٤٣ - ٱلْزُّخْرُف
43 - Az-Zukhruf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
28
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً} الضمير في «جَعَلَهَا» عائد على قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي}. وضمير الفاعل في «جَعَلَهَا» للّه عز وجل؛ أي وجعل الله هذه الكلمة والمقالة باقية في عقبه، وهم ولده وولد ولده؛ أي إنهم توارثوا البراءة عن عبادة غير الله، وأوصى بعضهم بعضاً في ذلك. والعقب من يأتي بعده. وقال السدي: هم آل محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عباس: قوله: «فِي عَقِبِهِ» أي في خلفه. وفي الكلام تقديم وتأخير؛ المعنى فإنه سيهدين لعلهم يرجعون وجعلها كلمة باقية في عقبه. أي قال لهم ذلك لعلهم يتوبون عن عبادة غير الله. قال مجاهد وقتادة: الكلمة لا إلٰه إلا الله. قال قتادة: لا يزال من عقبه من يعبد الله إلى يوم القيامة. وقال الضحاك: الكلمة أن لا تعبدوا إلا الله. عكرمة: الإسلام؛ لقوله تعالى: {أية : هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ}تفسير : [الحج: 78]. القرظي: وجعل وصية إبراهيم التي وصّى بها بنيه وهو قوله: {أية : يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ}تفسير : [البقرة: 123] ـ الآية المذكورة في البقرة ـ كلمَةً باقية في ذريته وبنيه. وقال ابن زيد: الكلمة قوله: {أية : أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [البقرة: 131] وقرأ {هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ}. وقيل: الكلمة النبوّة. قال ابن العربي: ولم تزل النبوّة باقية في ذرية إبراهيم. والتوحيد هم أصله وغيرهم فيه تبع لهم. الثانية ـ قال ابن العربي: إنما كانت لإبراهيم في الأعقاب موصولة بالأحقاب بدعوتيه المجابتين؛ إحداهما في قوله: {أية : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [البقرة: 124] فقد قال نعم إلا من ظلم منهم فلا عهد. ثانيهما قوله: {أية : وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ}تفسير : [إبراهيم: 35]. وقيل: بل الأولى قوله: {أية : وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ }تفسير : [الشعراء: 84] فكل أمة تعظمه، بنوه وغيرهم ممن يجتمع معه في سام أو نوح. الثالثة ـ قال ٱبن العربي: جرى ذكر العقب هاهنا موصولاً في المعنى، وذلك مما يدخل في الأحكام وترتب عليه عقود العُمْرَى والتحبيس. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِر عُمْرَى له ولعقِبه فإنها للذي أعطِيها لا ترجع إلى الذي أعطاها لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث»تفسير : . وهي تَرِد على أحد عشر لفظاً: اللفظ الأوّل ـ الولد، وهو عند الإطلاق عبارة عمن وُجد من الرجل وٱمرأته في الإناث والذكور. وعن ولد الذكور دون الإناث لغة وشرعاً؛ ولذلك وقع الميراث على الولد المعيّن وأولاد الذكور من المعيّن دون ولد الإناث لأنه من قوم آخرين، ولذلك لم يدخلوا في الحبس بهذا اللفظ؛ قاله مالك في المجموعة وغيرها. قلت: هذا مذهب مالك وجميع أصحابه المتقدّمين، ومن حجتهم على ذلك الإجماع على أن ولد البنات لا ميراث لهم مع قوله تعالى: {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ} تفسير : [النساء: 11]. وقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن ولد البنات من الأولاد والأعقاب يدخلون في الأحباس؛ يقول المحبس: حبست على ولدي أو على عَقِبي. وهذا ٱختيار أبي عمر بن عبد البر وغيره؛ وٱحتجوا بقول الله جل وعز: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} تفسير : [النساء: 23]. قالوا: فلما حَرَّم الله البنات فحرمت بذلك بنت البنت بإجماع علم أنها بنت ووجب أن تدخل في حبس أبيها إذا حبس على ولده أو عقبه. وقد مضى هذا المعنى في «الأنعام» مستوفى. اللفظ الثاني ـ البنون؛ فإن قال: هذا حبس على ابني؛ فلا يتعدّى الولد المعين ولا يتعدّد. ولو قال ولدي، لتعدّى وتعدّد في كل من ولد. وإن قال على بنيّ، دخل فيه الذكور والإناث. قال مالك: من تصدّق على بنيه وبني بنيه فإن بناته وبنات بناته يدخلن في ذلك. روى عيسى عن ابن القاسم فيمن حبس على بناته فإن بنات بنته يدخلن في ذلك مع بنات صلبه. والذي عليه جماعة أصحابه أن ولد البنات لا يدخلون في البنين. فإن قيل: فقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم في الحسن ٱبن ٱبنته: «حديث : إن ابني هذا سيّدٌ ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»تفسير : . قلنا: هذا مجاز، وإنما أشار به إلى تشريفه وتقديمه؛ ألا ترى أنه يجوز نفيه عنه فيقول الرجل في ولد بنته ليس بٱبني؛ ولو كان حقيقة ما جاز نفيه عنه؛ لأن الحقائق لا تنفى عن منتسباتها. ألا ترى أنه ينتسب إلى أبيه دون أمه؛ ولذلك قيل في عبد الله بن عباس: إنه هاشمي وليس بهلالي وإن كانت أمه هلالية. قلت: هذا الاستدلال غير صحيح، بل هو ولد على الحقيقة في اللغة لوجود معنى الولادة فيه، ولأن أهل العلم قد أجمعوا على تحريم بنت البنت من قول الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ}. وقال تعالى: {أية : وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ ـ إلى قوله ـ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ}تفسير : [الأنعام: 84 - 85] فجعل عيسى من ذريته وهو ابن بنته على ما تقدّم بيانه هناك. فإن قيل فقد قال الشاعر:شعر : بنونا بنو أبنائنا، وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد تفسير : قيل لهم: هذا لا دليل فيه؛ لأن معنى قوله: إنما هو ولد بنيه الذكران هم الذين لهم حكم بنيه في الموارثة والنسب، وإن ولد بناته ليس لهم حكم بناته في ذلك؛ إذ ينتسبون إلى غيره فأخبر بافتراقهم بالحكم مع اجتماعهم في التسمية ولم ينف عن ولد البنات ٱسم الولد لأنه ٱبن؛ وقد يقول الرجل في ولده ليس هو بٱبني إذ لا يطيعني ولا يرى لي حقاً، ولا يريد بذلك نفي ٱسم الولد عنه، وإنما يريد أن ينفي عنه حكمه. ومن استدل بهذا البيت على أن ولد البنت لا يسمى ولداً فقد أفسد معناه وأبطل فائدته، وتأول على قائله ما لا يصح؛ إذ لا يمكن أن يسمى ولد الابن في اللسان العربي ٱبناً، ولا يسمى ولد الاْبنة ٱبناً؛ من أجل أن معنى الولادة التي ٱشتق منها اسم الولد فيه أبين وأقوى لأن ولد الاْبنة هو ولدها بحقيقة الولادة، وولد الإبن إنما هو ولده بماله مما كان سبباً للولادة. ولم يخرج مالك رحمه الله أولاد البنات من حبس على ولده من أجل أن اسم الولد غير واقع عليه عنده في اللسان، وإنما أخرجهم منه قياساً على الموارثة. وقد مضى هذا في «الأنعام» والحمد لله. اللفظ الثالث ـ الذرية؛ وهي مأخوذة من ذرأ الله الخلق؛ فيدخل فيه ولد البنات لقوله: {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ ـ إلى أن قال ـ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ}. وإنما كان من ذريته من قبل أمه. وقد مضى في «البقرة» ٱشتقاق الذرية وفي «الأنعام» الكلام على «وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ» الآية؛ فلا معنى للإعادة. اللفظ الرابع ـ العقب؛ وهو في اللغة عبارة عن شيء بعد شيء كان من جنسه أو من غير جنسه؛ يقال: أعقب الله بخير؛ أي جاء بعد الشدّة بالرخاء. وأعقب الشيبُ السواد. وعَقَب يَعْقُب عقوباً وعَقْباً إذا جاء شيئاً بعد شيء؛ ولهذا قيل لولد الرجل: عَقِبه. والمِعْقَاب من النساء: التي تلد ذكراً بعد أنثى، هكذا أبداً. وعقب الرجل: ولده وولد ولده الباقون بعده. والعاقبة الولد؛ قال يعقوب: في القرآن {أية : وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ}تفسير : [الزخرف: 28] وقيل: بل الورثة كلهم عَقْب. والعاقبة الولد؛ ولذلك فسّره مجاهد هنا. وقال ابن زيد: هاهنا هم الذرية. وقال ابن شهاب: هم الولد وولد الولد. وقيل غيره على ما تقدّم عن السُّدي. وفي الصحاح والعقب (بكسر القاف) مؤخر القدم وهي مؤنثة. وعقب الرجل أيضاً ولده وولد ولده. وفيه لغتان: عَقِب وعَقْب (بالتسكين) وهي أيضاً مؤنثة، عن الأخفش. وعَقَب فلان مكان أبيه عاقبة أي خلفه؛ وهو اسم جاء بمعنى المصدر كقوله تعالى: {أية : لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ }تفسير : [الواقعة: 2]. ولا فرق عند أحد من العلماء بين لفظ العقب والولد في المعنى. واختلف في الذرّية والنسل فقيل إنهما بمنزلة الولد والعقب؛ لا يدخل ولد البنات فيهما على مذهب مالك. وقيل: إنهم يدخلون فيهما. وقد مضى الكلام في الذرية هنا وفي «الأنعام». اللفظ الخامس ـ نسلي؛ وهو عند علمائنا كقوله: ولدي وولد ولدي؛ فإنه يدخل فيه ولد البنات. ويجب أن يدخلوا؛ لأن نَسَل بمعنى خرج، وولد البنات قد خرجوا منه بوجهٍ، ولم يقترن به ما يخصه كما ٱقترن بقوله عَقْبى ما تناسلوا. وقال بعض علمائنا: إن النسل بمنزلة الولد والعقب لا يدخل فيه ولد البنات؛ إلا أن يقول المحبس نسلي ونسل نسلي، كما إذا قال: عقبي وعقب عقبي، وأما إذا قال ولدي أو عقبي مفرداً فلا يدخل فيه البنات. اللفظ السادس ـ الآل؛ وهم الأهل؛ وهو اللفظ السابع. قال ابن القاسم: هما سواء، وهم العَصَبة والإخوة والبنات والعمات؛ ولا يدخل فيه الخالات. وأصل أهل الاجتماعُ، يقال: مكانٌ آهل إذا كان فيه جماعة، وذلك بالعصبة ومن دخل في القُعْدَد من النساء، والعصبة مشتقة منه وهي أخص به. وفي حديث الإفك: يا رسول الله، أَهْلُك ولا نعلم إلا خيراً؛ يعني عائشة. ولكن لا تدخل فيه الزوجة بإجماع وإن كانت أصل التأهل؛ لأن ثبوتها ليس بيقين إذ قد يتبدل ربطها وينحل بالطلاق. وقد قال مالك: آل محمد كلُّ تقي؛ وليس من هذا الباب. وإنما أراد أن الإيمان أخص من القرابة فٱشتملت عليه الدعوة وقصد بالرحمة. وقد قال أبو إسحاق التونسي: يدخل في الأهل كل من كان من جهة الأبوين، فوفّى الاشتقاق حقه وغفل عن العرف ومطلق الاستعمال. وهذه المعاني إنما تبنى على الحقيقة أو على العرف المستعمل عند الإطلاق، فهذان لفظان. اللفظ الثامن ـ قرابة، فيه أربعة أقوال: الأوّل ـ قال مالك في كتاب محمد بن عبدوس: إنهم الأقرب فالأقرب بالاجتهاد؛ ولا يدخل فيه ولد البنات ولا ولد الخالات. الثاني ـ يدخل فيه أقاربه من قبل أبيه وأمه؛ قاله علي بن زياد. الثالث ـ قال أشهب: يدخل فيه كل رحم من الرجال والنساء. الرابع ـ قال ابن كنانة: دخل فيه الأعمام والعمات والأخوال والخالات وبنات الأخت. وقد قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى: {أية : قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ}تفسير : [الشورى: 23] قال: إلا أن تصِلوا قرابة ما بيني وبينكم. وقال: لم يكن بطن من قريش إلا كان بينه وبين النبيّ صلى الله عليه وسلم قرابة؛ فهذا يضبطه والله أعلم. اللفظ التاسع ـ العشيرة؛ ويضبطه الحديث الصحيح: إن الله تعالى لما أنزل: {أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ }تفسير : [الشعراء: 214] دعا النبي صلى الله عليه وسلم بطون قريش وسماهم ـ كما تقدّم ذكره ـ وهم العشيرة الأقربون؛ وسواهم عشيرة في الإطلاق. واللفظ يحمل على الأخص الأقرب بالاجتهاد، كما تقدم من قول علمائنا. اللفظ العاشر ـ القوم؛ يحمل ذلك على الرجال خاصة من العصبة دون النساء. والقوم يشمل الرجال والنساء؛ وإن كان الشاعر قد قال:شعر : وما أدري وسوف إخال أدري أقوم آلِ حِصْن أم نساء تفسير : ولكنه أراد أن الرجل إذا دعا قومه للنصرة عنى الرجال، وإذا دعاهم للحُرْمة دخل فيهم الرجال والنساء؛ فتعمّمه الصفة وتخصصه القرينة. اللفظ الحادي عشر ـ الموالي؛ قال مالك: يدخل فيه موالي أبيه وابنه مع مواليه. وقال ابن وهب: يدخل فيه أولاد مواليه. قال ابن العربي: والذي يتحصل منه أنه يدخل فيه من يرثه بالولاء؛ قال: وهذه فصول الكلام وأصوله المرتبطة بظاهر القرآن والسنة المبينة له؛ والتفريع والتتميم في كتاب المسائل، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَجَعَلَهَا } أي كلمة التوحيد المفهومة من قوله { أية : إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ } تفسير : [99:37] {كَلِمَةً بَٰقِيَةً فِى عَقِبِهِ } ذرّيته فلا يزال فيهم من يوحِّد الله {لَعَلَّهُمْ } أي أهل مكة {يَرْجِعُونَ } عما هم عليه إلى دين إبراهيم أبيهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {كَلِمَةً بَاقِيَةً} لا إله إلا الله لم يزل في ذريته من يقولها أو أن لا يعبدوا إلا الله، أو الإسلام {عَقِبِهِ} نسله "ع"، أو آل محمد صلى الله عليه وسلم، أو من خلَفه {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} إلى الحق، أو إلى دينك دين إبراهيم، أو يتوبون "ع"، أو يذَّكرون.
ابو السعود
تفسير : {وَجَعَلَهَا} أي جعلَ إبراهيمُ كلمةَ التوحيدِ التي ما تكلمَ به عبارةٌ عنْهَا {كَلِمَةً بَـٰقِيَةً فِى عَقِبِهِ} أي في ذريتِه حيثُ وصَّاهُم بها كما نطقَ به قولُه تعالى: { أية : وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرٰهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} تفسير : [سورة البقرة، الآية 132] الآيةَ فلا يزالُ فيهم مَن يوحدُ الله تعالى ويدعُو إلى توحيدِه. وقُرِىءَ كِلْمةً وفي عقْبهِ على التخفيفِ {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} علةٌ للجعلِ أي جعلَها باقةً في عقبهِ رجاءَ أنْ يرجعَ إليها من أشركَ منهم بدعاءِ الموحدِ {بَلْ مَتَّعْتُ هَـؤُلاَء} إضرابٌ عن محذوفٍ ينساقُ إليهِ الكلامُ كأنَّه قيلَ: جعلَها كلمةً باقيةً في عقبهِ بأنْ وصَّى بها بنيهِ رجاءَ أنْ يرجعَ إليها مَنْ أشركَ منهم بدعاءِ الموحدِ فلم يحصلُ ما رجاهُ بل متعتُ منهم هؤلاءِ المعاصرينَ للرسولِ صلى الله عليه وسلم من أهلِ مكةَ {وَءابَاءهُمْ} بالمدِّ في العمرِ والنعمةِ فاغترُّوا بالمهلةِ وانهمكُوا في الشهواتِ وشُغلوا بها عنْ كلمةِ التوحيدِ. {حَتَّىٰ جَاءهُمُ} أي هؤلاءِ {ٱلْحَقّ} أي القرآنُ {وَرَسُولٌ} أيُّ رسولٍ {مُّبِينٌ} ظاهرُ الرسالةِ واضحُها بالمعجزاتِ الباهرةِ، أو مبـينٌ للتوحيدِ بالآياتِ البـيناتِ والحججِ. وقُرِىءَ متَّعنَا ومتَّعتَ بالخطابِ على إنَّه تعالى اعترضَ به على ذاتِه في قولِه تعالى: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَـٰقِيَةً} [سورة الزخرف، الآية 28] الخ مبالغةً في تعيـيرِهم، فإنَّ التمتعَ بزيادةِ النعمِ يوجبُ عليهم أنْ يجعلُوه سبباً لزيادةِ الشكرِ والثباتِ على التوحيدِ والإيمانِ فجعلَه سبباً لزيادةِ الكُفرانِ أقصى مراتبِ الكفرِ والضلالِ. {وَلَمَّا جَاءهُمُ ٱلْحَقُّ} لينبههَمُ عمَّا هم فيهِ من الغفلةِ ويرشدَهُم إلى التوحيدِ ازدادُوا كفراً وعَتَوا وضمُّوا إلى كفرِهم السابقِ معاندةَ الحقِّ والاستهانةَ بهِ حيثُ {قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَـٰفِرُونَ} فسمَّوا القرآنَ سِحْراً، وكفُروا بهِ واستحقرُوا الرسولَ صلى الله عليه وسلم. {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ} أي من إِحْدَى القريتينِ مكةَ والطائفِ على نهجِ قولِه تعالى: { أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} تفسير : [سورة الرحمن، الآية 22] {عظِيمٌ} أي بالجاهِ والمالِ كالوليدِ بنِ المغيرةَ المخزوميِّ وعروةَ بنِ مسعودٍ الثقفيِّ وقيلَ: حبـيبُ بنُ عُمرَ بنِ عميرٍ الثقفيَّ. وعن مجاهدٍ وعتبةُ بنُ ربـيعةَ وكنانةُ بنُ عبدِ ياليلَ ولم يتفوهُوا بهدهِ العظيمةِ حَسَداً على نزولِه إلى الرسولِ صلى الله عليه وسلم دونَ مَنْ ذُكر من عظمائِهم مع اعترافِهم بقرآنيتِه بل استدلالاً على عدمِها بمَعْنى أنَّه لو كانَ قرآنا لنزلَ إلى أحدِ هؤلاءِ بناءً على ما زعمُوا من أنَّ الرسالةَ منصبٌ جليلٌ لا يليقُ بهِ إلا مَنْ له جلالةٌ من حيثُ المالُ والجاهُ ولم يدرُوا أنَّها رتبةٌ روحانيةٌ لا يترقَّى إليَها إلا هممُ الخواصِّ المختصينَ بالنفوسِ الزكيةِ المؤيدينَ بالقوةِ القدسية المتجلينَ بالفضائلِ الأنسيةِ، وأما المتزخرفونَ بالزخارفِ الدنيويةِ المتمتعونَ بالحظوظِ فهُم من استحقاقِ تلكَ الرتبةِ بألفِ منزلٍ.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} [الآية: 28]. قال سهل: التوحيد فى ذريته إلى يوم القيامة.
البقلي
تفسير : لما كان الخليل عليه الصلاة والسّلام موقع نظر جماله وجلاله وكشف وصاله وتجرد من غيره فى خلته ومحبته وخدمته وافرده بتوحيده من غيره جعل الله توحيد كلمته العليا الشجرة الثابتة اصلها فى ارض قلبه وقوعها الى سماء الابد وثمرها الرسل والانبياء والاولياء واشهى ثمرها محمد صلى الله عليه وسلم وبقى ذلك التوحيد فى قلوب امته الى يوم ورودهم على موارد المشاهدة الكبرى قال سهل هو التوحيد فى ذريته الى يوم القيامة.
اسماعيل حقي
تفسير : {وجعلها} اى جعل ابراهيم كلمة التوحيد التى كان ما تكلم به من قوله اننى الى سيهدين عبارة عنها يعنى ان البرآءة من كل معبود سوى الله توحيد للمعبود بالحق وقول بلا اله الا الله {كلمة باقية فى عقبه} اى فى ذريته حيث وصاهم بها كما نطق به قوله تعالى {أية : ووصى بها ابراهيم بنيه ويعقوب} تفسير : الآية فالقول المذكور بعد الخروج من النار وهذا الجعل بعد حصول الاولاد الكبار فلا يزال فيهم نسلا بعد نسل من يوحد الله ويدعو الى توحيده وتفريده الى قيام الساعة قال الراغب العقب مؤخر الرجل واستعير للولد وولد الولد انتهى فعقب الرجل ولده الذكور والاناث واولادهم وما قيل من ان عقب الرجل اولاده لذكور كما وقع فى اجناس اللطفى او اولاده البنات كما نقل عن بعض الفقهاء فكلا القولين ضعيف جدا مخالف للغة لا يوثق به {لعلهم يرجعون} علة للجعل والضمير للعقب واسناد الرجوع اليهم من وصف الكل بحال الاكثر والترجى راجع الى ابراهيم عليه السلام اى جعلها باقية فى عقبه وخلفه رجاء ان يرجع اليها من اشرك منهم بدعاء الموحد قال بعضهم فى سبب تكريم وجه على بن ابى طالب بان يقال كرم الله وجه انه نقل عن والدته فاطمة بنت اسد بن هاشم انها كانت اذا ارادت ان تسجد للصنم وهو فى بطنها يمنعها من ذلك ونظر فيه البعض بان قال عبادة قريش صنما وان كانت مشهورة عند الناس لكن الصواب خلافه لقول ابراهيم عليه السلام واجنبنى وبنى ان نعبد الاصنام وقول الله فى حقه وجعلها كلمة باقية فى عقبه وجوابه فى سورة ابراهيم فارجع وفى الآية اشارة الى ان كل من ادعى معرفة الله والوصول اليه بطريق العقل والرياضة والمجاهدة من غير متابعة الانبياء وارشاد الله من الفلاسفة والبراهمة والرهابنة فدعواه فاسد ومتمناه كاسد (قال الشيخ سعدى) درين بحر جز مرد راعى نرفت. كم آن شدكه دمبال داعى نرفت. كسانى كزين راه بركشته اند. برفتند وبسيار سركشته اند. خلاف بيمبر كسى ره كزيد. كه هركز بمنزل نخواهد رسيد. واشارة اخرى ان بعد اهل العناية يهتدون الى معرفة الله بارشاد الله وان لم يبلغه دعوة نبى او ارشاد ولى او نصح ناصح ولا يتقيد بتقليد آبائه واهل بلده من اهل الضلالة والاهوآء والبدع ولا تؤثر فيه شبههم ودلائلهم المعقولة المشوبة بالوهم والخيال ولا يخاف فى الله لومة لائم كما كان حال ابراهيم عليه السلام كذلك فان الله تعالى ارشده من غير ان يبلغه دعوة نبى او ارشاد ولى او نصح ناصح فلما آتاه الله رشده دعا قومه الى التوحيد ووصى به بنيه لعلهم يرجعون عن الشرك وفيه اشارة الى ان الرجوع الى الله على قدمى اعتقاد اهل السنة والجماعة والاعمال الصالحة على قانون المتابعة بنور هذه الكلمة الباقية
الجنابذي
تفسير : {وَجَعَلَهَا} اى كلمة التّبرّى عن تقليد من لا يجوز تقليده او جعل كلمة التّوحيد {كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} اى ذرّيّته او امّته او من يأتى فى عقبه من ذرّيّته وذرّيّة امّته {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} من جهلهم الّذى كانوا مفطورين عليه وهؤلاء ممّن أتوا على عقبه فليأخذوا بتلك الكلمة وليرجعوا من جهلهم وتقليدهم لمن لا يجوز تقليده، وقد فسّر تلك الكلمة الباقية فى اخبارنا بالامامة وانّها باقية فى عقب الحسين (ع)، وفسّر قوله تعالى لعلّهم يرجعون برجوع الائمّة الى الدّنيا.
فرات الكوفي
تفسير : قال: حدثنا الحسن بن العباس قال: حدثنا الحسين (الحسن) - يعني ابن الحسين - قال: حدثنا عبد الله بن الحسين بن جمال الطائي: عن أبي خالد قال: كنا عند زيد بن علي [عليهما السلام. ر] فجاءه أبو الخطاب [ر: الخطابي] - قال عبد الله: هو الخطاب -! يكلمه فقال له زيد: اتق الله فإني قدمت عليكم وشيعتكم يتهافتون في المباهاة [فإن. ر] رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جدنا والمؤمن المهاجر معه أبونا، وزوجته خديجة بنت خويلد جدتنا، وبنته فاطمة الزهراء أمنا، فمَنْ أهله إلاّ مَنْ نزل بمثل الذي نزلنا، فالله بيننا وبين من غلا فينا ووضعنا على غير حدنا وقال فينا مالا نقول في أنفسنا، المعصومون منا خمسة: رسول الله وعلي والحسن والحسين وفاطمة عليهم الصلاة والسلام، وأما سائرنا أهل البيت فيذنب كما يذنب الناس ويحسن كما يحسن الناس، للمحسن منا ضعفي الأجر وللمسيء [أ: للمسيئين] منا ضعفين من العذاب لأن الله تعالى قال: {أية : يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين} تفسير : [30/ الأحزاب]، أفترون أن رجالنا ليس مثل نساءنا إلا أنا أهل البيت ليس يخلو أن يكون فينا مامور على الكتاب والسنة لأن الله تعالى قال: {وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون} فإذا ضل الناس لم يكن الهادى [ر: المهدي] إلا منا، علمنا علماً جهله من هو دوننا، ما نعناه في علمنا ولم يضرنا ما فارقنا فيه غيرنا مما لم يبلغه علمنا، كانت الجماعة أحب إلي [علي. ب، ر] من الفرقة ثم الجماعة [من. أ] بعد الفرقة على السيف إلا أن أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم جالت جولة.
اطفيش
تفسير : {وَجَعَلَهَا} أي جعل ابراهيم كلمة التوحيد أو جعلها الله* {كَلِمَةً بَاقِيَةً} أي كلاماً باقياً واطلاق الكلمة على الكلام حقيقة لغة وقيل مجاز من اطلاق اسم البعض على الكل* {فِي عَقبِهِ} أي فى ذريته أو بعده فيكون أبداً في ذريته أو بعده من يوحد ويدعو اليه الى آخر الدنيا وانما عاد الضمير المنصوب الى كلمة التوحيد للدلالة عليها بقوله (انني) الخ وعبارة بعضهم ان قوله {أية : انني براء} تفسير : الخ استدعاء وترغيب في طاعة الله ولعل مراده استدعاء وترغيب لقريش وغيرهم بحكايته والأمر بالذكر له وان الضمير في (جعلها) قالت فرقة لكلمة التوحيد فى قوله {أية : انني براء} تفسير : الخ وان مجاهداً وغيره قالوا انه لكلمة لا اله الا الله لان اللفظ يتضمنها والعقب الذرية وولد الولد ما امتد وفروعهم* وقرئ (كلمة) بفتح الكاف واسكان اللام (وعقبه) بفتح العين واسكان القاف لغة فيهما وفيما وازنهما للتخفيف وقرئ في عقابه بالالف أي فيمن عقبه* {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} لعل من أشرك منهم يرجع الى التوحيد بدعاء من وحد اليه والترجي بالنظر الى الخلق والقول بأن العقب في الآية الدين ضعيف وقيل الضمير إن في {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} لأهل مكة لعلهم يرجعون عما هم عليه الى دين ابراهيم
اطفيش
تفسير : {وجَعَلها} أى جعل الله، أو ابراهيم كملة "أية : إنني براء مما تعبدون * إلاَّ الذي فطرني" تفسير : [الزخرف: 26 - 27] كيف يترك هذا ويرد الضمير الى غير مذكور، وهو كلمة لا إله إلا الله، هو كلمة إنى براء الخ، وهى نفس لا إله إلا الله، ولعل من رد الضمير الى غير مذكور أراد تفسير المعنى لا التفسير الصناعى، ورد ضمير جعل الى الله أولى، كما ناسبه الجعل فى العقب باقية، لأن الجعل حقيقة الله، وأيضا لعلهم يرجعون أنسب له تعالى، ولو كان ابراهيم سببا لذلك الجعل، وجاز اطلاق الجعل عليه مجازا عنه، والحقيقة أولى، ولا تترك بلا داع، ولو قال: سنها لكان الضمير لإبراهيم أولى (كلمة) ولا يتكرر مع كلمة المعبر عنها بالضمير، لأن هذه مقيدة بقوله: {باقيةً في عَقِبه} ذريته، لا يزال فيهم من يوحد ولو فى الفترة، ولو فى آخر الزمان، حتى تقرب الساعة جدا، وليس المراد أن عقبه كلهم موحدون {لَعَلَّهُم يَرجعون} لعل مشركيهم يرجعون، على حذف مضاف، أو من اسناد ما للكل للبعض، وعلى كل حال المراد لعل مشركيهم يرجعون الى التوحيد ببقاء أهله فيهم، أو بدعائهم اليه، الضمير للعقب، لأنه بمعنى الذرية، ولعل للتعليل، لأن الله لا يوصف بالرجاء، بل ابراهيم يوصف به، لكن قد علمت أن رد المستتر فى جعل لابراهيم مرجوح.
الالوسي
تفسير : {وَجَعَلَهَا} الضمير المرفوع المستتر لإبراهيم عليه السلام أو لله عز وجل والضمير المنصوب لكلمة التوحيد أعني لا إله / إلا الله كما روي عن قتادة ومجاهد والسدي ويشعر بها قوله: {أية : إِنَّنِي بَرَاء مّمَّا تَعْبُدُونَ} تفسير : [الزخرف: 26] الخ، وجوز أن يعود على هذا القول نفسه وهو أيضاً كلمة لغة {كَلِمَةً بَـٰقِيَةً فِي عَقِبِهِ} في ذريته عليه السلام فلا يزال فيهم من يوحد الله تعالى ويدعو إلى توحيده عز وجل. وقرأ حميد بن قيس {كلمة} بكسر الكاف وسكون اللام وهي لغة فيها، وقرىء {في عقبه} بسكون القاف تخفيفاً و {في عاقبه} أي من عقبه أي خلفه ومنه تسمية النبـي صلى الله عليه وسلم بالعاقب لأنه آخر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} تعليل للجعل أي جعلها باقية في عقبه كي يرجع من أشرك منهم بدعاء من وحد أو بسبب بقائها فيهم، والضميران للعقب وهو بمعنى الجمع، والأكثرون على أن الكلام بتقدير مضاف أي لعل مشركيهم أو الإسناد من إسناد ما للبعض إلى الكل وأولوا لعل بناء على أن الترجي من الله سبحانه وهو لا يصح في حقه تعالى أو منه عليه السلام لكنه من الأنبياء في حكم المتحقق ويجوز ترك التأويل كما لا يخفى بل هو الأظهر إذا كان ذاك من إبراهيم عليه السلام.
ابن عاشور
تفسير : عطف على { أية : وإذ قال إبراهيم } تفسير : [الزخرف: 26] أي أعلن تلك المقالة في قومه معاصريه وجعلها كلمة باقية في عقبه ينقلونها إلى معاصريهم من الأمم. إذ أوصى بها بنيه وأن يوصوا بَنِيهم بها، قال تعالى في سورة البقرة (131 ـــ 132) { أية : إذ قال لَه ربّه أسلم قال أسلمت لربّ العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بَنِيَّ إن الله اصطفى لكم الدّين فلا تموتُنّ إلاّ وأنتم مسلمون }، تفسير : فبتلك الوصية أبقى إبراهيم توحيد الله بالإلـٰهية والعبادة في عقبه يبثونه في النّاس. ولذلك قال يوسف لصاحبيه في السجن { أية : يا صاحبيَ السجن أأربْاب متفرقون خير أم الله الواحد القهار } تفسير : [يوسف: 39] وقال لهما { أية : إنّي تركتُ ملة قومٍ لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعتُ ملة آبائِيَ إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء } تفسير : [يوسف: 37] إلى قوله: { أية : ولكن أكثر النّاس لا يعلمون } تفسير : [يوسف: 40]. فضمير الرفع في {جعلها} عائد إلى إبراهيم وهو الظاهر من السياق والمناسب لقوله: {لعلهم يرجعون} ولأنه لم يتقدم اسم الجلالة ليعود عليه ضمير {جعلها}. وحكى في «الكشاف» إنه قيل: الضمير عائد إلى الله وجزم به القرطبي وهو ظاهر كلام أبي بكر بن العربي. والضمير المنصوب في قوله: {وجعلها} عائد إلى الكلام المتقدم. وأنث الضمير لتأويل الكلام بالكلمة نظراً لوقوع مفعوله الثاني لفظ {كلمة} لأن الكلام يطلق عليه {كلمة} كقوله تعالى في سورة المؤمنين (100) { أية : إنها كلمةٌ هو قائلها }، تفسير : أي قولَ الكافر { أية : رَبِّ ارجعون لعلّي أعمل صالحاً فيما تَركْتُ } تفسير : [المؤمنون: 99، 100]. وقال تعالى: { أية : كبرت كلمةٌ تخرج من أفواههم } تفسير : [الكهف: 5] وهي قولهم: { أية : اتّخذ الله ولداً } تفسير : [البقرة: 116] وقد قال تعالى: { أية : ووصى بها إبراهيم بنيه } تفسير : [البقرة: 132]، أي بقَوله: { أية : أسلمت لربّ العالمين } تفسير : [البقرة: 131] فَأعاد عليها ضمير التأنيث على تأويل (الكلمة). واعلم أنه إنّما يقال للكلام كلمة إذا كان كلاماً سائراً على الألسنة متمثلاً به، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : أصدق كلمة قالها شاعر كلمةُ لبيد: ألاَ كلُ شيء ما خلا الله باطل » تفسير : ، أو كان الكلام مجعولاً شعاراً كقولهم: لا إلـٰه إلا الله كلمة الإسلام، وقال تعالى: { أية : ولقد قالوا كلمة الكفر } تفسير : [التوبة: 74]». فالمعنى: جعَل إبراهيم قوله: { أية : إنني براءٌ مما تعبدون إلا الذي فطرني } تفسير : [الزخرف: 26، 27] شعاراً لعقبه، أي جعلها هي وما يرادفها قولاً باقياً في عقبه على مرّ الزمان فلا يخلو عقب إبراهيم من موحدين لله نابذين للأصنام. وأشعر حرف الظرفية بأن هاته الكلمة لم تنقطع بين عقب إبراهيم دون أن تعمّ العقب، فإن أريد بالعقب مجموعُ أعقابه فإن كلمة التوحيد لم تنقطع من اليهود وانقطعت من العرب بعد أن تقلدوا عبادة الأصنام إلاّ من تَهوّد منهم أو تنصَّر، وإن أريد مِن كُل عقب فإن العرب لم يخلو من قائم بكلمة التوحيد مثل المتنَصِّرين منهم كالقبائل المتنصرة وورقة بن نوفل، ومثل المتحنفين كزيد بن عَمرو بن نُفيل، وأُمية بن أبي الصلت. وذلك أن {في} ترد للتبعيض كما ذكرناه في قوله تعالى: { أية : وارزقوهم فيها واكسوهم } تفسير : في سورة النساء (5). وقال سَبْرة بن عَمرو الفقعسي من الحماسة: شعر : ونَشْرب في أثمانها ونُقامر تفسير : والعقب: الذرية الذين لا ينفصلون من أصلهم بأنثى، أي جعل إبراهيم كلمة التوحيد باقية في عقبه بالوصاية عليها راجياً أنهم يرجعون، أي يتذكرون بها التوحيد إذا رانَ رَيْن على قلوبهم، أو استحسنوا عبادةَ الأصنام كما قال قوم موسى: { أية : اجْعَل لنا إلـٰهاً كما لهم آلهةٌ } تفسير : [الأعراف: 138] فيهتدون بتلك الكلمة حين يضيق الزّمن عن بسط الحجة. وهذا شأن الكلام الذي يجعل شعاراً لشيء فإنه يكون أصلاً موضوعاً قد تبيّن صدقه وإصابته، فاستحضاره يغني عن إعادة بسط الحجة له. وجملة {لعلهم يرجعون} بدل اشتمال من جملة {وجعلها كلمة باقية في عقبه} لأن جعله كلمة { أية : إنني براء مما تعبدون } تفسير : [الزخرف: 26] باقية في عقبه، أراد منه مصالح لعقبه منها أنه رَجا بذلك أن يرجعوا إلى نبذ عبادة الأصنام إن فُتنوا بعبادتها أو يتذكروا بها الإقلاع عن عبادة الأصنام إن عبدوها، فمعنى الرجوع، العود إلى ما تدل عليه تلك الكلمة. ونظيره قوله تعالى: { أية : وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون } تفسير : [الزخرف: 48]، أي لعلهم يرجعون عن كفرهم. فحرف (لعل) لإنشاء الرجاء، والرجاء هنا رَجاء إبراهيم لا محالة، فتعيّن أن يقدر معنى قولٍ صادر من إبراهيم بإنشاء رجائه، بأن يقدر: قال: {لعلهم يرجعون}، أو قائلاً: {لعلهم يرجعون}. والرّجوع مستعار إلى تغيير اعتقاد طارىء باعتقاد سابق، شبه ترك الاعتقاد الطارىء والأخذ بالاعتقاد السابق برجوع المسافر إلى وطنه أو رجوع الساعي إلى بيته. والمعنى: يرجع كل من حاد عنها إليها، وهذا رجاؤه قد تحقق في بعض عقبه ولم يتحقق في بعضٍ كما قال تعالى: { أية : قال ومن ذريْتي قال لا ينال عهدي الظّالمين } تفسير : [البقرة: 124] أي المشركين. ولعل ممن تحقق فيه رجاء إبراهيم عمود نسب النبي صلى الله عليه وسلم وإنما كانوا يكتمون دينهم تقية من قومهم، وقد بسطتُ القول في هذا المعنى وفي أحوال أهل الفترة في هذه الآية في رسالة «طهارة النسب النبوي من النقائص». وفي قوله: {وجعلها كلمة باقيةً في عقبه} إشعار بأن وحدانية الله كانت غير مجهولة للمشركين، فيتجه أن الدعوة إلى العلم بوجود الله ووحدانيته كانت بالغة لأكثر الأمم بما تناقلوه من أقوال الرّسل السابقين، ومن تلك الأمم العرب، فيتجه مؤاخذَةُ المشركين على الإشراك قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم أهملوا النظر فيما هو شائع بينهم أو تغافلوا عنه أو أعرضوا. فيكون أهل الفترة مؤاخذين على نبذ التوحيد في الدّنيا ومعاقَبين عليه في الآخرة وعليه يُحمل ما ورد في صحاح الآثار من تعذيب عَمرو بن لُحيَ الذي سنّ عبادة الأصنام وما روي أن امرأ القيس حامل لواء الشعراء إلى النّار يوم القيامة وغير ذلك. وهذا الذي يناسب أن يكون نظر إليه أهل السنة الذين يقولون: إن معرفة الله واجبة بالشرع لا بالعقل وهو المشهور عن الأشعري، والذين يقولون منهم: إن المشركين من أهل الفترة مخلَّدون في النّار على الشرك. وأما الذين قالوا بأن معرفة الله واجبة عقلاً وهو قول جميع المَاتريدية وبعض الشافعية فلا إشكال على قولهم.
الشنقيطي
تفسير : الضمير المنصوب في جعلها على التحقيق راجع إلى كلمة الإيمان المشتملة على معنى لا إله إلا الله، المذكورة في قوله {أية : إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي} تفسير : [الزخرف: 26-27] لأن لا إله إلا الله نفي وإثبات، فمعنى النفي منها هو البراءة من جميع المعبودات غير الله في جميع أنواع العبادات. وهذا المعنى جاء موضحاً في قوله {أية : إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ} تفسير : [الزخرف: 26]. ومعنى الإثبات منها هو إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله. وهذا المعنى جاء موضحاً في قوله: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} تفسير : [الزخرف: 27]. وضمير الفاعل المستتر في قوله {وَجَعَلَهَا} [الزخرف: 28]. قال بعضهم: هو راجع إلى إبراهيم وهو ظاهر السياق. وقال بعضهم: هو راجع إلى الله تعالى. فعلى القول الأول فالمعنى صيَّر إبراهيم تلك الكلمة باقية في عقبه أي ولده وولد ولده. وإنما جعلها إبراهيم باقية فيهم لأنه تسبب لذلك بأمرين: أحدهما: وصيته لأولاده بذلك وصاروا يتوارثون الوصية بذلك عنه، فيوصي به السلف منهم الخلف، كما أشار تعالى إلى ذلك بقوله: {أية : وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ} تفسير : [البقرة: 130-132] الآية. والأمر الثاني هو سؤاله ربه تعالى لذريته الإيمان والصلاح، كقوله تعالى {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي} تفسير : [البقرة: 124]، أي واجعل من ذريتي أيضاً أئمة، وقوله تعالى عنه {أية : رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي} تفسير : [إبراهيم: 40] وقوله عنه {أية : وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} تفسير : [إبراهيم: 35] وقوله عنه هو وإسماعيل {أية : رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّك} تفسير : [البقرة: 128] إلى قوله {أية : رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ} تفسير : [البقرة: 129]. وقد أجاب الله دعاءه في بعث الرسول المذكور ببعثه محمداً صلى الله عليه وسلم. ولذا جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : أنا دعوة إبراهيم ". تفسير : وقد جعل الله الأنبياء بعد إبراهيم من ذريته، كما قال تعالى في سورة العنكبوت {أية : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَاب} تفسير : [العنكبوت: 27]، وقال عنه وعن نوح في سورة الحديد {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ} تفسير : [الحديد: 26] الآية. وعلى القول الثاني، أن الضمير عائد إلى الله تعالى، فلا إشكال. وقد بين تعالى في آية الزخرف هذه، أن الله لم يجب دعوة إبراهيم في جميع ذريته، ولم يجعل الكلمة باقية في جميع عقبه، لأن كفار مكة الذين كذبوا بنبينا صلى الله عليه وسلم من عقبه بإجماع العلماء، وقد كذبوه صلى الله عليه وسلم وقالوا إنه ساحر. وكثير منهم مات على ذلك. وذلك في قوله تعالى {بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰؤُلاَءِ} يعني كفار مكة وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين، هو محمد صلى الله عليه وسلم {وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ} [الزخرف: 30]. وما دلت عليه آية الزخرف هذه من أن بعض عقب إبراهيم لم يجعل الله الكلمة المذكورة باقية فيهم، دلت عليه آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى في البقرة: {أية : قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [البقرة: 124] أي الظالمين من ذرية إبراهيم. وقوله تعالى في الصافات {أية : وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ} تفسير : [الصافات: 113]. فالمحسن منهم هو الذي الكلمة باقية فيه، والظالم لنفسه المبين منهم ليس كذلك. وقوله تعالى في النساء {أية : فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً} تفسير : [النساء: 54-55]. وقد بين تعالى في الحديد أن غير المهتدين منهم كثيرون وذلك في قوله {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} تفسير : [الحديد: 26]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي جعل الكلمة باقية فيهم لعل الزائغين الضالين منهم يرجعون إلى الحق بإرشاد المؤمنين لمهتدين منهم، لأن الحق ما دام قائماً في جملتهم فرجوع الزائغين عنه إليه مرجو مأمول كما دل عليه قوله {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الزخرف: 28]. والرجاء المذكور بالنسبة إلى بني آدم، لأنهم لا يعرفون من يصير إلى الهدى، ومن يصير إلى الضلال. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة، وفي الكلام تقديم وتأخير. والمعنى فإنه سيهدين لعلهم يرجعون، وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون، أي قال لهم، يتوبون عن عبادة غير الله. ا هـ منه. وإيضاح كلامه، أن المعنى أن إبراهيم، قال لأبيه وقومه: إنني براء مما تعبدون لأجل أن يرجعوا عن الكفر إلى الحق. والضمير في قوله لعلهم يرجعوا على هذا راجع إلى أبيه وقومه. وعلى ما ذكرناه أولاً فالضمير راجع إلى من ضل من عقبه، لأن الضالين منهم داخلون في لفظ العقب. فرجوع ضميرهم إلى العقب لا إشكال فيه وهذا القول هو ظاهر السياق، والعلم عند الله تعالى. مسألة ظاهر هذه الآيات الكريمة التي ذكرنا يدل على اتحاد معنى العقب والذرية والبنين، لأنه قال في بعضها عن إبراهيم {أية : وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} تفسير : [إبراهيم: 35]. وقال عنه في بعضها {أية : رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي} تفسير : [إبراهيم: 40] وفي بعضها {أية : رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} تفسير : [إبراهيم: 37] الآية، وفي بعضها {أية : قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي} تفسير : [البقرة: 124] وفي بعضها {أية : وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ} تفسير : [العنكبوت: 27] وفي بعضها {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} [الزخرف: 28]. فالظاهر المتبادر من الآيات أن المراد بالبنين والذرية والعقب شيء واحد، لأن جميعها في شيء واحد. وبذلك تعلم أن ظاهر القرآن، يدل على أن من وقف وقفاً أو تصدق صدقة على بنيه أو ذريته أو عقبه، أن حكم ذلك واحد. وقد دلت بعض الآيات القرآنية على أن أولاد البنات يدخلون في اسم الذرية واسم البنين. وإذا دل القرآن على دخول ولد البنت، في اسم الذرية والبنين والفرض أن العقب بمعناها، دل ذلك على دخول أولاد البنات في العقب أيضاً، فمن الآيات الدالة على دخول ولد البنت في اسم الذرية قوله تعالى {أية : وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَان} تفسير : [الأنعام: 84] إلى قوله {أية : وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ} تفسير : [الأنعام: 85] وهذا نص قرآني صريح في دخول ولد البنت في اسم الذرية، لأن عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ولد بنت إذ لا أب له. ومن الآيات الدالة على دخول ولد البنت في اسم البنين قوله تعالى {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُم} تفسير : [النساء: 23] وقوله تعالى {أية : وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ} تفسير : [النساء: 23] لأن لفظ البنات في الألفاظ الثلاثة، شامل لبنات البنات وبنات بناتهن وهذا لا نزاع فيه بين المسلمين، وهو نص قرآني صحيح في استواء بنات بنيهن وبنات بناتهن. فتحصل أن دخول أولاد البنات في الوقف على الذرية والبنين والعقب، هو ظاهر القرآن ولا ينبغي العدول عنه. وكلام فقهاء الأمصار من الأئمة الأربعة وغيرهم في الألفاظ المذكورة معروف، ومن أراد الاطلاع عليه فلينظر كتب فروع المذاهب ولم نبسط على ذلك الكلام هنا لأننا نريد أن نذكر هنا ما يدل ظاهر القرآن على ترجيحه من ذلك فقط. أما لفظ الولد فإن القرآن يدل على أن أولاد البنات لا يدخلون فيه. وذلك في قوله تعالى {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ} تفسير : [النساء: 11] الآية، فإن قوله في أولادكم لا يدخل فيه أولاد البنات، وذلك لا نزاع فيه بين المسلمين، وهو نص صريح قرآني على عدم دخول أولاد البنات في اسم الولد. وإن كان جماهير العلماء على أن العقب والولد سواء. ولا شك أن اتباع القرآن هو المتعين على كل مسلم. أما لفظ النسل فظاهر القرآن شموله لأولاد البنات لأن قوله تعالى {أية : ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} تفسير : [السجدة: 6-8] ظاهر في أن لفظة النسل في الآية شاملة لأولاد البنات كما لا يخفى. والألفاظ التي يتكلم عليها العلماء في هذا المبحث هي أحد عشر لفظاً ذكرنا خمسة منها وهي: الذرية والبنون والعقب والولد والنسل. وذكرنا أن أربعة منها يدل ظاهر القرآن على أنها يدخل فيها أولاد البنات وواحد بخلاف ذلك وهو الولد. وأما الستة الباقية منها فهي الآل والأهل ومعناهما واحد. والقرابة والعشيرة والقوم والموالي، وكلام العلماء فيها مضطرب. ولم يحضرني الآن تحديد يتميز به ما يدخل في كل واحد منها وما يخرج عنه إلا على سبيل التقريب إلا لفظين منها وهما القرابة والعشيرة. أما القرابة فقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم "حديث : أنه أعطى من خمس خيبر بني هاشم وبني المطلب دون بني عبد شمس وبني نوفل" تفسير : مبيناً أن ذلك هو معنى قوله تعالى {أية : فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ} تفسير : [الأنفال: 41] كما تقدم إيضاحه في سورة الأنفال في الكلام على آية الخمس هذه. وأما العشيرة فقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس أنه لما نزلت {أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} تفسير : [الشعراء: 214] صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي "حديث : يا بني فهر يا بني عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا" تفسير : الحديث. وفيه تحديد العشيرة الأقربين بجميع بني فهر بن مالك وهو الجد العاشر له صلى الله عليه وسلم. وفي رواية أبي هريرة في الصحيح. أنه لما نزلت الآية المذكورة قال "حديث : يا معشر قريش أو كلمة نحوها" تفسير : الحديث، وقريش هم أولاد فهر بن مالك. وقيل: أولاد النضر بن كنانة، والأول هو الأظهر لحديث ابن عباس المذكور وعليه الأكثر. تنبيه [فإن قيل] ذكرتم أن ظاهر القرآن يدل على دخول أولاد البنات في لفظ البنين والشاعر يقول في خلاف ذلك: شعر : بَنُونا بَنُوا أبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا بَنُوهُنَّ أبناءُ الرِّجالِ الأَبَاعِدِ تفسير : وكثير من أهل الفقه يذكرون البيت المذكور، على سبيل التسليم له، قالوا: ومما يوضح صدقه أنهم ينسبون إلى رجال آخرين، ربما كانوا أعداء لأهل أمهاتهم وكثيراً ما يتبع الولد أباه وعصبته، في عداوة أخواله وبغضهم كما هو معلوم. [فالجواب] أن الواحد بالشخص له جهتان، فمعنى لفظ الابن له جهة خاصة هي معنى كونه خلق من ماء هذا الرجل على وجه يلحق فيه نسبه به، وهذا المعنى منفي عن والد أمه، فلا يقال له ابن بهذا الاعتبار وثابت لأبيه الذي خلق من مائه، وله جهة أخرى هي كونه خارجاً في الجملة من هذا الشخص، سواء كان بالمباشرة، أو بواسطة ابنه أو بنته وإن سفل، فالبنوة بهذا المعنى ثابتة لولد البنت، وهذا المعنى هو الذي عناه صلى الله عليه وسلم في قوله في الحسن بن علي رضي الله عنهما "حديث : إن ابني هذا سيد" تفسير : الحديث وهو المراد في الآيات القرآنية كقوله تعالى: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُم} تفسير : [النساء: 23] وقوله تعالى {أية : وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ} تفسير : [النساء: 23] وكقوله تعالى: {أية : لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِيۤ آبَآئِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآئِهِنَّ وَلاَ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ أَخَوَاتِهِنَّ} تفسير : [الأحزاب: 55] الآية. فلفظ البنات والأبناء في جميع الآيات المذكورة شامل لجميع أولاد البنين والبنات وإن سفلوا، وإنما شملهم من الجهة المذكورة بالاعتبار المذكور، وهو إطلاق لفظ الابن على كل من خرج من الشخص في الجملة، ولو بواسطة بناته. وأما البيت المذكور فالمراد به الجهة الأولى والاعتبار الأول. فإن بني البنات، ليسوا أبناء لآباء أمهاتهم من تلك الجهة، ولا بذلك الاعتبار لأنهم لم يخلقوا من مائهم، وإنما خلقوا من ماء رجال آخرين، ربما كانوا أباعد وربما كانوا أعداء. فصح بهذا الاعتبار نفي البنوة عن ابن البنت. وصح بالاعتبار الأول إثبات البنوة له ولا تناقض مع انفكاك الجهة. وإذا عرفت معنى الجهتين المذكورتين وأنه بالنظر إلى إحداهما تثبت البنوة لابن البنت وبالنظر إلى الأخرى تنتفي عنه. فاعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن ابني هذا سيد" تفسير : وقوله تعالى: {أية : وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ} تفسير : [النساء: 23] ونحوها من الآيات ينزل على إحدى الجهتين: وقوله تعالى: {أية : مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} تفسير : [الأحزاب: 40] يتنزل على الجهة الأخرى. وتلك الجهة هي التي يعني الشاعر بقوله: شعر : *وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد* تفسير : ويزيد ذلك إيضاحاً: أن قبائل العرب قد تكون بينهم حروب ومقاتلات، فيكون ذلك القتال بين أعمام الرجل وأخواله، فيكون مع عصبته دائماً على أخواله، كما في البيت المذكور. وقد يكون الرجل منهم في أخواله فيعاملونه معاملة دون معاملتهم لأبنائهم. كما أوضح ذلك غسان بن وعلة في شعره حيث يقول: شعر : إذا كنت في سعد وأمك منهم شطيراً فلا يغررك خالك من سعد فإن ابن أخت القوم مصغي إناؤه إذا لم يزاحم خاله بأب جلد تفسير : فقوله مصغي إناؤه من الإصغاء وهو الإمالة، لأن الإناء إذا أميل ولم يترك معتدلاً لم يتسع إلا للقليل، فهو كناية عن نقص نصيبه فيهم وقلته. وعلى الجهتين المذكورتين يتنزل اختلاف الصحابة في ميراث الجد والإخوة. فمن رأى منهم أنه أب يحجب الإخوة، فقد راعى في الجد إحدى الجهتين. ومن رأى منهم أنه ليس بأب وأنه لا يحجب الإخوة فقد لاحظ الجهة الأخرى. ولم نطل الكلام هنا في جميع الألفاظ المذكورة التي هي أحد عشر لفظاً خوف الإطالة. ولأننا لم نجد نصوصاً من الوحي تحدد شيئاً منها تحديداً دقيقاً. ومعلوم أن لفظ القوم منها قد دل القرآن على أنه يختص بالذكور دون الإناث. وإن الإناث قد يدخلن فيه بحكم التبع إذا اقترن بما يدل على ذلك. لأن الله تعالى قال: {أية : لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ} تفسير : [الحجرات: 11] الآية. فعطفه على النساء على القوم يدل على عدم دخولهن في لفظ القوم. ونظيره من كلام العرب قول زهير: شعر : وما أدري وسوف إخال أدري قوم آل حصن أم نساء تفسير : وأما دخول النساء في القوم بحكم التبع عند الاقتران بما يدل على ذلك، فقد بينه قوله تعالى في ملكة سبأ: {أية : وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ} تفسير : [النمل: 43]. وأما الموالي فقد دل القرآن واللغة على أن المولى يطلق على كل من له سبب يوالي ويوالى به. ولذا أطلق على الله أنه مولى المؤمنين لأنهم يوالونه بالطاعة ويواليهم بالجزاء. ونفى ولاية الطاعة عن الكافرين في قوله تعالى: {أية : ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ} تفسير : [محمد صلى الله عليه وسلم: 11]. وأثبت له عليهم ولاية الملك والقهر في قوله تعالى: {أية : وَرُدُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} تفسير : [يونس: 30]. كما أثبت لهم ولاية النار في قوله: {أية : مَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ} تفسير : [الحديد: 15] الآية. وأطلق تعالى اسم الموالي على العصبة في قوله تعالى: {أية : وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ} تفسير : [النساء: 33]. وأطلق اسم المولى على الأقارب ونحوهم في قوله تعالى: {أية : يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً} تفسير : [الدخان: 41]. ويكثر في كلام العرب إطلاق الموالي على العصبة وابن العم ومنه قول الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب: شعر : مهلاً بني عمنا مهلاً موالينا لا تظهرن لنا ما كان مدفونا تفسير : وقول طرفة بن العبد: شعر : وأعلم علماً ليس بالظن أنه إذ ذل مولى المرء فهو ذليل تفسير : والحاصل أن من قال هذا وقف، أو صدقة على قومي، أو موالي أنه إن كان هناك عرف خاص، وجب اتباعه في ذلك، وإن لم يكن هناك عرف فلا نعلم نصاً من كتاب ولا سنة يحدد ذلك تحديداً دقيقاً. وكلام أهل العلم فيه معروف في محاله. والعلم عند الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : (28) - وَجَعَلَ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ (وَهِيَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي ذُرِّيتَهِ يَتَوَارَثُونَهَا، وَيَقْتَدِي بِهِ فِيهَا مَنْ هَدَاهُ اللهُ مِنْ ذُرِّيتِهِ، لَعَلَّ ذُرِّيتَهُ يَذْكُرُونَ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَبُوهُمْ إِبْرَاهِيمُ، فَيَرْجِعُوا إِلَى اللهُ، وَيُخْلِصُوا العَمَلَ والإِيْمَانَ لَهُ. كَلِمَةً بَاقِيَةً - كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ - أَوِ البَرَاءَةِ مِنَ الشِّرْكِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى {وَجَعَلَهَا} [الزخرف: 28] أي سيدنا إبراهيم جعل كلمة البراءة من الشرك، أو كلمة التوحيد التي وردتْ في قوله تعالى: {أية : وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ} تفسير : [البقرة: 132]. جعل هذه الكلمة {بَاقِيَةً} [الزخرف: 28] سائرة {فِي عَقِبِهِ} [الزخرف: 28] في ذريته من بعده، وما زالت هذه الكلمةُ باقيةً ودائرة على ألسنة الناس حتى يوم القيامة، لأنها كلمةٌ طيبة، والكلمة الطيبة ضَمنَ الحق سبحانه لها البقاء في قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ * تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} تفسير : [إبراهيم: 24-25]. وسماها كلمة مع أنها كلام، لأن الكلمة في اللغة تُطلق على الكلام، كما نقول: ألقى فلانٌ كلمة في الحفل، وابنُ مالك في الألفية يقول: شعر : وكَلِمَةٌ بِهَا كَلاَمٌ قَدْ يُؤمّ تفسير : يعني: نقصد بالكلمة الكلام الكثير.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً} قال الإِمامُ زيد بن علي عليهما السّلامُ: هي قولُ لاَ إِله إِلاَّ الله.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 871 : 1 : 3 - سفين عن ليث عن مجاهد {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} قال، لا إلَه الا الله. [الآية 28]. 872 : 2 : 18 - سفين عن ليث عن عكرمة، {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً} قال، لا إلَه الا الله.
همام الصنعاني
تفسير : 2761- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ}: [الآية: 28]، قال: التوحيد والإِخلاص، لا يزال في ذريته، من يُوَحِّد الله ويعبده.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):