٤٣ - ٱلْزُّخْرُف
43 - Az-Zukhruf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
33
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى أجاب عن الشبهة التي ذكروها بناء على تفضيل الغني على الفقير بوجه ثالث وهو أنه تعالى بيّن أن منافع الدنيا وطيباتها حقيرة خسيسة عند الله وبين حقارتها بقوله {وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً } والمعنى لولا أن يرغب الناس في الكفر إذا رأوا الكافر في سعة من الخير والرزق لأعطيتهم أكثر الأسباب المفيدة للتنعم أحدها: أن يكون سقفهم من فضة وثانيها: معارج أيضاً من فضة عليها يظهرون وثالثها: أن نجعل لبيوتهم أبواباً من فضة وسرراً أيضاً من فضة عليها يتكئون. ثم قال: {وَزُخْرُفاً } وله تفسيران أحدها: أنه الذهب والثاني: أنه الزينة، بدليل قوله تعالى: { أية : حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ } تفسير : [يونس: 24] فعلى التقدير الأول يكون المعنى ونجعل لهم مع ذلك ذهباً كثيراً، وعلى الثاني أنا نعطيهم زينة عظيمة في كل باب، ثم بيّن تعالى أن كل ذلك متاع الحياة الدنيا، وإنما سماه متاعاً لأن الإنسان يستمتع به قليلاً ثم ينقضي في الحال، وأما الآخرة فهي باقية دائمة، وهي عند الله تعالى وفي حكمه للمتقين عن حب الدنيا المقبلين على حب المولى، وحاصل الجواب أن أولئك الجهال ظنوا أن الرجل الغني أولى بمنصب الرسالة من محمد بسبب فقره، فبيّن تعالى أن المال والجاه حقيران عند الله، وأنهما شرف الزوال فحصولهما لا يفيد حصول الشرف، والله أعلم. المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وأبو عمرو {سَقْفاً } بفتح السين وسكون القاف على لفظ الواحد لإرادة الجنس، كما في قوله { أية : فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ } تفسير : [النحل: 26] والباقون سقفاً على الجمع واختلفوا فقيل هو جمع سقف، كرهن ورهن، قال أبو عبيد: ولا ثالث لهما، وقيل السقف جمع سقوف، كرهن ورهون وزبر وزبور، فهو جمع الجمع. المسألة الثالثة: قوله {لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ } فقوله {لِبُيُوتِهِمْ } بدل اشتمال من قوله {لِمَن يَكْفُرُ } قال صاحب «الكشاف»: قرىء معارج ومعاريج، والمعارج جمع معرج، أو اسم جمع لمعراج، وهي المصاعد إلى المساكن العالية كالدرج والسلالم عليها يظهرون، أي على تلك المعارج يطهرون، وفي نصب قوله {وَزُخْرُفاً } قولان: قيل لجعلنا لبيوتهم سقفاً من فضة، ولجعلنا لهم زخرفاً وقيل من فضة وزخرف، فلما حذف الخافض انتصب. وأما قوله {وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا } قرأ عاصم وحمزة {لَّمّاً } بتشديد الميم، والباقون بالتخفيف، وأما قراءة حمزة بالتشديد فإنه جعل لما في معنى إلا، وحكى سيبويه: نشدتك بالله لما فعلت، بمعنى إلا فعلت، ويقوي هذه القراءة أن في حرف أبي، وما ذلك إلا متاع الحياة الدنيا، وهذا يدل على أن لما بمعنى إلا، وأما القراءة بالتخفيف، فقال الواحدي لفظة ما لغو، والتقدير لمتاع الحياة الدنيا، قال أبو الحسن: الوجه التخفيف، لأن لما بمعنى إلا لا تعرف، وحكي عن الكسائي أنه قال: لا أعرف وجه التثقيل. المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: دلت الآية على أنه تعالى إنما لم يعط الناس نعم الدنيا، لأجل أنه لو فعل بهم ذلك لدعاهم ذلك إلى الكفر، فهو تعالى لم يفعل بهم ذلك لأجل أن يدعوهم إلى الكفر، وهذا يدل على أحكام أحدها: أنه إذا لم يفعل بهم ما يدعوهم إلى الكفر فلأن لا يخلق فيهم الكفر أولى وثانيها: أنه ثبت أن فعل اللطف قائم مقام إزاحة العذر والعلة، فلما بيّن تعالى أنه لم يفعل ذلك إزاحة للعذر والعلة عنهم، دل ذلك على أنه يجب أن يفعل بهم كل ما كان لطفاً داعياً لهم إلى الإيمان، فصارت هذه الآية من هذا الوجه دالة على أنه يجب على الله تعالى فعل اللطف وثالثها: أنه ثبت بهذه الآية، أن الله تعالى إنما يفعل ما يفعله ويترك ما يتركه لأجل حكمة ومصلحة، وذلك يدل على تعليل أحكام الله تعالى وأفعاله بالمصالح والعلل، فإن قيل لما بيّن تعالى أنه لو فتح على الكافر أبواب النعم، لصار ذلك سبباً لاجتماع الناس على الكفر، فلم لم يفعل ذلك بالمسلمين حتى يصير ذلك سبباً لاجتماع الناس على الإسلام؟ قلنا لأن الناس على هذا التقدير كانوا يجتمعون على الإسلام لطلب الدنيا، وهذا الإيمان إيمان المنافقين، فكان الأصوب أن يضيق الأمر على المسلمين، حتى أن كل من دخل الإسلام، فإنما يدخل فيه لمتابعة الدليل ولطلب رضوان الله تعالى، فحينئذ يعظم ثوابه لهذا السبب. ثم قال تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } والمراد منه التنبيه على آفات الدنيا، وذلك أن من فاز بالمال والجاه صار كالأعشى عن ذكر الله، ومن صار كذلك صار من جلساء الشياطين الضالين المضلين، فهذا وجه تعلق هذا الكلام بما قبله، قال صاحب «الكشاف»: قرىء {وَمَن يَعْشُ } بضم الشين وفتحها، والفرق بينهما أنه إذا حصلت الآفة في بصره قيل عشي، وإذا نظر نظر العشي ولا آفة به، قيل عشى ونظيره عرج لمن به الآفة، وعرج لمن مشى مشية العرجان من غير عرج، قال الحطيئة: شعر : متى تأته تعشو إلى ضوء ناره تفسير : أي تنظر إليه نظر العشي، لما يضعف بصرك من عظم الوقود واتساع الضوء، وقرىء يعشو على أن من موصولة غير مضمنة معنى الشرط، وحق هذا القارىء أن يرفع {نُقَيِّضْ } ومعنى القراءة بالفتح، ومن يعم عن ذكر الرحمٰن وهو القرآن، لقوله { أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ } تفسير : [البقرة: 18] وأما القراءة بالضم فمعناها ومن يتعام عن ذكره، أي يعرف أنه الحق وهو يتجاهل ويتعامى، كقوله تعالى: { أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ } تفسير : [النمل: 14]، و {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً } قال مقاتل: نضم إليه شيطاناً {فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ }. ثم قال: {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ } يعني وإن الشياطين ليصدونهم عن سبيل الهدى والحق وذكر الكناية عن الإنسان والشياطين بلفظ الجمع، لأن قوله {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً } يفيد الجمع، وإن كان اللفظ على الواحد {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ } يعني الشياطين يصدون الكفار عن السبيل، والكفار يحسبون أنهم مهتدون، ثم عاد إلى لفظ الواحد، فقال: {حَتَّىٰ إِذَا جَاءَنَا } يعني الكافر، وقرىء (جاءانا)، يعني الكافر وشيطانه، روي أن الكافر إذا بعث يوم القيامة من قبره أخذ شيطانه بيده، فلم يفارقه حتى يصيرهما الله إلى النار، فذلك حيث يقول {قَالَ يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ } والمراد يا ليت حصل بيني وبينك بعد على أعظم الوجوه، واختلفوا في تفسير قوله {بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ } وذكروا فيه وجوهاً الأول: قال الأكثرون: المراد بعد المشرق والمغرب، ومن عادة العرب تسمية الشيئين المتقابلين باسم أحدهما، قال الفرزدق: شعر : لنا قمراها والنجوم الطوالع تفسير : يريد الشمس والقمر، ويقولون للكوفة والبصرة: البصرتان، وللغداة والعصر: العصران، ولأبي بكر وعمر: العمران، وللماء والتمر: الأسودان الثاني: أن أهل النجوم يقولون: الحركة التي تكون من المشرق إلى المغرب، هي حركة الفلك الأعظم، والحركة التي من المغرب إلى المشرق، هي حركة الكواكب الثابتة، وحركة الأفلاك الممثلة التي للسيارات سوى القمر، وإذاكان كذلك فالمشرق والمغرب كل واحد منهما مشرق بالنسبة إلى شيء آخر، فثبت أن إطلاق لفظ المشرق على كل واحد من الجهتين حقيقة الثالث: قالوا يحمل ذلك على مشرق الصيف ومشرق الشتاء وبينهما بعد عظيم، وهذا بعيد عندي، لأن المقصود من قوله {يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ } المبالغة في حصول البعد، وهذه المبالغة إنما تحصل عن ذكر بعد لا يمكن وجود بعد آخر أزيد منه، والبعد بين مشرق الصيف ومشرق الشتاء ليس كذلك، فيبعد حمل اللفظ عليه الرابع: وهو أن الحس يدل على أن الحركة اليومية إنما تحصل بطلوع الشمس من المشرق إلى المغرب، وأما القمر فإنه يظهر في أول الشهر في جانب المغرب، ثم لا يزال يتقدم إلى جانب المشرق، وذلك يدل على أن مشرق حركة القمر هو المغرب، وإذا ثبت هذا فالجانب المسمى بالمشرق هو مشرق الشمس، ولكنه مغرب القمر، وأما الجانب المسمى بالمغرب، فإنه مشرق القمر ولكنه مغرب الشمس، وبهذا التقدير يصح تسمية المشرق والمغرب بالمشرقين، ولعل هذا الوجه أقرب إلى مطابقة اللفظ ورعاية المقصود من سائر الوجوه، والله أعلم. ثم قال تعالى: {فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ } أي الكافر يقول لذلك الشيطان يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين أنت، فهذا ما يتعلق بتفسير الألفاظ، والمقصود من هذا الكلام تحقير الدنيا وبيان ما في المال والجاه من المضار العظيمة، وذلك لأن كثرة المال والجاه تجعل الإنسان كالأعشى عن مطالعة ذكر الله تعالى ومن صار كذلك صار جليساً للشيطان ومن صار كذلك ضل عن سبيل الهدى والحق وبقي جليس الشيطان في الدنيا وفي القيامة، ومجالسة الشيطان حالة توجب الضرر الشديد في القيامة بحيث يقول الكافر يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين أنت فثبت بما ذكرنا أن كثرة المال والجاه توجب كمال النقصان والحرمان في الدين والدنيا، وإذا ظهر هذا فقد ظهر أن الذين قالوا { أية : لَوْلاَ نُزّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } تفسير : [الزخرف: 31]، قالوا كلاماً فاسداً وشبهة باطلة. ثم قال تعالى: {وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ } فقوله {أَنَّكُمْ } في محل الرفع على الفاعلية يعني ولن ينفعكم اليوم كونكم مشتركين في العذاب والسبب فيه أن الناس يقولون المصيبة إذا عمت طابت، وقالت الخنساء في هذا المعنى: شعر : ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي ولا يبكون مثل أخي ولكن أعزي النفس عنه بالتأسي تفسير : فبيّن تعالى أن حصول الشركة في ذلك العذاب لا يفيد التخفيف كما كان يفيده في الدنيا والسبب فيه وجوه الأول: أن ذلك العذاب شديد فاشتغال كل واحد بنفسه يذهله عن حال الآخر، فلا جرم الشركة لا تفيد الخفة الثاني: أن قوماً إذا اشتركوا في العذاب أعان كل واحد منهم صاحبه بما قدر عليه فيحصل بسببه بعض التخفيف وهذا المعنى متعذر في القيامة الثالث: أن جلوس الإنسان مع قرينه يفيده أنواعاً كثيرة من السلوة. فبيّن تعالى أن الشيطان وإن كان قريناً إلا أن مجالسته في القيامة لا توجب السلوة وخفة العقوبة وفي كتاب ابن مجاهد عن ابن عامر قرأ {إِذَا ظَّلَمْتُمْ إِنَّكُمْ } بكسر الألف وقرأ الباقون أنكم بفتح الألف، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى ـ قال العلماء: ذكر حقارة الدنيا وقلة خطرها، وأنها عنده من الهوان بحيث كان يجعل بيوت الكفرة وَدَرَجها ذهباً وفضة لولا غلبة حبّ الدنيا على القلوب؛ فيحمل ذلك على الكفر. قال الحسن: المعنى لولا أن يكفر الناس جميعاً بسبب ميلهم إلى الدنيا وتركهم الآخرة لأعطيناهم في الدنيا ما وصفناه؛ لهوان الدنيا عند الله عز وجل. وعلى هذا أكثر المفسرين ٱبن عباس والسدي وغيرهم. وقال ٱبن زيد: {وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} في طلب الدنيا وٱختيارها على الآخرة {لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ}. وقال الكسائي: المعنى لولا أن يكون في الكفار غنيٌّ وفقير وفي المسلمين مثل ذلك لأعطينا الكفار من الدنيا هذا لهوانها. الثانية ـ قرأ ٱبن كثير وأبو عمرو «سَقْفاً» بفتح السين وإسكان القاف على الواحد ومعناه الجمع؛ ٱعتباراً بقوله تعالى: {أية : فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ} تفسير : [النحل: 26]. وقرأ الباقون بضم السين والقاف على الجمع؛ مثل رَهْن ورُهُن. قال أبو عبيد: ولا ثالث لهما. وقيل: هو جمع سقيف؛ مثل كَثِيب وكُثب، ورَغيف ورُغُف؛ قاله الفراء. وقيل: هو جمع سقوف؛ فيصير جَمْعَ الجمع: سَقْف وسُقُوف، نحو فَلْس وفُلُوس. ثم جعلوا فعولاً كأنه ٱسم واحد فجمعوه على فُعُل. وروي عن مجاهد «سَقْفاً» بإسكان القاف. وقيل: اللام في «لِبُيوتِهِمْ» بمعنى على؛ أي على بيوتهم. وقيل: بدل؛ كما تقول: فعلت هذا لزيد لكرامته؛ قال الله تعالى: {أية : وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ} تفسير : [النساء: 11] كذلك قال هنا: {لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ}. الثالثة ـ قوله تعالى: {وَمَعَارِجَ} يعني الدَّرَج؛ قاله ٱبن عباس وهو قول الجمهور. واحدها مِعراج، والمِعراج السُّلَّم؛ ومنه ليلة المعراج. والجمع معارج ومعاريج؛ مثل مفاتح ومفاتيح؛ لغتان. «وَمَعَارِيجَ» قرأ أبو رجاء العُطَارِدِي وطلحة بن مُصَرِّف؛ وهي المراقي والسلاليم. قال الأخفش: إن شئت جعلت الواحد مِعْرَج ومَعْرَج؛ مثل مِرقاة ومَرقاة. {عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} أي على المعارج يرتقون ويصعدون؛ يقال: ظهرت على البيت أي علوت سطحه. وهذا لأن من علا شيئاً وٱرتفع عليه ظهر للناظرين. ويقال: ظهرت على الشيء أي علمته. وظهرت على العدوّ أي غلبته. وأنشد نابغة بني جَعْدة رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله:شعر : عَلَوْنا السماء عِزّةً ومهابةً وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا تفسير : أي مصعدا؛ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: حديث : «إلى أين»؟ قال إلى الجنة؛ قال:«أجل إن شاء الله»تفسير : . قال الحسن: والله لقد مالت الدنيا بأكثر أهلها وما فعل ذلك! فكيف لو فعل؟ٰ الرابعة ـ استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن السقف لا حَقَّ فيه لرب العُلْو؛ لأن الله تعالى جعل السقوف للبيوت كما جعل الأبواب لها. وهذا مذهب مالك رحمه الله. قال ابن العربي: وذلك لأن البيت عبارة عن قاعة وجدار وسقف وباب، فمن له البيت فله أركانه. ولا خلاف أن العلوّ له إلى السماء. وٱختلفوا في السفل؛ فمنهم من قال هو له، ومنهم من قال ليس له في باطن الأرض شيء. وفي مذهبنا القولان. وقد بيّن حديث الإسرائيلي الصحيح فيما تقدّم: أن رجلاً باع من رجل داراً فبناها فوجد فيها جرّة من ذهب، فجاء بها إلى البائع فقال: إنما اشتريت الدار دون الجرّة، وقال البائع: إنما بعت الدار بما فيها؛ وكلهم تدافعها فقضى بينهم النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يزوّج أحدهما ولده من بنت الآخر ويكون المال لهما. والصحيح أن العُلْو والسُّفل له إلا أن يخرج عنهما بالبيع؛ فإذا باع أحدهما أحدَ الموضعين فله منه ما ينتفع به وباقيه للمبتاع منه. الخامسة ـ من أحكام العُلْو والسُّفل. إذا كان العلو والسفل بين رجلين فيعتلّ السفل أو يريد صاحبه هَدْمَه؛ فذكر سُحْنون عن أشهب أنه قال: إذا أراد صاحب السفل أن يهدم، أو أراد صاحب العلو أن يبني علوه فليس لصاحب السفل أن يهدم إلا من ضرورة، ويكون هدمه له أرفق لصاحب العلو؛ لئلا ينهدم بانهدامه العلو، وليس لربّ العلو أن يبني على علوه شيئاً لم يكن قبل ذلك إلا الشيء الخفيف الذي لا يضر بصاحب السفل. ولو انكسرت خشبة من سقف العلو لأدخل مكانها خشبة ما لم تكن أثقل منها ويخاف ضررها على صاحب السفل. قال أشهب: وباب الدار على صاحب السفل. قال: ولو ٱنهدم السفل أجبر صاحبه على بنائه، وليس على صاحب العلو أن يبني السفل؛ فإن أبى صاحب السفل من البناء قيل له بِعْ ممن يبني. وروى ابن القاسم عن مالك في السفل لرجل والعلو لآخر فٱعتل السفل، فإن صلاحه على رب السفل وعليه تعليق العلو حتى يصلح سفله؛ لأن عليه إمّا أن يحمله على بنيان أو على تعليق، وكذلك لو كان على العلو علو فتعليق العلو الثاني على صاحب الأوسط. وقد قيل: إن تعليق العلو الثاني على رب العلو حتى يبني الأسفل. وحديث النعمان بن بشير عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم اسْتَهَمُوا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا ٱسْتقَوْا من الماء مرّوا على من فوقهم فقالوا لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً وإن أخذوا على أيديهم نَجَوْا ونَجوْا جميعاً»تفسير : ـ أصلٌ في هذا الباب. وهو حجة لمالك وأشهب. وفيه دليل على أن صاحب السفل ليس له أن يحدث على صاحب العلو ما يضرّ به، وأنه إن أحدث عليه ضرراً لزمه إصلاحه دون صاحب العلو، وأن لصاحب العلو منعه من الضرر؛ لقوله عليه السلام: «حديث : فإن أخذوا على أيديهم نَجَوْا ونَجوْا جميعاً» تفسير : ولا يجوز الأخذ إلا على يد الظالم أو من هو ممنوع من إحداث ما لا يجوز له في السنة. وفيه دليل على استحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وقد مضى في «الأنفال». وفيه دليل على جواز القرعة وٱستعمالها، وقد مضى في «آل عمران» فتأمل كُلاًّ في موضعه تجده مبيَّناً، والحمد لله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَوْلآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً } على الكفر {لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ } بدل من لمن {سُقُفاً } بفتح السين وسكون القاف، وبضمهما جمعاً {مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ } كالدرج من فضة {عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ } يعلون إلى السطح.
ابن عبد السلام
تفسير : {أُمَّةً وَاحِدَةً} على دين واحد كفاراً "ع"، أو على اختيار الدنيا على الدين قاله ابن زيد {سُقُفاً} أعالي البيوت أو الأبواب {وَمَعَارِجَ} درجات فضة {يَظْهَرُونَ} يصعدون. شعر : ........................... وإنا لنبغي فوق ذلك مظهراً تفسير : أي مصعداً قال الحسن ـ رضي الله تعالى عنه ـ والله لقد مالت الدنيا بأكثر أهلها وما فعل ذلك فكيف لو فعل.
النسفي
تفسير : {وَلَوْلآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً } ولولا كراهة أن يجتمعوا على الكفر ويطبقوا عليه {لَّجَعَلْنَا } لحقارة الدنيا عندنا {لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوٰباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفاً } أي لجعلنا للكفار سقوفاً ومصاعد وأبواباً وسرراً كلها من فضة، وجعلنا لهم زخرفاً أي زينة من كل شيء. والزخرف الذهب والزينة، ويجوز أن يكون الأصل سقفاً من فضة وزخرف أي بعضها من فضة وبعضها من ذهب فنصب عطفاً على محل {مِن فِضَّةٍ } لبيوتهم بدل اشتمال من {لِمَن يَكْفُرُ }. {سَقْفاً } على الجنس: مكي وأبو عمرو ويزيد. والمعارج جمع معرج وهي المصاعد إلى العلالي عليها يظهرون على المعارج يظهرون السطوح أي يعلونها {وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} «إن» نافية و«لما» بمعنى إلا أي وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا، وقد قرىء به. وقرأ {لَمَا} غير عاصم وحمزة على أن اللام هي الفارقة بين «إن» المخففة والنافية و«ما» صلة أي وإن كل ذلك متاع الحياة الدينا {وَٱلآخِرَةِ } أي ثواب الآخرة {عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ } لمن يتقي الشرك. {وَمَن يَعْشُ} وقرىء {وَمَن يعش} والفرق بينهما أنه إذا حصلت الآفة في بصره قيل عشى يعشى، وإذا نظر نظر العشي ولا آفة به قيل عشا يعشو. ومعنى القراءة بالفتح ومن يعم {عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ } وهو القرآن كقوله {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ }تفسير : ومعنى القراءة بالضم: ومن يتعام عن ذكره أي يعرف أنه الحق وهو يتجاهل كقوله: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ }تفسير : [النمل: 14] {نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: نسلطه عليه فهو معه في الدنيا والآخرة يحمله على المعاصي. وفيه إشارة إلى أن من داوم عليه لم يقرنه الشيطان {وَإِنَّهُمْ } أي الشياطين {لَيَصُدُّونَهُمْ } ليمنعون العاشين {عَنِ ٱلسَّبِيلِ } عن سبيل الهدى {وَيَحْسَبُونَ } أي العاشون {أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ } وإنما جمع ضمير {من} وضمير الشيطان لأن {من} مبهم في جنس العاشي وقد قيض له شيطان مبهم في جنسه فجاز أن يرجع الضمير إليهما مجموعاً {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَنَا} على الواحد: عراقي غير أبي بكر أي العاشي {جاآنا} غيرهم أي العاشي وقرينه {قَالَ } لشيطانه {يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ } يريد المشرق والمغرب فغلب كما قيل: العمران والقمران، والمراد بعد المشرق من المغرب والمغرب من المشرق {فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ } أنت. {وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ } إذ صح ظلمكم أي كفركم وتبين ولم يبق لكم ولا لأحد شبهة في أنكم كنتم ظالمين و«إذ» بدل من {ٱلْيَوْمَ } {أَنَّكُمْ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ } {أَنَّكُمْ } في محل الرفع على الفاعلية أي ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب، أو كونكم مشتركين في العذاب كما كان عموم البلوى يطيب القلب في الدنيا كقول الخنساء: شعر : ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي ولا يبكون مثل أخي ولكن أعزي النفس عنه بالتأسي تفسير : أما هؤلاء فلا يؤسّيهم اشتراكهم ولا يروحهم لعظم ما هم فيه. وقيل: الفاعل مضمر أي ولن ينفعكم هذا التمني أو الاعتذار لأنكم في العذاب مشتركون لاشتراككم في سببه وهو الكفر، ويؤيده قراءة من قرأ {إِنَّكُمْ } بالكسر. {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ } أي من فقد سمع القبول {أَوْ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ } أي من فقد البصر {وَمَن كَانَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } ومن كان في علم الله أنه يموت على الضلال. {فَإِمَّا } دخلت «ما» على «إن» توكيداً للشرط، وكذا النون الثقيلة في {نَذْهَبَنَّ بِكَ } أي نتوفينك قبل أن ننصرك عليهم ونشفي صدور المؤمنين منهم {فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ } أشد الانتقام في الآخرة {أَوْ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِى وَعَدْنَـٰهُمْ } قبل أن نتوفاك يعني يوم بدر {فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ } قادرون وصفهم بشدة الشكيمة في الكفر والضلال بقوله {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ } الآية. ثم أوعدهم بعذاب الدنيا والآخرة بقوله {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ } الآيتين. {فَٱسْتَمْسِكْ } فتمسك {بِٱلَّذِى أُوحِىَ إِلَيْكَ } وهو القرآن واعمل به {إِنَّكَ عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } أي على الدين الذي لا عوج له {وَإِنَّهُ} وإن الذي أوحي إليك {لَذِكْرٌ لَّكَ } لشرف لك {وَلِقَوْمِكَ } ولأمتك {وَسَوْفَ تُسْـئَلُونَ } عنه يوم القيامة وعن قيامكم بحقه وعن تعظيمكم له وعن شكركم هذه النعمة {وَسْئلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ } ليس المراد بسؤال الرسل حقيقة السؤال ولكنه مجاز عن النظر في أديانهم والفحص عن مللهم هل جاءت عبادة الأوثان قط في ملة من ملل الأنبياء، وكفاه نظراً وفحصاً نظره في كتاب الله المعجز المصدق لما بين يديه، وإخبار الله فيه بأنهم يعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً، وهذه الآية في نفسها كافية لا حاجة إلى غيرها. وقيل: إنه عليه السلام جمع له الأنبياء ليلة الإسراء فأمهم، وقيل له: سلهم فلم يشكك ولم يسأل. وقيل: معناه سل أمم من أرسل وهم أهل الكتابين أي التوراة والإنجيل، وإنما يخبرونه عن كتب الرسل فإذا سألهم فكأنه سأل الأنبياء، ومعنى هذا السؤال التقرير لعبدة الأوثان أنهم على الباطل. و{سَلْ } بلا همزة: مكي وعلي {رُسُلُنَا } أبو عمرو. ثم سلى رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـئَايَـٰتِنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإَِيْهِ فَقَالَ إِنِّى رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } ما أجابوه به عند قوله {إِنِّى رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } محذوف دل عليه قوله {فَلَمَّا جَآءَهُم بِـئَايَـٰتِنَا } وهو مطالبتهم إياه بإحضار البينة على دعواه وإبراز الآية {إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ } يسخرون منها ويهزءون بها ويسمونها سحراً. و«إذا» للمفاجأة وهو جواب «فلما» لأن فعل المفاجأة معها مقدر وهو عامل النصب في محل «إذا» كأنه قيل: فلما جاءهم بآياتنا فاجئوا وقت ضحكهم. {وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلاَّ هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا } قرينتها وصاحبتها التي كانت قبلها في نقض العادة، وظاهر النظم يدل على أن اللاحقة أعظم من السابقة وليس كذلك بل المراد بهذا الكلام أنهن موصوفات بالكبر ولا يكدن يتفاوتن فيه وعليه كلام الناس. يقال: هما أخوان كل واحد منهما أكرم من الآخر {وَأَخَذْنَـٰهُم بِٱلْعَذَابِ } وهو ما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسّنِينَ وَنَقْصٍ مّن ٱلثَّمَرَاتِ} {أية : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ } تفسير : [الأعراف: 133] الآية. {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } عن الكفر إلى الإيمان {وَقَالُواْ يَٰأيُّهَ ٱلسَّاحِرُ } كانوا يقولون للعالم الماهر ساحر لتعظيمهم علم السحر. {وَقَالُواْ يٰأيُّهُ ٱلسَّاحِرُ } بضم الهاء بلا ألف: شامي. ووجهه أنها كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف فلما سقطت لالتقاء الساكنين اتبعت حركتها حركة ما قبلها {ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ } بعهده عندك من أن دعوتك مستجابة، أو بعهده عندك وهو النبوة، أو بما عهد عندك من كشف العذاب عمن اهتدى {إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ } مؤمنون به. {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ } ينقضون العهد بالإيمان ولا يفون به {وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ } نادى بنفسه عظماء القبط أو أمر منادياً فنادى كقولك «قطع الأمير اللص» إذا أمر بقطعه {فِى قَوْمِهِ } جعلهم محلاً لندائه وموقعاً له {قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَـٰرُ } أي أنهار النيل ومعظمها أربعة {تَجْرِى مِن تَحْتِى} من تحت قصري. وقيل: بين يدي في جناني. والواو عاطفة للأنهار على {مُلْكُ مِصْرَ } و{تَجْرِى } نصب على الحال منها، أو الواو للحال واسم الإشارة مبتدأ، والأنهار صفة لاسم الإشارة، و{تَجْرِى } خبر للمبدأ، وعن الرشيد أنه لما قرأها قال: لأولينها أخس عبيدي فولاها الخصيب وكان خادمه على وضوئه، وعن عبد الله بن طاهر أنه وليها فخرج إليها فلما شارفها قال: أهي القرية التي افتخر بها فرعون حتى قال {أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ } والله لهي أقل عندي من أن أدخلها فثني عنانه {أَفلاَ تُبْصِرُونَ } قوتي وضعف موسى وغناي وفقره.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} اعلم أنه تعالى أجاب هَهُنَا بوجْهٍ ثالث عن شُبْهَتِهِمْ بتفضيل الغني على الفقير، وهو أنه تعالى بين أن منافع الدنيا وطيباتها حقيرة خسيسة عند الله تعالى وبين حقارتها بقوله: {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة} والمعنى لولا أن يرغب الناس في الكفر إذا رأوا الكفار في سعة من الخير والرزق لأعطيتهم أكثر الأسباب المفيدة للنعم فأحدها: أني كون سقْفُهُمْ مِنْ فِضَّةٍ. وثانيها: مَعَارجَ عَلَيْهَا يَظْهِرُونَ أي يَعْلُون ويَرْتَقُونَ، يقال: ظَهَرْتُ عَلَى السَّطْحِ إذَا عَلَوْته. وثالثها: "أن يجعل لبيوتهم أبواباً وسرراً أيضاً من فضة عليها يتَّكِئُونَ". قوله: "لِبُيُوتِهِمْ" بدل اشتمال، بإعادة العامل، واللامان للاخْتِصَاص. وقال ابن عطية: الأولى للمِلْكِ، والثانية للاختصاص. ورده أبو حيان: بأن الثاني بدل فيشترط أن يكون (الحرف) متحد المعنى لا مختلفه. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكونا بمنزلة اللامين في قولك: وَهَبْتُ لَهُ ثَوْباً لِقَمِيصِهِ. قال أبو حيان: ولا أدري ما أراد بقوله. قال شهاب الدين: أراد بذلك أن اللامين للعلة، أي كانت الهبة لأجلك لأجل قميصك، فلقميصك بدل اشتمال، بإعادة العامل بِعَيْنِهِ وقد نقل أن قوله: {أية : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ}تفسير : [الأنعام:84] و [الأنبياء:72] و [العنكبوت:27] أنها للعلة. قوله: "سُقُفاً" قرأ ابنُ كَثيرٍ، وأبو عمرو بفتح السين، وسكون القاف بالإفراد، على إرادة الجنس والباقون بضمتين على الجمع (كرُهُن) في جمع رَهْنٍ. وفي رهن تأويل لا يمكن هنا، وهو أن يكون جمع رِهَان جمع رَهْن، لأنه لم يسمع سِقَاف جمع سَقْف. وعن الفراء أنه جمع سَقِيفَةٍ فيكون كصَحِيفَةٍ، وصُحُفٍ. وقرىء: سَقَفاً ـ بفتحتين ـ لغة في سَقْفٍ، وسُقُوفاً بزنة فَلسٍ وفُلُوساً. وأبو رجاء بضمة وسكون. و "مِنْ فِضَّةٍ" يجوز أن يتعلق بالجعل، وأن يتعلق بمحذوف صفة "لسُقفٍ". قوله: "ومعارج" قرأ العامة مَعَارجَ جمع "مِعْرَج" وهو السلم وطلحة مَعَارِيج جمع مِعْرَاج وهو كمِفْتَاح لمِفْتَح، وَمَفَاتِيح لمِفْتَاحٍ. قوله: "وَسُرُراً" جمع "سرير" والعامة على ضم الراء. وقرىء بفتحها، وهي لغة بعض تميم وكَلْبٍ وقد تقدم أن "فعِيلاً" المضعف يفتح عينه، إذا كان اسماً، أو صفة نحو: ثَوْبٌ جَدِيدٌ، وثِيَابٌ جُدَدٌ. وفيه كلام للنحاة. وهل قوله: "مِنْ فِضّةٍ" شالم للمعارج والأثواب والسُّرُر؟. فقال الزمخشري: نعم، كأنه يرى تشريك المعطوف مع المعطوف عليه في قيوده. وَ "عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ" و "عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ" صفتان لما قبلهما. قوله: "وزُخْرُفاً" يجوز أن يكون منصوباً بجعل أي وجَعَلْنَا لَهُمْ زُخْرُفاً، وجوز الزمخشري أن ينصب عطفاً على محل "من فضة"، كأنه قيل: سُقُفاً من فضةٍ وذهب، فلما حذف الخافض انتصب أي بعضها كذا وبعضها كذا. الزخرف قيل: هو الذَّهَبُ، لقوله: {أية : أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ}تفسير : [الإسراء:93]. وقيل: الزخرف الزينة، لقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ}تفسير : [يونس:24] فيكون المعنى نُعْطِيهم زينةً عظيمةً في كل بابٍ. قوله: {وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} قرأ حمزة وعاصم لَمَّا بالتشديد على معنى: وما كُل ذلك إلاّ متاع الحياة الدنيا. فكان لما بمعنى إلا. حكى سيبويه: "أَنْشَدْتُكَ بِالله لَمَّا فَعَلْتَ" بمعنى إلا. ويؤيد هذه القراءة قراءةٌ مَنْ قرأ: وَمَا ذَلِكَ إلاَّ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وخففه الآخرون على معنى: وكل ذلك متاع الحياة الدنيا. فتكون اللام للابتداء، وما صلة يريد: أن هذا كله متاع الحياة الدنيا وسماع متاعاً، لأن الإنسان يستمتع به قليلاً، ثم يزول ويذهب. وتقدم الخلاف في لما تخفيفاً وتشديداً في سورة هُودٍ. قال أبو الحسن: الوجه التخفيف، لأن لما بمعنى إلا لا يُعْرَفُ. وحكي عن الكسائي أنه قال: لا أعرف وجه التثقيل. وقرأ أبو رَجَاءٍ وأبو حَيْوَةَ: لِمَا ـ بكسر اللام ـ على أنها لام العلة ودخلت على ما الموصولة، وحذف عائدها، وإن لم تَطُّلِ الصّلة، والأصل: الذي هو متاع، كقوله: {أية : تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ}تفسير : [الأنعام:154] برفع النون. و"إنْ" هي المخففة من الثقيلة، و"كل" مبتدأ، والجار بعده خبره، أي وإنَّ كُلَّ ما تقدم ذكره كائنٌ لِلَّذِي هُوَ متاع الحياة. وكان الوجه أن تدخل اللام الفارقة، لعدم إعمالها، إلا إنها لما دَلَّ الدليلُ على الإثبات جاز حَذْفها، كما حذفها الآخر في قوله ـ (رحمه الله) ـ: شعر : 4401ـ أَنَا ابْنُ أُبَاةِ الضَّيْم مِنْ آلِ مَالِكٍ وَإنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَ المَعَادِنِ تفسير : قوله: {وَٱلآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} خاصة، يعني الجنة للمتقين عن حب الدنيا. قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : لَوْ كَانَت الدُّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى مِنْهَا كَافِراً قَطْرَةَ مَاءٍ ". تفسير : وروى المُسْتَوْردُ بنُ شداد قال: "حديث : كنت في الركب الذين وقفوا مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على السحلة الميتة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتُرى هذه هانت على أهلها حين ألقوها؟ قالوا: مِنْ هَوانِها أَلقَوْها, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فالدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ عَلَى أهْلِهَا" ". تفسير : فإن قيل: لما بين تعالى أنه لو فتح على الكافر أبواب النعم لصار ذلك سبباً لاجتماع الناس على الكفر، فلم لم يفعل ذلك بالمسلمين حتى يصير ذلك سبباً لاجتماع الناس على الإسلام؟!. فالجواب: لأن الناس على هذا التقدير كانوا يجتمعون على الإسلام، لطلب الدنيا، وهذا الإيمان إيمان المنافقين، فكان الأصوب أن يضيق الأمر على المسلمين حتى أن كل من دخل الإسلام فإنما يدخل لمتابعة الدليل، ولِطَلَبِ رضوان الله تعالى، فحينئذ يعظم ثوابه لهذا السبب.
البقاعي
تفسير : ولما دلت صريح آية التمتيع وتلويح ما بعدها أن البسط في الرزق الموجب للعلو مع أنه خسيس المنزلة ناقص المقدار مقتض للخروج عن السواء، وكان التقدير: فنحن نخص بهذا الخير للأفراد في الأدوار الآحاد من الأبرار لنستنقذ بهم من شئنا من الضلال ونعطي الحطام للعتاة الطغام الأرذال ابتلاء للعباد ليبين لهم أهل البغي من أهل الرشاد، ولولا ما اقتضته حكمتنا بترتيب هذا الوجود على الأسباب من المفاوتة بين الناس لقيام الوجود لساوينا بينهم، وعطف: عليه قوله مذكراً بلطفه بالمؤمنين وبره لهم برفعه ما يقضتي لهم شديد المجاهدة وعظيم المصابرة والمكابدة لحال تزل فيه الأقدام عن سنن الهدى من الميل والإصغاء إلى مظان الغنى والملك وتمام المكنة والعظمة: {ولولا أن يكون الناس} أي أهل التمتع بالأموال بما فيهم من الاضطراب والأنس بأنفسهم {أمة واحدة} أي في الضلال بالكفر لاعتقادهم أن إعطاءنا المال دليل على محبتنا لمن أعطيناه لحبهم الدنيا وجعلها محط أنظارها وهممهم إلا من عصم الله {لجعلنا} أي في كل زمان وكل مكان بما لنا من العظمة التي لم يقدر أحد على معارضتها لحقارة الدنيا عندنا وبغضنا لها {لمن يكفر} وقوله: {بالرحمن} أي العام الرحمة دليل على حقارة الدنيا من جهة إعطائها للمبعد الممقوت، وعلى أن صفة الرحمة مقتضية لتناهي بسط النعم على الكافر لولا العلة التي ذكرها سبحانه من الرفق بالمؤمنين. ولما كان تزيين الظرف دائماً بحسب زينة المظروف، دل على ما لهم من ملابسهم ومراكبهم وغير ذلك من أمورهم بزينة المنازل، فقال مبدلاً من {لمن} بدل الاشتمال لأن سوقه على طريق الإبدال أروع: {لبيوتهم} أي التي ينزلونها {سقفاً} أي هذا الجنس في قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالموحدة بدليل قراءة الباقين بضمتين جمعاً {من فضة} كأنه خصها لإفادتها النور {ومعارج} أي من فضة، وهي المصاعد من الدرج لأن المشي عليها مثل مشي الأعرج {عليها يظهرون} أي يعلون ويرتقون على ظهورها إلى المعالي {ولبيوتهم أبواباً} أي من فضة أيضاً. ولما كان إفراد السرير يوهم أنه واحد يدار به على الكل، جمع ليفهم أن لكل واحد ما يخصه من الأسرة بخلاف السقف فإنه لا يهوم ذلك فلعله قرئ بإفراده وجمعه، فقال: {وسرراً} بالجمع خاصة، ودل على هدوء بالهم وصفاء أوقاتهم وأحوالهم بقوله: {عليها يتكئون} ودل على ما لا يتناهى من غير ذلك بقوله: {وزخرفاً} أي ذهباً وزينة عامة كاملة. ولما كان لفظ الزخرف دالاً على كون ذلك أمراً ظاهرياً متلاشياً عند التحقيق، دل عليه بقوله مؤكداً لما تقرر في النفوس من أن السادة في مثل ذلك، وما كان مقرراً عندهم من أن السعيد في الأول سعيد في الآخرة على تقدير كونها: {وإن} أي وما {كل ذلك} أي الأمر البعيد عن الخير لكونه في الأغلب مبعداً مما يرضينا، ولأن صاحبه لا يزال فقيراً وإن استوسقت له الدنيا ملكاً وملكاً، لأنه لا بد أن يبقى في نفسه شيء لا تبلغه قدرته فهو لا يزال مغبوناً {لما} أي إلا - هذا على قراءة عاصم وحمزة بالتشديد: وهي في قراءة الباقين بالتخفيف فارقة بين النافية والمخففة، وما مؤكدة والخبر هو {متاع الحياة الدنيا} أي التي اسمها دال على دناءتها وأن لها ضرة هي الآخرة، وهو منقطع بالموت، فلذلك اقتضت رحمته أن لا يضيق على المؤمنين في الأغلب لأن السعة تنقصهم في الآخرة ويطول الحساب {والآخرة} التي لا دار تعدلها بل لا دار الحقيقة إلى هي. ولما كانت الإضافة إلى الجليل دالة على جلالة المضاف إليه فقال: {عند ربك} وأشار بالوصف بالرب إلى أن الجلالة بالحسن والراحة، وبالإضافة إليه صلى الله عليه وسلم في أعلى الغايات {للمتقين} أي الذين هم دائماً واقفون عن أدنى تصرف إلا بدليل لا يشاركهم فيها غيرهم، وهذا لما ذكر عمر رضي الله عنه كسرى وقيصر وما كانا فيه من النعم قال النبي صلى الله عليه وسلم:حديث : ألا ترضى أن يكون لهم الدنيا ولنا الأخرىتفسير : . ولا يبعد أن يكون ما صار إليه الفسقة من الجبابرة من زخرفة الأبنية وتركيب السقوف وغيرها من مساوئ الفتنة بأن يكون الناس أمة واحدة بالكفر قرب الساعة حتى لا تقوم الساعة على من يقول: الله، وفي زمن الدجال من يبقى إذ ذاك على الحق في غاية القلة بحيث إنهم لا عداد لهم في جانب الكفرة لأن كلام الملوك لا يخلو عن حقيقة، وإن خرج مخرج الشرط فكيف بملك الملوك. ولما كان التقدير: ولكنا لم نجعل ذلك علماً منا بأن الناس كادوا يكونون أمة واحدة وإن كنا نقيض من جبلناه على الخير على الإيمان لكن ينقصه ما أوتي في الدنيا من خطر في الآخرة لأن من وسع عليه في دنياه اشتغل في الأغلب عن ذكر الله فنفرت منه الملائكة ولزمته الشياطين، فساقه ذلك إلى كل سوء، ومن يتق الله فيديم ذكره يؤيده بملك فهو له معين، عطف عليه قوله معبراً عن غفلة البصيرة بالعشا الذي هو ضعف البصر تصوراً لمن ينسى ذكر الله بأقبح صورة تنفيراً عن ذلك {من يعش} أي يفعل فعل المعاشي، وهو من شاء بصره بالليل والنهار أو عمي على قراءة شاذه وردت عن يعقوب بفتح الشين وركب الأمور متجاوزاً {عن ذكر الرحمن} الذي عمت رحمته، فلا رحمة على أحد إلا وهي منه كما فعل هؤلاء حين متعناهم وآباءهم حيث أبطرهم ذلك، وهو شيء يسير جداً، فأعرضوا عن الآيات والدلائل فلم ينظروا فيها إلا نظراً ضعيفاً كنظر من عشي بصره {نقيض} أي نقرر ونسلط ونقدر عقاباً {له} على إعراضه عن ذكر الله {شيطاناً} أي شخصاً نارياً بعيداً من الرحمة يكون غالباً محيطاً به مضيقاً عليه مثل قيض البيضة وهو القشر الداخل {فهو له قرين} مشدود به كما يشد الأسير، ملازم فلا يمكنه التخلص منه ما دام متعامياً عن ذكر الله، فهو يزين له العمى ويخيل إليه أنه على عين الهدى، كما أن من يستبصر بذكر الرحمن يسخر له ملك فهو له ولي يبشره بكل خير، فذكر الله حصن حصين من الشيطان، متى خرج العبد منه أسره العدو كما ورد في الحديث، قال في القاموس: العشى مقصور: سوء البصر بالليل والنهار أو العمى، عشى كرضى ودعا، والعشوة بالضم والكسر: ركوب الأمر على غير بيان، قال ابن جرير: وأصل العشو النظر بغير ثبت لعلة في العين، وقال الرازي في اللوامع: وأصل اللغة أن العين والشين والحرف المعتل يدل على ظلام وقلة وضوح في الشيء. ولما كانت {من} عامة، وكان القرين للجنس، وأفرده لأنه نص على كل فرد، فكان التقدير: فإنهم ليحملونهم على أنواع الدنايا ويفتحون لهم أبواب الرذائل والبلايا، ويحسنون لهم ارتكاب القبائح والرزايا، عطف عليه قوله مؤكداً لما في أنفس الأغلب - كما أشار إليه آخر الآية - أن الموسع عليه هو المهتدي، جامعاً دلالة على كثرة الضال: {وإنهم} أي القرناء {ليصدونهم} أي العاشين {عن السبيل} أي الطريق الذي من حاد عنه هلك، لأنه لا طريق في الحقيقة سواه. ولما كانت الحيدة عن السبيل إلى غير سبيل، بل إلى معاطب لا يهتدي فيها دليل، عجباً، أتبعه عجباً آخر فقال: {ويحسبون} أي العاشون مع سيرهم في المهالك لتزيين القرناء بإحضار الحظوظ والشهوات وإبعاد المواعظ: {أنهم مهتدون} أي عريقون في هذا الوصف لما يستدرجون به من التوسعة عليهم والتضييق على الذاكرين. ولما كان من ضل عن الطريق، ومن ظن أنه على صواب لا يكاد يتمادى بل ينجلي له الحال عن قرب ضم إلى العجبين الماضيين عجباً ثالثاً بياناً له على ما تقديره: ونملي لهذا العاشي استدراجاً له وابتلاء لغيره ونمد ذلك طول حياته {حتى} وحقق الخبر بقوله: {إذا} ولما علم من الجمع فيما قيل أن المراد الجنس، وكان التوحيد أدل دليل على تناول كل فرد، فكان التعبير به أهول، وكان السياق دالاً على من الضمير له قال: {جاءنا} أي العاشي، ومن قرأ بالتثنية أراد العاشي والقرين {قال} أي العاشي تندماً وتحسراً لا انتفاع له به لفوات محله وهو دار العمل: {يا ليت بيني وبينك} أيها القرين {بعد المشرقين} أي ما بين المشرق والمغرب على التغليب - قاله ابن جرير وغيره، أو مشرق الشتاء والصيف أي بعد أحدهما عن الآخر؛ ثم سبب عن هذا التمني قوله جامعاً له أنواع المذام: {فبئس القرين} أي إني علمت أنك الذي أضلني وأوصلني إلى هذا العيش الضنك والمحل الدحض وأحسست في هذا الوقت بذلك الذي كنت تؤذيني به أنه أذى بالغ، فكنت كالذي يحك جسمه لما به من قروح متأكلة حتى يخرج منه الدم فهو في أوله يجد له لذة بما هو مؤلم له في نفسه غاية الإيلام. ولما كان الإيلام قد يؤذي الجسد، وكان التقدير حتماً بما هدى إليه السياق فيقال لهم: فلن ينفعكم ذلك اليوم يوم جئتمونا إذ تمنيتهم هذا التمني حين عاينتم تلك الأهوال اشتراككم اليوم في يوم الدنيا في الظلم وتمالؤكم عليه ومنافرة بعضكم لبعض، عطف عليه قوله: {ولن ينفعكم اليوم} أي في الدنيا شيئاً من نفع أصلاً {إذ} حين {ظلمتم} حال كونكم مشتركين في الظلم متعاونين عليه متناصرين فيه، وكل واحد منكم يقول لصاحبه سروراً به وتقرباً إليه وتودداً: يا ليت أنا لا نفترق أبداً فنعم القرين أنت، فيقال لهم توبيخاً: {أنكم في العذاب} أي العظيم، وقدمه اهتماماً بالزجر به والتخويف منه {مشتركون} أي اشتراككم فيه دائماً ظلمكم أنفسكم ظلماً باطناً بأمور أخفاها الطبع على القلوب وهو موجب للارتباك في أشراك المعاصي الموصلة إلى العذاب الظاهر يوم التمني ويوم القيامة عذاباً ظاهراً محسوساً، وذلك كمن يجرح جراحة بالغة وهو مغمي عليه فهو معذب بها قطعاً، ولكنه لا يحس إلا إذا أفاق فهو كما تقول لأناس يريدون أن يتمالؤوا على قتل نفس محرمة: لن ينفعكم اليوم إذ تتعاونون على قتله اشتراككم غداً في الهلاك بالسجن الضيق والضرب المتلف وضرب الأعناق، مرادك بذلك زجرهم عن ظلمهم بتذكيرهم بأنهم يصلون إلى هذا الحال ويزول ما هم فيه من المناصرة فلا ينفعهم شيء منها - والله الموفق، فالآية من الاحتباك، وبه زال عنها ما كان من إعراب المعربين لها موجباً للارتباك "فيا ليت" - إلى آخره، دال على تقدير ضده ثانياً "ولن ينفعكم" - إلى آخره، دال على تقدير مثله أولاً.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول الله لولا أن يجزع عبدي المؤمن لعصبت الكافر عصابة من حديد، فلا يشتكي شيئاً، ولصببت عليه الدنيا صباً"تفسير : قال ابن عباس رضي الله عنهما: قد أنزل الله شبه ذلك في كتابه في قوله {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن} الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة} الآية يقول: لولا أن أجعل الناس كلهم كفاراً، لجعلْتُ لبيوت الكفار سقفاً من فضة {ومعارج} من فضة، وهي درج {عليها يظهرون} يصعدون إلى الغرف، وسرر فضة {وزخرفاً} وهو الذهب. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة} قال: لولا أن يكون الناس كفاراً، {لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة} قال: السقف أعالي البيوت {ومعارج عليها يظهرون} قال: درج عليها يصعدون {وزخرفاً} قال: الذهب {والآخرة عند ربك للمتقين} قال: خصوصاً. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة} قال: لولا أن يكفروا. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن الشعبي رضي الله عنه في قوله {سقفاً} قال: الجزوع {ومعارج} قال: الدرج {وزخرفاً} قال: الذهب. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة} قال: لولا أن يكون الناس أجمعون كفاراً، فيميلوا إلى الدنيا، لجعل الله لهم الذي قال. قال: وقد مالت الدنيا بأكبر همها، وما فعل ذلك، فكيف لو فعله!. وأخرج أحمد والحاكم، عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: {أهم يقسمون رحمة ربك} قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من يحب، فمن أعطاه الدين فقد أحبه ". تفسير : وأخرج الترمذي وصححه وابن ماجة، عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء ".
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [الآية: 33]. قال ابن عطاء: اعتذار من الله إلى أنبيائه أنه لم يزو عنهم الدنيا إلاَّ لأنها لا خطر لها عنده وأنها فانية فآثر لهم الآخرة التى هى باقية وأهلها مبقون.
القشيري
تفسير : معنى الآية أنه ليس للدنيا عندنا خطر؛ فالذي يبقى عنَّا لو صَبَبْنَا عليه الدنيا بحذافيرها لم يكن ذلك جبراناً لمصيبته. ولولا فتنة قلوب المؤمنين لجعلنا لبيوتهم سُقُفاً من فضة ومعارجَ من فضة، وكذلك ما يكون شبيهاً بهذا. ولو فعلنا.. لم يكن لِمَا أعطيناه خَطَرٌ؛ لأنَّ الدنيا بأَسْرِها ليس لها عندنا خطر.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولولا ان يكون الناس امة واحدة} بتقدير المضاف مثل كراهة ان يكون الناس فان لولا لانتفاء الثانى لوجود الاول ولا تحقق لمدلول لولا ظاهرا والمعنى ولولا كراهة ان يرغب الناس فى الكفر اذا رأوا الكفار فى سعة وتنعم لحبهم الدنيا وتوهم ان ذلك الفضيلة فى الكفار فيجمعوا ويكونوا فى الكفر امة واحدة {لجعلنا} لحقارة الدنيا وهوانها عندنا {لمن يكفر بالرحمن} اى لشر الخلائق وادناهم منزله كما قال تعالى {أية : اولئك هم شر البرية} تفسير : {لبيوتهم} بدل اشتمال من لمن او اللام بمعنى على وجمع الضمير باعتبار معنى من كما ان افراد المستكن فى يكفر باعتبار لفظها والبيوت والابيات جمع بيت وهو اسم لمبنى مسقف مدخله من جانب واحد بنى للبيتوتة قال الراغب أصل البيت مأوى الانسان بالليل ثم قد يقال من غير اعتبار الليل فيه والبيوت بالمسكن أخص والابيات بالشعر ويقع ذلك على المتخذ من حجر ومدر ومن صوف ووبر وبه شبه بيت الشعر {سقفا} متخذة {من فضة} جمع سقف وهو سماء البيت والفضة جسم ذائب صابر منطرق ابيض رزين بالقياس الى باقى الاجساد وبالفارسية نقره. سميت فضة لتفضضها وتفرقها فى وجوه المصالح {ومعارج} عطف على سقفا جمع معرج بفتح الميم وكسرها بمعنى السلم وبالفارسية نردبان قال الراغب العروج ذهاب فى صعود والمعارج المصاعد والمعنى وجعلنا لهم مصاعد ومراقى من فضة حذف لدلالة الاول عليه {عليها} اى على المعارج {يظهرون} يقال ظهر عليه اذا علاه وارتقى اليه واصل ظهر الشئ ان يحصل شئ على ظهر الارض فلا يخفى ثم صار مستعملا فى كل بارز للبصر والبصيرة والمعنى يعلون السطوح والعلالى وبالفارسية ونردبا نهاكه بدان بربام آن خانها برايند وخودرابنمايند
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ولولا أن يكون الناسُ أمةً واحدةٌ} أي: ولولا كراهة أن يجتمع الناس على الكفر، ويُطبقوا عليه، {لجعلنا} لأجل حقارة الدنيا عندنا {لِمَن يكفُر بالرحمن لبيوتهم}: بدل "مَن" {سُقُفاً من فضةٍ} أي: متخذة منها، {ومعارجَ} أي: ولجعلنا لهم مصاعد، أي: سلالم من فضة أيضاً، يصعدون عليها إلى السطوح، {عليها يظهرون} أي: يَعلون السطوح والعلالي عليها، {ولِبيوتهم} أي: وجعلنا لبيوتهم {أبواباً وسُرُراً} من فضة أيضاً، {عليها} أي: السرر {يتكئون}، ولعل تكرير "بيوتهم" لزيادة التقرير. {وزُخرفاً} أي: وجعلنا لهم زخرفاً، أي: زينةً من كل شيء. والزخرف: الذهب والزينة. ويجوز أن يكونَ الأصلُ: سقفاً من فضة وزخرف، أي: بعضها من فضة، وبعضها مِن ذهب، فنُصب عطفاً على محل "مِن فضة". {وإِن كُلُّ ذلك لَمَّا متاعُ الحياةِ الدنيا} أي: وما كل ما ذكر من البيوت الموصوفة بما ذكر من الزخارف الغرارة، إلا شيء يتمتع به في الحياة الدنيا، ثم يفنى وتبقى تبعته. {والآخرةُ} أي: ونعيم الآخرة الذي يقصر عنه البيان: خير {عند ربك للمتقين} الكفر والمعاصي. وبهذا يتبين أن العظيم إنما هو العظيم في الآخرة، لا في الدنيا، ولذلك لم يجعل للمؤمنين فيها حظاً وافراً؛ لأنه تمتع قليل بالنسبة إلى ما لهم في الآخرة، ولأنه ربما يشغلهم عن ذكر الرحمن، كما أشار إليه بقوله: {ومَن يَعْشُ...} الخ. الإشارة: في الآية ذم للدنيا ولمَن اشتغل بها. وفي الحديث:"حديث : لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقي كافراً منها شربة ماء"تفسير : . وعن علقمة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصيرٍ، فأثَّرَ الحصيرُ في جَنْبِه، فلما استيقظ، جعلتُ أمسح عنه، وأقول: يا رسول الله؛ ألا آذنتني قبل أن تنام على هذه الحصيرة، فأبسط عليه شيئاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ما لي وللدنيا، وما للدنيا وما لي، ما أنا والدنيا إلا كراكبٍ استظلَّ في فيء، أو ظل شجرةٍ، ثم راح وتركها"تفسير : . ورُوي أن عيسى عليه السلام أخذ لبنة من طوب، فجعلها تحت رأسه، فجاءه جبريل عليه السلام، فوكز الطوية من تحت رأسه، ونزعها، وقال:"حديث : اترك هذه مع ما تركتَ"تفسير : . وأنشدوا في هذا المعنى: شعر : رضيتُ من الدنيا بقُوتٍ وخرقةٍ وأشربُ من كوز حوافيه تُكْسَرُ فقل لبني الدنيا: اعزلوا مَن أردتُم وولُّوا، وخلوني على البعد أنظرُ تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : الدنيا خراب، وأخرب منها قلب مشتغل بها"تفسير : . ومَن اشتغل بها غَفَلَ عن ذكر الرحمن، وسُلط عليه الشيطان، كما قال تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ}.
الجنابذي
تفسير : {وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} اى لولا كراهة ذلك {لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ} بالتّوسعة فى اموالهم حتّى يجعلوا سقف بيوتهم فضّة {وَمَعَارِجَ} من فضّة {عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} السّطوح.
اطفيش
تفسير : {وَلَوْلآَ أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي مجتمعين على الكفر والشرك اذا رأوا الكفار في سعة وتنعم وقدر بعضهم لولا كراهة أن يكون* {لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ} بدل اشتمال من قوله لمن أو تعلل أي لأجل بيوتهم كقولك وهبت له ثوباً لقميصه أي ليكون له قميصاً وهب لهم سقفاً من فضة لتكون سقف بيوتهم أو حال من (سقفاً)* {سُقُفاً} بضمتين جمع سقف بفتح فسكون وقرئ (سقفاً) بضم فاسكان للتخفيف كرسل ورسل ولو اختلف مفرده ومفرد الرسل وقال الفراء: السقف بضم فاسكان جمع سقيفة وقرئ (سقوفاً). وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (سقفاً) بفتح السين واسكان القاف مفرداً بمعنى الجمع بدليل جمع البيت أو لان المعنى جعلنا لكل بيت سقفاً وقرئ (سقفاً) بفتحتين لغة في المفرد {مِّن فِضَّةٍ} سميت لانها تفض أي تذهب سريعاً* {وَمَعَارِجَ} جمع معرج بدون ألف أي آلة العروج أي الصعود وهى الدرج ومن أجاز حذف ياء مفاعيل أجاز أن يكون جمع معراج بالألف وقرئ (معاريج) بالياء جمع (معراج) بالألف والمراد معارج من فضة* {عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} أي يعملون عليها الى السطوح ومنه قولة عائشة رضي الله عنها: (والشمس في حجرتها لم تظهر بعد)
اطفيش
تفسير : {ولَولا أن يَكُون} أى لولا كراهة أن يكون {النَّاس} كلهم {أمةً} جماعة {واحِدةً} متحدة علىالكفر بأنواعه، الشرك والفسق بأنواعهما، أى لولا كون الناس أمة واحدة على الكفر يوجد بالبسط كل البسط للكفار بالله، الذى هو الرحمن للخلق، بأن يكفر بالله كل من رآهم على ذلك البسط، يظن أن الكفر هو الموجب لذلك البسط لهم، وذلك جرى على عادته تعالى فى خلق الأسباب، اذ لو شاء لم يكفر من رآهم كذلك، ولو شاء لزادهم ذلك بعدا عن الكفر، والمصدرمن يكون مبتدأ على حذف مضاف، أى لولا كراهة كون الناس خبره يوجد المقدر. {لجَعلْنا لمن يَكْفُر} متعلق باستقرار محذوف مفعول ثان لجعلنا {بالرحْمن} لم يقل بالله إشارة الى أن ترك الجعل رحمة للسعداء، ولكل من شاء إلا من أبى باختياره {لبيُوتهم} بدل اشتمال من لمن، ولا يضر اتحاد معنى حرفى جر واتحاد متعلقهما، لأنه بالتبعية أو متعلق بجعلنا، فقد اختلف المتعلقان لأن أحدهما الاستقرار، ولو جعلنا جعل متعديا لواحد لم يجز تعلقهما به إلا على البدلية، أو على اختلاف معنى اللامين، بأن تجعل الثانية للتعليل كما قيل، وليس ذلك معنى قويا هنا، والأولى للملك أو الاختصاص أو بأن تجعل الأولى للملك، والثانية للاختصاص. {سُقفاً} جمع سقف كرهن ورهن، أو جمع سقيفة كسفينة وسفن، وهو أوكد فى المعنى، لأن السقيفة البيت كله السقف بعضه إلا أنه لا يصح الا على طريق التجريد، بأن تجرد من بيوتهم بيوت للمبالغة فى تحسينها، أو السقيفة بمعنى السقف، والجمع على التوزيع كما قرىء بفتح واسكان القاف، أى لكل بيت سقف، ويجوز أن يراد لكل بيت سقوف، سقف فوق سقف، وذلك غرف، واخطأ من استدل بالآية على أن السقف لصاحب البيت الأسفل، إذ لا دليل فيها على ذلك، بل هو بينهما، الا ان كان بينة، وعلى الأسفل الخشب وعلى الفوقى الطين {من فضةٍ} تمثيل، ولو شاء لجعلها من ذهب والكل عند الله هين، واذا كان السقف من فضة فالبيت من نحاس أو حجر مجودا، ومن ذهب كما قال بعد وزخرفا {ومَعَارج} مدارج جمع معرج، أى من فضة {عَليْها} متعلق بقوله تعالى: {يَظْهرُونَ} يطلعون،وسمى الطلوع ظهورا، لأن الطالع فوق عال يظهر للناظر، أو لأن الطالع يطلع على ما خفى.
الالوسي
تفسير : استئناف مبين لحقارة متاع الدنيا ودناءة قدره عند الله عز وجل، والمعنى إن حقارة شأنه بحيث لولا كراهة أن يجتمع الناس على الكفر ويطبقوا عليه لأعطيناه على أتم وجه من هو شر الخلائق وأدناهم منزلة، فكراهة الاجتماع على الكفر هي المانعة من تمتيع كل كافر والبسط عليه لا أن المانع كون متاع الدنيا له قدر عندنا، والكراهة المذكورة هي وجه الحكمة في ترك تنعيم كل كافر وبسط الرزق عليه فلا محذور في تقديرها؛ وليس ذلك مبنياً على وجوب رعاية المصلحة وإرادة الإيمان من الخلق ليكون اعتزالاً كما ظن. وكأن وجه كون البسط على الكفار سبباً للاجتماع على الكفر مزيد حب الناس للدنيا فإذا رأوا ذلك كفروا لينالوها، وهذا على معنى أن الله تعالى شأنه علم أنه لو فعل ذلك لدعا الناس إذ ذاك حبهم للدنيا إلى الكفر، فلا يقال: إن كثيراً من الناس اليوم يتحقق الغنى التام لو كفر ولا يكفر ولو أكره عليه بالقتل، وكون المراد بالأمر الواحد الذي يقتضيه كونهم أمة واحدة فإنه بمعنى اجتماعهم على أمر واحد الكفر بقرينة الجواب. و {لِبُيُوتِهِمْ} بدل اشتمال من قوله تعالى: {لِمَن يَكْفُرُ} واللام فيهما للاختصاص أو هما متعلقان بالفعل لا على البدلية ولام {لِمَن} صلة الفعل لتعديه باللام فهو بمنزلة المفعول به ولام {لِبُيُوتِهِمْ} للتعليل فهو بمنزلة المفعول له، ويجوز أن تكون الأولى للملك والثانية للاختصاص كما في قولك: وهبت الحبل لزيد لدابته وإليه ذهب ابن عطية، ولا يجوز على تقدير اختلاف اللامين معنى البدلية إذ مقتضى إعادة العامل في البدل الاتحاد في المعنى وإلى هذا ذهب أبو حيان، وقال الخفاجي: لا مانع من أن يبدل المجموع من المجموع بدون اعتبار إعادة. والسقف جمع سقف كرهن جمع رهن، وعن الفراء أنه جمع سقيفة كسفن جمع سفينة، والمعارج جمع معرج وهو عطف على {سَقْفاً} أي ولجعلنا لهم مصاعد عليها يعلون السطوح والعلالي وكأن المراد معارج من فضة بناء على أن العطف ظاهر في التشريك في القيد وإن تقدم، وقال أبو حيان: لا يتعين ذلك. وقرأ أبو رجاء {سقفاً} بضم السين وسكون القاف تخفيفاً وفي «البحر» هي لغة تميم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح السين والسكون على الإفراد لأنه اسم جنس يطلق على الواحد وما فوقه وهو المراد بقرينة البيوت؛ وقرىء بفتح السين والقاف وهي لغة في سقف وليس ذلك تحريك ساكن لأنه لا وجه له. وقرىء {سقوفاً} وهو جمع سقف كفلوس جمع فلس، وقرأ طلحة {معاريج} جمع معراج.
ابن عاشور
تفسير : {ولولا} حرف امتناع لوجود، أي حرف شرط دلّ امتناع وقوعِ جوابها لأجل وقوع شرطها، فيقتضي أن الله أراد امتناع وقوع أن يكون الناس أمة واحدة، أي أراد الاحتراز من مضمون شرطها. لما تقرر أن مِن خُلُقهم تعظيمَ المال وأهل الثراء وحُسْبانَهم ذلك أصل الفضائل ولم يَهتموا بزكاء النّفوس، وكان الله قد أبطل جعلهم المال سبب الفضل بإبطالين، بقوله: { أية : أهم يقسمون رحمة ربك } تفسير : [الزخرف: 32] وقوله: { أية : ورحمت ربك خير مما يجمعون } تفسير : [الزخرف: 32]، أعقب ذلك بتعريفهم أن المال والغنى لاَ حَظّ لهما عند الله تعالى فإن الله أعطى كل شيء خلقه وجعل للأشياء حقائقها ومقاديرها فكثيراً ما يكون المال للكافرين ومن لا خلاق لهم من الخير، فتعين أن المال قسمة من الله على النّاس جعل له أسباباً نظمها في سلك النظُم الاجتماعية وجعل لها آثاراً مناسبة لها، وشتان بينها وبين مواهب النفوس الزكية والسرائر الطيبة، فالمال في الغالب مصدر لإرضاء الشهوات ومرصد للتفاخر والتطاول. وأما مواهب النفوس الطيّبة فمَصَادرُ لنفع أصحابها ونفع الأمة، ففي أهل الشر أغنياء وفقراء وفي أهل الخير أمثال ذلك، فظهر التباين بين آثار كسب المال وآثار الفضائل النفسانية. ويحصل من هذا التحقير للمال إبطال ثالث لما أسسوا عليه قولهم: { أية : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } تفسير : [الزخرف: 31]، فهذه الجملة عطف على جملة { أية : ورحمت ربك خير مما يجمعون } تفسير : [الزخرف: 32]. والنّاس يحتمل أن يراد به جميع النّاس، فيكون التعريف للاستغراق، أي جميع البشر. والأمة: الجماعة من البشر المتميزة عن غيرها باتحاد في نسب أو دين أو حالة معرّف بها فمعنى أن يكون النّاس أمة واحدة يحتمل أن لولا أن يصير البشر على دين واحد وهو الغالب عليهم يومئذٍ، أي الكفر ونبذ الفكرة في الآخرة وعلى هذا تفسير ابن عباس والحسن وقتادة والسدي. فالمعنى عليه: لَوْلاَ أن يَصير النّاس كلّهم كفاراً لخصصنا الكافرين بالمال والرفاهية وتركنا المسلمين لِمَا ادّخرنا لهم من خيرات الآخرة، فيحسب ضعفاء العقول أن للكفر أثراً في حصول المال جعله الله جزاء لمن سماهم بالكافرين فيتبعوا دين الكفر لِتخيّلهم الملازمة بين سعادة العيش وبين الكفرِ، وقد كان النّاس في الأجيال الأولى أصحاب أوهام وأغلاط يجعلون للمقارنة حكم التسبب فيؤول المعنى إلى: لولا تجنب ما يفضي إلى عموم الكفر وانقراضِ الإيمان، لجعلنا المال لأهل الكفر خاصة، أي والله لا يحب انقراض الإيمان من النّاس ولم يقدِّر اتحاد النّاس على ملة واحدة بقوله: { أية : ولا يزالون مختلفين إلاّ من رحم ربّك ولذلك خلقهم } تفسير : [هود: 118، 119] أي أن الله لطف بالعباد فعطّل ما يفضي بهم إلى اضمحلال الهدى من بينهم، أي أبقى بينهم بصيصاً من نور الهدى. ويحتمل وهو الأولى عندي: أن يكون التعريف في {الناس} للعهد مراداً به بعض طوائف البشر وهم أهل مكة وجمهورهم على طريقة الاستغراق العرفي وعلى وزان قوله تعالى: { أية : إن النّاس قد جمعوا لكم } تفسير : [آل عمران: 173] ويكون المراد بكونهم أمّة واحدة اتحادهم في الثراء. والمعنى: لولا أن تصير أمة من الأمم أهل ثروة كلهم (أي وذلك مخالف لما قدره الله من اشتمال كل بلد وكل قبيلة وكل أمة على أغنياء ومحاويج لإقامة نظام العمران واحتياج بعضهم لبعض، هذا لمالِه، وهذا لصناعته، وآخر لمقدرة بدنه) لجعلنا من يكفر بالرحمان وهم أهل مكة سواء في الثراء والرفاهية. وعلى كلا الاحتمالين يتلخص من المعنى أن الثراء والرفاهية لا يقيم المدبر الحكيم لهما وزناً فلا يمسكهما عن الناكبين عن طريق الحق والكمال، فصار الكلام يقتضي مقدَّراً محذوفاً تقديره لكن لا يكون النّاس سَواء في الغِنى لأنّا لم نجعل ذلك لأنا قدرنا في نظام الكون البشري أن لا تكون أمة من الأمم أو قبيلة أو أهل بلدة أغنياء ليس فيهم محاويج لأنّه يفضي إلى انحرام نظام الاجتماع وارتفاع احتياج بعضهم لبعض فيهلك مجتمعهم، والله أراد بقاءهم إلى أجل هم بالغوه. ويرجح هذا جعل متعلق فعل {يكفر} خصوص وصف الرحمان فإن مشركي مكة أنكروا وصف الرحمان { أية : قالوا وما الرحمٰن } تفسير : [الفرقان: 60] وقد تكرر التورّك عليهم بذلك في آي كثيرة. ومعنى {لجعلنا لمن يكفر} لَقدَّرنا في نظام المجتمع البشري أسبابَ الثراء متصلةً بالكفر بالله بحيث يكون الكفر سبباً ومجلبة للغنى، ولو أراد الله ذلك لهيّأ له أسبابه في عقول النّاس وأساليب معاملاتهم المالية فدل هذا على أن الله منع أسباب تعميم الكفر في الأرض لطفاً منه بالإيمان وأهله وإن كان لم يمنع وقوع كفر جزئي قليل أو كثير حفظاً منه تعالى لناموس ترتيب المسببات على أسبابها. وهذا من تفاريع التفرقة بين الرضى والإرادة فلا يرضى لعباده الكفر ولو شاء ربّك ما فعلوه. واللام في قوله: {لبيوتهم} مثل اللام في قوله: {لمن يكفر بالرحمٰن}، أي لجعلنا لبيوت من يكفر بالرحمان فيكون قوله {لبيوتهم} بدلَ اشتمال ممّن يكفر بالرحمان. وإنما صرح بتكرير العامل للتوكيد كما فعلوا في البدل من المستفهم عنه في نحو: مَن ذا أسعيد أم علي؟ فقرنوا البدل بأداة استفهام ولم يقولوا: من ذا سعيد أم علي؟ وتقدم عند قوله تعالى: { أية : ومن النخل مِن طَلْعِها قِنوانٌ دانيةٌ } تفسير : في سورة الأنعام (99). ونكتة هذا الإبدال تعليق المجرور ابتداء بفعل الجعل ثم الاهتمام بذكر من يكفر بالرحمان في هذا المقام المقصود منه قرنه مع مظاهر الغنى في قَرَن التحقيرِ، ثم يذكر ما يعزّ وجود أمثاله من الفضة والذهب، وإذ قد كان الخبر كله مستغرباً كان حقيقاً بأن يُنْظَم في أسلوب الإجمال ثم التفصيل. وقرأ الجمهور {سُقُفاً} بضم السين وضم القاف جمع سَقف بفتح السين وسكون القاف وهو: البناء الممتد على جدران البيت المغطِّي فضاء البيت، وتقدم عند قوله تعالى: { أية : فخرّ عليهم السقفُ من فوقهم } تفسير : في سورة النحل (26). وهذا الجمع لا نظير له إلا رَهْن ورُهن ولا ثالث لهما. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو {سَقْفاً} بفتح السين وإسكان القاف على الإفراد. والمراد من المفرد الجنس بقرينة قوله {لبيوتهم} كأنه قيل: لكل بيت سقف. والزخرف: الزينة قال تعالى: { أية : زخرف القول غروراً } تفسير : في سورة الأنعام (112)، فيكون هنا عطفاً على {سقفاً} جمعاً لعديد المحاسن، ويُطلق على الذهب لأن الذهب يتزين به، كقوله: { أية : أو يكونَ لك بيتٌ من زخرفٍ } تفسير : [الإسراء: 93]، فيكون {وزخرفاً} عطفاً على {سُقفاً} بتأويل: لجعلنا لهم ذهباً، أي لكانت سُقفهم ومعارجهم وأبوابهم من فضة وذَهب منوعة لأن ذلك أبهج في تلْوينها. وابتدىء بالفضة لأنها أكثر في التحليات وأجمل في اللّون، وأُخّر الذهب لأنه أندر في الحلي، ولأن لفظه أسعد بالوقف لكون آخره تنويناً ينقلب في الوقف ألفاً فيناسب امتداد الصوت وهو أفصح في الوقف. ويجوز أن يكون لفظ {زخرفاً} مستعملاً في معنييه استعمال المشترك، فلا يرد سؤال عن تخصيص السقُف والمعارج بالفضة. و{معارج} اسمُ جمع مِعْراج، وهو الدرج الذي يعرج به إلى العلالي. ومعنى {يظهرون}: يعلُون كما في قوله تعالى: { أية : فما اسطاعوا أن يَظْهروه } تفسير : [الكهف: 97]، أي أن يتسوروه. وسُرُر بضمتين: جمع سرير، وتقدم عند قوله تعالى: { أية : على سُرُرٍ متقابلين } تفسير : في سورة الصافات (44)، وفائدة وصفها بجملة {عليها يتكئون} الإشارة إلى أنهم يُعطون هذه البهرجة مع استعمالها في دعة العيش والخلو عن التعب. والمراد أن المعارج والأبواب والسُّرُر من فضة، فحذف الوصف من المعطوفات لدلالة ما وُصف المعطوف عليه. وذيّل بقوله: {وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا} أي كل ما ذكر من السّقُف والمعارج والأبواب والسُرر من الفضة والذهب متاع الدنيا لا يعود على من أُعطِيه بالسعادة الأبدية وأما السعادة الأبدية فقد ادخرها الله للمتقين وليست كمثل البهارج والزينة الزائدة التي تصادف مختلِف النفوس وتكثر لأهل النفوس الضئيلة الخسيسة وهذا كقوله تعالى: { أية : زُين للنّاس حبّ الشهوات من النّساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضّة والخيل المسوَّمة والأنعامِ والحرث ذلك متاع الحياة الدّنيا والله عنده حسن المئاب } تفسير : [آل عمران: 14]. وقرأ الجمهور {لما} بتخفيف الميم فتكون {إنْ} التي قبلها مخففة من (إنّ) المشددة للتوكيد وتكون اللام الداخلة على {لَمَا} اللامَ الفارقة بين (إنْ) النافية و(إنْ) المخففة و(ما) زائدة للتوكيد بين المضاف والمضاف إليه. وقرأ عاصم وحمزة وهشام عن ابن عامر {لَمَّا} بتشديد الميم فهي {لَمَّا} أخت (ألاَّ) المختصة بالوقوع في سياق النفي فتكون {إِنْ} نافية، والتقدير: وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا.
الشنقيطي
تفسير : قوله لبيوتهم، في الموضعين، قرأه ورش وأبو عمرو وحفص، عن عاصم بضم الباء على الأصل. وقرأه قالون، عن نافع وابن كثير، وابن عامر، وحمزة والكسائي، وشعبة عن عاصم {لبيوتهم} بكسر الباء لمجانسة الكسرة للياء. وقوله سقفاً: قرأه نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم، سقفاً بضمتين، على الجمع. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو {سقفاً} بفتح السين وإسكان القاف على الإفراد المراد به الجمع. وقوله: {وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا} قرأه نافع وابن كثير، وابن عامر، في رواية ابن ذكوان، وإحدى الروايتين عن هشام وأبي عمرو والكسائي {لما متاع الحياة الدنيا} بتخفيف الميم من لما. وقرأه عاصم، وحمزة وهشام، عن ابن عامر، وفي إحدى الروايتين {لما متاع الحياة الدنيا} بتشديد الميم من لما. ومعنى الآية الكريمة، أن الله لما بين حقارة الدنيا، وعظم شأن الآخرة في قوله: {أية : وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} تفسير : [الزخرف: 32]. أتبع ذلك ببيان شدة حقارتها، وأنه جعلها مشتركة، بين المؤمنين، والكافرين وجعل ما في الآخرة من النعيم خاصاً بالمؤمنين، دون الكافرين وبين حكمته في اشتراك المؤمن مع الكافر، في نعيم الدنيا بقوله: {وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي لولا كراهتنا لكون جميع الناس أمة واحدة، متفقة على الكفر، لأعطينا زخارف الدنيا كلها للكفار. ولكننا لعلمنا، بشدة ميل القلوب إلى زهرة الحياة الدنيا، وحبها لها لو أعطينا ذلك كله للكفار، لحملت الرغبة في الدنيا جميع الناس على أن يكونوا كفاراً، فجعلنا في كل من الكافرين والمؤمنين غنياً وفقيراً، وأشركنا بينهم في الحياة الدنيا. ثم بين جل وعلا اختصاص نعيم الآخرة بالمؤمنين في قوله: {وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 35]. أي خالصة لهم دون غيرهم. وهذا المعنى جاء موضحاً في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في الأعراف: {أية : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَة} تفسير : [الأعراف: 32]. فقوله: {أية : قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [الأعراف: 32] أي مشتركة بينهم في الحياة الدنيا، خالصة يوم القيامة. أي خاصة بهم، دون الكفار، يوم القيامة. إذ لا نصيب للكفار البتة في طيبات الآخرة. فقوله في آية الأعراف هذه {أية : قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [الأعراف: 32] صريح في اشتراك المؤمنين مع الكفار في متاع الحياة الدنيا. وذلك الاشتراك المذكور، دل عليه حرف الامتناع، للوجود الذي هو لولا، في قوله هنا {وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [الزخرف: 33]. وخصوص طيبات الآخرة، بالمؤمنين المنصوص عليه في آية الأعراف بقوله {أية : خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَة} تفسير : [الأعراف: 32] هو الذي أوضحه تعالى في آية الزخرف هذه بقوله {وَٱلآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 35]. وجميع المؤمنين يدخلون في الجملة في لفظ المتقين لأن كل مؤمن اتقى الشرك بالله. وما دلت عليه هذه الآيات. من أنه تعالى يعطي الكفار من متاع الحياة الدنيا، دلت عليه آيات كثيرة من كتاب الله. كقوله تعالى {أية : قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ} تفسير : [البقرة: 126] وقوله {أية : نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ} تفسير : [لقمان: 24] وقوله تعالى {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [يونس: 23] وقوله {أية : قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ فِي ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} تفسير : [يونس: 69-70] والآيات بمثل هذا كثيرة. وقد بين تعالى في آيات من كتابه، أن إنعامه على الكافرين ليس لكرامتهم عليه، ولكنه للاستدراج، كقوله تعالى {أية : فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} تفسير : [القلم: 44-45] وقوله تعالى {أية : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنعام: 44-45] وقوله تعالى {أية : ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوْاْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} تفسير : [الأعراف: 95] وقوله تعالى {أية : قُلْ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً} تفسير : [مريم: 75] على أظهر التفسيرين. وقوله تعالى: {أية : وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} تفسير : [آل عمران: 178] وقوله تعالى: {أية : فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} تفسير : [الحج: 44]. ودعوى الكفار، أن الله ما أعطاهم المال ونعيم الدنيا إلا لكرامتهم عليه واستحقاقهم لذلك، وأنه إن كان البعث حقاً أعطاهم خيراً منه في الآخرة قد ردها الله عليهم في آيات كثيرة كقوله تعالى {أية : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} تفسير : [المؤمنون: 55-56]، وقوله تعالى {أية : وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} تفسير : [سبأ: 37]، وقوله تعالى {أية : قَالُواْ مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} تفسير : [الأعراف: 48]، وقوله تعالى: {أية : مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} تفسير : [المسد: 2] وقوله تعالى: {أية : وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ} تفسير : [الليل: 11] وقوله تعالى {أية : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} تفسير : [الأنعام: 94] إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا طرفاً من هذا في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً} تفسير : [الكهف: 36]. ولنرجع إلى تفسير ألفاظ الآية الكريمة. فقوله {جعلنا} أي صيرنا، وقوله {لبيوتهم} بدل اشتمال مع إعادة العامل، من قوله لمن يكفر، وعلى قراءة سقفاً بضمتين، فهو جمع سقف، وسقف البيت معروف. وعلى قراءة سقفاً بفتح السين، وسكون القاف: فهو مفرد أريد به الجمع. وقد قدمنا في أول سورة الحج في الكلام على قوله تعالى {أية : ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} تفسير : [الحج: 5] أن المفرد إذا كان اسم جنس. يجوز إطلاقه مراداً به الجمع وأكثرنا من أمثلة ذلك في القرآن، ومن الشواهد العربية. على ذلك. وقوله {ومعارج} الظاهر أنه جمع معرج بلا ألف بعد الراء. والمعرج والمعراج بمعنى واحد وهو الآلة التي يعرج بها أي يصعد بها، إلى العلو. وقوله: يظهرون أي يصعدون ويرتفعون، حتى يصيروا على ظهور البيوت. ومن ذلك المعنى قوله تعالى {أية : فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا ٱسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً} تفسير : [الكهف: 97]. والسرر جمع سرير، والاتكاء معروف. والأبواب جمع باب وهو معروف، والزخرف الذهب. قال الزمخشري: إن المعارج التي هي المصاعد، والأبواب والسرر كل ذلك من فضة، كأنه يرى اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في ذلك، وعلى هذا المعنى فقوله زخرفاً مفعول، عامله محذوف والتقدير وجعلنا لهم مع ذلك زخرفاً. وقال بعض العلماء: إن جميع ذلك بعضه من فضة، وبعضه من زخرف، أي ذهب. وقد ذكر القرطبي أن إعراب قوله وزخرفاً على هذا القول أنه منصور بنزع الخافض، وأن المعنى من فضة، ومن زخرف، فحذف حرف الجر فانتصب زخرفاً. وأكثر علماء النحو على أن النصب بنزع الخافض ليس مطرداً ولا قياسياً، وما سمع منه يحفظ ولا يقاس عليه. وعليه درج ابن مالك في الخلاصة في قوله: وإن حذف فالنصب للمنجر نقلاً، إلخ. وعلي بن سليمان وهو الأخفش الصغير يرى اطراده في كل شيء أمن فيه اللبس، كما أشار في الكافية بقوله: شعر : وابن سليمان اطراده رأى إن لم يخف لبس كمن زيد نأى تفسير : وقوله تعالى: {وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} على قراءة الجمهور بتخفيف الميم من لما، فإن هي المخففة، من الثقيلة، واللام هي الفارقة بين إن المخففة من الثقيلة، وإن النافية المشار إليها بقوله في الخلاصة: شعر : وخففت إن فعل العمل وتلزم اللام إذا ما تهمل تفسير : وما مزيدة للتوكيد، وأما على قراءة عاصم وحمزة وابن عامر في إحدى الروايتين عن هشام لما بتشديد الميم فإن نافية، ولما حرف إثبات بمعنى إلا. والمعنى: وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا. وذكره بعضهم أن تشديد ميم لما على بعض القراءات في هذه الآية وآية الطارق {أية : إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} تفسير : [الطارق: 4] لغة بني هذيل بن مدركة والعلم عند الله تعالى.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 33- ولولا كراهة أن يكفر الناس جميعاً إذا رأوا الكفار فى سعة من الرزق، لجعلنا لبيوت من يكفر بالرحمن سقفاً ومصاعد يرتقون عليها من الفضة، لهوان الدنيا علينا. 34، 35- ولجعلنا لبيوتهم أبواباً وسرراً من فضة ينعمون بها ويتكئون عليها، ولجعلنا لهم زينة من كل شئ، وما كل ذلك المتاع الذى وصفناه لك إلا متاعاً فانياً مقصوراً على الحياة الدنيا، وثواب الآخرة عند خالقك ومربيك مُعَد للذين اتقوا الشرك، واجتنبوا الموبقات. 36- ومن يتعامى عن القرآن الذى أنزله الرحمن ذكرى للعاملين نُتِح له شيطاناً يتسلط عليه، فهو معه - دائماً - يضله ويغويه. 37- وإن شياطين المتعامين عن القرآن ليمنعونهم عن الطريق الذى يدعو إليه الرحمن، ويحسب المتعامون أنهم - باتباع قرنائهم - على الهدى. 38- حتى إذا جاء من تعامى عن القرآن إلى الله يوم القيامة، ورأى عاقبة تعاميه، قال لقرينه - نادماً -: يا ليت بينى وبينك فى الدنيا بُعد المشرق عن المغرب، فبئس الصاحب كنت لى، حتى أوقعتنى فى الهاوية. 39- ويقال لهم حينئذ - توبيخاً -: لن يخفف العذاب عنكم اليوم - إذ ظلمتم أنفسكم بالكفر - اشتراك شياطينكم معكم فيه، لأن كلا يعانى من العذاب ما يثقله. 40- على هداية من بالغوا في الضلال؟ أفأنت تسمع الصم عن الحق، والعمى عن الاعتبار، ومن كان فى علم الله أنه يموت على الضلال؟ لا تستطيع ذلك، لأنهم استقروا فى الكفر، فلم ينتفعوا بما يسمعونه ويرونه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أمة واحدة: أي على الكفر. ومعارج: أي كالسلم والمصعد الحديث والمعارج جمع معرج وهو المصعد. عليها يظهرون: أي يعلون عليها إلى السطوح. وزخرفا: أي ذهباً أي لجعلنا لبيوتهم سقفا من فضة وذهب وكذلك الأبواب والمصاعد والسرر بعضها من فضة وبعضها من ذهب. وإن كل ذلك: أي وما كل ذلك المذكور. لما متاع الحياة الدنيا: أي وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا يتمتع به فيها ثم يزول. والآخرة: أي الجنة ونعيمها خير لأهل الإِيمان والتقوى من متاع الدنيا. معنى الآيات: لما فضل تعالى الجنة على المال والمتاع الدنيوي في الآيات السابقة قال هنا: {وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي على الكفر لجعلنا لمن يكفر بالرحمن (يعني نفسه عز وجل) لبيوتهم سقفاً من فضة، ومعارج عليها يظهرون أي مراقى ومصاعد عليها يعلون إلى الغرف والسطوح من فضة ولجعلنا كذلك لبيوتهم أبواباً وسرراً عليها يتكئون من فضة أيضا، وزخرفاً أي وذهباً أي بعض المذكور من فضة وبعضه من ذهب ليكون أجمل وأبهى من الفضة وحدها، وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا أي وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا يتمتع به الناس ثم يزول ويذهب بزوالهم وذهابهم. والآخرة عند ربك أي الجنة وما فيها من نعيم مقيم للمتقين الذين آمنوا واتقوا الشرك والمعاصي وما عند الله خير مما عند الناس، وما يبقى خير مما يفنى، ولذا قال الحكماء لو كانت الدنيا من ذهب والآخرة من خزف "طين" لاختار العاقل الآخرة على الدنيا، وهو اختيار ما يبقى على ما يفنى. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- الميل إلى الدنيا وطلب متاعها فطري في الإِنسان فلذا لو أعطيها الكافر بكفره لمال إليها كل الناس وطلبوها بالكفر. 2- هوان الدنيا على الله وعدم الاكتراث بها إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء تفسير : رواه الترمذي وصححه وفي صحيح مسلم: حديث : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر . تفسير : 3- بيان أن الآخرة خير للمتقين.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَاحِدَةً} (33) - وَلَوْلاَ أَنْ يَعْتَقِدَ كَثِيرٌ مِنَ الجَهَلَةِ أَنَّ عَطَاءَ اللهِ المَالَ للنَّاسِ دَلِيلٌ عَلَى مَحَبَّتِهِ تَعَالَى لِمَنْ يُعْطِيهِ فَيَجْتَمِعُوا جَمِيعاً عَلَى الكُفْرِ لأَِجْلِ المَالِ، وَيَرْغَبُوا فِيهِ إِذَا رَأَوْا سعَةَ الرِّزْقِ، لَجَعَلَ اللهُ لِبُيُوتِ مَنْ يَكْفرُ بِهِ سُقُوفاً مِنْ فِضَّةٍ، وَسَلاَلَم مِنْ فِضَّةٍ يَصْعَدُونَ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ لِهَوَانِ الدُّنْيَا عَلَى اللهِ. مَعَارِجَ - مَصَاعِدَ وَسَلاَلِمَ وَدَرَجَاتٍ. يَظْهَرُونَ - يَصْعَدُونَ وَيَرْتَقُونَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : معنى {أُمَّةً وَاحِدَةً} [الزخرف: 33] يعني: على دين واحد مجتمعين على الكفر، ولولا أن الناس يروْنَ الكافرين مُنعَّمين فيفتنون بهم لجعلتُ لهم كلَّ هذا النعيم، بحيث لا يكون أحدٌ أفضلَ منهم لأن هذا النعيم نعيم الدنيا ينتهي بنهايتها ولا يدوم، وإنْ كانت الدنيا لحساب الكافرين فالآخرين للمتقين. والقرآن هنا يخبر بارتقاءات البشر التي عرفوها بعد أربعة عشر قرناً من نزول القرآن، فالمعارج يعني: المصاعد أو السلالم التي يُصعد عليها {وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} [الزخرف: 33] يعني: يصعدون ويرتقون. فكأن الحق سبحانه يُهوّن من أمر تنعُّم الكافرين، حتى لا نغتر نحن بهم، ولا نتمنى ما هم فيه من زخرف زائل. وبعد ذلك يُبيِّن لنا أن المنعَّمين والمترفين يأتي عليهم وقت يحبون فيه الرجوع إلى الأصل الأول وإلى بساطة الطبيعة، فتراهم مثلاً في نهاية الأسبوع يخرجون إلى الخلاء ويرتمون في أحضان الطبيعة يأكلون مما تنبت الأرض ويعيشون على الكفاف، لماذا؟ لأنهم مَلُّوا حياة الرفاهية الزائدة، ملُّوا حياة التحضر وما فيها من عيوب وسلبيات.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ}. والمعَارجُ: هي الدَّرجُ. ويَظهَرونَ: معناه يَعلُونَ ويَصعَدُونَ.
الجيلاني
تفسير : ثم أشار سبحانه إلى دناءة زخارف الدنيا وأمتعتها، ورداءة ما فيها من اللذات الوهمية، وما يترتب عنها من الشهوات البهيمية، فقال: {وَلَوْلاَ} مخافة {أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ} المجبولون على الكفران والنسيان {أُمَّةً وَاحِدَةً} مائلة إلى الكفر، منحرفة عن الإيمان {لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ} أي: بسطنا على الكافرين من الزخارف الدنيوية إلى حيث يتخذون {لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً} مصنوعة متخذة {مِّن فِضَّةٍ وَ} كذا يعملون {مَعَارِجَ} ومراقي منها {عَلَيْهَا} أي: على سطوح بيوتهم {يَظْهَرُونَ} [الزخرف: 33] أي: يعلون ويصعدون بتلك المعارج المعمولة بالفضة عليها. {وَ} كذا يعملون {لِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ} [الزخرف: 34] ترفعاً وتنعماً. {وَ} بالجملة: لوسعنا عليهم حطام الدنيا إلى حيث جعلنا لهم {زُخْرُفاً} وزينة من الذهب والفضة يتزينون بها، ويتلذذون بلذاتها الفانية وشهواتها الزائلة الزائفة، المبعدة عن اللذات الباقية الأخروية، لكن لو فعلنا كذلك لمالَّ إليها المسلمون، وتحسروا بما نالوا، فضعف رأيهم في اتباع الدين القويم والصراط المستقيم. {وَ} بالجملة: {إِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي: ما كل ذلك المذكور من المزخرفات الدنيوية إلا متاع الحياة الدنيا الفانية، لا قرار لها، ولا مدار لما فيها، ولما يترتب عليها من اللذات والشهوات {وَ} النشأة {ٱلآخِرَةُ} الباقية الدائمة لذاتها أزلاً وأبداً {عِندَ رَبِّكَ} يا أكمل الرسل حاصلة {لِلْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 35] الذين يحفظون نفوسهم وعن التلطخ بقاذورات الدنيا، والركون إلى مزخرفاتها الفانية، سوى سد جوعةٍ لبس خرقةٍ وكنٍّ يدفعون بها ضرر الحر والبرد، ولا يميلون إلى ما سواها طلباً لمرضاة الله وهرباً عن مساخطه. {وَمَن يَعْشُ} أي: يعرض ونصرف {عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ} أي: القرآن المبيِّن له طريق الإيمان والعرفان؛ لفرط انهماكه باللذات والشهوات الفانية الدنيوية {نُقَيِّضْ لَهُ} ونسلط عليه {شَيْطَاناً} يضله ويغويه ويوسوس عليه، ويرديه، وبالجملة: {فَهُوَ} أي: الشيطان {لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36] دائماً، يزين عليه المعاصي والقبائح، ويغريه عليها، إلى أن يدخله في نار القطيعة والحرمان.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وبقوله: {وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} [الزخرف: 33] يشير إلى الجبلة الإنسانية التي طبعت على حب الدنيا وزخارفها واستيفاء شهواتها؛ لأن الإنسان خلق منها، وله نفس حيوانية مائلة إلى مراتع الدنيا وزخارفها، فإن الكفر والجهل والظلم مركوز في طبيعتها؛ لأنها منشأ الأوصاف البهيمية والسبعية والشيطانية، فلو خليت إلى طبعها ووافق لها مقتضاها ومنتهى هواها من الدنيا وزخارفها لمالت إليها، واستغرقت في بحر غفلاتها، ولم تتضرع إلى طاعة ربها، وعبودية خالقها، وطلب معرفته، وإن الله تعالى بكمال حمكته لم يخلق الإنسان على طبيعة واحدة في الطاعة والعبودية؛ لأنه تعالى خلق الملائكة عل هذه الطبيعة لتكون مظهراً لصفات لطفه، كذلك لم يخلقهم على طبيعة واحدة في الكفر والتمرد؛ لأنه تعالى خلق الشياطين على هذه الطبيعة؛ ليكونوا مظهراً لصفات قهره، وإنما خلق الإنسان أطواراً مختلفة، ليكون بعضهم مظهراً لصفات لطفه كالملائكة، وبعضهم لصفات قهره كالشياطين، وبعضهم مظهراً لصفات لطفه وقهره جميعاً في سر {أية : وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا}تفسير : [البقرة: 31] وخصوصيتهم بهذه الكرامة من بين سائر المخلوقات وهم خلفاء الله في أرضه وهم زبدة العالم وخلاصته، وهم الذين خلقوا لإظهار الكنز المخفي ومعرفته، والعالم بما فيه تبع لوجودهم، وسخر لهم ما في السماوات وما في الأرض و{أية : هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ}تفسير : [البينة: 7]، وهم الذين يحبهم ويحبونه، ولولا أن الله تعالى أخرجهم من ظلمات طبيعتهم، وهداهم إلى نور ذاته وصفاته بجذبات عنايته لا يجذعوا بزخارف الدنيا إذ جعل الله لهم من الزخرف بيوتاً {وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ} [الزخرف: 34]، {وَزُخْرُفاً وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} [الزخرف: 35] لا دوام له ولا حاصل الدائمة والقربة اللازمة عند ربك؛ أي: {أية : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}تفسير : [القمر: 55] للمتقين الذين اتقوا ربهم عما سواه. ثم أخبر عن تارك الذكر والفكر بقوله تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ} [الزخرف: 36] يشير إلى من أعرض عن الله بالإقبال على الدنيا {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً} [الزخرف: 36] وإن أصعب الشياطين نفسك المارة بالسوء، {فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36] ملازم لا تفارقه في الدنيا والآخرة، فهذا جزاء من ترك المجالسة مع الله بالإعراض عن الذكر فإنه يقول: "حديث : أنا جليس من ذكرني"تفسير : فمن لم يعرف قدر خلوته مع الله، وحاد عن ذكره، وأخلد إلى الخواطر النفسانية الشيطانية سلط الله عليه من يشغله عن ربه وصرفته سطوات الأنوار الإلهية عنه، ومن لم يعرف قدر فراغ قلبه، واتبع شهوته وفتح بابها على نفسه بقى في يد هواه أسيراً غالباً عليه أوصاف شيطنة النفس وهذا تحقيق قوله: {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ} [الزخرف: 37]؛ أي: عن سبيل الله بالشبهات التي توقعهم في ضلالات البدع والأهواء، {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} [الزخرف: 37] الذي سولت له نفسه أمراً فيتوهم أنه على صواب، ثم يحمل قرينة السوء على موافقته في باطله ويدعي أنه حق فقد أضر بنفسه وبغيره.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى بأن الدنيا لا تسوى عنده شيئا، وأنه لولا لطفه ورحمته بعباده، التي لا يقدم عليها شيئا، لوسَّع الدنيا على الذين كفروا توسيعا عظيما، ولجعل { لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ } أي: درجا من فضة { عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ } على سطوحهم. { وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ } من فضة، ولجعل لهم { زخرفا } أي: لزخرف لهم دنياهم بأنواع الزخارف، وأعطاهم ما يشتهون، ولكن منعه من ذلك رحمته بعباده خوفا عليهم من التسارع في الكفر وكثرة المعاصي بسبب حب الدنيا، ففي هذا دليل على أنه يمنع العباد بعض أمور الدنيا منعا عاما أو خاصا لمصالحهم، وأن الدنيا لا تزن عند اللّه جناح بعوضة، وأن كل هذه المذكورات متاع الحياة الدنيا، منغصة، مكدرة، فانية، وأن الآخرة عند اللّه تعالى خير للمتقين لربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، لأن نعيمها تام كامل من كل وجه، وفي الجنة ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وهم فيها خالدون، فما أشد الفرق بين الدارين!!
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 876 : 6 : 10 - سفين في قوله {لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ} قال، الجذوع {وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} قال، الدرج يظهرون. [الآية 33]. {وَزُخْرُفاً} قال، الذهب. [الآية 35]. 877 : 7 : 11 - سفين في قراءة عبد الله {وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}. [الآية 35].
همام الصنعاني
تفسير : 2763- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً}: [الآية: 33]، قال: لولا أن يكون الناسُ كُفاراً. 2764- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {وَمَعَارِجَ}: [الآية: 33]، قال: دُرُدٌ عَلَيْهَا يَرْتَقُونَ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):