فعل بكم ذلك {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي عالم بالسرائر مطّلع على الضمائر وما فيها خير أو شر، ثم ذكر سبحانه الذين انهزموا يوم أُحد فقال {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ} أي انهزموا منكم من المعركة {يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} أي جمع المسلمين وجمع المشركين {إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ} أي إِنما أزلهم الشيطان بوسوسته وأوقعهم في الخطيئة ببعض ما عملوا من الذنوب وهو مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم {وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ} أي تجاوز عن عقوبتهم وصفح عنهم {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} أي واسع المغفرة حليم لا يعجل العقوبة لمن عصاه، ثم نهى سبحانه عن الاقتداء بالمنافقين في أقوالهم وأفعالهم فقال {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي لا تكونوا كالمنافقين {وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ} أي وقالوا لإِخوانهم من أهل النفاق إذا خرجوا في الأسفار والحروب {أَوْ كَانُواْ غُزًّى} أو خرجوا غازين في سبيل الله {لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ} أي لو أقاموا عندنا ولم يخرجوا لما ماتوا ولا قتلوا، قال تعالى ردّاً عليهم {لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ} أي قالوا ذلك ليصير ذلك الاعتقاد الفاسد حسرة في نفوسهم {وَٱللَّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ} ردٌّ على قولهم واعتقادهم أي هو سبحانه المحيي المميت فلا يمنع الموت قعود {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي مطلع على أعمال العباد فيجازيهم عليها {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي استشهدتم في الحرب والجهاد {أَوْ مُتُّمْ} أي جاءكم الموت وأنتم قاصدون قتالهم {لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} أي ذلك خير من البقاء في الدنيا وجمع حطامها الفاني {وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ} أي وسواء متم على فراشكم أو قتلتم في ساحة الحرب فإِن مرجعكم إِلى الله فيجازيكم بأعمالكم، فآثروا ما يقربكم إِلى الله ويوجب لكم رضاه من الجهاد في سبيل الله والعمل بطاعته، ولله در القائل حيث يقول: شعر : فإِن تكن الأبدان للموت أُنشئت فقتل امرئٍ بالسيف في الله أفضل تفسير : البَلاَغَة: 1- {يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} أي يرجعوكم من الإِيمان إِلى الكفر وهو من باب الاستعارة وقد تقدم. 2- بين لفظ {آمَنُوۤاْ} و {كَفَرُواْ} في الآية طباق وكذلك بين {يُخْفُونَ} و {يُبْدُونَ} وبين {فَاتَكُمْ} و {أَصَابَكُمْ} وهو من المحسنات البديعية. 3- {وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّالِمِينَ} لم يقل وبئس مثواهم بل وضع الظاهر مكان الضمير للتغليظ وللإِشعار بأنهم ظالمون لوضعهم الشيء في غير موضعه والمخصوص بالذم محذوف أي بئس مثوى الظالمين النار أفاده أبو السعود. 4- {ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} التنكير للتفخيم وقوله {عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} دون عليهم فيه الإِظهار في موضع الإِضمار للتشريف والإِشعار بعلة الحكم. 5- {يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ .. ظَنَّ} بينهما جناس الاشتقاق وكذلك في {أية : فَتَوَكَّلْ ... ٱلْمُتَوَكِّلِينَ} تفسير : [آل عمران: 159]. 6- {إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ} فيه استعارة تشبيهاً للمسافر في البر بالسابح الضارب في البحر. لأنه يضرب بأطرافه في غمرة الماء شقاً لها واستعانة على قطعها كذا في تلخيص البيان. فَائِدَة: من الذين ثبتوا في المعركة بأُحد الأسد المقدام "أنس بن النضر" عم أنس بن مالك، فلما هزم المسلمون وأشاع المنافقون أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد قتل قال: اللهم إِني أعتذر إِليك مما صنع هؤلاء - يعني المسلمين - وأبرأ إِليك مما فعل هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم بسيفه فلقيه "سعد بن معاذ" فقال: أين يا سعد؟ والله إِني لأجد ريح الجنة دون أحد، فمضى فقُتل ومثَّل به المشركون فلم يعرفه أحد إلا أخته عرفته من بنانه ورؤي وبه بضع وثمانون من طعنةٍ وضربةٍ ورميةٍ بسهم. فَائِدَة: روى ابن كثير عن ابن مسعود قال: إِن النساء كنَّ يوم أُحد خلف المسلمين يُجهزن على جرحى المشركين، فلو حلفتُ يومئذٍ رجوت أن أبرّ أنه ليس أحد منا يريد الدنيا حتى أنزل الله {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} فلما خالف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصوا ما أُمروا به أُفرد النبي صلى الله عليه وسلم في تسعة وهو عاشرهم فلما أرهقوه قال: رحم الله رجلاً ردّهم عنا فلم يزل يقول ذلك حتى قتل سبعة منهم، فنظروا فإِذا حمزة قد بقر بطنه وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطيع أن تأكلها، وحزن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حزناً شديداً، وصلى عليه يومئذٍ سبعين صلاة.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن طاعة الكافرين أنها خذلان الخاسرين بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [آل عمران: 149]، إشارة في الآيتين: إن الخطاب مع القلوب المؤمنة المستخلصة من صفات النفس الأمارة بالسوء، إن تطيعوا النفوس الكافرة وتتبعوا هواها، {يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران: 149] إلى أسفل السافلين ببشريتكم ويمسكم كما كنتم، كقوله تعالى: {أية : ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} تفسير : [التين: 5]، {فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ} [آل عمران: 149]. {بَلِ ٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ} [آل عمران: 150]، كقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} تفسير : [البقرة: 257]، {وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّاصِرِينَ} [آل عمران: 150]، لا يحتمل عليه غير الله من الناصرين. وقال تعالى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ} [آل عمران: 151] أي: سبب إشراكهم بالله نظيره قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ} تفسير : [الصف: 5]؛ أي: بسبب زيغهم، وقال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ} تفسير : [السجدة: 24]؛ أي: بسبب صبرهم وأمثاله في القرآن كثيرة، ثم قال تعالى: {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّالِمِينَ} [آل عمران: 151]؛ أي: مرجع الذين أشركوا نار القطيعة وبئس مثواهم لظلم عظيم؛ ولهذا {أية : لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 48].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذا نهي من الله للمؤمنين أن يطيعوا الكافرين من المنافقين والمشركين، فإنهم إن أطاعوهم لم يريدوا لهم إلا الشر، وهم [قصدهم] ردهم إلى الكفر الذي عاقبته الخيبة والخسران. ثم أخبر أنه مولاهم وناصرهم، ففيه إخبار لهم بذلك، وبشارة بأنه سيتولى أمورهم بلطفه، ويعصمهم من أنواع الشرور. وفي ضمن ذلك الحث لهم على اتخاذه وحده وليا وناصرا من دون كل أحد، فمن ولايته ونصره لهم أنه وعدهم أنه سيلقي في قلوب أعدائهم من الكافرين الرعب، وهو الخوف العظيم الذي يمنعهم من كثير من مقاصدهم، وقد فعل تعالى. وذلك أن المشركين -بعدما انصرفوا من وقعة "أحد" - تشاوروا بينهم، وقالوا: كيف ننصرف، بعد أن قتلنا منهم من قتلنا، وهزمناهم ولما نستأصلهم؟ فهموا بذلك، فألقى الله الرعب في قلوبهم، فانصرفوا خائبين، ولا شك أن هذا من أعظم النصر، لأنه قد تقدم أن نصر الله لعباده المؤمنين لا يخرج عن أحد أمرين: إما أن يقطع طرفا من الذين كفروا، أو يكبتهم فينقلبوا خائبين، وهذا من الثاني. ثم ذكر السبب الموجب لإلقاء الرعب في قلوب الكافرين، فقال: { بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا } أي: ذلك بسبب ما اتخذوا من دونه من الأنداد والأصنام، التي اتخذوها على حسب أهوائهم وإرادتهم الفاسدة، من غير حجة ولا برهان، وانقطعوا من ولاية الواحد الرحمن، فمن ثم كان المشرك مرعوبا من المؤمنين، لا يعتمد على ركن وثيق، وليس له ملجأ عند كل شدة وضيق، هذا حاله في الدنيا، وأما في الآخرة فأشد وأعظم، ولهذا قال: { ومأواهم النار } أي: مستقرهم الذي يأوون إليه وليس لهم عنها خروج، { وبئس مثوى الظالمين } بسبب ظلمهم وعدوانهم صارت النار مثواهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):