٤٣ - ٱلْزُّخْرُف
43 - Az-Zukhruf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
45
Tafseer
القرطبي
تفسير : قال ابن عباس وٱبن زيد: حديث : لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ـ وهو مسجد بيت المقدس ـ بعث الله له آدم ومَن وُلد من المرسلين، وجبريل مع النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فأذّن جبريل صلى الله عليه وسلم ثم أقام الصلاة، ثم قال: يا محمد تقدّم فصلّ بهم؛ فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له جبريل صلى الله عليه وسلم: «سل يا محمد من أرسلنا مِن قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمٰن آلهة يعبدون». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أسأل قد اكتفيت». قال ابن عباس: وكانوا سبعين نبيًّا منهم إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام؛ فلم يسألهم لأنه كان أعلم بالله منهم. في غير رواية ابن عباس: فصلّوْا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة صفوف، المرسلون ثلاثة صفوف والنبيون أربعة؛ وكان يلي ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم خليل الله، وعلى يمينه إسماعيل وعلى يساره إسحاق ثم موسى ثم سائر المرسلين فأمّهم ركعتين؛ فلما انفتل قام فقال: «إن ربي أوحى إليّ أن أسألكم هل أرسل أحد منكم يدعو إلى عبادة غير الله»؟ فقالوا: يا محمد، إنا نشهد إنا أرسلنا أجمعين بدعوة واحدة أن لا إلٰه إلا الله وأن ما يعبدون من دونه باطل، وإنك خاتم النبيين وسيد المرسلين، قد استبان ذلك لنا بإمامتك إيانا، وأن لا نبيّ بعدك إلى يوم القيامة إلا عيسى ابن مريم فإنه مأمور أن يتبع أثرك»تفسير : . وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ} قال: لقِيَ الرّسل ليلة أسري به. وقال الوليد بن مسلم في قوله تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ} قال: سألت عن ذلك خليد بن دَعْلَج فحدّثني عن قتادة قال: سألهم ليلة أسري به، لقي الأنبياء ولقي آدم ومالك خازن النار. قلت: هذا هو الصحيح في تفسير هذه الآية. و «مِنْ» التي قبل «رُسُلِنَا» على هذا القول غير زائدة. وقال المبرد وجماعة من العلماء: إن المعنى واسأل أمم من قد أرسلنا من قبلك من رسلنا. وروي أن في قراءة ابن مسعود «وَاسْأَلْ الَّذِي أَرْسَلْنَا إِلَيْهِم قَبْلَك رُسُلنا». وهذه قراءة مفسّرة؛ فـ «ـمِن» على هذا زائدة، وهو قول مجاهد والسُّدّي والضحاك وقتادة وعطاء والحسن وٱبن عباس أيضاً. أي واسأل مؤمني أهل الكتابين التوراة والإنجيل. وقيل: المعنى سلنا يا محمد عن الأنبياء الذين أرسلنا قبلك؛ فحذفت «عن»، والوقف على «رُسُلِنَا» على هذا تام، ثم ابتدأ بالاستفهام على طريق الإنكار. وقيل: المعنى واسأل تُبَّاع مَن أرسلنا من قبلك من رسلنا، فحذف المضاف. والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد أمته. {أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} أخبر عن الآلهة كما أخبر عمن يعقل فقال: «يُعْبَدُونَ» ولم يقل تعبد ولا يعبدن، لأن الآلهة جرت عندهم مجرى من يعقل فأجري الخبر عنهم مجرى الخبر عمن يعقل. وسبب هذا الأمر بالسؤال أن اليهود والمشركين قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: إنّ ما جئت به مخالف لمن كان قبلك؛ فأمره الله بسؤاله الأنبياء على جهة التوقيف والتقرير؛ لا لأنه كان في شك منه. وٱختلف أهل التأويل في سؤال النبيّ صلى الله عليه وسلم لهم على قولين: أحدهما ـ أنه سألهم فقالت الرسل بُعثنا بالتوحيد؛ قاله الواقدي. الثاني ـ أنه لم يسألهم ليقينه بالله عز وجل؛ حتى حكى ٱبن زيد أن ميكائيل قال لجبريل: «هل سألك محمد عن ذلك؟ فقال جبريل: هو أشدّ إيماناً وأعظم يقيناً من أن يسأل عن ذلك». وقد تقدّم هذا المعنى في الروايتين حسبما ذكرناه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَسْئلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَٰنِ } أي غيره {ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ } قيل هو على ظاهره بأن جمع له الرسل ليلة الإِسراء، وقيل المراد: أمم مِن أيِّ أهل الكتابين، ولم يسأل على واحد من القولين لأنّ المراد من الأمر بالسؤال التقرير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول من الله ولا كتاب بعبادة غير الله.
ابن عبد السلام
تفسير : {مِن رُّسُلِنَآ} سبعون نبياً جُمعوا له ليلة الإسراء منهم إبراهيم وموسى وعيسى فلم يسألهم لأنه كان أعلم بالله ـ تعالى ـ منهم "ع"، أو أهل التوراة والإنجيل تقديره واسأل أمم من أرسلنا، أو جبريل تقديره وسل عمن أرسلنا: أمر بذلك لما قالت اليهود والمشركون إن ما جئت به مخالف لمن كان قبلك فأمر بسؤالهم. لا أنه كان في شك منه قال الواقدي: فسألهم فقالوا بعثنا بالتوحيد، أو لم يسألهم ليقينه بالله تعالى حتى قال ميكائيل لجبريل هل سألك محمد عن ذلك فقال هو أشد إيماناً وأعظم يقيناً من أن يسأل عن ذلك.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} اختلف العلماء من هؤلاء والمسؤولون فروي عن ابن عباس في رواية عنه "لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم بعث الله عز وجل له آدم وولده من المرسلين فأذن جبريل ثم أقام وقال يا محمد تقدم فصل بهم فلما فرغ من الصلاة قال له جبريل سل يا محمد من أرسلنا من قبلك من أرسلنا الآية فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا أسأل قد اكتفيت. وهذا قول الزهري وسعيد بن جبير وابن زيد قالوا جمع له الرسل ليلة أسري به وأمر أن يسال فلم يشك ولم يسأل فعلى هذا القول قال بعضهم هذه الآية نزلت ببيت المقدس ليلة أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال أكثر المفسرين معناه سل مؤمني أهل الكتاب الذين أرسلت إليهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد وهو قول ابن عباس في أكثر الروايات عنه ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي والحسن ومقاتل ومعنى الأمر بالسؤال التقرير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول ولا كتاب بعبادة غير الله عز وجل. قوله تعالى: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال إني رسول رب العالمين فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون} أي يسخرون {وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها} أي قرينتها التي قبلها {وأخذناهم بالعذاب} أي بالسنين والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس، فكانت هذه آيات ودلالات لموسى عليه الصلاة والسلام وعذاباً لهم وكانت كل واحدة أكبر من التي قبلها {لعلهم يرجعون} أي عن كفرهم {وقالوا} يعني لموسى عليه الصلاة والسلام لما عاينوا العذاب {يا أيها الساحر} أي العالم الكامل الحاذق وإنما قالوا ذلك له تعظيماً وتوقيراً لأن السحر كان عندهم علماً عظيماً وصنعة ممدوحة وقيل معناه يا أيها الذي غلبنا بسحره {ادع لنا ربك بما عهد عندك} أي بما أخبرتنا عن عهده إليك أنا إن آمنا كشف عنا العذاب فاسأله أن يكشفه عنا {إننا لمهتدون} أي لمؤمنون فدعا موسى ربه فكشف عنهم فلم يؤمنوا فذلك قوله سبحانه وتعالى: {فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون} أي ينقضون عهدهم ويصرون على كفرهم.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا} فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: أن من موصولة، وهي مفعولة للسؤال، كأنه قيل: وأسْأَل الذي أرسلناهُ من قبلك عَمَّا اُرْسِلُوا به، فإنهم لم يرسلوا إلا بالتوحيد. الثاني: أنه على حذف حرف الجر على أنه المسؤول عنه والمسؤول الذي هو المفعول الأول محذوف تقديره واسْأَلْنَا عَمَّنْ أَرْسَلْنَاهُ. الثالث: أن من استفهامية، مرفوعة بالابتداء، و "أرسلنا" خبره والجملة معلقة للسؤال فيكون في محل نصب على إسقاط الخافض. وهذا ليس بظاهر بل الظاهر أن المعلق للسؤال إنما هو الجملة الاستفهامية من قوله: "أَجَعَلْنَا". فصل اختلف في هؤلاء المسؤولين، فروى عطاء عن ابن عباس (رضي الله عنهم) قال: "حديث : لما أُسْرِيَ بالنَّبِي ـ صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى بعث له آدم وولده من المرسلين فَأّذَّنَ جبْريلُ ثم أقام وقال: يا محمد تقدم فصل بهم، فلما فرغ من الصلاة قال له جبريل: سل يا محمد من أرسلنا من قبلك من رسلنا... الآية. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا أسأل قد اكتفيت، ولست شَاكاً فيه"تفسير : . وهذا قول الزهري، وسعيد بن جبير، وابن زيد؛ قالوا: جمع له الرسل ليلة أسري به وأمر أن يسألهم، فلم يسأل ولم يشك. وقال أكثر المفسرين: سَلْ مُؤْمِني أهْلِ الكتاب الذين أرسلت إليهم الأنبياء هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد، وهو قول ابن عباس في سائر الروايات ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي والحسن، ويدل عليه قراءة عبد الله وأبي: واسأل الذين أرسلنا إليهم قَبْلَك مِنْ رُسُلِنَا ومعنى الأمر بالسؤال التقرير لمشركي قريش أنه لم يأت رسوله بعبادة غير الله ـ عز وجل ـ. وقال عطاء سؤال الأنبياء الذين كانوا قبله ممتنع، فكأن المراد منه: انظر في هذه المسألة بعقلك وتدبرها بفهمك. قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَآ...} لما طعن كفار قريش في نبوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بكونه فقيراً، عديم المال والجاه بين الله تعالى أن موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ بعد أن أورد المعجزاتِ القاهرة التي لا يشك في صحتها عاقل، أورد عليه فرعونُ هذه الشبهة التي ذكرها كفار قريش فقال: إنه غَنِيٌّ كثيرُ المالِ والجاهِ، ألا ترون أني حصل لي ملك مصر، وهذه الأنهار تجري من تحتي، وأما موسى فإنه فقير مهين، وليس له بيانٌ ولسان، والرجل الفقير كيف يكون رسولاً من عند الله الملك الكبير؟!. فثبت أن هذه الشبهة التي ذكرها كفار قريش بمكة، وهي قولهم: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}تفسير : [الزخرف:31] قد أوْرَدَهَا بعينها فرعون على موسى " ثم انتقمنا منهم فأغرقناهم": فيكون الأمر في حق أعدائك هكذا. فثبت أنَّه (ليس) المقصود من إعادة هذه القصة عينها، بل المقصود تقرير الجواب عن الشبهة المذكورة. قوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَهُم بِآيَاتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ} قال الزمخشري: فَإِن قلت: كيف جاز أن يجاب لَمَّا بإذا المفاجأة؟!. قلت: لأن فعل المفاجأة معها مقدر، وهو عامل النصب في محلها، كأنه قيل: فلما جاءهم بآياتنا فأجَأُوا وَقْتَ ضَحِكِهِمْ. قال أبو حيان: ولا نعلم نحوياً ذهب إلى ما ذهب إليه من أن "إذا" الفجائية تكون منصوبة بفعل مقدر، تقديره: فاجأ، بل المذاهب ثلاثة: إما حرف فلا يحتاج إلى عامل، أو ظرف مكان، أو ظرف زمان. فإن ذكر بعد الاسم الواقع بعدها خبر، كانت منصوبة على الظرف والعامل فيها ذلك الخبر. نحو: خَرَجْتُ فَإذَا زَيْدٌ قَائِمٌ تقديره: خَرَجْتُ ففي المكان الذي خرجت فيه زيدٌ قائمٌ، أو ففي الوقت الذي خَرَجْتُ فيه زيدٌ قائمٌ. وإن لم يذكر بعد الاسم خبر، أو ذكر اسم منصوب على الحال، فإن كان الاسم جُثَّة، وقلنا: إنها ظرف مكان، كان الأمر واضحاً، نحو: خَرَجْتُ فَإِذَا الأَسَدُ، أي فَبالحَضرَةِ الأَسَدُ، أو فَإِذَا الأَسَدُ رابضاً. وإن قلنا: إنها زمان كان على حذف مضاف، لئلا يخبر بالزمان عن الجثة، نحو: خَرَجْتُ فَإذَا الأَسَدُ، أي ففي الزمان حُضُور الأَسَدِ، وإنْ كَان الاسم حَدَثاً جاز أن يكون مكاناً أو زماناً. ولا حاجة إلى تقدير مضاف نحو: خَرجْتُ فَإذَا القِتَالُ. إن شئت قدرت: فبالحَضْرَة القتالُ، أو ففي الزمانِ القتالُ. قوله: {إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ} جملة واقعة صفة لقوله: "مِنْ آيَةٍ" فنحكم على موضعها بالجر اعتباراً باللفظ، وبالنصب اعتباراً بالمحلِّ. وفي معنى قوله: "أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا" أوجه: أحدها: قال ابن عطية: هم أنهم يستعظمون الآية التي تأتي لجدَّة أمرها وحدوثه، لأنهم أَنِسُوا بتلك الآية السابقة فيعظُم أمرُ الثانية ويكبرُ وهذا كقول الشاعر: شعر : 4409ـ عَلَى أَنَّها تَعْفُو الكُلُومَ وَإِنَّمَا تُوَكَّلُ بالأَدْنَى وَإِنْ جَلَّ مَا يَمْضِي تفسير : الثاني: قيل: إن المعنى إلا هي أكبر من أختها السابقة، فحذف الصفة للعلم بها. الثالث: قال الزمخشري: فإن قُلْتَ: هو كلام مناقض؛ لأن معناه ما من آية من التِّسْع إلا وَهِيَ أكبر من كل واحدة، فتكون كل واحدة منها فاضلة ومفضولة في حالة واحدة. قلْتُ: الغرض بهذا الكلام وصفين بالكِبَر، لا يَكَدنَ يَتَفَاوَتْنَ فيه وكذلك العادة في الأشياء التي تتقارب في الفضل التقارب اليسير تختلف آراء الناس في تفضيلها، فبعضهم يفضل هذا وبعضهم يُفَضِّل هذا، وربما اختلف آراء الواحد فيها، كقول الحماسي: شعر : 4410ـ مَنْ تَلْقَ مِنْهُمْ تَقُلْ لآقَيْتَ سَيِّدَهُمْ مِثْلَ النُّجُومِ الَّتِي يُهْدَى بِهَا السَّارِي تفسير : وقالت الأنبارية في الجملة من أبنائها: ثَكِلْتُهُمْ إنْ كُنْتُ أعْلَمُ أَيُّهُمْ أَفْضَلُ، هُمْ كَالحَلْقَةِ المُفْرَغَةِ لاَ يُدْرَى أَيْنَ طَرَفَاهَا. انتهى كلامه. وأوله فظيع جداً، كأن العبارات ضاقت عليه حتى قال ما قال، وإن كان جوابُهُ حسناً فسُؤاله فظيع. فصل ذكر أنه تعالى أرسل موسى بآياته، وهي المعجزات التي كانت من موسى إلى فرعون وملئه أي قومه فقال موسى: {إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}. فَلَمَّا جَاءَهُ بتلك الآيات {إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ} استهزاء قيل: إنه لما ألقى عصاه صار ثعباناً، ثم أخذه فصار عصاً كما كان فضحكوا. ولما عرض عليهم اليد البيضاء ثم عادت كما كانت ضحكوا. ثم قال: {وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا} أي قرينتها وصاحبتها التي كانت قبلها وَأَخَذْنَاهُمْ بالعَذَابِ أي بالسنين والطوفان، والجراد والقمل والضفادع والدم والطَّمس، فكانت هذه دَلالات لموسى وعذاباً، وكانت كل واحدة أكبر من التي قبلها {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} عن الكفر إلى الإيمان. قالت المعتزلة: هذا يدل على أنه تعالى يريد الإيمان من الكل فإنه إنما أظهر تلك المعجزات القاهرة لإرادة أن يرجعوا عن الكفر إلى الإيمان. قوله: {وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلسَّاحِرُ} تقدم الكلام فيه في النور، والمعنى أنهم لما عاينوا العذاب قالوا لموسى يا أيها السَّاحرُ، أي يا أيها العالم الكامل الحاذق، وإنما قالوا هذا توقيراً وتعظيماً؛ لأن السحر عندهم كان علماً عظيماً، وصفةً محمودةً. وقيل: معناه "يا أيها الذين غَلَبَنَا بسحره". وقال الزجاج: خاطبوه به لما تقدم له عندهم من التسمية بالساحر. فإن قيل: كيف سَمَّوهُ بالساحر مع قولهم: إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ؟!. فالجواب من وجوه: الاول: أنهم كانوا يسمون العالم الماهر ساحراً، لأنهم يستعظمون السحر وكما يقال في زماننا في العمل العجيب الكامل: إنه أتى بالسحر. والثاني: أيُّهَا السَّاحِر في زعم الناس، ومتعارف قوم فرعون، كقوله: {أية : وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ}تفسير : [الحجر:6] أي نزل عليه الذكر في اعتقاده وزعمه. الثالث: أن قولهم: {إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ} وقد كانوا عازمين على خلافه، ألا ترى إلى قوله {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ} فتسميتهم إياه بالساحر لا ينافي قوله: {إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ}. قوله: {ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ} أي بما أخبرنا عن عهده إليك إن آمنا كشف عنا العذاب فاسأله يكشف عنا إننا لمهتدون مؤمنون فدعا موسى فكشف عنهم، فلم يؤمنوا فذلك قوله عز وجل: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ} أي نكثوا ذلك العهد، يعني يَنْقُضُونَ عَهدَهُمْ ويُصرون على كفرهم. قوله تعالى: {وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ} لما ذكر معاملة قوم فرعون مع موسى ذكر أيضاً معاملة فرعون معه. فقال {وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ} أي أظهر هذا القول. {وَقَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ} أي أنهار النيل ومعظمها نهر الملك، ونهر طُولون، ونهر دِمياط، ونهر تنيس. قيل: كانت تجري تحت قصره وحاصل الأمر أنه احتج بكثرة أمواله، وقوة جاهه على فضيلة نفسه. ثم قال: {أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} من تحت قصري. وقال قتادة: تجري من بين يدي في جناني وبساتيني، وقال الحسن: بأمري أفلا تبصرون عظمتي وشدة ملكي. وقيل من ملك القِبْطَ يسمى فرعون، ومن ملك اليهود يسمى قبْطُون والمعروف مالخ، ومن ملك الصابئة يسمى نُمرود، ومن ملك البربر يسمى جالوت، ومن ملك الهند يسمى بهمن، وقيل يعفور، ومن ملك فرغانة يسمى الإخشيد، ومن ملك العرب من قبل العجم يسمى النعمان. قوله: {وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي} يجوز في "وهذه" وجهان: أحدهما: أن تكون مُبْتَدَأَةً، والواو للحال، و "الأنهار" صفة لاسم الإشارة، أو عطف بيان و "تَجْرِي" الخبر والجملة حال من ياء "لِي". والثاني: أن هذه معطوفة على "مُلْكِ مِصْرَ" و "تجري" على هذا حال أي أليس ملك مصر وهذه الأنهار جارية؟! أي الشيئان. قوله: "تبصرون" العامة على الخطاب لمن ناداهم، وقرأ عيسى بكسر النون أي تُبْصِرُونِي وفي قراءة العامة المفعول محذوف أي تبصرون مُلْكِي وعَظَمَتِي. وقرأ فَهْدُ بْنُ الصَّقْر: يُبْصِرُونَ بياء الغيبة، إما على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة وإما رداً على قوم موسى. قوله: {أَمْ أَنَآ خَيْرٌ} في أم هذه أقوال: أحدها: أنها منقطعة، فتقدر بـ "بَلْ" التي لإضراب الانتقال، وبالهمزة التي للإنكار. والثاني: أنها بمعنى بل فقط، كقوله: شعر : 4411ـ بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ فِي رُوْنَقِ الضُّحَى وَصُورَتُهَا أَمْ أَنْتِ فِي العَيْنِ أَمْلَحُ تفسير : أي بل أنت. الثالث: أنها منقطعة لفظاً متصلة معنى. قال أبو البقاء: "أم هنا منقطعة في اللفظ لوقوع الجملة بعدها في اللفظ، وهي في المعنى متصلة معادلة؛ إذ المعنى أنا خير منه أم لا؟ وأينا خير؟" وهذه عبارة غريبة أن تكون منقطعة لفظاً متصلة معنى وذلك أنهما مَعْنيَانِ مختلفان، فَإِنَّ الانقطاع يقتضي إضْراباً إما إبْطالاً، وإِما انتقالا. الرابع: أنها متصلة، والمعادل محذوف، تقديره: أَمْ تُبْصِرُونَ؟ وهذا لا يجوز إلا إذا كانت "لا" بعد "أم"، نحو: أتقوم أم لا؟ أي أم لا تقوم، وأزيد عندك أم لا؟ أي أم لا هو عندك أما حذفه دون معادل فلا يجوز. وقد جاء حذف "أم" مع المعادل، وهو قليل جداً، قال الشاعر: شعر : 4412ـ دَعَانِي إِلَيْهَا القَلْبُ إِني لأَمْرِهَا سَمِيعٌ فَمَا أَدْرِي أَرُشْدٌ طِلاَبُهَا؟ تفسير : أي أم غيّ. ونقل أبو حيان عن سيبويه أن هذه هي أم المعادلة، أي أم تبصرون الأمر الذي هو حقيق أن يُبْصَر عنده وهو أنه خير من موسى. قال: وهذا القول بدأ به الزمخشري فقال: أم هذه متصلة؛ لأن المعنى أَفَلاَ تُبْصِرُونَ أمْ تُبْصِرُونَ؟ إلا أنه وضع قوله: "أنا خير" موضع "تبصرون" لأنهم إذا قالوا: أنت خير فَهُمْ عنده بصراء، وهذا من إنزال السبب منزلة المُسَبَّب. قال أبو حيان: وهذا متكلف جداً، إذ المعادل إنما يكون مقابلاً للسابق فإن كان المعادل جملة فعلية، كان السابق جملة فعلية، أو جملة إسمية يتقدر منها جملة فعلية، كقوله: {أية : أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ}تفسير : [الأعراف:193]؛ لأن معناه أو صمتُّم وهنا لا يتقدر منها جملة فعلية لأن قَوْلَهُ: {أَمْ أَنَآ خَيْرٌ} ليس مقابلاً لقوله: أفَلا تُبْصِرُونَ، وإن كان السابق اسماً كان المعادل اسماً أو جملة فعلية يتقدر منها اسم نحو قوله: شعر : 4413ـ أَمُـخْـدَجُ اليَــدَيْـــنِ أَمْ أَتَمَّــتِ؟ تفسير : "فأتمت" معادل للاسم والتقدير: أم مُتِمًّا؟. قال شهاب الدين: وهذا الذي رده على الزمخشري رده على سيبويه، لأنه هو السابق به وكذا قوله أيضاً: إنه لا يحذف المعادل بعد "أم" وبعدها "لا" فيه نظر في تجويز سيبويه حذف المعادل دون لا فهو رد على سيبويه أيضاً. قوله: "ولا يكاد يبين" هذه الجملة يجوز أن تكون معطوفة على الصلة وأن تكون مستأنفة وأن تكون حالاً. والعامة على يُبِينُ من أَبَانَ، والباقون: يَبِينُ ـ بفتح الياء ـ من بَانَ أي ظَهَرَ. فصل قال أكثر المفسرين: "أم" هنا بمعنى "بل" وليس بحرف عطف. قال الفراء: الوقف على قوله أم وفيه إضمار مجاز(ه) أفلا تُبْصِرُونَ أَمْ تُبْصِرُونَ؟ لكنه اكتفى بلفظ "أم" كما تقول لغيرك: "أَتَأْكُلُ أَمْ" أي أَتَأْكُلُ أَمْ لاَ تَأْكُلُ؟ لكنك تقتصر على كلمة أم اقتصاراً. قال أبو عُبَيْدَة: معناها بل أنا خير، وعلى هذا فقد تم الكلام عند قوله: أفلا تبصرون. ثم ابتدأ فقال: أم أنا خير، يعنى بل أنا خير. وقال الباقون أم هذه متصلة، لأن المعنى أفلا تُبْصرُونَ أَمْ تُبْصُرونَ؟ إلا أنه وضع قوله: "أنا خير" موضع: "تبصرون"، لأنهم إذا قالوا له: أََنْتَ خَيْرٌ فَهُمْ عِنْدَهُ بُصَراءُ. قوله: {مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ} أي ضعيف حقير يعني موسى {وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} أَيْ يُفْصِحُ لسانُهُ لرُتّةٍ كَانَتْ فِي لِسَانِهِ. فإن قيل: أليس أن موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ سأل الله أن يُزيل الرُّتةَ عن لسانه بقوله: {أية : وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُواْ قَوْلِي}تفسير : [طه:27و28] فأعطاه الله ذلك بقوله تعالى: {أية : قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ}تفسير : [طه:36] فكيف عابه فرعون بتلك الرُّتةِ؟!. فالجواب من وجهين: الأول: أن فرعون أراد بقوله: "ولا يكاد يبين" حجته التي تدل على صدقه، ولم يرد أنه لا قدرة له على الكلام. والثاني: أنه عابه بما كان عليه أولاً، وذلك أن موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ مكث عند فرعون زماناً طويلاً، وكان في لسانه حبسة فنسبه فرعون إلى ما عهد عليه من الرُّتةِ؛ لأنه لم يعلم أن الله تعالى أزال ذلك العيب عَنْهُ. قوله تعالى: {فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسَاوِرَةٌ} قرأ حفص أَسْوِرَةٌ كأَحْمِرةٍ. والباقون أَسَاوِرَة، فأسورة جمع "سِوَارٍ" كحِمَارٍ، وأَحْمِرَةٍ، وهو جمع قلة. وأَسَاوِرَةٌ جمع إِسْوَار بمعنى سُوار، يقال: سوارُ المرأةِ، وأَسْوَارُهَا. والأصل أَسَاوِير بالياء، فعوض من حرف المد تاء التأنيث، كبطريقِ وبَطَارِقَةٍ، وزِنْدِيقٍ وزَنَادِقَةٍ. وقيل: بل هي جمع أَسْوِرَة فهي جمع الجمع. وقر أبي والأعمش ـ وتروى عن أبي عمرو ـ أَسَاوِرُ دون تاء. وروي عن أبي أيضاً وعبد الله: أَسَاوِير. وقرأ الضحاك: أَلْقَى مبنياً للفاعل، أي الله تعالى وَأَسَاوِرَةً نصباً على المفعولية و"مِنْ ذَهَبٍ" صفة لأساورة. ويجوز أن تكون "من" الداخلة على التمييز. فصل ومعنى الكلام أن عادتهم جرت بأنهم إذا جعلوا واحداً منهم رئيساً لهم سوّروه بسوار من ذهب وطَوَّقُوه بطَوْق من ذهب، فطلب فرعون من موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ مثل عادتهم، وحاصل الكلام أن فرعون كان يقول: أنا أكثر منه مالاً وجاهاً فوجب أن أكون أفضل منه فيمتنع كونه رسولاً من عند الله لأن منصب النوبة يقتضي المَخْدُوميَّةَ، والأخسّ لا يكون مخدوماً للأشرف ثم قال: {أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ} متتابعين يعاون بعضهم بعضاً يشهدون له بصدقه ويُعِينُونَهُ على أمره ويجوز أن يكون المراد مقترنين به من قولك: قَرَنْتُهُ بِِهِ. قوله تعالى: {فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} أي وجدهم جُهَّالاً فحملهم على الخفة والجهل، يقال: استخفه عن رأيه، إذا حمله على الجهل وأزاله عن الصواب "فَأَطَاعُوهُ" على تكذيب موسى، {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ} حين أطاعوا ذلك الفاسق الجاهل. قول: {فَلَمَّآ آسَفُونَا} أغضبونا, حُكي أن أن ابن جُرَيْج غضب في شيء فقيل له: أتغضب يا أبا خالد؟ فقال فقد غضب الذي خلق الأحلام إن الله تعالى يقول: فَلَمَّآ آسَفُونَا أي أغضبونا {انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين} واعلم أن ذرك لفظ الأسف في حق الله تعالى، وذكر لفظ الانتقام كل واحد منهما من المتشابهات التي يجب تأويلها فمعنى الغضب في حق الله تعالى إرادة الغضب ومعنى الانتقام إرادة العقاب بجُرم سابق. وآسَفُونَا منقول بهمزةِ التعديةِ من أَسِفَ بمعنى غضب، والمعنى: أغضبونا بمخالفتهم أمْرَنَا. وقال بعض المفسرين معناه: "أَحْزَنُوا أَوْلِيَاءَنَا". قوله: "فجعلناهم سلفاً" قرأ الأخوان سُلُفاً ـ بضمتين ـ، والباقون بفتحتين، فأما الأولى فتحتمل ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه جمع سَليفٍ، كرَغِيفٍ، ورُغُفٍ، وسمع القاسم بن معن من العرب معنى سَليف من الناس والسليفُ من الناس كالغَرِيقِ منهم. والثاني: أنها جمع ساَلِف، كَصَابرٍ، وصُبُرٍ. الثالث: أنها جمع سَلَفٍ كَأَسَدٍ وأُسُدٍ. والثانية تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون جمعاً لسَالِفٍ، كحَارِسٍ وحَرَسٍ، وخَادِمٍ وخَدَمٍ، وهذا في الحقيقة اسم جمع لا جمع تكسير، إذ ليس في أبنية التكسير صيغة فَعَلٍ. والثاني: أنه مصدر يطلق على الجماعة، تقول: سَلُفُ الرَّجُلُ يَسْلُفُ سَلَفاً أي تقدم، والسلف: كُلُّ شَيْءٍ قَدَّمْتَهُ من عمل صالحٍ، أو قرضٍ فهو سَلَفٌ، وسَلَفُ الرَّجُلِ آبَاؤُهُ المتقدمون، والجمع أَسْلاَفٌ وسُلاَّفٌ قال طفيل: شعر : 4414ـ مَضَوْا سَلَفاً قَصَدَ السَّبِيلُ عَلَيْهِـم صُرُوفُ المَنَايَـا بِالرِّجَـالِ تَقَلَّــبُ تفسير : وقرأ عليٌّ ومُجَاهِدٌ ـ رضي الله عنهما ـ سُلَفاً ـ بضم السين. وفيه وجهان: أشهرهما: أنه جمع سُلْفَةٍ كغُرْفَةٍ وغُرَفٍ. والسُّلْفَة الأُمَّةُ. وقيل: الأصل سُلُفاً بضمتين، وإنَّما أبدل من الضمة فتحة. وقوله: "مَثَلاً" إما مفعول ثان إن كانت بمعنى صير، وإلاَّ حالاً. قال الفراءُ والزجاجُ: جعلناهم متفرقين ليتعظ بهم الآخرون، وهم كفار أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمعنى ومثلاً للآخرِينَ أي عِظة لمن بقي بعدهم وعبرة. قال أبو علي الفارسي: المَثَلُ واحد يراد به الجمع، ومن ثم عطف على سلف والدليل على وقوعه (على) أكثر من واحد قوله تعالى: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً}تفسير : [النحل:75]. فأدخل تحت المَثَل شَيْئَيْن وقيل: المعنى سلفاً لكفار هذه الأمة إلى النار، ومثلاً لمن يجيء بعدهم.
السيوطي
تفسير : أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن سعيد بن جبير في قوله {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا} قال: ليلة اسري به لقي الرسل. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا} قال: بلغنا أنه ليلة أسري به أري الأنبياء، فأري آدم، فسلم عليه وأري مالكاً خازن النار، وأري الكذاب الدجال. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} قال: سل أهل التوراة والإِنجيل هل جاءت الرسل إلا بالتوحيد؟ وقال: في بعض القراءة "واسأل من أرسلنا إليهم رسلنا قبلك". وأخرج عبد بن حميد من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس {واسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا} قال: سل الذين أرسلنا إليهم قبلك من رسلنا. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن مجاهد قال: كان عبد الله يقرأ {واسأل الذين أرسلنا إليهم قبلك من رسلنا} قال: في قراءة ابن مسعود "واسأل الذين يقرأون الكتاب من قبل" مؤمني أهل الكتاب. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في قوله: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا} قال: جمعوا له ليلة أسري به ببيت المقدس.
القشيري
تفسير : حَشَرَ أرواحَ الأنبياءِ - عليهم السلام - ليلةَ الإسراء، وقيل له - صلى الله عليه وسلم: "سَلْهم: هل أَمَرْنا أحداً بعبادة غيرنا؟ فلم يَشُكّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يسأل". ويقال: الخطابُ له، ولمرادُ به غيره.. فَمَنْ يرتاب في ذلك؟ ويقال: المراد منه سَلْ أقوامهم، لكي إذا قالوا إن الله لم يأمر بذلك كان هذا أبلغ في إبرام الحجة عليهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا} قوله من ارسلنا فى محل النصب على انه مفعول اسأل وهو على حذف المضاف لاستحالة السؤال من الرسل حقيقة والمعنى واسأل اممهم وعلماء دينهم كقوله تعالى {أية : فاسأل الذين يقرءُون الكتاب من قبلك} تفسير : وفائدة هذا المجاز التنبيه على ان المسئول عنه عين ما نطقت به ألسنة الرسل لا ما يقوله اممهم وعلماؤهم من تلقاء انفسهم {أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} اى هل حكمنا بعبادة الاوثان وهل جاءت فى ملة من مللهم والمراد به الاستشهاد باجماع الانبياء على التوحيد والتنبيه على انه ليس ببدع ابتدعه حتى يكذب ويعادى له فانه اقوى ما حملهم على التكذيب والمخالفة قال ابن الشيخ السؤال يكون لرفع الالتباس ولم يكن رسول الله يشك فى ذلك وانما الخطاب له والمراد غيره حديث : قالت عائشة رضى الله عنها لما نزلت هذه الآية قال عليه السلام "ما انا بالذى اشك وما انا بالذى اسأل" تفسير : وجعل الزمخشرى السؤال فى الاية مجازا عن النظر فى اديانهم والفحص عن مللهم على انه نظير قولهم سل الارض من شق انهارك وغرس اشجارك وجنى ثمارك وللآية وجه آخر بحملها على ظاهرها من غير تقدير مضاف وهو حديث : ما روى انه عليه السلام لما اسرى به الى المسجد الاقصى حشر اليه الانبياء والمرسلون من قبورهم ومثلوا له فاذن جبرائيل ثم اقام وقال يا محمد تقدم فصل باخوانك الانبياء والمرسلين فلما فرغ من الصلاة قال له جبرائيل زعمت قريش ان لله شريكا وزعمت اليهود والنصارى ان لله ولدا سل يا محمد هؤلاء النبيين هل كان لله شريك ثم قرأ واسأل من ارسلنا الخ فقال عليه السلام "لا اسأل وقد اكتفيت ولست بشاك فيه" تفسير : فلم يشك فيه ولم يسأل وكان اثبت يقينا من ذلك قال ابو القاسم المفسر فى كتاب التنزيل له ان هذه الآية انزلت على النبى عليه السلام ببيت المقدس ليلة المعراج فلما انزلت وسمعها الانبياء عليهم السلام اقروا لله تعالى بالوحدانية وقالوا بعثنا بالتوحيد (صاحب عين المعانى) آورده كه در آثار آمده كه ميكائيل از جبرائيل برسيدكه سيد عالم عليه السلام اين سؤال كرد از انبيا جبرائيل كفت كه يقين اوازان كاملتر وايمان او ازان محكمترست كه اين سؤال كند. آنكه در كشف كرده استقلال. كى توجه كند باستدلال (وفى المثنوى) آينه روشن كه صدصاف وجلى. جهل باشد بر نهادر صيقلى. بيش سلطان خوش نشسته دل قبول. زشت باشد جستن نامه ورسول. وفى الاية اشارة الى ان بعثة جميع الرسل كانت على الهى عن عبادة غير الله من النفس والهوى والشيطان او شئ من الدنيا والآخرة كقوله تعالى {أية : وما امروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} تفسير : اى ليقصدوه فانه المقصود ويطلبوه فانه المطلوب والمحبوب والمعبود. قال بعض الكبار لا تطلب مولاك مع شئ من الدنيا والآخرة ولا من الظاهر والباطن ولا من العلم والعرفان ولا من الذوق والوجدان ولا من الشهود والعيان بل اطلبه بلا شئ حتى تكون طالبا خالصا مخلصا له الدين واذا كنت طالبا لمولاك بدون شئ تنجو من رق الغير وتكون حرا باقيا فى رق مولاك فحينئذ تكون عبدا محضا لمولى واحد فيصلح تسميتك عبد الله والعبد فقير اذ كل ما فى يده لمولاه غنى بغنى الله اذ كل خزآئنه له ومن اشارات هذا المقام ما قال عليه السلام "حديث : يؤتى بالعبد الفقير يوم القيامة فيعتذر الله اليه كما يعتذر الرجل الى الرجل فى الدنيا ويقول وعزتى وجلالى ما زويت الدنيا عنك لهوانك على ولكن لما اعددت لك من الكرامة والفضيلة اخرج يا عبدى الى هذه الصفوف وانظر الى من اطعمك او كساك واراد بذلك وجهى فخذ بيده فهو لك والناس يومئذ قد ألجمهم العرق فيتخلل الصفوف وينظر من فعل به ذلك فى الدنيا فيأخذ بيده ويدخله الجنة" تفسير : كليد كلشن فردوس دست احسانست. بهشت مى طلبى ازسر درم برخيز
الجنابذي
تفسير : {وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} المفعول الاوّل محذوفٌ ومن ارسلنا مفعولٌ ثانٍ اى اسئل النّاس واهل الخبرة والعلماء باخبار الماضين وسيرهم عن حال من ارسلنا قبلك، او من مفعول اوّل وقوله اجعلنا فى مقام المفعول الثّانى يعنى اسئل الرّسل الماضين (ع) فانّهم ان كانوا غائبين عن الانظار البشريّة فهم غير غائبين عن نظرك، وورد فى اخبارٍ كثيرةٍ انّه (ص) أُرى ليلة المعراج جميع الانبياء (ع) وهم قد صلّوا خلفه فى بيت المقدّس او فى السّماء فانزل الله تعالى هذه الآية عليه، فعن الباقر (ع) انّه سئل عن هذه الآية من ذا الّذى سأله محمّد (ص) وكان بينه وبين عيسى (ع) خمس مائة سنة فتلا هذه الآية: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ} تفسير : [الإسراء:1]، قال: فكان من الآيات الّتى أراها الله محمّداً (ص) حين اسرى به الى البيت المقدّس ان حشر الله له الاوّلين والآخرين من النّبيّين والمرسلين (ع) ثمّ امر جبرئيل فاذّن شفعاً واقام شفعاً ثمّ قال فى اقامته: حىّ على خير العمل، ثمّ تقدّم محمّد (ص) فصلّى بالقوم فانزل الله عليه واسئل من ارسلنا (الآية) فقال لهم رسول الله (ص): على ما تشهدون وما كنتم تعبدون؟ - فقالوا: نشهد ان لا اله الاّ الله وحده لا شريك له، وانّك لرسول الله (ص) اخذت على ذلك مواثيقنا وعهودنا.
الهواري
تفسير : قوله عز وجل: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا} أي: واسأل الناس عمن أرسلنا من قبلك من رسلنا، أي: واسأل جبريل، فإنه هو الذي كان يأتيهم بالرسالة. أي: هل أرسلنا من رسول إلا بشهادة ألا إله إلا الله وأنك رسول الله. كقوله: (أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ)تفسير : [الأنبياء:25]. وتفسير الكلبي: اسأل الذين أرسلنا إليهم الرسل قبلك، يعني أهل الكتاب، من آمن منهم. {أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} فلم يسأل ولم يشك. قال بعضهم: هو مثل قوله: (أية : فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ) تفسير : [يونس:94] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا أشك ولا أسأل تفسير : . وبعضهم يقول: كان هذا ليلة أُسرِي به وصلّى بالنبيين. قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} يعني قومه {فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَلَمَّا جَاءهُم بِآيَاتِنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ} أي استهزاءً وتكذيباً.
اطفيش
تفسير : {وَسْأَل مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} لم يرد حقيقة السؤال لانه لم يدرك الرسل والمراد البحث هل جاءت عبادة غير الرحمن في شريعة نبي من الانبياء وهو عالم بأنها لم تكن وكفاه كتاب الله بل آية منه وحقيقة ذلك الاستشهاد باجماع الرسل على التوحيد والدلالة على انه ليس ببدع وهو أقوى ما حملهم على التكذيب وهذا كما تسأل الشعراء الديار والرسوم والاطلال وكقول بعض سل الأرض من شق أنهارك وغرس شجرك وجنى ثمارك فانها ان لم تجبك جواباً أجابتك اعتباراً وكقولهم قال الجدار للوتد لم تشقنى فقال الوتد سل من يدقني. وروي عن ابن عباس لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم بعث له آدم وولده من المرسلين فأذن جبرائيل ثم أقام وقال يا محمد تقدم فصل بهم فلما صلى قال جبرائيل سل يا محمد من قبلك من أرسلنا الخ قال: لا أسأل وقد اكتفيت وانه قد ثبت يقيناً من أن يسأل. هذا قول الزهري وابن زيد وسعيد بن جبير وذلك في السماء وقيل في بيت المقدس ليلة الاسراء وقال الجمهور اسأل أتباع من أرسلنا وجملة شرائعهم وعليه ابن عباس في أكثر الروايات عنه والكلبي ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي والحسن ومقاتل ويقويه قراءة ابن مسعود وأبي واسأل الذين أرسلنا اليهم وادعى بعضهم ان المراد سل جبرائيل وعن الفراء وغيره ان أهل التوراة والانجيل يخبرونه عن كتب الرسل فاذا سألهم فكأنه سأل الرسل ولم يصدر سؤال منه لانه عالم. وعن العتبي الخطاب مواجهة له والمراد المشركون وقرئ وسل باسقاط همزة الوصل وفتح والسين نقلا من الهمزة بعدها
اطفيش
تفسير : {واسْأل} يا محمد أو يا أيها السامع المتمحض عن الديانات وقيل: السؤال سؤال نظر وفحص عن مللهم، كسؤال الأطلال، كقولك سَل الأرض من شق أنهارها، وغرس أشجارها، وأكمل ثمارها {مَن أرسلنا قبْلك مِن رُسُلنا} أى أمم من أرسلنا، لأنه لم يذكر الرسل، فيخبرون عما جاءت بهم رسلهم من التوحيد، فيجيبون بما تقول، وحذف المضاف كما رأيت، أو نزل سؤال الأمم منزلة سؤال أنبيائهم، وقرىء: واسأل الذين أرسلنا اليهم رسلنا قبلك، ونسبت هذه القراءة لابن عباس، وفى لفظ: واسأل من أرسلنا اليهم قبلك رسلنا، وهما نفس التأويلين، وكذا قال ابن مسعود اسأل مؤمنى أهل الكتاب، وهو أكثر الروايات عن ابن عباس، رواه عنه مجاهد، وقتادة، والضحاك، والسدى، والحسن، ومقاتل. وعن ابن عباس: " لما اسرى بالنبى صلى الله عليه وسلم، بعث الله تعالى له آدم وولده من المرسلين، فأذن جبريل ثم أقام وقال: يا محمد تقدم فصل بهم، فلم فرغ من الصلاة قال له جبريل: سل يا محمد من أرسلنا قبلك من رسلنا الآية فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : أسأل قد اكتفيت" تفسير : رواه الزهرى، وسعيد بن جبير، وذلك فى السماء، وقيل فى بيت المقدس، وعن ابن عباس قيل له صلى الله عليه وسلم ليلة الاسراء {واسأل} الآية ولم يسألهم، وقد صلى بهم، قال ميكائيل لجبرائيل: هل سألهم؟ قال: لا هو أعظم يقينا، وهذا يقوى أن السؤال سؤال نظر، والا فكيف يترك السؤال، وقد أمر به فيكون أمره به تهييجا، وفيه كفاية إذ تلاها على المشركين ولو أنكروا الاسراء. {أجَعَلْنا من دُون الرَّحمن آلهة يُعُبدون} مفعول لاسأل معلق عنه بالاستفهام، وكل مسئول ممن ذكر تحقيقا أو حكما يقول تحقيقا أو حكما: لا.
الالوسي
تفسير : أي هل حكمنا بعبادة غير الله سبحانه وهل جاءت في ملة من ملل المرسلين عليهم السلام والمراد الاستشهاد بإجماع المرسلين / على التوحيد والتنبيه على أنه ليس ببدع ابتدعه صلى الله عليه وسلم حتى يكذب ويعادى له، والكلام بتقدير مضاف أي واسأل أمم من أرسلنا أو على جعل سؤال الأمم بمنزلة سؤال المرسلين إليهم. قال الفراء: هم إنما يخبرون عن كتب الرسل فإذا سألهم عليه الصلاة والسلام فكأنه سأل المرسلين عليهم السلام، وعلى الوجهين المسؤول الأمم، وروي ذلك عن الحسن ومجاهد وقتادة والسدي وعطاء وهو رواية عن ابن عباس أيضاً. وأخرج ابن المنذر وغيره عن قتادة أنه قال في بعض القراءات (واسأل من أرسلنا إليهم رسلنا قبلك). وأخرج هو وسعيد بن منصور عن مجاهد قال: كان عبد الله يقرأ (واسأل الذين أرسلنا إليهم قبلك من رسلنا)، وعن ابن مسعود أنه قرأ (واسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبل مؤمني أهل الكتاب). وجعل بعضهم السؤال مجازاً عن النظر والفحص عن مللهم في سؤال الديار والاطلال ونحوها من قولهم: سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك وجنى ثمارك. وروي عن ابن عباس أيضاً وابن جبير والزهري وابن زيد أن الكلام على ظاهره وأنه عليه الصلاة والسلام قيل له ذلك ليلة الإسراء حين جمع له الأنبياء في البيت المقدس فأمهم ولم يسألهم عليه الصلاة والسلام إذ لم يكن في شك. وفي بعض الآثار أن ميكال قال لجبريل عليهما السلام: هل سأل محمد صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ فقال: هو أعظم يقيناً وأوثق إيماناً من أن يسأل. وتعقب هذا القول بأن المراد بهذا السؤال إلزام المشركين وهم منكرون الإسراء، وللبحث فيه مجال. والخطاب على جميع ما سمعت لنبينا عليه الصلاة والسلام. وفي «البحر» الذي يظهر أنه خطاب للسامع الذي يريد أن يفحص عن الديانات قيل له اسأل أيها الناظر أتباع الرسل أجاءت رسلهم بعبادة غير الله عز وجل فإنهم يخبرونك أن ذلك لم يقع ولا يمكن أن يأتوا به ولعمري إنه خلاف الظاهر جداً. ومما يقضي منه العجب ما قيل: إن المعنى واسألني أو واسألنا عمن أرسلنا وعلق اسأل فارتفع من وهو اسم استفهام على الابتداء وأرسلنا خبره والجملة في موضع نصب باسأل بعد إسقاط الخافض كأن سؤاله من أرسلت يا رب قبلي من رسلك أجعلت في رسالته آلهة تعبد ثم ساق السؤال فحكى المعنى فرد الخطاب إلى النبـي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {مِن قَبْلِكَ} انتهى. واسأل من قرأ أبا جاد أيرضى بهذا الكلام ويستحسن تفسير كلام الله تعالى المجيد بذلك.
ابن عاشور
تفسير : الأمر بالسؤال هنا تمثيل لشهرة الخبر وتحققه كما في قول السمؤال أو الحارثي: شعر : سَلي إن جَهِلتِ الناسَ عنا وعنهم تفسير : وقولِ زيد الخيل: شعر : سائِلْ فوارِسَ يَرْبوع بِشدَّتِنا تفسير : وقوله: { أية : فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك } تفسير : [يونس: 94] إذ لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم في شكّ حتى يَسأل، وإلا فإن سؤاله الرّسل الذين من قبله متعذر على الحقيقة. والمعنى استقْرِ شرائع الرّسل وكتبهم وأخبارهم هل تجد فيها عبادة آلهة. وفي الحديث « حديث : واستفتتِ قلبك » تفسير : أي تثبت في معرفة الحلال والحرام. وجملة {أجعلنا} بدل من جملة {واسأل}، والهمزة للاستفهام وهو إنكاري وهو المقصود من الخبر، وهو ردّ على المشركين في قولهم: { أية : إنا وجدنا آباءنا على أمةٍ وإنا على آثارهم مهتدون } تفسير : [الزخرف: 22] أي ليس آباؤكم بأهدى من الرّسل الأولين إن كنتم تزعمون تكذيب رسولنا لأنه أمركم بإفراد الله بالعبادة. ويجوز أن يجعل السؤال عن شهرة الخبر. ومعنى الكلام: وإنا ما أمرنا بعبادة آلهة دوننا على لسان أحد من رسلنا. وهذا ردّ لقول المشركين { أية : لو شاء الرحمان ما عبدناهم } تفسير : [الزخرف: 20]. و{مِنْ} في قوله: {من قبلك} لتأكيد اتصال الظرف بعامله. و{مِن} في قوله: {من رسلنا} بيان لــ {قبلك}. فمعنى {أجعلنا} ما جعلنا ذلك، أي جعل التشريع والأمر، أي ما أمرنا بأن تعبد آلهة دوننا. فوصف آلهة بــ {يعبدون} لنفي أن يكون الله يرضى بعبادة غيره فضلاً عن أن يكون غيره إلـٰهاً مثله وذلك أن المشركين كانوا يعبدون الأصنام وكانوا في عقائدهم أشتاتاً فمنهم من يجعل الأصنام آلهة شركاء لله، ومنهم من يزعم أنه يعبدهم ليقربوه من الله زُلْفى، ومنهم من يزعمهم شفعاء لهم عند الله. فلما نفي بهذه الآية أن يكون جَعل آلهة يُعبدون أبطل جميع هذه التمَحُّلات. وأجري {آلهة} مجرى العقلاء فوصفوا بصيغة جمع العقلاء بقوله: {يعبدون}. ومثله كثير في القرآن جرياً على ما غلب في لسان العرب إذ اعتقدوهم عقلاء عالمين. وقرأ ابن كثير والكسائي {وسَلْ}بتخفيف الهمزة.
الشنقيطي
تفسير : ما تضمنته هذه الآية الكريمة. من أن جميع الرسل جاءوا بإخلاص التوحيد لله، الذي تضمنته كلمة لا إله إلا الله، جاء موضحاً في آيات كثيرة، كقوله تعالى {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ} تفسير : [النحل: 36]. وقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ} تفسير : [الأنبياء: 25]، وذلك التوحيد هو أول ما يأمر به كل نبي أمته. قال تعالى: {أية : لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} تفسير : [الأعراف: 59]، وقال تعالى: {أية : وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} تفسير : [الأعراف: 65]، وقال تعالى: {أية : وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} تفسير : [الأعراف: 73]، وقال تعالى: {أية : وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} تفسير : [الأعراف: 85] الآية. إلى غير ذلك من الآيات.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَسْئَلْ} {آلِهَةً} (45) - إِنَّكَ يَا مُحَمَّدُ لَسْتَ بِدْعاً مِنْ الرُسُلِ فَمَا دَعَوْتَ إِلَيهِ النَّاسَ مِنْ عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَمِنَ النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ، وَعَنْ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ والأَوْثَانِ.. دَعَتْ إِلَيهِ جَمِيعُ الرُّسُلِ الذِينَ سَبَقُوكَ الأُمَمَ التِي أُرْسِلُوا إِلَيهَا، وَلَمْ يَدْعُ أَحَدٌ مِنَ الرُّسُلِ والأَنْبِيَاءِ إِلَى عِبَادَةِ غَيرِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، لأَِنَّهُ لاَ رَبَّ سِوَاهُ، وَلاَ مَعْبُودَ غَيْرُهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هنا وقفة تأمل لنفهم الآية {وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ} [الزخرف: 45] كيف يسألهم رسول الله وهم أموات، لماذا يأمره ربه عزَّ وجل هذا الأمر؟ وإذا أمر الحق سبحانه رسوله أمراً وجب عليه أن يطيع. وقد هيَّأ الحق سبحانه هذه الفرصة لنبيه صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء والمعراج حيث التقى فعلاً بإخوانه الأنبياء السابقين، واجتمع بهم وصلى بهم إماماً في بيت المقدس وهم أموات بقانون الموت وهو حَيٌّ بقانون الأحياء. وثبت أنه خاطب بعضهم، وتحدث معه كما تحدث مع سيدنا موسى عليه السلام، وأنه راجعه في أمر الصلوات الخمسين، إلى أنْ جعلها الله خمساً. فإنْ قلتَ: كيف يجتمع الضِّدان (ميت) و (حي) ويكون بينهما كلامٌ وتفاهم؟ نقول: يجوز ذلك لأنه فعل القدرة وطلاقة القدرة لله تعالى، فطلاقة القدرة لا ترتبط بقوانين الحيِّ والميت. وسبق أنْ قلنا: إنه ينبغي أنْ ننسب الفعل للفاعل لنستريح، فهذه المسألة غَيْبٌ نؤمن به وننسب كلَّ عجيب فيها إلى مُنشئ هذا العجب. تذكرون قصة سيدنا إبراهيم لما ألقوْهُ في النار، ماذا حدث؟ القانون أن النار تحرق، لكن ماذا إنْ أرادها الله بَرْداً وسلاماً وهي ما زالت ناراً مشتعلة؟ لما أرادها الله كانت بَرْداً وسلاماً على إبراهيم، وتعطَّل فيها قانون الإحراق. ولو شاء سبحانه لسخَّر لهذه النار سحابة تمطر عليها حتى تنطفئ، ولو شاء ما تمكَّنوا من إبراهيم ولا أمسكوا به، لكن لتتم المعجزة مكَّنهم الله من إبراهيم وألقوه بالفعل في النار وهي تشتعل، ومع ذلك لم تحرقه، فهذه هي طلاقة القدرة. كذلك رأينا طلاقة القدرة في قصة عصا سيدنا موسى لما ضرب بها البحرَ فانفلقَ، وتجمَّد فيه الماءُ حتى صار كل فِرْق كالطوْد العظيم، وهي نفس العصا ضرب بها الحجر فانفجرتْ منه اثنتا عشرة عيناً، فالحق يعطينا لقطاتٍ لطلاقة القدرة وخَرْق العادة والقوانين لنقيسَ عليها. بعض المفسِّرين يستبعدون هذه المسألة. أي: اللقاء بين الحي والميت - ويُؤوِّلون المعنى بما يوافق ميولهم، فيقولون: المراد واسأل أتباع الرسل قبلك لأنهم أخذوا الدين عنهم. وأصحاب هذا الرأي يريدون أنْ يُفلتوا من مسألة التقاء الحيِّ بالميت، ومن إثبات هذه المعجزة الخارقة للعادة، لكن لا غرابةَ في ذلك ولا عجبَ لأن الفاعل مَنْ؟ الله. أو: أن المراد بالسؤال في {وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ} [الزخرف: 45] ليس السؤال في ذاته ولا الجواب في ذاته، إنما المراد العِظَة والاعتبار على حَدِّ قول الخطيب مثلاً في خطبة الجمعة: سَل الأرض مَنْ أجرى فيها الأنهار، ومَنْ أنبت فيها الأشجار، سَل الروض مُزداناً، سَل الماء جارياً .. إلخ. إذن: ليس المراد أنْ نسأل الأرض، إنما نسأل أنفسنا ونتفكر ونتأمل. كذلك في قوله سبحانه: {وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ} [الزخرف: 45]. لكن اسألَ رسولُ الله مَنْ قبله من الرسل عن هذه المسألة {أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45]؟ الواقع أنه لم يسأل، لماذا؟ لأن عنده من اليقين ما يجعله في غِنًى عن هذا السؤال، فرسولُ الله ليس في حاجة لمَنْ يؤكد له أنه ليس مع الله آلهةٌ تُعبد. لذلك ورد عن الإمام علي كرَّم الله وجهه أنه قال: لو كُشِفَ عني الحجاب ما ازددتُ يقيناً. يعني: أنا مؤمن بالغيبيات إيماناً راسخاً مستقراً، وكأني أطلع عليه وأراه، ولو كُشف لي ما زاد في يقيني شيء، لأن إخبار الله لرسوله بالشيء أصدقُ من رؤيتنا له. اقرأ: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ} تفسير : [الفيل: 1] ومعلوم أن الرسول وُلِد عام الفيل، يعني لم يَرَه، لكن أخبره الله {أية : أَلَمْ تَرَ} تفسير : [الفيل: 1] يعني: ألم تعلم، تعلم بأي وسيلة؟ تعلم بحواسك، أو تعلم بخبر خالق هذه الحواس. إذن: إخبار الحق آكد وأصدق من رؤية العين. والاستفهام في {أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45] يُراد منه النفي والإنكار، فعبادةُ غير الله أمر غير وارد من الرسل، إذن: هو من صُنْع البشر، استحدثوه لإرضاء أهوائهم في أنْ يكونَ لهم معبود، لكن معبودٌ على هواهم، معبود لا يُقيد شهواتهم ورغباتهم بمنهج (افعل كذا) و (لا تفعل كذا). ومن هنا عبدوا الأصنام وعبدوا الشمس والقمر والكواكب وغيرها، وكلها معبوداتٌ بزعمهم هم - ما أنزل الله بها من سلطان، ولا شرَّعها في أيِّ شريعة من الشرائع.
همام الصنعاني
تفسير : 2770- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ}: [الآية: 45]، [قال: قال في بعض الحروف (وسئل الذين أرسلنا إليهم من قبلك رسلنا)] يقول: سَلْ أَهْلَ الْكِتَابِ أكانت الرسل تأتيهم بالتوحيد؟ أكانت تأتيهم بالإِخلاص.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):