Verse. 4356 (AR)

٤٣ - ٱلْزُّخْرُف

43 - Az-Zukhruf (AR)

وَقَالُوْا لَوْلَا نُزِّلَ ھٰذَا الْقُرْاٰنُ عَلٰي رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَـتَيْنِ عَظِيْمٍ۝۳۱
Waqaloo lawla nuzzila hatha alquranu AAala rajulin mina alqaryatayni AAatheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقالوا لولا» هلا «نزل هذا القرآن على رجل من» أهل «القريتين» من أية منهما «عظيم» أي الوليد بن المغيرة بمكة أو عروة بن مسعود الثقفي بالطائف.

31

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا هو النوع الرابع: من كفرياتهم التي حكاها الله تعالى عنهم في هذه السورة، وهؤلاء المساكين قالوا منصب رسالة الله منصب شريف فلا يليق إلا برجل شريف، وقد صدقوا في ذلك إلا أنهم ضموا إليه مقدمة فاسدة وهي أن الرجل الشريف هو الذي يكون كثير المال والجاه ومحمد ليس كذلك فلا تليق رسالة الله به، وإنما يليق هذا المنصب برجل عظيم الجاه كثير المال في إحدى القريتين وهي مكة والطائف، قال المفسرون والذي بمكة هو الوليد بن المغيرة والذي بالطائف هو عروة بن مسعود الثقفي، ثم أبطل الله تعالى هذه الشبهة من وجهين الأول: قوله {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ } وتقرير هذا الجواب من وجوه أحدها: أنا أوقعنا التفاوت في مناصب الدنيا ولم يقدر أحد من الخلق على تغييره فالتفاوت الذي أوقعناه في مناصب الدين والنبوّة بأن لا يقدروا على التصريف فيه كان أولى وثانيها: أن يكون المراد أن اختصاص ذلك الغنى بذلك المال الكثير إنما كان لأجل حكمنا وفضلنا وإحساننا إليه، فكيف يليق بالعقل أن نجلع إحساننا إليه بكثرة المال حجة علينا في أن نحسن إليه أيضاً بالنبوّة؟ وثالثها: إنا لما أوقعنا التفاوت في الإحسان بمناصب الدنيا لا لسبب سابق فلم لا يجوز أيضاً أن نوقع التفاوت في الإحسان بمناصب الدين والنبوّة لا لسبب سابق؟ فهذا تقرير الجواب، ونرجع إلى تفسير الألفاظ فنقول الهمزة في قوله {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ } للإنكار الدال على التجهيل والتعجب من إعراضهم وتحكمهم أن يكونوا هم المدبرين لأمر النبوة، ثم ضرب لهذا مثالاً فقال: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: أنا أوقعنا هذا التفاوت بين العباد في القوة والضعف والعلم والجهل والحذاقة والبلاهة والشهرة والخمول، وإنما فعلنا ذلك لأنا لو سوينا بينهم في كل هذه الأحوال لم يخدم أحد أحداً ولم يصر أحد منهم مسخراً لغيره وحينئذ يفضي ذلك إلى خراب العالم وفساد نظام الدنيا، ثم إن أحداً من الخلق لم يقدر على تغيير حكمنا ولا على الخروج عن قضائنا، فإن عجزوا عن الإعراض عن حكمنا في أحوال الدنيا مع قلتها ودناءتها، فكيف يمكنهم الاعتراض على حكمنا وقضائنا في تخصيص العباد بمنصب النبوة والرسالة؟. المسألة الثانية: قوله تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنيَا } يقتضي أن تكون كل أقسام معايشهم إنما تحصل بحكم الله وتقديره، وهذا يقتضي أن يكون الرزق الحرام والحلال كله من الله تعالى والوجه الثاني: في الجواب ما هو المراد من قوله {وَرَحْمَتُ رَبّكَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ }؟، وتقريره أن الله تعالى إذا خص بعض عبيده بنوع فضله ورحمته في الدين فهذه الرحمة خير من الأموال التي يجمعها لأن الدنيا على شرف الانقضاء والانقراض وفضل الله ورحمته تبقى أبد الآباد.

البيضاوي

تفسير : {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ } من إحدى القريتين مكة والطائف. {عظِيمٌ } بالجاه والمال كالوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي، فإن الرسالة منصب عظيم لا يليق إلا بعظيم، ولم يعلموا أنها رتبة روحانية تستدعي عظم النفس بالتحلي بالفضائل والكمالات القدسية، لا التزخرف بالزخارف الدنيوية. {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتِ رَبّكَ} إنكار فيه تجهيل وتعجيب من تحكمهم، والمراد بالرحمة النبوة. {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } وهم عاجزون عن تدبيرها وهي خويصة أمرهم في دنياهم، فمن أين لهم أن يدبروا أمر النبوة التي هي أعلى المراتب الإنسية، وإطلاق المعيشة يقتضي أن يكون حلالها وحرامها من الله. {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ } وأوقعنا بينهم التفاوت في الرزق وغيره. {لّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً } ليستعمل بعضهم بعضاً في حوائجهم فيحصل بينهم تآلف وتضام ينتظم بذلك نظام العالم، لا لكمال في الموسع ولا لنقص في المقتر، ثم إنه لا اعتراض لهم علينا في ذلك ولا تصرف فكيف يكون فيما هو أعلى منه. {وَرَحْمَتُ رَبَّكَ} يعني هذه النبوة وما يتبعها. {خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ} من حطام الدنيا والعظيم من رزق منها لا منه. {وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً } لولا أن يرغبوا في الكفر إذا رأوا الكفار في سعة وتنعم لحبهم الدنيا فيجتمعوا عليه. {لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ } ومصاعد جمع معراج، وقرىء و «معاريج» جمع معراج. {عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ } يعلون السطوح لحقارة الدنيا، و {لِبُيُوتِهِمْ } بدل من {لِمَنْ} بدل الاشتمال أو على كقولك: وهبت له ثوباً لقميصه، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «وسقفاً» اكتفاء بجميع البيوت، وقرىء «سقفاً» بالتخفيف و «سقوفاً» و «سقفاً» وهي لغة في سقف. {وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوٰباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ } أي أبواباً وسرراً من فضة. {وَزُخْرُفاً } وزينة عطف على {سَقْفاً} أو ذهباً عطف على محل من فضة {وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا} إِن هي المخففة واللام هي الفارقة. وقرأ عاصم وحمزة وهشام بخلاف عنه لما بالتشديد بمعنى إلا وأن نافية، وقرىء به مع أن وما {وَٱلأَخِرَةُ عِندَ رَبّكَ لِلْمُتَّقِينَ} عَن الكفر والمعاصي، وفيه دلالة على أن العظيم هو العظيم في الآخرة لا في الدنيا، وإشعار بما لأجله لم يجعل ذلك للمؤمنين حتى يجتمع الناس على الإِيمان، وهو أنه تمتع قليل بالإِضافة إلى ما لهم في الآخرة مخل به في الأغلب لما فيه من الآفات قل من يتخلص عنها كما أشار إليه بقوله: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ} يتعام ويعرض عنه لفرط اشتغاله بالمحسوسات وإنهماكه في الشهوات، وقرىء« يَعْشَ» بالفتح أي يعم يقال عشي إذا كان في بصره آفة وعشى إذا تعشى بلا آفة كعرج وعرج، وقرىء «يعشو» على أن {مِنْ} موصولة. {نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } يوسوسه ويغويه دائماً، وقرأ يعقوب بالياء على إسناده إلى ضمير {ٱلرَّحْمَـٰنُ}، ومن رفع «يعشو» ينبغي أن يرفع {نُقَيّضْ}. {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ} عن الطريق الذي من حقه أن يسبل، وجمع الضميرين للمعنى إذ المراد جنس العاشي والشيطان المقيض له. {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} الضمائر الثلاثة الأول له والباقيان للشيطان. {حَتَّىٰ إِذَا جَاءَنَا} أي العاشي، وقرأ الحجازيان وابن عامر وأبو بكر «جاءانا» أي العاشي والشيطان. {قَالَ } أي العاشي للشيطان. {يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ} بعد المشرق من المغرب، فغلب المشرق وثنى وأضيف البعد إليهما. {فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ } أنت. {وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ } أي ما أنتم عليه من التمني. {إِذ ظَّلَمْتُمْ } إذ صح إنكم ظلمتم أنفسكم في الدنيا بدل من {ٱلْيَوْمَ }. {أَنَّكُمْ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ } لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وشياطينكم في العذاب كما كنتم مشتركين في سببه، ويجوز أن يسند الفعل إليه بمعنى. ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب كما ينفع الواقعين في أمر صعب معاونتهم في تحمل أعبائه وتقسمهم لمكابدة عنائه، إذ لكل منكم ما لا تسعه طاقته. وقرىء {إِنَّكُمْ} بالكسر وهو يقوي الأول. {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ} إِنكار وتعجب من أن تحمل هو الذي يقدر على هدايتهم بعد تمرنهم على الكفر واستغراقهم في الضلال بحيث صار عشاهم عمى مقروناً بالصمم. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعب نفسه في دعاء قومه وهم لا يزيدون إلا غياً فنزلت. {وَمَن كَانَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} عطف على {ٱلْعَمَىٰ} باعتبار تغاير الوصفين، وفيه إشعار بأن الموجب لذلك تمكنهم في ضلال لا يخفى.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالُواْ لَوْلاَ } هلا {نُزِّلَ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ } من أية منهما {عَظِيمٍ } أي الوليد بن المغيرة بمكة، أو عروة بن مسعود الثقفي بالطائف.

ابن عطية

تفسير : الضمير في {قالوا} لقريش، وذلك أنهم استبعدوا أولاً أن يرسل الله بشراً، فلما تقرر أمر موسى وعيسى وإبراهيم ولم يكن لهم في ذلك مدفع، رجعوا يناقضون فيما يخض محمداً عليه السلام بعينه، فقالوا: لم كان محمد ولم يكن نزول الشرع {على رجل} من إحدى الفرقتين {عظيم}، وقدر المبرد قولهم على رجل من رجلين من القريتين، والقريتان: مكة والطائف، ورجل مكة الذي أشاروا إليه: قال ابن عباس وقتادة هو: الوليد بن المغيرة المخزومي. وقال مجاهد هو: عتبة بن ربيعة. وقال قتادة: بلغنا أنه لم يبق فخذ من قريش إلا ادعاه. ورجل الطائف قال قتادة هو: عروة بن مسعود. وقال ابن عباس: حبيب بن عبد بن عمير. وقال مجاهد: كنانة بن عبد ياليل. قال القاضي أبو محمد: وإنما قصدوا إلى من عظم ذكره بالسن والقدم، وإلا فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان حينئذ أعظم من هؤلاء، لكن لما عظم أولئك قبل مدة النبي وفي صباه استمر ذلك لهم. ثم وقف على جهة التوبيخ لهم بقوله: {أهم يقسمون رحمة ربك} المعنى على اختيارهم وإرادتهم تنقسم الفضائل والمكانة عند الله. والرحمة: اسم يعم جميع هذا. ثم أخبر تعالى خبراً جازماً بأنه قاسم المعايش والدرجات في الدنيا ليسخر بعض الناس بعضاً، المعنى فإذا كان اهتمامنا بهم أن نقسم هذا الحقير الفاني، فأحرى أن نقسم الأهم الخطير. وفي قوله تعالى: {نحن قسمنا بينهم معيشتهم} تزهيد في السعايات، وعون على التوكل على الله تعالى، ولله در القائل: [الرجز] شعر : لما أتى نحن قسمنا بينهم زال المرا تفسير : وقرأ الجمهور: "معيشتهم". وقرأ ابن مسعود والأعمش: "معائشهم". وقرأ جمهور الناس "سُخرياً" بضم السين. وقرأ أبو رجاء وابن محيصن: "سِخرياً" بكسر السين، وهما لغتان في معنى التسخير، ولا مدخل لمعنى الهزء في هذه الآية. وقوله تعالى: {ورحمة ربك خير مما يجمعون} قال قتادة والسدي: يعني الجنة. قال القاضي أبو محمد: لا شك أن الجنة هي الغاية، ورحمة الله في الدنيا بالهداية، والإيمان خير من كل مال، وهذا اللفظ تحقير للدنيا، ثم استمر القول في تحقيرها بقوله: {ولولا أن يكون للناس} الآية، وذلك أن معنى الآية: أن الله تعالى أبقى على عبيده وأنعم بمراعاة بقاء الخير والإيمان وشاء حفظه على طائفة منهم بقية الدهر، ولولا كراهية أن يكون الناس كفاراً كلهم وأهل حب في الدنيا وتجرد لها لوسع على الكفار غاية التوسعة ومكنهم من الدنيا، إذ حقارتهم عنده تقتضي ذلك، لأنها لا قدر لها ولا وزن لفنائها وذهاب رسومها، فقوله: {أمة واحدة} معناه: في الكفر، قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي، ومن هذا المعنى قول النبي عليه السلام: "حديث : لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء" تفسير : ثم يتركب معنى الآية على معنى هذا الحديث. واللام في قوله: {لكن يكفر بالرحمن} لام الملك. واللام في قوله: {لبيوتهم} لام تخصيص، كما تقول: هذا الكساء لزيد لدابته، أي هو لدابته حلس ولزيد ملك. قال المهدوي: ودلت هذه الآية على أن السقف لرب البيت الأسفل لا لصاحب العلو، إذ هو منسوب إلى البيوت، وهذا تفقه واهن. وقرأ جمهور القراء: "سقُفا" بضم السين والقاف. وقرأ مجاهد: "سَقْفاً" بضم السين وسكون القاف على الإفراد. والمعارج: الأدراج التي يطلع عليها، قاله ابن عباس وقتادة والناس. وقرأ طلحة: "معاريج" بزيادة ياء. و: {يظهرون} معناه يعلون، ومنه حديث عائشة رضي الله عنها: والشمس في حجرتها لم تظهر. والسرر: جمع سرير. واختلف الناس في الزخرف، فقال ابن عباس والحسن وقتادة والسدي: الزخرف: الذهب نفسه وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: "حديث : إياكم والحمرة فإنها من أحب الزينة إلى الشيطان ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: الحسن أحمر، والشهوات تتبعه. وقال ابن زيد: الزخرف أثاث البيت وما يتخذ له من الستور والنمارق ونحوه. وقالت فرقة الزخرف: التزاويق والنقش ونحوه من التزيين وشاهد هذا القول: {أية : حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت} تفسير : [يونس: 24]. وقرأ جمهور القراء: "وإن كل ذلك لمَا" بتخفيف الميم من "لمَا" فـ "إنْ" مخففة من الثقيلة، واللام في: "لمَا" داخلة لتفصل بين النفي والإيجاب. وقرأ عاصم وحمزة وهشام بخلاف عنه، والحسن وطلحة والأعمش وعيسى: "لمَّا متاع" بتشديد الميم من "لمّا" فإن "لمّا" نافية بمعنى ما. و {لما}: بمعنى: إلا، وقد حكى سيبويه نشدتك الله لما فعلت، وحمله على إلا. وفي مصحف أبي بن كعب: "وما ذلك إلا متاع الحياة الدنيا". وقرأ أبو رجاء: "لِمَا" بكسر اللام وتخفيف، الميم، فـ "ما" بمعنى الذي، والعائد عليها محذوف، والتقدير: وإن كل ذلك للذي هو متاع الحياة الدنيا. وفي قوله تعالى: {والآخرة عند ربك للمتقين} وعد كريم وتحريض على التقوى، إذ في الآخرة هو التباين في المنازل.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْقَرْيَتَيْنِ} مكة والطائف وعظيم مكة الوليد بن المغيرة أو عتبة بن ربيعة وعظيم الطائف: حبيب بن عمرو [ بن عمير الثقفي] "ع" أو ابن عبد ياليل، أو عروة بن مسعود، أو كنانة بن عبد [بن] عمرو.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {سقفاً} بالفتح فالسكون: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد. الباقون: بضمتين على الجمع كرهن ورهن. قال أبو عبيدة: لا ثالث لهما (لما) بالتشديد: عاصم وحمزة بمعنى إلا فـ {إن} نافية. الآخرون: بالتخفيف فـ "إن" مخففة واللام فارقة كما مر في آخر هود {يقيض} على الغيبة والضمير للرحمن: يعقوب وحماد. الآخرون: بالنون {جاءنا} على الوحدة والضمير للعاشي: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ويعقوب. الباقون: بألف التثنية والضمير للعاشي والقرين {أنكم في العذاب} بالكسر: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان {أيه الساحر} بضم الهاء مثل {أيه المؤمنون} وقد مر في "النور" {تحتي} بفتح الياء: أبو عمرو وابن كثير ونافع وأبو جعفر {أسورة} كأجربة: حفص وسهل ويعقوب. الآخرون {أساورة} كأشاعرة وهو جمع أسوار بمعنى السوار. وأصله أساوير. إلا أنه عوض من الياء هاء في آخره {سلفاً} بضمتين: حمزة وعلي وهو جمع سليف. الباقون: بفتحتين جمع سالف كخادم وخدم. الوقوف: {عظيم} ه {رحمت ربك} ط {سخرياً} ط {يجمعون} ه {يظهرون} ه لا {يتكئون} ه لا {وزخرفاً} ط {الدنيا} للمتقين ه {قرين} ه {مهتدون} ه {القرين} ه {مشتركون} ه {مبين} ه {منتقمون} ه لا {مقتدرون} ه {إليك} ط لاحتمال التعليل {مستقيم} ه {ولقومك} ج للتعليق مع سين التهديد {تسئلون} ه {يعبدون} ه {العالمين} ه {يضحكون} ه {من أختها} ز لنوع عدول {يرجعون} ه {لمهتدون} ه {ينكثون} ه {تحتي} ج للاستفهام مع اتحاد الكلام {تبصرون} ه لأن "أم" منقطعة {مقترنين} ه {فأطاعوه} ط {فاسقين} ه {أجميعن} ه {للآخرين} ه. التفسير: هذه حكاية شبهة لكفار قريش، وذلك أنهم ظنوا أن الفضيلة في المال والجاه الدنيوي فقالوا {لولا نزل هذا القرآن} وفي الإشارة ههنا نوع استخفاف منهم لكتاب الله {على رجل من القريتين} أي من إحداهما يعنون مكة أو الطائف. قال المفسرون: الذي بمكة هو الوليد بن المغيرة، والذي بالطائف هو عروة بن مسعود الثقفي. ومنهم من قال غير ذلك. وأرادوا بعظم الرجل رياسته وتقدمه في الدنيا فألزمهم الله تعالى بأجوبة أوّلها قوله على سبيل الإنكار {أهم يقسمون رحمة ربك} أي النبوّة فيضعوها حيث شاؤا {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً} أي خدماً وتابعاً ومملوكاً. واللام لام العاقبة فإن الإنسان خلق مدنياً بالطبع. وقالت المعتزلة: للغرض وإذا كانت المعايش الدنيوية مع حقارتها وخساستها مفوّضة إلى تدبير الله وتسخيره وتقديره دون أحد من خلقه، فالأمور الدينية والمناصب الحقيقية الأخروية أولى بذلك. وقيل: الرحمة الرزق. ومعنى الآية إنكار أن الرزق منهم فيكف تكون النبوّة منهم؟ واستدلال السني بالآية ظاهر في أن كل الأرزاق من الله حلالاً كانت أو حراماً. وقالت المعتزلة: الله تعالى قاسم ولكن العباد هم الذين يكسبونها صفة الحرمة بسوءتنا ولهم. والجواب أنه كما قسم الرزق عن الجهة التي بها يصل الرزق إليه فكل بقدره. وثانيها قوله {ورحمة ربك خير مما يجمعون} لأن الدنيا منقضية فانية ودين الله وما يتبعه من السعادات باقٍ لا يزول، فكيف يجعل العاقل ما هو الأخس أفضل مما هو الأشرف؟ وثالثها قوله {ولولا} كراهة {أن يكون الناس أمة واحدة} مجتمعين على الكفر {لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم} هو بدل اشتمال وقيل: هما كقولك: وهبت له ثوباً لقميصه في أن اللام للغرض. والمعارج المصاعد أو المراقي جمع معرج كمخلب {عليها} أي على المعارج {يظهرون} يعلون السطوح. والزخرف الزينة أي جعلنا لهم زينة عظيمة في كل باب. وقيل: الذهب أي جعلنا لهم مع ذلك ذهباً كثيراً. أو وجه آخر على هذا التفسير وهو أن يكون معطوفاً على قوله {من فضة} إلا أنه نصب بنزع الخافض أي بعضها من فضة وبعضها من ذهب. والحاصل أنه سبحانه إن وسع على الكافرين كل التوسعة أطبق الناس على الكفر لحبهم الدنيا وتهالكهم عليها مع حقارة الدنيا عند الله تعالى، وفي معناه قول نبينا صلى الله عليه وسلم: " حديث : لو كانت الدنيا تزن عند الله تعالى جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء "تفسير : وإنما لم يوسع على المسلمين كلهم لتكون رغبة الناس في الإسلام لمحض الإخلاص لا لأجل الدنيا. ثم بشر المؤمنين بقوله {وإن كل ذلك} إلى آخره. قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن اللطف من الله تعالى واجب، وفيه أنه تعالى لما لم يفعل بالناس التوسعة لئلا يجتمعوا على الكفر، فلأن لا يخلق فيهم الكفر أولى. والجواب أن وقوع كل الناس في طريق القهر محذور، وأما وقوع البعض فضروري كما مر في أول البقرة، فشتان بين الممتنع الوجود والضروري الوجود فكيف يقاس أحدهما على الآخر؟ ثم بين أن مادة كل الآفات وأصل جميع البليات هو السكون إلى الدنيا والركون إلى أهلها فإن ذلك بمنزلة الرمد للبصر ويصير بالتدريج كالعشى ثم كالعمى فقال {ومن يعش عن ذكر الرحمن} أي عن القرآن أي يعرف أنه الحق ولكنه يتجاهل. قال جار الله: قرىء بفتح الشين أيضاً. والفرق أنه إذا حصلت آفة في بصره يقال عشي بالكسر أي عمى يعشى بالفتح، وإذا نظر نظر العشي ولا آفة به قيل عشا أي تعامى. وفيه معنى الإعراض فلهذا عدي بـ "عن" ومعنى {نقيض} نقدر كما مر في "حم" السجدة {وإنهم} أي الشياطين {ليصدونهم} أي العشي عن دين الله {ويحسبون} أي الكفار أن الشياطين والكافرين {مهتدون} وإنما جمع الضميرين لأن {من} عام و {شيطاناً} تابع له. ولا شك أن هذا القرين ملازم له في الآخرة لقوله {حتى إذا جاءنا} الآية وأما في الدنيا فمحتمل بل لازم لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون" تفسير : ويروى أن الكافر إذا بعث يوم القيامة من قبره أخذ شيطان بيده ولم يفارقه حتى يصيرهما الله إلى النار فذلك حيث يقول {يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين} أي بعد ما بين المشرق والمغرب فغلب كالقمرين. وقيل: المغرب أيضاً مشرق بالنسبة إلى الحركة الثانية وهذا قول أهل السنة. وقيل: مشرق الصيف ومشرق الشتاء وفيه ضعف لأنه لا يفيد مبالغة، فبين الله تعالى أن ذلك التمني لا ينفعهم وعلله بقوله {أنكم} من قرأ بالكسر فظاهر، ومن قرأ بالفتح فعلى حذف اللام أي لن ينفعكم تمنيكم لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم في العذاب كما كنتم مشتركين في سببه وهو الكفر، ويحتمل أن يكون أن في قراءة الفتح فاعل ينفع أي لن ينفعكم كونكم مشتركين في العذاب. وإن قيل: المصيبة إذا عمت طابت وذلك أن كل أحد مشغول في ذلك اليوم عن حال غيره بحال نفسه. {وإذ} بدل من اليوم ومعناه إذ ظلمكم تبين ووضح لكل أحد. ثم إنه صلى الله عليه وسلم كان يتحزن على فقد الإيمان منهم فسلاه بقوله {أفأنت} إلى آخره. وقوله {فأما نذهبن بك} أراد به قبض روحه كقوله في "يونس" وفي "المؤمن" {أية : فأما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك}تفسير : [الآية: 77] الانتقام إما في الآخرة وهو قول الجمهور أو في الدنيا. عن جابر أنه قال: لما نزلت {فإنا منهم منتقمون} قال النبي صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أورده في تفسير اللباب. وقيل: فأما نذهبن بك من مكة فإنا منهم منتقمون يوم بدر. والحاصل أنه تعالى توعد الكفار بعذاب الدنيا والآخرة جميعاً. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم سواء عجلنا لك الظفر والغلبة أو أخرناه إلى الآخرة فكن متمسكاً بما أوحينا إليك فإنه الدين الذي لا عوج له، وإنه لشرف لك ولقومك أي لجميع أمتك أو لقريش وسوف تسألون هل أديتم شكر هذه النعمة أم لا. قال أهل التحقيق: في الآية دلالة على أن الذكر الجميل أمر مرغوب فيه لعموم أثره وشموله كل مكان وكل زمان خلاف الحياة المستعارة فإن أثرها لا يجاوز مسكن الحي. قلت: الذكر الجميل جميل ولكن الذكر الحاصل من القرآن أجمل رزقنا الله طرفاً من ذلك بعميم فضله. ثم إن السبب الأقوى في بغض الكفار وعداوتهم للنبي صلى الله عليه وسلم إنكاره لأصنامهم، فبين تعالى أنه غير مخصوص بهذه الدعوة وهذا الإنكار ولكنه دين أطبق كل الأنبياء على الدعاء إليه، وفي الآية أقوال: أحدها أن المضاف محذوف تقديره واسأل يا محمد أمم من أرسلنا. وقال القفال: المحذوف صلة التقدير واسأل من أرسلنا إليهم من قبلك رسولاً من رسلنا. والمراد أهل الكتابين لأنهم كانوا يرجعون إليهم في كثير من أمورهم نظيره {أية : فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك}تفسير : [يونس: 94] ثانيها أن حقيقة السؤال ههنا ممتنعة ولكنه مجاز عن النظر في أديانهم والفحص عن مللهم. وثالثها أن التقدير: واسأل جبرائيل عمن أرسلنا. ورابعها أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع له الأنبياء ليلة المعراج في السماء أو في بيت المقدس فأمهم. وقيل له صلى الله عليه وسلم: سلهم. فلم يسأل. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إني لا أشك في ذلك" قاله ابن عباس. وعن ابن مسعود حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أتاني ملك فقال: يا محمد سل من أرسلنا من قبلك من رسلنا علام بعثوا؟ قال: قلت علام بعثوا؟ قال: على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب رضي الله عنه تفسير : رواه الثعلبي. ولكنه لا يطابق قوله سبحانه {أجعلنا} الآية. وجوز بعضهم أن يكون {من} مبتدأ والاستفهامية خبره والعائد محذوف أي على ألسنتهم، ومعنى الجعل التسمية والحكم. واعلم أن كفار قريش إنما طعنوا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من جهة كونه فقيراً خاملاً وكان فرعون اللعين قد طعن في موسى بمثل ذلك حيث قال {أليس لي ملك مصر} إلى قوله {مهين} [الزخرف: 52] فلا جرم أورد قصة موسى ههنا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم قوله {فلما جاءهم} معطوف على محذوف تقديره فقال إني رسول رب العالمين. فطالبوه إقامة البينة على دعواه فلما جاءهم إلى آخره. قال جار الله: فعل المفاجأة مع إذا مقدر وهو عامل النصب في محلها كأنه قيل: فلما جاءهم بآياتنا فاجأ وقت ضحكهم استهزاء أو سخرية. قوله: {وما نريهم} حكاية حال ماضية. وفي قوله {هي أكبر من أختها} وجهان: أحدهما أن كلاً منها مثل شبيهتها التي تقدمت، وكل من رأى واحدة منها حكم بأنها حكم كبراها لتكافؤ كل منها في الكبر. وإذا كان هذا الحكم صادقاً على كل منها فكلها كبار كما قال الحماسي: من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم. مثل النجوم التي يسري بها الساري وثانيها أن يقال: إن الآية الأولى كبيرة والتي تليها أكبر من الأولى، والثالثة أكبر من الثانية، وكذلك ما بعدها. هذا القدر مستفاد من الآية، وأما تفصيل هذا التفضيل فلعله لا يطلع عليه إلا خالقها ومظهرها. {وأخذناهم بالعذاب} السنين ونقص من الثمرات إلى سائر ما ابتلوا به. قالت المعتزلة: {لعلهم يرجعون} أي إرادة أن يرجعوا فورد عليهم أنه لو أراد رجوعهم لكان. وأجابوا بأنه لو أراد قسراً لكان ولكنه أراد مختاراً، وزيف بأنه لو أراد أن يقع طريق الاختيار لزم أن يقع أيضاً مختاراً. أما الفرق فالصواب أن يقال: "لعل" للترجي ولكن بالنسبة إلى المكلف كما مر مراراً {وقالوا يا أيه الساحر} أي العالم الماهر ولم يكن السحر عندهم ذماً بل كانوا يستعظمونه ولهذا قالوا {إننا لمهتدون} وقيل: كانوا بعد على كفرهم فلهذا سموه ساحراً. وقولهم {إننا لمهتدون} وعد منوي إخلافه. وقولهم {ادع لنا ربك بما عهد عندك} أي بعهده عندك من أن دعوتك مستجابة وقد مر في "الأعراف" {ونادى فرعون} أي أمر بالنداء {في} مجامع {قومه} أو رفع صوته بذلك فيما بين خواصه فانتشر في غيرهم. والأنهار أنهار النيل. قال المفسرون: كانت ثلثمائة وستين نهراً ومعظمها أربعة: نهر الملك ونهر طالوت ونهر دمياط ونهر منفيس. كانت تجري تحت قصره وقيل: تحت سريره لارتفاعه. وقيل: بين يدي في جناتي وبساتيني. وعن عبد الله ابن المبارك الدينوري في تفسيره: أنه أراد بالأنهار الجياد من الخيل وهو موافق لما جاء في الحديث في فرس أبي طلحة "وإن وجدناه لبحراً" وقال الضحاك: معناه وهذه القواد والجبابرة تحت لوائي. قال النحويون: إما أن تكون الواو عاطفة للأنهار على ملك مصر و {تجري} نصب على الحال، أو الواو للحال وما بعده جملة محلها نصب. وفي "أم" أقوال منها قول سيبويه إنها متصلة تقديره أفلا تبصرون أم تبصرون إلا أنه وضع قوله {أنا خير} موضع {تبصرون} لأنهم إذا قالوا له أنت خير فهم عنده بصراء، فهذا من إنزال السبب منزلة المسبب لأن الإبصار سبب لهذا القول بزعمه. ومنها أنها منقطعة لأنه عدد عليهم أسباب الفضل ثم أضرب عن ذلك ثانياً. أثبت عندكم أني خير. ومنها أن التقدير أفلا تبصرون أني خير أم أبصرتم ثم استأنف فقال أنا خير، والمهين من المهانة أي الحقارة والضعف أراد أنه فقير ولا عدد معه ولا عدة {ولا يكاد يبين} الكلام لأن عقدته لم تزل بالكلية كما شرحنا في "طه". وإلقاء الأسورة عليه عبارة عن تفويض مقاليد الملك إليه، كانوا إذا أرادوا تشريف الرجل سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب وغيره أي ليس معه آلات الملك والسياسة، أو ليس معه حلية وزي حسن كما أن الملوك يشهرون رسلهم بالخلع والمكرمات وبأشخاص يتبعونهم فلذلك قالوا {أو جاء معه الملائكة مقترنين} به أو يقترن بعضهم ببعض {فاستخف قومه} أي حملهم على أن يخفوا له في الطاعة أو استخف عقولهم واستجهلهم {فأطاعوه} وهذه من عادة اللئام كما قيل: العبد لا يردعه إلا العصا: شعر : وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا تفسير : ومعنى {آسفونا} أغضبونا وأغضبوا رسلنا {فجعلناهم سلفاً} أي متقدمين وعبرة للمتأخرين ليعتبروا من حالهم فلا يقدموا على مثل أفعالهم وإليه المآب.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن قول الله‏:‏ ‏{‏لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم‏}‏ ما القريتان‏؟‏ قال‏:‏ الطائف ومكة، قيل‏:‏ فمن الرجلان‏؟‏ قال‏:‏ عروة بن مسعود، وخيار قريش‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن قول الله ‏ {‏لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم‏}‏ قال‏:‏ يعني بالقريتين مكة والطائفة، والعظيم الوليد بن المغيرة القرشي وحبيب بن عمير الثقفي‏. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم‏} ‏ قال‏:‏ يعني من القريتين مكة والطائف، والعظيم الوليد بن المغيرة القرشي وحبيب بن عمير الثقفي‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏ ‏{‏لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم‏} ‏ قال‏:‏ يعنون أشرف من محمد، الوليد بن المغيرة من أهل مكة، ومسعود بن عمرو الثقفي من أهل الطائف‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة قال‏:‏ قال الوليد بن المغيرة‏:‏ لو كان ما يقول محمد حقاً، أنزل علي هذا القرآن، أو على عروة بن مسعود الثقفي، فنزلت ‏ {‏وقالوا‏:‏ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم‏} ‏‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ‏ {‏وقالوا‏‏ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم‏}‏ قال‏:‏ القريتان مكة والطائف‏.‏ قال ذلك مشركو قريش‏.‏ قال‏:‏ بلغنا أنه ليس فخذ من قريش إلا قد ادعته، فقالوا‏:‏ هو منا وكنا نحدث أنه الوليد بن المغيرة، وعروة بن مسعود الثقفي‏.‏ قال‏:‏ يقولون فهلا كان أنزل على أحد هذين الرجلين، ليس على محمد صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ‏{‏على رجل من القريتين عظيم‏} ‏ قال‏:‏ عتبة بن ربيعة من مكة، وابن عبد ياليل بن كنانة الثقفي من الطائف، وعمير بن مسعود الثقفي، وفي لفظ وأبو مسعود الثقفي‏.‏ وأخرج ابن عساكر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم‏}‏ قال‏:‏ هو عتبة بن ربيعة - وكان ريحانة قريش يومئذ‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن الشعبي رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏على رجل من القريتين عظيم‏} ‏ قال‏:‏ هو الوليد بن المغيرة المخزومي، أو كنانة بن عمر بن عمير، عظيم أهل الطائف‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا‏} ‏ قال‏:‏ قسم بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا كما قسم بينهم صورهم وأخلاقهم، فتعالى ربنا وتبارك ‏ {‏ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات‏} ‏ قال‏:‏ فتلقاه ضعيف الحيلة، عييّ اللسان، وهو مبسوط له في الرزق، وتلقاه شديد الحيلة سليط اللسان وهو مقتور عليه ‏{‏ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً‏} ‏ قال‏:‏ ملكة يسخر بعضهم بعضاً يبتلي الله به عباده، فالله الله فيما ملكت يمينك‏!‏ ‏{‏ورحمة ربك خير مما يجمعون‏} ‏ قال‏:‏ الجنة‏.‏

السلمي

تفسير : قال ابن عطاء: ليس العظيم عند الله والمكين من عظمته القرى وأهلها وتبين آثار النعيم والغنى عليه، إنما المكين والعظيم من أجرى عليه حكم السعادة فى القدم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} جهلوا العظمة وظنوا ان العظيم من هو له غنى وقوة نفسانية ولو يعلموا ان العظيم هو من عظمة الله بعظمته وكساه انوار سلطانه وبرهانه وهو المصطفى صلى الله عليه وسلم انه عظم قدره فى الدارين بقدر الله وخصة بما قسم له فى الازل بالرسالة والنبوة والشرف والكرامة ووبخهم الله بما تمنوا فى القسمة بقوله {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} جعل معيشة البعض وجعل معيشة البعض علما وخدمة وجعل معيشة البعض ايمانا وصدقا وجعل معيشة البعض توبة وانابة وجعل معيشة البعض محبة وشوقا وعشقا وجعل معيشة البعض معرفة وتوحيدا وجعل معيشة السالكين الفراسات وجعل معيشة الزاهدين الكرامات وجعل معيشة العارفين تراكم الواردات وجعل معيشة الفقراء القناعة والتوكل والرضا والتسليم هذا للمقبلين اليه وللمدبرين عند الغى والضلالة والجهل والغباوة والدنيا الكثيرة الشاغلة من الله عن الله وهم ايضا فى ذلك متفاوتون فبعضهم اعلى من بعض بالمعرفة وبعضهم على من بعض بالمشاهدة وبعضهم اعلى من بعض فى المكاشفة وبعضهم اعلى من بعض فى المحبة وكذلك فى جميع المقامات كما فضل بعض اصحاب الدنيا فى الرزق والمعيشة قال الواسطى فى قوله نحن قسمنا رزق قوما حلال ومدحهم عليه وقوما شبهة وذمهم عليه وقوما حراما وعاقبهم ----- وسرا بالحرام المحض ولم يلمه عليه قال النبى صلى الله عليه وسلم ان روح القدس نفس فى روحى ان نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها الا فاتقوا الله واجملوا فى الطلب وقال الله لهم يقسمون رحمة ربك وقال سهل فضلنا بعضهم على بعض فى المعرفة والطاعة عيشا لهم فى الدنيا والاخرة قال الجنيد بالتمييز وحفظ السر وقال بعضهم بالثقة والتوكل وقال بعضهم بمعرفة كيد النفس وسواس الشيطان ثم بين انّ الله سبحانه أخر الأية ان ما عنده من الاصطفائية الازلية وكشف مشاهدة العزيزة الكريم التى مقدسة من شوايب الاكتساب خير مما يجمعون عن جميع الفضائل وان عيش الأخرة للمؤمنين خير من العيش فى الدنيا بقوله {وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} قال سهل الذكر الله خالصا خير من كثرة الاعمال لطلب الجزاء وقال ابن عطا ما يعطيهم على سبيل الفضل خبر لهم مما يجازيهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقالوا} اهل مكة {لولا} حرف تحضيض {نزل هذا القرءآن على رجل من القريتين} من احدى القريتين مكة والطائف {عظيم} بالمال والجاه كالوليد بن المغيرة المخزومى بمكة وعروة ابن مسعود الثقفى بالطائف فهو على نهج قوله تعالى {أية : يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} تفسير : اى من احدهما وذلك لان من للابتدآء وكون الرجل الواحد من القريتين بعيد فقدر المضاف ومنهم من لم يقدر مضافا وقال أراد على رجل كائن من القريتين كلتيهما والمراد به عروة المذكور لانه كان يسكن مكة والطائف جميعا وكان له فى مكة اموال يتجر بها وكان له فى الطائف بساتين وضياع فكان يتردد اليهما فصار كأنه من أهلهما. يقول الفقير هنا وجه خفى وهو ان النسبة الى القريتين قد تكون بالمهاجرة من احداهما الى الاخرى كما يقال المكى المدنى والمصرى الشامى وذلك بعد الاقامة فى احداهما اربع سنين صرح بذلك اهل اصول الحديث ثم انهم لم يتفوهوا بهذه الكلمة العظيمة حسدا على نزوله على الرسول عليه السلام دون من ذكر من عظمائهم من اعترافهم بقرءآنيته بل استدلالا على عدمها بمعنى انه لو كان قرءآنا لنزل على احد هذين الرجلين بناء عل ما زعموا من ان الرسالة منصب جليل لا يليق به الا من له جلالة من حيث المال والجاه ولم يدروا ان العظيم من عظمه الله واعلى قدره فى الدارين لا من عظمه الناس اذ رب عظيم عندهم حقير عند الله وبالعكس وان الله يختص برحمته من يشاء وهو أعلم حيث يجعل رسالته وفى قولهم عظيم تعظيم لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وعظم شأنه وفخم

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وقالوا لولا نُزِّل هذا القرآنُ على رَجُل من القريتين عظيم} أي: من إحدى القريتين؛ مكة والطائف، على نهج قوله تعالى:{أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤلُؤُ وَالْمَرْجَانُ}تفسير : [الرحمن: 22] وعنوا بعظيم مكة: الوليد بن المغيرة، وبعظيم الطائف: عروة بن مسعود الثقفي. وعن مجاهد: عظيم مكة: عتبة بن ربيعة، وعظيم الطائف: ابن عبد ياليل. ولم يتفوّهوا بهذه العظيمة حسداً، بل استدلالاً على عدم نزوله، بمعنى: لو كان قرآناً لأُنزل على أحد هؤلاء، بناء على ما زعموا من أن الرسالة منصب جليل، لا يليق له إلا مَن له جلالة من جهة المال والجاه، ولم يدْروا أنها رتبة روحانية، لا يرتقى إليها إلا همم الخواص، المختصين بالنفوس الزكية، المؤيّدين بالقوة القدسية، المتحلّين بالفضائل الإنسية، وأما المتزخرفون بالزخارف الدنيوية، المتمتعون بالحظوظ الدنية، فهم من استحقاق تلك الرتبة بألف معزل. قال ابن عطية: وإنما قصدوا إلى مَن عظم ذكره بالسن، وإلا فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان أعظم هؤلاء؛ إذ كان المسمى عندهم الأمين. هـ. ومرادهم: الشرف الدنيوي، بحيث يتعرض للأمور؛ ليُذكَر ويُشار إليه، ورسوله الله صلى الله عليه وسلم كان منزَّهاً عن ذلك من أول النشأة، كما هو حال أهل الآخرة، والنفوس في مهماتها إليهم أميلُ، وعليهم تعول، ولذلك كان أميناً عندهم، ولا ترضى جل النفوس أهل الفضول؛ لأماناتها، ولا تسكن إليها وتطمئن بها، وإنما تعظمها ظاهراً، لا حقيقة. وهذا كافٍ في الرد عليهم في أنهم لا يرضونهم لأماناتهم، لكيف يُرضون لأمانات الوحي.{أية : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَه}تفسير : [الأنعام: 124]. قاله في الحاشية. وقوله تعالى: {أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ ربك}، إنكار عليهم، وفيه تجهيل لهم وتعجيب من تحكمِهم في اختيار مَن يصلح للنبوة. والمراد بالرحمة: النبوة. {نَحنُ قَسَمْنَا بينهم معيشتَهم}؛ ما يعيشون به، وهو أرزاقهم الحسية {في الحياة الدنيا} أي: لم نجعل قسمة الأدون إليهم، وهو رزق الأشباح، فكيف بالنبوة، والعلم، الذي هو رزق الأرواح؟ {ورفعنا بعضهم فوق بعضٍ درجات} أي: جعلنا البعض أقوياء وأغنياء وموالي، والبعض ضعفاء وفقراء وخدماء، {ليتخذ بعضُهُم بعضاً سُخْرياً} أي: ليصرف بعضهم بعضاً في حوائجهم، ويستخدموهم في مهماتهم، ويُسخروهم في أشغالهم، حتى يتعايشوا، ويصلوا إلى أعمالهم، هذا بماله، وهذا ببدنه، ولو استووا في الغنى والفقر لبطل جُل المصالح، فسبحان المدبّر الحكيم. قال القشيري: لو كانت المقاديرُ متساويةٌ لَتَعَطلَت المعايشُ، ولَبَقي كلٌّ عند حاله، فجعل بعضَهُم مخصوصاً بالترفُّه والمال، وآخرين بالفقر ورقّة الحال، حتى احتاج الفقيرُ في حين حاجته أن يعمل للغنيِّ، ليترفّق من جهته بأجرته، فيصلُح بذلك أمر الفقير والغنيّ معاً. هـ. ولو فوّضنا ذلك إلى تدبيرهم لهلكوا. وإذا كانوا في تدبير خويصة أمرهم، وما يصلحهم من متاع الدنيا الدنية، في غاية العجز، فما ظنهم في تدبير أمر الدين والنبوة؟!. وقيل: "سخريا" أي: يسخر بعضهم من بعض. {ورحمتُ ربك} أي: النبوة، أو: الدين وما يتبعه من الفوز في المآب، {خيرٌ مما يجمعون} أي: مما يجمعُ هؤلاء من حُطام الدنيا الدنية الفانية. الإشارة: مما جرى في طبع الناس أنهم لا يُقرون الولاية إلا فيمن عَظُمَ جاهُه، وكثر طعامه، أو كثرت صلاته، أو كان مجذوباً مصطلماً، أو: سبقت في أسلافه، وهذا خطأ، فإن الولاية سر من أسرار الله، أودعها قلوب أصفيائه، لا تظهر على جوارحهم، ولا تكون في الغالب إلا في أهل التجريد، وأهل الخمول، أخفاها الله في عابده، فمَن ادعاها من غير تجريد ولا تخريب، فهو مدّعٍ، ولذلك قال أبو المواهب رضي الله عنه: مَا ادّعى شهود الجمال، قبل تأدُّبه بالجلال، فارفضه فإنه دجال. ويقال لمَن أنكر على أهلها من أهل التجريد: {أهُم يقسمون رحمت ربك...} الآية، ورحمة ربك - هي سر الخصوصية - خير مما يجمعون. وقال القشيري على قوله تعالى: {نحن قسمنا بينهم معيشتهم...} الخ، بعد كلام: ثم إنه تعالى قَسَمَ لبعض عباده النعمةَ والغنى، ولقوم الفقر والقلّة، وجعل لكلّ واحدٍ منهم مسكناً يسكنون إليه، ويستقلُّون به، فللأغنياء وجود الأنعام، وجزيل الأقسام، فشكروا واستبشروا، وللفقراء شهودُ القَسَّام، فحَمدوا وافتخروا، فالأغنياء وجدوا النعمة فاستغنوا وانشغلوا، والفقراء سمعوا قوله: "نحن" فاشتغلوا، وفي الخبر: أنه صلى الله عليه وسلم قال للأنصار:"حديث : أما تَرضَون أن يرجع الناس بالشاء والبعير، وترجعوا برسول الله إلى أهليكم؟ والله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون"تفسير : .هـ. قوله تعالى: {نحن قسمنا بينهم...} الخ، قد سبقت أقسام الرزق قبل ظهور الخلق، فالواجب انتظار القسمة، والرضا بما قسم، كما قال الشاعر: شعر : اقنعْ بما قسم الرزّاق من قِسَم وسلّم الأمرَ فالرزاق مختارُ لا تجزعن ولا تبطَر على مِحَنٍ أو مِنَح، فإنما هي أحكام وأقدارُ واقنع بكل الذي يجري الزمانُ به ولا يكن منك للمغرور انكسارُ تفسير : ثم ذكر إهانة الدنيا، وخساستها عنده، فقال: {وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً}.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير وابو عمرو {سقفاً} على التوحيد - بفتح السين - الباقون {سقفاً} بضم السين والقاف - على الجمع - وقرأ حمزة والكسائي {لما متاع الحياة الدنيا} مشددة الميم. الباقون خفيفة. من شدد الميم جعل (لما) بمعنى (إلا) ومن خفف جعل (ما) صلة إلا ابن عامر فانه خفف وشدد. قال ابو علي: من خفف جعل (إن) المخففة من الثقيلة وأدخل اللام للفصل بين النفي والايجاب، كقوله {أية : وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} تفسير : ومن نصب بها مخففة، فقال إن زيداً منطلق استغنى عن اللام، لأن النافية لا ينتصب بعدها الاسم، و (ما) زائدة. والمعنى: وإن كل ذلك لمتاع الحياة. حكى الله عن هؤلاء الكفار الذين حكى عنهم أنهم قالوا لما جاءهم الحق الذي هو القرآن {لولا نزل} إن كان حقاً {على رجل من القريتين عظيم} يعني بالقريتين مكة والطائف، ويعنون بالرجل العظيم من احد القريتين - فى قول ابن عباس - الوليد ابن المغيرة المخزومي القرشي من أهل مكة، أو حبيب بن عمرو ابن عمير من الطائف، وهو الثقفي. وقال مجاهد: يعني بالذي من أهل مكة عقبة بن ربيعة، والذي من اهل الطائف ابن عبد باليل. وقال قتادة: الذى من أهل مكة يريدون الوليد ابن المغيرة، والذى من اهل الطائف عروة بن مسعود الثقفي. وقال السدى: الذى من أهل الطائف كنانة بن عمرو. وإنما قالوا ذلك لأن الرجلين كانا عظيمي قومهما، وذوى الأموال الجسيمة فيهما، فدخلت الشبهة عليهم فاعتقدوا أن من كان كذلك كان أولى بالنبوة. وهذا غلط لان الله تعالى يقسم الرحمة بالنبوة كما يقسم الرزق في المعيشة على حسب ما يعلم من مصالح عباده فليس لأحد ان يتحكم في شيء من ذلك. فقال تعالى على وجه الانكار عليهم والتهجين لقولهم {أهم يقسمون رحمة ربك} أى ليس لهم ذلك بل ذلك اليه تعالى. ثم قال تعالى {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً} وقيل: الوجه في إختلاف الرزق بين الخلق في الضيق والسعة زيادة على ما فيه من المصلحة إن في ذلك تسخير بعض العباد لبعض باحواجهم اليهم، لما فى ذلك من الأحوال التي تدعو إلى طلب الرّفعة وارتباط النعمة ولما فيه من الاعتبار بحال الغنى والحاجة، وما فيه من صحة التكليف على المثوبة. ثم قال تعالى {ورحمة ربك خير مما يجمعون} يعني رحمة الله ونعمه من الثواب في الجنة خير مما يجمعه هؤلاء الكفار من حطام الدنيا. ثم اخبر تعالى عن هوان الدنيا عليه وقلة مقدارها عنده بأن قال {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة} أي لولا انهم يصيرون كلهم كفاراً {لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون} استحقاراً للدنيا وقلة مقدارها ولكن لا يفعل ذلك، لانه يكون مفسدة. والله تعالى لا يفعل ما فيه مفسدة. ثم زاد على ذلك وكنا نجعل لبيوتهم على كون سقفهم من فضة معارج، والسقف بالضم سقف مثل رهن ورهن. وقال مجاهد: كل شيء من السماء فهو سقف، وكل شيء من البيوت فهو سقف بضمتين، ومنه قوله {أية : وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً} تفسير : قال الفراء قوله {لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً} يحتمل أن تكون اللام الثانية مؤكدة للاولى، ويحتمل أن تكون الثانية بمعنى (على) كأنه قال لجعلنا لمن يكفر بالرحمن على بيوتهم سقفاً، كما تقول: جعلنا لك لقومك العطاء أي جعلته لاجلك {ولبيوتهم أبواباً وسرراً} جمع سرير {عليها يتكؤن} من فضة ايضاً وحذف لدلالة الكلام عليها. وقوله {وزخرفاً} قال ابن عباس: هو الذهب. وبه قال الحسن وقتادة والضحاك. وقال ابن زيد: هو الفرش ومتاع البيت، والمزخرف المزين. وقال الحسن المزخرف المنقوش والسقف جمع سقوف كرهون ورهن. وقيل: هو جمع سقف ولا نظير له والأول أولى، لانه على وزن زبور وزبر. والمعارج الدرج - فى قول ابن عباس وقتادة - وهي المراقي قال جندب بن المثنى: شعر : يا رب رب البيت ذي المعارج تفسير : {ومعارج} درجا {عليها يظهرون} أي يصعدون. وقال ابن عباس والحسن وقتادة والسدي لولا ان يكون الناس أمة واحدة أي يجتمعون كلهم على الكفر. وقال ابن زيد: معناه يصيرون كلهم أمة واحدة على طلب الدنيا. ثم قال {وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا} معناه ليس كل ذلك يعني ما ذكره من الذهب والفضة والزخرف إلا متاع الحياة الدنيا الذي ينتفع به قليلا ثم يفنى وينقطع. ثم قال {والآخرة} أي العاقبة {عند ربك} الثواب الدائم {للمتقين} الذين يتقون معاصيه ويفعلون طاعاته فصار كل عمل ما للدنيا صغير بالاضافة إلى ما يعمل للاخرة، لأن ما يعمل للدنيا منقطع وما يعمل للآخرة دائم.

الأعقم

تفسير : {وقالوا لولا نزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} اتفقوا على أنّ القريتين مكة والطائف، واختلفوا في القريتين قيل: الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود... ينكرون أن يبعث بشراً رسولاً {عظيم} أي عظيم الشأن ممجدا في الدنيا بالمال والجاه {أهم يقسمون رحمة ربك} استفهام والمراد الإِنكار، أي ليس اليهم قسمة الرحمة حتى يجعلوا النبوة إلى من يشاؤوا، ورحمة ربك أي رزقه ونعمته بين عباده دنيا وديناً {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا} يعني لم يرض قسمتهم أسباب الدنيا لأنهم لا يصلحون لها ومن لا يصلح لقسمة دنياه كيف يصلح لقسمة النبوة؟ فنحن قسمنا ذلك بينهم لحسب ما علمناه في صالحهم، فبعضهم غني وبعضهم فقير، وبعضهم مالك وبعضهم مملوك {ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات} في المال {ليتّخذ بعضهم بعضاً سخرياً} وهو تسخير الفقير للغني بماله واللام لام العاقبة، والمعنى ينتفع كل طبقة بالأخرى وكل واحد يحتاج إلى صاحبه من وجه ويتملك بعضهم فيتخذهم عبيداً {ورحمة ربك خير مما يجمعون} قيل: ثواب الآخرة والجنة خير مما يجمعون من أموال الدنيا لأنها باقية {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة} أي جماعة واحدة كلهم على طلب الدنيا واختاروها على العقبى، وقيل: كلهم كفار عن ابن عباس، وإنما لم يفعل ذلك لكونه مفسدة {لجعلنا لمن يكفر بالرحمان لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج} قيل: درجات {عليها يظهرون} {ولبيوتهم أبواباً} من فضة {وسرراً عليها يتّكئون وزخرفاً} قيل: هو الذهب، وقيل: الفرش {وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا} أي لو جعل ذلك لكان متاع الحياة الدنيا يتمتع بها قليلاً ثم تزول، وهو معنى قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : لو وزنت الدنيا عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء" تفسير : {والآخرة عند ربك للمتقين} أي الثواب والجنة التي هي دائمة باقية {ومن يعش عن ذكر الرحمان} قيل: يعرض، وقيل: يعمى، قال أبو علي: هذا مجاز شبهت بالعمى لما لم يبصروا الحق، وقيل: العشق النير في الظلم، واختلفوا في الذكر قيل: الايمان والدلالة، وقيل: القرآن {نقيض له شيطاناً فهو له قرين} يعني من يعرض عن ذكر الله نخلي بينه وبين الشيطان فيصير قرينه، وقيل: يقرنه في الآخرة ليذهب به إلى النار كما أن المؤمن يصير قرينه في الآخرة ملك يذهب به إلى الجنة، وقيل: هو قرينه في الدنيا يوسوس له ويزين له سوء عمله ويقرن به في الآخرة {وإنهم} يعني الشياطين {ليصدّونهم عن السبيل} أي يصرفون هؤلاء الكفار عن طريق الحق {ويحسبون أنهم مهتدون} {حتى إذا جاءنا} يعني جاء عرصة القيامة التي لا حكم إلا لله فيها {قال} يعني الكافر الذي هو تابع للشيطان: {يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين} قيل: المشرق والمغرب فغلب أحدهما على الآخر، والمعنى يا ليت بينك وبيني من البعد ما بين المشرق والمغرب، وهي كلمة دالة على الندم {فبئس القرين} في الدنيا حيث أظللتني، وقيل: في النار {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون} لأن حقكم إنكم تشتركوا أنتم وشركاؤكم في العذاب كما كنتم مشتركون في الدنيا {أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي} يعني من لا يبصر الحق بمنزلة الأعمى والأصم لأنهم لا يتفكرون ولا ينظرون ولا يسمعون {ومن كان في ضلال مبين} ظاهر لأنه لا يهتدي ولا يقبل.

اطفيش

تفسير : {وَقَالُواْ لَوْلاَ} حرف تحضيض* {نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ} احدى* {الْقَرْيَتَيْنِ} نعت لرجل على حذف مضاف أي من أهل القريتين أو من رجلي القريتين وعلى تسمية الحال باسم المحل فالمراد بالقريتين الناس الساكنيها أو القرية حقيقة في المحل وفي أهله وذلك خلاف* {عَظِيمٍ} نعت آخر من تقديم النعت الظرفي على المجرد ان لم يحل من القريتين حالا من ضمير عظيم والقريتان مكة والطائف وعظيم مكة الوليد بن المغيرة المخزومي وعظيم الطائف حبيب بن عمرو الثقفي قاله ابن عباس وغيره وبعض يقول حبيب بن عمرو بن عمير وقيل عظيم مكة الوليد بن المغيرة وعظيم الطائف عروة بن مسعود الثقفي ويكنى ابا مسعود وقيل عظيم مكة عتبة بن ربيعة وعظيم الطائف أبو عمير بن عبد ياليل الثقفي وممن قال عظيم مكة عتبة بن ربيعة وعظيم الطائف كنانة أو عمير مجاهد وممن قال عظيم مكة الوليد وعظيم الطائف عروة قتادة. وقد بان لك أن المراد من احدى القريتين ومرادهم ان منصب النبوة منصب عظيم شريف لا يليق الا بشريف عظيم المال والجاه من إحداهما فاذا لم يكن محمد كذلك فليس بنبي لعنهم الله لم يعلموا ان النبوة رتبة يتأهل لها بسابق علم الله من تحل بالفضائل القدسية لا من تحلٍ بعرض الدنيا لما كرر الله عليهم الحجج بأن الرسل لا يكونون الا رجالاً من أهل القرى لانكارهم أنكروا من وجه آخر هو تحكمهم أن يكون أحد هذين الرجلين وعن بعض أن المراد عظيم السن والا فرسول الله أعظم من هؤلاء اذ كان المسمى عندهم الأمين وقوله* {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ}

اطفيش

تفسير : {وقالوا ولولا نزِّل هَذا القُرآن} الإشارة للتحقير أى هذا الكلام الذى يدعى محمد صلى الله عليه وسلم أنه كلام من الله يقرأ {عَلى رجُلٍ مِن القَريتَيْن} يصدر منها فمن للابتداء أو من أهلها فهى للتبعيض وهما مكة والطائف {عَظيمٍ} بالجاه والمال، الوليد ابن المغيرة المخزومى من مكة، أو حبيب بن عمرو بن عمير الثقفى من الطائف عند ابن عباس، والوليد بن المغيرة المذكور، أو عروة بن مسعود الثقفى من الطائف، وكان الوليد بن المغيرة يسمى ريحانة قريش، وكان يقول: لو كان ما يقول محمد صلى الله عليه وسلم حقا لنزل علىَّ أو على أبى مسعود، يعنى عروة بن مسعود المذكور، وكان يكنى أبا مسعود، أو عتبة بن ربيعة من مكة، وكنانة بن عبد ياليل الثقفى من الطائف، جهلوا أن الرسالة ليست بالمال والجاه، بل لصفاء النفس عن الرذائل.

الالوسي

تفسير : {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ} أي من إحدى القريتين مكة والطائف أو من رجالهما فمن ابتدائية أو تبعيضية. وقرىء {رجل} بسكون الجيم {عظِيمٌ} بالجاه والمال قال ابن عباس: الذي من مكة الوليد بن المغيرة المخزومي والذي من الطائف حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي، وقال مجاهد: عتبة بن ربيعة وكنانة بن عبد ياليل، وقال قتادة: الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي، وكان الوليد بن المغيرة يسمى ريحانة قريش وكان يقول: لو كان ما يقول محمد صلى الله عليه وسلم حقاً لنزل عليَّ أو على أبـي مسعود يعني عروة بن مسعود وكان يكنى بذلك. وهذا باب آخر من إنكارهم للنبوة وذلك أنهم أنكروا أولاً أن يكون النبـي بشراً ثم لما بكتوا بتكرير الحجج ولم يبق عندهم تصور رواج لذلك جاؤا بالإنكار من وجه آخر فتحكموا على الله سبحانه أن يكون الرسول أحد هذين وقولهم {هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ} ذكر له على وجه الاستهانة لأنهم لم يقولوا هذه المقالة تسليماً بل إنكاراً كأنه قيل: هذا الكذب الذي يدعيه لو كان حقاً لكان الحقيق به رجل من القريتين عظيم وهذا منهم لجهلهم بأن رتبة الرسالة إنما تستدعي عظيم النفس بالتخلي عن الرذائل الدنية والتحلي بالكمالات والفضائل القدسية دون التزخرف بالزخارف الدنيوية.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة { أية : قالوا هذا سحر } تفسير : [الزخرف: 30] فهو في حيّز جواب { أية : ولمّا } تفسير : [الزخرف: 30] التوقيتية واقع موقع التعجيب أيضاً، أي بعد أن أخذوا يتعللون بالعلل لإنكار الحق إذ قالوا للقرآن: هذا سحر، وإذ كان قولهم ذلك يقتضي أن الذي جاء بالقرآن ساحِر انتُقل إلى ذِكر طعن آخر منهم في الرّسول صلى الله عليه وسلم بأنه لم يكن من عظماء أهل القريتين. و{لولا} أصله حرف تحْضيض، استعمل هنا في معنى إبطال كونه رسولاً على طريقة المجاز المرسل بعلاقة الملازمة لأن التحْضيض على تحصيل ما هو مقطوع بانتفاء حصوله يستلزم الجزم بانتفائه. والقريتان هما: مكة والطائف لأنّهما أكبر قُرى تهامة بلد القائلين وأما يثرب وتيماء ونحوهما فهي من بلد الحجاز. فالتعريف في {القريتين} للعهد، جعلوا عماد التأهل لسيادة الأقوام أمرين: عظمة المسوّد، وعظمة قريته، فهم لا يدينون إلا من هو من أشهر القبائل في أشهر القرى لأن القرى هي مأوى شؤون القبائل وتموينهم وتجارتهم، والعظيم: مستعار لصاحب السؤدد في قومه، فكأنه عظيم الذات. روي عن ابن عباس أنهم عَنَوْا بعظيم مكة الوليدَ ابن المغيرة المخزومي، وبعظيم الطائف حبيب بن عمرو الثقفي. وعن مُجاهد أنهم عنَوا بعظيم مكة عتبة بن رَبيعة وبعظيم الطائف كنانة بن عبد يَالِيل. وعن قتادة عنوا الوليدَ بن المغيرة وَعُروة بن مسعود الثقفي. ثم يحتمل أنهم قالوا هذا اللّفظ المحكي عنهم في القرآن ولم يسموا شخصين معيّنَيْن، ويحتمل أنهم سمّوا شخصين ووصفوهما بهذين الوصفين، فاقتصر القرآن على ذكر الوصفين إيجازاً مع التنبيه على ما كانوا يؤهلون به الاختيار للرسالة تحميقاً لرأيهم. وكان الرجلان اللّذان عَنوهما ذَوَيْ مال لأنّ سَعة المال كانت من مقومات وصف السؤدد كما حكي عن بني إسرائيل قولهم: { أية : ولم يؤت سعةً من المال } تفسير : [البقرة: 247].

الشنقيطي

تفسير : وقالوا: أي قال كفار مكة، لولا أي هلا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين، أي من إحدى القريتين، وهما مكة والطائف عظيم يعنون بعظمه، كثرة ماله وعظم جاهه، وعلو منزلته في قومه، وعظيم مكة الذي يريدون هو الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب، وفي مرة بن كعب يجتمع نسبه بالنبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: هو عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف. وعظيم الطائف. هو عروة بن مسعود. وقيل حبيب بن عمرو بن عمير. وقيل هو كنانة بن عبد يا ليل وقيل غير ذلك. وإيضاح الآية أن الكفار أنكروا أولاً أن يبعث الله رسولاً من البشر كما أوضحناه مراراً. ثم لما سمعوا الأدلة على أن الله لم يبعث إلى البشر رسولاً إلا من البشر تنازلوا عن اقتراحهم إرسال رسل من الملائكة إلى اقتراح آخر، وهو اقتراح تنزيل هذا القرآن على أحد الرجلين المذكورين: وهذا الاقتراح يدل على شدة جهلهم، وسخافة عقولهم، حيث يجعلون كثرة المال، والجاه في الدنيا، موجباً لاستحقاق النبوة. وتنزيل الوحي. ولذا زعموا، أن محمداً صلى الله عليه وسلم، ليس أهلاً لإنزال هذا القرآن عليه، لقلة ماله، وأن أحد الرجلين المذكورين أحق أن ينزل عليه القرآن منه صلى الله عليه وسلم. وقد بين تعالى في هذه الآية الكريمة، شدة جهلهم، وسخافة عقولهم، بقوله {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} والظاهر المتبادر أن المراد برحمة ربك النبوة وإنزال الوحي. وإطلاق الرحمة على ذلك متعدد في القرآن كقوله تعالى في الدخان {أية : إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} تفسير : [الدخان: 5-6] الآية، وقوله في آخر القصص {أية : وَمَا كُنتَ تَرْجُوۤ أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} تفسير : [القصص: 86] الآية، وقوله في آخر الأنبياء {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 107]. وقد قدمنا الآيات الدالة، على إطلاق الرحمة: والعلم على النبوة في سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: {أية : فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا} تفسير : [الكهف: 65] الآية. وقدمنا معاني إطلاق الرحمة، في القرآن في سورة فاطر، في الكلام على قوله تعالى {أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا} تفسير : [فاطر: 2] الآية. وقوله تعالى في هذه الآية {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} [الزخرف: 32] يعني أنه تعالى لم يفوض إليهم أمر معايشهم وحظوظهم، في الدنيا، بل تولى هو جل وعلا قسمة ذلك بينهم، فجعل هذا غنياً، وهذا فقيراً، وهذا رفيعاً، وهذا وضيعاً، وهذا خادماً، وهذا مخدوماً، ونحو ذلك فإذا لم يفوض إليهم، حظوظهم في الدنيا، ولم يحكمهم فيها. بل كان تعالى هو المتصرف فيها بما شاء كيف شاء، فكيف يفوض إليهم أمر إنزال الوحي حتى يتحكموا في من ينزل إليه الوحي؟ فهذا مما لا يعقل ولا يظنه إلا غبي جاهل كالكفار المذكورين. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّا} التحقيق إن شاء الله أنه من التسخير. ومعنى تسخير بعضهم لبعض، خدمة بعضهم البعض، وعمل بعضهم لبعض، لأن نظام العالم في الدنيا، يتوقف قيامه على ذلك فمن حكمته جل وعلا، أن يجعل هذا فقيراً مع كونه قوياً قادراً على العمل، ويجعل هذا ضعيفاً لا يقدر على العمل بنفسه، ولكنه تعالى يهيئ له دراهم، يؤجر بها ذلك الفقير القوي فينتفع القوي بدراهم الضعيف، والضعيف بعمل القوي فتنتظم المعيشة، لكل منهما وهكذا. وهذه المسائل التي ذكرها الله جل وعلا، في هذه السورة الكريمة جاءت كلها موضحة في آيات أخر من كتاب الله. أما زعمهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم أنقص شرفاً، وقدراً من أن ينزل عليه الوحي، فقد ذكره الله عنهم في (ص) في قوله تعالى {أية : أَأُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بْل هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي} تفسير : [ص: 8] الآية. فقول كفار مكة {أية : أَأُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا} تفسير : [ص: 8] معناه إنكارهم، أن يخصه الله بإنزال الوحي من بينهم، لزعمهم أن فيهم من هو أحق بالوحي منه، لكثرة ماله، وجاهه وشرفه فيهم. وقد قال قوم صالح، مثل ذلك لصالح، كما قال تعالى منهم {أية : أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} تفسير : [القمر: 25]. فقلوب الكفار متشابهة فكانت أعمالهم متشابهة. كما قال تعالى {أية : كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} تفسير : [البقرة: 118] وقال تعالى {أية : أَتَوَاصَوْاْ بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} تفسير : [الذاريات: 53]. وأما اقتراحهم إنزال الوحي على غيره منهم، وأنهم لا يرضون خصوصيته بذلك دونهم، فقد ذكره تعالى في سورة الأنعام في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام: 124] وقوله تعالى في المدثر {أية : بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً} تفسير : [المدثر: 52]. أي تنزل عليه صحف بالوحي من السماء، كما قال مجاهد وغير واحد، وهو ظاهر القرآن. وفي الآية قول آخر معروف. وأما إنكاره تعالى عليهم، اقتراح إنزال الوحي على غير محمد صلى الله عليه وسلم، الذي دلت عليه همزة الإنكار المتضمنة مع الإنكار لتجهيلهم، وتسفيه عقولهم، في قوله: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ} [الزخرف: 32]. فقد أشار تعالى إليه مع الوعيد الشديد في الأنعام. لأنه تعالى لما قال {أية : وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام: 124] أتبع ذلك بقوله، رداً عليهم، وإنكاراً لمقالتهم {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} تفسير : [الأنعام: 124]. ثم أوعدهم على ذلك بقوله {أية : سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ} تفسير : [الأنعام: 124]. وأما كونه تعالى هو الذي تولى قسمة معيشتهم بينهم، فقد جاء في مواضع أخر كقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ} تفسير : [النحل: 71]. وقوله تعالى {أية : ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} تفسير : [الإسراء: 21] وقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ} تفسير : [الرعد: 26] وقوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرُ بَصِيرٌ} تفسير : [الشورى: 27] وقوله تعالى: {أية : إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا} تفسير : [النساء: 135] الآية. وقد أوضح تعالى حكمة هذا التفاضل، والتفاوت في الأرزاق، والحظوظ والقوة والضعف، ونحو ذلك، بقوله هنا {لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً} [الزخرف: 32]، كما تقدم. وقوله تعالى هنا {وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}. يعني أن النبوة، والاهتداء يهدي الأنبياء، وما يناله المهتدون يوم القيامة، خير مما يجمعه الناس في الدنيا من حطامها. وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى، في غير هذا الموضع، كقوله في سورة يونس {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} تفسير : [يونس: 58] وقوله تعالى في آل عمران {أية : وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} تفسير : [آل عمران: 157]. مسألة دلت هذه الآيات الكريمة، المذكورة هنا، كقوله تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ} [الزخرف: 32] الآية. وقوله {أية : وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ} تفسير : [النحل: 71] الآية ونحو ذلك من الآيات، على أن تفاوت الناس في الأرزاق، والحظوظ سنة، من سنن الله السماوية الكونية، القدرية، لا يستطيع أحد من أهل الأرض، البتة تبديلها، ولا تحويلها، بوجه من الوجوه، {أية : فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلاً} تفسير : [فاطر: 43]. وبذلك تحقق أن ما يتذرع به الآن الملاحدة المنكرون لوجود الله، ولجميع النبوات، والرسائل السماوية، إلى ابتزاز ثروات الناس، ونزع ملكهم الخاص، عن أملاكهم بدعوى المساواة بين الناس، في معايشهم أمر باطل. لا يمكن بحال من الأحوال. مع أنهم لا يقصدون ذلك الذي يزعمون. وإنما يقصدون استئثارهم، بأملاك جميع الناس، ليتمتعوا بها ويتصرفوا فيها، كيف شاءوا، تحت ستار كثير من أنواع الكذب، والغرور والخداع، كما يتحققه كل عاقل مطلع على سيرتهم، وأحوالهم مع المجتمع في بلادهم. فالطغمة القليلة الحاكمة، ومن ينضم إليها، هم المتمتعون بجميع خيرات البلاد. وغيرهم من عامة الشعب. محرومون من كل خير. مظلومون في كل شيء. حتى ما كسبوه بأيديهم، يعلفون ببطاقة، كما تعلف البغال والحمير. وقد علم الله جل وعلا في سابق علمه أنه يأتي ناس يغتصبون أموال الناس بدعوى أن هذا فقير وهذا غني وقد نهى جل وعلا عن اتباع الهوى بتلك الدعوى، وأوعد من لم ينته عن ذلك، بقوله تعالى: {أية : إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} تفسير : [النساء: 135]. وقوله: {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} تفسير : [النساء: 135] فيه وعيد شديد لمن فعل ذلك.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْقُرْآنُ} (31) - وَقَالُوا كَالمُعْتَرِضِينَ عَلَى اخْتِيَارِ اللهِ رَسُولَهُ الكَرِيمَ: إِنَّ مَنْصِبَ الرِّسَالَةِ مَنْصِبٌ شَرِيفٌ، فَلاَ يَلِيقُ إِلاَّ بِرَجُلٍ شَرِيفٍ عَظِيمِ الجَاهِ كَثِيرِ الثَّرَاءِ مِنْ أَهْلِ مَكَةَ أَوْ مِنْ أهْلِ الطَّائِفِ (القَرْيَتَينِ) لأَِنَّ مُحَمَّداً لَيْسَ بِذَلِكَ الغَنيِّ العَظِيمِ الجَاهِ. (وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ السَّلَفِ أَنَّهُمْ إِنَّمَا كَانُوا يَقْصِدُونَ بِقَوْلِهِمْ هَذَا الوَلِيدَ بنَ المُغِيرَةِ مِنْ مَكّةَ أَو الوَلِيدَ بْنَ مَسْعُودٍ الثَّقفِيَّ مِنَ الطَّائِفِ). مِنَ القَرْيَتَينِ - مَكّةَ والطَّائِفِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهذا إقرار منهم بأن القرآن حَقّ ولا اعتراضَ عليه، إنما اعتراضهم على شخص رسول الله، وأنه من أوسط الناس وليس عظيماً من عظمائهم، ولا سيداً من ساداتهم في القريتين أي: مكة والطائف. وقد كان في الطائف عروة بن مسعود الثقفي، وفي مكة الوليد بن المغيرة وغيرهم. فردَّ الله عليهم: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} قال القريتين: مكة والطائفُ. والرَّجلانِ عَمرو بن مسعود الثقفي من الطائفِ. ومن مكة عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس. ويقال: الوليدُ بن المغيرة المَخزُومي.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 873 : 3 : 2 - سفين عن عمران الطايفي عن خاله قال سمعت بن عباس يقول في قول الله {لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} قال، الطايف ومكة. قال، العظيم احدهما النختار بن أبي عبيد والآخر من عظماء قريش. [الآية 31]. 874 : 4 : 7 - سفين عن مجاهد {لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} قال، عتبة بن ربيعة.

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم سورة [حـمۤ] الزُّخرُف 497 - أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ، قال: حدثنا خالدُ بن مخلدٍ، قال: حدَّثنا سعيد بن السائب، عن عبيد الله بن يزيد الطَّائفيِّ، قال: سألنا ابن عباسٍ، قُلنا: (ما هذانِ الرَّجُلانِ اللَّذَانِ) قال المُشركون فيهما ما قالوا حين نَفِسا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما آتاهُ الله [على الناسِ. قال:] أما عن أهلِ هذه القريةِ - للطائفِ - فجدُّ المُختارِ: مسعود/ بن عمرو، وأما [عن] أهل مكةَ، فجبارٌ من جبابرة قريشٍ - ولم يُسمهِ لنا.

همام الصنعاني

تفسير : 2762- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}: [الآية: 31]، قال: الرجل الوليد بن المغيرة، قال: لوكان ما يقول محمد حقّاً؛ أنزل عليَّ هذا القرآن أو على أبي مسعُود الثقفي، والقرتيان: الطائف ومكة. وأبو مسعود الثقفي من الطائف، واسمه: عروة بن مسعود.