٤٣ - ٱلْزُّخْرُف
43 - Az-Zukhruf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
36
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } وقرأ ٱبن عباس وعكرمة «ومن يَعْشَ» بفتح الشين، ومعناه يعمى؛ يقال منه عَشِيَ يَعْشَى عَشاً إذا عَمِيَ. ورجل أعشى وٱمرأة عشواء إذا كان لا يبصر؛ ومنه قول الأعشى:شعر : رأتْ رجلاً غائب الوافِدَيْـ ـينِ مختلفَ الخلق أعْشَى ضريرا تفسير : وقوله:شعر : أأن رأت رجلاً أعشى أضَرَّ به رَيْبُ المنونِ ودَهْرٌ مُفْنِدٌ خَبِلُ تفسير : الباقون بالضم؛ من عشا يعشو إذا لحقه ما يلحق الأعشى. وقال الخليل: العشو هو النظر ببصر ضعيف؛ وأنشد:شعر : متى تأتِه تَعْشُو إلى ضَوْء ناره تَجِد خيرَ نارٍ عندها خيرُ مُوقدِ تفسير : وقال آخر:شعر : لنعم الفتى يعشو إلى ضوء ناره إذا الريح هبّت والمكان جديب تفسير : الجوهرِيّ: والعَشَا (مقصور) مصدر الأعشى وهو الذي لا يبصر بالليل ويبصر بالنهار. والمرأة عشواء، وامرأتان عشواوان. وأعشاه الله فعشِي (بالكسر) يَعْشى عَشًى، وهما يَعْشَيان، ولم يقولوا يَعْشوان؛ لأن الواو لما صارت في الواحد ياء لكسرة ما قبلها تُركت في التثنية على حالها. وتعاشى إذا أَرى من نفسه أنه أعشى. والنسبة إلى أَعْشَى أعْشَوِيّ. وإلى العَشِيّة عَشَوِيّ. والعشواء: الناقة التي لا تبصر أمامها فهي تَخْبِط بيديها كلّ شيء. وركب فلان العشواء إذا خَبَط أمره على غير بصيرة. وفلان خابطٌ خبطَ عشواء. وهذه الآية تتصل بقوله أول السورة: {أية : أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً} تفسير : [الزخرف: 5] أي نواصل لكم الذكر؛ فمن يَعْشُ عن ذلك الذكر بالإعراض عنه إلى أقاويل المضلين وأباطيلهم {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً} أي نسبب له شيطاناً جزاء له على كفره {فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} قيل في الدنيا، يمنعه من الحلال، ويبعثه على الحرام، وينهاه عن الطاعة، ويأمره بالمعصية؛ وهو معنى قول ابن عباس. وقيل في الآخرة إذا قام من قبره؛ قاله سعيد الجُرَيْرِي. وفي الخبر: أن الكافر إذا خرج من قبره يُشْفع بشيطان لا يزال معه حتى يدخلا النار. وأن المؤمن يُشْفع بملَكَ حتى يقضي الله بين خلقه؛ ذكره المهدويّ. وقال القشيري: والصحيح فهو له قرين في الدنيا والآخرة. وقال أبو الهيثم والأزهري: عَشَوْت إلى كذا أي قصدته. وعشوت عن كذا أي أعرضت عنه، فتفرق بين «إلى» و «عن»؛ مثل: مِلْتُ إليه ومِلْتُ عنه. وكذا قال قتادة: يَعْشُ، يُعْرِض؛ وهو قول الفراء. النحاس: وهو غير معروف في اللغة. وقال القُرَظي: يولّي ظهره؛ والمعنى واحد. وقال أبو عبيدة والأخفش: تُظْلِم عينُه. وأنكر العُتْبيّ عشوت بمعنى أعرضت؛ قال: وإنما الصواب تعاشيت. والقول قول أبي الهيثم والأزهري. وكذلك قال جميع أهل المعرفة. وقرأ السلمِيّ وٱبن أبي إسحاق ويعقوب وعِصْمة عن عاصم وعن الأعمش «يقيّض» (بالياء) لذكر «الرَّحْمَن» أوّلاً؛ أي يقيّض له الرحمٰن شيطاناً. الباقون بالنون. وعن ابن عباس «يُقَيَّضْ لَهُ شَيْطَانٌ فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ» أي ملازم ومصاحب. قيل: «فَهُوَ» كناية عن الشيطان؛ على ما تقدّم. وقيل: عن الإعراض عن القرآن؛ أي هو قرين للشيطان. {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ} أي وإن الشياطين ليصدونهم عن سبيل الهدى؛ وذكر بلفظ الجمع لأن «مَن» في قوله: «وَمَنْ يَعْشُ» في معنى الجمع. {وَيَحْسَبُونَ} أي ويحسب الكفار {أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} وقيل: ويحسب الكفار أن الشياطين مهتدون فيطيعونهم. {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَنَا} على التوحيد قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص؛ يعني الكافر يوم القيامة. الباقون «جاءانا» على التثنية، يعني الكافر وقرينه وقد جُعلا في سلسلة واحدة؛ فيقول الكافر: {يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ} أي مشرق الشتاء ومشرق الصيف، كما قال تعالى: {أية : رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ } تفسير : [الرحمٰن: 17] ونحوه قول مقاتل. وقراءة التوحيد وإن كان ظاهرها الإفراد فالمعنى لهما جميعاً؛ لأنه قد عرف ذلك بما بعده؛ كما قال:شعر : وعَيْن لها حَدْرَةٌ بَدْرَةٌ شُقَّت مآقيهما من أخَرْ تفسير : قال مقاتل: يتمنى الكافر أن بينهما بُعْدَ مشْرِق أطول يوم في السنة إلى مَشْرِق أقصر يوم في السنة، ولذلك قال: «بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ». وقال الفراء: أراد المشرق والمغرب فغَلَّب ٱسم أحدهما، كما يقال: القمران للشمس والقمر، والعُمَران لأبي بكر وعمر، والبصرتان للكوفة والبصرة، والعصران للغداة والعصر. وقال الشاعر:شعر : أخذنا بآفاق السماء عليكم لنا قمراها والنجوم الطوالع تفسير : وأنشد أبو عبيدة لجرِير:شعر : ما كان يرضى رسول الله فعلهم والعُمَران أبو بكر ولا عمر تفسير : وأنشد سيبويه:شعر : قَدْنِيَ من نَصْر الْخُبَيْبَيْن قدِى تفسير : يريد عبد الله ومصعباً ابني الزبير، وإنما أبو خبيب عبد الله. {فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ} أي فبئس الصاحب أنت؛ لأنه يورده إلى النار. قال أبو سعيد الخدرِيّ: إذا بُعث الكافِر زوّج بقرينه من الشياطين فلا يفارقه حتى يصير به إلى النار.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {وَمَن يَعْشُ} أي: يتعامى ويتغافل ويعرض {عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ} والعشا في العين: ضعف بصرها، والمراد ههنا: عشا البصيرة {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} كقوله تعالى: {أية : وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [النساء: 115] الآية، وكقوله: {أية : فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ} تفسير : [الصف: 5] وكقوله جل جلاله: {أية : وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} تفسير : [فصلت: 45] الآية، ولهذا قال تبارك وتعالى ههنا: {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَنَا} أي: هذا الذي تغافل عن الهدى، نقيض له من الشياطين من يضله ويهديه إلى صراط الجحيم. فإذا وافى الله عز وجل يوم القيامة، يتبرم بالشيطان الذي وكل به {قَالَ يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ} أي: فبئس القرين كنت لي في الدنيا وقرأ بعضهم: (حتى إذا جاءانا) يعني: القرين والمقارن. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن سعيد الجريري قال: بلغنا أن الكافر إذا بعث من قبره يوم القيامة، سفع بيده شيطان، فلم يفارقه حتى يصيرهما الله تبارك وتعالى إلى النار، فذلك حين يقول: {يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ} والمراد بالمشرقين هاهنا هو ما بين المشرق والمغرب، وإنما استعمل هاهنا تغليباً؛ كما يقال: القمران والعمران والأبوان، والعسران، قاله ابن جرير وغيره. ولما كان الاشتراك في المصيبة في الدنيا يحصل به تسلية لمن شاركه في مصيبته؛ كما قالت الخنساء تبكي أخاها: شعر : ولولا كثرة الباكين حولي على قتلاهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن أُسلي النفسي عنه بالتأسي تفسير : قطع الله بذلك بين أهل النار، فلا يحصل لهم بذلك تأسي وتسلية ولا تخفيف. ثم قال تعالى: { وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} أي: لا يغني عنكم اجتماعكم في النار، واشتراككم في العذاب الأليم. وقوله جلت عظمته: { أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ وَمَن كَانَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ}؟ أي: ليس ذلك إليك، إنما عليك البلاغ، وليس عليك هداهم، ولكن الله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وهو الحكم العدل في ذلك، ثم قال تعالى: { فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ} أي: لا بد أن ننتقم منهم، ونعاقبهم، ولو ذهبت أنت { أَوْ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِى وَعَدْنَـٰهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ} أي: نحن قادرون على هذا، وعلى هذا ولم يقبض الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم حتى أقر عينه من أعدائه، وحكمه في نواصيهم، وملكه ما تضمنته صياصيهم. هذا معنى قول السدي، واختاره ابن جرير. وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور عن معمر قال: تلا قتادة: { فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ} فقال: ذهب النبي صلى الله عليه وسلم وبقيت النقمة، ولن يري الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في أمته شيئاً يكرهه حتى مضى، ولم يكن نبي قط إلا وقد رأى العقوبة في أمته، إلا نبيكم صلى الله عليه وسلم قال: وذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري ما يصيب أمته من بعده، فما رئي ضاحكاً منبسطاً حتى قبضه الله عز وجل، وذكر من رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة نحوه، ثم روى ابن جرير عن الحسن نحو ذلك أيضاً، وفي الحديث: «حديث : النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم، أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت، أتى أصحابي ما يوعدون» تفسير : ثم قال عز وجل: { فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِىۤ أُوحِىَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي: خذ بالقرآن المنزل على قلبك، فإنه هو الحق، وما يهدي إليه هو الحق المفضي إلى صراط الله المستقيم، الموصل إلى جنات النعيم، والخير الدائم المقيم. ثم قال جل جلاله: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} قيل: معناه: لشرف لك ولقومك، قاله ابن عباس رضي الله عنهما، ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد، واختاره ابن جرير، ولم يحك سواه. وأورد البغوي ههنا حديث الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن هذا الأمر في قريش، لا ينازعهم فيه أحد، إلا أكبه الله تعالى على وجهه ما أقاموا الدين» تفسير : رواه البخاري، ومعناه أنه شرف لهم من حيث إنه أنزل بلغتهم، فهم أفهم الناس له، فينبغي أن يكونوا أقوم الناس به، وأعملهم بمقتضاه، وهكذا كان خيارهم وصفوتهم من الخلص من المهاجرين السابقين الأولين، ومن شابههم وتابعهم، وقيل: معناه {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} أي: لتذكير لك ولقومك، وتخصيصهم بالذكر لا ينفي من سواهم؛ كقوله تعالى: {أية : لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَـٰباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [الأنبياء: 10] وكقوله تبارك وتعالى: {أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} تفسير : [الشعراء: 214] {وَسَوْفَ تُسْـئَلُونَ} أي: عن هذا القرآن، وكيف كنتم في العمل به، والاستجابة له. وقوله سبحانه وتعالى: { وَاسْئلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ} أي: جميع الرسل دعوا إلى ما دعوت الناس إليه؛ من عبادة الله وحده لا شريك له، ونهوا عن عبادة الأصنام والأنداد؛ كقوله جلت عظمته: {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّـٰغُوتَ}تفسير : [النحل: 36] قال مجاهد في قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (واسأل الذين أرسلنا إليهم قبلك رسلنا). وهكذا حكاه قتادة والضحاك والسدي عن ابن مسعود رضي الله عنه، وهذا كأنه تفسير لا تلاوة، والله أعلم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: واسألهم ليلة الإسراء؛ فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جمعوا له، واختار ابن جرير الأول، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَن يَعْشُ } يعرض {عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَٰنِ } أي القرآن {نُقَيِّضْ } نسبب {لَهُ شَيْطَٰناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } لا يفارقه.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ } يقال: عشوت إلى النار: قصدتها، وعشوت عنها: أعرضت عنها، كما تقول: عدلت إلى فلان، وعدلت عنه، وملت إليه، وملت عنه، كذا قال الفراء، والزجاج، وأبو الهيثم، والأزهري. فالمعنى: ومن يعرض عن ذكر الرحمٰن. قال الزجاج: معنى الآية: أن من أعرض عن القرآن، وما فيه من الحكمة إلى أباطيل المضلين يعاقبه الله بشيطان يقيضه له حتى يضله، ويلازمه قريناً له، فلا يهتدى مجازاة له حين آثر الباطل على الحق البين. وقال الخليل: العشو: النظر الضعيف، ومنه:شعر : لنعم الفتى تعشو إلى ضوء ناره إذا الريح هبت والمكان جديب تفسير : والظاهر أن معنى البيت: القصد إلى النار لا النظر إليها ببصر ضعيف كما قال الخليل، فيكون دليلاً على ما قدّمنا من أنه يأتي بمعنى: القصد، وبمعنى: الإعراض، وهكذا ما أنشده الخليل مستشهداً به على ما قاله من قول الحطيئة:شعر : متى تأته تعشو إلى ضوء ناره تجد خير نار عندها خير موقد تفسير : فإن الظاهر أن معناه: تقصد إلى ضوء ناره، لا تنظر إليها ببصر ضعيف. ويمكن أن يقال: إن المعنى في البيتين: المبالغة في ضوء النار، وسطوعها، بحيث لا ينظرها الناظر إلاّ كما ينظر من هو معشي البصر لما يلحق بصره من الضعف عند ما يشاهده من عظم وقودها. وقال أبو عبيدة، والأخفش: إن معنى {وَمَن يَعْشُ }: ومن تظلم عينه، وهو نحو قول الخليل، وهذا على قراءة الجمهور: {ومن يعش} بضم الشين من عشا يعشو. وقرأ ابن عباس، وعكرمة: (ومن يعش) بفتح الشين، يقال: عشي الرجل يعشى عشياً: إذا عمى، ومنه قول الأعشى:شعر : رأت رجلاً غايب الوافديـ ـن مختلف الخلق أعشى ضريرا تفسير : وقال الجوهري: والعشا مقصور، مصدر الأعشى: وهو الذي لا يبصر بالليل، ويبصر بالنهار، والمرأة عشواء. وقرىء: (يعشو) بالواو على أن «من» موصولة غير متضمنة معنى الشرط. قرأ الجمهور: {نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً } بالنون وقرأ السلمي، وابن أبي إسحاق، ويعقوب، وعصمة عن عاصم، والأعمش بالتحتية مبنياً للفاعل، وقرأ ابن عباس بالتحتية مبنياً للمفعول ورفع شيطان على النيابة {فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } أي: ملازم له لا يفارقه، أو هو ملازم للشيطان لا يفارقه، بل يتبعه في جميع أموره، ويطيعه في كلّ ما يوسوس به إليه {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ } أي: وإن الشياطين الذين يقيضهم الله لكلّ أحد ممن يعشو عن ذكر الرحمٰن كما هو معنيّ من {ليصدّونهم}، أي: يحولون بينهم، وبين سبيل الحق، ويمنعونهم منه، ويوسوسون لهم أنهم على الهدى حتى يظنون صدق ما يوسوسون به، وهو معنى قوله: {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ } أي: يحسب الكفار أن الشياطين مهتدون، فيطيعونهم، أو يحسب الكفار بسبب تلك الوسوسة أنهم في أنفهسم مهتدون {حَتَّىٰ إِذَا جَاءنَا } قرأ الجمهور بالتثنية، أي: الكافر والشيطان المقارن له، وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص بالإفراد أي: الكافر، أو جاء كلّ واحد منهما {قَالَ } الكافر مخاطباً للشيطان: {يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ } أي: بعد ما بين المشرق والمغرب، فغلب المشرق على المغرب. قال مقاتل: يتمنى الكافر أن بينهما بعد مشرق أطول يوم في السنة من مشرق أقصر يوم في السنة، والأوّل أولى، وبه قال الفراء {فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ } المخصوص بالذم محذوف، أي: أنت أيها الشيطان. {وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ } هذا حكاية لما سيقال لهم يوم القيامة {إِذ ظَّلَمْتُمْ } أي: لأجل ظلمكم أنفسكم في الدنيا، وقيل: إن «إذ» بدل من اليوم؛ لأنه تبين في ذلك اليوم أنهم ظلموا أنفسهم في الدنيا. قرأ الجمهور: {أَنَّكُمْ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ } بفتح أن على أنها وما بعدها في محلّ رفع على الفاعلية، أي: لن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب. قال المفسرون: لا يخفف عنهم بسبب الاشتراك شيء من العذاب؛ لأن لكلّ أحد من الكفار والشياطين الحظ الأوفر منه. وقيل: إنها للتعليل لنفي النفع، أي: لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم في العذاب كما كنتم مشتركين في سببه في الدنيا، ويقوّي هذا المعنى قراءة ابن عامر على اختلاف عليه فيها بكسر إن. ثم ذكر سبحانه أنها لا تنفع الدعوة والوعظ من سبقت له الشقاوة، فقال: {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ } الهمزة لإنكار التعجب، أي: ليس لك ذلك، فلا يضيق صدرك إن كفروا، وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإخبار له أنه لا يقدر على ذلك إلاّ الله عزّ وجلّ، وقوله: {وَمَن كَانَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } عطف على العمي، أي: إنك لا تهدي من كان كذلك، ومعنى الآية: أن هؤلاء الكفار بمنزلة الصمّ الذين لا يعقلون ما جئت به، وبمنزلة العمي الذين لا يبصرونه لإفراطهم في الضلالة، وتمكنهم من الجهالة {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ } بالموت قبل أن ينزل العذاب بهم {فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ } إما في الدنيا، أو في الآخرة، وقيل: المعنى: نخرجنك من مكة {أَوْ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِى وَعَدْنَـٰهُمْ } من العذاب قبل موتك {فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ } متى شئنا عذبناهم. قال كثير من المفسرين: قد أراه الله ذلك يوم بدر. وقال الحسن، وقتادة: هي في أهل الإسلام يريد ما كان بعد النبي صلى الله عليه وسلم من الفتن، وقد كان بعد النبي فتنة شديدة، فأكرم الله نبيه، وذهب به، فلم يره في أمته شيئاً من ذلك، والأوّل أولى. {فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِى أُوحِىَ إِلَيْكَ } أي: من القرآن، وإن كذّب به من كذّب {إِنَّكَ عَلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } أي: طريق واضح، والجملة تعليل لقوله {فَٱسْتَمْسِكْ } {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } أي: وإن القرآن لشرف لك، ولقومك من قريش إذ نزل عليك، وأنت منهم بلغتك، ولغتهم، ومثله قوله: {أية : لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَـٰباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ } تفسير : [الأنبياء: 10]، وقيل: بيان لك، ولأمتك فيما لكم إليه حاجة. وقيل: تذكرة تذكرون بها أمر الدين، وتعملون به {وَسَوْفَ تُسْـئَلُونَ } عما جعله الله لكم من الشرف، كذا قال الزجاج، والكلبي، وغيرهما. وقيل: يسئلون عما يلزمهم من القيام بما فيه، والعمل به {وَاسْئلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ءالِهَةً يُعْبَدُونَ } قال الزهري، وسعيد بن جبير، وابن زيد: إن جبريل قال ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم لما أسري به. فالمراد: سؤال الأنبياء في ذلك الوقت عند ملاقاته لهم، وبه قال جماعة من السلف. وقال المبرد، والزجاج، وجماعة من العلماء: إن المعنى: واسأل أمم من قد أرسلنا. وبه قال مجاهد، والسدّي، والضحاك، وقتادة، وعطاء، والحسن. ومعنى الآية على القولين: سؤالهم هل أذن الله بعبادة الأوثان في ملة من الملل، وهل سوّغ ذلك لأحد منهم؟ والمقصود: تقريع مشركي قريش بأن ما هم عليه لم يأت في شريعة من الشرائع. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن عثمان المخزومي أن قريشاً قالت: قيضوا لكل رجل من أصحاب محمد رجلاً يأخذه، فقيضوا لأبي بكر طلحة بن عبيد الله، فأتاه، وهو في القوم، فقال أبو بكر: إلاّم تدعوني؟ قال: أدعوك إلى عبادة اللات، والعزّى. قال أبو بكر: وما اللات؟ قال: أولاد الله. قال: وما العزّى. قال: بنات الله. قال أبو بكر: فمن أمهم؟ فسكت طلحة، فلم يجبه، فقال لأصحابه: أجيبوا الرجل، فسكت القوم، فقال طلحة: قم يا أبا بكر أشهد أن لا إلٰه إلاّ الله وأن محمداً رسول الله، فأنزل الله: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ } الآية. وثبت في صحيح مسلم، وغيره أن مع كل إنسان قريناً من الجنّ. وأخرج ابن مردويه عن عليّ في قوله: {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ } قال: ذهب نبيه صلى الله عليه وسلم، وبقيت نقمته في عدوّه. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {أَوْ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِى وَعَدْنَـٰهُمْ } قال: يوم بدر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب من طرق عنه في قوله: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } قال: شرف لك، ولقومك. وأخرج ابن عدّي، وابن مردويه عن عليّ، وابن عباس قالا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل بمكة، ويعدهم الظهور، فإذا قالوا: لمن الملك بعدك؟ أمسك، فلم يجبهم بشيء؛ لأنه لم يؤمر في ذلك بشيء حتى نزلت: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ }، فكان بعد إذا سئل قال: قريش، فلا يجيبونه حتى قبلته الأنصار على ذلك. وأخرج عبد بن حميد من طريق الكلبي عن ابن عباس في قوله: {وَاسْئلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا } قال: اسأل الذين أرسلنا إليهم قبلك من رسلنا.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعرض، قاله قتادة. الثاني: يعمى، قاله ابن عباس. الثالث: أنه السير في الظلمة، مأخوذ من العشو وهو البصر الضعيف، ومنه قول الشاعر: شعر : لنعم الفتى تعشو إلى ضوءِ ناره إذا الريحُ هبّت والمكان جديب تفسير : وفي قوله: {عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ} ثلاثة أوجه: أحدها: عن ذكر الله، قاله قتادة. الثاني: عما بيّنه الله من حلال وحرام وأمر ونهي، وهو معنى قول ابن عباس. الثالث: عن القرآن لأنه كلام الرحمن، قاله الكلبي. {نُقِيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً} فيه وجهان: أحدهما: نلقيه شيطاناً. الثاني: نعوضه شيطاناً، مأخوذ من المقايضة وهي المعاوضة. {فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} فيه قولان: أحدهما: أنه شيطان يقيض له في الدنيا يمنعه من الحلال ويبعثه على الحرام، وينهاه عن الطاعة ويأمره بالمعصية، وهو معنى قول ابن عباس. الثاني: هو أن الكافر إذا بعث يوم القيامة من قبره شفع بيده شيطان فلم يفارقه حتى يصير بهما الله إلى النار، قاله سعيد بن جبير. قوله عز وجل: {حَتَّى إِذَا جَآءَنا} قرأ على التوحيد أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص، يعني ابن آدم، وقرأ الباقون {جَاءَانَا} على التثنية يعني ابن آدم وقرينه. {قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بَعُدَْ الْمَشْرِقَيْنِ} هذا قول ابن آدم لقرينه وفي المشرقين قولان: أحدهما: أنه المشرق والمغرب فغلب أحدهما على الآخر كما قيل: سنة العمرين، كقول الشاعر: شعر : أخذنا بآفاق السماء عليكم لنا قمراها والنجوم الطوالع تفسير : الثاني: أنه مشرق الشتاء ومشرق الصيف، كقوله تعالى {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ}. قوله عز وجل: {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ} وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وفيه قولان: أحدهما: إما نخرجنك من مكة من أذى قريش فإنا منهم منتقمون بالسيف يوم بدر. الثاني: فإما نقبض روحك إلينا فإنا منتقمون من أمتك فيما أحدثوا بعدك. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أُرِي ما لقيت أمته بعده فما زال منقبضاً ما انبسط ضاحكاً حتى لقي الله تعالى. قوله عز وجل: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} يعني القرآن ذكر لك [ولقومك]. وفي {لَذِكْرٌ} قولان: أحدهما: الشرف، أي شرف لك ولقومك، قاله ابن عباس. الثاني: أنه لذكر لك ولقومك تذكرون به أمر الدين وتعملون به، حكاه ابن عيسى. {وَلِقَوْمِكَ} فيه قولان: أحدهما: من اتبعك من أمتك، قاله قتادة. الثاني: لقومك من قريش فيقال: ممن هذا الرجل؟ فيقال: من العرب، فيقال: من أي العرب؟ فيقال: من قريش، قاله مجاهد. {وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} فيه وجهان: أحدهما: عن الشكر، قاله مقاتل. الثاني: أنت ومن معك عما أتاك، قاله ابن جريج. وحكى ابن أبي سلمة عن أبيه عن مالك بن أنس في قوله {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} أنه قول الرجل حدثني أبي عن جدي. قوله عز وجل: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني الأنبياء الذين جمعوا له ليلة الإسراء، قاله ابن عباس، وابن زيد، وكانوا سبعين نبياً منهم إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، فلم يسألهم لأنه كان أعلم بالله منهم، قاله ابن عباس. الثاني: أهل الكتابين التوراة والإنجيل، قاله قتادة، والضحاك، ويكون تقديره سل أمم من أرسلنا من قبلك من رسلنا. الثالث: جبريل، ويكون تقديره. واسأل عما أرسلنا من قبلك من رسلنا، حكاه النقاش. {أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ} وسبب هذا الأمر بالسؤال أن اليهود والمشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن ما جئت به مخالف لمن كان قبلك، فأمره الله بسؤالهم لا لأنه كان في شك منه. واختلف في سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لهم على قولين: أحدهما: أنه سألهم، فقالت الرسل بعثنا بالتوحيد، قاله الواقدي. الثاني: أنه لم يسأل ليقينه بالله تعالى، حتى حكى ابن زيد أن ميكائيل قال لجبريل: هل سألك محمد ذلك؟ فقال جبريل: هو أشد إيماناً وأعظم يقيناً من أن يسألني عن ذلك.
ابن عطية
تفسير : {من} في قوله: {ومن يعش} شرطية، وعشى يعشو، معناه: قل الإبصار منه كالذي يعتري في الليل، وكذلك هو الأعشى من الرجال، ويقال أيضاً: عشى الرجل يعشي عشاء إذا فسد بصره فلم ير، أو لم ير إلا قليلاً. وقرأ قتادة ويحيى بن سلام البصري: "ومن يعشَ" بفتح الشين، وهي من قولهم: عشى يعشي، والأكثر عشى يعشو، ومنه قول الشاعر [الحطيئة]: [الطويل] شعر : متى تأته تعشو إلى ضوء ناره تجد خير نار عندها خير موقد تفسير : وفي شعر آخر [عبد الله بن الحر]: شعر : تجد حطباً جزلاً وجمراً تأججا تفسير : وقرأ الأعمش: "ومن يعش عن الرحمن"، وسقط: {ذكر}. فالمعنى في الآية: ومن يقل نظره في شرع الله ويغمض جفونه عن النظر في ذكر الرحمن، أي فيما ذكر به عباده، فالمصدر إلى الفاعل، {نقيض له شيطاناً} أي نيسر له ونعد، وهذا هو العقاب على الكفر بالحتم وعدم الفلاح، وهذا كما يقال: إن الله يعاقب على المعصية بالتزيد في المعاصي، ويجازي على الحسنة بالتزيد من الحسنات، وقد روي هذا المعنى مرفوعاً. وقرأ الجمهور: "نقيض" بالنون. وقرأ الأعمش: "يقيض"، بالياء "شيطاناً"، أي يقيض الله. وقرأ ابن عباس: "يُقيَّض له شيطانٌ"، بفتح الياء الثانية وشدها ورفع النون من "شيطانٌ". والضمير في قوله: {وإنهم} عائد على الشياطين. وفي: {يصدونهم} على الكفار. و: {السبيل} هي سبيل الهدى والفوز. والضمير في: {يحسبون} للكفار. وقرأ نافع وابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر وأبو جعفر وشيبة وقتادة والزهري والجحدري: "حتى إذا جاءانا" على التثنية، يريد العاشي والقرين، قاله سعيد الجريري وقتادة. وقرأ أبو عمرو والحسن وابن محيصن والأعرج وعيسى والأعمش وعاصم وحمزة والكسائي: "جاءنا" يريد العاشي وحده. وفاعل: {قال} هو العاشي. وقوله: {بعد المشرقين} يحتمل ثلاثة معان، أحدهما: أن يريد بعد المشرق من المغرب، فسماهما مشرقين، كما يقال: القمران والعمران، قال الفرزدق: شعر : لما قمراها والنجوم الطوالع تفسير : والثاني: أن يريد مشرق الشمس في أطول يوم، ومشرقها في أقصر يوم، فكأنه أخذ نهايتي المشارق. والثالث: أن يريد {بعد المشرقين} من المغربين، فاكتفى بذكر {المشرقين}. وقوله تعالى: {ولن ينفعكم اليوم} الآية حكاية عن مقالة تقال لهم يوم القيامة، وهي مقالة موحشة حرمتهم روح التأسي، لأنه يوقفهم بها على أنهم لا ينفعهم التأسي، وذلك لعظم المصيبة وطول العذاب واستمرار مدته، إذ التأسي راحة كل شيء في الدنيا في الأغلب، ألا ترى إلى قول الخنساء: [الوافر] شعر : ولولا كثرة الباكين حولـي على إخوانهم لقتلت نفسـي وما يبكون مثل أخي ولكن أعزي النفس عنه بالتأسي تفسير : فهذا التأسي قد كفاها مؤونة قتل النفس، فنفى الله تعالى عنهم الانتفاع بالتأسي، وفي ذلك تعذيب لهم ويأس من كل خير، وفاعل قوله: {ينفعكم} الاشتراك. وقرأ جمهور القراء: "أنكم" بفتح الألف. وقرأ ابن عامر وحده: "إنكم" بكسر الألف، وقد يجوز أن يكون الفاعل {ينفعكم} التبري الذي يدل عليه قوله: {يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين} وعلى هذا يكون "أنكم" في موضع نصب على المفعول من أجله، وتخرج الآية على معنى نفي الأسوة.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَعْشُ} يعرض، أو يعمى "ع"، أو السير في الظلمة من العشا وهو البصر الضعيف {ذِكْرِ الرَّحْمَنِ} القرآن، أو ما بينه من حلال وحرام وأمر ونهي "ع"، أو ذكر الله {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً} نلقيه شيطاناً، أو نعوضه من المقايضة وهي المعاوضة {قَرِينٌ} في الدينا يحمله على الحرام والمعاصي ويمنعه من الحلال والطاعات، أو إذا بعث من قبره شفع بيده شيطان فلم يفارقه حتى يصير إلى النار.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {ومن يعش} أي يعرض {عن ذكر الرحمن} أي فلم يخف عقابه ولم يرد ثوابه وقيل يول ظهره عن القرآن {نقيض له شيطاناً} أي نسبب له شيطاناً ونضمه إليه ونسلطه عليه {فهو له قرين} يعني لا يفارقه يزين له العمى ويخيل إليه أنه على الهدى {وإنهم} يعني الشياطين {ليصدونهم عن السبيل} يعني يمنعونهم عن الهدى {ويحسبون أنهم مهتدون} يعني ويحسب كفار بني آدم أنهم على الهدى {حتى إذا جاءنا} يعني الكافر وحدة وقرئ جاءنا على التثنية يعني الكافر وقرينه وقد جعلا في سلسلة واحدة {قال} الكافر لقرينه الشيطان {يا ليت بيني وبينك بُعد المشرقين} أي بعد ما بين المشرق والمغرب، فغلب اسم أحدهما على الآخر كما يقال للشمس والقمر القمران ولأبي بكر وعمر العمران، وقيل: أراد بالمشرقين مشرق الصيف ومشرق الشتاء، والقول الأول أصح {فبئس القرين} يعني الشيطان قال أبو سعيد الخدري: إذا بعث الكافر زوج بقرينه من الشياطين فلا يفارقه حتى يصير إلى النار {ولن ينفعكم اليوم إذا ظلمتم} يعني أشركتم {أنكم في العذاب مشتركون} يعني لا ينفعكم الاشتراك في العذاب ولا يخفف عنكم شيئاً، لأن كل واحد من الكفار والشياطين له الحظ الأوفر من العذاب وقيل لن ينفعكم الاعتذار والندم اليوم فأنتم وقرناؤكم اليوم مشتركون في العذاب كما كنتم مشتركين في الكفر.
الثعالبي
تفسير : وقوله عزَّ وجلَّ: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ} الآية، وعَشَا يَعْشُو معناه: قَلَّ الإبصارُ منه، ويقال أيضاً: عَشِيَ الرجلُ يَعْشَىٰ: إذا فَسَدَ بَصَرُه، فلم يَرَ، أَو لَمْ يَرَ إلاَّ قليلاً، فالمعنى في الآية: ومَنْ يَقِلُّ بَصَرُهُ في شرع اللَّه، ويغمضُ جفونه عن النَّظَرِ في ذِكْرِ الرحْمٰنِ، أي: فيما ذكَّر به عباده، أي: فيما أنزله من كتابه، وأوحاه إلى نَبِيِّه. وقوله: {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً} أي: نُيَسِّرْ له، ونُعِدَّ، وهذا هو العقاب على الكفر بالحتم وعدمِ الفلاحِ، وهذا كما يقال: إنَّ اللَّه تعالى يُعَاقِبُ على المعصية بالتزيُّد في المعاصي، ويجازي على الحسنة بالتزيُّد من الحَسَنَاتِ، وقد روي هذا المعنى مرفوعاً. قال * ص *: {وَمَن يَعْشُ} الجمهور بضم الشين، أي: يَتَعَامَ ويتجاهَلْ، فـ{مَنْ} شرطيةٌ، و {يَعْشُ} مجزومٌ بها، و{نُقَيِّضْ} جوابُ {مَنْ}، انتهى، والضمير في قوله: {وَإِنَّهُمْ} عائد على الشياطين، وفيما بعده عائد على الكُفَّارِ، وقرأ نافع وغيره: «حَتَّى إذَا جَاءَانَا»؛ على التثنية، يريد: العاشي والقرين؛ قاله قتادة وغيره، وقرأ أبو عمرو وغيره: «جَاءَنا» يريد العاشي وحدَه، وفاعل {قَالَ} هو العَاشِي، قال الفَخْرُ: ورُوِيَ أَنَّ الكافر إذا بُعِثَ يوم القيامة من قبره أَخَذَ شَيْطَانٌ بيده، فلم يُفَارِقْهُ حَتَّىٰ يصيِّرهما اللَّه إلى النار، فذلك حيث يقول: {يَٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ} انتهى. وقوله: {بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ} يحتمل مَعَانِيَ: أحدها: أن يريد بُعْدَ المشرق من المغرب، فَسَمَّاهما مَشْرِقَيْنِ؛ كما يقال القَمَرَانِ، والعُمَرَانِ. والثاني: أنْ يريد مشرق الشمس في أطول يوم، ومشرقها في أقصر يوم. والثالث: أنْ يريد بعد المشرقَيْنِ من المغربين، فاكتفى بذكر المشرقين. قلت: واستبعد الفَخْرُ التأويل الثاني قال: لأَنَّ المقصودَ من قوله: {يَٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ} المبالغةُ في حصول البُعْدِ، وهذه المبالغة إنَّما تحصل عند ذكر بُعْدٍ لا يمكن وُجُودُ بُعْدٍ أزيدَ منه، والبُعْدُ بين مشرق الشتاء ومشرق الصيف ليس كذلك، فَيَبْعُدُ حَمْلُ اللَّفْظِ عليه؛ قال: والأكْثَرُونَ عَلَى التأويل الأَوَّلِ، انتهى. وقوله تعالى: {وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ...} الآية، حكايةٌ عن مقالة تُقَالُ لهم يوم القيامة، وهي مقالة مُوحِشَةٌ فيها زيادةُ تعذيبٍ لهم ويأْسٍ من كل خير، وفاعل {يَنفَعَكُمُ} الاشتراك، ويجوز أنْ يكون فاعل {يَنفَعَكُمُ} التُّبَرِّي الذي يدل عليه قوله: {يَٰلَيْتَ}. وقوله سبحانه: {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ...} الآية، خطاب لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وباقي الآية تكرَّر معناه غيرَ ما مَرَّةٍ.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَمَن يَعْشُ} العامة على ضم الشين من عَشَا يَعْشُو، أي يَتَعَامَى، ويَتَجَاهَلُ. وعن ابن عباس وقتادة ويَحْيَى بْنِ سَلاَّم بفتح الشين بمعنى يَعْمَ، يقال: عَشِيَ يَعْشَى عَشاً إذَا عَمِيَ، فَهُوَ أَعْشَى، وامرأَةٌ عَشْوَاء. وزيد بن علي يَعْشُو بإثبات الواو. وقال الزمخشري: على أن من موصولة، وحق هذا أن يقرأ نُقَّيِّضُ بالرفع. قال أبو حيان: ولا يتعين موصوليتُها، بل يخرج على وجهين، إما تقدير حذف حركة حرف العلة، وقد حكاها الأخفش لغةً، وتقدم منه في سورة يُوسُفَ شواهدُ. وإما على أنه جُزِمَ بمَنْ المَوْصُولَة تشبيهاً لها بمَنْ الشَّرْطيَّة. قال: وإذا كانوا قد جزموا بالذي وليس بشرط قَط فأولى بما استعمل شرطاً وغير شرط، وأنشد: شعر : 4402ـ وَلاَ تَحْفِرَنْ بئْراً تُريدُ أَخاً بِهَا فَإنَّكَ فِيهَا أَنْتَ مِنْ دُونِــهِ تَقَــعْ كَذَلِـكَ الَّــذِي يَبْغِـي عَلَـى النَّاسِ ظَالِمـاً تُصِبْهُ عَلَى رَغْمٍ عَواقِبُ مَا صَنَعْ تفسير : قال: وهو مذهب الكوفيين، وله وجه من القياس، وهو أنَّ "الذي" أشْبَهَتْ اسم الشرط في دخول الفاء في خبرها، واسم الشرط في الجزم أيضاً، إلا أن دخخول الفاء منقاسٌ بشرطه وهذا لا يَنْقَاسُ. ويقال: عَشَا يَعْشُوا، وَعشِيَ يَعْشَى، فبعضهم جعلهما بمعنًى. وبعضهم فرق بأن عَشِيَ يَعْشَى، إذا جعلت الآفة في بصره، وأصله الواو. وإنما قبلت ياء، لانكسار ما قبلها، كَرَضِيَ يَرْضَى. وعَشَا يَعْشُو أي تفاعل ذلك، ونَظَرَ نَظَرَ العُشْي، ولا آفة ببصره. كما قال: عَرِجَ لمن به آفة العرج. وعَرَجَ لمن تعارج ومشى مِشْيَة العرْجَانِ. قال ـ (رحمةُ اللهِ عليه) ـ: شعر : 4403ـ أَعْشُـو إِذَا مَــا جَارَتِي بَـرَزَتْ حَتَّى يُـوارِي جَـارَتِي الخِـدْرُ تفسير : أي أنظر نظر العُشْي، وقال آخر: شعر : 4404ـ مَتَى تَأْتِـهِ تَعْشُـوا إلى ضَوْءِ نَارِهِ تَجِدْ خَيْـرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرُ مُوقِـدِ تفسير : أي ينظر نظر العُشي لضعف بصره من كثرة الوقُود. وفرّق بعضهم: بأن عشوت إلى النار إذَا استدللت عليها بنظر ضعيف. وقال الفَرَّاء عَشَا يَعْشُوا: يُعْرِضُ، وعَشِيَ يَعْشَى عَمِيَ، إلا أن ابن قتيبةَ قال: لم نَرَ أحداً حكى: عَشَوْتُ عَنِ الشيء، أعْرَضْتُ عنه، وإنما يقال: تَعَاشَيْتُ عن كَذَا، إذا تَغَافَلْت عنه وتَعَامَيْت. قوله: "نُقَيِّضْ" قراءة العامة بنون العظمة وعَلِيّ بن أبي طالب، والأعمش ويعقوبُ، والسُّلَمِيّ، وأبو عَمْرو، وعاصمٌ في روايةٍ عنهما: يُقَيِّضْ بالياء من تحت. أي يُقَيِّض الرحمنُ. و "الشيطان" نصب في القراءتين وابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ يُقيِّضَّ مبنياً للمفعول شَيْطَانٌ بالرفع قائم مقام الفاعل. فصل {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ} أي يُعْرِض عن القرآن، وقيل: يُعرض عن الله، فلم يخفْ عقابه ولم يرجُ ثَوَابَه، يقال: عَشَوْت إلى النار، أَعْشُو عَشْواً، إذا قصدتها مُبْتَدِياً، وعَشَوْتُ عَنْهَا إذا أعرضت عنها، كما يقال: عدلت إلى فُلاَن، وعدلت عنه أي مِلْتُ إلَيْهِ، ومِلْتُ عَنْهُ. قال القرطبي: تولية ظهره، كقوله: {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ}تفسير : [البقرة:18و171] وقال الخليل: أصل العَشْوِ النظر ببصرٍ ضعيف. وأما القراءة بالضم فمعناه: يَتَعَامَ عن ذكره أي يعرف أنه الحق ويتجاهل ويَتَعَامى، كقوله تعالى: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً}تفسير : [النمل:14]. {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً} أي نضمه إليه، ونسلطه عليه {فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} لا يفارقه، يزين له العَمَى ويخيل إليه أنه الهدى. قوله: {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ}. "وإنهم" يعني الشياطين {ليصدونهم عن السبيل} أي يمنعونهم عن الهدى. وذكر الشياطين والإنسان بلفظ الجمع، لأن قوله {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً} يفيد الجمع وإن كان اللفظ على الواحد. قال أبو حيان: الظاهر أن ضَمِيري النصب في {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ} عائدان على "مَنْ" من حيث معناها راعى لفظها أولاً، فأفرد (في) "له" ثم راعى معناها فجمع في قوله: {وإنهم ليصدونهم} والضمير المرفوع على الشيطان لأن المراد به الجنس ولأن كل كافر معه قرين. وقال ابن عطية: إن الضمير الأول للشياطين، والثاني للكفار والتقدير: وإن الشياطينَ ليصدون الكفار العاتين، ويحسبون أنهم مهتدون أي ويحسب كفارُ بني آدم أنهم على الهُدَى. قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَنَا} قرأ أبو عمرو والأخوان وحفص "جاءنا" بإسناد الفعل إلى ضمير مفرد يعود على لفظ "من" وهو العاتِي، وحينئذ يكون هذا مما حمل فيه على اللفظ، ثم على المعنى ثم على اللفظ، فإنه حمل أولاً على لفظها في قوله: "نُقَيِّضْ لَهُ.. فَهُوَ لَهُ" ثم جمع على معناها في قوله: {وإنهم ليصونهم}... ويحسبون أنهم ثم رجع إلى لفظها في قوله: "جَاءَنَا" والباقون: "جاءانا" مسنداً إلى ضمير تثنية، وهما العاتِي وقرينه جُعلا في سلسلة واحدة فحينئذ يقول الكافر لقرينه {يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ} أي بعد ما بين المشرق والمغرب، فغُلِّبت إحدَاهُما على الآخر، كالقمرين والعمرين قال الفرزدق: شعر : 4405ـ ............................. لَنَـا قَمَرَاهَـا وَالنُّجُـومُ الطَّوَالِــعُ تفسير : ويقولون للكوفة والبصرة: البَصْرَتَان، والغَدَاةِ والعَصْر: العصران، ولأبي بكر، وعمر: العُمرَان وللماء والثمر: الأسْوَدَان وقيل: أراد بالمشرقين: مَشْرِق الصيف ومشرق الشتاء والأول أصلح. وقيل: بُعْدُ المشْرِقَيْنِ مِن المَغْرِبَيْنِ. وقال ابن الخطيب: إن أهل النجوم يقولون: إن الحركة التي تكون من المشرق إلى المغرب هي حركة الفَلَك الأعظم، والحركة التي من المغرب إلى المشرق هي حركة الكواكب الثابتة والأفلاك المميلة والسيارات سوى القمر، وإذا كان كذلك المشرق والمغرب كل واحد منهما مشرِق بالنسبة إلى شيء ومغرب بالنسبة إلى شيء آخر. فثبت أن إطلاق لفظ المشرق على كل واحد من الجهتين حقيقة ثم ذكر وجهاً آخرَ، وهو أن الحِسَّ يدل على أن الحركة اليومية إنما تحصل بطلوع الشمس من المشرق إلى المغرب، وأما من المغرب فإنه يظهر في أول الشهر في جانب المغرب، ثم لا يزال يتقدم إلى جانب المشرق وذلك يدل على أن حركة القمر من المغرب. وإذا ثبت هذا بالجانب المسمى بالمَشْرِق، فإنه مشرق الشمس ولكنه مغرب القمر. وأما الجانب المسمَّى بالمغرب فإنه مشرق القمر ولكنه مغرب الشمس، وبهذا التقدير يصح تسمية المشرق والمغرب بالمشرقين. قال: "ولعل هذا الوجه أقرب إلى مطابقة اللفظ من سائر الوجوه". وهذا ليس بشيء، فإن ظهور القمر من المغرب ما كان لكونه أشرق من المغرب إنما كان ظهورها لغيبوبة شُعَاع الشَّمْسِ عنه، وإنما كان إشراقه وظهوره من المشرق الحقيقي ولكنه كان مختفياً بشعاع الشمس. قوله: {فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ} والمخصوص بالذم محذوف أي أنت. قال أبو سعيد الخدري: "إذا بعث الكافر زوج بقرينه من الشياطين فلا يفارقه حتى يصير بِهِ إلى النار". قوله: {وَلَن يَنفَعَكُمُ} في فاعله قولان: أحدهما: أنه ملفوظ به وهو "أنَّكُمْ" وما في خبرها التقدير: ولن ينفعكم اشتراكُكُمْ في العذاب بالتأسِّي كما ينفعكم الاشتراك في مصائب الدنيا فيتأسى المصَاب بمِثْلِهِ. ومنه قول الخنساء: شعر : 4406ـ وَلَوْلا كَثْرَةُ البَاكِينَ حَوْلِي عَلَـى مَوْتَـاهُمُ لَقَتَلْـتُ نَفْسِـي وَمَــا يَبْكُــونَ مِثْـلَ أَخِـي وَلكِـنْ أُعَـزِّي النَّفْـسَ عَنْهُـمْ بِالتأَسِّـي تفسير : والثاني: أنه مضمر، فقدره بعضهم ضمير التمني، المدلول عليه بقوله: "يَا لَيْتَ بَيْنِي" أي لن ينفعكم تمنيكم البُعْد. وبعضهم: لن ينفعكم اجتماعكم. وبعضهم: ظلمكم، وجحدكم. وعبارة من عبّر بأن الفاعل محذوف مقصوده الإضمار المذكور لا الحذف؛ إذ الفاعل لا يحذف إلا في مواضع، ليس هذا منها وعلى هذا الوجه يكون قوله: "أنكم" تعليل، أي لأنَّكُمْ، فحذف الخافض، فجرى في محلها الخلاف، أهو نصب أم جر؟ ويؤيد إضمار الفاعل لا أنه هو إنكم قراءة إنكم بالكسر فإنه استئناف مفيد للتعليل. قوله: "إذْ ظَلَمْتُمْ" قد استشكل المعربون هذه الآية، ووجهه هو أن قوله (اليوم) ظرف حالي و "إذْ" ظرف ماض، و "ينفعكم" مستقبل، لاقترانه بلن، التي لنفي المستقبل، والظاهر أنه عامل في الظَّرْفَيْنِ، وكيف يعمل الحدث المستقبل الذي لم يقع بعد في ظرف حاضر أو ماض؟! هذا ما لا يجوز. وأجيب: عن إعماله في الظرف على سبيل قربه منه، لأنَّ الحال قريب من الاستقبال، فيجوز في ذلك، قال تعالى: {أية : فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ}تفسير : [الجن:9]، وقال الشاعر: شعر : 4407ـ ............................. سَأسْعَـى الآنَ إِذْ بَلَغَــتْ إنَاهَــا تفسير : وهو إقناعي، وإلا فالمستقبل يستحيل وقوعه في الحال عقلاً. وأما قوله: "إذْ" ففيها للناس أوجه كثيرة: قال ابن جني: راجعت أبا علي فيها مراراً، وآخر ما حصلت منه أن الدنيا والآخرة متصلتان، وهما سواء في حكم الله تعالى وعلمه. "فَإِذْ" بدل من "اليوم" حتى كأنه مستقبل، أو كأن اليوم ماض. وإلى هذا نحا الزمخشري، قال: "وإذْ بدل من اليوم" وحمله الزمخشري على معنى إذ تَبَيَّنَ وصح ظلمكم ولم يبق لأحدٍ لكم شُبْهَة في أنكم كنتم ظالمين ونظيره: شعر : 4408ـ إِذَا انتَسَبْنــا لَـمْ تَلِدْنِـي لئيمــةٌ ............................. تفسير : أي تبين أني ولد كريمة. قال أبو حيان: ولا يجوز البدل ما دامت إذ على موضوعها من المُغَيَّا فإن جعلت لمطلق الزمان جاز. قال شهاب الدين: "لم يُعْهد في إذ أنها تكون لمطلق الزمان بل هي موضوعة لزمان خاص بالمضي كَأَمْسِ. الثاني: أن في الكلام حذف مضاف تقديره: "بَعْدَ إِذْ ظَلَمْتُمْ". الثالث: أنها للتعليل، وحينئذ تكون حرفاً للتعليل كاللاّم. الرابع: أن الفاعل في "إذ" هو ذلك الفاعل المقدر، لا ضميره، والتقدير: ولن يَنْفَعَكُمْ ظلمُكُم أو جُحُودكم إذْ ظَلَمْتُمْ. الخامس: أن العامل في إذْ ما دل عليه المعنى كأنه قال: ولكن لن ينفعكم اجتماعُكُمْ إذْ ظَلَمْتُمْ. قاله الحَوْفيُّ. ثم قال: وفاعل ينفعكم الاشتراك انتهى. وظاهر هذا متناقض، لأنه جعل الفاعل أولاً اجتماعكم ثم جعله أخِراً الاشتراك. ومنع أن يكون "إذْ" بدلاً من "اليوم" لِتَغَايُرِهما في الدَّلالة. وفي كتاب أبي البقاء: وقيل: إذْ بمعنى "إنْ" أي إن ظلمتم. ولم يقيدها بكونها أَن بالفتح أو الكسر. ولكن قال أبو حيان: "وقيل: إذ للتعليل حرف بمعنى أَنْ، يعني بالفتح. وكأنه أراد ما ذكره أبو البقاء إلا أن تسميته "أَنْ" للتعليل مجازاً، فَإِنَّها على حذف حرف العلة أي لأَنْ، فلمصاحبتها لها والاستغناء بها عنها سمَّاها باسمها. ولا ينبغي أن يعتقد أنها في كتاب أبي البقاء بالكسر على الشرطية، لأن معناه بعيدٌ. وفي كتاب مجاهِدٍ: أن ابن عامر قرأ: إنكم بالكسر، على الاستئناف المفيد للعلة وحينئذ يكون الفاعل مضمراً على أحد التقادير المذكورة. فصل المعنى: {وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ} في الآخرة "إذْ ظَلَمْتُمْ" أشركتم في الدنيا {أَنَّكُمْ فِي ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} أي لا ينفعكم الاشتراك في العذاب ولا يخفف الاشتراك عنكم؛ لأن لكل واحد من الكفار والشياطين الحَظَّ الأوفر من العذاب. وقال مقاتل: لن ينفعكم الاعتذار والندم اليومَ، فأنتم وقرناؤكم اليوم مشتركون في العذاب، كما كنتم في الدنيا تشتركون. واعلم أنه تعالى بين أن الشركة في العذاب لا تفيد التخفيف، كما كان يفيده في الدنيا، والسبب فيه وجوه: الأول: أن ذلك العذاب الشديد عظيم، واشتغال كل واحد بنفسه يذهله عن حال الآخر، فلا جَرَمَ لم تفد الشركة خفةً. الثاني: إذا اشترك الأقوام في العذاب، أعان كل واحد منهم صاحبه بما مقدر عليه ليحصل بسببه بعض التخفيف. وهذا المعنى متبدّد في القيامة. الثالث: أن جلوس الإنسان مع قرينه يُفيده أنواعاً كثيرة من السلوة. فبين تعالى أن الشيطان وإنْ كَانَ قريناً له، إلا أن مجالسته في القيامة لا توجب السلوة وخفة العقوبة. قوله (تعالى): {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ...} لما وصفهم في الآية المتقدمة بالعشي وصفهم في هذه الآية بالصمَمِ والعَمَى. وما أحسن هذا الترتيب، وذلك أن الإنسان في أول اشتغاله يطلب الدنيا يكون كمن حصل بعينه رَمدٌ ضعيف، ثم لما كان اشتغاله بتلك الأعمال أكثر كان مَيْلُهُ إلى الجُسمانيَّات أشد، وإعراضه عن الروحانيات أكمل؛ لأن كثرة المواظبة على الشيء توجب حصول الملكة اللاّزمة لينتقل الإنسان من الرمد إلى أن يصير أعشى، فإذا واظب على تلك الحال انتقل من كونه أعشى إلى كونه أعمى. روى أنه عليه الصلاة والسلام، كان يجتهد في دعاء قومه، وهم لا يزيدون إلا تصميماً على الكفر وعِناداً في الغي فقال الله تعالى: {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ} بمعنى أنهم في النفرة عنك وعن دينك بحيث إذا أسمعتهم القرآن كانوا كالصُّمِّ، وإذا أريتهم المعجزات كانوا كالعمي.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن عثمان المخرمي، أن قريشاً قالت: قيضوا لكل رجل رجلاً من أصحاب محمد يأخذه، فقيضوا لأبي بكر رضي الله عنه طلحة بن عبيد الله، فأتاه وهو في القوم، فقال أبو بكر رضي الله عنه: إلام تدعوني؟ قال: أدعوك إلى عبادة اللات والعزى! قال أبو بكر رضي الله عنه: وما اللات؟ قال: ربنا. قال: وما العزى؟ قال: بنات الله. قال أبو بكر رضي الله عنه: فمن أمهم؟ فسكت طلحة، فلم يجبه، فقال طلحة لأصحابه: أجيبوا الرجل، فسكت القوم، فقال طلحة: قم يا أبا بكر، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فأنزل الله {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً} الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس {ومن يعش عن ذكر الرحمن} قال: يعمى قال ابن جرير هذا على قراءة فتح الشين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة {ومن يعش} قال: يعرض {وإنهم ليصدونهم عن السبيل} قال: عن الدين {حتى إذا جاءنا} جميعاً هو وقرينه. وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ "حتى إذا جاءنا" على معنى اثنين هو وقرينه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ومن يعش} الآية. قال: من جانب الحق، وأنكره وهو يعلم أن الحلال حلال وأن الحرام حرام، فترك العلم بالحلال والحق لهوى نفسه، وقضى حاجته، ثم أراد من الحرام، قيض له شيطان. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن سعيد الجزري في قوله {نقيض له شيطاناً} قال: بلغنا أن الكافر إذا بعث يوم القيامة من قبره شفع بيده شيطان، ولم يفارقه حتى يصيرهما الله إلى النار، فذلك حين يقول: {يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين} قال: وأما المؤمن، فيوكل به ملك حتى يقضى بين الناس، أو يصير إلى الجنة. وأخرج ابن حبان والبغوي وابن قانع والطبراني وابن مردويه، عن شريك بن طارق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس منكم أحد إلا ومعه شيطان قالوا: ومعك يا رسول الله؟ قال: ومعي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم ". تفسير : وأخرج مسلم وابن مردويه، عن عائشة رضي الله عنها "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من عندها ليلاً قالت: فغرت عليه فجاء، فرأى ما أصنع، "فقال ما لك يا عائشة أَغِرْت؟ فقلت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك، فقال: أقد جاء شيطانك؟ قلت: يا رسول الله، أمعي شيطان؟ قال: نعم، ومع كل إنسان. قلت: ومعك؟ قال: نعم، ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم" ". تفسير : وأخرج مسلم وابن مردويه، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما منكم من أحد إلا وقد وكل الله به قرينه من الجن. قالوا: وإياك يا رسول الله، قال: وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني الا بخير ". تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما منكم من أحد إلا وقد وكل الله به قرينه من الجن. قالوا: وإياك يا رسول الله، قال: وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد، عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: ليس من الآدميين أحد إلا ومعه شيطان موكل به، أما الكافر، فيأكل معه من طعامه ويشرب معه من شرابه وينام معه على فراشه، وأما المؤمن، فهو يجانب له، ينتظره حتى يصيب منه غفلة، أو غرة، فيثب عليه، وأحب الآدميين إلى الشيطان، الأكول النؤوم.
ابو السعود
تفسير : {وَمَن يَعْشُ} أيْ يتعامَ {عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ} وهو القرآنُ. وإضافتُه إلى اسمِ الرَّحمنِ للإيذانِ بنزولِه رحمةً للعالمينَ. وقُرِىءَ يعشَ بالفتحِ، أي يعمَ يقالُ عَشَى يعْشَى إذا كانَ في بصرِه آفةٌ وعشَا يعشُو إذا تَعشَّى بلا آفةٍ كعَرَج وعَرُج. وقُرِىءَ يعشُو على أنَّ منْ موصولةٌ مضمنةٍ مَعْنى الشرطِ، والمَعْنى ومَنْ يُعرضْ عنه لفرطِ اشتغالِه بزهرةِ الحياة الدُّنيا وانهماكِه في حظوظِها الفانيةِ والشهواتِ. {نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} لا يفارقُه ولا يزالُ يوسوسُه ويُغويهِ. وقُرِىءِ يُقيضْ بالياءِ، على إسناده إلى ضميرِ الرحمنِ، ومَنْ رفعَ يعشُو فحقُّه أنْ يرفعَ يقيضْ. {وَإِنَّهُمْ} أي الشياطينَ الذين قُيضَ كلُّ واحدٍ منهم لكلِّ واحدٍ مِمَّن يعشُو {لَيَصُدُّونَهُمْ} أي قرناءَهُم فمدارُ جمعِ الضميرينِ باعتبارِ مَعْنى مَنْ كَما أنَّ مدارَ إفرادِ الضمائرِ السابقةِ اعتبارُ لفظِها. {عَنِ ٱلسَّبِيلِ} المستبـينِ الذي يدعُو إليه القرآنُ {وَيَحْسَبُونَ} أي العاشُونَ {أَنَّهُمْ} أي الشياطينَ {مُّهْتَدُونَ} أي إلى السبـيلِ المستقيمِ وإلا لما اتبعوهُم أو يحسبونَ أنَّ أنفسَهُم مهتدونَ لأنَّ اعتقادَ كونِ الشياطينِ مهتدينَ مستلزمٌ لاعتقادِ كونِهم كذلكَ لاتحادِ مسلكِهما. والجملةُ حالٌ من مفعولِ يصدونَ بتقديرِ المبتدأِ أو من فاعلِه أو منهُمَا لاشتمالِها على ضميريِهما أيْ وأنَّهم ليصدونُهم عن الطريقِ الحقِّ وهم يحسبونَ أنَّهم مهتدون إليهِ. وصيغةُ المضارعِ في الأفعالِ الأربعةِ للدلالةِ على الاستمرار التجدديِّ لقوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَاءنَا} فإنَّ حتَّى وإنْ كانتْ ابتدائيةً داخلةً على الجملةِ الشرطيةِ لكنَّها تقتضِي حتْمَاً أن تكونَ غايةً لأمرٍ ممتدَ كما مرَّ مِراراً. وإفرادُ الضميرِ في جاءَ وما بعَدُه لما أنَّ المرادَ حكايةُ مقالة كلِّ واحدٍ واحدٍ من العاشقينَ لقرينه لتهويلِ الأمرِ وتفظيعِ الحالِ والمَعْنى يستمرُّ العاشقونَ على ما ذُكِرَ منْ مقارنةِ الشياطينِ والصدِّ والحُسبانِ الباطلِ حتَّى إذا جاءَنا كلُّ واحدٍ منهُم مع قرينهِ يومَ القيامةِ{قَالَ} مُخاطباً له {يَا لَيْتَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ} في الدُّنيا {بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ} أي بعدَ المشرقِ والمغربِ أي تباعُدَ كلَ منهما عن الآخرِ فغلَّبَ المشرقَ وثنَّى، وأُضيفَ البُعد إليهما {فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ} أيْ أنتَ وقولُه تعالى: {وَلَن يَنفَعَكُمُ} الخ حكايةٌ لما سيقالُ لهم حينئذٍ من جهةِ الله عزَّ وجلَّ توبـيجاً وتقريعاً أي لنْ ينفعَكُم. {ٱلْيَوْمَ} أي يومَ القيامةِ تمنّيكُم لمباعدتِهم. {إِذ ظَّلَمْتُمْ} أي لأجلِ ظلمِكم أنفسَكم في الدُّنيا باتِّباعِكم إيَّاهُم في الكُفرِ والمَعَاصِي، وقيلَ: إذْ ظلمتُم بدلٌ منَ اليومَ أي إذْ تبـينَ عندكُم وعندَ النَّاسِ جميعاً أَنكُم ظلمتُم أنفسَكُم في الدُّنيا وعليهِ قولُ منْ قالَ شعر : إذَا مَا انتسبنَا لم تلدنِي لئيمةٌ ولم تجدي مِنْ أن تُقِرِّي بها بُدَّا] تفسير : أي تبـينَ أنِّي لم تلدنِي لئيمةٌ بلْ كريمةٌ وقولُه تعالَى: {أَنَّكُمْ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} تعليلٌ لنفِي النفعِ أي لأنَّ حقكُم أنْ تشتركُوا أنتُم وقرناؤُكم في العذابِ كما كنتُم مشتركينَ في سببه في الدُّنيا، ويجوزُ أنْ يُسندَ الفعلُ إليهِ لكن لا بمعنى لنْ ينفعَكم اشتراكُكم في العذابِ كما ينفعُ الواقعين في شدائدِ الدُّنيا اشتراكُهم فيها لتعاونِهم في تحملِ أعبائِها وتقسّمِهم لعنائِها لأنَّ لكلَ منُهم ما لا تبلغُه طاقتُه كما قيلَ لأنَّ الانتفاعَ بذلكَ الوجهِ ليسَ مما يخطرُ ببالِهم حتى يردَّ عليهم بنفيهِ بل بمَعْنى لن يحصل لكم التشفِّي بكونِ قرنائِكم معذبـينَ مثلَكم حيثُ كنتُم تدعونَ عليهم بقولِكم: { أية : رَبَّنَا ءاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً} تفسير : [سورة الأحزاب، الآية 68] وقولِكم: { أية : فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ} تفسير : [سورة الأعراف، الآية 38] ونظائرِهما لتتشفَوا بذلكَ. كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يبالغُ في المجاهدةِ في دعاءِ قومهِ وهُم لا يزيدونَ إلا غياً وتعامياً عمَّا يشاهدونَهُ من شواهدِ النبوةِ وتصامَّاً عما يسمعونَهُ من بـيناتِ القُرآنِ فنزلَ. {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ} وهو إنكارُ تعجيبٍ مِنْ أنْ يكونَ هُو الذي يقدرُ على هدايتِهم وهم قد تمرَّنُوا في الكفرِ واستعرقُوا في الضَّلالِ بحيثُ صارَ ما بهم من العَشَى عمىً مقروناً بالصممِ. {وَمَن كَانَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} عطفٌ على العُمي باعتبارِ تغايرِ الوصفينِ، ومدارُ الإنكارِ هو التمكنُ والاستقرارُ في الضلالِ المفرطِ بحيثُ لا ارعواءَ له منه لا توهُم القصورِ من قِبل الهادِي ففيهِ رمزٌ إلى أنَّه لا يقدرُ على ذلكَ إلا الله تعالَى وحدَهُ بالقسرِ والإلجاءِ.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً}[36] قال: قد حكم الله أنه لا يعرض عبد عن ذكره، وهو أن يرى بقلبه شيئاً سواه ساكناً إياه، إلا سلط الله عليه شيطاناً ليضله عن طريق الحق ويغريه.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً} [الآية: 36]. قال سهل: حكم الله تعالى أنه لا يرى قلب عبد يسكن إلى شىء سواه إلاَّ أعرض عنه وسلط عليه الشيطان فيضله عن طريق الحق ويعوقه. قال ابن عطاء: من لم يداوم على الذكر فإن الشيطان قرينه ومن داوم عليه لم يقربه بحال.
القشيري
تفسير : مَنْ لم يعرف قَدْرَ الخلوة مع اللَّهِ فحادَ عن ذكره، وأَخلدَ إلى الخواطر الرديَّة فيَّضَ اللَّهُ له مَنْ يَشْغَلُه عن الله - وهذا جَزاءُ مَنْ تَرَك الأدبَ في الخلوة. وإذا اشتغل العبدُ في خلوته بربِّه.. فلو تعرَّض له مَنْ يشغله عن الله - وهذا جَزاءُ مَنْ تَرَك الأدبَ في الخلوة. وإذا اشتغل العبدُ في خلوته بربِّه. فلو تعرَّض له مَنْ يشغله عن ربه صَرَفه الحق عنه بأَي وجْهٍ كان، وصَرَفَ دواعيه عن مفاتحته بمَا يشغله عن الله. ويقال: أصعبُ الشياطين نَفْسُكَ؛ والعبدُ إذا لم يَعْرِفْ خَطَرَ فراغ قلبه، واتَّبَعَ شهوته، وفتح ذلك البابَ علَى نَفْسه بقي في يد هواه أسيراً لا يكاد يتخَلّصُ عنه إلا بعد مُدَّة.
البقلي
تفسير : اى من نسى الله وترك مراقبته ولم يستحيى منه واقبل الى شئ من حظوظ نفسه فيض الله له شيطانا يوسوسه فى جميع انفاسه ويغوى نفسه الى طلب هواها حتى يسلطه على عقله وعلمه وبيانه وهذا كما قال امير المؤمنين على عليه السّلام الشهوة والغضب يغلبان العقل والعلم والبيان وهذا جزاء من اعرض عن متابعة القران ومتابعة السنة وقال سهل حكم الله تعالى انه لا يرى قلب عبد يسكن الى شئ سواه الا اعرض عنه وسلط عليه الشطان ليضله عن طريق الحق ويغويه وقال ابن عطا من لم يداوم على الذكر فان الشطيان قرينه ومن داوم عليه لم يقربه الشيطان بحال وقال الواسطى من صرفنا قلبه عن مواعظ القرأن وحجبناه عنه تقيض له شيطانا فقارنه حتى يصرفه عن الحق وذلك باذن الله وخذلانه قال تعالى وما هم بضارين به من احد الا باذن الله قال جعفر من جهل معرفة ما انعم الله عليه بذكره ولم يشكر ذلك قرن به شيطانا لا يفارقه فى جميع افعاله واحواله واقواله.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن يعش عن ذكر الرحمن} من شرطية وبالفارسية بمعنى وهركه. ويعش بضم لشين من عشا يعشو عشا اذا تعاشى بلا آفة وتعامى اى نظر العشا ولا آفة فى بصره ويقال عشى يعشى كرضى اذا كان فى بصره آفة مخلة بالرؤية قال الراغب العشا بالفتح والقصر ظلمة تعرض فى العين يقال رجل آعشى وامرأة عشواء وفى القاموس العشا سوء البصر بالليل والنهار وخبطه خبط عشوآء ركبه على غير بصيرة من الناقة العشوآء التى لا تبصر امامها والمراد بالذكر القرءآن واضافته الى الرحمن اشارة الى كونه رحمة عامة من الله او هو مصدر مضاف الى المفعول والمعنى ومن يتعام ويعرض عن القرءآن او عن ان يذكر الرحمن وبالفارسية وهركه جشم بوشد از قرآن ويا ازياد كردن خداى. لفرط اشتغاله بزهرة الحياة الدنيا وانهماكه فى الحظوظ والشهوات الفانية {نقيض له شيطانا} نسلطه عليه ونضمه اليه ليستولى عليه استيلاء القيض على البيض وهو القشر الاعلى اليابس {فهو} اى ذلك الشيطان {له} اى لذلك العاشى والمعرض {قرين} بالفارسية همنشين ودمساز. ومصاحب لا يفارقه ولا يزال يوسوسه ويغويه ويزين له العمى على الهدى والقبيح بدل الحسن قال عليه السلام "حديث : اذا اراد الله بعبد شرا قيض له شيطانا قبل موته بسنة فلا يرى حسنا الا قبحه عنده حتى لا يعمل به ولا يرى قبيحا الا حسنه حتى يعمل به" تفسير : وينبغى ان يكون هذا الشيطان غير قرينه الجنى الكافر والا فكل احد له شيطان هو قرينه كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : ما منكم من احد الا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة" قالوا واياك يا رسول الله قال "واياى ولكن الله اعاننى عليه فأسلم فلا يأمرنى الا بخير" تفسير : (درنفحات الانس) آوردكه شيخ ابو القاسم مصرى قدس سره بايكى از مؤمنان جن دوستى داشت وقتى در مسجدى نشسته بود جنى كفت اى شيخ اين مردم راجه كونه مى بينى كفت بعضى را در خواب وبعضى رابى خواب كفت آنجه برسرهاى ايشانست مىبينى كفتم نه جشمهاى مرا بماليد ديدم كه بر سر هركسى بعضى رابالها بجشم فرو كذاشته وبعضى راكاهى فرو كذاريد وكاهى بالامى برد كفتم اين حيست. كفت نشنيده كه ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين اينها شياطين اند بر سرهاى ايشان نشسته وبر هريكى بقدر غفلت وى استيلا يافته. دريغ ودردكه بانفس بد قرين شده ايم. وزين معامله باد بو همنشين شده ايم. بباركاه فلك بوده ايم رشك ملك. زجور نفس جفابيشه اينجنين شده ايم. وفيه اشارة الى ان من داوم على ذكر الرحمن لم يقربه الشيطان بحال. قال بعضهم من نسى الله وترك مراقبته ولم يستحى منه او اقبل على شئ من حظوظ نفسه قيض الله له شيطانا يوسوس له فى جميع أنفاسه ويغرى نفسه الى طلب هواها حتى يتسلط على عقله وعلمه وبيانه وهذا كما قال أمير المؤمنين على كرم الله وجهه الشهوة والغضب يغلبان العقل والعلم والبيان وهذا جزآء من أعرض عن متابعة القرءآن ومتابعة السنة وقال بعضهم من اعرض عن الله بالاقبال على الدنيا يقيض له شيطانا وان اصعب الشياطين نفسك الامارة بالسوء فهو له ملازم لا يفارقه فى الدنيا والآخرة فهذا جزآء من ترك المجالسة مع الله بالاعراض عن الذكر فانه يقول انا جليس من ذكرنى فمن لم يذكر ولم يعرف قدر خلوته مع الله وحاد عن ذكره واختلف الى خواطر النفسانية الشيطانية سلط الله عليه من يشغله عن الله واذا اشتغل العبد فى خلوته بذكر ربه بنفى ما سوى الله واثبات الحق بلا اله الا الله فاذا تعرض له من يشغله عن ربه صرفته سطوات الالهية عنه ومن لم يعرف قدر فراغ قلبه واتبع شهوته وفتح بابها على نفسه بقى فى يد هواه أسيرا غالبا عليه اوصاف شيطنة النفس (روى) عن سفيان بن عيينة انه قال ليس مثل من امثال العرب الا وأصله فى كتاب الله قيل له من اين قول الناس أعط اخاك تمرة فان ابى فجمرة قال من قوله ومن يعش الآية
ابن عجيبة
تفسير : قلت: "مَن يعش": شرط وجواب. وحكي أن أبا عبد الله بن مرزوق دخل على ابن عرفة، فحضر مجلسه، ولم يعرفه أحد، فوجده يُفسر هذه الآية: {ومَن يعش عن ذكر الرحمن}، فكان أول ما افتتح به - يعني ابن مرزوق - أن قال: وهل يصح أن تكون "مَن" هنا موصولة؟ فقال ابن عرفة: وكيف، وقد جزمت؟ فقال ابن مرزوق: جزمت تشبيهاً بالشرطية، فقال ابن عرفة: إنما يقدم على هذا بنص من إمام، أو شاهد من كلام العرب، فقال: أما النص؛ فقال ابن مالك في التسهيل: وقد يحزم مسبب عن صلة الذي، تشبيهاً بجواب الشرط، وأما الشاهد فقوله: شعر : فلا تَحْفِرَنْ بِئراً تُريدُ أخاً بها فإنك فيها أنتَ مِنْ دُونِهِ تَقَعْ كذاك الذي يَبْغِي عَلَى ظالماً تُصِبْهُ على رَغْمِ عَوَاقِبُ ما صَنَعْ تفسير : فقال ابن عرفة: فأنت إذاً أبو عبد الله بن مرزوق؟ فقال: نعم، فحرّب به. وقال. والله ما ظلمناك.هـ. وقرأ ابن عباس:"يعشَ" - بفتح الشين، أي: يَعْم، من: عشى يعشى. وقُرئ: "يعشو" على أن "من" موصولة غير مضمنة معنى الشرط، وإلا جزمت كما تقدم. قلتُ: والذي يظهر من كلام التسهيل أن الموصول المضمَن معنى الشرط إنما يجزم الجواب لا الشرط، فتأمله، مع كلام ابن مرزوق. والشاهد الذي أتى به إنما فيه جزم الجواب لا الشرط، فلا يصح ما قاله ابن مرزوق باعتبار جزم لفظ الشرط. والله تعالى أعلم. يقول الحق جلّ جلاله: {ومَن يَعْشُ} أي: يتعَامَ، أو: يعْم. والفرق بين القراءتين أنه إذا حصلت الآفة في بصره قيل: عشى يعشَى، وإذا ضعف بصره بلا آفة قيل: عشَى يعشو. والمعنى: ومَن يعرض {عن ذكر الرحمن} وهو القرآن، لفرط اشتغاله بزهرة الدنيا، وانهماكه في الحظوظ الفانية، فلم يلتفت إليه، ولم يعرف أنه حق - على قراءة الفتح - أو: عرف أنه حق وتعامى عنه، تجاهلاً، على قراءة الضم، {نُقَيّضْ له شيطاناً فهو له قرينُ}، قال ابن عباس: نسلطه عليه فهو معه في الدنيا والآخرة، لا يفارقه، ولا يزال يوسوسه ويغويه. وفيه إشارة إلى أن مَن دام عليه لم يغوه الشيطان. وإضافته إلى "الرحمن" للإيذان بأن نزوله رحمة للعالمين، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله، أي: ما ذكره الرحمن وأوحى به في كتابه، وقال ابن عطية: ما ذكّر الله به عباده من المواعظ. ويحتمل أن يريد مطلق الذكر، أي: ومَن يغفل عن ذكر الله نُسلط عليه شيطاناً، عقوبة على الغفلة، فإذا ذكر الله تباعد عنه. {وإِنهم} أي: الشياطين، الذي قيّض كل واحد منهم لكل واحد ممن يعشو، {ليصدُّونهم}؛ ليمنعون العاشين {عن السبيل}؛ عن سبيل الهدى الذي جاء به القرآن، {ويحسبون أنهم مهتدون} أي: أنفسهم مهتدون، أو: ويحسب العاشُون أن الشياطين مهتدون، فلذلك قلَّدوهم، فمدار جمع الضمير اعتبار معنى "مَن" كما أن مدار إفراده فيما سبق اعتبار لفظها. وصيغة المضارع في الأفعال الأربعة للدلالة على الاستمرار التجديدي، لقوله: {حتى إِذا جاءنا} فإن "حتى" تقتضي أن تكون غاية لأمر ممتد، أي: يستمر العاشون على ما ذكر من مقارنة الشياطين والصد والحسبان الباطل، حتى إذا جاءنا كل واحد منهم مع قرينه يوم القيامة. ومَن قرأ بالتثنية، فالمراد العاشي وقرينه. قال مخاطباً لقرينه: {يا ليتَ بيني وبينك} في الدنيا {بُعد المشرقين} أي: بُعد المشرق والمغرب، أي: تباعد كل منهما من صاحبه، فغلب المشرق على المغرب، كما قيل: القَمَران والعُمرَان، وأضيف البُعد إليهما، {فبئس القرينُ} أنت. قال تعالى: {ولن ينفعكم اليومَ} أي: يوم القيامة {إِذ ظلمتمْ} أي: حين صحّ وتبيّن ظلمكم وكفركم، ولم تبقَ لكم ولا لأحد شبهة في أنكم كنتم ظالمين. و"إذ": بدل من اليوم. وقوله: {أنكم في العذاب مشتركون}: فاعل ينفع، أي: لن ينفعكم يوم القيامة اشتراككم في العذاب، كما كان في الدنيا يُهون عليكم المصيبة اشتراككم فيها، لتعاونكم في تحمُّل أعبائها وتقسيمكم لعنائها، ولذلك قيل: المصيبة إذا عمّت هانت، وإذا خصت هالت، وفي ذلك تقول الخنساء: شعر : ولولا كثرةُ الباكين حَوْلي على إخوانهم لقتلتُ نفسي ولا يبكون مثلَ أخي ولكنْ أُعزّي النفسَ عنه بالتأسِّي تفسير : أما هؤلاء فلا يؤسّيهم اشتراكهم، ولا يُروّحهم، لأن بكلٍّ منهم ما لا تبلغه طاقة، وقد ورد أنهم يكونون في توابيت من نار، لا يرى أحد صاحبَه، بل يظن أنه وحده فيها. وقيل: الفاعر مضمر، أي: ولن ينفعكم هذا التمني، أو هذا الاعتذار؛ لأنكم في العذاب مشتركون؛ لاشتراككم في سببه، وهو الكفر، ويؤيده: قراءة مَن قرأ: "إنكم" بالكسر. وكان صلى الله عليه وسلم يُبالغ في المجاهدة في دعاء قومه، وهم لا يزيدون إلا غيّاً وتعامياً عما يشهدونه من شواهد النبوة، وتصامماً عما يسمعونه من القرآن، فأنزل الله تعالى: {أفأنت تُسْمِعُ الصمَّ أو تهدي العُمْيَ}، وهو إنكار وتعجيب من أن يكون هو الذي يقدر على هدايتهم، وقد تمرّنوا في الكفر، واستغرقوا في الضلال، حيث صار ما بهم من العشي عَماً مقروناً بالصمم، أي: أفأنت تقدر أن تُسمع مَن فقد سمع القبول، أو تهدي مَن فقد بصر الاستبصار. {ومَن كان في ضلالٍ مبين} أي: ومَن كان في علم الله أنه يموت على الضلال. ومدار الإنكار هو التمكُّن والاستقرار في الضلال المفرط، بحيث لا ارعواء له منه، لا توهم القصور من قبل الهَادي، ففيه رمز في أنه لا يقدر على ذلك إلا الله. {فإما نَذْهَبَنَّ بك} أي: فإن قبضناك قبل أن ننصرك على أعدائك، ونشفي صدور المؤمنين منهم، {فإنا منهم منتقمون} أشد الانتقام في الآخرة. {أو نُرِيَنَّكَ} العذاب {الذي وعدناهم} قبل أن نتوفينك، كما وقع بهم يوم بدر، {فإِنا عليهم مقتدرون} العذاب {الذي وعدناهم} قبل أن نتوفينك، كما وقع بهم يوم بدر، {فإِنا عليهم مقتدرون} بحيث لا ناصر لهم من حلول نقمتنا وقهرنا. و"إما": شرط دخلت "ما" على "إن" توكيداً للشرط، وزاد التوكيد نون الثقيلة. الإشارة: كل مَن غفل عن ذكر الله تسلّط الشيطان على قلبه بالوسوسة والخواطر الردية، وقد ورد في الحديث:حديث : إن قلب ابن آدم ملك وشيطان، فإذا ذكر الله قرب الملك منه وانخنس الشيطان، وإذا غفل عن ذكر الشيطان قرب منه، فلا يزال يوسوسه ويمنيه حتى يغفله عن اللهتفسير : . ولا شك أن الذكر الذي يصرف الشيطان عن القلب إنما هو الذكر القلبي لا اللساني، فكم من ذاكر بلسانه وقلبه مشغول بهواه، فذكر اللسان نتائجة الأجور، وذكر القلوب نتائجة الحضور ورفع الستور، وشتان بين مَن همّه الحور والقصور، ومَن همّه الحضور ورفع الستور، هذا من عامة أهل اليمين، وهذا من خاصة المقربين، فإذا أردت يا أخي ذكر القلوب، ولمعان أسرار الغيوب، فاصحب الرجالَ، حتى ينقلوك من عالم الطبيعة إلى عالم الروحانية، وإلا بقيت في عالم الأشباح. قال القشيري: مَن لم يعرف قَدْرَ الخلوة مع اللّهِ، فحادَ عن ذكره وأخلدَ إلى الخواطر الرديَّة، قيَّض اللّهُ له مَن يشغله عن الله - وهذا جزاء مَن تَرك الأدب في الخلوة. وإذا اشتغل العبدُ في خلوته مع ربَّه، وتعرَّض له مَن يشغله عن ربه، صَرَفه الحق عنه بأي وجْهٍ كان.. ويقال: أصعبُ الشياطين نَفْسُكَ، والعبدُ إذا لم يَعرفْ قدر فراغ قلبه، واتَّبَعَ شهوته، وفتح ذلك البابَ علَى نَفْسه، بقي في يد هواه أسيراً، لا يكاد يتخلصُ منه إلا بعد مُدة. هـ. وقال في الإحياء: للشيطان جندان؛ ند يطير، وجند يسير، والوسواس عبارة عن حركة جنده الطيار، والشهوة عبارة عن حركة جنده السيار. ثم قال: فتحقق أن الشيطان من المنظَرين، فلا يتواضع لك بالكف عن الوسواس إلى يوم الدين؛ إلا أن تصبح وهمومك هم واحد، وهو الله، فيشتغل قلبك بالله وحده، فلا يجد الملعون مجالاً فيك، فعند ذلك تكون من عباد الله المخلّصين، الداخلين في الاستثناء من سلطنته. ولا تظن أن يفرغ منه قلب فارغ من ذكر الله، بل هو سيّال يجري من ابن آدم مجرى الدم، وسيلانه مثل الهواء في القدح، إن أردت أن يخلو عن الهواء من غير أن تشغله بالماء أو غيره، فقد طمعت في غير مطمع، بل بقدر ما يخلو من الماء يدخل فيه من الهواء لا محالة، فكذلك القلب المشغول بتفكُّر مهم في الدين، يخلو عن جولان الشيطان، وإلا فمَن غفر عن الله، ولو لحظة، فليس له في تلك اللحظة قرين إلا الشيطان، وإلا فمَن غفل عن الله، ولو لحظة، فليس له في تلك اللحظة قرين إلا الشيطان، ولذلك سبحانه: {ومَن يعش عن ذكر الرحمن نُقيض له شيطاناً فهو له قرين}. هـ. المراد منه. وكل مَن عوّق الناس عن طريق الحق يصدق عليه قوله: {وإِنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون}، فإذا تحققت الحقائق، وارتفع الغطاء، وظهر الصواب من الخطأ، قال للذي صدّه عن طريق القوم: يا ليت بيني وبينك بُعد المشرقين فبئس القرين، فيقول الحق جلّ جلاله: {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنفسكم} حيث حرمتموها من الوصول إليّ أنكم من عذاب الحجاب مشتركون. ويُقال لمَن وعظ ودعا إلى الله، فلم يُقبل منه: {أفأنت تُسمع الصُّم...} الآية. فإما نذهبنَّ بك بالموت، فيقع الندم عليك، أو نُرينك الذي وعدناهم من العز لك والنصر، والانتقام ممن آذى أولياء الله، فإنا عليهم مقتدرون. ثم أمر بالثبتوت في طريق الحق، فقال: {فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِيۤ أُوحِيَ إِلَيْكَ}.
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة والكسائي وابو عمرو وحفص عن عاصم {جاءنا} بالتوحيد. الباقون {جاءانا} على التثنية. من قرأ على التثنية أراد الكافر وقرينه من الشياطين كقوله {أية : وإذا النفوس زوجت} تفسير : أي قرنت بنظيرها. ومن أفرد قال: لأن الكافر هو الذي أفرد بالخطاب فى الدنيا وأقيمت عليه الحجة بانفاذ الرسول اليه فاجتزى بالواحد عن الاثنين، كما قال {أية : لينبذن في الحطمة} تفسير : والمراد لينبذان يعني هو وما له. وقرأ يعقوب والعليمي {يقيض} بالياء على لفظ الخبر عن الغائب. الباقون بالنون على وجه الخبر عن الله تعالى. يقول الله تعالى {ومن يعش عن ذكر الرحمن} أي يعرض عن ذكر الله لا ظلامه عليه لجهله، يقال: عشا يعشو عشواً وعشوّاً إذا ضعف بصره وأظلمت عينه كأنه عليها غشاوة قال الشاعر: شعر : متى تأته تعشو إلى ضوء ناره تجد حطباً جزلا وناراً تأججا تفسير : واذا ذهب بصره قيل: عشى يعشى عشاء، ومنه رجل أعشى وامرأة عشواء، فعشى يعشى مثل عمي يعمى، وعشا يعشو إذا نظر نظراً ضعيفاً. وقرىء {من يعش} بفتح الشين. ومعناه يعمى يقال: عشا إلى النار إذا تنورها فقصدها وعشى عنها إذا أعرض قاصداً لغيرها كقولهم مال اليه ومال عنه. وقيل: معناه بالعين من يعرض عن ذكره. وقوله {نقيض له شيطاناً} قيل فى معناه ثلاثة أقوال: احدها - قال الحسن: نخلي بينه وبين الشيطان الذي يغويه ويدعوه إلى الضلالة فلا نمنعه منه. الثاني - وقيل: نجعل له شيطاناً قريناً، يقال قيض له كذا وكذا أي سهل ويسر. الثالث - قال قتادة: نقيض له شيطاناً فى الآخرة يلزمه حتى يصير به إلى النار فحينئذ يتمنى البعد عنه. وأما المؤمن فيوكل به ملك فلا يفارقه حتى يصير به الى الجنة. وإنما جاز ان يقيض له الشيطان إذا أعرض عن ذكر الله حتى يغويه لأنه اذا كان ممن لا يفلح فلو لم يغوه الشيطان لفعل من قبل نفسه مثل ذلك كالفساد الذي يفعله باغواء الشيطان او أعظم منه فلم يمنع لطفاً، وقيض له الشيطان عقاباً. وفى ذلك غاية التحذير عن الاعراض عن حجج الله وآياته. ثم قال تعالى {وإنهم} يعني الشياطين {ليصدونهم} يعني الكفار {عن السبيل} يعني عن سبيل الحق الذي هو الاسلام {ويحسبون أنهم مهتدون} إلى طريق الحق. وقوله {حتى إذا جاءانا} على التثنية أراد حتى اذا جاء الشيطان ومن أغواه يوم القيامة إلى الموضع الذي يتولى الله حساب الخلق فيه وجزاءهم. ومن قرأ على التوحيد فالمراد حتى اذا جاء الكافر وعلم ما يستحقه من العقاب ضرورة قال ذلك الوقت لقربه {يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين} قيل فى معناه قولان: احدهما - أنه عنى المشرق والمغرب الا انه غلب احدهما، كما قيل سنة العمرين وقال الشاعر: شعر : اخذنا بآفاق السماء عليكم لنا قمراها والنجوم طوالع تفسير : يعني الشمس والقمر، وقال المفضل: أراد النبي محمد وابراهيم عليها السلام وقال الآخر: شعر : وبصرة الازد منا والعراق لنا والموصلان ومنا مصر والحرم تفسير : يعني الموصل والجزيرة. الثاني - انه أراد مشرق الشتاء ومشرق الصيف، كما قال {أية : رب المشرقين ورب المغربين} تفسير : وإنما اراد {يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين} مسافة فلم أرك ولا اغتررت بك {فبئس القرين} كنت أنت، يقول لهذا الشيطان الذي اغواه، فقال الله تعالى {ولن ينفعكم اليوم} هذا الندم {إذ ظلمتم} نفوسكم بارتكاب المعاصي {إنكم في العذاب مشتركون} أي لانكم فى العذاب شركاء، فلذلك لا ينفعكم هذا القول. وقيل: إن المراد لا يسليكم عما أنتم فيه من انواع العذاب أن أعداءكم شركاؤكم فيها لأنه قد يتسلى الانسان عن محنة يحصل فيها اذا رأى ان عدوه فى مثلها فبين الله تعالى أن ذلك لا ينفعكم يوم القيامة ولا يسليكم عن العذاب ولا يخفف عنكم ذلك يوم القيامة. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله {أفانت} يا محمد {تسمع الصم أو تهدي العمي} شبه الكفار فى عدم انتفاعهم بما يسمعونه من إنذار النبي صلى الله عليه وآله ووعظه بالصم الذين لا يسمعون، وفى عدم انتفاعهم بما يرونه بالعمي الذين لا يبصرون شيئاً {ومن كان في ضلال} عن الحق {مبين} أي بين ظاهر لا شبهة فيه. ومن لا يطلب الحق ولا يجتهد فيه لسبقه إلى الباطل وإغتباطه به، فهو الذي يمتنع هدايته ولا حيلة فيه ولا طريق إلى ارشاده وصار بمنزلة الأصم والاعمى عنه. وقرأ ابن عامر وحده {ولن ينفعكم اليوم إنكم} بكسر الهمزة، جعل تمام الآية والوقف على قوله {إذ ظلمتم} ثم استأنف {إنكم} وفتح الباقون، جعلوا {أن} اسماً في موضع رفع.
الجنابذي
تفسير : {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ} اعلم، انّ الولاية السّارية فى جميع الموجودات تكويناً حقيقة ذكر الله، وكذلك الولاية الجارية على الانسان وبنى الجانّ تكليفاً، ولذلك اضاف الذّكر الى الرّحمن وصاحب الولاية المتحقّق بها ايضاً ذكرٌ ولذلك كان رؤيته مذكّراً كما عن عيسى (ع) فى جواب الحواريّين حين قالوا: من نجالس يا روح الله؟ - قال: من يذكّركم الله رؤيته، ثمّ الذّكر المأخوذ من صاحب الولاية ذكر الله ثمّ الفكر الحاصل من الذّكر المأخوذ من صاحب الولاية وان كان الفكر اكمل فى الذّكريّة من الذّكر المأخوذ ثمّ تذكّر الله فى الخاطر ثمّ تذكّر امره ونهيه عند الفعال، ثمّ الذّكر اللّسانىّ من التّلهيل والتّسبيح والتّحميد وغيرها ثمّ كلّ ما يذكّرك الله اىّ شيءٍ كان، والمقصود انّ من يعمى عن الولاية وعن ولىّ الامر فانّ العمى عن الولاية يورث العمى عن جميع اقسام الذّكر {نُقَيِّضْ} نسبّب ونقدّر {لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} يمنعه عن الانسانيّة والسّلوك على طريقها ويجرّه الى البهيميّة والسّبعيّة والشّيطانيّة ويسلكه على طريقها الى النّار، وممّا روى من الاكابر: من لم يكن له شيخٌ اى ولىّ يتولاّه بالبيعة الخاصّة تمكّن الشّيطان من عنقه، ومن تمكّن الشّيطان من عنقه لا يرجى له خيرٌ، ولا نجاة له من السّعير، وعن امير المؤمنين (ع): من تصدّى بالاثم اعشى عن ذكر الله تعالى، ومن ترك الاخذ عمّن امر الله بطاعته قَيّض له شيطانٌ فهو له قرين
الهواري
تفسير : قوله: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ} أي: ومن يعمَ عن ذكر الرحمن، وهذا المشرك {نُقَيِّضْ} أي: نسبب {لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}. قوله: {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ} أي: عن سبيل الهدى {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ}. {حَتَّى إِذَا جَاءَنَا} أي: هو وقرينه، يعني شيطانه. وهي تقرأ على وجه آخر: {حَتَّى إِذَا جَاءَنَا} [أي: العاشي عن ذكر الرحمن]. {قَالَ}: أي: لقرينه {يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ}. [قال بعضهم: إن الكافر إذا خرج من قبره وجد عند رأسه شيطانه فيأخذ بيده فيقول: أنا قرينك حتى أدخل أنا وأنت جهنم. قال محمد: عند ذلك يقول: {يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ}]. قال الله عز وجل: {وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ} أي: أشركتم {أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} أي: يقرن هو وشيطانه في سلسلة واحدة يتبرأ كل منهما من صاحبه [ويلعن كل منهما صاحبه].
اطفيش
تفسير : {وَمَن يَعْشُ} بضم الشين أي من يتعام عن ذكره ويعرض عنه وهو يعرف انه الحق ويتجاهل ويتغابى كقوله جل وعلا فجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم من قولهم (عشا) بالفتح (يعشو) اذا نظر نظر الذي لا يبصر بالليل ولا آفة به كما يقال عرج بالفتح اذا مشى كالأعرج ولا عرج به وقرئ (بفتح الشين) أي ومن يعم عن ذكره كقوله {أية : صم بكم عمي} تفسير : من قولك (عشي) بالكسر (يعشى) بالفتح اذا كان لا يبصر ليلاً كعرج بكسر الراء اذا كان كان وعرج وقرئ يعشو باثبات الواو أما على ان من موصولة وسكن (نقيض) لئلا يكون الباء المكسورة لا المدغمة والضاد ولام له بوزن فعل بكسر الفاء وضم العين لو ضمت الضاد أو على انها شرطية حذفت الضمة المقدرة على الواو دون الواو كما هو لغة أو شرطية والواو ضمير لها مراعاة لمعناها وروعي بعد ذلك لفظها ويضعفه ان اللفظ لا يراعى بعد مراعاة المعنى ولعل من يثبت الواو يرفع نقيض قالوا أو حرف ومن موصول* {عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ} يعرض عن ذكر الله لم يخف عقابه ولم ينج ثوابه وقيل الذكر القرآن والاولى ان المراد من يقل نظره في شرع الله ويغمض جفونه عن النظر فيما ذكر به عباده من قرآن ووحي وغيره {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً} نخذله ونخله بينه وبين الشياطين أو نضم له شيطاناً أو نيسره له ونعده وذلك عقاب على الكفر. كما روي ان الله يعاقب على المعصية بالتزيد في المعاصي ويجازي على الحسنة بالتزيد من الحسنات. وقرأ يعقوب (يقيض) بالياء وضميره للرحمن وقرئ بالياء مبنياً للمفعول ورفع شيطان {فَهُوَ} أي الشيطان* {لَهُ قَرِينٌ} يوسوسه ويغويه ويخيل انه هدي ولا يفارقه
اطفيش
تفسير : {ومَن يعْشُ عَن ذكْر الرَّحمن} يتعام أو ينظر نظرا ضعيفا كنظر الأعشى، وهو ضعيف النظر، وهو أولى، لأن الأعشى ليس بمعنى الأعمى، أو يعرض عن ذكر الرحمن، أى كتابه، أو عن أن يذكره، وليس الذكر بمعنى التذكير، لأنه مصدر ذكر بالتخفيف، ودعوى أنه اسم مصدر خلاف الأصل بلا داع اليه، ولا دليل، واختار ذكر الرحمن لأن نزول القرآن أو التوفيق لذكر الله رحمة من الله تعالى {نُقيِّض} نقدر {له شيطاناً} يستولى عليه استيلاء القيض، وهو قشر البيض على ما تحته، فيغويه، وذلك استعارة تابعة لاستعارة التقييض للاستيلاء {فهُو لَه قَرين} لا يفارقه.
الالوسي
تفسير : {وَمَن يَعْشُ} أي يتعام ويعرض {عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ} وهو القرآن، وإضافته إلى الرحمن للإيذان بنزوله رحمة للعالمين، وجوز أن يكون مصدراً أضيف إلى المفعول أي من يعش عن أن يذكر الرحمن، وأن يكون مصدراً أضيف إلى الفاعل أي عن تذكير الرحمن عباده سبحانه. وقرأ يحيـى بن سلام البصري {يعش} بفتح الشين كيرض أي يعم يقال: عشي كرضي إذا حصلت الآفة في بصره وعشا كغزا إذا نظر نظر العشى لعارض قال الحطيئة:شعر : متى تأته تعشو إلى ضوء ناره تجد خير نار عندها خير موقد تفسير : أي تنظر إليها نظر العشي لما يضعف بصرك من عظم الوقود واتساع الضوء ولو لم يكن كذلك لم يكن لكلمة / الغاية موقع وأظهر منه في المقصود قول حاتم:شعر : أعشو إذا ما جارتي برزت حتى يواري جارتي الخدر تفسير : لأنه قيد بالوقت وأتى بالغاية وما هو خلقي لا يزول. وقال بعضهم: لم أر أحداً يجيز عشوت عنه إذا أعرضت وإنما يقال تعاشيت وتعاميت عن الشيء إذا تغافلت عنه كأنك لم تره ويقال: عشوت إلى النار إذا استدللت عليها ببصر ضعيف، وهو مما لا يلتفت إليه ومثله عشي وعشا عرج بكسر الراء لمن به الآفة وعرج بفتحها لمن مشى مشية العرجان من غير عرج على ما في «الكشاف»، وفيه خلاف لأهل اللغة ففي «القاموس» يقال: ((عرج أي بالفتح إذا أصابه شيء في رجله وليس بخلقه فإذا كان خلقة فعرج كفرح أو يثلث في غير الخلقة)). وقرأ زيد بن علي {يعشو} بإثبات الواو وخرج ذلك الزمخشري على أن من موصولة لا شرطية جازمة. وجوز أن تكون شرطية والمدة إما للإشباع أو على لغة من يجزم المعتل الآخر بحذف الحركة على ما حكاه الأخفش. وجوز كون الفعل مجزوماً بحذف النون والواو ضمير الجمع، وقد روعي فيه معنى من، وتخريج الزمخشري مبني على الفصيح المطرد المتبادر. {نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً} أي نتح له شيطاناً ليستولي عليه استيلاء القيض على البيض وهو القشر الأعلى. {فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} دائماً لا يفارقه ولا يزال يوسوسه ويغويه وهذا عقاب على الكفر بالختم وعدم الفلاح كما يقال: إن الله تعالى يعاقب على المعصية بمزيد اكتساب السيآت. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه والسلمي والأعمش ويعقوب وأبو عمرو بخلاف عنه وحماد عن عاصم وعصمة عن الأعمش وعن عاصم والعليمي عن أبـي بكر {يقيض} بالياء على إسناده إلى ضمير {ٱلرَّحْمَـٰنُ}، وقرأ ابن عباس يقيض بالياء والبناء للمفعول {شيطـٰن} بالرفع والفعل في جميع القراءات مجزوم ولم نسمع أنه قرىء بالرفع، وفي «الكشاف» حق من قرأ {من يعشو} بالواو أن يرفعه أي بناء على تخريجه ذلك على أن من موصولة، وجوز على ذلك أيضاً أن يكون {يقيض} مرفوعاً لكنه سكن تخفيفاً. وفي «البحر» ((يجوز أن تكون {من} موصولة وجزم {نُقَيّضْ} تشبيهاً للموصول باسم الشرط وإذا كان ذلك مسموعاً في الذي وهو لم يكن اسم شرط قط فالأولى أن يكون فيما استعمل موصولاً وشرطاً، قال الشاعر:شعر : لا تحفرن بئراً تريد أخاً بها فإنك فيها أنت من دونه تقع كذاك الذي يبغي على الناس ظالماً تصبه على رغم عواقب ما صنع تفسير : انشدهما ابن الأعرابـي وهو مذهب للكوفيين، وله وجه من القياس وهو أنه كما شبه الموصول باسم الشرط فدخلت الفاء في خبره فكذلك يشبه به فينجزم الخبر إلا أن دخول الفاء منقاس إذا كان الخبر مسبباً عن الصلة بشروطه المذكورة في النحو وهذا لا يقيسه البصريون)).
ابن عاشور
تفسير : ابتدئت السورة بالتنويه بالقرآن ووصفِه بأنه ذكر وبيان للنّاس، ووصف عناد المشركين في الصدّ عنه والإعراض، وأُعلموا بأن الله لا يتركُ تذكيرهم ومحاجّتهم لأنّ الله يدعو بالحق ويعد به. وأطنب في وصف تناقض عقائدهم لعلهم يستيقظون من غشاوتهم، وفي تنبيههم إلى دلائل حقّيّة ما يدعوهم إليه الرّسول صلى الله عليه وسلم بهذا القرآن، وفُضحت شبهاتهم بأنهم لا تعويل لهم إلا على ما كان عليه آباؤهم الأولون الضالّون، وأنذروا باقتراب انتهاء تمتيعهم وإمهالهم، وتقضى ذلك بمزيد البيان، وأفضى الكلام إلى ما قالوه في القرآن ومن جاء به بقوله: { أية : ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر} تفسير : [الزخرف: 30] إلى قوله {أية : عظيم } تفسير : [الزخرف: 31]، وما ألحق به من التكملات، عاد الكلام هنا إلى عواقب صرفهم عقولهم عن التدبر في الدعوة القرآنية فكان انصرافهم سبباً لأن يسخر الله شياطين لهم تلازمهم فلا تزال تصرفهم عن النظر في الحق وأدلة الرشد. وهو تسخير اقتضاه نظام تولد الفروع من أصولها، فلا يتعجب من عمى بصائرهم عن إدراك الحق البيّن، وهذا من سنة الوجود في تولد الأشياء من عناصرها فالضلال ينمى ويتولد في النفوس ويتمكن منها مرة بعد مرة حتى يصير طبْعاً على القلب وأكنَّة فيه وختماً عليه ولا يضعُف عمل الشيطان إلا بتكرر الدعوة إلى الحق وبالزجر والإنذار، فمن زناد التذكير تنقدح شرارات نور فربّما أضاءت فصادفت قوةُ نور الحق حالةَ وهَن الشيطان فتتغلب القوة المَلكية على القوة الشيطانية فيفيق صاحبها من نومة ضلاله. وقد أشار إلى ذلك قوله: { أية : أفنضرب عنكم الذكر صفحاً أن كنتم قوماً مسرفين } تفسير : [الزخرف: 5] كما تقدم هنالك، ولولا ذلك لَمَا ارعوى ضالّ عن ضلاله ولمَا نفع إرشاد المرشدين في نفوس المخاطبين. فجملة {ومن يعش عن ذكر الرحمٰن} عطف على جملة { أية : ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحرٌ } تفسير : [الزخرف: 30] الآية. وقوله {ومن يعش عن ذكر الرحمٰن} تمثيل لحالهم في إظهارهم عدم فهم القرآن كقولهم: { أية : قلوبنا في أكِنَّةٍ مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقرٌ } تفسير : [فصلت: 5] بحال من يَعشو عن الشيء الظاهر للبصر. و{يَعش}: مضارع عشا كغَزَا عَشْواً بالواو، إذا نظر إلى الشيء نظراً غير ثابت يُشبه نظر الأعشى، وأما العَشَا بفتح العين والشين فهو اسم ضُعف العين عن رؤية الأشياء، يقال: عَشِي بالياء مثل عرِج إذا كانت في بصره آفة العَشَا ومصدره عَشًى بفتح العين والقصر مثل العرج. والفعل واوي عشا يعشو، ويقال عشِيَ يعشَى إذا صار العَشا له آفة لأن أفعال الأدواء تأتي كثيراً على فَعِل بكسر العين مثل مرِض. وعشِي ياؤه منقلبة عن واو لأجل كسرة صيغة الأدواء. فمعنى {ومن يعش} من ينظر نظراً غير متمكن في القرآن، أي من لا حظّ له إلا سماع كلمات القرآن دون تدبر وقصد للانتفاع بمعانيه، فشبه سماع القرآن مع عدم الانتفاع به بنظر الناظر دون تأمل. وعُدي {يعش} بــ{عن} المفيدة للمجاوزة لأنه ضمن معنى الإعراض عن ذكر الرحمان وإلا فإن حقّ عشا أن يعدّى بــ (إلى) كما قال الحُطَيئَة:شعر : متى تأته تعشه إلى ضوء ناره تجد خير نار عندها خيرُ موقد تفسير : ولا يقال: عشوت عن النّار إلا بمثل التضمين الذي في هاته الآية. فتفسير من فسّر {يعش عن ذكر الرحمٰن} بمعنى يُعرض: أراد تحصيل المعنى باعتبار التعدية بــ{عن}، وإنكارُ من أنكر وجود (عشا) بمعنى أعرض أراد إنكار أن يكون معنى أصلياً لفعل (عشَا) وظن أن تفسيره بالإعراض تفسير لمعنى الفعل وليس تفسيراً للتعدية بــ{عن} فالخلاف بين الفريقين لفظي. و{ذكر الرحمٰن} هو القرآن المعبر عنه بالذكر في قوله: { أية : أفنضرب عنكم الذكر صفحاً } تفسير : [الزخرف: 5]. وإضافته إلى {الرحمٰن} إضافة تشريف وهذا ثناء خامس على القرآن. والتقييض: الإتاحة وتهيئة شيء لملازمة شيء لعمل حتى يتمه، وهو مشتق من اسم جامد وهو قَيْض البَيضَة، أي القِشر المحيط بما في داخل البيضة من المُحِّ لأن القيْض يلازم البيضة فلا يفارقها حتى يخرج منها الفرخ فيتم ما أتيح له القيض. فصيغة التفعيل للجعل مثل طيَّن الجدَار: ومثل أزره، أي ألبسه الإزار، ودرَّعوا الجارية، أي ألبسوها الدرع. وأصله هنا تشبيه أي نجعله كالقَيض له، ثم شاع حتى صار معنى مستقلاً، وقد تقدم في قوله تعالى: { أية : وقيَّضنا لهم قرناء } تفسير : في سورة فصّلت (25) فضُمَّ إليه ما هنا. وأتَى الضمير في {له} مفرداً لأن لكل واحد ممن تحقق فيهم الشرط شيطاناً وليس لجميعهم شيطان واحد ولذلك سيجيء في قوله: { أية : قال يا ليت بيني وبينك } تفسير : [الزخرف: 38] بالإفراد، أي قال كل من له قرين لقرينه. ولم يذكر متعلق فعل {نقيّض} اكتفاءً بدلالة مفعوله وهو {شيطاناً} فعُلم منه أنه مقيض لإضلاله، أي هُمْ أعرضوا عن القرآن لوسوسة الشيطان لهم. وفُرع عن {نقيض} قوله: {فهو له قرين} لأن التقيض كان لأجل مقارنته. ومن الفوائد التي جرت في تفسير هذه الآية ما ذكره صاحب «نَيل الابتهاج بتطريز الديباج» في ترجمة الحفيد محمد بن أحمد بن محمد الشهير بابن مرزوق قال: قال صاحب الترجمة: حضرت مجلس شيخنا ابن عرفة أولَ مجلس حضرتُه فقرأ {ومن يعش عن ذكر الرحمٰن} فقال: قُرِىء {يعشُو} بالرفع و{نُقيض} بالجزم.ووجهها أبُو حيان بكلام ما فهمتُه. وذكر أن في النسخة خللاً وذكر بعض ذلك الكلام. فاهتديتُ إلى تمامه وقلت: يا سيدي معنى ما ذكرَ أن جَزم {نُقَيضْ} بــ {مَن} الموصولة لشبهها بالشرطية لما تضمَّنها من معنى الشرط وإذا كانوا يعاملون الموصول الذي لا يشبه لفظ الشرط بذلك فما يشبه لفظُه لفظَ الشرط أولى بتلك المعاملة. فوافق وفَرح لما أن الإنصاف كان طبعه. وعند ذلك أنكر عليّ جماعة من أهل المجلس وطالبوني بإثبات معاملة الموصول معاملة الشرط فقلت: نصهم على دخول الفاء في خبر الموصول في نحو: الذي يأتيني فله درهم، فنازعوني في ذلك وكنت حديث عهد بحفظ التسهيل فقلت: قال ابن مالك فيما يشبه المسألة «وقد يَجزمه مسبب عن صلة الذي تشبيهاً بجواب الشرط وأنشدت من شواهد المسألة قولَ الشاعر: شعر : كذاك الذي يبغي على النّاس ظالماً تُصبه على رغمٍ عواقب ما صنع تفسير : فجاء الشاهد موافقاً للحال. قال: وكنت في طرف الحَلقة، فصاح ابن عرفة وقال: يا أخي ما بغينا، لعلك ابنُ مرزوق؟ فقلت: عبدكم» انتهى من اغتنام الفرصة. اهــ. وجيء بالجملة المفرعة جملة اسمية للدلالة على الدوام، أي فكان قريناً مقارنة ثابتة دائمة، ولذلك لم يقل: نقيّض له شيطاناً قريناً له. وقدم الجار والمجرور على متعلَّقه في قوله: {له قرين} للاهتمام بضمير {من يَعش عن ذكر الرحمن} أي قرين له مقارنةً تامة. وقرأ الجمهور {نُقيّض} بنون العظمة. وقرأ يعقوب بياء الغائب عائداً ضميره على {الرحمٰن}.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ} تفسير : [فصلت: 25] الآية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ومن يعش عن ذكر الرحمن: أي يعرض متعاميا متغافلاً عن ذكر الرحمن الذي هو القرآن متجاهلاً له. نقيض له شيطاناً: أي نجعل له شيطاناً يلازمه لإِضلاله وإغوائه. فهو له قرين: أي فهو أي من عشا عن ذكر الرحمن قرين للشيطان. وإنهم ليصدُّونهم عن السبيل: أي وإن الشياطين المقارنين لهم ليصدونهم عن طريق الهدى. ويحسبون أنهم مهتدون: أي ويحسب العاشون عن القرآن وحججه وعن ذكر الرحمن وطاعته أنهم مهتدون أي أنهم على الحق والصواب وذلك بتزيين القرين لهم. بعد المشرقين: أي كما بين المشرق والمغرب من البعد قال هذا تبرؤا منه. ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم: أي ولن ينفعكم اليوم أيها العاشون إذ ظلمتم أنفسكم بالشرك والمعاصي. إنكم في العذاب مشتركون: اشتراككم في العذاب غير نافع لكم. أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي: أي إنك يا رسولنا لا تسمع الصم، ولا تهدي العمي والقوم قد أصمهم الله وأعمى أبصارهم لأنهم عشوا عن ذكره. ومن كان في ضلال مبين: أي كما أنك لا تقدر على هداية من كان في ضلال مبين عن الحق والهدى. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في عرض الهداية على الضالّين بالكشف عن أحوالهم واضاءة الطريق لهم قال تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ} أي يعرض متعاميا متغافلا عن ذكر الرحمن الذي هو القرآن وعبادة الرحمن متجاهلا ذلك نقيض له شيطاناً أي نسبب له نتيجة إعراضه شيطاناً ونجعله له قرينا لا يفارقه في الدنيا ولا في الآخرة. فهو له قرين دائما. وقوله تعالى: {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} أي وإن القرناء الذين جعلهم تعالى حسب سنته في الأسباب والمسببات للعاشين عن ذكره يصدونهم بالتزيين والتحسين لكل المعاصي حتى انغمسوا في كل إثم وولغوا في كل باطل وشر، وضلوا عن سبيل الهدى والرشد ومع هذا يحسبون أنهم مهتدون وغيرهم هم الظالمون. وقوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَنَا} أي يوم القيامة قال العاشي عن ذكر الرحمن يا ليت متمنيا بيني وبينك بعد المشرقين أي يتمنى لو أن بينه وبين قرينه من الشياطين من البعد كما بين المشرق والمغرب. قال تعالى لأولئك العاشين ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنفسكم بالشرك والمعاصي في الدنيا أنكم في العذاب مشتركون أي إن اشتراككم في العذاب غير نافع لكم ولا مجد أبداً. وقوله تعالى لرسوله: {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} ينكر تعالى على رسوله ظنه أنه يقدر على هدايتهم وحده بدون إرادة الله تعالى ذلك لهم إذ كان صلى الله عليه وسلم يجتهد في دعائهم، وهم لا يزدادون إلا تعامياً وتجاهلا وكفراً فقال تعالى يخاطب رسوله {أَفَأَنتَ} والاستفهام للانكار تسمع الصم الذين ذهب الله بأسماعهم، أو تهدي العمي الذين ذهب الله بأبصارهم، ومن كان في ضلال مبين عن الحق وسبيل الرشد والهدى إنك لا تقدر على ذلك فهون على نفسك وترفق في دعوتك فإنك لا تكلف غير البلاغ وقد بلغت. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان سنة الله تعالى فيمن يعرض عن ذكر الله فإنه يسبب له شيطانا يضله ويحرمه الهداية أبداً فيقيم على الذنوب والآثام ضالا الطريق المنجى المسعد وهو يحسب أنه مهتدٍ، وهذا يتعرض له المعرضون عن الكتاب والسنة كالمبتدعة وأصحاب الأهواء والشهوات والعياذ بالله تعالى. 2- الاشتراك في العذاب يوم القيامة لا يخففه. 3- بيان أن من أعماه الله وأصمه حسب سنته في ذلك لا هادي له ولا مسمع له ولا مبصر.
القطان
تفسير : ومن يعشُ عن ذكر الرحمن: ومن يعرض عنه، يقال عشا يعشو عشوا: ساء بصره، وعشا الى النار: رآها ليلا فقصدها. وعشى وعشاوة: اصيب بصره بضعف. نقيّض له: نهيئ له. القرين: الرفيق الذي لا يفارق. ذكر الرحمن: القرآن. بُعد المشرقين: يعني المشرق والمغرب، بين المشرق والمغرب. والعرب تسمّي احيانا الشيئين المتقابلين باسم احدهما. كما نقول العُمَران: ابو بكر وعمر، القمران: الشمس والقمر. فإما نذهبنَّ بك: فإن قبضناك وأمتناك. وإنه لذِكر لك ولقومك: ان القرآن شرف لك ولقومك تُذْكَرون به الى الأبد. بعد ان بين الله ان المال متاعُ الدنيا عَرَضٌ زائل، وان نعيم الآخرة هو النعيم الدائم - ذكر هنا أن الذي يهتم بالدنيا ومتاعها ويُعرِض عن القرآن وما جاء به يهيئ له شيطاناً لا يفارقه، وأن شياطين هؤلاء الفئة من البشر يصدّونهم عن السبيل القويم، ويظنون انهم مهتدون. حتى اذا جاء ذلك الرجل يومَ القيامة الى الله ورأى عاقبة إعراضه وكفرِه قال لقرينه نادماً: يا ليت بيني وبينك بُعدَ المشرق والمغرب، فبئس الصاحبُ كنتَ لي، حتى أوقعتني في الهاوية. ثم يقال لهم جميعا: لن يخفَّف العذابُ عنكم اليوم، وكلّكم في العذابِ مشتركون، لا يستطيع أحد منكم ان يساعد الآخر. ثم بين الله تعالى لرسوله الكريم أن دعوته لا تؤثر في قلوبهم، فأنت يا محمد لا تُسمع الصمَّ عن الحق ولا تهدي العميَ عن الاعتبار. ثم سلّى رسوله الكريم وبين له انه لا بدّ أن ينتقم منهم، إما في حياة الرسول او بعد مماته، فان قبضناك يا محمد قبل ان نُريَك عذابَهم، ونشفي بذلك صدرَك وصدورَ قوم مؤمنين فإنا سننتقم منهم في الدنيا والآخرة. {أَوْ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ} مسيطرون. فاعتصِم يا محمد بالقرآن لأنه الحقُّ والنور المبين، واثبُتْ على العمل به، واللهُ معك لأنك على صراطه المستقيم. ان القرآن الذي أوحيناه إليك شرف لك وللعرب، فلقد رفع من شأنهم ونشَر سلطانهم ولغتهم في شرق الأرض وغربها، وكما قال تعالى: {أية : لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [الأنبياء: 10]. وأيّ ذكرٍ اعظم ابها الرسول في شرائع مَنْ أرسلْنا قبلك من رسُلنا، هل جاءت دعوة الناس الى عبادة غيرِ الله؟ ان جميع الرسل جاؤا بالدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريكَ له. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وابو عمرو وحفص: حتى اذا جاءنا بالافراد. والباقون: جاءانا على التثنية.
د. أسعد حومد
تفسير : {شَيْطَاناً} (36) - وَمَنْ يَتَغَافَلْ وَيَتَعَامَ عَنِ القُرْآنِ، وَعَنْ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى، وَيَنْهَمِك فِي المَعَاصِي، وَلَذَّاتِ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا.. فَإِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ عَلَيْهِ شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالجِنِّ فَيَكُونُونَ لَهُ قُرْنَاءَ، يُزَيِّنُونَ لَهُ ارْتِكَابَ المَعَاصِي، وَالاشْتِغَالَ بِاللَّذَّاتِ، فَيَسْتَرْسِلُ فِيهَا فَيَحِقُّ عَلَيْهِ غَضَبُ اللهِ وَعِقَابُهُ. مَنْ يَعْشُ - مَنْ يَتَعَامَ وَيُعْرِضْ وَيَغْفل. نُقَيِّضْ - نَمْنَحْ لَهُ وَنُيَسِّرْ لَهُ.
الثعلبي
تفسير : {وَمَن يَعْشُ} يعرض {عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ} فلم يخف عقابه ولم يرج ثوابه. وقال الضحاك: يمض قدماً. القرظي: يولّ ظهره على ذكر الرّحمن وهو القرآن. أبو عبيدة والأخفش: أي تظلم عينه، الخليل بن أحمد: أصل العشو النظر ببصر ضعيف، وأنشد في معناه: شعر : متى تأته تعشو إلى ضوء ناره تجد خير نار عندها خير موقد تفسير : وروى نوفل بن أبي عقرب عن ابن عباس إنَّه قرأ {وَمَن يَعْشُ} بفتح الشين ومعناه: «من يعم». يقال منه: عشي يعشي عشياً إذا عمي، ورجل أعشى وامرأة عشواء، ومنه قول الأعشى: شعر : رأت رجلا غائب الوافدين مختلف الخلق أعشى ضريرا تفسير : {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً} أي نظمه إليه ونسلّطه عليه {فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} فلا يفارقه. {وَإِنَّهُمْ} يعني الشياطين {لَيَصُدُّونَهُمْ} يعني الكافرين. {عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ * حَتَّىٰ إِذَا جَآءَنَا} قرأ أهل العراق وابن محيص على الواحد يعنون الكافر، واختاره أبو عبيد وقرأ الآخرون {جَآءَنَا} على التشبيه يعنون الكافر وقرينه. {قَالَ} الكافر للشيطان. {يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ} أي المشرق والمغرب، فقلب إسم أحدهما على الآخر، كما قال الشاعر: شعر : أخذنا بآفاق السّماء عليكم لنا قمراها والنجوم الطوالع تفسير : يعني الشمس والقمر، ويقال للغداة والعشي: العصرات، قال حميد بن ثور: شعر : ولن يلبث العصران يوم وليلة إذا طلبا أن يدركا ما تيمما تفسير : وقال آخر: شعر : وبصرة الأزد منا والعراق لنا والموصلان ومنا المصر والحرم تفسير : أراد الموصل والجزيرة، ويقال للكوفة والبصرة: البصرتان، ولأبي بكر وعمر "رضي الله عنهما": العمران، وللسبطين: الحسنان، وقال بعضهم: أراد بالمشرقين، مشرق الصيف ومشرق الشتاء. كقوله تعالى: {أية : رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ}تفسير : [الرحمن: 17]. {فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ} قال أبو سعيد الخدري: إذا بعث الكافر زوج بقرينه من الشيطان فلا يفارقه حتّى يصير إلى النّار. {وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ} في الآخرة {إِذ ظَّلَمْتُمْ} أشركتم في الدّنيا {أَنَّكُمْ فِي ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} يعني لن ينفعكم إشراككم في العذاب لأنّ لكلّ واحد نصيبه الأوفر منه فلا يخفف عنكم العذاب لأجل قرنائكم. وقال مقاتل: لن ينفعكم الإعتذار والندم اليوم لأنّكم أنتم وقرناؤكم مشتركون اليوم في العذاب كما كنتم مشتركين في الكفر. {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} يعني الكافرين الّذين حقّت عليهم كلمة العذاب فلا يؤمنون. {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ} فنميتك قبل أن نعذبهم. {فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِي وَعَدْنَاهُمْ} فنعذبهم في حياتك. {فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ} قال أكثر المفسرين: أراد به المشركين من أهل مكّة فإنتقم منهم يوم بدر، وقال الحسن وقتادة: عني به أهل الإسلام من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقد كان بعد نبي الرحمة نقمة شديدة فأكرم الله نبيه وذهب به، ولم يُره في أمته إلاّ الّذي تقر عينه، وأبقى النقمة بعده، وليس من نبي إلاَّ أُرى في أُمته العقوبة، وذكر لنا إنّ النبي صلى الله عليه وسلم أُري ما يصيب أمته بعده فما رُئيَ ضاحكاً منبسطاً حتّى قبضه الله تعالى. {فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِيۤ أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ} يعني القرآن. {لَذِكْرٌ لَّكَ} لَشرفٌ لك {وَلِقَوْمِكَ} من قريش، نظيره قوله: {أية : لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ}تفسير : [الأنبياء: 10] أي شرفكم. {وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} عن حقّه وأداء شكره. أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري، حدثنا أبو علي بن حبش المقري، حدثنا أبو بكر ابن محمد بن أحمد بن إبراهيم الجوهري، حدثنا عمي، حدثنا سيف بن عمر الكوفي، عن وائل أبي بكر، عن الزهيري، عن عبد الله وعطيه بن الحسن، عن أبي أيوب، عن علي، عن الضحاك، عن ابن عباس. قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل بمكّة، ويعدهم الظهور، فإذا قالوا لمن الملك بعدك، أمسك، فلم يخبرهم بشيء، لأنّه لم يؤمر في ذلك بشيء حتّى نزل {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ}. فكان بعد ذلك إذا سُئل، فقال: لقريش، فلا يجيبونه، وقبلته الأنصار على ذلك. أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري، حدثنا نصر بن منصور بن جعفر النهاوندي، حدثنا أحمد بن يحيى بن الجاورد، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الوليد، عن العمري، عن نافع، عن ابن عمر، إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يزال هذا الامر في قريش ما بقي من النّاس إثنان ". تفسير : أخبرنا عبيد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد الناهد، أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، حدثنا الحسن بن ناصح ومحمد بن يحيى، قالا: حدثنا نعيم بن عماد، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن محمد بن حسن بن مطعم، عن معاوية، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا يزال هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلاَّ كُبّ على وجهه ما أقاموا الدّين ". تفسير : أخبرنا عبيد الله بن محمد الزاهد، أخبرنا أبو العباس السراج، حدثنا إبراهيم بن عبد الرحيم، حدثنا هوذه بن خليفة، حدثنا عوف، عن زياد بن محراق، عن أبي كنانة، عن أبي موسى، قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم على باب البيت وفيه نفرٌ من قريش، فأخذ بعضادي الباب، ثمّ قال: "حديث : هل في البيت إلاَّ قريشي؟" قالوا: لا يارسول الله. إلاّ ابن إخت لنا، قال: "ابن إخت القوم منهم" ثم قال: "لا يزال هذا الأمر في قريش ما داموا إذا حكموا فعدلوا، واسترحموا فرحموا، وعاهدوا فوفوا، فمن لم يفعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ". تفسير : أخبرنا عبيد الله الزاهد، حدثنا أبي العباس السراج، حدثنا إبراهيم بن عبد الرحيم، حدثني موسى بن داود وخالد بن خداش، قالا: حدثنا بُُكير بن عبد العزيز، عن يسار بن سلامة، عن أبي بردة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الأُمراء من قريش، لي عليهم حقّ ولهم عليكم حقّ ما فعلوا ثلاثاً: ما حكموا فعدلوا، وإسترحموا فرحموا، وعاهدوا فوفوا ". تفسير : زاد خالد: «فمن لم يفعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». أخبرنا ابن فنجويه، حدثنا عبيد الله بن محمد بن شنبه، قال: سمعت أبي يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: في قول الله تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} قال: قول الرجل: حدثني أبي، عن جدي. {وَسْئَلْ} يا محمد. {مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ}. اختلف العلماء في هؤلاء المسؤولين. فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي وعطاء بن أبي رياح والحسن والمقاتلان: هم المؤمنون أهل الكتابين، وقالوا: هي في قراءة عبد الله وأبي (وأسئل الّذين أرسلنا إليهم قبلك رسلنا)، وقال ابن جبير وابن زيد: هم الأنبياء الّذين جمعوا له ليلة أُسري به ببيت المقدس. أخبرنا ابن فنجويه حدثنا موسى بن محمد، حدثنا الحسن بن علوية، حدثنا إسماعيل بن عيسى، حدثنا المسيب، قال: قال: أبو جعفر الدمشقي: سمعت الزهري يقول: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم صلى خلفه تلك الليلة كلّ نبي كان أُرسل فقيل للنبي (عليه السلام): {وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ}. أخبرنا الحسين بن محمد الدينوري، حدثنا أبو الفتح محمد بن الحسين بن محمد بن الحسين الأزدي الموصلي، حدثنا عبد الله بن محمد بن غزوان البغدادي. حدثنا علي بن جابر، حدثنا محمد بن خالد بن عبد الله ومحمد بن إسماعيل، قالا: حدثنا محمد بن فضل، عن محمد ابن سوقة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله: صلى الله عليه وسلم: "حديث : أتاني ملك فقال: يامحمد {وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ} على ما بعثوا، قال: قلت: على ما بعثوا، قال: على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب ". تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * فَلَمَّا جَآءَهُم بِآيَاتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ} وبها يستهزؤن ويكذبون. {وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا} قرينتها وصاحبتها الّتي كانت قبلها. {وَأَخَذْنَاهُم بِٱلْعَذَابِ} بالسنين والطوفان والجراد والقُمّل والضفادع والدم. {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَقَالُوا} لما عاينوا العذاب. {يَٰأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ} يا أيّها العالم الكامل الحاذق، وإنَّما قالوا هذا توقيراً وتعظيماً منهم، لأنّ السحر كان عندهم علماً عظيماً وصفة ممدوحه، وقيل: معناه يا أيّها الّذي غلبنا بسحره، كقول العرب: خاصمته فخصمته،ونحوها. ويحتمل إنّهم أرادوا به الساحر على الحقيقة عيّباً منهم إياه، فلم يناقشهم موسى (عليه السلام) في مخاطبتهم إياه بذلك رجاء أن يؤمنوا. {ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ} أي بما أخبرتنا عن عهده إِليكَ إِنَّا إن آمنا كُشف عنا، فاسأله يكشف عنا. {إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ} مؤمنون. {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ} ينقضون عهدهم ويصرّون على كفرهم ويتمارون في غيهم.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : معنى: {يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ} [الزخرف: 36] يعني: يُعرض عنه أو يتعامى ويغفل عنه، ولأنه غفل عن شيء هام لا ينبغي أن يغفل عنه أو يعرض يعاقبه الله {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً} [الزخرف: 36] نعد له شيطاناً ونهيء له شيطاناً {فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36] يعني: ملازم له يضله ويوسوس له. قلنا: لأن الحق سبحانه الغني عن خَلْقه، وهو ربّ المؤمن وربّ الكافر، لذلك يُعين كلاً على ما يريد، فمَنْ أراد الهداية أعانه عليها وزاده منها، ومَنْ أراد الكفر ختم على قلبه بحيث لا يدخله إيمان ولا يخرج منه الكفر، لذلك أتَى هنا بصفة (الرحمن). لذلك أكثر ما يجيء الشيطان للإنسان وقت الصلاة ليفسد عليه علاقته بربه، قلنا: إنه يأتي المسجد ولا يأتي الخمارة، لذلك قال كما حكى عنه القرآن: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الأعراف: 16]. ذكرنا قصة الرجل الذي وضع مالاً في مكان ما، ثم نسيه، فقال له صديقه: اذهب إلى أبي حنيفة فعنده مَخْرج لكل المسائل، لأنني ذهبتُ إليه استفتيتُه في طلاق زوجتي لأنني قلت لها وهي على السُّلم: أنت طالق إنْ نزلتِ، وطالق إنْ صعدت، فقال له أبو حنيفة: قُلْ لها تُلقي بنفسها من على السُّلم. المهم ذهب صاحبنا إلى أبي حنيفة وقال له: لقد وضعتُ مالاً في مكان كذا، ونسيتُ موضعه، فماذا أفعل؟ قال أبو حنيفة: ليس في هذا علم، لكنّي سأحتال لك: إذا جاء الليل اذهب وصَلِّ لله ركعتين لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر يُهرع إلى الصلاة. وفعلاً ذهب الرجل، وهو في صلاته جاءه الشيطان يُوسوس إليه بمكان المال حتى ذكَّره به، وفي الصباح قابل الرجلُ أبا حنيفة وقصَّ عليه ما حدث، فضحك أبو حنيفة وقال: والله لقد علمتُ أنه لنْ يدعم تُتم ليلتك مع ربك، فهلا أتممتها شُكراً لله؟ قال: سأفعل إن شاء الله.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ} يَعمى عَنه. وقوله تعالى: {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً} معناه نُهيئءُ لَهُ {فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} معناه صَاحبٌ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن عقوبته البليغة، لمن أعرض عن ذكره، فقال: { وَمَنْ يَعْشُ } أي: يعرض ويصد { عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ } الذي هو القرآن العظيم، الذي هو أعظم رحمة رحم بها الرحمن عباده، فمن قبلها، فقد قبل خير المواهب، وفاز بأعظم المطالب والرغائب، ومن أعرض عنها وردها، فقد خاب وخسر خسارة لا يسعد بعدها أبدا، وقيَّض له الرحمن شيطانا مريدا، يقارنه ويصاحبه، ويعده ويمنيه، ويؤزه إلى المعاصي أزا، { وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ } أي: الصراط المستقيم، والدين القويم. { وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ } بسبب تزيين الشيطان للباطل وتحسينه له، وإعراضهم عن الحق، فاجتمع هذا وهذا. فإن قيل: فهل لهذا من عذر، من حيث إنه ظن أنه مهتد، وليس كذلك؟ قيل: لا عذر لهذا وأمثاله، الذين مصدر جهلهم الإعراض عن ذكر اللّه، مع تمكنهم على الاهتداء، فزهدوا في الهدى مع القدرة عليه، ورغبوا في الباطل، فالذنب ذنبهم، والجرم جرمهم. فهذه حالة هذا المعرض عن ذكر اللّه في الدنيا، مع قرينه، وهو الضلال والغيّ، وانقلاب الحقائق. وأما حاله، إذا جاء ربه في الآخرة، فهو شر الأحوال، وهو: إظهار الندم والتحسر، والحزن الذي لا يجبر مصابه، والتبرِّي من قرينه، ولهذا قال تعالى: { حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ }. كما في قوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإنْسَانِ خَذُولا }. تفسير : وقوله تعالى: { وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ } أي: ولا ينفعكم يوم القيامة اشتراككم في العذاب، أنتم وقرناؤكم وأخلاؤكم، وذلك لأنكم اشتركتم في الظلم، فاشتركتم في عقابه وعذابه. ولن ينفعكم أيضا، روح التسلي في المصيبة، فإن المصيبة إذا وقعت في الدنيا، واشترك فيها المعاقبون، هان عليهم بعض الهون، وتسلَّى بعضهم ببعض، وأما مصيبة الآخرة، فإنها جمعت كل عقاب، ما فيه أدنى راحة، حتى ولا هذه الراحة. نسألك يا ربنا العافية، وأن تريحنا برحمتك.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 878 : 8 : 13 - سفين في قراءة عبد الله {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً}. [الآية 36].
همام الصنعاني
تفسير : 2767- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن سعيد الجُرَيْري، في قوله تعالى: {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً}: [الآية: 36]، قال: بَلَغَنَا أَنَّ الكافِرَ إذا بعث يوم القيامة من قبره، (سفع) بيده شيطان، فلا يفارقه حتى يصيرهما الله إلى النَّارِ، فذلك حيث يقول: {يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ}: [الآية: 38]، وأَمَّا المؤمِنُ فيوكل به مَلَكٌ، فهو معه، حَتَّى قَالَ: إنما يقضي بين الناس، أو يصثير إلى مَا شَاء اللهُ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):