٤٣ - ٱلْزُّخْرُف
43 - Az-Zukhruf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
32
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ } النبوّة {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } فجعلنا بعضهم غنياً وبعضهم فقيراً {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ } بالغنى {فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَٰتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم } الغنيّ {بَعْضًا } الفقير {سُخْرِيّاً } مسخراً في العمل له بالأجرة. والياء للنسب، وقرىء بكسر السين {وَرَحْمَتُ رَبِّكَ } أي الجنة {خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } في الدنيا.
ابن عبد السلام
تفسير : {رَحْمَتَ رَبِّكَ} النبوة فيضعونها حيث شاءوا {مَّعِيشَتَهُمْ} أرزاقهم. فتلقاه قليل الحيلة ضعيف القوة عِي اللسان وهو مبسوط عليه في رزقه وتلقاه شديد الحيلة عظيم القوة بسيط اللسان وهو مقتر عليه {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ} بالفضائل، أو الحرية والرق،أو بالغنى والفقر، أو بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو بالتفضيل في الرزق فقسم رحمته بالنبوة كما قسم الزرق بالمعيشة {سُخْرِيّاً} خدماً، أو مِلكاً {وَرَحْمَتُ رَبِّكَ} النبوة خير من الغنى، أو الجنة خير من الدنيا، أو إتمام الفرائض خير من كثرة النوافل،أو ما يتفضل به عليهم خير مما يجازيهم عليه.
الخازن
تفسير : {أهم يقسمون رحمة ربك} معناه أبأيديهم مفاتيح الرسالة فيضعوها حيث شاؤوا وفيه الإنكار الدال على تجهيلهم والتعجب من اعتراضهم وتحكمهم وأن يكونوا هم المدبرين لأمر النبوة ثم ضرب لهذا مثلاً فقال تعالى: {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا} أي نحن أوقعنا هذا التفاوت بين العباد فجعلنا هذا غنياً وهذا فقيراً وهذا مالكاً وهذا مملوكاً وهذا قوياً وهذا ضعيفاً ثم إن أحداً من الخلق لم يقدر على تغيير حكمنا ولا على الخروج عن قضائنا فإذا عجزوا عن الاعتراض في حكمنا في أحوال الدنيا مع قلتها وذلتها فكيف يقدرون على الاعتراض على حكمنا في تخصيص بعض عبادنا بمنصب النبوة والرسالة والمعنى كما فضلنا بعضهم على بعض كما شئنا كذلك اصطفينا بالرسالة من شئنا ثم قال تعالى: {ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً} يعني لو أننا سوينا بينهم في كل الأحوال لم يخدم أحد أحداً ولم يصر أحد منهم مسخراً لغيره، وحينئذ يقضي ذلك إلى خراب العالم وفساد حال الدنيا ولكنا فعلنا ذلك ليستخدم بعضهم بعضاً فتسخر الأغنياء بأموالهم الأجراء الفقراء بالعمل فيكون بعضهم لبعض سبب المعاش فهذا بماله وهذا بعمله فيلتئم قوام العالم وقيل يملك بعضهم بما له بعضاً بالملك {ورحمة ربك} يعني الجنة {خير} يعني للمؤمنين {مما يجمعون} أي يجمع الكفار من الأموال لأن الدنيا على شرف الزوال والانقراض وفضل الله ورحمته يبقى أبد الآبدين. قوله عز وجل: {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة} أي لولا أن يصيروا كلهم كفاراً فيجتمعون على الكفر ويرغبون فيه إذا رأوا الكفار في سعة من الخير والرزق لأعطيت الكفار أكثر الأسباب المفيدة للتنعم وهو قوله تعالى: {لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج} يعني مصاعد ودرجات من فضة {عليها يظهرون} يصعدون ويرتقون عليها {ولبيوتهم أبواباً} أي من فضة {وسرراً} أي ولجعلنا لهم سرراً من فضة {عليها يتكئون وزخرفاً} أي ولجعلنا من ذلك زخرفاً وهو الذهب وقيل الزخرف الزينة من كل شيء {وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا} يعني أن الإنسان يستمتع بذلك قليلاً ثم ينقضي لأن الدنيا سريعة الزوال والذهاب {والآخرة عند ربك للمتقين} يعني الجنة خاصة للمتقين الذين تركوا الدنيا. عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لو كانت الدنيا عند الله تزن جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب. و "حديث : عن المستورد بن شداد جد بني فهر قال "كنت في الركب الذين وقفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على السخلة الميتة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أترون هذه هانت على أهلها حين ألقوها قالوا من هوانها ألقوها يا رسول الله قال فإن الدنيا أهون على الله من هذه الشاة على أهلها"" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن. وعن قتادة بن النعمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إذا أحبَّ الله عبداً حماه من الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء"تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب (م) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ".
ابو السعود
تفسير : وقولُه تعالى {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ} إنكارٌ فيهِ تجهيلٌ لهم وتعجيبٌ من تحكمِهم والمرادُ بالرحمةِ النبوةُ {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ} أي أسبابَ معيشتِهم {فِى ٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا} قمسةً تقتضيَها مشيئتُنا المبنيةُ على الحِكَمِ والمصالحِ ولم نفوضْ أمرَها إليهم علماً منا بعجزِهم عن تدبـيرِها بالكُلِّيةِ {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ} في الرزقِ وسائرِ مبادِي المعاشِ {دَرَجَـٰتٌ} متفاوتة بحسبِ القُربِ والبُعدِ حسبَما تقتضيِه الحكمةُ فمنْ ضعيفٍ وقويَ وفقيرٍ وغنيَ وخادمٍ ومخدومٍ وحاكمٍ ومحكومٍ {لّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً} ليُصرِّفَ بعضُهم بعضاً في مصالحِهم ويستخدمُوهم في مهمتِهم ويتسخرُوهم في أشغالِهم حتَّى يتعايشُوا ويترافدُوا ويصلُوا إلى مرافقِهم لا لكمالٍ في المُوسعِ ولا لنقصٍ في المُقترِ، ولو فوَّضنا ذلكَ إلى تدبـيرِ خُويِّصةِ أمرِهم وما يُصلِحُهم من متاعِ الدُّنيا الدنيئةِ وهو طرفِ التّمام على هذه الحالةِ فما ظنُّهم بأنفسِهم في تدبـيرِ أمرِ الدِّينِ وهو أبعدُ من مناطِ العَيُّوقِ ومنْ أينَ لهُم البحثُ عن أمرِ النبوةِ والتخيرُ لها مَنْ يصلُح لَها ويقومُ بأمرِها {وَرَحْمَتُ رَبّكَ} أي النبوةُ وما يتبعُها من سعادةِ الدارينِ {خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ} من حُطامِ الدُّنيا الدنيئةِ الفانيةِ. وقولِه تعالَى: {وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً} استئنافٌ مبـينٌ لحقارةِ متاعِ الدُّنيا ودناءةِ قدرهِ عندَ الله عزَّ وجلَّ، والمَعْنى أنَّ حقارةَ شأنِه بحيثُ لولا أنْ يرغبَ النَّاسُ لحبِّهم الدُّنيا في الكفرِ إذا رأَوا أهلَهُ في سَعةٍ وتنعمٍ فيجتمعُوا عليه لأعطيناهُ بحذافيرِه من هو شرُّ الخلائقِ وأدناهُم منزلةً وذلكَ قولُه تعالى: {لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ} أي متخَذةً منها، ولبـيوتِهم بدلُ اشتمالٍ منْ لِمَنْ. وجمعُ الضميرِ باعتبارِ مَعْنى مَنْ كَما أنَّ إِفرادَ المستكنِّ في يكفرُ باعتبارِ لفظِها. والسُّقُفُ جمعُ سَقْفٍ كرُهُنٍ جمعُ رَهْنٍ، وعن الفرَّاءِ أنَّه جمعُ سقيفةٍ كسفنٍ وسَفينةٍ. وقُرِىءَ سُقْفَاً بسكونِ القافِ تخفيفاً، وسَقْفَاً اكتفاءً بجمعِ البـيوتِ، وسَقَفاً كأنَّه لغةٌ في سقفٍ وسقوفاً {وَمَعَارِجَ} أي جعلَنا لهم معارجَ من فضةٍ أي مصاعدَ جمعُ معَرْجٍ وقُرِىءَ معاريَجِ جمع معراجٍ {عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} أي يعلُون السطوحَ والعلاليَ {وَلِبُيُوتِهِمْ} أي وجعلنَا لبـيوتِهم {أَبْوٰباً وَسُرُراً} من فضةٍ {عَلَيْهَا} أي على السررِ {يَتَّكِئُونَ} ولعل تكريرَ ذكرِ بيوتهم لزيادةِ التقريرِ. {وَزُخْرُفاً} أي زينةً عطفٌ على سُقُفاً أو ذهباً عطفٌ على محلَّ من فضةٍ. {وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} أيْ وما كُلُّ ما ذُكِرَ من البـيوتِ الموصوفةِ بالصفاتِ المفصَّلةِ إلا شيءٌ يتمتعُ بهِ في الحياةِ الدُّنيا. وفي معناهُ ما قُرِىءَ: {ومَا كلُّ ذلكَ إلا متاعُ الحياةِ الدُّنيا} وقُرِىءَ بتخفيفِ مَا عَلى أنَّ أنْ هيَ المخففةُ، واللامُ هيَ الفارِقةُ. وقُرِىءَ بكسرِ اللامِ، على أنَّها لامُ العلةِ ومَا موصولةٌ قد حُذفَ عائدُها أي للذي هُو متاعُ الخ كما في قولِه تعالى: { أية : تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِى أَحْسَنَ} تفسير : [سورة الأنعام، الآية 154] {وَٱلأَخِرَةِ} بما فيَها من فنونِ النعم التي يقصُر عنها البـيانُ. {عِندَ رَبّكَ لِلْمُتَّقِينَ} أي عنِ الكفرِ والمعاصِي، وبهذا تبـينَ أنَّ العظيمَ هو العظيمُ في الآخرةِ لا في الدُّنيا.
التستري
تفسير : قوله: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ}[32] قال: رفعنا بعضهم على بعض في المعرفة والطاعة عيشاً لهم في الدنيا والآخرة. قوله: {وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ}[32] أي من كثرة الأعمال لطلب الجزاء.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ} [الآية: 32]. قال الواسطى رحمة الله عليه: رزق قوماً حلالاً ومدحهم عليه، وقوماً شبهة وذمهم عليه، وقوماً حراماً وعاقبهم عليه، وغذَّى موسى بالحرام المحض ولم يلمه عليه، قال النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن روح القدس نفث فى روعى أن نفساً لا تموت حتى تستكمل رزقها، ألا فاتقوا الله وأجملوا فى الطلب" تفسير : وقال: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا}. قال القاسم: إن الله تعالى خلق الخلق أقساماً خلق الغزاة لقمع الكفار وخلق السلطان لقمع الأشرار وخلق العلماء لقمع الجهال وخلق العارفين لقمع المدعيين. قال بعضهم: لم يترك قسم معاش الدنيا مع خستها للعبد فكيف يترك قسمة الرحمة للعبد مع جلالتها. قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} [الآية: 32]. قال سهل: فضّلنا بعضهم على بعض فى المعرفة والطاعة عيشاً لهم فى الدنيا والآخرة. وقال الجنيد رحمة الله عليه: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} قال: بالتمييز وحفظ السر. وقال بعضهم: بالحلم والأناة. وقال بعضهم: بالثقة والتوكل. وقال بعضهم: بمعرفة كيد النفس ووسوسة الشيطان. وقال أبو الحسين الوراق: بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. قوله تعالى: {وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [الآية: 32]. قال سهل: الذكر لله خالصاً خير من كثرة الأعمال لطلب الجزاء. قال ابن عطاء: يعطيكم على سبيل الفضل خير لهم مما يجازيهم بأعمالهم. وقال بعضهم: طلب الرحمة فى إتمام الفرائض والسنن خير من كثرة النوافل ورؤية النفس فيها والامتنان بها لأن ذلك محل الاستدراج والخداع.
اسماعيل حقي
تفسير : {أهم يقسمون رحمة ربك} انكار فيه تجهيل لهم وتعجيب من تحكمهم والمراد بالرحمة النبوة يعنى أبيدهم مفاتيح الرسالة والنبوة فيضعونها حيث شاؤا يعنى تابرهركه خواهند در نبوت بكشايند {نحن قسمنا بينهم معيشتهم} اى اسباب معيشتهم والمعيشة ما يعيش به الانسان ويتغذى به ويجعله سببا فى قوام بنيته اذا العيش الحياة المختصة بالحيوان وهو يعم الحلال والحرام عند اهل السنة والجماعة {فى الحياة الدنيا} قسمة تقتضيها مشيئتنا المبنية على الحكم والمصالح ولم نفوض امرنا اليهم علما منا بعجزهم عن تدبيرها بالكلية كما دل عليه تقديم المسند اليه وهو نحن اذ هو للاختصاص والحاصل نحن قسمنا ارزاقهم فيما بينهم وهو ادنى من الرسالة فلم نترك اختيارها اليهم والا لضاعوا وهلكوا فما ظنهم فى امر الدين اى فكيف نفوض اختيار ما هو افضل واعظم وهو الرسالة {ورفعنا بعضهم فوق بعض} فى الرزق وسائر مبادى المعاش {درجات} نصب بنزع الخافض اى الى درجات متفاوتة بحسب القرب والبعد حسبما تقتضيه الحكمة فمن ضعيف وقوى وفقير وغنى وخادم ومخدوم وحاكم ومحكوم {ليتخذ بعضهم بعضا سخريا} من التسخير والاستخدام ولكون المراد هنا الاستخدام دون الهزؤ لانه لا يليق التعليل به اجمع القرآء على ضم السين فى الرواية المشهورة عنهم فما كان من التسخير فهو مضموم وما كان من الهزؤ فهو مكسور والمعنى ليستعمل بعضهم بعضا فى مصالحهم ويسخر الاغنياء باموالهم لاجرآء الفقرآء بالعمل فيكون بعضهم لبعض سبب المعاش هذا بماله وهذا بعمله فيتم قوام العالم لا لكمال فى الموسع ولا لنقض فى المقتر {ورحمة ربك} اى النبوة وما يتبعها من سعادة الدارين {خير} لاهلها {مما يجمعون} اى يجمع هؤلاء الكفار من حطام الدنيا الدنية الفانية والعظيم من رزق من تلك الرحمة العظيمة لا مما يجمعون من الدنيىء الحقير يظنون ان العظمة به وفيه اشارة الى ان الله تعالى يعطى لفقير من فقرآء البلد لا يؤبه به مالا يعطى لعلمائه وافاضله من حقائق القرءآن واسراره فان قسمة الولاية بيده كقسمة النبوة فما لا يحصل بالدرس قد يحصل بالوهب وكما ان فى صورة المال تسخير بعضهم لبعض لاجل الغنى فكذا فى صورة العلم والولاية تسخير بعضهم لبعض للتربية وكل من العلم والولاية والنبوة خير من الدنيا وما فيها من الاموال والارزاق (قال بعضهم) المعيشة انواع ايمان وصدق وارادة وعلم وخدمة وتوبة وانابة ومحبة وشوق وعشق ومعرفة وتوحيد وفراسة وكرامة ووارد وقناعة وتوكل ورضى وتسليم فتفاوت اصحاب هذه المقامات كما تتفاوت ارباب الرزق وكذلك يتفاوتون فى المعرفة مثلا فان بعضهم اعلى فى المعرفة من بعض وان اشتركوا فى نفس المعرفة وقس عليه صاحب المحبة ونحوها هذا للمقبلين اليه وللمدبرين كمن يأكل النعم اللذيذة والحشرات المضرة وقال بعضهم باين الله بينهم بمعرفة كيد النفس ووسوسة الشيطان فالاعرف أفضل من العارف وطريقه لذكر قال سهل الذكر لله خير من كثرة الاعمال اى اذا كان خالصا. ودر حقائق سلمى اورده كه تفاوت درجات باخلاق حسنه است خوى هركه نيكوتر درجه او بلندتر. يكى خوب كردار وخوش خوى بود. كه بد سيرتانرا نكو كوى بود. بخوابش كسى ديدجون در كذشت. كه بارى حكايت كن از سر كذشت. دهانى بخنده جو كل باز كرد. جو بلبل بصوت خوش آغار كرد. كه برمن نكردند سختى بسى. كه من سخت نكرفتمى بركسى. قال الفلاسفة ان الكمالات البشرية مشروطه بالاستعداد والمذهب الحق ان جميع المقامات كالنبوة والولاية وغيرهما وكذا السلطنة والوزارة ونحوهما اختصاصية عطائية غير كسبية ولا مشروطة بشئ من الاستعداد ونحوه فان الاستعداد ايضا عطاء من الله تعالى كما قيل. داد حق راقابليت شرط نيست. بلكه شرط قابليت داد حق وظهوره بالتدريج بحصول شرائطه واسباب توهم المحجوب فيظن انه كسبى بالتعمل وحاصل بالاستعداد وليس كذلك فى الحقيقة فالله تعالى هو الولى يتولى امر عباده فيفعل ما تقتضيه حكمته ولا دخل لشئ من ذلك نسأل الله سبحانه وتعالى ان يجعلنا ممن رفعهم الى درجات الكمال بحرمة اكامل الرجال
الجنابذي
تفسير : {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} فى الاستفهام واضافة الرّبّ الى محمّدٍ (ص) دونهم انكارٌ وتحقير لهم واستهزاءٌ بهم {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} يعنى انّ معيشتهم الّتى هى من مكسوباتهم ومحسوساتهم ولهم بحسب الظّاهر اختيار فى تحصيلها لا صنع لهم فيها بل نحن قسمناها بينهم فكيف يقسمون النّبوّة الّى هى رحمة من الله غير محسوسة لهم ولا صنع ولا اختيار لهم فيها {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ} فى المراتب الدّنيويّة والمناصب الظّاهرة {دَرَجَاتٍ} فكيف نكل هذا المنصب العظيم الى آرائهم {لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً} السّخرىّ اسم مصدرٍ من سخر به ومنه، وهكذا السّخريّة والسّخرىّ بكسر السّين، ولعلّه ههنا من مادّة التّسخير واسمُ له بمعنى التّذليل {وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} من الاموال والاولاد والاعراض، وفى خبرٍ: الا ترى يا عبد الله كيف اغنى واحداً وقبّح صورته وكيف حسّن صورة واحدٍ وافقره، وكيف شرّف واحداً وافقره، وكيف اغنى واحداً ووضعه؟! ثمّ ليس لهذا الغنىّ ان يقول: هلاّ اضيف الى يسارى جمال فلانٍ، ولا للجميل ان يقول: هلاّ اضيف الى جمالى مال فلانٍ، ولا للشّريف ان يقول: هلاّ اضيف الى شرفى مال فلانٍ، ولا للوضيع ان يقول: هلاّ اضيف الى ضعتى شرف فلانٍ، ولكنّ الحكم لله يقسم كيف يشاء وهو حكيم فى افعاله كما هو محمود فى اعماله، وذلك قوله تعالى: وقالوا: لولا نزّل هذا القرآن على رجلٍ من القريتين عظيمٍ، قال الله تعالى: اهم يقسمون رحمة ربّك يا محمّد نحن قسمنا بينهم معيشتهم فى الحياة الدّنيا فأحوجنا بعضهم الى بعض، احوج هذا الى مال ذلك، واحوج ذلك الى سلعة هذا والى خدمته فترى اجلّ الملوك واغنى الاغنياء محتاجاً الى افقر الفقراء فى ضربٍ من الضّروب امّا سلعة معه ليست معه وامّا خدمة تصلح لما لا يتهيّأ لذلك الملك ان يستغنى الاّ به، وامّا باب من العلوم والحكم هو فقير الى ان يستفيدها من ذلك الفقير وهذا الفقير محتاج الى مال ذلك الملك الغنىّ، وذلك الملك يحتاج الى علم هذا الفقير او رأيه او معرفته، ثمّ ليس للملك ان يقول: هلاّ اجتمع الى مالى علم هذا الفقير، ولا للفقير ان يقول: هلاّ اجتمع الى رأيى وعلمى وما اتصرّف فيه من فنون الحكم مال هذا الملك الغنىّ.
الهواري
تفسير : قال الله: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} يعني النبوة، على الاستفهام، أي: ليس ذلك في أيديهم فيضعوا النبوة حيث شاءوا {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} أي: في الرزق {لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا} [أي: يملك بعضهم بعضاً] من باب السخرة. قال: {وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} أي: مما يجمع المشركون من الدنيا. قال: {وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} ذكروا عن الحسن أنه قال: ولولا أن يجتمعوا على الكفر {لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ} أي: ودرجا {عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} أي: عليها يرقون إلى ظهور بيوتهم. {وَلِبُيُوتِهِمْ} أي: ولجعلنا لبيوتهم {أَبْوَابًا} من فضة {وَسُرُرًا} من فضة {عَلَيْهَا يَتَّكِؤُونَ وَزُخْرُفًا} والزخرف الذهب. {وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي: يُسْتَمتَع به ثم يذهب {وَالآخِرَةُ} يعني الجنة {عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ}. ذكروا عن الحسن قال: دخل عمر بن الخطاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على سرير مرمول بشريط من شرط المدينة، وتحته وسادة من أدم حشوها ليف، وقد أثّر في جسمه، وفي البيت أُهُب فيها إهاب قد عطن، أي: أنتن. فقال: يا رسول الله، أتجد ما أجد. قال: حديث : متاع البيت وما لا بد لهم منه تفسير : . قال عمر: أما أنا فأشهد أَنكَ رسول الله وأنك أكرم على الله من كسرى وقيصر، وهما متكئان على سرر الذهب. فقال: حديث : يا ابن الخطاب، أما ترضى بأن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة. قال: بلى. قال: كذلك . تفسير : ذكر الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر . تفسير : ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لو كانت الدنيا عند الله تعدل جناح ذبابة، أو بعوضة، ما أعطى الكافر منها شيئاً . تفسير : ذكروا أن كعباً قال: يقول الله: لولا أن أحزن عبدي المؤمن لأعطيت الكافر منها كذا وكذا. قال صاحب الحديث: لجعلت على رأسه غطاء من حديد لا يصدع رأسه.
اطفيش
تفسير : {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} أي النبوة انكاراً لصحة فعلهم وتوبيخاً لهم عليه وهو التحكم بأحد الرجلين وتمهيلاً لهم وتعجيباً منهم من أين يكون لهم مفاتيح النبوة وتدبيرها فيضعوها حيث شاءوا وهذا أمر لا يتولاه غيره من ملك ونبي مكلف بهم وقيل المراد بالرحمة النبوة وغيرها وكيف وهم عاجزون عن تدبير أمرهم من معيشة في الدنيا* {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ} مأكلهم {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ولم نسو بينهم فمنهم غني وفقير وقوي وضعيف وفي هذا دليل على أن المعيشة خلالهم وحولهم من الله وان الحرام رزق لا كله فالمغضوب رزق لغاضبه يؤاخذ عليه من حيث الغصب ويطلق عليه رزق الله خلافاً لبعض وخطأ من قال أكل غير رزقه والآية ضربت مثلا لعجزهم وتزهيداً في السماية وعوناً على التوكل وازالة للمراء قال بعضهم لما أتى {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم} زال المراء قال صلى الله عليه وسلم "حديث : اذا أراد الله بعبد خيرا أرضاه بما قسم له وبارك له فيه واذا لم يرد به خيراً لم يرضه بما قسم له ولم يبارك فيه* " تفسير : {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} في الرزق وغيره غني وفقير ومالك ومملوك وقوي وضعيف ومخدوم وخادم وعريق ومولى* {لِّيَتَّخِذَ} متعلق برفعنا {بَعْضُهُم} كالغني والمخدوم والمالك {بَعْضاً} كالفقير والخادم والمملوك {سُخْرِيّاً} مسخر بالعمل له بالاجرة أو غيرها أي ليستعمل بعضهم بعضا في حوائجه فيحصل بينهم التضامن والتآلف ولو استووا في الفقر مثلاً لهلكوا أو في الغنى لهلك بعضهم بعضاً وخربت الدنيا ولو كان لهم تدبير ما في الأمر لدبر الفقير لنفسه الغنى والدليل العز وهكذا وعن بعضهم المراد باتخاذ البعض بعضاً سخرياً أن يملكه والسين مضمومة وقرئ بكسرها والياء للنسب والمراد كما مر التسخير بالعمل أي الاستخدام ولا مدخل لمعنى الهزء هنا* {وَرَحْمَةُ رَبِّكَ} الجنة وقيل النبوة وما يتبعها وقيل دين الله وما يتبعه من الفوز في الدنيا وعلى الأول قتادة والسدي {خَيْرٌ} في نفسها ولا يصلها الا المؤمن {مِّمَّا يَجْمَعُونَ} أي الكفار من حطام الدنيا والعظيم من رزق من رحمة ربك لا من رزق من حطام الدنيا فانه على شرف الزوال والانقراض وعن بعضهم لا شك أن الجنة هى الغاية ورحمة الله في الدنيا الهداية والايمان وفي الآية تزهيد في الدنيا وتحقير لها.
اطفيش
تفسير : {أهُم يقْسمُونَ رحْمةَ ربِّك} استفهام انكار وتعجيب وتنزيل، لتحكمهم فى نزول القرآن وسائر الوحى منزلة التقسيم لجامع مطلق القصد بشىء الى شىء، والرحمة القرآن وسائر الوحى والنبوة والرسالة، والجمهور على أنها النبوة، وهو أنسب بقوله: "أية : لولا نُزل " تفسير : [الزخرف: 31] الخ. ومجىء الحق على يد انسان فرع عن استحقاقه النبوة {نَحنُ قَسمْنا بيْنَهم مَعيشتَهُم} أسباب معيشتهم، أى أسباب عيشهم، أى حياتهم أو المعيشة الرزق، وذلك شامل للحلال والحرام، لأن الحرام رزق أيضا، وداخل فى القسمة، إلا انه يؤاخذ على كسبه وحرزه والانتفاع به، والتصرف فيه، لأنه باختيارهم لا باجبار {في الحياة الدنيْا} بحسب الحكمة العاجزين هم عنها {ورَفَعْنا بعْضَهُم فوق بَعْضٍ} فى المعيشة {دَرَجات} ظرف أى فى درجات متفاوتة ضعف وقوة، وغنى وفقر، وخادمية ومخدومية، وحاكميه ومحكومية. {ليتَّخذ بعضُهم بعضاً سُخْريا} استخداما فى المصالح، أى ذوى استخدام، ذوى طلب خدمة منهم، نسب الى السخرة بمعنى التذليل والتكليف، لا بمعنى الهزؤ، لأن المقام ليس له، بل لتفاوتهم بين خادم ومخدوم، والتعاشر على ذلك، لو وكل اليهم ذلك لم يحسنوه وضاعوا، فكيف يدخلون فى أمر النبوة وما يليها، وهم بعداء عنها، مكبون على جمع حطام الدنيا {ورحْمةُ ربِّك خيرٌ ممَّا يجْمعُون} من ذلك، وهى النبوة وتوابعها من الوحى، والشرع والسعادة فى الدارين، والهدى والجنة، والدنيا بجملتها لا تسوى عند الله جناح بعوضة.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبّكَ} إنكار فيه تجهيل وتعجيب من تحكمهم بنزول القرآن العظيم على من أرادوا. والرحمة يجوز أن يكون المراد بها ظاهرها وهو ظاهر كلام «البحر» ونزل تعيينهم لمن ينزل عليه الوحي منزلة التقسيم لها وتدخل النبوة فيها، ويجوز أن يكون المراد بها النبوة وهو الأنسب لما قبل وعليه أكثر المفسرين. وفي إضافة الرب إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من تشريفه عليه الصلاة والسلام ما فيه. وفي إضافة الرحمة إلى الرب إشارة إلى أنها من صفات الربوبية. {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ} أسباب معيشتهم. وقرأ عبد الله وابن عباس والأعمش وسفيان {معايشهم} على الجمع {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} قسمة تقتضيها مشيئتنا المبنية على الحكم والمصالح ولم نفوض أمرها إليهم علماً منا بعجزهم عن تدبيرها بالكلية. وإطلاق المعيشة يقتضي أن يكون حلالها وحرامها من الله تعالى. {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ} في الرزق وسائر مبادي المعاش {دَرَجَـٰتٌ} متفاوتة بحسب القرب والبعد حسبما تقتضيه الحكمة فمن ضعيف وقوي وغني وفقير وخادم ومخدوم وحاكم ومحكوم {لّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً} ليستعمل بعضهم بعضاً في مصالحهم ويستخدموهم في مهنهم ويتسخروهم في أشغالهم حتى يتعايشوا ويترافدوا ويصلوا إلى مرافقهم لا لكمال في الموسع عليه ولا لنقص في المقتر عليه ولو فوضنا ذلك إلى تدبيرهم لضاعوا وهلكوا فإذا كانوا في تدبير خويصة أمرهم وما يصلحهم من متاع الدنيا الدنية وهو على طرف الثمام بهذه الحالة فما ظنهم بأنفسهم في تدبير أمر الدين وهو أبعد من مناط العيوق ومن أين لهم البحث عن أمر النبوة والتخير لها من يصلح لها ويقوم بأمرها. والسخري على ما سمعت نسبة إلى السخرة وهي التذليل والتكليف، وقال الراغب: السخري هو الذي يقهر أن يتسخر بإرادته، وزعم بعضهم أنه هنا من السخر بمعنى الهزء أي ليهزأ الغني بالفقير واستبعده أبو حيان، وقال السمين: إنه غير مناسب للمقام. وقرأ عمرو بن ميمون وابن محيصن وابن أبـي ليلى وأبو رجاء والوليد بن مسلم {سخرياً} بكسر السين والمراد به ما ذكرنا أيضاً، وفي قوله تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا} الخ ما يزهد في الانكباب على طلب الدنيا ويعين على التوكل / على الله عز وجل والانقطاع إليه جل جلاله:شعر : فاعتبر نحن قسمنا بينهم تلقه حقاً وبالحق نزل تفسير : {وَرَحْمَتُ رَبِّكَ} أي النبوة وما يتبعها من سعادة الدارين، وقيل: الهداية والإيمان، وقال قتادة والسدي: الجنة {خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ} من حطام الدنيا الدنية فالعظيم من رزق تلك الرحمة دون ذلك الحطام الدنىء الفاني.
ابن عاشور
تفسير : إنكار عليهم قولهم { أية : لولا نزل هذا القرآن على رجلٍ من القريتين عظيم } تفسير : [الزخرف: 31]، فإنهم لما نصبوا أنفسهم منصب من يتخير أصناف النّاس للرسالة عن الله، فقد جعلوا لأنفسهم ذلك لا لله، فكان من مقتضَى قولهم أن الاصطفاء للرسالة بيدهم، فلذلك قُدّم ضمير {هُمْ} المجعول مسنداً إليه، على مسندٍ فعلي ليفيد معنى الاختصاص فسلط الإنكار على هذا الحصر إبطالاً لقولهم وتخطئة لهم في تحكمهم. ولما كان الاصطفاء للرسالة رحمة لمن يُصطفَى لها ورحمة للنّاس المرسل إليهم، جعل تحكمهم في ذلك قسمة منهم لرحمة الله باختيارهم من يُختار لها وتعيين المتأهل لإبلاغها إلى المرحومين. ووُجِّه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأضيف لفظ (الرب) إلى ضميره إيماء إلى أن الله مؤيده تأنيساً له، لأن قولهم: { أية : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } تفسير : [الزخرف: 31] قصدوا منه الاستخفاف به، فرفع الله شأنه بإبلاغ الإنكار عليهم بالإقبال عليه بالخطاب وبإظهار أن الله ربّه، أي متولي أمره وتدبيره. وجملة {نحن قسمنا بينهم معيشتهم} تعليل للإنكار والنفي المستفاد منه، واستدلال عليه، أي لما قسمنا بين النّاس معيشتهم فكانوا مسيَّرين في أمورهم على نحو ما هيّأنا لهم من نظام الحياة وكان تدبير ذلك لله تعالى ببالغ حكمته، فجَعل منهم أقوياء وضعفاء، وأغنياء ومحاويج، فسخر بعضهم لبعض في أشغالهم على حساب دواعي حاجة الحياة، ورفع بذلك بعضهم فوق بعض، وجعل بعضهم محتاجاً إلى بعض ومُسخّراً به. فإذا كانوا بهذه المثابة في تدبير المعيشة الدّنيا، فكذلك الحال في إقامة بعضهم دون بعض للتبليغ فإن ذلك أعظم شؤون البشر. فهذا وجه الاستدلال. والسخريّ بضم السين وبكسرها وهما لغتان (ولم يقرأ في القراءات المشهورة إلا بضم السين. وقرأ ابن محيصن في الشاذّ بكسر السين): اسم للشيء المسخر، أي المجبور على عملٍ بدون اختياره، واسمٌ لمن يُسْخَر به، أي يستهزأ به كما في «مفردات» الراغب و«الأساس» و«القاموس». وقد فُسر هنا بالمعنيين كما قال القرطبي. وقال ابن عطية: هما لغتان في معنى التسخير ولا تدخُّلَ لمعنى الهُزء في هذه الآية. ولم يَقل ذلك غيره وكلام الراغب محتمل. واقتصر الطبري على معنى التسخير. فالوجه في ذلك أن المعنيين معتبران في هذه الآية. وإيثار لفظ {سخرياً} في الآية دون غيره لتحمُّله للمعنيين وهو اختيار من وجوه الإعجاز فيجوز أن يكون المعنى ليتعمل بعضهم بعضاً في شؤون حياتهم فإن الإنسان مدني، أي محتاج إلى إعانة بعضه بعضاً، وعليه فسّر الزمخشري وابن عطية وقاله السُّدي وقتادة والضحاك وابن زيد، فلام {ليتخذ} لام التعليل تعليلاً لفعل {قسمنا}، أي قسمنا بينهم معيشتهم، أي أسبابَ معيشتهم ليستعين بعضهم ببعض فيتعارفوا ويتجمعوا لأجل حاجة بعضهم إلى بعض فتتكون من ذلك القبائل والمدن. وعلى هذا يكون قوله: {بعضهم بعضاً} عاماً في كل بعض من النّاس إذ ما من أحد إلا وهو مستعمِل لغيره وهو مستعمَل لغيرٍ آخر. ويجوز أن تكون اسماً من السُّخرية وهي الاستهزاء. وحكاه القرطبي ولم يعيّن قائله وبذلك تكون اللام للعاقبة مثل { أية : فالتقطة آل فرعون ليكون لهم عدوّاً وحَزَناً } تفسير : [القصص: 8] وهو على هذا تعريض بالمشركين الذين استهزؤوا بالمؤمنين كقوله تعالى: { أية : فاتّخذتموهم سُخْريّاً } تفسير : في سورة قد أفلح المؤمنون (110). وقد جاء لفظ السخري بمعنى الاستهزاء في آيات أخرى كقوله تعالى: { أية : فاتّخذتموهم سخريّاً حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون } تفسير : [المؤمنون: 110] وقوله: { أية : أتَّخَذْناهم سُخرياً أم زاغت عنهم الأبصار } تفسير : [ص: 63]. ولعل الذي عدل ببعض المفسرين عن تفسير آية سورة الزخرف بهذا المعنى استنكارُهم أن يكون اتخاذُ بعضهم لبعض مَسخرة علةً لفعل الله تعالى في رفعه بعضهم فوق بعض درجات، ولكنَّ تأويل اللّفظ واسع في نظائره وأشباهه. وتأويل معنى اللام ظاهر. وجملة {ورحمة ربك خير مما يجمعون} تذييل للرد عليهم، وفي هذا التذييل ردّ ثانٍ عليهم بأن المال الذي جعلوه عماد الاصطفاء للرسالة هو أقل من رحمة الله فهي خير مما يجمعون من المال الذي جعلوه سبب التفضيل حين قالوا: { أية : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } تفسير : [الزخرف: 31] فإن المال شيء جَمَعه صاحبه لنفسه فلا يكون مثل اصطفاء الله العبد ليرسله إلى النّاس. ورحمة الله: هي اصطفاؤه عبدَه للرسالة عنه إلى الناس، وهي التي في قوله: {أهم يقسمون رحمة ربك}، والمعنى: إذا كانوا غير قاسمين أقل أحوالهم فكيف يقسمون ما هو خير من أهم أمورهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {رَحْمَتَ} {ٱلْحَيَاةِ} {دَرَجَاتٍ} (32) - يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى المُشْرِكِينَ مَا قَالُوا فَقَالَ رَدّاً عَلَى اعْتِرَاضِهِمْ هَذَا: إِنَّ أَمْرَ اخْتِيَارِ الأَنْبِيَاءِ لَيْسَ مَرْدُوداً إِلَيْهِم حَتَّى يَقْتَرِحُوا عَلَى اللهِ مَنْ يَخْتَارُونَهُ هُمْ، وَلَكِنَّ الأَمْرَ للهِ، وَحْدَهُ، وَهُوَ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَته، فَهُوَ لاَ يُنَزِّلُهَا إِلاَّ عَلَى أَزْكَى الخَلْقِ قَلْباً وَنَفْساً، وَأَشْرَفِهِمْ بَيْتاً، وَأَطْهَرِهِمْ أَصْلاً. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: إِنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَ العِبَادِ عَلَى بَعْضٍ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا: فِي القُوَّةِ والغِنَى وَالشُّهْرَةِ والنَّشَاطِ، لأَِنَّهُ لَوْ سَوَّى بَيْنَهُمْ جَمِيعاً فِي شُرُوطِ الحَيَاةِ لَمْ يَخْدُمْ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، وَلَمْ يَسْتَخْدِمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَحْداً، فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ فَسَادُ نِظَامِ الحَيَاةِ. وَرَحْمَةُ اللهِ بِخَلْقِهِ خَيْرٌ لَهُمْ مِمَّا يَجْمَعُونَهُ مِنَ الأَمْوَالِ، والمَتَاعِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا. سُخْرِيّاً -مُسَخَّراً فِي العَمَلِ، مُسْتَخْدَماً فِيهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يعني: إذا كنا قسمنا بينهم أبسط الأشياء وهي معايشهم في الدنيا أيريدون هم أنْ يقسموا رحمة الله وفضل الله حسْب أهوائهم، ورحمة الله يختصُّ بها مَنْ يشاء من عباده، فهي من يده سبحانه لا دخَلْ لأحد في توزيعها. فقوله تعالى {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} [الزخرف: 32] دلَّ على عجز الإنسان، وأن حركة الحياة لا تنصلح إلا بمنهج الله الذي ينظمها. ومن حكمة هذه القسمة أنْ جعل بعضَ الناس أغنياء وبعضهم فقراء، بعضهم سادةٌ وبعضهم خَدَم، ولولا هذه القسمة ما استقامتْ حركة المجتمع وما وجدنا مَنْ يقوم بالأعمال الشاقة أو الأعمال الحقيرة. وسبق أنْ أوضحنا أن حركة المجتمع وتقدمه لا يقوم على التفضُّل، إنما على الحاجة، فحاجة الفقير هي التي تدفعه للعمل. والرحمة المرادة هنا {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} [الزخرف: 32] هي النبوة، فهم يطمعون في أنْ يجعلوها اختياراً يختارونه من ساداتهم وكبراء القوم فيهم، فالحق سبحانه يُصحِّح لهم ويقول: كيف تطمعون في ذلك وأنتم لا تقدرون على قسمة أبسط الأشياء؟ ثم تلاحظ أن كلمة {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} [الزخرف: 32] كلمة مبهمة تعني أن الكلّ مرفوع ومرفوع عليه، مرفوع في شيء، ومرفوع عليه في شيء آخر. وهكذا يتكامل الخَلْق، وتتم المصالح، وتُقضى حاجات المجتمع كما قال الشاعر: شعر : النَّاسُ للناسِ مِنْ بَدْوٍ وحَاضِرةٍ بَعْضٌ لبعْضٍ بمَا لاَ يعلموا خَدمُ تفسير : فأنت مرفوع فيما تُحسنه من الأعمال، ومرفوع عليك فيما لا تجيده، هذا معنى قوله تعالى: {لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً} [الزخرف: 32]. {وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: 32] المراد برحمة ربك هنا الرسالة والمنهج الذي يهدي الخَلْق إلى طريق الحق، هذه الرحمة في الحقيقة خيرٌ من هذا المتاع الزائل الذي تتنافسون عليه في الدنيا، لأن الإنسان مهما وصل في الدنيا إلى الرفاهية والترف والنعيم فسوف يموت ويتركه ولن يبقى له منه شيء. أما منهج الله فيُورثك فوزاً باقياً تسعد به في الدنيا وتفوز به في الآخرة. إذن: هو خير وهو أبْقى، وهو أنفع لك وأدوم، هذا المنهج يضمن لك صلاحَ الدنيا وسلامة الآخرة؛ لذلك كان هو {خَيْرٌ} [الزخرف: 32] من كل ما تراه من بريق الدنيا. ثم يتكلم الحق سبحانه عن الكافرين الذين ملكوا الدنيا، وأخذوا كل مظاهر الزينة والترف والنعيم، وتحكموا حتى في قوت ومصائر المسلمين، وبيَّن أن هذا الزخرف شكلٌ ظاهري زائل، والعاقبة لا بدَّ أنْ تكون لأهل الإيمان في النهاية: {وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا ...}.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 875 : 5 : 8 - سفين في قراءة عبد الله {لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً} قال، الخدم. [الآية 32].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):