٤٣ - ٱلْزُّخْرُف
43 - Az-Zukhruf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
26
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بيّن في الآية المتقدمة أنه ليس لأولئك الكفار داع يدعوهم إلى تلك الأقاويل الباطلة إلا تقليد الآباء والأسلاف، ثم بيّن أنه طريق باطل ومنهج فاسد، وأن الرجوع إلى الدليل أولى من الاعتماد على التقليد، أردفه بهذه الآية والمقصود منها ذكر وجه آخر يدل على فساد القول بالتقليد وتقريره من وجهين: الأول: أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه تبرأ عن دين آبائه بناء على الدليل فنقول: إما أن يكون تقليد الآباء في الأديان محرماً أو جائزاً، فإن كان محرماً فقد بطل القول بالتقليد، وإن كان جائزاً فمعلوم أن أشرف آباء العرب هو إبراهيم عليه السلام، وذلك لأنهم ليس لهم فخر ولا شرف إلا بأنهم من أولاده، وإذا كان كذلك فتقليد هذا الأب الذي هو أشرف الآباء أولى من تقليد سائر الآباء، وإذا ثبت أن تقليده أولى من تقليد غيره فنقول إنه ترك دين الآباء، وحكم بأن اتباع الدليل أولى من متابعة الآباء، وإذا كان كذلك وجب تقليده في ترك تقليد الآباء ووجب تقليده في ترجيح الدليل على التقليد، وإذا ثبت هذا فنقول: فقد ظهر أن القول بوجوب التقليد يوجب المنع من التقليد، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان باطلاً، فوجب أن يكون القول بالتقليد باطلاً، فهذا طريق رقيق في إبطال التقليد وهو المراد بهذه الآية. الوجه الثاني: في بيان أن ترك التقليد والرجوع إلى متابعة الدليل أولى في الدنيا وفي الدين، أنه تعالى بيّن أن إبراهيم عليه السلام لما عدل عن طريقة أبيه إلى متابعة الدليل لا جرم جعل الله دينه ومذهله باقياً في عقبه إلى يوم القيامة، وأما أديان آبائه فقد اندرست وبطلت، فثبت أن الرجوع إلى متابعة الدليل يبقى محمود الأثر إلى قيام الساعة، وأن التقليد والإصرار ينقطع أثره ولا يبقى منه في الدنيا خير ولا أثر، فثبت من هذين الوجهين أن متابعة الدليل وترك التقليد أولى، فهذا بيان المقصود الأصلي من هذه الآية، ولنرجع إلى تفسير ألفاظ الآية. أما قوله {إِنَّنِى بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ } فقال الكسائي والفرّاء والمبرد والزجاج {بَرَاء } مصدر لا يثنى ولا يجمع مثل عدل ورضا وتقول العرب أنا البراء منك والخلاء منك ونحن البراء منك والخلاء ولا يقولون البراآن ولا البراؤن لأن المعنى ذوا البراء وذوو البراء فإن قلت برىء وخلى ثنيت وجمعت. ثم استثنى خالقه من البراءة فقال: {إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي } والمعنى أنا أتبرأ مما تعبدون إلا من الله عزّ وجلّ، ويجوز أن يكون إلا بمعنى لكن فيكون المعنى لكن الذي فطرني فإنه سيهدين أي سيرشدني لدينه ويوفقني لطاعته. واعلم أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام في آية أخرى أنه قال: { أية : ٱلَّذِى خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ } تفسير : [الشعراء: 78] وحكى عنه ههنا أنه قال: {سَيَهْدِينِ } فأجمع بينهما وقدر كأنه قال: فهو يهدين وسيهدين، فيدلان على استمرار الهداية في الحال والاستقبال {وَجَعَلَهَا } أي وجعل إبراهيم كلمة التوحيد التي تكلم بها وهي قوله {إِنَّنِي بَرَاءٌ مّمَّا تَعْبُدُونَ } جارياً مجرى لا إلـٰه وقوله {إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي } جارياً مجرى قوله إلا الله فكان مجموع قوله {إِنَّنِي بَرَاءٌ مّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي } جارياً مجرى قوله لا إلـٰه إلا الله ثم بيّن تعالى أن إبراهيم جعل هذه الكلمة باقية في عقبه أي في ذريته فلا يزال فيهم من يوحد الله ويدعو إلى توحيده {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } أي لعل من أشرك منهم يرجع بدعاء من وحد منهم، وقيل وجعلها الله، وقرىء كلمة على التخفيف وفي عقيبه. ثم قال تعالى: {بَلْ مَتَّعْتُ هَــٰؤُلاَءِ وَءَابَاءَهُمْ } يعني أهل مكة وهم عقب إبراهيم بالمد في العمر والنعمة فاغتروا بالمهلة واشتغلوا بالتنعم واتباع الشهوات وطاعة الشيطان عن كلمة التوحيد {حَتَّىٰ جَاءَهُمُ ٱلْحَقُّ } وهو القرآن {وَرَسُولٌ مُّبِينٌ } بين الرسالة وأوضحها بما معه من الآيات والبينات فكذبوا به وسموه ساحراً وما جاء به سحراً وكفروا به، ووجه النظم أنهم لما عولوا على تقليد الآباء ولم يتفكروا في الحجة اغتروا بطول الإمهال وإمتاع الله إياهم بنعيم الدنيا فأعرضوا عن الحق، قال صاحب «الكشاف»: إن قيل ما وجه قراءة من قرأ متعت بفتح التاء؟ قلنا كأن الله سبحانه اعترض على ذاته في قوله {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَـٰقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } فقال بل متعتهم بما متعتهم به من طول العمر والسعة في الرزق حتى شغلهم ذلك عن كلمة التوحيد، وأراد بذلك المبالغة في تعييرهم لأنه إذا متعهم بزيادة النعم وجب عليهم أن يجعلوا ذلك سبباً في زيادة الشكر والثبات على التوحيد لا أن يشركوا به ويجعلوا له أنداداً، فمثاله أن يشكو الرجل إساءة من أحسن إليه ثم يقبل على نفسه فيقول أنت السبب في ذلك بمعروفك وإحسانك إليه، وغرضه بهذا الكلام توبيخ المسيء لا تقبيح فعل نفسه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{وَإِذْ قَالَ} أي ذكرهم إذ قال. {إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ} البراء يستعمل للواحد فما فوقه فلا يتثنّى ولا يجمع ولا يؤنث؛ لأنه مصدر وضع موضع النعت؛ لا يقال: البراءان والبراءون، لأن المعنى ذو البراء وذوو البراء. قال الجوهري: وتبرّأت من كذا، وأنا منه بَراء، وخَلاء منه لا يثنّى ولا يجمع لأنه مصدر في الأصل؛ مثل: سَمِع سَماعاً. فإذا قلت: أنا بريء منه وخَلِيّ ثنّيتَ وجمعت وأنّثت، وقلت في الجمع: نحن منه بُرَآء مثل فقيه وفقهاء، وبِراء أيضاً مثل كريم وكِرام، وأبراء مثل شريف وأشراف، وأبرياء مثل نصيب وأنصباء، وبريئون. وٱمرأة بريئة وهما بريئتان وهن بريئات وبرايا. ورجل بريء وبُراء مثل عجيب وعجاب. والبَراء (بالفتح) أول ليلة من الشهر، سميت بذلك لتبرؤ القمر من الشمس. {إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي} استثناء متصل، لأنهم عبدوا الله مع آلهتهم. قال قتادة: كانوا يقولون الله ربنا؛ مع عبادة الأوثان. ويجوز أن يكون منقطعاً؛ أي لكن الذي فطرني فهو يهدين. قال ذلك ثقةً بالله وتنبيهاً لقومه إن الهداية من ربه.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن عبده ورسوله وخليله إمام الحنفاء، ووالد من بعث بعده من الأنبياء، الذي تنتسب إليه قريش في نسبها ومذهبها: أنه تبرأ من أبيه وقومه في عبادتهم الأوثان، فقال: {إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱلَّذِى فَطَرَنِى فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَـٰقِيَةً فِى عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ} أي: هذه الكلمة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان، وهي لا إله إلا الله، أي: جعلها دائمة في ذريته، يقتدي به فيها من هداه الله تعالى من ذرية إبراهيم عليه الصلاة والسلام {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي: إليها. قال عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم في قوله عز وجل: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَـٰقِيَةً فِى عَقِبِهِ} يعني: لا إله إلا الله، لا يزال في ذريته من يقولها، وروي نحوه عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقال ابن زيد: كلمة الإسلام، وهو يرجع إلى ما قاله الجماعة، ثم قال جل وعلا: {بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰؤُلاَءِ} يعني: المشركين، {وَءَابَآءَهُمْ} أي: فتطاول عليهم العمر في ضلالهم {حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ} أي: بين الرسالة والنذارة، { وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَـٰفِرُونَ} أي: كابروه وعاندوه، ودفعوا بالصدور والراح؛ كفراً وحسداً وبغياً{وَقَالُواْ} أي: كالمعترضين على الذي أنزله تعالى وتقدس {لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} أي: هلاّ كان إنزال هذا القرآن على رجل عظيم كبير في أعينهم من القريتين؟ يعنون: مكة والطائف، قاله ابن عباس رضي الله عنهما، وعكرمة ومحمد بن كعب القرظي وقتادة والسدي وابن زيد، وقد ذكر غير واحد منهم أنهم أرادوا بذلك الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي. وقال مالك عن زيد بن أسلم والضحاك والسدي: يعنون: الوليد بن المغيرة ومسعود بن عمرو الثقفي. وعن مجاهد: يعنون: عمير بن عمرو بن مسعود الثقفي. وعنه أيضاً أنهم يعنون: عتبة بن ربيعة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: جباراً من جبابرة قريش، وعنه رضي الله عنهما: أنهم يعنون الوليد بن المغيرة، وحبيب بن عمرو بن عمير الثقفي، وعن مجاهد: يعنون: عتبة بن ربيعة بمكة، وابن عبد ياليل بالطائف. وقال السدي: عنوا بذلك الوليد بن المغيرة، وكنانة بن عمرو بن عمير الثقفي، والظاهر أن مرادهم رجل كبير من أي البلدتين كان. قال الله تبارك وتعالى راداً عليهم في هذا الاعتراض: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ} أي: ليس الأمر مردوداً إليهم، بل إلى الله عز وجل، والله أعلم حيث يجعل رسالاته، فإنه لا ينزلها إلا على أزكى الخلق قلباً ونفساً، وأشرفهم بيتاً، وأطهرهم أصلاً. ثم قال عز وجل مبيناً أنه قد فاوت بين خلقه فيما أعطاهم من الأموال والأرزاق والعقول والفهوم، وغير ذلك من القوى الظاهرة والباطنة، فقال: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} الآية. وقوله جلت عظمته: {لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً} قيل: معناه: ليسخر بعضهم بعضاً في الأعمال؛ لاحتياج هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، قاله السدي وغيره. وقال قتادة والضحاك: ليملك بعضهم بعضاً، وهو راجع إلى الأول. ثم قال عز وجل: {وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} أي: رحمة الله بخلقه خير لهم مما بأيديهم من الأموال ومتاع الحياة الدنيا، ثم قال سبحانه وتعالى: {وَلَوْلآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً} أي: لولا أن يعتقد كثير من الناس الجهلة أن إعطاءنا المال دليل على محبتنا لمن أعطيناه، فيجتمعوا على الكفر؛ لأجل المال. هذا معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وغيرهم، {لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ} أي: سلالم ودرجاً من فضة. قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد وغيرهم {عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} أي: يصعدون. {وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً}، أي: أغلاقاً على أبوابهم {وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ} أي: جميع ذلك يكون فضة، {وَزُخْرُفاً} أي: وذهباً، قاله ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد. ثم قال تبارك وتعالى: {وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} أي: إنما ذلك من الدنيا الفانية الزائلة الحقيرة عند الله تعالى، أي: يعجل لهم بحسناتهم التي يعملونها في الدنيا مآكل ومشارب؛ ليوافوا الآخرة، وليس لهم عند الله تبارك وتعالى حسنة يجزيهم بها؛ كما ورد به الحديث الصحيح. وورد في حديث آخر: «حديث : لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافراً شربة ماء» تفسير : أسنده البغوي من رواية زكريا بن منظور عن أبي حازم عن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره. ورواه الطبراني من طريق زمعة بن صالح عن أبي حازم عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : لو عدلت الدنيا عند الله جناح بعوضة، ما أعطى كافراً منها شيئاً» تفسير : ثم قال سبحانه وتعالى: {وَٱلأَخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} أي: هي لهم خاصة، لا يشاركهم فيها أحد غيرهم، ولهذا لما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين صعد إليه في تلك المشربة، لما آلى صلى الله عليه وسلم من نسائه، فرآه على رمال حصير قد أثر بجنبه، فابتدرت عيناه بالبكاء وقال: يا رسول الله هذا كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت صفوة الله من خلقه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئاً فجلس، وقال: «حديث : أو في شكَ أنت يابن الخطاب؟» تفسير : ثم قال صلى الله عليه وسلم «حديث : أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا» تفسير : وفي رواية: «حديث : أما ترضى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة؟»تفسير : . وفي الصحيحين أيضاً وغيرهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا، ولنا في الآخرة» تفسير : وإنما خولهم الله تعالى في الدنيا؛ لحقارتها كما روى الترمذي وابن ماجه من طريق أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافراً شربة ماء أبداً» تفسير : قال الترمذي: حسن صحيح.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر {إِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِى بَرَآءٌ } أي بريء {مِّمَّا تَعْبُدُونَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ} البراء مصدر موضع الوصف، لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، فكأنه قال إنني بريء. {مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي} وهذا استثناء منقطع وتقديره، لكن الذي فطرني أي خلقني: {فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} وقيل فيه محذوف تقديره إلا الذي فطرني لا أبرأ منه {فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} قال ذلك ثقة بالله وتنبيهاً لقومه أن الهداية من ربه. قوله عز وجل: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيةً فِي عَقِبِهِ} فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: لا إله إلا الله، لم يزل في ذريته من يقولها، قاله مجاهد، وقتادة. الثاني: ألا تعبدوا إلا الله، قاله الضحاك. الثالث: الإسلام، لقوله تعالى: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} قاله عكرمة. وفي {عَقِبِهِ} ثلاثة أوجه: أحدها: ولده، قاله عكرمة. الثاني: في آل محمد صلى الله عليه وسلم، قاله السدي. الثالث: من خلفه، قاله ابن عباس. {لَعَلَّهُم يَرْجِعُونَ} فيه أربعة أوجه: أحدها: يرجعون إلى الحق، قاله إبراهيم. الثاني: يتوبون، قاله ابن عباس. الثالث: يذكرون، قاله قتادة. الرابع:يرجعون إلى دينك الذي هو دين إبراهيم، قاله الفراء. قوله عز وجل: {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَينِ عَظِيمٍ} أما القريتان فإحداهما مكة والأخرى الطائف. وأما عظيم مكة ففيه قولان: أحدهما: أنه الوليد بن المغيرة، قاله ابن عباس. الثاني: عتبة بن ربيعة، قاله مجاهد. وأما عظيم الطائف ففيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه حبيب بن عمر الثقفي، قاله ابن عباس. الثاني: [عمير] بن عبد ياليل، [الثقفي] قاله مجاهد. الثالث: عروة بن مسعود، قاله قتادة. الرابع: أنه كنانة [عبد] بن عمرو، قاله السدي. قوله عز وجل: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ} يعني النبوة فيضعوها حيث شاءوا. {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنَْيَا} يعني أرزاقهم، قال قتادة: فتلقاه ضعيف القوة قليل الحيلة عيي اللسان وهو مبسوط له، وتلقاه شديد الحيلة بسيط اللسان وهو مقتر عليه. {وَرَفَعَنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} فيه خمسة أوجه: أحدها: بالفضائل، فمنهم فاضل ومنهم مفضول، قاله مقاتل. الثاني: بالحرية والرق، فبعضهم مالك وبعضهم مملوك. الثالث: بالغنى والفقر، فبعضهم غني، وبعضهم فقير. الرابع: بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. الخامس: قاله السدي، التفضيل في الرزق إن الله تعالى قسم رحمته بالنبوة كما قسم الرزق بالمعيشة. {لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً} فيه وجهان: أحدهما: يعني خدماً، قاله السدي. الثاني: ملكاً، قاله قتادة. {وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} فيه أربعة أوجه: أحدها: أن النبوة خير من الغنى. الثاني: أن الجنة خير من الدنيا. الثالث: أن إتمام الفرائض خير من كثرة النوافل. الرابع: أن ما يتفضل به عليهم خير مما يجازيهم عليه من أعمالهم، قاله بعض أصحاب الخواطر. قوله عز وجل: {وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ النَّاسُ أَمَّةً وَاحِدَةً} فيه وجهان: أحدهما: على دين واحد كفاراً، قاله ابن عباس والسدي. الثاني: على اختيار الدنيا على الدين، قاله ابن زيد. {لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِ سُقُفاً مَّن فِضَّةٍ} فيها قولان: أحدهما: أنها أعالي البيوت، قاله قتادة، ومجاهد. الثاني: الأبواب، قاله النقاش. {وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} قال ابن عباس: المعارج الدرج، وهو قول الجمهور وأحدها معراج. {عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} أي درج من فضة عليها يصعدون، والظهور الصعود. وأنشد: نابغة بني جعدة رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: شعر : علونا السماء عفة وتكرما وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا تفسير : فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "حديث : إِلَى أَينَ"؟ تفسير : قال: إلى الجنة. قال: "حديث : أَجَل إِن شَاءَ اللَّهُ" تفسير : قال الحسن: والله لقد مالت الدنيا بأكثر أهلها وما فعل ذلك فكيف لو فعل؟ {وَزُخْرُفاً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الذهب: قاله ابن عباس. وأنشد قطرب قول ذي الأصبع: شعر : زخآرف أشباهاً تخال بلوغها سواطع جمر من لظى يتلهب تفسير : الثاني: الفرش ومتاع البيت، قاله ابن زيد. الثالث: أنه النقوش، قاله الحسن.
ابن عطية
تفسير : المعنى: واذكر إذا قال إبراهيم، ولما ضرب تعالى المثل لمحمد صلى الله عليه وسلم بالنذر وجعلهم إسوة له، خص إبراهيم بالذكر لعظم منزلته، وذكر محمداً صلى الله عليه وسلم بمنابذة إبراهيم عليه السلام لقومه، أي فافعل أنت فعله وتجلد جلده. و: {براء} صفة تجري على الواحد والاثنين والجميع كعدل وزور. وقرأ جمهور الناس: "بَرَاء" بفتح الباء. وقرأت فرقة: "بُراء" بضم الباء. وفي مصحف عبد الله وقراءة الأعمش: "إني" بنون واحدة "برئ" قال الفراء: ومن الناس من يكتب شكل الهمزة المخففة ألفاً في كل موضع، ولا يراعي حركة ما قبلها، قال: فربما كان خط مصحف عبد الله بألف كما في مصحف الجماعة، لكن كان يلفظ بها: "برئ" بكسر الراء. وقوله: {إلا الذي فطرني} قالت فرقة: الاستثناء متصل، وكانوا يعرفون الله ويعظمونه، إلا أنهم كانوا يشركون معه أصنامهم، فكأن إبراهيم قال لهم: أنا لا أوافقكم إلا على عبادة الله الفاطر. وقالت فرقة: الاستثناء منقطع، والمعنى: لكن الذي فطرني معبودي، وعلى هذا فلم يكونوا يعبدون الله إلا قليلاً ولا كثيراً، وعلل إبراهيم لقومه عبادته بأنه الهادي المنجي من العذاب، وفي هذا استدعاء لهم وترغيب في الله وتطميع برحمته، والضمير في قوله: {وجعلها كلمة} قالت فرقة: ذلك عائد على كلمته بالتوحيد في قوله: {إنني براء} وقال مجاهد وقتادة والسدي، ذلك مراد به: لا إله إلا الله، وعاد الضمير عليها وإن كانت لم يجر لها ذكر، لأن اللفظ يتضمنها. وقال ابن زيد: المراد بذلك: الإسلام ولفظته، وذلك قوله عليه السلام: {أية : ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} تفسير : [البقرة: 128] وقوله: {أية : إذ قال له ربه أسلم، قال أسلمت لرب العالمين} تفسير : [البقرة: 131] وقول الله تعالى {أية : هو سماكم المسلمين من قبل} تفسير : [الحج: 78]. والعقب: الذرية وولد الولد ما امتد فرعهم. قوله عز وجل: {بل متعت} الآية، كلام متصل بما قبله، لأنه لما قال في عقبه، وكانت قريش من عقبه، اقتضى الكلام أن يقدر فيه لكن هؤلاء ليسوا ممن بقيت الكلمة فيهم بل متعتهم. والمعنى في الآية: بل أمهلت هؤلاء ومتعتهم بالنعمة مع كفرهم حتى جاءهم الحق والرسول، وذلك هو شرع الإسلام والرسول: محمد عليه السلام. و: "متعتُ" بضم التاء هي قراءة البجمهور. وقرأ قتادة: "متعتَ" بفتح التاء الأخيرة على معنى: قل يا رب متعت، ورواها يعقوب عن نافع. وقرأ الأعمش: "بل متعنا"، وهي تعضد قراءة الجمهور. و: {مبين} في هذه الآية يحتمل التعدي وترك التعدي. ثم أخبر تعالى عنهم على جهة التقريع بأنهم {قالوا} للقرآن: {هذا سحر} وأنهم كفروا به، وإنما جعلوه بزعمهم سحراً من حيث كان عندهم يفرق بين المرء وولده وزوجه، فجعلوه لذلك كالسحر، ولم ينظروا إلى الفرق في أن المفارق بالقرآن يفارق عن بصيرة في الدين، والمفارق بالسحر يفارق عن خلل في ذهنه.
ابن عبد السلام
تفسير : {بَرَآءٌ} مصدر لا يثنى ولا يجمع وصف به.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ} المعنى: واذكر إذ قال إبراهيم لأبيه وقومه: {إِنَّنِى بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ} أي: فافعل أنْتَ فِعْلَهُ، وتَجَلَّدْ جَلَدَهُ، وَ{بَرَاءٌ}: صفة تجري على الوَاحِدِ والاثْنَيْنِ والجَمْعِ؛ كَعَدْلٍ وَزَوْرٍ، وقرأ ابن مسعود: «بَرِيءٌ». وقوله: «إلا الذي فطرني» قالت فرقة: الاستثناء مُتَّصِلٌ، وكانوا يعرفون اللَّه ويُعَظِّمُونه، إلاَّ أَنَّهم كانوا يشركون معه أصنامهم، فكأَنَّ إبراهيم قَالَ لهم: أنا لا أوافقكم إلاَّ على عبادة اللَّه الذي فطرني، وقالت فرقة: الاستثناء مُنْقَطِعٌ، والمعنى: لكنَّ الذي فطرني هو معبودي الهادي المُنْجي من العذاب، وفي هذا استدعاءٌ لهم، وترغيبٌ في طاعةِ اللَّه، وتطميع في رحمته. والضمير في قوله: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً...} الآية، قالت: فرقة: هو عائد على كلمته بالتوحيد في قوله {إِنَّنِى بَرَاءٌ} وقال مجاهد وغيره: المراد بالكلمة: لا إله إلا اللَّه، وعاد عليها الضمير، وإنْ كان لم يجر لها ذكر؛ لأَنَّ اللفظ يتضمَّنها، والعَقِبُ: الذُّرِّيَّةُ، ووَلَدُ الوَلَدِ ما امتدَّ فرعهم.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ} لما بين في الآية المتقدمة أنه ليس لأولئك الكفار حجة إلا تقليد الآباء، ثم بين أنه طريق باطل، وأن الرجوع إلى الدليل أولى من التقليد أردفه بهذه الآية، وهو وجه آخر يدل على فساد التقليد من وجهين: الأول: أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه تبرأ من دين آبائه بناء على الدليل وذلك أن تقليد الآباء في الأديان إما أن يكون محرماً أو جائزاً. فإن كان محرماً فقد بطل القول بالتقليد، وإن كان جائزاً فمعلوم أن أشرف آباء العرب هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأنهم لا يشرفو(ن) ولا يفتخرو(ن) إلا بكونهم من أولاده. وإذا كان كذلك فتقليد هذا الأب الذي هو أشرف الآباء أولى من تقليد سائر الآباء. وإذا ثبت أن تقليده أولى من تقليد غيره فنقول: إنه ترك دين الآباء وحكم بأن اتباع الدليل أولى من متابعة الآباء، فوجب تقليده في ترجيح الدليل على التقليد. الوجه الثاني: أنه تعالى بين أن إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ لما عدل عن طريقة أبيه إلى متابعة الدليل لا جَرَم جعل الله دينَه ومذهَبه باقياً في عَقِبِهِ إلى يوم القيامة، وأما أديان آبائه فقد اندرست وبَطُلَتْ. فثبت أن الرجوع إلى متابعة الدليل يبقى محمود الأثر إلى قيام الساعة، وأن التقليدَ ينقطع أثره. قوله: "بَرَاءُ" العامة على فتح الباء، وألف وهمزة بعد الراء وهو مصدر في الأصل وقع موقع الصفة وهي بَريءٌ، وبها قرأ الأعمش. ولا يثنى "بَرَاءٌ" ولا يجمعُ، ولا يؤنثُ، كالمصادر في الغالب. قال الزمخشري والفراء والمبرد: لا يقولون البَرَاءَانِ، ولا البَرَاءُونَ؛ لأن المعنى ذَوَا البَرَاءَ(ةِ) وذَوُو البراءة. فإن قلت: منك ثنيت وجمعت. وقرأ الزعفرانيُّ وابنُ المبارك عن نافع ـ بضم الباء، بزنة طُوال وكُرام، يقال: طَوِيلٌ وطُوالٌ، وبَرِيءٌ، وبُرَاء. وقرأ الأعمش بنون واحدة. قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي} فيه أربعةُ أوجهِ: أحدها: أنه استثناء منقطع، لأنهم كانوا عَبَدَةَ أصنامٍ فقط. الثاني: أنه متصل؛ لأنه روي أنهم كانوا يشركون مع الباري غيره. الثالث: أن يكون مجروراً بدلاً من "ما" الموصولة في قوله: {مِّمَّا تَعْبُدُونَ} قاله الزمخشري. ورده أبو حيان: بأنه لا يجوز إلا في نفي أو شبهه. قال: "وغَرَّهُ كونُ "بَرَاء" في معنى النفي، ولا ينفعه ذلك، لأنه موجب". قال شهاب الدين: قد تأول النحاة ذلك في مواضع من القرآن كقوله: {أية : وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ}تفسير : [التوبة:32]، {أية : وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ}تفسير : [البقرة:45]. والاستثناء المفرغ لا يكون في إيجاب، ولكن لما كان "يَأْبى" بمعنى لا يفعل، "وَإنَّها لكَبِيرَةٌ" بمعنى لا تَسْهلُ ولا تَخِفُّ ساغ ذلك فهذا مثله. الرابع: أن تكون إلا صفة بمعنى غير على أن تكون "ما" نكرة موصوفة. قاله الزمخشري. قال أبو حيان: وإنما أخْرَجَهَا في هذا الوجه عن كونها موصولة، لأنه يرى أن "إلاَّ" بمعنىغير لا يوصف بها إلا النكرة وفيها خلاف. فعلى هذا يجوز أن تكون "ما" موصولة" و "إلا" بمعنى غير صفة لها. فصل {إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي} أي خلقني {فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} يرشدني لدينه ويوفقني لطاعته. قوله: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً} الضمير المرفوع لإبراهيم وهو الظاهر، أو الله والضمير المنصوب لكلمة التوحيد المفهومة من قوله: "إنَّنِي بَرَاءٌ" إلى آخره، أو لأنها بمنزلة الكلمة، فعاد الضمير على ذلك اللفظ لأجل المعنى به. وقر حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: كِلْمَةً ـ بكسر الكاف وسكون اللام ـ. وقرىء: فِي عَقْبِهِ بسكون القاف. وقرىء: فِي عَاقِبِهِ أي وَرَائِهِ، والمعنى أن هذه الكلمة كلمة باقيةٌ في عقبه أي في ذريته. قال قتادة: لا يزال في ذريته مَن يَعْبُدُ اللهَ ويُوَحِّدُهُ. قال القُرَظِيُّ: يعني وجعل وصية إبراهيم التي وصى بها بنيه باقية في ذريته. وهو قوله تعالى ـ عز وجل ـ: {أية : وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ}تفسير : [البقرة:132]. قال ابن زيد: يعني قوله: {أية : أَسْلَمْتُ لِرَبِ العَالَمِينَ} تفسير : [البقرة:131] وقرأ: {أية : هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ}تفسير : [الحج:78] {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} لعل أهل مكة يتبعون هذا الدين ويرجعون عما هم عليه إلى دين إبراهيم قال السدي: لعلهم يتوبون ويرجعون إلى طاعة الله عز وجل.
السيوطي
تفسير : وأخرج الفضل بن شاذان في كتاب القراءات بسنده، عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ: "إنني بريء مما تعبدون" بالياء. وأخرج ابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه: "إنني بريء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين" قال: إنهم يقولون إن الله ربنا {أية : ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله}تفسير : [الزخرف: 87] فلم يبرأ من ربه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة {وجعلها كلمة باقية في عقبه} قال: في الإِسلام أوصى بها ولده. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد {وجعلها كلمة باقية في عقبه} قال: الإِخلاص والتوحيد لا يزال في ذريته من يقولها من بعده {لعلهم يرجعون} قال: يتوبون، أو يذكرون. وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس {وجعلها كلمة باقية في عقبه} قال: لا إله إلا الله في عقبه، قال: عقب إبراهيم ولده. وأخرج عبد بن حميد، عن الزهري قال: عقب الرجل ولده الذكور والاناث وأولاد الذكور. وأخرج عبد بن حميد، عن عبيدة قال: قلت لإِبراهيم: ما العقب؟ قال: ولده الذكر. وأخرج عبد بن حميد، عن عطاء في رجل أسكنه رجل له ولعقبه من بعده أتكون امرأته من عقبه؟ قال: لا ولكن ولده عقبه.
القشيري
تفسير : أخبر أَنَّ إبراهيمَ لمَّا دعا أباه وقومَه إلى الله وتوحيده أَبَوْا إِلاَّ تكذيبَه، فتبرّأَ منهم بأجمعِهم، وجعلَ اللَّهُ كلمةَ التوحيدِ باقيةً في عَقِبِه وقومه.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذ قال ابراهيم} اى واذكر يا محمد لقومك قريش وقت قول ابراهيم عليه السلام بعد الخروج من النار {لابيه} تارخ الشهير بآزر. وكان ينحت الاصنام {وقومه} المكبين على التقليد وعبادة الاصنام كيف تبرأ مما هم فيه بقوله {اننى برآء مما تعبدون} وتمسك بالبرهان ليسلكوا مسلك الاستدلال او ليقتدوا به ان لم يكن لهم بد من التقليد فانه اشرف آبائهم وبرآء بفتح الباء مصدر نعت به مبالغة ولذلك يستوى فيه المذكر والمؤنث والواحد والمتعدد يقال نحن البرآء واما البريئ فهو يؤنث ويجمع يقال بريئ وبريئون وبريئة وبريئات والمعنى انى بريئ من عبادتكم لغير الله ان كانت ما مصدرية او من معبودكم ان كانت موصولة حذف عائدها
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وإِذ قال إبراهيمُ} أي: واذكر وقت قوله عليه السلام {ولأبيه وقومه} المُنكّبين على التقليد، كيف تبرأ مما هم فيه بقوله: {إِنني بَرَاء} أي: بريء {مما تعبدون}، وتمسك بالبرهان. وذكر قصته ليسلكوا مسلكه في الاستدلال، أو: ليقلدوه، إن لم يكن لهم بُد من التقليد؛ فإنه أشرف آبائهم. و"برَاء": مصدر، يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع، والمذكر والمؤنث، كرجل عدل، وامرأة عدل، وقوم عدل. و"ما": إما مصدرية، أو: موصولة، أي: بريء من عبادتكم ومن معبودكم {إِلا الذين فَطَرَني}؛ استثناء متصل، أو: منقطع، على أن "ما" تعم أُولي العلم وغيرهم، وأنهم كانوا يعبدون الله تعالى والأصنام، او: صفة، على أن "ما" موصوفة، أي: إنني براء من آلهة تعبدونها غير الذي {فطرني}؛ خلقني {فإِنه سيَهدين}؛ يثبتني على الهداية، أو: سيهدين إلى ما وراء الذي هداني إليه الآن. والأوجه: أن السين للتأكيد دون التسويف، وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار. {وجعلها} أي: وجعل إبراهيم عليه السلام كلمة التوحيد التي تكلّم بها، وهي قوله: {إِنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني}، {كلمة باقية في عَقِبهِ} أي: في ذريته، حيث وصَّاهم بها، كما نطق به قوله تعالى:{أية : وَوَصَّى بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ...}تفسير : [البقرة: 132]، فلا يزال فيهم مَن يوحّد الله تعالى، ويدعوهم إلى توحيده. {لعلهم يرجعون} أي: جعلها باقية في ذريته رجاء أن يرجع إليها مَن أشرك منهم بدعاء الموحّد. {بل متعتُ هؤلاء}، ضراب عن محذوف، ينساق إليه الكلام، كأنه قيل: جعلها كلمة باقية في عقبه رجاء أن يرجع إليها مَن أشرك منهم، فلم يحصل ما رجاه، بل متعتُ هؤلاء المعاصرين من أهل مكة. {وآباءهم} بالمد في العمر، والنعمة، والمهلة، فاغترُّوا بالمهلة، وانهمكوا في الشهوات، وشُغلوا بها عن كلمة التوحيد، {حتى جاءَهم الحقُّ}؛ القرآن {ورسولٌ مبينٌ}؛ ظاهر الرسالة، واضحها بالمعجزات الباهرة، أو: مبين التوحيد. بالآيات والحجج القاطعة. وفي الآية توبيخ لهم، فإن التمتع بزيادة النعم يُوجب أن يجعلوه سبباً لزيادة الشكر، والثبات على التوحيد والإيمان، فجعلوه سبباً لزيادة أقصى مراتب الكفر والضلال. وحاصل معنى الآية: أنه تعالى جعل كلمة التوحيد باقية في عقب إبراهيم عليه السلام ليدعو الموحّد المشرك، نسلاً بعد نسل، فيرجع المشرك عن شركه، فلم يرجعوا، بل اغترُّوا بما مُتّعوا به، فاستمرّوا على الشرك حتى جاءهم الحق، فكفروا وأصرُّوا، {ولمَّا جاءهم الحقُّ} أي: القرآن يُنبههم على ما هم عليه من الغفلة، ويُرشدهم إلى التوحيد، ازدادوا كفراً وعُتواً، وضمُّوا إلى كفرهم السابق معاندة الحقوالاستهانة به، حيث {قالوا هذا سحر وإِنا به كافرون} فسَمّوا القرآنَ سحراً، وجحدوه ومَن جاء به. والله تعالى أعلم. الإشارة: كان إبراهيم عليه السلام إمام أهل التوحيد، لقوله تعالى:{أية : إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً}تفسير : [البقرة: 124]، وجعل الدعوة إليه في عقبه إلى يوم القيامة، وهو على قسمين: توحيد البرهان، وتوحيد العيان. وقد جاءت بعده الرسل بالأمرين معاً، وقام بها خلقاؤهم بعدهم، فقام بالأول العلماء، وقام بالثاني خواص الأولياء، أهل التربية الحقيقية، ولا ينال من توحيد العيان شيئاً مَن علق قلبه بالشهوات الجسمانية، والحظوظ الفانية، كما قال الششتري رضي الله عنه: شعر : ترَكْنا حُظوظاً من حضيض لُحُوظنا مع المقصد الأقصى إلى المطلب الأسنى تفسير : وكل مَن تمتع بذلك، وانهمك فيه حَرِمَ بركة صحبة العارفين؛ إذ يمنعه ذلك من حط رأسه، ودفع فلسه، فينخرط في سلك قوله تعالى: {بل متعتُ هؤلاء وآباءهم...} الآية. وكل زمان له رسول، خليفةً عن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الحق ومعرفته. وبالله التوفيق. ثم ذكر تحكمهم على الله، واستحقارهم لرسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ}.
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله واذكر يا محمد {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه} حين رآهم يعبدون الاصنام والكواكب {إنني براء مما تعبدون} أي بريء من عبادتكم الأصنام والكواكب فقوله (براء) مصدر وقع موقع الوصف، لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث. ثم استثنى من جملة ما كانوا يعبدونه الله تعالى فقال {إلا الذي فطرني} معناه اني بريء من كل معبود سوى الله تعالى الذي فطرني أي خلقني وابتدأني، وتقديره إلا من الذي فطرني. وقال قتادة: كانوا يقولون الله ربنا مع عبادتهم الاوثان {فإنه سيهدين} في ما بعد. والمعنى انه سيهديني إلى طريق الجنة بلطف من ألطافه يكون داعياً إلى ان اتمسك به حتى يؤديني اليها، وإنما قال ذلك ثقة بالله تعالى ودعاء لقومه إلى ان يطلبوا الهداية من ربه. والتبري من كل معبود من دون الله واجب بحكم العقل، كما يجب ذمهم على فعل القبيح لما في ذلك من الزجر عن القبيح والردع عن الظلم، فكذلك يجب قبول قول من أخلص عبادة الله، كما يجب مدحه على فعله. وقوله {وجعلها كلمة باقية في عقبه} معناه جعل هذه الكلمة التي قالها إبراهيم كلمة باقية في عقبه بما اوصى به مما أظهره الله من قوله إجلالا له وتنزيهاً له ورفعاً لقدره بما كان منه من جلالة الطاعة والصبر على أمر الله. وقال قتادة ومجاهد والسدي: معنى قوله {وجعلها كلمة باقية في عقبه} قوله: لا إله إلا الله لم يزل فى ذريته من يقولها وقال ابن زيد: هو الاسلام بدلالة قوله {أية : هو سماكم المسلمين}. تفسير : وقال ابن عباس: فى عقبه من خلفه. وقال مجاهد: فى ولده وذريته. وقال السدي: فى آل محمد عليهم السلام. وقال الحسن: عقبه ولده إلى يوم القيامة. وقوله {لعلهم يرجعون} قال الحسن: معناه راجع إلى قوم إبراهيم. وقال الفراء: معناه {لعلهم يرجعون} عما هم عليه إلى عبادة الله، وقال قتادة: معناه لعلهم يعترفون ويذكرون الله. وقال الله تعالى إنا لم نعاجل هؤلاء الكفار بالعقوبة {بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق} يعني القرآن {ورسول مبين} أي مظهر للحق، يعني محمداً صلى الله عليه وآله. ثم قال تعالى {ولما جاءهم الحق} يعني القرآن {قالوا هذا سحر} وهو حيلة خفية توهم المعجزة {وإنا به} يعني بالقرآن {كافرون} أي جاحدون لكونة من قبل الله تعالى وإنما كان من نسب الحق والدين إلى السحر كافراً بالله، لانه بمنزلة من عرف نعمة الله وجحدها فى عظيم الجرم، فسمي باسمه ليدل على ذلك.
اطفيش
تفسير : {وَإِذْ} أي واذكر وقت* {قَالَ إِبْرَاهِيمُ} أمره بالذكر ليروا كيف تبرأ ابراهيم عن التقليد وتمسك بالدليل وليقلدوا ابراهيم فانه شرف آبائهم أو أمره بذلك تحليلاً له صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك كما قال ابراهيم* {لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ} بفتح الباء مصدر وصف به ولذلك يستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد وغيره وعبارة بعض أنه صفة تجرى على الواحد المذكر وغيره والمراد به (بريء). كما قرأ ابن مسعود به وقرئ (براء) بضم الباء والراء بكسرها {مِّمَّا تَعْبُدُونَ} أي مما تعبدونه ومن عبادتكم ويؤيد الأول قوله* {إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي}
اطفيش
تفسير : {وإذ قال إبراهِيمُ} واذكر لقومك، لعلهم يقتدون بأبيهم الذى هو أحق بالاقتداء، إذ قال ابراهيم {لأبيه} آزر المكذب له {وقومِهِ} وهم مكذبون له {إنَّني براءٌ} مصدر يستعمل بمعنى الوصف كعدل، كما قرأ الأعمش برىء ككريم {ممَّا تعبْدون} تقليدا بلا حجة {إلاَّ الذي فطرني} ذلك كقوله تعالى: "أية : فإنهم عدو لي إلاَّ رب العالمين * الذي خلقني" تفسير : [الشعراء: 77 - 78] الخ والاستثناء منقطع، وما واقعة على الأصنام موصولة، أو نكره موصوفة بتعبدون، وعلى فرض أنهم يعبدون الله وغيره، واستعملت ما للعالم وغيره مجازا، وقيل حقيقة يكون متصلا، قيل أو منقطعا، باعتبار أن عبادته غير عبادة لشركهم، فكأنهم لم يعبروا عنه وعنهم بما، بل عنهم فقط ولا يصح. وإن اعتبرنا معنى النفى كما يعتبر بأبى، جاز كون الذى بدلا من ما كما تقول: أبيت أن أكرم أحدا إلا زيدا، ويجوز كون إلا مدخولها نعتا لما، كقوله تعالى: "أية : لو كان فيهما آلهة إلاَّ الله"تفسير : [الأنبياء: 22] أى براء من آلهة معبدوة لكم غير الله، وأما على أن ما موصولة فلا، لأن غير الله نكرة، والموصول معرفة، ولو أجزنا نعت المعرفة بإلا ومدخولها {فإنَّه سَيَهْدين} بعد بمعنى سيزيدنى هداية بعد بما يوحى الى بعد، وبما يوفقنى اليه من العلم والعبادة، فالسين على أصلها الزيادة الفائدة على ما فى قوله تعالى فى سورة أخرى: {أية : يهدين} تفسير : [الشعراء: 78] بلا سين، وزيادة هذه الفائدة أولى من زيادة التأكيد اذا جعلناها للاستقبال، بمعنى تأكيد دوامه على الهدى، فيكون يهدين بمعنى يثبتنى على الهدى.
الالوسي
تفسير : {وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ} أي واذكر لهم وقت قوله عليه الصلاة والسلام {لأَبِيهِ} آزر {وَقَوْمِهِ} المكبين على التقليد كيف تبرأ مما هم فيه بقوله: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مّمَّا تَعْبُدُونَ} وتمسك بالبرهان. والكلام تمهيد لما أهل مكة فيه من العناد والحسد والإباء عن تدبر الآيات وأنهم لو قلدوا آباءهم لكان الأولى أن يقلدوا أباهم الأفضل الأعلم الذي هم يفتخرون بالانتماء إليه وهو إبراهيم عليه السلام فكأنه بعد تعييرهم على التقليد يعيرهم على أنهم مسيئون في ترك اختياره أيضاً. و(براء) مصدر كالطلاق نعت به مبالغة ولذلك يستوي فيه الواحد والمتعدد والمذكر والمؤنث. وقرأ الزعفراني والقورصي عن أبـي جعفر وابن المناذري عن نافع {براء} بضم الباء وهو اسم مفرد كطوال وكرام بضم الكاف، وقرأ الأعمش {بري} وهو وصف كطويل وكريم وقراءة العامة لغة العالية وهذه لغة نجد. وقرأ الأعمش أيضاً {إني} بنون مشددة دون نون الوقاية.
سيد قطب
تفسير : لقد كانت قريش تقول: إنها من ذرية إبراهيم ـ وهذا حق ـ وإنها على ملة إبراهيم ـ وهذا ما ليس بحق ـ فقد أعلن إبراهيم كلمة التوحيد قوية واضحة، لا لبس فيها ولا غموض؛ ومن أجلها هجر أباه وقومه بعد ما تعرض للقتل والتحريق؛ وعليها قامت شريعته، وبها أوصى ذريته. فلم يكن للشرك فيها ظل ولا خيط رفيع! وفي هذا الشوط من السورة يردهم إلى هذه الحقيقة التاريخية، ليعرضوا عليها دعواهم التي يدعون.. ثم يحكي اعتراضهم على رسالة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقولهم:{لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}.. ويناقش قولتهم هذه، وما تنطوي عليه من خطأ في تقدير القيم الأصيلة التي أقام الله عليها الحياة، والقيم الزائفة التي تخايل لهم وتصدهم عن الحق والهدى.. وعقب تقرير الحقيقة في هذه القضية يطلعهم على عاقبة المعرضين عن ذكر الله بعد أن يطلعهم على علة هذا العمى وهو من وسوسة الشيطان.. ويلتفت في نهاية هذا الدرس إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسليه ويؤسيه عن إعراضهم وعماهم، فما هو بهادي العمي أو مسمع الصم؛ وسيلقون جزاءهم سواء شهد انتقام الله منهم، أو أخره الله عنهم. ويوجهه إلى الاستمساك بما أوحى إليه فإنه الحق، الذي جاء به الرسل أجمعون. فكلهم جاءوا بكلمة التوحيد: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا: أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون؟}.. ثم يعرض من قصة موسى ـ عليه السلام ـ حلقة تمثل هذا الواقع من العرب مع رسولهم. وكأنما هي نسخة مكررة تحوي ذات الاعتراضات التي يعترضونها، وتحكي اعتزاز فرعون وملئه بذات القيم التي يعتز بها المشركون.. {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه: إنني براء مما تعبدون، إلا الذي فطرني فإنه سيهدين. وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون}.. إن دعوة التوحيد التي يتنكرون لها هي دعوة أبيهم إبراهيم. الدعوة التي واجه بها أباه وقومه مخالفاً بها عقيدتهم الباطلة، غير منساق وراء عبادتهم الموروثة، ولا مستمسك بها لمجرد أنه وجد أباه وقومه عليها؛ بل لم يجاملهم في إعلان تبرئه المطلق منه في لفظ واضح صريح، يحكيه القرآن الكريم بقوله: {إنني براء مما تعبدون، إلا الذي فطرني فإنه سيهدين}.. ويبدو من حديث إبراهيم ـ عليه السلام ـ وتبرئه مما يعبدون إلا الذي فطره أنهم لم يكونوا يكفرون ويجحدون وجود الله أصلاً؛ إنما كانوا يشركون به ويعبدون معه سواه، فتبرأ من كل ما يعبدون، واستثنى الله؛ ووصفه بصفته التي تستحق العبادة ابتداء، وهو أنه فطره وأنشأه، فهو الحقيق بالعبادة بحكم أنه الموجد. وقرر يقينه بهداية ربه له، بحكم أنه هو الذي فطره؛ فقد فطره ليهديه؛ وهو أعلم كيف يهديه. قال إبراهيم هذه الكلمة التي تقوم بها الحياة. كلمة التوحيد التي يشهد بها الوجود. قالها: {وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون}.. ولقد كان لإبراهيم ـ عليه السلام ـ أكبر قسط في إقرار هذه الكلمة في الأرض، وإبلاغها إلى الأجيال من بعده، عن طريق ذريته وعقبه. ولقد قام بها من بنيه رسل، كان منهم ثلاثة من أولي العزم: موسى وعيسى ومحمد خاتم الرسل ـ عليهم صلوات الله وسلامه ـ واليوم بعد عشرات القرون يقوم في الأرض أكثر من ألف مليون، من أتباع الديانات الكبرى يدينون بكلمة التوحيد لأبيهم إبراهيم، الذي جعل هذه الكلمة باقية في عقبه، يضل منهم عنها من يضل، ولكنها هي باقية لا تضيع، ثابتة لا تتزعزع، واضحة لا يتلبس بها الباطل {لعلهم يرجعون}.. يرجعون إلى الذي فطرهم فيعرفوه ويعبدوه. ويرجعون إلى الحق الواحد فيدركوه ويلزموه. ولقد عرفت البشرية كلمة التوحيد قبل إبراهيم. ولكن هذه الكلمة لم تستقر في الأرض إلا من بعد إبراهيم. عرفتها على لسان نوح وهود وصالح وربما إدريس، وغيره من الرسل الذين لم يتصل لهم عقب يقوم على هذه الكلمة، ويعيش بها، ولها. فلما عرفتها على لسان إبراهيم ظلت متصلة في أعقابه؛ وقام عليها من بعده رسل متصلون لا ينقطعون، حتى كان ابنه الأخير من نسل إسماعيل، وأشبه أبنائه به: محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ خاتم الرسل، وقائل كلمة التوحيد في صورتها الأخيرة الكاملة الشاملة، التي تجعل الحياة كلها تدور حول هذه الكلمة، وتجعل لها أثراً في كل نشاط للإنسان وكل تصور. فهذه هي قصة التوحيد منذ أبيهم إبراهيم الذي ينتسبون إليه؛ وهذه هي كلمة التوحيد التي جعلها إبراهيم باقية في عقبه. هذه هي تأتي إلى هذا الجيل على لسان واحد من عقب إبراهيم فكيف يستقبلها من ينتسبون إلى إبراهيم، وملة إبراهيم؟ لقد بعد بهم العهد؛ ومتعهم الله جيلاً بعد جيل، حتى طال عليهم العمر، ونسوا ملة إبراهيم، وأصبحت كلمة التوحيد فيهم غريبة منكرة، واستقبلوا صاحبها أسوأ استقبال وقاسوا الرسالة السماوية بالمقاييس الأرضية، فاختل في أيديهم كل ميزان: {بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين. ولما جاءهم الحق قالوا: هذا سحر وإنا به كافرون. وقالوا: لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم! أهم يقسمون رحمة ربك؟ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا، ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات، ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً، ورحمة ربك خير مما يجمعون. ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون، ولبيوتهم أبواباً وسرراً عليها يتكئون، وزخرفاً، وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا؛ والآخرة عند ربك للمتقين}.. يُضْرب السياق عن حديث إبراهيم، ويلتفت إلى القوم الحاضرين: {بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين}.. وكأنه بهذا الإضراب يقول: لندع حديث إبراهيم، فما لهم به صلة ولا مناسبة؛ ولننظر في شأن هؤلاء وهو لا يتصل بشأن إبراهيم.. إن هؤلاء وآباءهم من قبلهم، قد هيأت لهم المتاع ومددت لهم في الأجل، حتى جاءهم الحق في هذا القرآن، وجاءهم رسول مبين، يعرض عليهم هذا الحق في وضوح وتبيين: {ولما جاءهم الحق قالوا: هذا سحر، وإنا به كافرون}.. ولا يختلط الحق بالسحر. فهو واضح بين، وإنما هي دعوى، كانوا هم أول من يعرف بطلانها. فما كان كبراء قريش ليغيب عنهم أنه الحق؛ ولكنهم كانوا يخدعون الجماهير من خلفهم، فيقولون: إنه سحر، ويعلنون كفرهم به على سبيل التوكيد، يقولون: {وإنا به كافرون} ليلقوا في روع الجماهير أنهم واثقون مما يقولون؛ فيتبعوهم عن طريق الإيحاء والانقياد. شأن الملأ من كل قوم، في التغرير بالجماهير، خيفة أن يفلتوا من نفوذهم، ويهتدوا إلى كلمة التوحيد التي يسقط معها كل كبير، ولا يعبد ويتقى إلا الله العلي الكبير! ثم يحكي القرآن تخليطهم في القيم والموازين؛ وهم يعترضون على اختيار الله لمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليحمل إليهم الحق والنور: {وقالوا: لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}!.. يقصدون بالقريتين مكة والطائف. ولقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من ذؤابة قريش، ثم من ذؤابة بني هاشم. وهم في العلية من العرب. كما كان شخصه ـ صلى الله عليه وسلم ـ معروفاً بسمو الخلق في بيئته قبل بعثته. ولكنه لم يكن زعيم قبيلة، ولا رئيس عشيرة، في بيئته تعتز بمثل هذه القيم القبلية. وهذا ما قصد إليه المعترضون بقولهم: {لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}! والله أعلم حيث يجعل رسالته. ولقد اختار لها من يعلم أنه لها أهل. ولعله ـ سبحانه ـ لم يشأ أن يجعل لهذه الرسالة سنداً من خارج طبيعتها، ولا قوة من خارج حقيقتها؛ فاختار رجلاً ميزته الكبرى.. الخلق.. وهو من طبيعة هذه الدعوة.. وسمته البارزة.. التجرد.. وهو من حقيقة هذه الدعوة.. ولم يختره زعيم قبيلة، ولا رئيس عشيرة، ولا صاحب جاه، ولا صاحب ثراء. كي لا تلتبس قيمة واحدة من قيم هذه الأرض بهذه الدعوة النازلة من السماء. ولكي لا تزدان هذه الدعوة بحلية من حلى هذه الأرض ليست من حقيقتها في شيء. ولكي لا يكون هناك مؤثر مصاحب لها خارج عن ذاتها المجردة. ولكي لا يدخلها طامع ولا يتنزه عنها متعفف. ولكن القوم الذين غلب عليهم المتاع، والذين لم يدركوا طبيعة دعوة السماء، راحوا يعترضون ذلك الاعتراض. {لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}! فرد عليهم القرآن مستنكراً هذا الاعتراض على رحمة الله، التي يختار لها من عباده من يشاء؛ وعلى خلطهم بين قيم الأرض وقيم السماء؛ مبيناً لهم عن حقيقة القيم التي يعتزون بها، ووزنها الصحيح في ميزان الله: {أهم يقسمون رحمة ربك؟ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا، ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات، ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً، ورحمة ربك خير مما يجمعون}.. أهم يقسمون رحمة ربك؟ يا عجباً! وما لهم هم ورحمة ربك؟ وهم لا يملكون لأنفسهم شيئاً، ولا يحققون لأنفسهم رزقاً حتى رزق هذه الأرض الزهيد نحن أعطيناهم إياه؛ وقسمناه بينهم وفق حكمتنا وتقديرنا لعمران هذه الأرض ونمو هذه الحياة. {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً}.. ورزق المعاش في الحياة الدنيا يتبع مواهب الأفراد، وظروف الحياة، وعلاقات المجتمع. وتختلف نسب التوزيع بين الأفراد والجماعات وفق تلك العوامل كلها. تختلف من بيئة لبيئة، ومن عصر لعصر، ومن مجتمع لمجتمع، وفق نظمه وارتباطاته وظروفه العامة كلها. ولكن السمة الباقية فيه، والتي لم تتخلف أبداً ـ حتى في المجتمعات المصطنعة المحكومة بمذاهب موجهة للإنتاج وللتوزيع ـ أنه متفاوت بين الأفراد. وتختلف أسباب التفاوت ما تختلف بين أنواع المجتمعات وألوان النظم. ولكن سمة التفاوت في مقادير الرزق لا تتخلف أبداً. ولم يقع يوماً ـ حتى في المجتمعات المصطنعة المحكومة بمذاهب موجهة ـ أن تساوى جميع الأفراد في هذا الرزق أبداً: {ورفعنا بعضهم فوق بعضه درجات}.. والحكمة في هذا التفاوت الملحوظ في جميع العصور، وجميع البيئات، وجميع المجتمعات هي: {ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً}.. ليسخر بعضهم بعضاً.. ودولاب الحياة حين يدور يسخر بعض الناس لبعض حتما. وليس التسخير هو الاستعلاء.. استعلاء طبقة على طبقة، أو استعلاء فرد على فرد.. كلا! إن هذا معنى قريب ساذج، لا يرتفع إلى مستوى القول الإلهي الخالد. كلا! إن مدلول هذا القول أبقى من كل تغير أو تطور في أوضاع الجماعة البشرية؛ وأبعد مدى من ظرف يذهب وظرف يجيء.. إن كل البشر مسخر بعضهم لبعض. ودولاب الحياة يدور بالجميع، ويسخر بعضهم لبعض في كل وضع وفي كل ظرف. المقدر عليه في الرزق مسخر للمبسوط له في الرزق. والعكس كذلك صحيح. فهذا مسخر ليجمع المال، فيأكل منه ويرتزق ذاك. وكلاهما مسخر للآخر سواء بسواء. والتفاوت في الرزق هو الذي يسخر هذا لذاك، ويسخر ذاك لهذا في دورة الحياة.. العامل مسخر للمهندس ومسخر لصاحب العمل. والمهندس مسخر للعامل ولصاحب العمل. وصاحب العمل مسخر للمهندس وللعامل على السواء.. وكلهم مسخرون للخلافة في الأرض بهذا التفاوت في المواهب والاستعدادات، والتفاوت في الأعمال والأرزاق.. وأحسب أن كثيرين من دعاة المذاهب الموجهة يتخذون من هذه الآية موضع هجوم على الإسلام ونظمه الاجتماعية والاقتصادية. وأحسب أن بعض المسلمين يقفون يجمجمون أمام هذا النص، كأنما يدفعون عن الإسلام تهمة تقرير الفوارق في الرزق بين الناس، وتهمة تقرير أن الناس يتفاوتون في الرزق ليتخذ بعضهم بعضاً سخريا! وأحسب أنه قد آن لأهل الإسلام أن يقفوا بإسلامهم مواجهة وصراحة موقف الاستعلاء المطلق، لا موقف الدفاع أمام اتهام تافه! إن الإسلام يقرر الحقائق الخالدة المركوزة في فطرة هذا الوجود؛ الثابتة ثبات السماوات والأرض ونواميسها التي لا تختل ولا تتزعزع. وطبيعة هذه الحياة البشرية قائمة على أساس التفاوت في مواهب الأفراد والتفاوت فيما يمكن أن يؤديه كل فرد من عمل؛ والتفاوت في مدى اتقان هذا العمل. وهذا التفاوت ضروري لتنوع الأدوار المطلوبة للخلافة في هذه الأرض. ولو كان جميع الناس نسخاً مكرورة ما أمكن أن تقوم الحياة في هذه الأرض بهذه الصورة. ولبقيت أعمال كثيرة جداً لا تجد لها مقابلاً من الكفايات، ولا تجد من يقوم بها ـ والذي خلق الحياة وأراد لها البقاء والنمو، خلق الكفايات والاستعدادات متفاوتة تفاوت الأدوار المطلوب أداؤها. وعن هذا التفاوت في الأدوار يتفاوت الرزق.. هذه هي القاعدة.. أما نسبة التفاوت في الرزق فقد تختلف من مجتمع إلى مجتمع، ومن نظام إلى نظام. ولكنها لا تنفي القاعدة الفطرية المتناسقة مع طبيعة الحياة الضرورية لنمو الحياة. ومن ثم لم يستطع أصحاب المذاهب المصطنعة المتكلفة أن يساووا بين أجر العامل وأجر المهندس، ولا بين أجر الجندي وأجر القائد. على شدة ما حاولوا أن يحققوا مذهبهم. وهزموا أمام الناموس الإلهي الذي تقرره هذه الآية من كلام الله. وهي تكشف عن سنة ثابتة من سنن الحياة. ذلك شأن الرزق والمعاش في هذه الحياة الدنيا. ووراء ذلك رحمة الله: {ورحمة ربك خير مما يجمعون}.. والله يختار لها من يشاء، ممن يعلم أنهم لها أهل. ولا علاقة بينها وبين عرض الحياة الدنيا؛ ولا صلة لها بقيم هذه الحياة الدنيا. فهذه القيم عند الله زهيدة زهيدة. ومن ثم يشترك فيها الأبرار والفجار، وينالها الصالحون والطالحون. بينما يختص برحمته المختارين. وإن قيم هذه الأرض لمن الزهادة والرخص بحيث ـ لو شاء الله ـ لأغدقها إغداقاً على الكافرين به. ذلك إلا أن تكون فتنة للناس، تصدهم عن الإيمان بالله: {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون. ولبيوتهم أبواباً وسرراً عليها يتكئون. وزخرفاً. وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا. والآخرة عند ربك للمتقين}.. فهكذا ـ لولا أن يفتتن الناس. والله أعلم بضعفهم وتأثير عرض الدنيا في قلوبهم ـ لجعل لمن يكفر بالرحمن صاحب الرحمة الكبيرة العميقة ـ بيوتاً سقفها من فضة، وسلالمها من ذهب. بيوتاً ذات أبواب كثيرة. قصورا. فيها سرر للاتكاء، وفيها زخرف للزينة.. رمزاً لهوان هذه الفضة والذهب والزخرف والمتاع؛ بحيث تبذل هكذا رخيصة لمن يكفر بالرحمن! {وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا}.. متاع زائل، لا يتجاوز حدود هذه الدنيا. ومتاع زهيد يليق بالحياة الدنيا. {والآخرة عند ربك للمتقين}.. وهؤلاء هم المكرمون عند الله بتقواهم؛ فهو يدخر لهم ما هو أكرم وأبقى؛ ويؤثرهم بما هو أقوم وأغلى. ويميزهم على من يكفر بالرحمن، ممن يبذل لهم من ذلك المتاع الرخيص ما يبذله للحيوان! وإن عرض الحياة الدنيا الذي ضرب الله له بعض الأمثال من المال والزينة والمتاع ليفتن الكثيرين. وأشد الفتنة حين يرونه في أيدي الفجار، ويرون أيادي الأبرار منه خالية؛ أو يرون هؤلاء في عسر أو مشقة أو ابتلاء، وأولئك في قوة وثروة وسطوة واستعلاء. والله يعلم وقع هذه الفتنة في نفوس الناس. ولكنه يكشف لهم عن زهادة هذه القيم وهوانها عليه؛ ويكشف لهم كذلك عن نفاسة ما يدخره للأبرار الأتقياء عنده. والقلب المؤمن يطمئن لاختيار الله للأبرار وللفجار. وأولئك الذين كانوا يعترضون على اختيار الله لرجل لم يؤت شيئاً من عرض هذه الحياة الدنيا؛ ويقيسون الرجال بما يملكون من رياسة، أو بما يملكون من مال. يرون هذه الآيات هوان هذه الأعراض وزهادتها عند الله. وأنها مبذولة لشر خلق الله وأبغضهم عند الله. فهي لا تدل على قربى منه ولا تنبئ عن رضى، ولا تشي باختيار! وهكذا يضع القرآن الأمور في نصابها؛ ويكشف عن سنن الله في توزيع الأرزاق في الدنيا والآخرة؛ ويقرر حقيقة القيم كما هي عند الله ثابتة. وذلك في صدد الرد على المعترضين على رسالة محمد؛ واختياره. واطراح العظماء المتسلطين! وهكذا يرسي القواعد الأساسية والحقائق الكلية التي لا تضطرب ولا تتغير؛ ولا تؤثر فيها تطورات الحياة، واختلاف النظم، وتعدد المذاهب، وتنوع البيئات. فهناك سنن للحياة ثابتة، تتحرك الحياة في مجالها؛ ولكنها لا تخرج عن إطارها. والذين تشغلهم الظواهر المتغيرة عن تدبر الحقائق الثابتة، لا يفطنون لهذا القانون الإلهي، الذي يجمع بين الثبات والتغير، في صلب الحياة وفي أطوار الحياة؛ ويحسبون أن التطور والتغير، يتناول حقائق الأشياء كما يتناول أشكالها. ويزعمون أن التطور المستمر يمتنع معه أن تكون هناك قواعد ثابتة لأمر من الأمور؛ وينكرون أن يكون هناك قانون ثابت غير قانون التطور المستمر. فهذا هو القانون الوحيد الذي يؤمنون بثباته! فأما نحن ـ أصحاب العقيدة الإسلامية ـ فنرى في واقع الحياة مصداق ما يقرره الله من وجود الثبات والتغير متلازمين في كل زاوية من زوايا الكون، وفي كل جانب من جوانب الحياة. وأقرب ما بين أيدينا من هذا التلازم ثبات التفاوت في الرزق بين الناس، وتغير نسب التفاوت وأسبابه في النظم والمجتمعات.. وهذا التلازم مطرد في غير هذا المثال. ولما بين زهادة أعراض الحياة الدنيا وهوانها على الله؛ وأن ما يعطاه الفجار منها لا يدل على كرامة لهم عند الله، ولا يشير إلى فلاح؛ وأن الآخرة عند ربك للمتقين، استطراد يبين مصير أولئك الذين قد ينالون تلك الأعراض، وهم عمي عن ذكر الله، منصرفون عن الطاعات التي تؤهلهم لرزق الآخرة المعد للمتقين: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيّض له شيطاناً فهو له قرين. وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون. حتى إذا جاءنا قال: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين. فبئس القرين. ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون}.. والعشى كلال البصر عن الرؤية، وغالباً ما يكون عند مواجهة الضوء الساطع الذي لا تملك العين أن تحدق فيه؛ أو عند دخول الظلام وكلال العين الضعيفة عن التبين خلاله. وقد يكون ذلك لمرض خاص. والمقصود هنا هو العماية والإعراض عن تذكر الرحمن واستشعار وجوده ورقابته في الضمير. {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيّض له شيطاناً فهو له قرين}.. وقد قضت مشيئة الله في خلقة الإنسان ذلك. واقتضت أنه حين يغفل قلبه عن ذكر الله يجد الشيطان طريقه إليه، فيلزمه، ويصبح له قرين سوء يوسوس له، ويزين له السوء. وهذا الشرط وجوابه هنا في الآية يعبران عن هذه المشيئة الكلية الثابتة، التي تتحقق معها النتيجة بمجرد تحقق السبب، كما قضاه الله في علمه. ووظيفة قرناء السوء من الشياطين أن يصدوا قرناءهم عن سبيل الله، بينما هؤلاء يحسبون أنهم مهتدون: {وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون}.. وهذا أسوأ ما يصنعه قرين بقرين. أن يصده عن السبيل الواحدة القاصدة؛ ثم لا يدعه يفيق، أو يتبين الضلال فيثوب؛ إنما يوهمه أنه سائر في الطريق القاصد القويم! حتى يصطدم بالمصير الأليم. والتعبير بالفعل المضارع: {ليصدونهم}.. {ويحسبون}.. يصور العملية قائمة مستمرة معروضة للأنظار؛ يراها الآخرون، ولا يراها الضالون السائرون إلى الفخ وهم لا يشعرون. ثم تفاجئهم النهاية وهم سادرون: {حتى إذا جاءنا قال: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين. فبئس القرين}! وهكذا ننتقل في ومضة من هذه الدنيا إلى الآخرة. ويطوى شريط الحياة السادرة، ويصل العمي (الذين يعشون عن ذكر الرحمن) إلى نهاية المطاف فجأة على غير انتظار. هنا يفيقون كما يفيق المخمور، ويفتحون أعينهم بعد العشى والكلال؛ وينظر الواحد منهم إلى قرين السوء الذي زين له الضلال، وأوهمه أنه الهدى! وقاده في طريق الهلاك، وهو يلوح له بالسلامة! ينظر إليه في حنق يقول: {يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين}! يا ليته لم يكن بيننا لقاء. على هذا البعد السحيق! ويعقب القرآن على حكاية قول القرين الهالك للقرين بقوله: {فبئس القرين}! ونسمع كلمة التيئيس الساحقة لهذا وذاك عند إسدال الستار على الجميع: {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون}! فالعذاب كامل لا تخففه الشركة، ولا يتقاسمه الشركاء فيهون! عندئذ ينصرف عن هؤلاء، في مشهدهم البائس الكئيب؛ ويدعهم يتلاومون ويتشاتمون. ويتجه بالخطاب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسليه عن هذا المصير البائس الذي انتهى إليه فريق من البشر؛ ويعزيه عن إعراضهم عنه وكفرهم بما جاء به؛ويثبته على الحق الذي اوحى إليه؛ وهو الحق الثابت المطرد من قديم، في رسالة كل رسول: {أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين؟ فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون. أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون. فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم. وإنه لذكر لك ولقومك، وسوف تسألون. واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا: أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون؟}.. وهذا المعنى يتكرر في القرآن تسلية لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبياناً لطبيعة الهدى والضلال، ورجعهما إلى مشيئة الله وتقديره وحده؛ وإخراجهما من نطاق وظيفة الرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ ووضع حدود فاصلة بين مجال القدرة الإنسانية المحدودة في أعلى درجاتها عند مرتقى النبوة، ومجال القدرة الإلهية الطليقة؛ وتثبيت معنى التوحيد في صورة من أدق صوره، وفي موضع من ألطف مواضعه: {أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين}.. وهم ليسوا صماً ولا عمياً، ولكنهم كالصم والعمي في الضلال، وعدم الانتفاع بالدعاء إلى الهدى، والإشارة إلى دلائله. ووظيفة الرسول أن يُسمع من يَسمع، وأن يهدي من يبصر. فإذا هم عطلوا جوارحهم، وطمسوا منافذ قلوبهم وأرواحهم. فما للرسول إلى هداهم من سبيل؛ ولا عليه من ضلالهم، فقد قام بواجبه الذي يطيق. والله يتولى الأمر بعد أداء الرسول لواجبه المحدود: {فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون. أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون}.. والأمر لا يخرج عن هذين الحالين. فإذا ذهب الله بنبيه فسيتولى هو الانتقام من مكذبيه. وإذا قدر له الحياة حتى يتحقق ما أنذرهم به، فالله قادر على تحقيق النذير، وهم ليسوا له بمعجزين. ومرد الأمر إلى مشيئة الله وقدرته في الحالين، وهو صاحب الدعوة. وما الرسول إلا رسول. {فاستمسك بالذي أوحي إليك. إنك على صراط مستقيم}.. واثبت على ما أنت فيه، وسر في طريقك لا تحفل ما كان منهم وما يكون. سر في طريقك مطمئن القلب. {إنك على صراط مستقيم}.. لا يلتوي بك ولا ينحرف ولا يحيد. وهذه العقيدة متصلة بحقيقة الكون الكبرى، متناسقة مع الناموس الكلي الذي يقوم عليه هذا الوجود. فهي مستقيمة معه لا تنفرج عنه ولا تنفصل. وهي مؤدية بصاحبها إلى خالق هذا الوجود، على استقامة تؤمن معها الرحلة في ذلك الطريق! والله ـ سبحانه ـ يثبت رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بتوكيد هذه الحقيقة. وفيها تثبيت كذلك للدعاة من بعده، مهما لاقوا من عنت الشاردين عن الطريق! {وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون}.. ونص هذه الآية هنا يحتمل أحد مدلولين: أن هذا القرآن تذكير لك ولقومك تسألون عنه يوم القيامة، فلا حجة بعد التذكير. أو أن هذا القرآن يرفع ذكرك وذكر قومك. وهذا ما حدث فعلاً.. فأما الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإن مئات الملايين من الشفاه تصلي وتسلم عليه، وتذكره ذكر المحب المشتاق آناء الليل وأطراف النهار منذ قرابة ألف وأربع مئة عام. ومئات الملايين من القلوب تخفق بذكره وحبه منذ ذلك التاريخ البعيد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وأما قومه فقد جاءهم هذا القرآن والدنيا لا تحس بهم، وإن أحست اعتبرتهم على هامش الحياة. وهو الذي جعل لهم دورهم الأكبر في تاريخ هذه البشرية. وهو الذي واجهوا به الدنيا فعرفتهم ودانت لهم طوال الفترة التي استمسكوا فيها به. فلما أن تخلوا عنه أنكرتهم الأرض، واستصغرتهم الدنيا؛ وقذفت بهم في ذيل القافلة هناك، بعد أن كانوا قادة الموكب المرموقين! وإنها لتبعة ضخمة تسأل عنها الأمة التي اختارها الله لدينه، واختارها لقيادة القافلة البشرية الشاردة، إذا هي تخلت عن الأمانة: {وسوف تسألون}.. وهذا المدلول الأخير أوسع وأشمل. وأنا إليه أميل. {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا: أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون؟}.. والتوحيد هو أساس دين الله الواحد منذ أقدم رسول. فعلام يرتكن هؤلاء الذين يجعلون من دون الرحمن آلهة يعبدون؟ والقرآن يقرر هذه الحقيقة هنا في هذه الصورة الفريدة.. صورة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسأل الرسل قبله عن هذه القضية: {أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون؟} وحول هذا السؤال ظلال الجواب القاطع من كل رسول. وهي صورة طريفة حقاً. وهو أسلوب موح شديد التأثير في القلوب. وهناك أبعاد الزمان والمكان بين الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والرسل قبله. وهناك أبعاد الموت والحياة وهي أكبر من أبعاد الزمان والمكان.. ولكن هذه الأبعاد كلها تتلاشى هنا أمام الحقيقة الثابتة المطردة. حقيقة وحدة الرسالة المرتكزة كلها على التوحيد. وهي كفيلة أن تبرز وتثبت حيث يتلاشى الزمان والمكان والموت والحياة وسائر الظواهر المتغيرة؛ ويتلاقى عليها الأحياء والأموات على مدار الزمان متفاهمين متعارفين.. وهذه هي ظلال التعبير القرآني اللطيف العجيب.. على أنه بالقياس إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإخوانه من الرسل مع ربهم لا يبقى شىء بعيد وآخر قريب. فهناك دائماً تلك اللحظة اللدنية التي تزال فيها الحواجز وترتفع فيها السدود، وتتجلى الحقيقة الكلية عارية من كل ستار. حقيقة النفس وحقيقة الوجود كله وأهل هذا الوجود. تتجلى وحدة متصلة، وقد سقط عنها حاجز الزمان وحاجز المكان وحاجز الشكل والصورة. وهنا يسأل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويجاب، بلا حاجز ولا حجاب. كما وقع في ليلة الإسراء والمعراج. وإنه ليحسن في مثل هذه المواطن ألا نعتد كثيراً بالمألوف في حياتنا. فهذا المألوف ليس هو القانون الكلي. ونحن لا ندرك من هذا الوجود إلا بعض ظواهره وبعض آثاره، حين نهتدي إلى طرف من قانونه. وهناك حجب من تكويننا ذاته ومن حواسنا وما نرتبه عليها من مألوفات. فأما اللحظة التي تتجرد فيها النفس من هذه العوائق والحجب فيكون لقاء الحقيقة المجردة للإنسان بالحقيقة المجردة لأي شىء آخر أمراً أيسر من لمس الأجسام للأجسام! وفي سياق تسلية الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عما يعترض به المعترضون من كبراء قومه على اختياره؛ واعتزازهم بالقيم الباطلة لعرض هذه الحياة الدنيا. تجيء حلقة من قصة موسى ـ عليه السلام ـ مع فرعون وملئه، يذكر فيها اعتزاز فرعون بمثل ما يعتز به من يقولون: {لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}! وتباهيه بما له من ملك ومن سلطان، وتساؤله في فخر وخيلاء: {أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي؟ أفلا تبصرون؟}.. وانتفاخه على موسى ـ عبد الله ورسوله ـ وهو مجرد من الجاه الأرضي والعرض الدنيوي: {أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين؟}.. واقتراحه الذي يشبه ما يقترحون: {فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين}.. وكأنما هي نسخة تكرر، أو اسطوانة تعاد! ثم يبين كيف استجابت لفرعون الجماهير المستخفة المخدوعة؛ على الرغم من الخوارق التي عرضها عليهم موسى ـ عليه السلام ـ وعلى الرغم مما أصابهم من ابتلاءات، واستغاثتهم بموسى ليدعو ربه فيكشف عنهم البلاء. ثم كيف كانت العاقبة بعدما ألزمهم الله الحجة بالتبليغ: {فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين، فجعلناهم سلفاً ومثلاً للآخرين}.. وها هم أولاء الآخرون لا يعتبرون ولا يتذكرون! ومن خلال هذه الحلقة تتجلى وحدة الرسالة، ووحدة المنهج، ووحدة الطريق. كما تتبدى طبيعة الكبراء والطغاة في استقبال دعوة الحق، واعتزازهم بالتافه الزهيد من عرض هذه الأرض؛ وطبيعة الجماهير التي يستخفها الكبراء والطغاة على مدار القرون! {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فقال: إني رسول رب العالمين. فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون}.. هنا يعرض حلقة اللقاء الأول بين موسى وفرعون، في إشارة مقتضبة تمهيداً لاستعراض النقطة الرئيسية المقصودة من القصة في هذا الموضع ـ وهي تشابه اعتراضات فرعون وقيمه مع اعتراضات مشركي العرب وقيمهم ـ ويلخص حقيقة رسالة موسى: {فقال: إني رسول رب العالمين}.. وهي ذات الحقيقة التي جاء بها كل رسول: أنه {رسول} وأن الذي أرسله هو {رب العالمين}.. ويشير كذلك إشارة سريعة إلى الآيات التي عرضها موسى، وينهي هذه الإشارة بطريقة استقبال القوم لها: {إذا هم منها يضحكون}.. شأن الجهال المتعالين! يلي ذلك إشارة إلى ما أخذ الله به فرعون وملأه من الابتلاءات المفصلة في سور أخرى: {وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها، وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون. وقالوا: يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون. فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون}.. وهكذا لم تكن الآيات التي ظهرت على يدي موسى ـ عليه السلام ـ مدعاة إيمان، وهي تأخذهم متتابعة. كل آية أكبر من أختها. مما يصدق قول الله تعالى في مواضع كثيرة، وفحواه أن الخوارق لا تهدي قلباً لم يتأهل للهدى؛ وأن الرسول لا يسمع الصم ولا يهدي العمي! والعجب هنا فيما يحكيه القرآن عن فرعون وملئه قولهم: {يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون}.. فهم أمام البلاء، وهم يستغيثون بموسى ليرفع عنهم البلاء. ومع ذلك يقولون له: {يا أيها الساحر} ويقولون كذلك: {ادع لنا ربك بما عهد عندك} وهو يقول لهم: إنه رسول {رب العالمين} لا ربه هو وحده على جهة الاختصاص! ولكن لا الخوارق ولا كلام الرسول مس قلوبهم، ولا خالطتها بشاشة الإيمان، على الرغم من قولهم: {إننا لمهتدون}: {فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون}.. ولكن الجماهير قد تؤخذ بالخوارق المعجزة، وقد يجد الحق سبيلاً إلى قلوبها المخدوعة. وهنا يبرز فرعون في جاهه وسلطانه، وفي زخرفه وزينته، يخلب عقول الجماهير الساذجة بمنطق سطحي، ولكنه يروج بين الجماهير المستعبدة في عهود الطغيان، المخدوعة بالأبهة والبريق: {ونادى فرعون في قومه: قال: يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي؟ أفلا تبصرون؟ أم أنا خير من هذا الذي هو مهين، ولا يكاد يبين؟ فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين؟}. إن ملك مصر وهذه الأنهار التي تجري من تحت فرعون، أمر قريب مشهود للجماهير، يبهرها وتستخفها الإشارة إليه. فأما ملك السماوات والأرض وما بينهما ـ ومصر لا تساوي هباءة فيه ـ فهو أمر يحتاج إلى قلوب مؤمنة تحسه، وتعقد الموازنة بينه وبين ملك مصر الصغير الزهيد! والجماهير المستعبدة المستغفلة يغريها البريق الخادع القريب من عيونها؛ ولا تسمو قلوبها ولا عقولها إلى تدبر ذلك الملك الكوني العريض البعيد! ومن ثم عرف فرعون كيف يلعب بأوتار هذه القلوب ويستغفلها بالبريق القريب! {أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين؟}. وهو يعني بالمهانة أن موسى ليس ملكاً ولا أميراً ولا صاحب سطوة ومال مشهود. أم لعله يشير بهذا إلى أنه من ذلك الشعب المستعبد المهين. شعب إسرائيل. أما قوله: {ولا يكاد يبين} فهو استغلال لما كان معروفاً عن موسى قبل خروجه من مصر من حبسة اللسان. وإلا فقد استجاب الله سؤاله حين دعاه: {أية : رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي}.. تفسير : وحلت عقدة لسانه فعلاً، وعاد يبين. وعند الجماهير الساذجة الغافلة لا بد أن يكون فرعون الذي له ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحته، خيراً من موسى ـ عليه السلام ـ ومعه كلمة الحق ومقام النبوة ودعوة النجاة من العذاب الأليم! {فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب؟}.. هكذا. من ذلك العرض التافه الرخيص! أسورة من ذهب تصدق رسالة رسول! أسورة من ذهب تساوي أكثر من الآيات المعجزة التي أيد الله بها رسوله الكريم! أم لعله كان يقصد من إلقاء أسورة الذهب تتويجه بالملك، إذ كانت هذه عادتهم، فيكون الرسول ذا ملك وذا سلطان؟ {أو جاء معه الملائكة مقترنين}.. وهو اعتراض آخر له بريق خادع كذلك من جانب آخر، تؤخذ به الجماهير، وترى أنه اعتراض وجيه! وهو اعتراض مكرور، ووجه به أكثر من رسول! {فاستخف قومه فأطاعوه، إنهم كانوا قوماً فاسقين}.. واستخفاف الطغاة للجماهير أمر لا غرابة فيه؛ فهم يعزلون الجماهير أولاً عن كل سبل المعرفة، ويحجبون عنهم الحقائق حتى ينسوها، ولا يعودوا يبحثون عنها؛ ويلقون في روعهم ما يشاءون من المؤثرات حتى تنطبع نفوسهم بهذه المؤثرات المصطنعة. ومن ثم يسهل استخفافهم بعد ذلك، ويلين قيادهم، فيذهبون بهم ذات اليمين وذات الشمال مطمئنين! ولا يملك الطاغية أن يفعل بالجماهير هذه الفعلة إلا وهم فاسقون لا يستقيمون على طريق، ولا يمسكون بحبل الله، ولا يزنون بميزان الإيمان. فأما المؤمنون فيصعب خداعهم واستخفافهم واللعب بهم كالريشة في مهب الريح. ومن هنا يعلل القرآن استجابة الجماهير لفرعون فيقول: {فاستخف قومه فأطاعوه، إنهم كانوا قوماً فاسقين}.. ثم انتهت مرحلة الابتداء والإنذار والتبصير؛ وعلم الله أن القوم لا يؤمنون؛ وعمت الفتنة فأطاعت الجماهير فرعون الطاغية المتباهي في خيلاء، وعشت عن الآيات البينات والنور؛ فحقت كلمة الله وتحقق النذير: {فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين، فجعلناهم سلفاً ومثلاً للآخرين}.. يتحدث الله سبحانه عن نفسه في مقام الانتقام والتدمير؛ إظهاراً لغضبه ولجبروته في هذا المقام. فيقول: {فلما آسفونا}.. أي أغضبونا أشد الغضب.. {انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين}.. يعني فرعون وملأه وجنده. وهم الذين غرقوا على إثر موسى وقومه وجعلهم الله سلفاً يتبعه كل خلف ظالم؛ {ومثلاً للآخرين} الذين يجيئون بعدهم، ويعرفون قصتهم، فيعتبرون. وهكذا تلتقي هذه الحلقة من قصة موسى ـ عليه السلام ـ بالحلقة المشابهة لها من قصة العرب في مواجهة رسولهم الكريم. فتثبت الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمؤمنين معه؛ وتحذر المشركين المعترضين، وتنذرهم مصيراً كمصير الأولين.. وتلتقي الحقيقة في عرض القصة، بالتناسق بين الحلقة المعروضة والحال القائمة والغاية من إيرادها في هذه الحال القائمة. وتصبح القصة بهذا أداة للتربية في المنهج الإلهي الحكيم. ثم ينتقل السياق من هذه الحلقة في قصة موسى، إلى حلقة من قصة عيسى، بمناسبة جدل القوم حول عبادتهم للملائكة وعبادة بعض أهل الكتاب للمسيح.. وذلك في الدرس الأخير.
ابن عاشور
تفسير : لما ذكَّرهم الله بالأمم الماضية وشبه حالهم بحالهم ساق لهم أمثالاً في ذلك من مواقف الرسل مع أممهم منها قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه. وابتدأ بذكر إبراهيم وقومه إبطالاً لقول المشركين: { أية : إنا وجدْنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون } تفسير : [الزخرف: 22]، بأن أوْلى آبائهم بأن يقتدوا به هو أبوهم الذي يفتخرون بنسبته إبراهيم. وجملة {وإذ قال إبراهيم} عطف على عموم الكلام السابق من قوله: { أية : وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قريةٍ من نذيرٍ } تفسير : [الزخرف: 23] إلى قوله: {وإذ قال إبراهيم}، وهو عطف الغرض على الغرض. و{إذْ} ظرف متعلق بمحذوف، تقديره: واذْكُر إذ قال إبراهيم، ونظائر هذا كثيرة في القرآن كما تقدم في قوله تعالى: { أية : وإذ قال ربّك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة } تفسير : في سورة البقرة (30). والمعنى: واذكر زمان قول إبراهيم لأبيه وقومه قولاً صريحاً في التبرّؤ من عبادة الأصنام. وخُصَّ أبو إبراهيم بالذكر قبلَ ذكر قومه وما هو إلا واحد منهم اهتماماً بذكره لأن براءة إبراهيم مما يَعبُد أبُوه أدَلُّ على تجنب عبادة الأصنام بحيث لا يتسامح فيها ولو كان الذي يعبدها أقربَ النّاس إلى موحّد الله بالعبادة مثل الأببِ، ولتكون حكاية كلام إبراهيم قدوة لإبطال قول المشركين { أية : وإنّا على آثارهم مهتدون } تفسير : [الزخرف: 22] قال تعالى: { أية : قد كانت لكم أسوةٌ حسنةٌ في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنّا برءآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله } تفسير : [الممتحنة: 4] أي فما كان لكم أن تقتدوا بآبائكم المشركين وهلا اقتديتم بأفضل آبائكم وهو إبراهيم. والبَرَاء بفتح الباء مصدر بوزن الفَعال مثل الظَّماء والسّماع يخبر به ويوصف به في لغة أهل العالية (وهي ما فوق نجد إلى أرض تهامة مما وراء مكّة) وأما أهل نجد فيقولون بَريء. والاستثناء في قوله: {إلا الذي فطرني} استثناء من (ما تعبدون)، و(ما) موصولة أي من الذين تعبدونهم فإن قوم إبراهيم كانوا مشركين مثل مشركي العرب. وقد بسطنا ذلك فيما تقدم عند قوله: { أية : وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتّخذ أصناماً آلهة } تفسير : [الأنعام: 74]. وفرع على هذا قوله: {فإنه سيهدين} لأن قوله: {إنني براء مما تعبدون} يتضمن معنى: إنني اهتديت إلى بطلان عبادتكم الأصنام بهدي من الله. وسين الاستقبال مؤذنة بأنه أخبرهم بأن هداية الله إياه قد تمكنت وتستمر في المستقبل، ويفهم أنها حاصلة الآن بفحوى الخطاب. وتوكيد الخبر بــ (إنّ) منظور فيه إلى حال أبيه وقومه لأنهم ينكرون أنه الآن على هدى فهم ينكرون أنه سيكون على هدى في المستقبل.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام قال لأبيه وقومه: إنه براء أي بريء، من جميع معبوداتهم التي يعبدونها، من دون الله أي يعني أنه بريء من عبادة كل معبود، إلا المعبود الذي خلقه وأوجده فهو وحده معبوده. وقد أوضح تعالى في هذا المعنى الذي ذكره عن إبراهيم في مواضع أخر من كتابه كقوله تعالى: {أية : قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمُ ٱلأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 75-78] الآية. وكقوله تعالى: {أية : فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 78-79]. وزاد جل وعلا في سورة الممتحنة براءته أيضاً من العابدين وعداوته لهم وبغضه لهم في الله، وذلك في قوله تعالى: {أية : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءآؤاْ مِّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَداً حَتَّىٰ تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحْدَهُ} تفسير : [الممتحنة: 4]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} ذكر نحوه في قوله: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِين} تفسير : [الشعراء: 78] وقوله تعالى: {أية : وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الصافات: 99] وقوله تعالى: {أية : فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ} تفسير : [الأنعام: 77]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ} {إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي} أي خلقني. يدل على أنه لا يستحق العبادة، إلا الخالق وحده جل وعلا. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، دلت عليه آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: {أية : يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} تفسير : [البقرة: 21] الآية، وقوله تعالى: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلْجِبِلَّةَ ٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [الشعراء: 184] وقوله تعالى: {أية : أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} تفسير : [الرعد: 16] وقوله تعالى: {أية : أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} تفسير : [النحل: 17] الآية، وقوله تعالى: {أية : أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} تفسير : [الأعراف: 191] وقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} تفسير : [الفرقان: 2-3] الآية إلى غير ذلك من الآيات.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 26- واذكر - يا محمد - للمكذبين قصة إبراهيم، إذ قال لأبيه وقومه: إننى برئ من عبادة آلهتكم الباطلة. 27- لكنى أعبد الله الذى خلقنى، لأنه سبحانه - الذى سيرشدنى إلى طريق الحق. 28- وصيَّرها - بإعلانها لهم - كلمة باقية فى ذريته - هى كلمة التوحيد - لعلهم يرجعون إليها، فيؤمنون بها. 29- لم يحقق المشركون رجاء إبراهيم، ولم أعجل لهم العقوبة، بل متعت الحاضرين - لك يا محمد - ومتعت آباءهم من قبل بأنواع النعم، حتى نزل القرآن داعياً إلى الحق وجاءهم رسول مبين يدعوهم إليه. 30- وحين نزل القرآن يرشدهم إلى التوحيد ضموا إلى شركهم تسميته سحراً وتمويهاً - استهزاء به - وأصروا على كفرهم. 31- وقال المشركون، استخفافاً بمحمد، واستعظاماً أن ينزل عليه القرآن: هلا نزل القرآن - الذى يزعم أنه وحى الله - على رجل عظيم من مكة أو الطائف؟. 32- ليس بأيدى المشركين مفاتيح الرسالة، حتى يجعلوها فى أصحاب الجاه، نحن تولينا تدبير معيشتهم لعجزهم عن ذلك، وفضلنا بعضهم على بعض فى الرزق والجاه، ليتخذ بعضهم من بعض أعواناً يسخرونهم فى قضاء حوائجهم، حتى يتساندوا فى طلب العيش وتنظيم الحياة والنبوة وما يتبعها من سعادة الدارين خير من أكبر مقامات الدنيا.
القطان
تفسير : براء: بريء، ولفظ (براء) يطلق على المفرد والمثنى والجمع تقول: أنا براء مما تعملون، وانتم براء وانتما براء. فطرني: خلقني. وجعلها كلمة باقية: وجعل كلمة التوحيد باقية. في عقبه: في ذرّيته. من القريتين: من إحدى القريتين وهما مكة والطائف. رحمة ربك: النبوة. سخريا: بمعنى التسخير. معارج: مفرده مَعْرَج ومعراج وهو المَصْعَد والسلّم. وعليها يظهَرون: يصعدون. السرر والأسرة: جمع سرير. الزخرف: الزينة والنقوش. انْ كل ذلك لمّا متاع الحياة: إنْ كل ذلك الا متاع الحياة. يبين الله تعالى للمعاندين لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم أن أشرفَ آبائهم وهو ابراهيم عليه السلام تركَ دينَ آبائه، وقال لأبيه وقومه: إنني بريء من عبادة آلهتكم الباطلة. وانه لا يعبد الا الله الذي خلَقَه على فِطرة التوحيد، فهو سَيَهديه إلى طريق الحق، ويجعلُ كلمة التوحيد باقيةً في ذرّيته {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} فيؤمنون بها. لقد متّع الله قريشاً بالنعمة والأمن في بلدهم، فاغترّوا بذلك ولم يتّبعوا ملّةَ أبيهم ابراهيم... {حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ} جاءهم الرسولُ الأمين بالقرآن الكريم يهديهم الى الصراط المستقيم. فلما جاءهم الرسول بالحقّ كذّبوه وقالوا ساحر. {وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ} وقالوا مستخفّين بهذا النبيّ الكريم لأنه فقير: هلاّ نزل القرآن على أحد رجلين من عظماء مكة او الطائف وهما: الوليدُ بن المغيرة من سادات مكة، او عروة بن مسعود الثقفي من سادات الطائف. وهنا يردّ الله تعالى عليهم ويبين لهم جهلهم بأن العظمةَ ليست بكثرة المال ولا بالجاه، وأن النبوة منصبٌ إلهي وشرفٌ من الله يعطيها من يستحقها، وليست بأيديهم ولا تحت رغبتهم ولذلك قال: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} كيف جهِلوا قَدْرَ أنفسِهم حتى يتحكموا في النبوة ويعطوها من يشاؤون! الله تعالى قَسَم المعيشة بين الناس وفضّل بعضهم على بعض في الرزق والجاه، ليتخذَ بعضُهم من بعض أعواناً يسخّرونهم في قضاء حوائجهم، وليتعاونوا على هذه الحياة. {وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} والنبوّة وما يتبعها من سعادة الدارَين خيرٌ من كل ما لديهم في هذه الحياة الدنيا. فهذا التفاوت في شئون الدنيا هو الذي يتم به نظام المجتمع، فلولاه لما صرَّف بعضُهم بعضا في حوائجه، ولا تعاونوا في تسهيل وسائل العيش. ثم بين الله تعالى انه: لولا ان يرغبَ الناسُ في الكفر إذا رأوا الكفار في سَعةٍ من الرزق لمتَّعهم الله بكل وسائل النعيم، فجعل لبيوتهم أبواباً من فضة وسقُفا وسررا ومصاعد من فضة، وزينةً في كل شيء.. وما هذا كلّه إلا متاع قليلٌ زائل مقصور على الحياة الدنيا الفانية. {وَٱلآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} أعدّها الله للذين أحسنوا واتقَوا وأخلصوا في إيمانهم. روى الترمذي وابن ماجه عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو كانت الدنيا تَعْدِل عند الله جناحَ بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء ". تفسير : قراءات: قرأ ابن كثير وابو عمرو: سَقفاً بالافراد، والباقون: سُقُفا بالجمع. وقرأ عاصم وحمزة وهشام: لمّا متاع الحياة بتشديد ميم لما. والباقون: لما بالتخفيف.
د. أسعد حومد
تفسير : {إِبْرَاهِيمُ} (26) - وَاذْكُرَ يَا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ خَبَرَ جَدِّهِمْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ حِينَ أَعْلَنَ لأَِبِيهِ آزَرَ وَقَوْمِهِ بِأَنَّهُ مُتَبَرِّئٌ مِمّا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنَ الأَصْنَامِ والأَوْثَانِ. بَرَاءٌ - بَرِيءٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يريد الحق سبحانه أنْ يكشف زيفهم ويفضح كذبهم في قولهم {أية : بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ} تفسير : [البقرة: 170] ويسوق لهم الدليل الواقعي من واقع حياتهم، فها هو سيدنا إبراهيم الخليل أبو الأنبياء ومحطّ أنظار العرب جميعاً يُقدِّسونه ويفتخرون بالانتساب إليه. يقولون: نحن من نسل إبراهيم، وإبراهيم لم يُقلِّد أباه في عبادته للأصنام، فلماذا تقلدون أنتم آباءكم ولم تقلدوا إبراهيم؟ فالحق سبحانه ينقض مسألة التقليد عملياً في قصة سيدنا إبراهيم وينقضها فلسفياً أيضاً، فلو تتبعتَ الوجود الأول لم نجد إلا آدم عليه السلام، وآدم جاء بمنهج وسار عليه وسار عليه أولاده من بعده، فكيف حدث الانحراف عن هذا المنهج؟ إذن: لا بدَّ أنه جاء مع مرور الزمان أنَاسٌ خرجوا على المنهج وقلبوا الحقائق لهوىً في أنفسهم، ومن هؤلاء جاء جيل يعبد الأصنام، لأنهم غير محكومين بمنهج السماء ولا بقضية التكاليف: افعل ولا تفعل، فناسبهم عبادة آلهة لا تكليفَ عندها، لذلك عبدوا الأصنام. قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ} [الزخرف: 26] دار حولها جدلٌ واسع بين العلماء: أهو أبوه الحقيقي أو هو عمه آزر؟ المتتبع لكلمة (أبيه) في القرآن يجد أنها وردت ثماني مرات، أولها في سورة الأنعام {أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ} تفسير : [الأنعام: 74] وآخرها في سورة الممتحنة، ولم تأت كلمة (لأبيه) بعد ذلك إلا مرة واحدة في قصة سيدنا يوسف {أية : إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ} تفسير : [يوسف: 4]. إذن: لم تأتِ آزر إلا في آية الأنعام فقط، وهي أول الآيات الثمانية، فكأن الحق سبحانه حسم الخلاف في هذه المسألة، فأراد أنْ يُبيِّن لنا أن آزر عمه، بدليل أنه قال {لأَبِيهِ آزَرَ} [الأنعام: 74] وفي باقي المواضع قال (لأبيه) أي: الذي عرفتموه أولاً. أي: في سورة الأنعام. وهذا أمر شائع في لغتنا أن نقول للعم أب، فحين يسأل رجل: أبوك موجود؟ تفهم أنه يريد الأب الحقيقي، إنما لو قال لك: أبوك محمد موجود؟ فهو يقصد عمك لأنه حدَّده بالعَلَم بعد الوصف. والقرآن يُدخل العَمَّ ضمن الآباء في قوله تعالى: {أية : أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} تفسير : [البقرة: 133]. فكلمة {آبَائِكَ} [البقرة: 133] جمع يشمل إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، وإذا اجتمع جمع في حكم جمع تكون القسمة مفردة، فتأخذ أب هو إبراهيم، وأب هو إسماعيل، وأب هو إسحاق، فهؤلاء الثلاثة آباء ليعقوب، وإسماعيل أخو إسحاق، وإنْ كان إسماعيل هو الأب إذن إسحاق ليس أباً، بل هو عَمّ. إذن: سُمِّيَ العَمُّ أباً. لذلك الحق سبحانه في أول آية تتكلم عن سيدنا إبراهيم ذكر {لأَبِيهِ آزَرَ} [الأنعام: 74] ليُبيِّن أن آزر الذي جادله إبراهيم وناقشه في مسألة التوحيد ليس أبا إبراهيم الحقيقي، إنما هو عمه. ونجد دليلاً على ذلك من سنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال في الحديث عن أصله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما زلتُ أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات، فأنا خِيارٌ من خيار ". تفسير : وسلسلة النسب النبوي تصل إلى أبيه إبراهيم، فلا يصح إذن أنْ يكون أبو إبراهيم كافراً عابداً للأصنام. وقوله: {إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ} [الزخرف: 26] براء بمعنى بريء، والفرق بينهما أن براء تُقَال للمفرد وللمثنى وللجمع، وللمذكر والمؤنث، أما بريء فتُثنَّى وتُجمع، وتُذكَّر وتُؤنَّث، وفي موضع آخر وصفهم بالعدو: {أية : فَإِنَّهُمْ} تفسير : [الشعراء: 77] أي: الأصنام {أية : عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الشعراء: 77] فما دام في المسألة شِرْك أو كفر بالله فأنا أتبرّأ منه.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما حكى عن المشركين تقليدهم الأعمى للآباء، ذكر هنا إمام الحنفاء إبراهيم عليه السلام، الذي يفتخر به العرب وينتسبون إليه، وتبرءه من قومه ومن عبادة الأوثان، للمقارنة بين الهدى والضلال، وبين منطق العقل السديد، ومنطق الهوى والتقليد. اللغَة: {بَرَآءٌ} مصدر بمعنى بريء أي متبرىء يقال: تبرأتُ من الأمر أي تخليت عنه بالكلية {عَقِبِهِ} ذريته ونسله قال ابن شهاب: العقب: الولدُ وولد الولد {سُخْرِيّاً} أي مسخراً في العمل مستخدماً فيه {مَعَارِجَ} مصاعد ومراقي جمع مِعْراج وهو ما يصعد عليه الإِنسان كالدرج ونحوه {يَظْهَرُونَ} يرتقون ويصعدون {زُخْرُف} زينة من ذهب وفضة وغيرهما {يَعْشُ} يُعرض وأصله من عشيَ البصرُ إِذا ضعف قال الخليل: العشو هو النظر ببصر ضعيف. التفسِير: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ} أي واذكر يا محمد حين قال إبراهيم الخليل لأبيه وقومه المشركين إنني بريءٌ من هذه الأوثان التي تعبدونها من دون الله {إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} أي لكنْ ربي الذي خلقني وأنشأني من العدم فإِنه يرشدني إلى الدين الحق، ويهديني إلى طريق السعادة {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} أي وجعل إبراهيم هذه الكلمة - كلمة التوحيد - باقيةً في ذريته فلا يزال فيهم من يوحِّد الله {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي رجاء أن يرجع إلى الإِيمان من أشرك منهم من قال مجاهد: "وجعلها كلمة" يعني "لا إله إلا الله" لا يزال في ذريته من يقولها إلى يوم الدين {بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰؤُلاَءِ وَآبَآءَهُمْ} أي بل متعتُ أهل مكة وآبائهم - وهم من عقب إبراهيم - بالإِمداد في العمر والنعمة، فاغتروا بالمهلة واشتغلوا بالتنعم واتباع الشهوات عن كلمة التوحيد {حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ} أي حتى جاءهم القرآن ورسولٌ ظاهر الرسالة، مؤيدٌ بالمعجزات الباهرة من عند الله قال الإِمام الفخر: وجه نظم الآية أنهم لما عوَّلوا على تقليد الآباء، ولم يتفكروا في الحجة، اغتروا بطول الإِمهال وإِمتاع الله إياهم بنعيم الدنيا فأعرضوا عن الحق {وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ} أي ولمَّا جاءهم القرآن لينبههم من غفلتهم، ويرشدهم إلى التوحيد، ازدادوا عتواً وضلالاً فقالوا عن القرآن إنه سحر {وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ} أي ونحن كافرون به، لا نصدّق أنه كلام الله قال أبو السعود: سمَّوا القرآن سحراً وكفروا به واستحقروا الرسول عليه السلام، فضمُّوا إلى كفرهم السابق معاندة الحق والاستهانة به {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} أي وقال المشركون: هلاَّ أُنزل هذا القرآن على رجل عظيم كبير في مكة أو الطائف!! قال المفسرون: يعنون "الوليد بن المغيرة" في مكة أو "عُروة بن مسعود الثقفي" في الطائف.. استبعدت قريش نزول القرآن على محمد وهو فقير يتيم، واقترحوا أن ينزل على أحد الرؤساء والعظماء، ظناً منهم أن العظيم هو الذي يكون له مال وجاه، وفاتهم أن العظيم هو الذي يكون عند الله تعالى عظيماً، وهم يعتبرون مقياس العظمة: الجاه والمال، وهذا رأي الجاهلين في كل زمانٍ ومكان، أما مقياسُ العظمة الحقيقية عند الله تعالى وعند العقلاء، فإِنما هو عظمة النفس، وسُموُّ الروح، ومَنْ أعظمُ نفساً وأسمى روحاً من محمد ابن عبد الله عليه الصلاة والسلام!! ولهذا ردَّ تبارك وتعالى عليهم بقوله {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ}؟ أي أهم يمنحون النبوة ويخصُّون بها من شاءوا من العباد، حتى يقترحوا أن تكون لفلان الغني، أو فلانٍ الكبير من الناس؟ {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي نحن بحكمتنا جعلنا هذا غنياً وهذا فقيراً، وفاوتنا بينهم في الأموال والأرزاق، وإِذا كان أمر المعيشة - وهو تافه حقير - لم نتركه لهم بل تولينا قسمته بأنفسنا، فكيف نترك أمر النبوة - وهو عظيم وخطير - لأهوائهم ومشتهياتهم!! قال في التسهيل: كما قسمنا المعايش في الدنيا كذلك قسمنا المواهب الدينية، وإِذا كنا لم نهمل الحظوظ الحقيرة الفانية، فأولى وأحرى ألا نُهمل الحظوظ الشريفة الباقية {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} أي فاضلنا بين الخلق في الرزق والعيش، وجعلناهم مراتب: هذا غني، وهذا فقير، وهذا متوسط الحال {لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً} أي ليكون كلٌ منهم مسخراً للآخر، ويخدم بعضهم بعضاً، لينتظم أمر الحياة قال الصاوي: إن القصد من جعل الناس متفاوتين في الرزق، لينتفع بعضهم ببعض، ولو كانوا سواءً في جميع الأحوال لم يخدم أحدٌ أحداً، فيفضي إلى خراب العالم وفساد نظامه وقال أبو حيان: وقوله تعالى {سُخْرِيّاً} بضم السين من التسخير بمعنى الاستخدام، لا من السخرية بمعنى الهزء، والحكمة هي أن يرتفق بعضهم ببعضٍ، ويصلوا إلى منافعهم، ولو تولَّى كل واحدٍ جميع أشغاله بنفسه ما أطاق ذلك، وضاع وهلك، وفي قوله {نَحْنُ قَسَمْنَا} تزهيدٌ في الإِكباب على طلب الدنيا، وعونٌ على التوكل على الله، وقال قتادة: تلقى ضعيف القوة، قليل الحيلة، عييَّ اللسان وهو موسَّع عليه في الرزق، وتلقى شديد الحيلة، بسيط اللسان وهو مقتَّر عليه في الرزق، وقال الشافعي: شعر : ومن الدليل على القضاء وكونِه بؤسُ اللبيب وطيبُ عيشِ الأحمق تفسير : {وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} أي وإِنعامه تعالى عليك بالنبوة خيرٌ مما يجمع الناسُ من حطام الدنيا الفاني، ثم بيَّن تعالى حقارة الدنيا ودناءة قدرها عند الله فقال {وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ} أي ولولا أن يرغب الناسُ في الكفر إذا رأوا الكافر في سعة من الرزق، ويصيروا أمةً واحدة في الكفر، لخصصنا هذه الدنيا بالكفار، وجعلنا لهم القصور الشاهقة المزخرفة بأنواع الزينة والنقوش، سقفها من الفضة الخالصة {وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} أي وجعلنا لهم مصاعدَ وسلالم من فضة عليها يرتقون ويصعدون {وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً} أي ولبيوتهم أبواباً من فضة وسرراً من فضة، زيادةً في الرفاهية والنعيم {عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ} أي على تلك الأسرَّة الفضيَّة يتكئون ويجلسون {وَزُخْرُفاً} أي وجعلنا لهم زينةً من ستور ونمارق ونقوش وقال ابن عباس: {زُخْرُفاً} ذهباً أي جعلنا لهم سقفاً وأبواباً وسرراً من فضة وذهب {وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي وما كل ذلك النعيم العاجل الذي نعطيه للكفار، إلاّ شيء يُتمتع به في الحياة الدنيا الزائلة الحقيرة {وَٱلآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} أي والجنةُ وما فيها من أنواع الملاذ والنعم التي يقصر عنها البيان، هي خاصة بالمتقين لا يشاركهم فيها أحد قال المفسرون: والآياتُ سِيقتْ لبيان حقارة الدنيا وقلة شأنها، وأنها من الهوان بحيث لولا الفتنة لخصَّ بها الكافرين، فجعل بيوت الكفرة ودرجها وسقوفها من ذهب وفضة، وأعطى الكافر كل ذلك النعيم في الدنيا لعدم حظه في الآخرة، ولكنه تعالى رحيم بالعباد فلذلك أغنى بعض الكفار وأفقر بعضهم، وأغنى بعض المؤمنين وأفقر بعضهم وفي الحديث "حديث : لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها جرعة ماء"تفسير : قال الزمخشري: فإِن قلت: فحين لم يوسّع على الكافرين للفتنة التي كان يؤدي إليها التوسعة عليهم، من إطباق الناس على الكفر لحبهم الدنيا وتهالكهم عليها، فهلاَّ وسَّع على المسلمين ليطبق الناس على الإِسلام؟ قلتُ التوسعةُ عليهم مفسدة أيضاً لما تؤدي إليها من دخول الناس في الإِسلام لأَجل الدنيا وذلك من دين المنافقين، فكانت الحكمة فيما دبَّر، حيث جعل الفريقين أغنياء وفقراء، وغلَّب الفقر على الغنى {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱ ;لرَّحْمَـٰنِ} أي ومن يعرض ويتعام ويتغافل عن القرآن وعبادة الرحمن {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً} أي نهيء ونيسّر له شيطاناً لا ينفك عن الوسوسة له والإِغواء كقوله تعالى {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً}تفسير : [مريم: 83] {فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} أي فهو له ملازم ومصاحب له لا يفارقه {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ} أي وإِن الشياطين ليصدون هؤلاء الكفار الضالين عن طريق الهدى {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} أي ويحسب الكفار أنهم على نور وبصيرة وهدايةٍ من أمرهم {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَنَا} أي حتى إذا جاء الكافر مع قرينه وقد ربطا بسلسلةٍ واحدة {قَالَ يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ} أي قال الكافر لقرينه: يا ليت بيني وبينك مثل بعد ما بين المشرق والمغرب قال الطبري: وهذا من باب التغليب كما يقال: القمران، والعمران، والأبوان، فغلَّب هٰهنا المشرق على المغرب {فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ} أي فبئس الصاحب أنت، لأنك كنت سبباً في شقائي بتزينك الباطل لي قال أبو سعيد الخدري: إذا بُعث الكافر زُوّج بقرينه من الشياطين، فلا يفارقه حتى يصير به إلى النار {وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} أي ولن ينفعكم ويفيدكم اشتراككم في العذاب، ولن يخفف ذلك عنكم شيئاً بسبب ظلمكم، فإِن لكل واحد نصيبه الأوفر منه قال في التسهيل: المراد أنه لا ينفعهم اشتراكهم في العذاب، ولا يجدون راحة التأسي التي يجدها المكروب في الدنيا إذا رأى غيره قد أصابه مثل ما أصابه لأن المصيبة إذا عمَّت هانت، فدفع تعالى ذلك التوهم بأن اشتراكهم في العذاب، لا يخفِّف عنهم البلاء {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي فأنت يا محمد تقدر أن تسمع هؤلاء الكفار الذين هم كالصُّم والعُمي، ومن كان في ضلالٍ واضح؟ ليس لك ذلك فلا يَضِقْ صدرك إن كفروا قال المفسرون: والآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فقد كان يجتهد في دعائهم إلى الإِيمان، ولا يزدادون إلاَّ تعامياً عن الحق وطغياناً وضلالاً {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ} أي إن عجلنا وفاتك قبل الانتقام منهم، فإِنا سننتقم منهم بعد وفاتك {أَوْ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ} أي أو نرينَّك يا محمد العذاب الذي وعدناهم به في حياتك فإِنا قادرون عليهم فهم في قبضتنا لا يفوتوننا قال ابن عباس: قد أراه الله ذلك يوم بدر وقال ابن كثير: المعنى لا بدَّ أن ننتقم منهم ونعاقبهم في حياتك أو بعد وفاتك، ولم يقبض الله تعالى رسوله حتى أقرَّ عينه من أعدائه، وحكَّمه في نواصيهم {فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِيۤ أُوحِيَ إِلَيْكَ} أي فتمسكْ يا محمد بالقرآن الذي أوحيناه لك {إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي فإِنك على الحق الواضح والطريق المستقيم، الموصل إلى جنات النعيم {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} أي وإِن هذا القرآن لشرفٌ عظيم لك ولقومك من قريش، إذ أُنزل بلغتهم وعلى رجلٍ منهم وسوف تسألون عن شكر هذه النعمة قال في التسهيل: والذكرُ هنا بمعنى الشرف، وقومُ النبي صلى الله عليه وسلم هم قريشٌ وسائر العرب، فإِنهم نالوا بالإِسلام شرف الدنيا والآخرة، ويكفيك أن فتحوا مشارق الدنيا ومغاربها وصارت فيهم الخلافة والملك، وهذا القرآن شرفٌ لكل من تبعه، وهذه الآية نظير قوله تعالى {أية : لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}تفسير : [الأنبياء: 10] {وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ} هذا على سبيل الفرض، وفي الكلام محذوف أي إن كنت يا محمد شاكاً في أمر التوحيد فسلْ من سبقك من الرسل {أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ}؟ أي هل هناك أحدٌ من الرسل دعا لعبادة غير الله؟ والآية كقوله تعالى {أية : فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ}تفسير : [يونس: 94] قال أبو السعود: والمراد بالآية الاستشهاد بإِجماع الأنبياء على التوحيد، والتنبيه على أنه ليس ببدع ابتدعه حتى يُكذَّب ويُعادى وقال أبو حيان: ويظهر أن الخطاب للسامع، والسؤال هنا مجاز عن النظر في أديان الأنبياء، هل جاءت عبادة الأوثان في ملةٍ من مللهم؟ وهذا كما يساءل الشعراء الديار والأطلال، ومنه قولهم: سل الأرض من شقَّ أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك؟ فإِنها إن لم تجبك حواراً أجابتك اعتباراً، وهذا كله من باب المجاز.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ} معناه بَريءٌ وهما لُغتان.
الجيلاني
تفسير : {وَ} اذكر يا أكمل الرسل لمشركي مكة وقت {إِذْ قَالَ} جدك {إِبْرَاهِيمُ} الخليل صلوات الله عليه وسلامه {لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ} المغمورين في التقليدات الموروثة لهم من أسلافهم، بعدما انكشف بحقية الحق ووحدته، وبطلان الآلهة الباطلة التي أثبتوها شركاء الله ظلماً وزوراً {إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ} [الزخرف: 26] أي: أنا برئ من معبوداتكم التي أنتم تعبدونها من دون الله الواحد الأحد، المستحق للعبادة والإطاعة. {إِلاَّ ٱلَّذِي} أي: ما أعبد معبوداً سوى الذي {فَطَرَنِي} أي: أظهرني وأوجدني بمقتضى حوله وقوته، ووفور علمه وحكمته {فَإِنَّهُ} سبحانه بمقتضى سعة رحمته وتوفيقه {سَيَهْدِينِ} [الزخرف: 27] ويثيبني على جادة الهداية بأزيد مما هداني إيه من إجراء كلمة التوحيد على لساني. {وَجَعَلَهَا} سبحانه كلمة التوحيد {كَلِمَةً بَاقِيَةً} مستمرة {فِي عَقِبِهِ} أي: أولاد إبراهيم وذرياته إلى يوم القيامة موروثة لهم {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الزخرف: 28] إلى الله بكرامة هذه الكلمة، ويوحدونه حق توحيده؛ لذلك ما خلا زمان من الأزمنة من موحدي هذه الذرية، وممن يدعون منهم إلى الحق وطريق توحيده، وإن كان منهم أيضاً من يشرك بالله كمشركي قريش خذلهم اللهز كما قال سبحانه في شأنهم: {بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰؤُلاَءِ} المسرفين المعاندين معك يا أكمل الرسل {وَ} كذا متعت {آبَآءَهُمْ} كذلك بأنواع النعم وأصناف الكرم {حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ} أي: الطريق الموصل إكلى التوحيد الذاتي {وَرَسُولٌ} مرشد كامل {مُّبِينٌ} [الزخرف: 29] مظهر موضح لهم بطريق الهداية والرشاد. {وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ} الحقيق بالاتباع {قَالُواْ} من فرط تعنتهم وعنادهم: {هَـٰذَا} الذي جاء به هذا المدعي؛ يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم {سِحْرٌ} وشعر اختلقه من تلقاء نفسه، ونسبه إلى ربه افتراء وتغريراً {وَ} بالجملة: {إِنَّا بِهِ} وبدينه {كَافِرُونَ} [الزخرف: 30] منكرون جاحدون. {وَقَالُواْ} إن كان نزوله من عند الله حقيقة {عَلَىٰ رَجُلٍ} ذي ثروة وجاه لائق بمرتبة النبوة والرسالة {مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ} أي: من إحدى القريتين؛ أي: مكة الطائف {عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] عند الناس بكثرة الأموال والأولاد والأتباع؛ ليكون له اليد والإستيلاء على سائر الناس. إذ منصب النبوة منصب عظيم، يحتاج إلى ثروة ووجاهة ومكنة تامة ورئاسة ظاهرة، ولم يفهموا أن رتبة النبوة والولاية عبارةعن الغنى الذاتي المسقط لعموم الإضافات المنافية لصرافة الوحدة الذاتية، وهو لا يكون إلا بالتعري عن ملابس الأكوان ولوازم الإمكان، والتخلق بالأخلاق المرضية الإلهية. {أَهُمْ} من شدة شكيمتهم وغيظهم معك يا أكمل الرسل، ونهاية إنكارهم بكتابك: {لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ} بأخلاقهم السخيفة، وتدبيراتهم الركيكة {يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} يا أكمل الرسل، ويضعون رتبة النبوة والرسالة إلى من يقتضيه أوهامهم وخيالاتهم الباطلة ونفوسهم الخبيثة، بل {نَحْنُ} بوفور حكمتنا {قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ} التي يحتاجون إليها {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} ومع تدبيرنا إياهم مصالحَ معاشهم، لا يُحسنون تدبيرها فيما بينهم؛ ليصلح أمر ائتلافهم وتمدنهم فيها، فكيف يخوضون في مصالح العباد وتدبيراتها؟! ومن أين يتأتى لهم التفوة في الأوضاع الألوهية والتدابير الربوبية الناشئة عن كمال العلم والحكمة والإرادة الكاملة والقدرة الشاملة؟!. {وَ} من غاية قصورهم عن تدبيرات معاشهم {رَفَعْنَا} بمقتضى حكمتنا وتربيتنا إياهم {بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} بأن فضَّلنا بعضهم على بعضٍ في الرزق الصوري وغيره؛ ليكون لهم الكبرياء والاستيلاء على البعض الآخر {لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً} أي: يستعمل البعض الأغنياء أُجراء من البعض الفقراء، فيأمورهم بما قصدوا من الحوائج؛ ليتم أمر النظام والتمدن والتضام {وَ} بالجملة: {رَحْمَتُ رَبِّكَ} يا أكمل الرسل، وهي رتبة النبوة والرسالة {خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: 32] من حطام الدنيا ومزخرفاتها الفانية؛ لاشتمالها على ضبط الظاهر والبواطن المتعلقة بالنشأة الأولى والأخرى.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن طريق كل فريق منهم بقوله تعلى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ} [الزخرف: 26] يشير إلى إبراهيم القلب إذ قال لأبيه: وهو الروح، وقومه: وهم النفس وصفاتها وهواها {إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ} [الزخرف: 26] من الروحانيات والمعقولات والنفسانيات وشهوات الدنيا وزخارفها، {إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} [الزخرف: 27] به يشير إلى أن ليس لشيء من المخلوقات الهداية إلى الله إلا بالله كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا"تفسير : ، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : بعثني الله مبلغاً وليس لي من الهداية شيء"تفسير : ، فبهذا المعنى يتحقق لك أن كل من ادعى معرفة الله والوصول إليه بطريق العقل والرياضة والمجاهدة من غير متابعة الأنبياء، وإرشاد الله من الفلاسفة والبراهمة والرهابنة، فدعواه باطلة ومتمناه كاسدة. وفيه إشارة أخرى وهي: إن الله تعالى إذا أرشد عبداً من عباده هداه إلى صراط مستقيم معرفته، وإن لم يبلغه دعوة نبي، أو إرشاد ولي، أو نصح ناصح، ولا يتقيد بتقليد آياته وأهل بلده من أهل الضلالة والأهواء والبدع، ولا يؤثر فيهم شبههم ودلائلهم المعقولة المشوبة بالوهم والخيال ولا يخاف في الله لومة لائم، كما كان حال إبراهيم عليه السلام فإنه لم يبلغه دعوة نبي، ولا إرشاد ولي، ولا نصح ناصح، فلما آتاه الله رشده قال: {لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} [الزخرف: 26-27]، وفي زماننا هذا أهل الأهواء والبدع ممن لم يرشدهم الله، فإنهم متقيدون بتقليد آبائهم المبتدعة بحيث لا يؤثر فيهم آيات القرآن والأحاديث الصحيحة، والبراهين القاطعة مع دعوى الإسلام والإيمان، ويقولون كما قال الأولون من الكفار: {أية : إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} تفسير : [الزخرف: 23] ولعمري أن هذه المصيبة قد عمت بحيث لا يمكن تداركها إلا ما شاء الله، والمعصوم من عصمه الله من هذه الفتنة والبلاء وهم الذين قال تعالى فيهم: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً} [الزخرف: 28] وهي لا إله إلا الله {فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الزخرف: 28] إلى الله على قدمي اعتقاد أهل السنة والجماعة والأعمال الصالحة على قانون المتابعة بنور هذه الكلمة الباقية، ثم قال في حق أهل الأهواء والبدع والضلالة: {بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰؤُلاَءِ وَآبَآءَهُمْ} [الزخرف: 29] من الدنيا وشهواتها فأسكرهم حب الدنيا وأصمهم وأعمى أبصارهم {حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ} [الزخرف: 29] من دلائل القرآن، {وَرَسُولٌ مُّبِينٌ} [الزخرف: 29] قد بيَّن الحق والباطل بالأحاديث الصحيحة، {وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ} [الزخرف: 30] من أرباب الدين وأهل الحق {قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ} [الزخرف: 30]؛ أي: ينظرون إلى الحق وأهله كمن ينظر إلى السحر وساحره، ويقولون بلسان الحال: {وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ} [الزخرف: 30]. {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ} [الزخرف: 31]؛ أي: حكم القرآن وأسراره وحقائقه التي ينطق بها فقير لا يؤثر به {عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31]؛ أي: من علماء البلاد وأفاضلهم، {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} [الزخرف: 32]؛ أي: الولاية، {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ} [الزخرف: 32] ولايتهم، {مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} [الزخرف: 32] وذلك في قسمة المحبة الأزلية من المحبين بإشارة يحبهم ويحبونه، {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً} [الزخرف: 32] كاتخاذ المشايخ المحققين المريدين الصادقين سخرياً بالتربية، {وَرَحْمَتُ رَبِّكَ} [الزخرف: 32] من الولاية، {خَيْرٌ} [الزخرف: 32] لأهلها {مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: 32] أهل الدنيا.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن ملة إبراهيم الخليل عليه السلام، الذي ينتسب إليه أهل الكتاب والمشركون، وكلهم يزعم أنه على طريقته، فأخبر عن دينه الذي ورثه في ذريته فقال: { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ } الذين اتخذوا من دون اللّه آلهة يعبدونهم ويتقربون إليهم: { إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ } أي: مبغض له، مجتنب معاد لأهله، { إِلا الَّذِي فَطَرَنِي } فإني أتولاه، وأرجو أن يهديني للعلم بالحق والعمل به، فكما فطرني ودبرني بما يصلح بدني ودنياي، فـ { سَيَهْدِينِ } لما يصلح ديني وآخرتي. { وَجَعَلَهَا } أي: هذه الخصلة الحميدة، التي هي أم الخصال وأساسها، وهي إخلاص العبادة للّه وحده، والتبرِّي من عبادة ما سواه. { كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ } أي: ذريته { لَعَلَّهُمْ } إليها { يَرْجِعُونَ } لشهرتها عنه، وتوصيته لذريته، وتوصية بعض بنيه -كإسحاق ويعقوب- لبعض، كما قال تعالى: {أية : وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ } تفسير : إلى آخر الآيات. فلم تزل هذه الكلمة موجودة في ذريته عليه السلام حتى دخلهم الترف والطغيان. فقال تعالى: { بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ } بأنواع الشهوات، حتى صارت هي غايتهم ونهاية مقصودهم، فلم تزل يتربى حبها في قلوبهم، حتى صارت صفات راسخة، وعقائد متأصلة. { حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ } الذي لا شك فيه ولا مرية ولا اشتباه. { وَرَسُولٌ مُبِينٌ } أي: بين الرسالة، قامت أدلة رسالته قياما باهرا، بأخلاقه ومعجزاته، وبما جاء به، وبما صدق به المرسلين، وبنفس دعوته صلى اللّه عليه وسلم. { وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ } الذي يوجب على من له أدنى دين ومعقول أن يقبله وينقاد له. { قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ } وهذا من أعظم المعاندة والمشاقة، فإنهم لم يكتفوا بمجرد الإعراض عنه، بل ولا جحده، فلم يرضوا حتى قدحوا به قدحا شنيعا، وجعلوه بمنزلة السحر الباطل، الذي لا يأتي به إلا أخبث الخلق وأعظمهم افتراء، والذي حملهم على ذلك، طغيانهم بما متعهم اللّه به وآباءهم. { وَقَالُوا } مقترحين على اللّه بعقولهم الفاسدة: { لَوْلا نزلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } أي: معظم عندهم، مبجل من أهل مكة، أو أهل الطائف، كالوليد بن المغيرة ونحوه، ممن هو عندهم عظيم. قال اللّه ردا لاقتراحهم: { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ } أي: أهم الخزان لرحمة اللّه، وبيدهم تدبيرها، فيعطون النبوة والرسالة من يشاءون، ويمنعونها ممن يشاءون؟ { نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ } أي: في الحياة الدنيا، والحال أن رَحْمَةَ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ من الدنيا. فإذا كانت معايش العباد وأرزاقهم الدنيوية بيد اللّه تعالى، وهو الذي يقسمها بين عباده، فيبسط الرزق على من يشاء، ويضيقه على من يشاء، بحسب حكمته، فرحمته الدينية، التي أعلاها النبوة والرسالة، أولى وأحرى أن تكون بيد اللّه تعالى، فاللّه أعلم حيث يجعل رسالته. فعلم أن اقتراحهم ساقط لاغ، وأن التدبير للأمور كلها، دينيها ودنيويها، بيد اللّه وحده. هذا إقناع لهم، من جهة غلطهم في الاقتراح، الذي ليس في أيديهم منه شيء، إن هو إلا ظلم منهم ورد للحق. وقولهم: { لَوْلا نزلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } لو عرفوا حقائق الرجال، والصفات التي بها يعرف علو قدر الرجل، وعظم منزلته عند اللّه وعند خلقه، لعلموا أن محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب صلى اللّه عليه وسلم، هو أعظم الرجال قدرا، وأعلاهم فخرا، وأكملهم عقلا وأغزرهم علما، وأجلهم رأيا وعزما وحزما، وأكملهم خلقا، وأوسعهم رحمة، وأشدهم شفقة، وأهداهم وأتقاهم. وهو قطب دائرة الكمال، وإليه المنتهى في أوصاف الرجال، ألا وهو رجل العالم على الإطلاق، يعرف ذلك أولياؤه وأعداؤه، فكيف يفضل عليه المشركون من لم يشم مثقال ذرة من كماله؟!، ومن جرمه ومنتهى حمقه أن جعل إلهه الذي يعبده ويدعوه ويتقرب إليه صنما، أو شجرا، أو حجرا، لا يضر ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع، وهو كل على مولاه، يحتاج لمن يقوم بمصالحه، فهل هذا إلا من فعل السفهاء والمجانين؟ فكيف يجعل مثل هذا عظيما؟ أم كيف يفضل على خاتم الرسل وسيد ولد آدم صلى اللّه عليه وسلم؟ ولكن الذين كفروا لا يعقلون. وفي هذه الآية تنبيه على حكمة اللّه تعالى في تفضيل اللّه بعض العباد على بعض في الدنيا { لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا } أي: ليسخر بعضهم بعضا، في الأعمال والحرف والصنائع. فلو تساوى الناس في الغنى، ولم يحتج بعضهم إلى بعض، لتعطلت كثير من مصالحهم ومنافعهم. وفيها دليل على أن نعمته الدينية خير من النعمة الدنيوية كما قال تعالى في الآية الأخرى: {أية : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ }.
همام الصنعاني
تفسير : 2560- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {[إني] بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ}: [الآية: 26]، قال: إني أبرأ مما تَعْبُدُون، إلاَّ الذي خلقني.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):