٤٣ - ٱلْزُّخْرُف
43 - Az-Zukhruf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
40
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما وصفهم في الآية المتقدمة بالعشي وصفهم في هذه الآية بالصمم والعمى وما أحسن هذا الترتيب، وذلك لأن الإنسان في أول اشتغاله بطلب الدنيا يكون كمن حصل بعينه رمد ضعيف، ثم كلما كان اشتغاله بتلك الأعمال أكثركان ميله إلى الجسمانيات أشد وإعراضه عن الروحانيات أكمل، لما ثبت في علوم العقل أن كثرة الأفعال توجب حصول الملكات الراسخة فينتقل الإنسان من الرمد إلى أن يصير أعشى فإذا واظب على تلك الحالة أياماً أخرى انتقل من كونه أعشى إلى كونه أعمى، فهذا ترتيب حسن موافق لما ثبت بالبراهين اليقينية، روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في دعاء قومه وهم لا يزيدون إلا تصميماً على الكفر وتمادياً في الغي، فقال تعالى: {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ } يعني أنهم بلغوا في النفرة عنك وعن دينك إلى حيث إذا أسمعتهم القرآن كانوا كالأصم، وإذا أريتهم المعجزات كانوا كالأعمى، ثم بيّن تعالى أن صممهم وعماهم إنما كان بسبب كونهم في ضلال مبين. ولما بيّن تعالى أن دعوته لا تؤثر في قلوبهم قال: {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ } يريد حصول الموت قبل نزول النقمة بهم {فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ } بعدك أو نرينك في حياتك ما وعدناهم من الذل والقتل فإنا مقتدرون على ذلك، واعلم أن هذا الكلام يفيد كمال التسلية للرسول عليه السلام لأنه تعالى بيّن أنهم لا تؤثر فيهم دعوته واليأس إحدى الراحتين، ثم بيّن أنه لا بد وأن ينتقم لأجله متهم إما حال حياته أو بعد وفاته، وذلك أيضاً يوجب التسلية، فبعد هذا أمره أن يستمسك بما أمره تعالى، فقال: {فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِى أُوحِىَ إِلَيْكَ } بأن تعتقد أنه حق وبأن تعمل بموجبه فإنه الصراط المستقيم الذي لا يميل عنه إلا ضال في الدين. ولما بيّن تأثير التمسك بهذا الدين في منافع الدين بيّن أيضاً تأثيره في منافع الدنيا فقال: {وإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } أي إنه يوجب الشرف العظيم لك ولقومك حيث يقال إن هذا الكتاب العظيم أنزله الله على رجل من قوم هؤلاء، واعلم أن هذه الآية تدل على أن الإنسان لا بد وأن يكون عظيم الرغبة في الثناء الحسن والذكر الجميل، ولو لم يكن الذكر الجميل أمراً مرغوباً فيه لما منَّ الله به على محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } ولما طلبه إبراهيم عليه السلام حيث قال: { أية : وَٱجْعَل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلأَخِرِينَ } تفسير : [الشعراء: 84] ولأن الذكر الجميل قائم مقام الحياة الشريفة، بل الذكر أفضل من الحياة لأن أثر الحياة لا يحصل إلا في مسكن ذلك الحي، أما أثر الذكر الجميل فإنه يحصل في كل مكان وفي كل زمان. ثم قال تعالى: {وَسَوْفَ تُسْـئَلُونَ } وفيه وجوه الأول: قال الكلبي تسألون هل أديتم شكر إنعامنا عليكم بهذا الذكر الجميل الثاني: قال مقاتل المراد أن من كذب به يسأل لم كذبه، فيسأل سؤال توبيخ الثالث: تسألون هل عملتم بما دل عليه من التكاليف، واعلم أن السبب الأقوى في إنكار الكفار لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم ولبغضهم له أنه كان ينكر عبادة الأصنام، فبيّن تعالى أن إنكار عبادة الأصنام ليس من خواص دين محمد صلى الله عليه وسلم، بل كل الأنبياء والرسل كانوا مطبقين على إنكاره فقال: {وَاسْئلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ } وفيه أقوال الأول: معناه واسأل مؤمني أهل الكتاب أي أهل التوراة والإنجيل فإنهم سيخبرونك أنه لم يرد في دين أحد من الأنبياء عبادة الأصنام، وإذا كان هذا الأمر متفقاً عليه بين كل الأنبياء والرسل وجب أن لا يجعلوه سبباً لبغض محمد صلى الله عليه وسلم. والقول الثاني: قال عطاء عن ابن عباس « لما أسرى به صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى بعث الله له آدم وجميع المرسلين من ولده، فأذن جبريل ثم أقام فقال: يا محمد تقدم فصل بهم فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة قال له جبريل عليه السلام واسأل يا محمد من أرسلنا من قبلك من رسلنا الآية، فقال صلى الله عليه وسلم:« حديث : لا أسأل لأني لست شاكاً فيه ». تفسير : والقول الثالث: أن ذكر السؤال في موضع لا يمكن السؤال فيه يكون المراد منه النظر والاستدلال، كقول من قال: سل الأرض من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك، فإنها إن لم تجبك جواباً أجابتك اعتباراً، فههنا سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء الذين كانوا قبله ممتنع، فكان المراد منه انظر في هذه المسألة بعقلك وتدبر فيها بفهمك، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ} يا محمد {وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي ليس لك ذلك فلا يضيق صدرك إن كفروا؛ ففيه تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم. وفيه ردّ على القدرية وغيرهم، وأن الهدى والرشد والخذلان في القلب خَلْقُ الله تعالى، يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ وَمَن كَانَ فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ } بيّن؟ أي فهم لا يؤمنون.
ابن عطية
تفسير : لما ذكر تعالى حال الكفرة في الآخرة وما يقال لهم وهم في العذاب، اقتضى ذلك أن تشفق النفوس، وأن ينظر كل سامع لنفسه ويسعى في خلاصها، فلما كانت قريش مع هذا الذي سمعت لم تزل عن عتوها وإعراضها عن أمر الله، رجعت المخاطبة إلى محمد عليه السلام على جهة التسلية له عنهم وشبههم بـ {الصم} و {العمي}، إذ كانت حواسهم لا تفيد شيئاً. وقوله: {ومن كان في ضلال مبين} يريد بذلك قريشاً بأنفسهم، ولذلك لم يقل: "من كان" بل جاء بالواو العاطفة، كأنه يقول: وهؤلاء، ويؤيد ذلك أيضاً عود الضمير عليهم في قوله: {فإنا منهم} ولم يجر لهم ذكر إلا في قوله: {ومن كان}. وقوله تعالى: {فإما نذهبن بك} الآية تتضمن وعيداً واقعاً، وذهب جمهور العلماء إلى أن المتوعدين هم الكفار، وأن الله تعالى أرى نبيه الذي توعدهم في بدر والفتح وغير ذلك، وذهب الحسن وقتادة إلى أن المتوعدين هم في هذه الأمة، وأن الله تعالى أكرم نبيه على أن ينتقم منهم بحضرته وفي حياته، فوقعت النقمة منهم بعد أن ذهب به، وذلك في الفتن الحادثة في صدر الإسلام مع الخوارج وغيرهم، قال الحسن وقتادة: أكرم الله نبيه على أن يرى في أمته ما يكره كما رأى الأنبياء، فكانت بعد ذهابه صلى الله عليه وسلم، وقد روي حديث عن جابر بن عبد الله أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: {فإنا منهم منتقمون} فقال: بعلي بن أبي طالب والقول الأول من توعد الكفار أكثر، ثم أمر تعالى نبيه بالتمسك بما جاء من عند الله من الوحي المتلو وغيره. والصراط: الطريق. وقرأ الجمهور: "أوحيَ" على بناء الفعل للمفعول. وقرأ الضحاك: "أوحى" على الفعل المبني للفاعل، أي أوحى الله. وقوله: {وإنه لذكر لك} يحتمل أن يريد وإنه لشرف وحمد في الدنيا. والقوم: على هذا قريش ثم العرب، وهذا قول ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي وابن زيد. قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل، فإذا قالوا له: فلمن يكون الأمر بعدك؟ سكت حتى نزلت هذه الآية، فكان إذا سئل بعد ذلك، قال لقريش، فكانت العرب لا تقبل على ذلك حتى قبلته الأنصار وروي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يزال الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان" تفسير : وروى أبو موسى الأشعري عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يزال الأمر في قريش ما زالوا، إذ حكوا عدلوا، وإذا استرحموا رحموا، وإذا عاهدوا وفوا، فمن لم يفعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين". تفسير : وروى معاوية أنه عليه السلام قال: "حديث : لا يزال هذا الأمر في قريش ما أقاموا الدين". تفسير : ويحتمل أن يريد وإنه لتذكرة وموعظة، فـ "القوم" على هذا أمة بأجمعها، وهذا قول الحسن بن أبي الحسن، وقوله: {وسوف تسئلون} قال ابن عباس وغيره معناه: عن أوامر القرآن ونواهيه: وقال الحسن بن أبي الحسن معناه: عن شكر النعمة فيه، واللفظ يحتمل هذا كله ويعمه. واختلف المفسرون في المراد بالسؤال في قوله: {وسئل من أرسلنا} فقالت فرقة، أراد: أن اسأل جبريل، ذكر ذلك النقاش، وفيه بعد. وقال ابن زيد وابن جبير والزهري، أراد: واسأل الرسل إذا لقيتهم ليلة الإسراء، أما أن النبي عليه السلام لم يسأل الرسل ليلة الإسراء عن هذا، لأنه كان أثبت يقيناً من ذلك ولم يكن في شك. وقالت فرقة، أراد: واسألني، أو واسألنا عمن أرسلنا، والأولى على هذا التأويل أن يكون: {من أرسلنا} استفهاماً أمره أن يسأل له، كأن سؤاله: يا رب من أرسلت قبلي من رسلك؟ أجعلت في رسالته الأمر بآلهة يعبدون؟ ثم ساق السؤال محكي المعنى، فرد المخاطبة إلى محمد عليه السلام في قوله: {من قبلك}. وقال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسدي وعطاء، أراد: وسل تباع من أرسلنا وحملة شرائعهم، لأن المفهوم أنه لا سبيل إلى سؤاله الرسل إلا بالنظر في آثارهم وكتبهم وسؤال من حفظها. وفي قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب: "وسئل الذين أرسلنا إليهم رسلنا"، فهذه القراءة تؤيد هذا المعنى، وكذلك قوله: {أية : وسئل القرية} تفسير : [يوسف: 82] مفهوم إنه لا يسأل إلا أهلها، ومما ينظر إلى هذا المعنى قوله تعالى: {أية : فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} تفسير : [النساء: 59] فمفهوم أن الرد إنما هو إلى كتاب الله وسنة رسوله، وأن المحاور في ذلك إنما هم تباعهم وحفظة الشرع. وقوله: {يعبدون} أخرج ضميرهم على حد من يعقل مراعاة للفظ الآلهة.
الخازن
تفسير : {أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين} يعني الكافرين الذين حقت عليهم كلمة العذاب أنهم لا يؤمنون. قوله عز وجل: {فإما نذهبن بك} أي بأن نميتك قبل أن نعذبهم {فإنا منهم منتقمون} أي بالقتل بعدك {أو نرينك} أي في حياتك {الذي وعدناهم} أي من العذاب {فإنا عليهم مقتدرون} أي قادرون على ذلك متى شئنا عذبناهم، وأراد به مشركي مكة وقد انتقم منهم يوم بدر وهذا يفيد التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه وعده الانتقام له منهم إما حال حياته أو بعد وفاته، وهذا قول أكثر المفسرين وقيل عني به ما يكون في أمته وقد كان بعد النبي صلى الله عليه وسلم نقمة شديدة في أمته ولكن أكرم الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم وذهب به ولم يره في أمته إلا الذي تقربه عينه وأبقى النقمة بعده وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أري ما يصيب أمته بعده فما رئي ضاحكاً منبسطاً حتى قبضه الله تعالى: {فاستمسك بالذي أوحي إليك} يعني القرآن {إنك على صراط مستقيم} أي على دين مستقيم لا يميل عنه إلا الضال {وإنه} يعني القرآن {لذكر} أي لشرف عظيم {لك ولقومك وسوف تسألون} يعني عن حقه وأداء شكره وروى ابن عباس "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سئل لمن هذا الأمر بعدك لم يخبر بشيء حتى نزلت هذه الآية فكان بعد ذلك إذا سئل قال لقريش" تفسير : (ق). عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان" تفسير : (خ) عن معاوية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا أكبه الله تعالى على وجهه ما أقاموا الدين"تفسير : وقيل القوم هم العرب والقرآن لهم شرف إذ نزل بلغتهم ثم يختص بذلك الشرف الأخص فالأخص من العرب حتى يكون الأكثر لقريش ولبني هاشم، وقيل ذكر لك أي ذلك شرف لك بما أعطاك الله من النبوة والحكمة ولقومك يعني المؤمنين بما هداهم الله تعالى به وسوف تسألون عن القرآن وعما يلزمكم من القيام بحقه.
البقاعي
تفسير : ولما كان صلى الله عليه وسلم شديد الإرادة لإقبالهم يكاد يقتل نفسه أسفاً إدبارهم، وكان هذا الزجر الذي لا يسمعه من له أدنى عقل إلا خلع قلبه فرجع عن غيه وراجع رشده قد تلا عليهم فلم ينتفعوا به، فكان كأنه قيل: إن هؤلاء لصم عمي محيط بهم الضلال إحاطة لا يكادون ينفكون عنه من كل جانب، فلا وصول لأحد إلى إسماعهم ولا تبصيرهم ولا هدايتهم، قال بانياً عليه مسبباً عنه تخفيفاً على النبي صلى الله عليه وسلم فيما يقاسي من الكرب في المبالغة في إبلاغهم حرصاً على إقبالهم والغم من إعراضهم بهمزة الإنكار الدالة على نفي ما سيقت له: {أفأنت} أي وحدك من غير إرادة الله تعالى {تسمع الصم} وقد أصممناهم بما صببنا في مسامع أفهامهم من رصاص الشقاء {أو تهدي العمي} الذين أعميناهم بما غشينا به أبصار بصائرهم من أغشية البلادة والخسارة، فصار ما اختارون لأنفهسم من العشى عمياً مقروناً بصممهم {ومن كان} أي جبلة وطبعاً {في ضلال مبين} أي بين في نفسه أن ضال وأنه محيط بالضلال مظهر لكل أحد ذلك، فهو بحيث لا يخفى على أحد، فالمعنى: ليس شيء من ذلك إليك، بل هو إلى الله القادر على كل شيء، وأما أنت فليس عليك إلا البلاغ. ولما كان هذا كالمؤيس منهم، وكان اليأس من صلاح الخصم موجباً لتمني الراحة منه بموت أحدهما، سبب عن التقديرين قوله مبيناً أن الإملاء لهم ليس لعجز عنهم ولا لإخلاف في الوعد، مؤكداً بالنون و "ما" ثم "أنا" والاسمية لمن يظن خلاف ذلك، ولأنه صلى الله عليه وسلم مشرف عنده سبحانه وتعالى معظم لديه فذهابه به مما يستبعد، ومن حقه أن ينكر، وكذا إراءته ما توعدهم به لأن المظنون إكرامهم لأجله: {فإما نذهبن بك} أي من بين أظهرهم بموت أو غيره {فإنا منهم} أي الذين تقدم التعريض بأنهم صم عمي ضلال لأنهم لن تنفعهم مشاعرهم {منتقمون} أي بعد فراقك لأن وجودك بين أظهرهم هو سبب تأخير العذاب عنهم {أو نرينك} وأنت بينهم {الذي وعدناهم} أي من العذاب وعبر فيه بالوعد ليدل على الخير بلفظه وعلى الشر بأسلوبه فيعم {فإنا} بما تعلم من عظمتنا التي أنت أعلم الخلق بهم {عليهم مقتدرون} على كلا التقديرين، وأكد بـ"أن" لأن أفعالهم أفعال من ينكر قدرته، وكذا بالإتيان بنون العظمة وصيغة الافتعال، وأحد هذين التقديرين سبق العلم الأزلي بأنه لا يكون، فالآية من أدلة القدرة على المحال لغيره وهي كثيرة جداً، وقد أكرم الله نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم عن أن يريه شيئاً يكرهه في أمته حتى قبض. ولما أوقف سبحانه السامع بهاتين الشرطيتين بين الخوف والرجاء لبيان الاستبداد بعلم الغيب تغليباً للخوف، وأفهم السياق وإن كان شرطاً أن الانتقام منهم أمر لا بد منه، وأنه لا قدرة لأحد على ضرهم ولا نفعهم إلا الله، سبب عنه قوله: {فاستمسك} أي أطلب وأوجد بجد عظيم على كل حال الإمساك {بالذي أوحي إليك} من حين نبوتك وإلى الآن في الانتقام منهم وفي غيره. ولما كان المقام لكثرة المخالف محتاجاً إلى تأكيد يطيب خواطر الأتباع ويحملهم على حسن الاتباع، علل ذلك بقوله: {إنك على صراط} أي طريق واسع واضح جداً: {مستقيم} موصل إلى المقصود لا يصح أصلاً أن يلحقه شيء من عوج، فإذا فعلت ذلك لم يضرك شيء من نقمتهم. ولما أثبت حسنه في نفسه المتقضي للزومه، عطف عليه نفعه لهم. وأكد لإنكارهم فقال: {وإنه} أي الذي أوحى إليك في الدنيا {لذكر} أي شرف عظيم جداً وموعظة وبيان، عبر عن الشرف بالذكر للتنبيه على أن سببه الإقبال على الذكر وعلى ما بينه وشرعه والاستمساك به والاعتناء بشأنه: {لك ولقومك} قريش خصوصاً والعرب عموماً وسائر من اتبعك ولو كان من غيرهم من جهة نزوله على واحد منهم وبلسانهم، فكان سائر الناس تبعاً لهم ومن جهة إيراثه الطريقة الحسنى والعلوم الزاكية الواسعة وتأثيره الظهور على جميع الطوائف والإمامة لقريش بالخصوص كما قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي في الناس اثنان ما أقاموا الدين"تفسير : فمن أقام هذا الدين كان شريفاً مذكوراً في ملكوت السماوات والأرض، قال ابن الجوزي: وقد روى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سئل: لمن هذا الأمر، من بعدك، لم يخبر بشيء حتى نزلت هذه الآية، فكان بعد ذلك إذا سئل قال: لقريش - وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم فهم من هذا أنه يلي على المسلمين بحكم النبوة وشرف القرآن، وأن قومه يخلفونه من بعده في الولاية بشرف القرآن الذي أنزل على رجل منهم - انتهى. ولما كان التقدير: فسوف تشرفون على سائر الملوك وتعلمون، عطف عليه قوله: {وسوف تسألون} أي تصيرون في سائر أنواع العلم محط رحال السائلين دنياً ودنيا بحيث يسألكم جميع أهل الأرض من أهل الكتاب ومن غيرهم عما يهمهم من أمر دينهم ودنياهم لما يعتقدون من أنه لا يوازيكم أحد في العلم بعد أن كنتم عندهم أحقر الأمم ضعفاً وجهلاً كما وقع لبني إسرائيل حيث رفعهم الله، وكان ذلك أبعد الأشياء عند فرعون وآله، ولذلك كانوا يتضاحكون استهزاء بتلك الآيات وينسبون الآتي بها إلى ما لا يليق بمنصبه العالي من المحالات، وتسألون عن حقه وأداء شكره وكيف كنتم في العمل به والاستجابة له، وهذا بوعد صادق لا خلف فيه أصلاً. ولما أبطل سبحانه إلهية غيره التي أدى إليها الجهل، واستمر إلى أن ختم بالعلم الموجب لمعرفة الحق، فكان التقدير إبطالاً لشبهتهم الوهمية القائلة {لو شاء الرحمن ما عبدناهم}: فاستحضر جميع ما أوحى إليك وتأمله غاية التأمل، هل ترى فيه خفاء في الإلهية لشيء دون الله، عطف عليه قوله نفياً لدليل سمعي كما أشير إليه بقوله {أم آتيناهم كتاباً} {واسأل من أرسلنا} أي على ما لنا من العظمة. ولما كان الممكن تعرفه من آثار الرسل إنما هو لموسى وعيسى ومن بينهما من أنبياء بني إسرائيل عليهم الصلاة والسلام الحافظ لسنتهم من التوراة والإنجيل والزبور وسفر الأنبياء، قال مثبتاً للجار المفهم لبعض الزمان: {من قبلك}. ولما كان أتباعهم قد غيروا وبدلوا فلم تكن بهم ثقة، عبر بالرسل فقال: {من رسلنا} أي بقراءة أتباعهم لكتبهم التي حرفوا بعضها، وجعلت كتابك مهيمنا عليها فإنهم إذا قرؤوها بين يديك وعرضوها عليك علمت معانيها وفضحت تحريفهم وبينت اتفاق الكتب كلها برد ما ألبس عليهم من متشابهها إلى محكمها، فالمراد من هذا نحو المراد من آية يونس{أية : فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك}تفسير : [رقم: 94] ومن آية الأنبياء {أية : هذا ذكر من معي وذكر من قبلي}تفسير : [رقم: 24] مع زيادة الإشارة إلى تحريفهم، فالمسؤول في الحقيقة القرآن المعجز على لسان الرسول الذي شهدت له جميع الرسل الذين أخذ عليهم العهد بالإيمان به والمتابعة له، وبهذا التقرير ظهر ضعف قول من قال: إن المراد سؤال الرسل حقيقة لما جمعوا له صلى الله عليه وسلم في بيت المقدس ليلة الإسراء، فإنه ليس المراد من هذا إلا تبكيت الكفار من العرب وممن عزهم من أهل الكتاب بقولهم: دينكم خير من دينه وأنتم أهدى سبيلاً منه، فإنهم إذا أحضروا كتبهم علمت دلالتها القطعية على اختصاصه سبحانه بالعبادة كما بينته في كتابي هذا يرد المتشابه منها إلى المحكم، وجعلها ابن جرير مثل قوله تعالى {أية : فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر}تفسير : [النساء: 59] وقال: ومعلوم أن معنى ذلك: فردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، قال: فاستغنى بذكر الرسل عن ذكر الكتب. وهو عين ما قلته، ولو كان المراد حقيقة السؤال وسؤال جميع الرسل لقال "قبلك" بإسقاط "من" ليستغرق الكل - والله أعلم. ولما ذكر المسؤول مفخماً له بما اقتضته العبارة من الإرسال والإضافة إليه، ذكر المسؤول عنه بقوله تعالى: {أجعلنا} أي أبحنا وأمرنا ورضينا على ما لنا من العظمة والقدرة التامة، مما ينافي ذلك، وقرر حقارة ما سواه بقوله: {من دون} وزاد بقوله: {الرحمن} أي الذي رحمته عمت جميع الموجودات {آلهة} ولما كان قد جعل لكل قوم وجهة يتوجهون في عبادتهم إلهاً، وشيئاً محسوساً بغلبة الأوهام على الأفهام يشهدونه وكان ربما تعنت به متعنت، قال محترزاً: {يعبدون} أي من عابد ما بوجه ما. ولما كان المترفون مولعين بأن يزدروا من جاءهم بالرد عن أغراضهم الفاسدة بنوع من الازدراء كما قال كفار قريش {لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} ولا يزالون يردون هذا وأمثاله من الضلال حتى يقهرهم ذو الجلال بما أتتهم به رسله إما بإهلاكهم أو غيره وإن كانوا في غاية القوة، أورد سبحانه قصة موسى عليه الصلاة والسلام شاهدة على ذلك بما قال فرعون لموسى عليه الصلاة والسلام من نحو ذلك ومن إهلاكه على قوته وإنجاء بني إسرائيل على ضعفهم، وتسلية للنبي صلى عليه وسلم وترجية.
القشيري
تفسير : هذا الاستفهام فيه معنى النفي؛ أي أنه ليس يمكنُكَ هدايةَ مَنْ سَدَدْنا بصيرته، ولبَّسْنا عليه رُشْدَه، ومَنْ صَببْنا في مسامع فَهمه رصاصَ الشقاء والحرمان... فكيف يمكنك إسْمَاعه؟!
اسماعيل حقي
تفسير : {افأنت تسمع الصم} اى من فقد سمع القلوب {او تهدى العمى} من فقد البصائر جمع اصم وأعمى وبالفاسية آياتو اى محمد سخن حق توانى شنوانيد آنانراكه كوش دل كرانت يا كوردا لانرا طريق حق توانى نمود بشير الى ان من سددنا بصيرته ولبسنا عليه رشده ومن صبينا فى مسامع قلبه رصاص الشقاء والحرمان لا يمكنك يامحمد مع كمال نبوتك هدايته واسماعه من غير عنايتنا السابقة ورعايتنا اللاحقة كان عليه الصلاة والسلام يتعب نفسه فى دعاء قومه وهم لا يزيدون الاغيار وتعاميا عما يشاهدونه من شواهد النبوة وتصاما عما يسمعونه من بينات القرآن فنزلت وهو انكار تعجيب من ان يكون هو الذى يقدر على هدايتهم بعد تمرنهم على الكفر واستغراقهم فى الضلال بحيث صار عشاهم عمى مقرونا بالصمم فنزل منزلة من يدعى انه قادر على ذلك لاصراره على دعائهم قائلا انا اسمع واهدى على قصد تقوى الحكم لا التخصيص فعجب تعالى منه قال ابن الشيخ وما احسن هذا الترتيب فان الانسان لاشتغاله بطلب الدنيا والميل الى الحظوظ الجسمانية يكون كمن بعينه رمد ضعيف ثم انه كلما ازداد اشتداده بها واشتد اعراضه عن النعيم الروحانى ازداد رمده فينتقل من ان يكون اعشى الى ان يكون اعمى {ومن كان فى ضلال مبين} لا يخفى على احداى ومن كان فى علم الله انه يموت على الضلالة وبالفارسية وانراكه هست دركمراهى هويدا يعنى توقادر نيستى بر هدايت كمراهان بس بسيار تعب بر نفس خودمنه. وهو عطف على العمى باعتبار تغاير الوصفين ومدار الانكار هو التمكن والاستقرار فى الضلال المفرط بحيث لاارعوامله عنه لا توهم القصور من قبل الهادى ففيه رمز الى انه لا يقدر على ذلك الا الله وحده بالقسر والالجاء يعنى لا يقدر على اسماع الصم وهداية العمى وجعل الكافر مؤمنا الا الله وحده لعظم قدرته واحاطة تعلقها بكل مقدور (ع) آن به كه كار خود بعنايت رها كنيم
الجنابذي
تفسير : {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ} يعنى اذا كان الله يمدّ العمى ويقيّض له شيطاناً فهل انت تقدر ان تسمع الصّمّ {أَوْ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} عطف عطف السّبب على المسبّب والمجمل على المفصّل.
الهواري
تفسير : قوله: {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ} يعني النبي عليه السلام {تُسْمِعُ الصُّمَّ} أي عن الهدى {أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ} أي: عن الهدى {وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}، يقوله على الاستفهام، أي: إنك لا تسمعهم ولا تهديهم، يعني من لا يؤمن. قوله: {فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ} أي: نتوفَّينك {فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ}. ذكروا عن الحسن قال: كانت بعده نقمة شديدة؛ أكرم الله نبيّه من أن يريه ما كان من النقمة في أمته بعده. قال بعضهم: وقد أنزل الله آية في المشركين: (أية : فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ) تفسير : [غافر:77] وأشباه ذلك مما أوعدهم الله من العذاب، فكان بعض ذلك يوم بدر وبعده، وبعضه يكون مع قيام الساعة بالنفخة الأولى، بها يكون هلاك كفار آخر هذه الأمة. قال: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ} أي القرآن {إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} وهو الإسلام، أي: الطريق إلى الجنة. قال: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} يعني القرآن شرف لكي ولقومك، يعني قريشاً. تفسير الحسن: أن يذكروا به الحلال والحرام والأحكام فيعلمون ما يحلّون وما يحرّمون. {وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} يوم القيامة، أي: أستمسكتم بهذا الدين أم ضيّعتموه. وقال بعضهم: تسألون عن أداء شكره. وقال بعضهم: عما وليتم من أمر هذه الأمة. ذكروا عن الحسن وعن سليمان ابن يسار أن عمر بن الخطاب قال: لو ضاع شيء بشاطىء الفرات لخشيت أن يسألني الله عنه. ذكروا عن الزهري أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : قدِّموا قريشاً ولا تتقدّموها، وتعلَّموا منها ولا تُعَلِّموها . تفسير : ذكروا عن أبي هريرة قال قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : الناس في هذا الأمر تبع لقريش .
اطفيش
تفسير : {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ} مضارع اسمع {الصُّمَّ} جمع أصم وهو من لا يسمع مفعول أول والثاني محذوف أى الكلام {أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ} جمع أعمى. قال في الخلاصة فعل لنحو أحمر وحمراء واسماع الصم اما كناية عن هداية الضال والاسماع والصم على حقيقتهما واما استعارة عنها واما العمى فاستعارة لا غير لا كناية لان كناية الاعمى في وجهه تمكن هدايته بأن تأخذ بيده وتوصله لموضع أراد لا ان أراد بهدايته أن يجعل له بصراً يهتدي به فتصح الكناية أيضاً وما صدق الجملتين واحد انك لا تقدر أن ترشد من ليس أهلاً للارشاد ولا حاجة أن تقول المراد لا تقدر على ارشادهم قهراً واجباراً وذلك الانكار تعجبي كأنه قال تعجبوا أيها الناس من هذا الذي يريد اسماع الصم وهداية العمى وفي الآية اشارة الى توغلهم في الكفر لا تقدر على هداية من استغرق في الضلال بأن صار غشاءه مقروناً بالصم ووصفه الله أيضاً بالعمى* {وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} واضح* والعطف على الصم أو العمى تفسيرى أو اعتبر فيه تغاير الوصفين مفهوماً والمراد بالوصفين الضلال مع العمى أو الصمم و {مَن} موصولة وأشار بهذا الى أن الموجب لذلك الذي هو بعد هدايته لهم تمكنهم في الضلال وفي ذلك كله تقنيط من ايمانهم
اطفيش
تفسير : {أفأنت} ألك قدرة تامة فأنت {تسمع الصم} تصيره سامعا {أو تَهدي العُمي} تصيره بصيراً يهتدى ببصره، والصمم والعمى على حقيقتهما هنا {ومن كان فى ضلال مُبينٍ} كما لا تقدر على اسماع الأصم، وابصار الأعمى، لا تقدر على هداية هؤلاء المستغرقين فى الضلال، الشبيهين بمن اجتمع له الصمم والعمى، والعطف على العمى، فالاستفهام الانكارى التعجيبى فى قوله: {أفأنت} منسحب على هداية من رسخ فى الضلال لا يقدر على ذلك الا الله وهو قد خذلهم.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ} إنكار تعجيب من أن يكون صلى الله عليه وسلم هو الذي يقدر على هدايتهم وهم قد تمرنوا في الكفر واعتادوه واستغرقوا في الضلال بحيث صار ما بهم من العشي عمى مقروناً بالصمم {وَمَن كَانَ فِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} عطف على {ٱلْعُمْيَ} باعتبار تغاير الوصفين أعني العمى والضلال بحسب المفهوم وإن اتحدا مآلاً، ومدار الإنكار هو التمكن والاستقرار في الضلال المفرط الذي لا يخفى لا توهم القصور منه عليه الصلاة والسلام ففيه رمز إلى أنه لا يقدر على ذلك إلا الله تعالى وحده بالقسر والإلجاء وقد كان صلى الله عليه وسلم يبالغ في المجاهدة في دعاء قومه وهم لا يريدون إلا غياً وتعامياً عما يشاهدونه من شواهد النبوة وتصاماً عما يسمعونه من بينات القرآن فنزلت {أَفَأَنتَ} الخ.
ابن عاشور
تفسير : تفريع على جملة { أية : ومن يعشُ عن ذكر الرحمان نقيِّض له شيطاناً } تفسير : [الزخرف: 36] لأن ذلك أفاد توغّلهم في الضلالة وعُسْرَ انفكاكهم عنها، لأن مقارنة الشياطين لهم تقتضي ذلك، فانتقل منه إلى التهوين على النبي صلى الله عليه وسلم ما يلاقيه من الكدّ والتحرق عليهم في تصميمهم على الكفر والغيّ وفيه إيماء إلى تأييس من اهتداء أكثرهم. والاستفهام لإنكار أن يكون حرص الرّسول صلى الله عليه وسلم على هداهم ناجعاً فيهم إذا كان الله قدّر ضلالهم فأوجد أسبابه، قال تعالى: { أية : إن تحرص على هداهم فإن الله لا يُهْدَى مَن يُضِل } تفسير : [النحل: 37]، ولما كان حال الرّسول صلى الله عليه وسلم في معاودة دعوتهم كحال من يظنّ أنه قادر على إيصال التذكير إلى قلوبهم نزّل منزلة من يظن ذلك فخوطب باستفهام الإنكار وسلط الاستفهام على كلام فيه طريق قصر بتقديم المسند إليه على الخبَر الفِعْلي مع إيلاء الضمير حرفَ الإنكار وهو قصر مؤكد وقصر قلب، أي أنت لا تسمعهم ولا تهديهم بل الله يُسمعهم ويهديهم إن شاء، وهو نظير { أية : أفأنت تُكره النّاس حتى يكونوا مؤمنين } تفسير : [يونس: 99]. ومن بديع معنى الآية أن الله وصف حال إعراضهم عن الذكر بالعشا، وهو النظر الذي لا يتبين شبح الشيء المنظور إليه ثم وصفهم هنا بالصُمّ العُمي إشارة إن التمحل للضلال ومحاولة تأييده ينقلب بصاحبه إلى أشد الضلال (لا أن التخلُق يأتي دونه الخلق) والأحوال تنقلب ملكات. وهو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : لا يزال العبد يكذب حتى يُكتَب عند الله كذّاباً » تفسير : أي حتى يحِق عليه أن الكذب ملكة له، وإذ قد كان إعراضهم انصرافاً عن استماع القرآن وعن النظر في الآيات كان حالهم يشبه حال الصمّ العمي كما مُهدَ لذلك بقوله: { أية : ومن يعْشُ عن ذكر الرحمٰن } تفسير : [الزخرف: 36] كما ذكرناه هنالك، فظهرت المناسبة بين وصفهم بالعشا وبين ما في هذا الانتقال لوصفهم بالصمّ العمْي. وعطف {ومن كان في ضلال مبين} فيه معنى التذييل لأنه أعم من كل من الصمّ والعُمْي باعتبار انفرادهما، وباعتبار أن الصّمَمَ والعَمَى لما كانا مجازين قد يكون تعلقهما بالمسموع والمبصَر جزئياً في حالة خاصة فكان الوصف بالكون في الضلال المبين تنبيهاً على عموم الأحوال وهو مع ذلك ترشيح للاستعارة لأن اجتماع الصمم والعمَى أبين ضلالاً.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة النمل في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ وَلاَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ} تفسير : [النمل: 80].
د. أسعد حومد
تفسير : {ضَلاَلٍ} (40) - إِنَّكَ يَا مُحَمَّدُ لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُسْمِعَ الصُمَّ الذِينَ سَلَبَهُمْ اللهُ تَعَالَى القُدْرَةَ عَلَى السَّمْعِ، وَلاَ أَنْ تَهْدِي العُمْيَ الذِينَ أَعْمَى اللهُ قُلُوبَهُمْ وَعُيُونَهُمْ عَنِ الإِبْصَارِ، كَمَا لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَهْدِيَ الذِينَ اسْتَحْوَذَتْ عَلَيْهِم الشَّيَاطِينُ فَزَيَّنَتْ لَهُمْ طَرِيقَ الهَلاَكِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَيْكَ وَإِنَّمَا أَنْتَ رَسُولٌ مُبَلِّغٌ مِنْ رَبِّكَ عَلَيْكَ أَنْ تُبَلِّغَ مَا أَوْحَاهُ إِلَيكَ رَبُّكَ، والذِي يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ، وَهُوَ الذِي يُحَاسِبُهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ جَمِيعاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : المعنى - والخطاب هنا لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - وفِّر نفسك يا محمد، ولا تُجهدها ولا تُحملها مَا لا تُطيق في سبيل هداية هؤلاء. ووصفهم بالصمم وبالعمى مع أنهم في واقع الأمر يُبصرون ويسمعون، يسمعون الحق ولا يتبعونه، ويروْنَ الطريق المستقيم ولا يسلكونه، فصار مثل الأصم الذي لا يسمع، ومثل الأعمى الذي لا يرى. لذلك قال سبحانه في موضع آخر: {أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} تفسير : [الحج: 46] إذن: هم مُعرضون معاندون متكبِّرون عن قبول الحق. وهذا هو معنى الضلال في {وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [الزخرف: 40]. وهل هناك ضلال أبْيَن وأوضح من ضلال مَنْ يرى الحق ولا يتبعه؟ والحق سبحانه وتعالى لا يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم هذا الخطاب إلا إن كان فعلاً يشقُّ على نفسه، ويكاد أن يهلكها في سبيل دعوته؛ لذلك خاطبه ربه بقوله: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً} تفسير : [الكهف: 6] وخطابه بقوله {أية : إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ} تفسير : [الشورى: 48] ذلك لأن رسول الله كان محباً لرسالته، ومحباً لمنهجه، محباً لأمته جميعاً يريد أنْ يُذيقهم ما ذاق من حلاوة الإيمان، يريد أنْ يُطبِّق في نفسه أنْ تحب لأخيك ما تحبّ لنفسك.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، مسليا له عن امتناع المكذبين عن الاستجابة له، وأنهم لا خير فيهم، ولا فيهم زكاء يدعوهم إلى الهدى: { أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ } أي: الذين لا يسمعون { أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ } الذين لا يبصرون، أو تهدي { مَنْ كَانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } أي: بَيِّنٌ واضح، لعلمه بضلاله، ورضاه به. فكما أن الأصم لا يسمع الأصوات، والأعمى لا يبصر، والضال ضلالا مبينا لا يهتدي، فهؤلاء قد فسدت فطرهم وعقولهم، بإعراضهم عن الذكر، واستحدثوا عقائد فاسدة، وصفات خبيثة، تمنعهم وتحول بينهم وبين الهدى، وتوجب لهم الازدياد من الردى، فهؤلاء لم يبق إلا عذابهم ونكالهم، إما في الدنيا، أو في الآخرة، ولهذا قال تعالى: { فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ } أي: فإن ذهبنا بك قبل أن نريك ما نعدهم من العذاب، فاعلم بخبرنا الصادق أنا منهم منتقمون. { أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ } من العذاب { فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ } ولكن ذلك متوقف على اقتضاء الحكمة لتعجيله أو تأخيره، فهذه حالك وحال هؤلاء المكذبين. وأما أنت { فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ } فعلا واتصافا، بما يأمر بالاتصاف به ودعوة إليه، وحرصا على تنفيذه في نفسك وفي غيرك. { إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } موصل إلى الله وإلى دار كرامته، وهذا مما يوجب عليك زيادة التمسك به والاهتداء إذا علمت أنه حق وعدل وصدق، تكون بانيا على أصل أصيل، إذا بنى غيرك على الشكوك والأوهام، والظلم والجور. { وَإِنَّهُ } أي: هذا القرآن الكريم { لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ } أي: فخر لكم، ومنقبة جليلة، ونعمة لا يقادر قدرها، ولا يعرف وصفها، ويذكركم أيضا ما فيه الخير الدنيوي والأخروي، ويحثكم عليه، ويذكركم الشر ويرهبكم عنه، { وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ } عنه، هل قمتم به فارتفعتم وانتفعتم، أم لم تقوموا به فيكون حجة عليكم، وكفرا منكم بهذه النعمة؟ { وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ } حتى يكون للمشركين نوع حجة، يتبعون فيها أحدا من الرسل، فإنك لو سألتهم واستخبرتهم عن أحوالهم، لم تجد أحدا منهم يدعو إلى اتخاذ إله آخر مع الله مع أن كل الرسل، من أولهم إلى آخرهم، يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له. قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } تفسير : وكل رسول بعثه الله، يقول لقومه: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، فدل هذا أن المشركين ليس لهم مستند في شركهم، لا من عقل صحيح، ولا نقل عن الرسل.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):