Verse. 4371 (AR)

٤٣ - ٱلْزُّخْرُف

43 - Az-Zukhruf (AR)

وَلَقَدْ اَرْسَلْنَا مُوْسٰى بِاٰيٰتِنَاۗ اِلٰى فِرْعَوْنَ وَمَلَا۟ىِٕہٖ فَقَالَ اِنِّىْ رَسُوْلُ رَبِّ الْعٰلَمِيْنَ۝۴۶
Walaqad arsalna moosa biayatina ila firAAawna wamalaihi faqala innee rasoolu rabbi alAAalameena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه» أي القبط «فقال إني رسول رب العالمين».

46

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن المقصود من إعادة قصة موسى عليه السلام وفرعون في هذا المقام تقرير الكلام الذي تقدم، وذلك لأن كفار قريش طعنوا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بسبب كونه فقيراً عديم المال والجاه، فبيّن الله تعالى أن موسى عليه السلام بعد أن أورد المعجزات القاهرة الباهرة التي لا يشك في صحتها عاقل أورد فرعون عليه هذه الشبهة التي ذكرها كفار قريش فقال: إني غني كثير المال والجاه، ألا ترون أنه حصل لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي، وأما موسى فإنه فقير مهين وليس له بيان ولسان، والرجل الفقير كيف يكون رسولاً من عند الله إلى الملك الكبير الغني، فثبت أن هذه الشبهة التي ذكرها كفارمكة وهي قولهم { أية : لَوْلاَ نُزّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } تفسير : [الزخرف: 31] وقد أوردها بعينها فرعون على موسى، ثم إنا انتقمنا منهم فأغرقناهم، والمقصود من إيراد هذه القصة تقرير أمرين أحدهما: أن الكفار والجهال أبداً يحتجون على الأنبياء بهذه الشبهة الركيكة فلا يبالي بها ولا يلتفت إليها والثاني: أن فرعون على غاية كمال حاله في الدنيا صار مقهوراً باطلاً، فيكون الأمر في حق أعدائك هكذا، فثبت أنه ليس المقصود من إعادة هذه القصة عين هذه القصة، بل المقصود تقرير الجواب عن الشبهة المذكورة، وعلى هذا فلا يكون هذا تقريراً للقصة ألبتة وهذا من نفائس الأبحاث، والله أعلم. المسألة الثانية: في تفسير الألفاظ ذكر تعالى أنه أرسل موسى بآياته وهي المعجزات التي كانت مع موسى عليه السلام إلى فرعون وملائه أي قومه، فقال موسى إني رسول ربّ العالمين، فلما جاءهم بتلك الآيات إذا هم منها يضحكون، قيل إنه لما ألقى عصاه صار ثعباناً، ثم أخذ فعاد عصاً كما كان ضحكوا، ولم عرض عليهم اليد البيضاء ثم عادت كما كانت ضحكوا، فإن قيل كيف جاز أن يجاب عن لما بإذا الذي يفيد المفاجأة؟ قلنا لأن فعل المفاجأة معها مقدر كأنه قيل فلما جاءهم بآياتنا فاجأوا وقت ضحكهم. ثم قال: {وَمَا نُرِيِهِم مّنْ ءايَةٍ إِلاَّ هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا } فإن قيل ظاهر اللفظ يقتضي كون كل واحد منها أفضل من التالي وذلك محال، قلنا إذا أُريد المبالغة في كون كل واحد من تلك الأشياء بالغاً إلى أقصى الدرجات في الفضيلة، فقد يذكر هذا الكلام بمعنى أنه لا يبعد في أناس ينظرون إليها أن يقول هذا إن هذا أفضل من الثاني، وأن يقول الثاني لا بل الثاني أفضل، وأن يقول الثالث بل الثالث أفضل، وحينئذ يصير كل واحد من تلك الأشياء مقولاً فيه إنه أفضل من غيره. ثم قال تعالى: {وَأَخَذْنَـٰهُم بِٱلْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } أي عن الكفر إلى الإيمان، قالت المعتزلة هذا يدل على أنه تعالى يريد الإيمان من الكل وأنه إنما أظهر تلك المعجزات القاهرة لإرادة أن يرجعوا من الكفر إلى الإيمان، قال المفسرون ومعنى قوله {وَأَخَذْنَـٰهُم بِٱلْعَذَابِ } أي بالأشياء التي سلطها عليها كالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس. ثم قال تعالى: {وَقَالُواْ يـٰأَيُّه ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ } فإن قيل كيف سموه بالساحر مع قولهم {إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ }؟ قلنا فيه وجوه الأول: أنهم كانوا يقولون للعالم الماهر ساحر، لأنهم كانوا يستعظمون السحر، وكما يقال في زماننا في العامل العجيب الكامل إنه أتى بالسحر الثاني: {وَقَالُواْ يـٰأَيُّه ٱلسَّاحِرُ } في زعم الناس ومتعارف قوم فرعون كقوله { أية : يأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزّلَ عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } تفسير : [الحجر: 6] أي نزل عليه الذكر في اعتقاده وزعمه الثالث: أن قولهم {إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ } وقد كانوا عازمين على خلافه ألا ترى إلى قوله {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ } فتسميتهم إياه بالسحر لا ينافي قولهم {إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ } ثم بيّن تعالى أنه لما كشف عنهم العذاب نكثوا ذلك العهد. ولما حكى الله تعالى معاملة فرعون مع موسى، حكى أيضاً معاملة فرعون معه فقال: {وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ } والمعنى أنه أظهر هذا القول فقال: {قَالَ يَـا قَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَـٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِى } يعني الأنهار التي فصلوها من النيل ومعظمها أربعة نهر الملك ونهر طولون ونهر دمياط ونهر تنيس، قيل كانت تجري تحت قصره، وحاصل الأمر أنه احتج بكثرة أمواله وقوة جاهه على فضيلة نفسه. ثم قال: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ } وعنى بكونه مهيناً كونه فقيراً ضعيف الحال، وبقوله {وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ } حبسة كانت في لسانه، واختفلوا في معنى أم ههنا فقال أبو عبيدة مجازها بل أنا خير، وعلى هذا فقد تم الكلام عند قوله {أَفلاَ تُبْصِرُونَ } ثم ابتدأ فقال: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ } بمعنى بل أنا خير، وقال الباقون أم هذه متصلة لأن المعنى أفلا تبصرون أم تبصرون إلا أنه وضع قوله {أَنَا خَيْرٌ } موضع تبصرون، لأنهم إذا قالوا له أنت خير فهم عنده بصراء، وقال آخرون إن تمام الكلام عند قوله {أَمْ } وقوله {أَنَا خَيْرٌ } ابتداء الكلام والتقدير أفلا تبصرون أم تبصرون لكنه اكتفى فيه بذكر أم كما تقول لغيرك: أتأكل أم أي أتأكل أم لا تأكل، تقتصر على ذكر كلمة أم إيثاراً للاختصار فكذا ههنا، فإن قيل أليس أن موسى عليه السلام سأل الله تعالى أن يزيل الرتة عن لسانه بقوله { أية : وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مّن لّسَانِى يَفْقَهُواْ قَوْلِي } تفسير : [طه: 27] فأعطاه الله تعالى ذلك بقوله { أية : قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ } تفسير : [طه: 36] فكيف عابه فرعون بتلك الرتة؟ والجواب: عنه من وجهين: الأول: أن فرعون أراد بقوله {وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ } حجته التي تدل على صدقه فيما يدعي ولم يرد أنه لا قدرة له على الكلام والثاني: أنه عابه بما كان عليه أولاً، وذلك أن موسى كان عند فرعون زماناً طويلاً وفي لسانه حبسة، فنسبه فرعون إلى ما عهده عليه من الرتة لأنه لم يعلم أن الله تعالى أزال ذلك العيب عنه. ثم قال: {فَلَوْلاَ أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مّن ذَهَبٍ } والمراد أن عادة القوم جرت بأنهم إذا جعلوا واحداً منهم رئيساً لهم سوروه بسوار من ذهب وطوقوه بطوق من ذهب، فطلب فرعون من موسى مثل هذه الحالة، واختلف القراء في أسورة فبعضهم قرأ أسوِرَة وآخرون أساورة فأسورة جمع سوار لأدنى العدد، كقولك حمار وأحمرة وغراب وأغربة، ومن قرأ أساورة فذاك لأن أساوير جمع أسوار وهو السوار فأساورة تكون الهاء عوضاً عن الياء، نحو بطريق وبطارقة وزنديق وزنادقة وفرزين وفرازنة فتكون أساورة جمع أسوار، وحاصل الكلام يرجع إلى حرف واحد وهو أن فرعون كان يقول أنا أكثر مالاً وجاهاً، فوجب أن أكون أفضل منه فيمتنع كونه رسولاً من الله، لأن منصب النبوة يقتضي المخدومية، والأخس لا يكون مخدوماً للأشرف، ثم المقدمة الفاسدة هي قوله من كان أكثر مالاً وجاهاً فهو أفضل وهي عين المقدمة التي تمسك بها كفار قريش في قولهم { أية : لَوْلاَ نُزّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } تفسير : [الزخرف: 31] ثم قال: {أَوْ جَاء مَعَهُ ٱلْمَلَـئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ } يجوز أن يكون المراد مقرنين به، من قولك قرنته به فاقترن وأن يكون من قولهم اقترنوا بمعنى تقارنوا، قال الزجاج معناه يمشون معه فيدلون على صحة نبوته. ثم قال تعالى: {فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ } أي طلب منهم الخفة في الإتيان بما كان يأمرهم به فأطاعوه {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ } حيث أطاعوا ذلك الجاهل الفاسق {فَلَمَّا ءاسَفُونَا } أغضبونا، حكي أن ابن جريج غضب في شيء فقيل له أتغضب يا أبا خالد؟ فقال قد غضب الذي خلق الأحلام إن الله يقول {فَلَمَّا ءاسَفُونَا } أي أغضبونا. ثم قال تعالى: {ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ } واعلم أن ذكر لفظ الأسف في حق الله تعالى محال وذكر لفظ الانتقام وكل واحد منهما من المتشابهات التي يجب أن يصار فيها إلى التأويل، ومعنى الغضب في حق الله إرادة العقاب، ومعنى الانتقام إرادة العقاب لجرم سابق. ثم قال تعالى: {فَجَعَلْنَـٰهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً } السلف كل شيء قدمته من عمل صالح أو قرض فهو سلف والسلف أيضاً من تقدم من آبائك وأقاربك واحدهم سالف، ومنه قول طفيل يرثي قومه: شعر : مضواً سلفاً قصد السبيل عليهم وصرف المنايا بالرجال تقلب تفسير : فعلى هذا قال الفراء والزجاج يقول: جعلناهم متقدمين ليتعظ بهم الآخرون، أي جعلناهم سلفاً لكفار أمة محمد عليه السلام. وأكثر القراء قرأوا بالفتح وهو جمع سالف كما ذكرناه، وقرأ حمزة والكسائي {سَلَفاً } بالضم وهو جمع سلف، قال الليث: يقال سلف بضم اللام يسلف سلوفاً فهو سلف أي متقدم، وقوله {وَمَثَلاً للأَخِرِينَ } يريد عظة لمن بقي بعدهم وآية وعبرة، قال أبو علي الفارسي المثل واحد يراد به الجمع، ومن ثم عطف على سلف، والدليل على وقوعه على أكثر من واحد قوله تعالى: { أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْء وَمَن رَّزَقْنَاهُ } تفسير : [النحل: 75] فأدخل تحت المثل شيئين، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَآ} لمّا أعلم النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه منتقم له من عدوّه وأقام الحجة بٱستشهاد الأنبياء وٱتفاق الكل على التوحيد أكّد ذلك بقصة موسى وفرعون، وما كان من فرعون من التكذيب، وما نزل به وبقومه من الإغراق والتكذيب؛ أي أرسلنا موسى بالمعجزات وهي التسع الآيات فَكُذِّب؛ فجعلت العاقبة الجميلة له، فكذلك أنت. ومعنى: {يَضْحَكُونَ } استهزاءً وسخرية؛ يوهمون أتباعهم أن تلك الآيات سحر وتخييل، وأنهم قادرون عليها. وقوله: {وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا} أي كانت آيات موسى من كبار الآيات، وكانت كل واحدة أعظمَ مما قبلها. وقيل: «إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا» لأن الأولى تقتضي علماً والثانية تقتضي علماً، فتُضَمّ الثانية إلى الأولى فيزداد الوضوح، ومعنى الأُخوّة المشاكلة والمناسبة؛ كما يقال: هذه صاحبة هذه؛ أي هما قريبتان في المعنى. {وَأَخَذْنَاهُم بِٱلْعَذَابِ} أي على تكذيبهم بتلك الآيات؛ وهو كقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن ٱلثَّمَرَاتِ} تفسير : [الأعراف: 130]. والطوفان والجراد والقُمَّل والضفادع. وكانت هذه الآيات الأخيرة عذاباً لهم وآياتٍ لموسى. {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} من كفرهم. {وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلسَّاحِرُ} لما عاينوا العذاب قالوا يأيها الساحر؛ نَادَوْهُ بما كانوا ينادونه به من قبل ذلك على حسب عادتهم. وقيل: كانوا يسمّون العلماء سحرة فنادوه بذلك على سبيل التعظيم. قال ابن عباس: «يَأَيُّهَا السَّاحِرُ» يأيها العالم، وكان الساحر فيهم عظيماً يُوقّرونه؛ ولم يكن السحر صفةَ ذم. وقيل: يأيها الذي غَلَبَنَا بسحره؛ يقال: ساحرته فسحرته؛ أي غلبته بالسحر؛ كقول العرب: خاصمته فخصمته أي غلبته بالخصومة، وفاضلته ففضلته، ونحوها. ويحتمل أن يكون أرادوا به الساحر على الحقيقة على معنى الاستفهام، فلم يَلُمْهم على ذلك رجاء أن يؤمنوا. وقرأ ابن عامر وأبو حَيْوَة ويحيى بن وَثّاب «أيُّهُ الساحر» بغير ألف والهاء مضمومة؛ وعلّتها أن الهاء خُلطت بما قبلها وألزمت ضم الياء الذي أوجبه النداء المفرد. وأنشد الفرّاء:شعر : يأيُّهُ القلبُ اللَّجُوج النفس أفق عن البيض الحسانِ اللُّعْسِ تفسير : فضم الهاء حملاً على ضم الياء؛ وقد مضى في «النور» معنى هذا. ووقف أبو عمرو وٱبن أبي إسحاق ويحيى والكسائي «أيها» بالألف على الأصل. الباقون بغير ألف؛ لأنها كذلك وقعت في المصحف. {ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ} أي بما أخبرنا عن عهده إليك إنا إن آمنا كشف عنا؛ فسله يكشف عنا {إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ} أي فيما يستقبل. {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ} أي فدعا فكشفنا. {إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ} أي ينقضون العهد الذي جعلوه على أنفسهم فلم يؤمنوا. وقيل: قولهم «إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ» إخبار منهم عن أنفسهم بالإيمان؛ فلما كشف عنهم العذاب ارتدّوا. قوله تعالى: {وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ} قيل: لما رأى تلك الآيات خاف ميل القوم إليه فجمع قومه فقال؛ فنادى بمعنى قال؛ قاله أبو مالك. فيجوز أن يكون عنده عظماء القبط فرفع صوته بذلك فيما بينهم ثم ينشر عنه في جموع القبط؛ وكأنه نودي به بينهم. وقيل: إنه أمر من ينادي في قومه؛ قاله ٱبن جريج. {قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} أي لا ينازعني فيه أحد. قيل: إنه ملك منها أربعين فرسخاً في مثلها؛ حكاه النقاش. وقيل: أراد بالملك هنا الإسكندرية. {وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ} يعني أنهار النيل، ومعظمها أربعة: نهر الملك ونهر طولون ونهر دمياط ونهر تِنّيس. قال قتادة: كانت جناناً وأنهاراً تجري من تحت قصوره. وقيل: من تحت سريره. وقيل: «مِنْ تَحْتِي» أي تصرفي نافذ فيها من غير صانع. وقيل: كان إذا أمسك عنانه أمسك النيل عن الجَرْي. قال القشيريّ: ويجوز ظهور خوارق العادة على مدّعي الرُّبُوبية؛ إذ لا حاجة في تمييز الإلٰه من غير الإلٰه إلى فعلٍ خارق للعادة. وقيل: معنى «وَهَذِهِ اْلأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي» أي القوّاد والرؤساء والجبابرة يسيرون تحت لوائي؛ قاله الضحاك. وقيل: أراد بالأنهار الأموال، وعبّر عنها بالأنهار لكثرتها وظهورها. وقوله: {تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ} أي أفرّقها على مَن يتبعني؛ لأن الترغيب والقدرة في الأموال دون الأنهار. {أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} عظمتي وقوّتي وضَعْف موسى. وقيل قدرتي على نفقتكم وعجز موسى. والواو في «وَهَذِهِ» يجوز أن تكون عاطفة للأنهار على «مُلْكُ مِصْرَ» و «تَجْرِي» نصب على الحال منها. ويجوز أن تكون واو الحال، وٱسم الإشارة مبتدأ، و «اْلأَنْهَارُ» صفة لاْسم الإشارة، و «تَجْرِي» خبر للمبتدأ. وفتح الياء من «تَحْتِيَ» أهل المدينة والبَزِّي وأبو عمرو، وأسكن الباقون. وعن الرشيد أنه لما قرأها قال: لأُوَلِّيَنَّهَا أحسن عبيدي، فولاَّها الخَصيبَ، وكان على وضوئه. وعن عبد الله بن طاهر أنه وليها فخرج إليها فلما شارفها ووقع عليها بصره قال: أهذه القرية التي ٱفتخر بها فرعون حتى قال: «أَلَيْسَ لِي مُلْك مِصْرَ»؟ٰ والله لهي عندي أقلّ من أن أدخلهاٰ فثنى عِنانه. ثم صرح بحاله فقال: {أَمْ أَنَآ خَيْرٌ} قال أبو عبيدة والسُّدِّي «أَمْ» بمعنى «بل» وليست بحرف عطف؛ على قول أكثر المفسرين. والمعنى: قال فرعون لقومه بل أنا خير {مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ} أي لا عِزّ له فهو يمتهن نفسه في حاجاته لحقارته وضعفه {وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} يعني ما كان في لسانه من العقدة؛ على ما تقدّم في «طه». وقال الفراء: في «أَمْ» وجهان: إن شئت جعلتها من الاستفهام الذي جعل بأم لاتصاله بكلام قبله، وإن شئت جعلتها نَسَقاً على قوله: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ}. وقيل: هي زائدة. وروى أبو زيد عن العرب أنهم يجعلون «أَمْ» زائدة؛ والمعنى أنا خير من هذا الذي هو مهين. وقال الأخفش: في الكلام حذف، والمعنى: أفلا تبصرون أم تبصرون؛ كما قال:شعر : أيا ظَبْيَةَ الوَعْساء بين جُلاجِلٍ وبين النَّقا آأنتِ أمْ أمُّ سالمِ تفسير : أي أنت أحسن أم أمّ سالم. ثم ٱبتدأ فقال: «أَنَا خَيْرٌ». وقال الخليل وسيبويه: المعنى «أَفَلاَ تُبْصِرُونَ»، أم أنتم بصراء، فعطف بـ «ـأم» على «أَفَلاَ تُبْصِرُونَ» لأن معنى «أَمْ أَنَا خَيْرٌ» أم أي تبصرون؛ وذلك أنهم إذا قالوا له أنت خير منه كانوا عنده بصراء. وروي عن عيسى الثَّقفِيّ ويعقوب الحضرميّ أنهما وقفا على «أم» على أن يكون التقدير أفلا تبصرون أم تبصرون؛ فحذف تبصرون الثاني. وقيل من وقف على «أم» جعلها زائدة، وكأنه وقف على «تُبْصِرُونَ» من قوله: {أَفَلاَ تُبْصِرُونَ}. ولا يتم الكلام على «تُبْصِرُونَ» عند الخليل وسيبويه؛ لأن «أم» تقتضي الاتصال بما قبلها. وقال قوم: الوقف على قوله: {أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} ثم ٱبتدأ «أَمْ أَنَا خَيْرٌ» بمعنى بل أنا؛ وأنشد الفرّاء:شعر : بدت مثل قَرْن الشمس في رَوْنَقِ الضحى وصورتِها أم أنتِ في العين أمْلَحُ تفسير : فمعناه: بل أنتِ أملح. وذكر الفرّاء أن بعض القراء قرأ «أَمَا أَنَا خَيْرٌ»؛ ومعنى هذا ألست خيراً. وروي عن مجاهد أنه وقف على «أم» ثم يبتدىء «أَنَا خَيْرٌ» وقد ذُكر.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عبده ورسوله موسى عليه السلام: أنه ابتعثه إلى فرعون وملئه من الأمراء والوزراء، والقادة والأتباع والرعايا من القبط وبني إسرائيل، يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وينهاهم عن عبادة ما سواه، وأنه بعث معه آيات عظاماً؛ كيده وعصاه، وما أرسل معه من الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، ومن نقص الزروع والأنفس والثمرات، ومع هذا كله استكبروا عن اتباعها والانقياد لها، وكذبوها وسخروا منها، وضحكوا ممن جاءهم بها{وَمَا نُرِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلاَّ هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا} ومع هذا ما رجعوا عن غيهم وضلالهم، وجهلهم وخبالهم، وكلما جاءتهم آية من هذه الآيات، يضرعون إلى موسى عليه الصلاة والسلام، ويتلطفون له في العبارة بقولهم: {يٰأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ} أي: العالم، قاله ابن جرير، وكان علماء زمانهم هم السحرة. ولم يكن السحر في زمانهم مذموماً عندهم، فليس هذا منهم على سبيل الانتقاص منهم؛ لأن الحال حال ضرورة منهم إليه لا تناسب ذلك، وإنما هو تعظيم في زعمهم، ففي كل مرة يعدون موسى عليه السلام إن كشف عنهم هذا أن يؤمنوا به، ويرسلوا معه بني إسرائيل، وفي كل مرة ينكثون ما عاهدوا عليه، وهذا كقوله تبارك وتعالى: {أية : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءَايَـٰتٍ مّفَصَّلاَتٍ فَٱسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَـٰلِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ } تفسير : [الأعراف: 133 ــــ 135].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِئَايَٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ } أي القبط {فَقَالَ إِنِّى رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ }.

الشوكاني

تفسير : لما أعلم الله سبحانه نبيه بأنه منتقم له من عدوّه، وذكر اتفاق الأنبياء على التوحيد، أتبعه بذكر قصة موسى، وفرعون، وبيان ما نزل بفرعون وقومه من النقمة، فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـئَايَـٰتِنَا }، وهي: التسع التي تقدّم بيانها {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} الملأ: الأشراف {فَقَالَ إِنّى رَسُولُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } أرسلني إليكم {فَلَمَّا جَاءهُم بِـئَايَـٰتِنَا إِذَا هُم مِنْهَا يَضْحَكُونَ } استهزاء وسخرية، وجواب لما هو إذا الفجائية، لأن التقدير: فاجئوا وقت ضحكهم {وَمَا نُرِيِهِم مّنْ ءايَةٍ إِلاَّ هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا } أي: كل واحدة من آيات موسى أكبر مما قبلها، وأعظم قدراً مع كون التي قبلها عظيمة في نفسها، وقيل: المعنى: إن الأولى تقتضي علماً، والثانية تقتضي علماً، فإذا ضمت الثانية إلى الأولى ازداد الوضوح، ومعنى الأخوّة بين الآيات: أنها متشاكلة متناسبة في دلالتها على صحة نبوّة موسى كما يقال: هذه صاحبة هذه، أي: هما قرينتان في المعنى. وجملة {إِلاَّ هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا } في محل جرّ صفة لآية، وقيل: المعنى: أن كل واحدة من الآيات إذا انفردت ظنّ الظانّ أنها أكبر من سائر الآيات، ومثل هذا قول القائل:شعر : من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري تفسير : {وَأَخَذْنَـٰهُم بِٱلْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } أي: بسبب تكذيبهم بتلك الآيات، والعذاب هو المذكور في قوله: {أية : وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسّنِينَ وَنَقْصٍ مّن ٱلثَّمَرَاتِ } تفسير : الآية [الأعراف: 130]، وبين سبحانه أن العلة في أخذه لهم بالعذاب هو: رجاء رجوعهم، ولماعاينوا ماجاءهم به من الآيات البينات، والدلالات الواضحات ظنوا أن ذلك من قبيل السحر. {وَقَالُواْ ياأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ }، وكانوا يسمون العلماء سحرة، ويوقرون السحرة، ويعظمونهم، ولم يكن السحر صفة ذم عندهم. قال الزجاج: خاطبوه بما تقدّم له عندهم من التسمية بالساحر {ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ } أي: بما أخبرتنا من عهده إليك إنا إذا آمنا كشف عنا العذاب، وقيل: المراد بالعهد: النبوّة، وقيل: استجابة الدعوة على العموم {إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ } أي: إذا كشف عنا العذاب الذي نزل بنا، فنحن مهتدون فيما يستقبل من الزمان، ومؤمنون بما جئت به. {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ } في الكلام حذف، والتقدير: فدعا موسى ربه، فكشف عنهم العذاب، فلما كشف عنهم العذاب، فاجئوا وقت نكثهم للعهد الذي جعلوه على أنفسهم من الاهتداء، والنكث: النقض. {وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ } قيل: لما رأى تلك الآيات خاف ميل القوم إلى موسى، فجمعهم، ونادى بصوته فيما بينهم، أو أمر منادياً ينادي بقوله: {يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ } لا ينازعني فيه أحد، ولا يخالفني مخالف {وَهَـٰذِهِ ٱلأنْهَـٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِى } أي: من تحت قصري، والمراد: أنهار النيل، وقال قتادة: المعنى تجري بين يديّ. وقال الحسن: تجري بأمري، أي: تجري تحت أمري. وقال الضحاك: أراد بالأنهار: القوّاد، والرؤساء، والجبابرة، وأنهم يسيرون تحت لوائه. وقيل: أراد بالأنهار: الأموال، والأوّل أولى. والواو في: {وهذه} عاطفة على ملك مصر، و {تجري} في محلّ نصب على الحال، أو هي واو الحال، واسم الإشارة مبتدأ، والأنهار صفة له، وتجري خبره، والجملة في محل نصب {أَفلاَ تُبْصِرُونَ } ذلك، وتستدلون به على قوّة ملكي، وعظيم قدري، وضعف موسى عن مقاومتي {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌ } أم: هي المنقطعة المقدّرة ببل التي للإضراب دون الهمزة التي للإنكار، أي: بل أنا خير. قال أبو عبيدة: أم بمعنى بل، والمعنى: قال فرعون لقومه: بل أنا خير. وقال الفراء: إن شئت جعلتها من الاستفهام الذي جعل بأم لاتصاله بكلام قبله، وقيل: هي زائدة، وحكى أبو زيد عن العرب أنهم يجعلون أم زائدة، والمعنى: أنا خير من هذا. وقال الأخفش: في الكلام حذف، والمعنى: أفلا تبصرون أم تبصرون؟ ثم ابتدأ، فقال: {أَنَا خَيْرٌ }، وروي عن الخليل، وسيبويه نحو قول الأخفش، ويؤيد هذا: أن عيسى الثقفي، ويعقوب الحضرمي وقفا على «أم» على تقدير أم تبصرون، فحذف لدلالة الأوّل عليه، وعلى هذا، فتكون أم متصلة لا منقطعة، والأوّل أولى، ومثله قول الشاعر الذي أنشده الفراء:شعر : بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى وصورتها أم أنت في العين أملح؟ تفسير : أي: بل أنت. وحكى الفراء أن بعض القراء قرأ: (أما أنا خير)؟ أي: ألست خيراً من هذا الذي هو مهين، أي: ضعيف حقير ممتهن في نفسه لا عزّ له {وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ } الكلام لما في لسانه من العقدة، وقد تقدم بيانه في سورة طه {فَلَوْلاَ أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مّن ذَهَبٍ } أي: فهلا حلى بأساورة الذهب إن كان عظيماً، وكان الرجل فيهم إذا سوّدوه سوّروه بسوار من ذهب، وطوّقوه بطوق من ذهب. قرأ الجمهور: {أساورة} جمع أسورة جمع سوار. وقال أبو عمرو بن العلاء: واحد الأساورة، والأساور، والأساوير أسوار، وهي لغة في سوار. وقرأ حفص: {أسورة} جمع سوار، وقرأ أبيّ: "أساور"، وابن مسعود: "أساوير". قال مجاهد: كانوا إذا سوّدوا رجلاً سوّروه بسوارين، وطوّقوه بطوق ذهب علامة لسيادته. {أَوْ جَاء مَعَهُ ٱلْمَلَـئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ } معطوف على ألقى، والمعنى: هلا جاء معه الملائكة متتابعين متقارنين إن كان صادقاً يعينونه على أمره، ويشهدون له بالنبوّة، فأوهم اللعين قومه أن الرسل لا بدّ أن يكونوا على هيئة الجبابرة، ومحفوفين بالملائكة. {فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ } أي: حملهم على خفة الجهل، والسفه بقوله، وكيده، وغروره، فأطاعوه فيما أمرهم به، وقبلوا قوله، وكذبوا موسى {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ } أي: خارجين عن طاعة الله. قال ابن الأعرابي: المعنى: فاستجهل قومه، فأطاعوه بخفة أحلامهم، وقلة عقولهم، يقال: استخفه الفرح، أي: أزعجه، واستخفه، أي: حمله، ومنه: {أية : وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ } تفسير : [الروم: 60]، وقيل: استخفّ قومه، أي: وجدهم خفاف العقول، وقد استخف بقومه، وقهرهم حتى اتبعوه {فَلَمَّا ءاسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ } قال المفسرون: أغضبونا، والأسف: الغضب، وقيل: أشد الغضب، وقيل: السخط، وقيل: المعنى: أغضبوا رسلنا. ثم بيّن العذاب الذي وقع به الانتقام، فقال: {فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ أَجْمَعِينَ } في البحر {فَجَعَلْنَـٰهُمْ سَلَفاً } أي: قدوة لمن عمل بعملهم من الكفار في استحقاق العذاب. قرأ الجمهور: {سلفاً} بفتح السين، واللام جمع سالف كخدم وخادم، ورصد وراصد، وحرس وحارس، يقال: سلف يسلف: إذا تقدّم، ومضى. قال الفراء، والزجاج: جعلناهم متقدّمين؛ ليتعظ بهم الآخرون، وقرأ حمزة، والكسائي: "سلفاً" بضم السين، واللام. قال الفراء: هو: جمع سليف، نحو سرر، وسرير. وقال أبو حاتم: هو: جمع سلف نحو خشب، وخشب. وقرأ علي، وابن مسعود، وعلقمة، وأبو وائل، والنخعي، وحميد بن قيس بضم السين، وفتح اللام جمع سلفة، وهي: الفرقة المتقدّمة نحو غرف، وغرفة، كذا قال النضر بن شميل {وَمَثَلاً لّلآخِرِينَ } أي: عبرة، وموعظة لمن يأتي بعدهم، أو قصة عجيبة تجري مجرى الأمثال. وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ } قال: كانت بموسى لثغة في لسانه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه {فَلَمَّا ءاسَفُونَا } قال: أسخطونا. وأخرجا عنه أيضاً {آسفونا} قال: أغضبونا، وفي قوله: {سَلَفاً } قال: أهواء مختلفة. وأخرج أحمد، والطبراني، والبيهقي في الشعب، وابن أبي حاتم عن عقبة بن عامر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا رأيت الله يعطي العبد ما شاء، وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك استدراج منه له»تفسير : ، وقرأ: {فَلَمَّا ءاسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ أَجْمَعِينَ }. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن طارق بن شهاب قال: كنت عند عبد الله، فذكر عنده موت الفجأة، فقال: تخفيف على المؤمن، وحسرة على الكافر، {فلما آسفونا انتقمنا منهم}.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَقَالُواْ يَأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ} فيه أربعة أوجه: أحدها: أنهم قالوا على وجه الاستهزاء، قاله الحسن. الثاني: أنه يجري على ألسنتهم ما ألفوه من اسمه، قاله الزجاج. الثالث: أنهم أرادوا بالساحر غالب السحرة، وهو معنى قول ابن بحر. الرابع: أن الساحر عندهم هو العالم، فعظموه بذلك ولم تكن صفة ذم، حكاه ابن عيسى وقاله الكلبي. {بِمَا عَهِدَ عِندَكَ} قال مجاهد: لئن أمنا لتكشف العذاب عنا، قال الضحاك، وذلك أن الطوفان أخذهم ثمانية أيام لا يسكن ليلاً ولا نهاراً. {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ} أي يغدرون وكان موسى دعا لقومه فأجيب فيهم فلم يفواْ.

ابن عطية

تفسير : هذه آية ضرب مثل وإسوة لمحمد عليه السلام بموسى عليه السلام ولكفار قريش بفرعون {وملائه}. والآيات التي أرسل بها موسى وهي التسع المذكورة وغير ذلك مما جاءت به الروايات، وخص الملأ بالذكر لأنهم يسدون مسد جميع الناس، ثم وصفهم تعالى بالضحك من آيات موسى، كما كانت قريش تضحك وتسخر من أخبار محمد عليه السلام، ثم وصف تعالى صورة عرض الآيات عليهم وإنما كانت شيئاً بعد شيء. وقوله: {إلا هي أكبر من أختها} عبارة عن شدة موقعها في نفوسهم بحدة أمرها وحدوثه، وذلك أن أول آية عرض موسى هي: العصا واليد، وكانت أكبر آياته، ثم كل آية بعد ذلك كانت تقع فيعظم عندهم لحينها وتكبر، لأنهم قد كانوا أنسوا التي قبلها، فهذا كما قال الشاعر: [الطويل] شعر : على أنها تعفو الكلومُ وإنما توكل بالأدنى وان جل ما يقضى تفسير : وذهب الطبري إلى أن الآيات هي الحجج والبينات. ثم ذكر تعالى أخذهم بالعذاب في العمل والضفادع والدم وغير ذلك، وهذا كما أخذ قريش بالسنين والدخان. وقوله: {لعلهم} ترج بحسب معتقد البشر وظنهم. و: {يرجعون} معناه: يتوبون ويقلعون. وقوله تعالى: {وقالوا يا أيه الساحر} جائز أن يكون قائل ذلك من أعملهم بكفر السحر فيقول: قوله استهزاء وهو يعلم قدر السحر وانحطاط منزلته، ويكون قوله: {عندك} بمعنى: في زعمك وعلى قولك، ويحتمل أن يكون القائل ليس من المتمردين الحذاق ويطلق لفظة الساحر لأحد وجهين، إما لأن السحر كان عند عامتهم علم الوقت، فكأنه قال: يا أيه العالم، وإما لأن هذه الاسمية قد كانت انطلقت عندهم على موسى لأول ظهورها، فاستصحبها هذا القائل في مخاطبة قلة تحرير وغباوة، ويكون القول على هذا التأويل جداً من القائل، ويكون قوله: {إنا لمهتدون} بمعنى إن نفعتنا دعوتك، وهذا التأويل أرجح، أعني أن كلام هذا القائل مقترن بالجد. وقرأ ابن عامر وحده: "يا أيُ" بياء مضمومة فقط. ثم أخبر عنهم أنه لما كشف عنهم العذاب نكثوا، ولو كان الكلام هزلاً من أوله لما وقع نكث.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـئَايَـٰتِنَا...} الآية، ضَرْبُ مثلٍ وأسوةٍ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم بموسَىٰ ـــ عليه السلام ـــ ولِكُفَّارِ قريشٍ بقوم فرعونَ. وقوله: {وَأَخَذْنَـٰهُم بِٱلْعَذَابِ} أي: كالطوفان والجراد والقُمَّلِ والضفادع، وغير ذلك {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي: يتوبون ويرجعون عن كفرهم، وقالوا لما عاينوا العذاب لموسى: {يَٰأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ} [أي]: العَالِمُ، وإنَّما قالوا هذا على جهة التعظيم والتوقير؛ لأَنَّ عِلْمَ السحر عندهم كان علماً عظيماً، وقيل: إنَّما قالوا ذلك على جهة الاستهزاء، والأَوَّلُ أرجَحُ، وقولهم: {ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ} أي: إن نَفَعَتْنَا دَعْوَتُكَ. وقوله: {أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ...} الآية: مِصْرُ من بحر الإسكندريَّة إلى أُسْوَان بطول النيل، والأنهار التي أشار إليها هي الخُلْجَانُ الكِبَارُ الخارجةُ من النِّيل.

البقاعي

تفسير : ولما كان التقدير: فلقد أرسلنا جميع رسلنا وهم أشرف الخلق بالتوحيد الذي جئت به، وما كنا في إرسالنا إياهم مراعين لما يريده الأمم من جاه أو مال أو غير ذلك، فلا وجه للاتكال عليك فيما أرسلناك به من التوحيد وغيره، ولا لمعاداتك فيه، عطف عليه أول من أرشد إلى سؤال أتباعهم فقال مؤكداً أجل ما يعاندون به من إنكار الرسالة، وأتى بحرف التوقع لما اقتضاه من الأمر بسؤال الرسل عليهم الصلاة والسلام: {ولقد أرسلنا} أي بما ظهر من عظمتنا. ولما كان الإرسال منه سبحانه ليس على حسب العظمة في الدنيا بما يراه أهلها كما قال هؤلاء {لولا نزل هذا القرآن} - الآية، قال مناقضاً لهم: {موسى} أي الذي كان فرعون يرى أنه أحق الناس بتعظيمه لأنه رباه وكفله {بآياتنا} أي التي قهر بها عظماء الخلق وجبابرتهم، فدل ذلك على صحة دعواه وعلى جميع الآيات لتساويها في القدرة وخرق العادة. ولما كان السياق لسؤال النبي صلى الله عليه وسلم الرسل عن أمر التوحيد، كانت الآيات كافية، فلم يذكر السلطان لأنه للقهر والغلبة: {إلى فرعون} أي لأنه طغى وبغى وادعى أنه هو الرب الأعلى ووافقه الضالون: {وملأه} الذين جعلهم آلهة دونه وعبدهم قومهم فلم يقرهم على ذلك لأنا ما رضيناه {فقال} بسبب إرسالنا {إني رسول} وأكد لأجل إنكارهم ما أنكره قومك من الرسالة. ولما كان الإحسان سبباً للإذعان قال: {رب العالمين*} أي مالكهم ومربيهم ومدبرهم. ولما كانوا قد فعلوا من الرد لرسالته صلى الله عليه وسلم والاستهزاء بها ما فعلته قريش، قال مسلياً للنبي صلى الله عليه وسلم ومهدداً لهم تسبيباً عما تقديره: فقالوا له ائت بآية، فأتى بها على ما تقدم غير مرة بما هو كالشمس بياناً وحسناً: {فلما جاءهم بآياتنا} بالإتيان بآيتي اليد والعصا اللتين شهدوا فيهما عظمتنا ودلتاهم على قدرتنا على جميع الآيات {إذا هم} أي بأجمعهم استهزاء برسولنا، وطال ما يضحك عليهم هو ومن آمن برسالته وبما جاء به عنا يوم الحسرة والندامة {منها يضحكون} أي فاجؤوا المجيء بها من غير توقف ولا كسل بالضحك سخرية واستهزاء. ولما كان ربما ظن ظان أن في الآيات ما يقبل شيئاً من ذلك، بين حالها سبحانه بقوله: {وما} أي والحال أنا ما {نريهم} على ما لنا من الجلال والعلو والكمال، وأعرق في النفي بإثبات الجار وأداة الحصر لأجل من قد يتوهم أنهم معذورون في ضحكهم فقال: {من آية إلا هي أكبر} أي في الرتبة {من أختها} أي التي تقدمت عليها بالنسبة إلى علم الناظرين لها لأن الآدمي لما له من النسيان إذا أتاه الثاني من المتساويين رأى جميع من أتاه ناسياً ولا بعض من أتى الأول فيقطع بأنه أكبر منه، أو أن هذا كناية عن أنها كلها في نهاية العظمة كما قال شاعرهم:شعر : "من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم" تفسير : أو أن بينها في الكبر عموماً وخصوصاً من وجه، وأحسن من ذلك ما أشار إليه ابن جرير من أن كل آية أوضح في الحجة عليهم وأوكد مما قبلها، لأنها دلت على ما دلت عليه وزادت ما أفادته المعاضدة من الضخامة فصارت هي مع ما قبلها أكبر مما قبلها عند ورودها وإقامة الحجة بها. ولما كان التقدير: فاستمروا على كفرهم ولم يرجعوا لشيء من الآيات لأنا أصممناهم وأعميناهم وأحطنا بهم الضلال لعلمنا بحالهم، عطف عليه قوله: {وأخذناهم} أي أخذ قهر وغلبة {بالعذاب} أي كله لأنا واترنا عليهم ضرباته على وجه معلم بأنا قادرون على ما نريد منه فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم {آيات مفصلات} والقطع: البرد الكبار الذي لم يعهد مثله ملتهباً بالنار، وموت الأبكار، فكانت آيات على صدق موسى عليه الصلاة والسلام بما لها من الإعجاز، وعذاباً لهم في الدنيا موصولاً بعذاب الآخرة، فيا لها من قدرة باهرة وحكمة ظاهرة {لعلهم يرجعون} أي ليكون حالهم عند ناظرهم الجاهل بالعواقب حال من يرجى رجوعه. ولما كان فرعون في كثير من الضربات التي كان يضربه بها سبحانه - كما مضى في الأعراف عن التوراة - يقول لموسى عليه الصلاة والسلام: قد أخطأت والرب بار وأنا وشعبي فجار، فصلينا بين يدي الرب فإنه ذو إمهال وأناة، فيصرف عني كذا، فإذا صرف الله ذلك عنهم عاد على ما كان عليه من الفجور، كان فعله ذلك فعل من لا يعتقد أنه موسى عليه الصلاة والسلام نبي حقيقة، بل يعتقد أنه ساحر، وأن أفعاله إنما هي خيال، فكذلك عبر عن هذا المعنى بقوله عطفاً على ما تقديره، فلم يرجعوا: {وقالوا} أي فرعون بالمباشرة وأتباعه بالموافقة له: {يا أيها الساحر} فنادوه بأداة البعد مع الإفهام بقالوا دون "نادوا" أنه حاضر إشارة إلى بعده من قلوبهم، والتعبير بهذا توبيخ لقريش بالإشارة إلى أنهم وغيرهم ممن مضى يرمون الرسول بالسحر ويقرون برسالته عند الحاجة إلى دعائه في كشف ما عذبهم ربهم به، وذلك قادح فيما يدعون من الثبات والشجاعة والعقل والإنصاف والشهامة، وذلك كما وقع لقريش لما قال النبي صلى الله عليه وسلم"حديث : اللهم أعني عليهم بسنين كسني يوسف"تفسير : فقحطوا، فلما اشتد عليهم البلاء أتى أبو سفيان بن حرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة الشريفة فقال: يا محمد!‍ إنك قد جئت بصلة الأرحام وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم، فدعا لهم فأغيثوا، فلا شك أن ترجمة حالهم هذا الذي ذكره الله من التناقض الذي لا يرضاه لنفسه عاقل، وهو وصفه بالسحر وطلب الدعاء منه يمنع اعتقاد أنه ساحر، واعتقاد أنه ساحر يمنع طلب الدعاء منه عند العاقل {ادع لنا ربك} أي المحسن إليك بما يفعل معك من هذه الأفعال التي نهيتنا بها إكراماً لك {بما} أي بسبب ما {عهد عندك} من أنه يفعل من وضعها ورفعها على ما تريد على ما أخبرتنا أنه إن آمنا أكرمنا، وإن تمادينا أهاننا، ثم عللوا ذلك بقولهم مؤكداً تقريباً لحالهم البعيدة من الاعتداء بما يخبر به شاهد الوجود: {إننا لمهتدون} أي اهتداء ثابتاً يصير لنا وصفاً لازماً عند كشف ذلك عنا. ولما كان العاقل لا يخبر عن نفسه إلا بما هو صحيح، فكيف إذا كان عظيماً بين قومه فكيف إذا أكد ذلك بأنواع من التأكيد، فكان السامع لهذا الكلام يقطع بصدقه، بين تعالى ما يصحح أن حالهم حال من يعتقد أنه ساحر بأنهم أسرعوا الخيانة بالكذب فيه من غير استحياء ولا خوف، فقال معبراً بالفاء دلالة على ذلك: {فلما كشفنا} على ما لنا من العظمة التي ترهب الجبال {عنهم العذاب} أي الذي أنزلناه بهم {إذا هم ينكثون} أي فاجؤوا الكشف بتجديد النكث بإخلاف بعد إخلاف {ونادى فرعون} أي زيادة على نكثه {في قومه} أي الذين لهم غاية القيام معه، وأمر كلاً منهم أن يشيع قوله إشاعة تعم البعيد كما تشمل القريب فتكون كأنها مناداة إعلاماً بأنه مستمر على الكفر لئلا يظن بعضهم أنه رجع. ولما كان كأنه قيل: لم نادى؟ أجاب بقوله: {قال} أي خوفاً من إيمان القبط لما رأى من أن ما شاهدوا من باهر الآيات مثله يزلزل ويأخذ بالقلوب: {يا قوم} مستعطفاً لهم بإعلامهم بأنهم لحمة واحدة، ومستنهضاً بوصفهم بأنهم ذوو قوة على ما يحاولونه، مقرراً لهم على عذره في نكثه بقوله: {أليس لي} أي وحدي {ملك مصر} أي كله، فلا اعتراض على بني إسرائيل ولا غيرهم، لينتج له ذلك على زعمه أن غلبته على بني إسرائيل ومقاهرته على إخراجهم من تحت يده بغى على من له الملك فتكون فساداً فلا بأس عليه إذا خدع من فعل به ذلك بما عاهده عليه عند مس الضر، ولم يقرأ بالصرف ليكون نصاً على مراده من العلمية، ولأن المصر يطلق على المدينة الواحدة، والتنوين يأتي للتحقير وهو ضد مراده. ولما كان قد حصل له مما رأى من الآيات وورد عليه من تلك الضربات بأنواع المثلات ما أدهشه بحيث صار في عداد من يشك أتباعه في ملكه، دل عليه بما بناه من الحال: {وهذه} أي والحال أن هذه {الأنهار} وكأنه كان قد أكثر من تشقيق الخلجان إلى بساتينه وقصوره، ونحو ذلك من أموره فقال: {تجري من تحتي} أي من أي موضع أردته بما لا يقدر عليه غيري، وزاد في التقرير بقوله: {أفلا تبصرون} أي الذي ذكرته لكم فتعلموا ببصائر قلوبكم أنه لا ينبغي لأحد أن ينازعني، وهذا لعمري قول من ضعفت قواه وانحلت عراه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله‏:‏ ‏ {‏وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها‏} ‏ قال‏:‏ الطوفان وما معه من الآيات‏. وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة ‏ {‏وأخذناهم بالعذاب‏}‏ قال‏:‏ هو عام السنة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة ‏ {‏وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون‏}‏ قال‏:‏ يتوبون أو يذكرون‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد ‏{‏ادع لنا ربك بما عهد عندك‏} ‏ لئن آمنا ليكشفن عنا العذاب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة في قوله ‏ {‏إذا هم ينكثون‏}‏ قال‏:‏ يغدرون‏.‏ وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله ‏{‏ونادى فرعون في قومه‏}‏ قال‏:‏ ليس هو نفسه، ولكن أمر أن ينادي‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، عن الأسود بن يزيد قال‏:‏ قلت لعائشة‏:‏ ألا تعجبين من رجل من الطلقاء ينازع أصحاب محمد في الخلافة‏؟‏‏!‏ قالت‏:‏ وما تعجب من ذلك، هو سلطان الله يؤتيه البر والفاجر، وقد ملك فرعون أهل مصر أربعمائة سنة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة ‏{‏أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي‏}‏ قال‏:‏ قد كان لهم جنان وأنهار ‏{‏أم أنا خير من هذا الذي هو مهين‏}‏ قال‏:‏ ضعيف ‏{‏ولا يكاد يبين‏} ‏ قال‏:‏ عيي اللسان ‏ {‏فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب‏} ‏ قال‏:‏ أحلية من ذهب‏ {‏أو جاء معه الملائكة مقترنين‏} أي متتابعين‏.‏ ‏ {‏فلما آسفونا‏} ‏ قال‏:‏ أغضبونا ‏ {‏فجعلناهم سلفا‏ً} ‏ قال‏:‏ إلى النار ‏ {‏ومثلا‏ً} ‏ قال‏:‏ عظة ‏{‏للآخرين‏}‏‏ .‏ وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏ولا يكاد يبين‏} ‏ قال‏:‏ كانت لموسى لثغة في لسانه‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏أو جاء معه الملائكة مقترنين‏} ‏ قال‏:‏ يمشون معاً‏.‏ وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر، عن عكرمة قال‏:‏ لم يخرج فرعون من زاد على الأربعين سنة، ومن دون العشرين، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏فاستخف قومه فأطاعوه‏} ‏ يعني استخف قومه في طلب موسى عليه السلام‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة ‏ {‏فلما آسفونا‏} ‏ قال‏:‏ أغضبونا‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله‏‏ {‏فلما آسفونا‏} ‏ قال‏:‏ أغضبونا‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏سلفاً‏} ‏ قال‏:‏ أهواء مختلفة‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏فلما آسفونا‏} ‏ قال‏:‏ أغضبونا ‏{‏فجعلناهم سلفا‏ً}‏ قال‏:‏ هم قوم فرعون كفارهم ‏ {‏سلفا‏ً}‏ لكفار أمة محمد ‏ {‏ومثلاً للآخرين‏} ‏ قال‏:‏ عبرة لمن بعدهم‏. وأخرج أحمد والطبراني والبيهقي في الشعب وابن أبي حاتم، عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : إذا رأيت الله يعطي العبد ما شاء وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك استدراج منه له"‏تفسير : ثم تلا ‏{‏فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين‏}‏‏ . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن طارق بن شهاب قال‏:‏ كنت عند عبد الله فذكر عنده موت الفجأة، فقال‏:‏ تخفيف على المؤمن وحسرة على الكافر، ‏ {‏فلما آسفونا انتقمنا منهم‏} ‏‏. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه كان يقرأ ‏{‏فجعلناهم سلفا‏ً}‏ بنصب السين واللام‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـئَايَـٰتِنَا} ملتبساً بَها {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلاَيْهِ فَقَالَ إِنِى رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أريدَ باقتصاصِه تسليةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم والاستشهادُ بدعوةِ مُوسى عليهِ السَّلامُ إلى التوحيدِ إثرَ ما أُشيرَ إلى إجماعِ جميعِ الرُّسلِ عليهم السَّلامُ عليهِ. {فَلَمَّا جَاءهُم بِـئَايَـٰتِنَا إِذَا هُم مِنْهَا يَضْحَكُونَ} أي فاجَؤا وقتَ ضحكِهم منها أي استهزأوا بها أولَ ما رأَوها ولم يتأملُوا فيَها. {وَمَا نُرِيِهِم مّنْ ءايَةٍ} من الآياتِ {إِلاَّ هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا} إلا وهيَ بالغةٌ أَقصَى مراتبِ الإعجازِ بحيثُ يحسبُ كلُّ منْ ينظرُ إليها أنها أكبرُ من كلِّ ما يقاسُ بها من الآياتِ، والمرادُ وصفُ الكلِّ بغايةِ الكِبَرِ من غيرِ ملاحظةِ قصورٍ في شيءٍ منَها أو إلاَّ وهي مختصَّةٌ بضربٍ من الإعجازِ مفضلةٌ بذلكَ الاعتبارِ على غيرِها {وَأَخَذْنَـٰهُم بِٱلْعَذَابِ} كالسنينَ والطوفانِ والجرادِ وغيرِها. {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} لكيْ يرجعُوا عمَّا هُم عليهِ من الكفرِ. {وَقَالُواْ يَـٰأَيُّهَا ٱلسَّاحِرُ} نادَوُه بذلكَ في مثلِ تلكَ الحالةِ لغايةِ عُتوِّهم ونهايةِ حماقتِهم، وقيلَ كانُوا يقولونَ للعالم الماهرِ ساحرٌ لاستعظامِهم علمَ السحرِ. وقُرِىءَ أيهُ الساحرُ بضمِّ الهاءِ. {ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ} ليكشفَ عنَّا العذابَ {بِمَا عَهِدَ عِندَكَ} بعهدِه عندكَ من النبوةِ أو استجابةِ دعوتِكَ أو من كشفِ العذابِ عمَّن اهتدَى أو بما عَهِدَ عندكَ فوفيتَ به منَ الإيمانِ والطاعةِ {إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ} أي لمؤمنونَ على تقديرِ كشفِ العذابِ عنَّا بدعوتِك كقولِهم: { أية : لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ} تفسير : [سورة الأعراف، الآية 134] {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ} بدعوتِه {إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ} فاجؤوا وقتَ نكثِ عهدِهم بالاهتداءِ وقد مرَّ تفصيلُه في الأعرافِ. {وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ} بنفسِه أو بمناديِه {فِى قَوْمِهِ} في مجمعِهم وفيما بـينَهم بعد أنْ كشفَ العذابَ عنْهم مخافةَ أنْ يُؤمنوا {قَالَ يَـٰقَوْمٌ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَـٰرُ} أنهارُ النيلِ ومعظمُها أربعةُ أنهرٍ: الملكُ ونهرُ طولونَ ونهرُ دمياطٍ ونهرُ تنيسَ {تَجْرِى مِن تَحْتِى} أي منْ تحتِ قَصرِي أو أمرِي وقيلَ: من تحتِ سريرِي لارتفاعِه، وقيلَ: بـين يديَّ في جنانِي وبساتِيني. والواوُ إمَّا عاطفةٌ لهذهِ الأنهارِ على مُلكِ مصرَ فتجري حالٌ منها أو للحالِ فهذهِ مبتدأٌ والأنهارُ صفتُها وتجري خبرٌ للمبتدأِ {أَفلاَ تُبْصِرُونَ} ذلكَ يريدُ به استعظامَ مُلكِه.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَـٰتِنَآ ...... إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ}. كرَّر قصةَ موسَى غيرَ مرةٍ في القرآن، وأعادَها هنا مجملةً؛ أرسلناه بدلائلنا، أرسلناه بحجةٍ ظاهرةٍ قاهرةٍ، أرسلناه بالمعجزات إلى فرعون وقومه من القبط، فقوبل بالهزء والضحك والتكذيب. ومع أنَّ اللَّهَ سبحانه لم يُجْرِ عليه من البيِّنات شيئاً إلا كان أوضحَ مما قبله إلا أنهم لم يقابلوه إلا بجفاءٍ أَوْحَشَ مما قبله. فلمَّا عضَّهم الأمرُ قالوا: يا أيها الساحرُ، ادْعُ لنا ربَّك ليكشف عنَّا البليَّةَ لنؤمِنَ بك، فدعا موسى... فكشف اللَّهُ عنهم، فعادوا إلى كفرهم، ونقضوا عَهْدَهُم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد ارسلنا موسى} حال كونه ملتبسا {بآياتنا} التسع الدالة على صحة نبوته {الى فرعون وملئه} اى اشراف قومه والارسال الى الاشراف ارسال الى الارذال لانهم تابعون لهم {فقال} موسى لهم {انى رسول رب العالمين} لكم

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا} أي: متلبساً بآياتنا {إِلى فرعون وملَئِه فقال إِني رسولُ رب العالمين} فأجابوه بقولهم: {فأتنا بآية إن كنت من الصادقين} كما صرّح به في آية أخرى. {فلما جاءهم بآياتنا إِذا هم منها يضحكون}؛ يسخرون منها، ويهزؤون، ويسمُّونها سحراً. و"إذا" للمفاجأة، وهو جواب "لمّا"، لأن فعل المفاجأة معها مقدّر، وهو العامل في "إذا"، أي: لما جاءهم فاجؤوا وقت ضحكهم منها، أي: استهزؤوا بها أول ما رأوها، ولم يتأملوا فيها. {وما نُرِيهم من آيةٍ} من الآيات {إِلا هي أكْبرُ من أُختها}؛ قرينتها، وصاحبتها التي كانت قبلها، أي: ما ظهر لهم آية إلا وهي بالغة أقصى مراتب الإعجاز، بحيث يجزم كل مَن ينظر إليها أنها أكبر من كل ما يُقاس بها من الآيات. والمراد: وصف الكل بغاية الكِبرَ من غير ملاحظة قصور في شيء منها، قال النسفي: وظاهر النظم يدلّ على أن اللاحقة أعظم من السابقة، وليس كذلك، بل المراد بهذا الكلام: أنهن موصوفات بالكبر، كما يقال: هما أخوان، كلّ منهما أكبر من الآخر. هـ. وقال في الانتصاف: الظاهر: أن كل آية إذا أُفردت استغرقت الفكر وبهرته، حتى يجزم أنها النهاية، وأنَّ كل آية دونها، فإذا نقل الفكر إلى الأخرى كانت كذلك. وحاصله: أنه لا يقدر الفكر أن يجمع بين آيتين، لتتميز الفاضلة من المفضولة. هـ. {وأخذناهم بالعذاب} وهو ما قال تعالى:{أية : وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ}تفسير : [الأعراف: 130]،{أية : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الطُّوفَانَ...}تفسير : [الأعراف: 133] الآية. {لعلهم يرجعون}؛ لكي يرجعوا عما هم عليه من الضلال. {وقالوا يا أيُّه الساحِرُ}، كانوا يقولون للعالِم: إنما هو ساحر؛ لتعظيمهم علم السحر، أو: نادوه بذلك في مثل تلك الحالة لغاية عتوهم ونهاية حماقتهم, وقرأ الشامي بضم الهاء، لاتباع حركة ما قبلها حين سقطت الألف، {ادْعُ لنا ربك} يكشف عنا العذاب {بما عَهِدَ عندك} أي: لعهده عندك بأن دعوتك مستجابة، أو: بما عهد عندك من النبوة والجاه، أو: بما عهد من كشف العذاب عمن اهتدى، {إِننا لمهتدون}؛ مؤمنون أن كشف عنا بدعوتك، كقوله:{أية : لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ}تفسير : [الأعراف: 134]، {فلما كشفنا عنهم العذاب} بدعوته {إِذا هم يَنكُثُون}؛ ينقضون العهد، أي: فاجؤوا وقت نكث عهدهم بالاهتداء. وقد مرَّ تمامه في الأعراف. الإشارة: قد ظهرت الآيات على الأنبياء والرسل، فلم ينتفع بها إلا مَن سبقت له العناية، وكذلك ظهرت الكرامات على أيدي الأولياء الداعين إلى الله، فلم ينتفع بها إلا مَن سبق له التقريب والاصطفاء. على أن الصادق في الطلب لا يحتاج إلى ظهور كرامة، بل إذا أراد الله أن يوصله إليه وصله إلى وَليّ من أوليائه، فطوى عنه وجود بشريته، وأشهده سر خصوصيته، فخصع له من غير توقف على كرامة ولا آية. وأما مَن لم يسبق له التقريب؛ إذا رأى ألف آية ضحك منها واستهزأ، ورماها بالسحر والشعوذة، والعياذ بالله من البُعد والطرد. ثم ذكر عتو فرعون وطغيانه، فقال: {وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ}.

الطوسي

تفسير : هذا قسم من الله تعالى بأنه أرسل موسى بالآيات الباهرات والحجج الواضحات إلى فرعون واشراف قومه وخص الملاء بالذكر، وان كان مرسلا إلى غيرهم، لان من عداهم تبع لهؤلاء، فقال موسى له {إني رسول من رب العالمين} الذي خلق الخلق أرسلني اليكم. ثم اخبر تعالى فقال {فلما جاءهم بآياتنا} يعني موسى جاء إلى فرعون وملائه بالآيات والحجج {إذا هم منها} يعني من تلك الآيات {يضحكون} جهلا منهم بما عليهم من ترك النظر فيها، وما لم من النفع بحصول علمهم بها. وفى الخبر عن ضحك أولئك الجهال عند ظهور الآيات زجر عن مثل حالهم ودعاء إلى العلم الذي ينافي الجهل. وفيه ايضاً أنه لا ينبغي ان يلتفت إلى تضاحك أمثالهم من الأدلة إذا كان الانسان على يقين من أمره. والانبياء كلهم يشتركون فى الدعاء إلى الله باخلاص عبادته وطاعته فى جميع ما يأمر به او ينهى عنه، ودعوتهم إلى محاسن الأفعال ومكارم الاخلاق وإن اختلفت شرائعهم وتبانيت مللهم ونسخت بعضها بعضاً. وقوله {وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها} معناه إنه تعالى لا يريهم يعني فرعون وقومه معجزة ولا دلالة إلا وهي اكبر من الاخرى عند إدراك الانسان لها لما يهوله من أمرها، فيجد نفسه يقضي أنها اكبر كما يقول الانسان: هذه العلة التي نزلت بي اعظم من كل علة، وهو يريد أن لها مزية اعظم منها لا انه ذهب هول الأولى بانصرافها وحكم الثانية بحضورها. وقال قوم: المعنى وما نريهم من آية إلا هي أهول فى صدورهم من التي مضت قبلها. ثم قال تعالى {وأخذناهم بالعذاب} إذ عصوا فيها، وكفروا بها {لعلهم يرجعون} إلى طاعته وإنما جاز أخذهم بالعذاب ليرجعوا مع العلم بأنهم لا يرجعون لامكان أن يرجعوا اليه، لأن كلما فى المعلوم أنه لا يقع لا يجوز أن يفعل العالم شيئاً من أجل انه سيقع ولكن يجوز أن يفعل شيئاً لامكان أن يقع والمعنى - هٰهنا - لعلهم يرجعون الى طريق الحق الذي ذهبوا عنه الى طريق الباطل. ثم حكى تعالى ما قال فرعون وملاءه لموسى عند ذلك فانهم {وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون} وقال قوم: إنما قالوا له يا أيها الساحر لجهلهم بنبوته وصدقه واعتقادهم انه سحرهم بذلك. وقال قوم: كان الساحر عندهم هو العالم ولم يكن صفة ذم. وقال الحسن: إنما قالوا ذلك على وجه الاستهزاء بموسى، كما قال المشركون {أية : يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون} تفسير : وقال الزجاج: وجه ذلك انه جرى ذلك على ألسنتهم على عادتهم فيه قبل ذلك. وقال قوم: أرادوا يا أيها الفطن يا أيها العالم، لأن السحر عندهم دقة النظر والعلم بالشيء كالسحر الحلال، يقال فلان: يسحر بكلامه. وقال قوم: وخاطبوه بما تقدم تشبيهاً له بالساحر، فقالوا له {ادع لنا ربك بما عهد عندك} معناه أن يا موسى ادع لنا ربك ليكشف عنا العذاب - فى قول مجاهد - فانه متى كشف عنا ذلك اهتدينا ورجعنا إلى الحق الذي يدعونا اليه. وفى الكلام حذف لأن تقديره فدعا موسى وسأل ربه وضرع اليه أن يكشف عنهم العذاب، فكشف الله عنهم ذلك فاذا هم عند ذلك ينكثون. ومعناه ينقضون ما عقدوا على أنفسهم. وقال قتادة: معناه يغدرون، وإنما أخبر الله تعالى وقص خبر موسى وما جرى له تسلية للنبي صلى الله عليه وآله والمعنى إن حال موسى مع قومه وحالك مع قومك سواء، فاصبر إن أمرك يؤل إلى الاستعلاء، كما آل أمر موسى عليه السلام.

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلاَئِهِ} عطف فيه تسلية لرسول الله (ص) وحمل له على الصّبر على اذى القوم {فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ فَلَمَّا جَآءَهُم بِآيَاتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ} استهزؤا بها مقام ان ينقادوا لها ويخافوا من الله ويصدّقوا رسوله (ع) بها.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} أي وملأ فرعون أي جماعته وهم القبط* {فَقَالَ إِنّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِين} اليكم والى غيركم

اطفيش

تفسير : {ولقد أرسلنا مُوسَى بآياتنا} مع آياتنا، أو ملتبسا بها {إلى فرعَون ومَلئه} أشرافه أى أشراف قومه، أى وأتباعهم، ولم يذكرهم لأنهم أتباع لفرعون وأشرافه {فقال} لهم {إني رسول رب العالمين} اليكم، وذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وابطال لقولهم: "أية : لولا نزل هذا القرآن على رجل" تفسير : [الزخرف: 31] الخ بأن موسى رسول، مع عدم ميل مثلك الى قوم أعظم منهم، والى جبار عظيم فنصر عليه، فليست الرسالة بالمال، وهذان موسى وعيسى جاءا بانكار آلهة غير الله تعالى.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـئَايَـٰتِنَا} متلبساً بها {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} أشراف قومه وخصوا بالذكر لأن غيرهم تبع {فَقَالَ} لهم {إِنّي رَسُولُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} إليكم. وأريد باقتصاص ذلك تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وإبطال قولهم: {أية : لَوْلاَ نُزّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31] لأن موسى عليه السلام مع عدم زخارف الدنيا لديه كان له مع فرعون وهو ملك جبار ما كان وقد أيده الله سبحانه بوحيه وما أنزل عليه، والاستشهاد بدعوته عليه السلام إلى التوحيد إثر ما أشير إليه من إجماع جميع الرسل عليهم السلام عليه ويعلم من ذلك وجه مناسبة الآيات لما قبلها. وقال أبو حيان: ((مناسبتها من وجهين: الأول أنه ذكر فيما قبل قول المشركين: {أية : لَوْلاَ نُزّلَ} تفسير : [الزخرف: 31] الخ وفيه زعم أن العظم بالجاه والمال وأشير في هذه الآيات إلى أن مثل ذلك سبق إليه فرعون في قوله: {أية : أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} تفسير : [الزخرف: 51] الخ فهو قدوتهم في ذلك وقد انتقم منه فكذلك ينتقم منهم، الثاني أنه سبحانه لما قال: {أية : وَسْئَلْ}تفسير : [الزخرف: 45] الخ ذكر جل وعلا قصة موسى وعيسى عليهما السلام وهما أكثر أتباعاً ممن سبق / من الأنبياء وكل جاء بالتوحيد فلم يكن فيما جاءا به إباحة اتخاذ آلهة من دون الله تعالى كما اتخذت قريش فناسب ذكر قصتهما الآية التي قبلها)).

ابن عاشور

تفسير : قد ذكر الله في أول السورة قوله: { أية : وكم أرسلنا من نبي في الأولين وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون فأهلكنا أشد منهم بطشاً ومَضى مثل الأولين } تفسير : [الزخرف: 6 ـــ 8]. وساق بعد ذلك تذكرة بإبراهيم عليه السلام مع قومه، وما تفرع على ذلك من أحوال أهل الشرك فلما تقضّى أُتبع بتنظير حال الرّسول صلى الله عليه وسلم مع طغاة قومه واستهزائهم بحال موسى مع فرعون ومَلَئِهِ، فإنَّ للمُثل والنظائر شأناً في إبراز الحقائق وتصوير الحالين تصويراً يفضي إلى ترقب ما كان لإحدى الحالتين من عواقبَ أن تلحق أهلَ الحالة الأخرى، فإن فرعون وملئِه تلقّوا موسى بالإسراف في الكُفر وبالاستهزاء به وباستضعافه إذ لم يكن ذا بذخة ولا محلّى بحلية الثراء وكانت مناسبة قوله { أية : واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا } تفسير : [الزخرف: 45] الآية هيَّأتْ المقام لضرب المثَل بحال بعض الرّسل الذين جاءوا بشريعة عظمى قبل الإسلام. والمقصود من هذه القصة هو قوله فيها { أية : فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين فجعلناهم سلَفاً ومثَلاً للآخرين } تفسير : [الزخرف: 55، 56]، فإن المراد بالآخرِين المكذبون صناديدُ قريش. ومن المقصود منها بالخصوص هنا: قولُه {وملئه} أي عظماء قومه فإن ذلك شبيه بحال أبي جهل وأضرابه، وقوله: {فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون} لأن حالهم في ذلك مشابه لحال قريش الذي أشار إليه قوله: { أية : وكم أرسلنا من نبي في الأولين وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون } تفسير : [الزخرف: 6، 7]، وقولُه بعد ذلك { أية : أم أنا خير من هذا الذي هو مَهِين } تفسير : [الزخرف: 52] لأنهم أشبهوا بذلك حال أبي جهل ونحوه في قولهم: { أية : لولا نُزّل هذا القرآن على رجلٍ من القريتين عظيمٍ } تفسير : [الزخرف: 31] إلاّ أن كلمة سادة قريش كانت أقرب إلى الأدب من كلمة فرعون لأن هؤلاء كان رسولهم من قومهم فلم يتركوا جانب الحياء بالمرة وفرعون كان رسوله غريباً عنهم. وقولُه { أية : فلولا ألقي عليه أساورة من ذهب } تفسير : [الزخرف: 53] لأنه مشابه لما تضمنه قول صناديد قريش { أية : على رجل من القريتين عظيم } تفسير : [الزخرف: 31] فإن عظمة ذيْنِك الرجلين كانت بوفرة المال، ولذلك لم يُذكر مثله في غير هذه القصة من قصص بعثة موسى عليه السلام، وقولُهم: { أية : يا أيّها الساحر ادْعُ لَنَا ربّك } تفسير : [الزخرف: 49] وهو مُضاهٍ لقوله في قريش { أية : هذا سحرٌ وإنا به كافرون } تفسير : [الزخرف: 30]، وقولُه: { أية : فأغرقناهم أجمعين } تفسير : [الزخرف: 55] الدالُّ على أن الله أهلكهم كلَّهم، وذلك إنذار بما حصل من استئصال صناديد قريش يوم بدر. فحصل من العبرة في هذه القصة أمران: أحدهما: أن الكفار والجهلة يتمسكون بمثل هذه الشبهة في رد فضل الفضلاء فيتمسكون بخيوط العنكبوت من الأمور العرضية التي لا أثر لها في قيمة النفوس الزكية. وثانيهما: أن فرعون صاحبَ العظمة الدنيوية المحضة صار مقهوراً مغلوباً انتصر عليه الذي استضعفه، وتقدم نظير هذه الآية غير مرة. و{إذا} حرف مفاجأة، أي يدل على أن ما بعده حصل عن غير ترقب فتفتتح به الجملة التي يُفاد منها حصول حادث على وجه المفاجأة. ووقعت الجملة التي فيها {إذا} جواباً لحرف (لَمَّا)، وهي جملة اسمية و(لمّا) تقتضي أن يكون جوابها جملة فعلية، لأن ما في {إذا} من معنى المفاجأة يقوم مقام الجملة الفعلية. والضحك: كناية عن الاستخفاف بالآيات والتكذيب فلا يتعيّن أن يكون كل الحاضرين صدر منهم ضحك، ولا أن ذلك وقع عندَ رؤية آية إذ لعل بعضها لا يقتضي الضحك.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ}. قد قدمنا الكلام على قصة موسى وفرعون في سورة الأعراف وطه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ولقد أرسلنا موسى بآياتنا: أي أرسلناه بالمعجزات الدالة على صدق رسالته. إلى فرعون وملإه: أي وقومه من القبط. إذ هم منها يضحكون: أي سخرية واستهزاء. وما نريهم من آية: أي من آيات العذاب كالطوفان. إلا هي أكبر من أختها: أي من قرينتها التي قبلها من الآيات. وقالوا يا أيها الساحر: أي أيها العالم بالسحر المتبحر فيه. بما عهد عندك: أي من كشف العذاب عنا إن آمنا. إنا لمهتدون: أي إن كشفت عنا العذاب إنا مؤمنون. إذا هم ينكثون: أي ينقضون عهدهم فلم يؤمنوا. معنى الآيات: قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا} إيراد هذا القصص هنا كان لمشابهة حال قريش بحال فرعون من جهة إذْ قال رجال قريش لم لا يكون من ذوي المال والجاه كالوليد بن المغيرة أو عروة بن مسعود وقال فرعون: أم أنا خير من هذا الذي هو مهين أي حقير يعني موسى عليه السلام. ومن جهة أخرى كان لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وحمله على الصبر كما صبر موسى وهو أحد أولي العزم الخمسة فقال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَـٰتِنَآ} أي بحججنا الدالة على صدق موسى في رسالته إلى فرعون وقومه بأن يعبدوا الله ويتركوا عبادة غيره، وأن يرسلوا مع موسى بني إسرائيل ليذهب بهم إلى أرض المعاد "فلسطين" فلما جاءهم قال إني رسول رب العالمين جئتكم لآمركم بعبادة الله وحدة وترك عبادة من سواه، إذ لا يستحق العبادة إلا الله. فطالبوه بالآيات على صدق دعواه فلما جاءهم بالآيات العظام فاجأوه بالضحك منها والسخرية والاستهزاء بها وهو معنى قوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَهُم بِآيَاتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ}. وقوله تعالى: {وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا} أي وما نرى فرعون وملأه من آية إلا هي أكبر دلالة على صدق موسى من الآية التي سبقتها. قال تعالى وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون إلى الحق فيؤمنون ويوحدون. وقالوا لموسى يا أيها الساحر أي العليم بالسحر المتبحر فيه ظنا منهم أن المعجزات كانت عمل ساحر. أدع لنا ربك بما عهد عندك إنا لمهتدون أي سل ربك يرفع عنّا هذا العذاب كالطوفان والجراد والقمل والضفادع إنا مؤمنون وكانوا كلما نزل بهم العذاب سألوا موسى ووعده بالإيمان به إن رفع الله عنهم العذاب وفي كل مرة ينكثون عهدهم وهو قوله تعالى {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ} أي ينقضون العهد ولا يؤمنون كما واعدوا. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- الآيات دليل على صدق من جاء بها، ولكن لا تستلزم الإيمان ممن شاهدها. 2- قد يؤاخذ الله الأفراد او الجماعات بالذنب المرة بعد المرة لعلهم يتوبون إليه. 3- حرمة خلف الوعد ونكث العهد، وأنهما من آيات النفاق وعلاماته.

القطان

تفسير : بآياتنا: بمعجزاتنا التي أظهرها على يد موسى. ملئه: اشراف قومه. بما عَهِدَ عندك: بما اخبرتنا من عهده إليك أنا اذا آمنّا كشف عنا العذاب. ينكثون: ينقضون العهد. وهذه الأنهار تجري من تحتي: من تحت قصري وبين يديّ في جناتي. مهين: حقير، ضعيف. ولا يكاد يُبين: لا يكاد يُفصِح عما في نفسه، لأنه كان ألثغَ يجعل الراء غينا. أسورة: جمع سوار وكانوا يُلبسون الرئيس او العظيم اسورة من ذهب. مقترنين: ملازمين، ليعينوه ويساعدوه. فاستخف قومه: استخف عقولهم. آسفونا: أَغضبونا، والأسف هو الحزن او الغضب. سلفاً: قدوة لمن بعدهم من الكفار. ومثلا: عبرة وموعظة. بعد ان ذكَر الله ان كفار قريش طعنوا في نبوة محمدٍ صلى الله عليه وسلم لكونه فقيراً - بيّن هنا ان سيّدنا موسى جاء الى فرعون واشرافِ قومه وقال لهم {إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} وأظهر لهم المعجزات، لكنهم سخروا منه وضحكوا من المعجزات. وكانت كل معجزة من المعجزات التي توالت عليهم أكبرَ من أختها. وحيث أصروا على الكفر والطغيان أصبناهم بأنواع البلايا، {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} عن غيهم. ولكن بالرغم من معاينتهم تلك المعجزات فقد اعتبروها من قبيل السحر فقالوا: يا ايها الساحر، ادعُ لنا ربك متوسّلاً بما عَهد عندك ان يكشف عنا العذاب، فإذا كشفه عنّا اهتدينا وآمنا بما تريد. فلما كشف الله عنهم العذاب بدعاء موسى نقضوا العهدَ ولم يؤمنوا. وقد جاءت هذه القصة مفصّلة في سورة الأعراف. ثم اخبر الله عن تمرد فرعون وطغيانه وعناده فقال: {وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ...} أليس لي مُلك مصر وهذه الأنهار التي تشاهدونها تجري من تحت قصري، {أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} أيها القوم!؟ {أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} فأنا خير من هذا الفقير الحقير الذي لا يكاد يُفصح عما يريد. ثم ذكر شبهةً مانعة لموسى من الرياسة، وهي انه لا يلبس لباس الملوك، فهلاّ القى ربّه عليه أساورَ من ذهبٍ ان كان صادقا!! او جاء معه الملائكةُ ملازمين له ليساعدوه! {فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ}. وبعد ذلك بين الله ان هذه الخِدع قد انطلتْ عليهم، وسحَرت ألبابهم، فأطاعوه واعترفوا بربوبيته وكذّبوا موسى. ثم بين الله مآلهم: فلما أغضبونا بعنادهم انتقمنا منهم بعاجلِ عذابنا، فأغرقناهم أجمعين، وجعلناهم قُدوةً لمن يعمل عملَهم من اهلِ الضلال، وعبرةً وموعظة لمن يأتي بعدهم من الكافرين. وفي قصة موسى هنا تسليةٌ للرسول الكريم بها لأن قومه عيّروه بالفقر، وقد سبق لموسى ان عيره فرعونُ بالفقر والضعف. قراءات: قرأ حفص: اسورة. وقرأ الباقون: أساور، اسورة جمع اسوار، وجمع الجمع اساور وأساورة. وقرأ حمزة والكسائي وخلف: فجعلناهم سُلُفا بضم السين واللام. والباقون: سلفا، بالإفراد.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِآيَاتِنَآ} {وَمَلَئِهِ} {ٱلْعَالَمِينَ} (46) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ أَرْسَلَ عَبْدَهُ مُوسَى رَسُولاً إِلَى فِرْعَونَ وَقوْمِهِ، وَأَيَّدَهُ بِآيَاتٍ وَمُعْجِزَاتٍ تَأْيِيداً لَهُ فِي دَعْوَتِهِ، فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: إِنَّهُ رَسُولُ رَبِّ العَالَمِينَ إِلَيهِمْ، كَمَا قُلْتَ أَنْتَ لِقَوْمِكَ إِنَّكَ رَسُولُ اللهِ إِلَيهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قلنا: الآيات هي المعجزات الدالة على صدق الرسول في البلاغ عن الله، وسيدنا موسى عليه السلام كان من أكثر الرسل حيازةً للمعجزات وخوارق العادات، وهذا يعني أن قومه كانوا أكثر خَلْق الله عناداً وإعراضاً عن المنهج، قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} تفسير : [الإسراء: 101]. ما مناسبة أنْ يأتي القرآنُ بلقطة من قصة سيدنا موسى في هذا الموضع؟ قالوا: لأن كفار مكة كانوا قد اجتمعوا ووقفوا في وجه الدعوة، واعترضوا على أنْ تأتي الدعوة على يد محمد بالذات، فقالوا: {وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31]. يقصدون مكة وكان فيها الوليد بن المغيرة، والطائف وكان بها عروة بن مسعود الثقفي، وغيرهما من سادة القوم أصحاب المال والجاه والهيبة في القوم. إذن: لم يكُنْ الاعتراض على القرآن، إنما الاعتراض على مَنْ جاء القرآنُ على يديه. لذلك أراد الحق سبحانه أنْ يعطيهم مثلاً من موكب الرسالات، فهذا موسى - عليه السلام - لم يكُنْ صاحبَ مال، ولا صاحبَ جاه ولا سلطان، وأرسله الله إلى مَنْ هو أشدّ كفراً من أهل مكة وصناديدها، أرسله إلى فرعون الذي لم يكُنْ يعارض الدعوة إلى الله فقط، إنما كان يقول: أنا إله. إذن: لا عجبَ في إرسال محمد، وهو من عامة القوم وفقرائهم إلى السادة الأغنياء، وهو الوليد وعروة وغيرهما من رؤوس الكفر كانوا أشدَّ من فرعون. فالرسالة إذن لا يُطلب فيها أنْ يكون الرسولُ صاحبَ مال ولا صاحبَ جاه ولا سلطان، ثم هذه رحمة الله يقسمها كيف يشاء، ويختار لها مَنْ يشاء، ويصطفي من عباده. والمتأمل في رسالتَيْ موسى ومحمد يجد أن حياة موسى في مجتمعه أقل من حياة محمد في مجتمعه، لأن موسى تربَّى في بيت فرعون إلى أنْ شبَّ وحدَثتْ حادثة القتل التي قَتلَ فيها موسى واحداً من القوم، ثم جاء رجل من أقصى المدينة، وقال {أية : يٰمُوسَىٰ إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [القصص: 20-21]. بعد ذلك وصل إلى مديْنَ وهناك وجد: {أية : وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} تفسير : [القصص: 23-24]. أولاً: نقول إن هذه الأيام تعطينا منهجاً ودستوراً للتعامل مع المرأة المسلمة، وكيف ومتى تخرج من بيتها، فالعلة في خروج هاتين المرأتين أن أباهما شيخ كبير، ولا يوجد مَنْ يقضي لهما حاجتهما. إذن: لا تخرج المرأة من بيتها إلا لضرورة، وإذا خرجتْ تحشَّمتْ وتحجبتْ ولم تخالط الرجال، ثم مهمة المجتمع الإيماني أنْ يراعي حَقَّ المرأة وأنْ يأخذ بيدها فيما تريده من عمل، لأنه مجتمع الرحمة والقربى بين المسلمين جميعاً. وأذكر أننا أول مرة سافرنا مكة سنة 1950 كنا نسكن في بيت رجل مُوسِر، كان يتطوع ويُوصِّلنا إلى العمل بسيارته الخاصة، وفي مرة ونحن نسير وجد أمام أحد البيوت لوحاً من الخشب الذي يُوضع عليه العجين، وكان بابُ البيت مغلقاً فنزل وأخذ اللوح في سيارته وذهب. فلما سألتهُ عن ذلك قال: والله عندنا عادة لما نرى البابَ مُغلقاً، وأمامه شيء مثل هذا، نعرف أن صاحبَ البيت غائبٌ وأهلُ البيت يحتاجون شيئاً فنقضيه لهم، المهم أخذ الرجل لوحَ العجين وملأه بالخبز، وبما قدَّره الله عليه، وأعاده إلى أصحابه. وهذا هو المعنى الذي تعلَّمناه من قصة سيدنا موسى {أية : فَسَقَىٰ لَهُمَا} تفسير : [القصص: 24] ونعود إلى القصة {أية : ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} تفسير : [القصص: 24] يعني: موسى كان رجلاً فقيراً، لا يملك من الدنيا سِوَى قوته البدنية، فهذا الذي يجلس تحت ظل شجرة ليس له مأوى، أبعد ذلك مسكنة وضعف؟ هذا يدل على أنه كان رجلاً (غلبان) لا يملك من حطام الدنيا شيئاً، ولو قارنّا بينه وبين محمد نجد محمداً أطولَ إقامة في قومه، فقد نشأ بينهم منذ مولده، وكان يرعى الغنم لأهله بأجرة، ولما كبر اشتغل بالتجارة، وكان كما نقول (مدير أعمال) السيدة خديجة، وكان يكسب ومعه مالٌ. ومع ذلك أرسل اللهُ موسى الذي هو أضعف من محمد إلى فرعون الذي هو أقوى وأشدّ من الوليد وعروة وغيرهم. وبهذا نفهم لماذا أتى ذكْرُ سيدنا موسى في هذا الموضع: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَـٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ} [الزخرف: 46]. ثم هناك نقطة ضَعْف أخرى في رسالة سيدنا موسى أنه أُرسِلَ إلى فرعون الذي تربَّى في بيته، لذلك الحق سبحانه يُعلِّمه كيفية الدخول إليه في أمر الدعوة لأنه كان يمتنُّ عليه. {أية : قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 18] فعلَّمه الله أن يقول له القول اللين {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} تفسير : [طه: 44]. وقوله: {بِآيَـٰتِنَآ} [الزخرف: 46] أي: بالمعجزات الظاهرات التي صاحبتْ دعوة سيدنا موسى لتؤيده وتُثبت للقوم صِدْقه في البلاغ عن الله، وقلنا: إنه يُشترط في المعجزة أنْ تكون موضعاً للتحدي، بحيث لا يقدر أحدٌ على الإتيان بمثلها، وأنْ تكونَ من جنس ما نبغ فيه القوم ليكون التحدي له معنى، وإلا كيف أتحدَّاك بشيء لا تعرفه أنت ولا تجيده؟ ولأن قوْم موسى نبغوا في السحر كانت معجزةُ العصا من المعجزات التي أعطاها الله تعالى لسيدنا موسى، وقد درَّبه ربُّه عز وجل على استخدام هذه العصا وعرَّفه ما فيها من أسرار قبل لقائه بفرعون. واقرأ: {أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ * قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ} تفسير : [طه: 17-20]. كان هذا الموقف تدريباً لموسى على استخدام معجزته أمام فرعون، وعندها علم موسى أنه إذا كانت مآربه من عصاته أنْ يتوكأ عليها ويهشَّ بها على غنمه، فلله تعالى مآربُ أخرى غير هذه المآرب الظاهرة. لذلك رأينا بعض المستشرقين يقولون: إن القرآن كرَّر قصة عصا موسى هذه في أكثر من موضع، والواقع أن القصة لا تكرارَ فيها، بل هي مواقف مختلفة للعصا مع موسى، فالمرة الأولى كما قلنا كانت تدريباً لموسى حتى لا يُفاجأ بما تفعله العصا إذا ألقاها أمام فرعون. وكانت المرة الثانية أمام فرعون، والثالثة لما جمع فرعونُ السَّحرةَ. إذن: ليس في المسألة تكرار، إنما هي مواقفُ مختلفة لشيء واحد، والقرآن حينما عرض لنا هذه القصة علَّمنا الفرق بين السحر والمعجزة، السحر: تخييل وخداع للنظر إنما المعجزة حقيقة واقعة. لذلك قال عن العصا: {أية : فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ} تفسير : [طه: 20] يعني: على وجه الحقيقة، ولما تكلَّم عن حبال السحرة قال: {أية : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ} تفسير : [طه: 66] والدليل على ذلك أن السَّحرة وأهل التمرُّس والخبرة في هذا المجال لما رأوا العصا ساعة انقلبت حيَّة خرُّوا سُجَّداً وآمنوا بموسى وبما جاء به، لأنهم أدْرى القوم بهذه المسألة {أية : قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ} تفسير : [طه: 70]. والحق سبحانه في موضع آخر يقول: {أية : سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ} تفسير : [الأعراف: 116] معنى: سحروا أعين الناس أن الأمر في السحر موقوف عند العين وعند النظر، فهو تخييل في مرأى العين فحسب. وواقع حياتنا أيضاً يشهد بذلك، فأذكر أنني كنتُ رئيس بعثة الأزهر في الجزائر، وهناك تعرفتُ على سفير السعودية بالجزائر الشيخ رياض الخطيب بن فؤاد الخطيب الشاعر العظيم، وحدث بيني وبينه مودة، وصادف أنه نُقِلَ من الجزائر إلى باكستان، وبعدها سافرتُ أنا إلى باكستان ونزلتُ على الشيخ رياض. وفي يوم تحدَّثنا عن السحر فقال: سأريك مسألة غريبة، هنا ساحر هندي يفعل كذا وكذا. فقلت: والله فرصة نرى ماذا يفعل، وفي الصباح ذهبنا إلى قرية وأتوْا بالساحر الهندي، فقعد وعمل (نصبة) وأتى بقطن جعله على هيئة حبل ولَواه هكذا، وكان معه ولد صغير، أشار إليه أنْ يصعد على هذا الحبل حتى رأى جميعُ الجالسين الولد فعلاً طالعاً على الحبل. في اليوم التالي وبعد أنْ راجعتُ آيات السحر في كتاب الله أخذتُ معي كاميرا فوتوغرافيا وأحببتُ أنْ أُصوِّر هذا المشهد، وفعلاً صوَّرته، في اليوم التالي وجدت الصورة بعد تحميضها بيضاء ليس بها شيء أبداً. فقال لي صاحبي: إذن بمَ تفسِّر هذا التخييل الذي رأيناه؟ قلت: والله من حديث القرآن عن الجن نعلم أنه يتشكل بكل الصور، ولا مانعَ أبداً أن الساحر يستعين بالجن، قال تعالى: {أية : وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} تفسير : [الجن: 6]. إذن: لا مانع عقلاً أنْ يُسخِّر الساحر من الجن مَنْ يساعده في هذه المسألة، ويتشكل له كما يريد. والقرآن الكريم نصَّ على أن الآيات والمعجزات التي أُرسِلَ بها سيدنا موسى كانت تسع آيات: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَسْحُوراً} تفسير : [الإسراء: 101]. وقال في موضع آخر: {أية : وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ..} تفسير : [الزخرف: 48] وهذا يعني أنها كانت آيات كثيرة واضحة ظاهرة بينة. وقوله سبحانه {إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ} [الزخرف: 46] الملأ: هم القوم، خاصة الوجهاء منهم، وأصحاب المنزلة من قولنا: فلان ملءَ العين. وفي آية أخرى قال: {أية : وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ} تفسير : [العنكبوت: 39]. وقوله تعالى: {فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} [الزخرف: 46] ملخص لرسالته وموجز لما جاء به.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما طعنت قريش على الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر النبوة، بسبب أنه فقيرٌ عديم المال والجاه، واختاروا أن يتنزَّل القرآن على رجلٍ كثير المال عظيم الجاه، ذكر تعالى قصة "موسى مع فرعون" ليشير إلى أن منطق العناد والطغيان واحد، فقد سبقهم فرعون إلى التجبر بماله وسلطانه، ورفضَ قبول دعوة الحق بحجة أنه أكثر مالاً وجاهاً من موسى، فردت الآيات الكريمة هذه الشبهة السقيمة بالحجة والبرهان. اللغَة: {يَنكُثُونَ} نكث العهد: نقضه {مَهِينٌ} حقير لا قدر له ولا مكانة {آسَفُونَا} أغضبونا وغاظونا {سَلَفاً} قُدْوة {يَصِدُّونَ} بكسر الصاد بمعنى يضجّون ويصيحون، وبضمها بمعنى الإِعراض ومنع الناس عن الإِيمان قال الجوهري: صدَّ يصُدُّ صديداً أي ضجَّ، وقيل إنه بالضم من الصدود وهو الإِعراض، وبالكسر من الضجيج، وقال الفراء: هما سواء {تَمْتَرُنَّ} الامتراء: الشك، امترى في الأمر شكَّ فيه، والمريةُ: الشكُ. سَبَبُ النّزول: عن مجاهد قال: إن قريشاً قالت إن محمداً يريد أن نعبده كما عبد النصارى عيسى ابن مريم فأنزل الله {وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ}. التفسِير: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} أي واللهِ لقد أرسلنا موسى بالمعجزات الباهرة الدالة على صدقه إلى فرعون وقومه الأقباط {فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي فقال له موسى: إني رسول الله إليك، أرسلني لأدعوك وقومك إلى عبادة الله وحده {فَلَمَّا جَآءَهُم بِآيَاتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ} أي فلما جاءهم بتلك الآيات الباهرة الدالة على رسالته ضحكوا سخريةً واستهزاءً به قال القرطبي: إِنما ضحكوا منها ليوهموا أتباعهم أن تلك الآياتِ سحرٌ، وأنهم قادرون عليها، قال تعالى {وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا} أي وما نريهم آية من آيات العذاب كالطوفان، والجراد، والقُمَّل إلا وهي في غاية الكبر والظهور، بحيث تكون أوضح من سابقتها قال الصاوي: والمعنى إلا وهي بالغة الغاية في الإِعجاز، بحيث يظن الناظر إليها أنها أكبر من غيرها {وَأَخَذْنَاهُم بِٱلْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي عاقبناهم بأنواع العذاب الشديد، لعلهم يرجعون عما هم عليه من الكفر والتكذيب {وَقَالُواْ يَٰأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ} أي وقالوا لما عاينوا العذاب يا أيها الساحرُ ادع لنا ربك ليكشف عنا هذا البلاء والعذاب {بِمَا عَهِدَ عِندَكَ} أي بالعهد الذي أعطاك إياه من استجابة دعائك {إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ} أي لنؤمِنن بك إن كشف عنا العذاب بدعائك قال المفسرون: ليس قولهم {يَٰأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ} على سبيل الانتقاص، وإِنما هو تعظيم في زعمهم، لأن السحر كان عِلم زمانهِم، ولم يكن مذموماً، فنادوه بذلك على سبيل التعظيم قال ابن عباس: معناه يا أيها العالم، وكان الساحر فيهم عظيماً يوقرونه {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ} أي فلما رفعنا عنهم العذاب بدعوة موسى، إذا هم ينقضون العهد ويصرون على الكفر والعصيان {وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ} أي نادى فرعون رؤساء القبط وعظماءهم، لما رأى الآيات الباهرة من موسى وخاف أن يؤمنوا {قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ}؟ أي قال مفتخراً متبجحاً: أليست بلادُ مصرَ الواسعة الشاسعة ملكاً لي؟ وهذه الخُلجان والأنهار المتفرعة من نهر النيل تجري من تحتي قصوري؟ قال القرطبي: ومعظمها أربعة: نهر الملك، ونهر طولون، ونهر دمياط، ونهر تينس وكلها من النيل وقال قتادة: كانت جنانها وأنهارها تجري من تحت قصره {أَفَلاَ تُبْصِرُونَ}؟ أي أفلا تبصرون عظمتي وسعة ملكي، وقلة موسى وذلته؟ {أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ} أي بل أنا خيرٌ من هذا الضعيف الحقير الذي لا عزَّ له ولا جاه ولا سلطان، فهو يمتهن نفسه في حاجاته لحقارته وضعفه؟ يعني بذلك موسى عليه السلام {وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} أي لا يكاد يفصح عن كلامه، ويوضّح مقصوده، فكيف يصلح للرسالة؟ قال أبو السعود: قال فرعون ذلك افتراءً على موسى، وتنقيصاً له عليه السلام في أعين الناس، باعتبار ما كان في لسانه من عُقدة، ولكنَّ الله أذهبها عنه بدعائه {أية : وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي}تفسير : [طه: 27-28] {فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ} أي فهلاَّ ألقى الله إليه أسورةً من ذهب كرامةً له ودلالة على نبوَّته!! قال مجاهد: كانوا إذا أرادوا أن يجعلوا رجلاً رئيساً عليهم سوّروه بسوارين وطوقوه بطوق من ذهبٍ علامة لسيادته {أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ} أي أو جاءت معه الملائكةُ يكتنفونه خدمةً له وشهادة بصدقه قال أبو حيان: لما وصف فرعون نفسه بالعزة والمُلك، ووازن بينه وبين موسى عليه السلام، ووصفه بالضعف وقلة الأعوان، اعترض فقال: إن كان صادقاً فهلاَّ ملَّكه ربُه وسوَّره وجعل الملائكة أنصاره!! {فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} أي فاستخفَّ بعقول قومه واستجهلهم لخفة أحلامهم، فأطاعوه فيما دعاهم إليه من الضلالة {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ} أي إنما أجابوه لفسقهم وخروجهم عن طاعة الله {فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ} أي فلما أغضبونا وغاظونا انتقمنا منهم بأشد أنواع العقاب {فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} أي فأغرقنا فرعون وقومه في البحر أجمعين فلم نبق منهم أحداً قال المفسرون: اغتر فرعون بالعظمة والسلطان والأنهار التي تجري من تحته، فأهلكه الله بجنس ما تكبر به هو وقومه وذلك بالغرق بماء البحر، وفيه إشارة إلى أن من تعزَّز بشيء أهلكه الله به {فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ} أي جعلنا قوم فرعون قُدوةً لمن بعدهم من الكفار في استحقاق العذاب والدمار، ومثلاً يعتبرون به لئلا يصيبهم مثل ذلك قال مجاهد: سلفاً لكفار قريش يتقدمونهم إلى النار، وعظة وعبرةً لمن يأتي بعدهم {وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} أي ولمَّا ذُكر عيسى بن مريم في القرآن وضُرب المثلُ بالآلهة التي عُبدت من دون الله إذا مشركو قريش يضجون وترتفع أصواتُهم بالصياح قال المفسرون: حديث : لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} قال ابن الزبعرى: أهذا لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم؟ فقال عليه السلام: هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم فقال: قد خصمتك وربِّ الكعبة؟ أليست النصارى يعبدون المسيح، واليهود يعبدون عزيراً؟ وبنو فلان يعبدون الملائكة!! فإِن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم، فسكت عليه الصلاة والسلام انتظاراً للوحي، فظنوا أنه أُلزم الحجة فضحك المشركون وضجوا وارتفعت أصواتهم فأنزل الله {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} تفسير : قال القرطبي: ولو تأمل ابن الزبعرى الآية ما اعترض عليها، لأنه تعالى قال {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ} ولم يقل "ومنْ تعبدون" وإِنما أراد الأصنام ونحوها مما لا يعقل، ولم يرد المسيح ولا الملائكة وإِن كانوا معبودين {وَقَالُوۤاْ أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} أي أآلهتنا خيرٌ أم عيسى؟ فإِن كان عيسى في النار فلتكنْ آلهتنا معه {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً} أي ما قالوا هذا القول لك إلاَّ على وجه الجدل والمكابرة لا لطلب الحقِّ {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} أي بل هم قوم شديدو الخصومة واللجاج بالباطل قال في التسهيل: أي ما ضربوا لك هذا المثال إلا على وجه الجدل، وهو أن يقصد الإِنسان أن يغلب من يناظره، سواء غلبه بحقٍ أو بباطل، فإِن ابن الزبعرى وأمثاله ممن لا يخفى عليه أن عيسى لم يدخل في قوله تعالى {حَصَبُ جَهَنَّمَ} ولكنهم أرادوا المغالطة فوصفهم الله بأنهم قوم خَصِمون {إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} أي ما عيسى إلا عبد كسائر العبيد أنعمنا عليه بالنبوة وشرفناه بالرسالة، وليس هو إلهاً ولا ابن إله كما زعم النصارى {وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} أي وجعلناه آيةً وعبرةً لبني إسرائيل، يستدلون بها على قدرة الله تعالى، حيث خُلق من أمٍ بلا أب قال الرازي: أي صيرناه عبرةً عجيبة كالمثل السائر حيث خلقناه من غير أب كما خلقنا آدم {وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ} أي لو أردنا لجعلنا بدلاً منكم ملائكةً يسكنون في الأرض يكونون خلفاً عنكم قال مجاهد: ملائكة يعمرون الأرض بدلاً منكم {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} أي وإِن عيسى علامة على قرب الساعة قال ابن عباس وقتادة: إن خروج عيسى عليه السلام من أعلام الساعة لأن الله ينزله من السماء قبيل قيام الساعة، {فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا} أي فلا تشكُّوا في أمر الساعة فإنها آتية لا محالة وفي الحديث "حديث : يوشك أن ينزل فيكم عيسى بن مريم حكماً مقسطاً..."تفسير : الحديث {وَٱتَّبِعُونِ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} أي وقل لهم يا محمد: اتبعوا هُداي وشرعي، فإِن هذا الذي أدعوكم إليه دينٌ قيّم وطريق مستقيم {وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} أي لا تغتروا بوساوس الشيطان، واحذروا أن يصدكم عن اتباع الحق، فإِنه لكم عدوٌ ظاهر العداوة، حيث أخرج أباكم من الجنة، ونزع عنه لباس النور {وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ} أي ولما جاء عيسى بالمعجزات وبالشرائع البينات الواضحات، قال قد جئتكم بما تقتضيه الحكمة الإِلهية من الشرائع {وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} أي وجئتكم لأبين لكم ما اختلفتم فيه من أمور الدين قال ابن جزي: وإِنما قال {بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} دون الكل، لأن الأنبياء إِنما يبيّنون أمور الدين لا أمور الدنيا وقال الطبري: يعني من الأمور الدينية لا الدنيوية {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ} أي فاتقوا اللهَ بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وأطيعوا أمري فيما أبلغه إليكم من التكاليف {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ} أي إن الله جل وعلا هو الربُ المعبود لا ربَّ سواه فأخلصوا له الطاعة والعبادة قال ابن كثير: أي أنا وأنتم عبيد له، فقراء إليه، مشتركون في عبادته وحده {هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} أي هذا التوحيد والتعبد بالشرائع، طريق مستقيم موصلٌ إلى جنات النعيم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن حالة رسالة موسى عليه السلام بقوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَـٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} [الزخرف: 46] يشير إلى ظلومية الإنسان وجهولية كفران نعمة ربه، إذ يرسل إليهم رسولاً كريماً بدلائله وحجته الظاهرة الباهرة، وهي معجزاته إلى فرعون، وهو فرعون النفس {وَمَلإِيْهِ}؛ أي: صفاتها، {فَلَمَّا جَآءَهُم بِآيَاتِنَآ} [الزخرف: 47]؛ ليسعدوا وينتبهوا وينتفعوا بها {إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ} [الزخرف: 47] فقوبل بالهزأ والضحك والتكذيب، {وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا} [الزخرف: 48] والله تعالى لم يتبع تلك الآيات والدلالات بشيء إلا كان أوضح مما قبله، ولم يقابلوه إلا بجفاء أوحش مما قبله من ظلومية طبع الإنسان وكفوريته، وبقوله: {وَأَخَذْنَاهُم بِٱلْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الزخرف: 48] يشير إلى أن من جهولية نفس الإنسان ألا يرجع إلى الله على أقدام العبودية إلا إن تجرد بسلاسل البأساء والضراء إلى الحضرة، كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ}تفسير : [فصلت: 51]، ولهذا لما عضهم الأمر وضاق نطاق بشريتهم {وَقَالُواْ يَٰأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ} [الزخرف: 49] وما قالوا مع هذا الاضطرار بها يا أيها الرسول، {ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ} [الزخرف: 49]؛ لأنهم ما رجعوا إلى الله بصدق النية وخلوص العقيدة ليروه بنور الإيمان رسولاً ويرون الله ربهم، وإنما رجعوا بالاضطرار لخلاص أنفسهم لا لإخلاص قلوبهم قالوا: {ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ} [الزخرف: 49]؛ أي: لنؤمنن بك وبربك، فدعا موسى عليه السلام وأجابه ربه فكشف عنهم فعادوا إلى كفرهم ونقضوا عهدهم وذلك قوله تعالى: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ} [الزخرف: 50].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ } . إلى آخر القصة. لما قال تعالى: {أية : وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ } تفسير : بين تعالى حال موسى ودعوته، التي هي أشهر ما يكون من دعوات الرسل، ولأن اللّه تعالى أكثر من ذكرها في كتابه، فذكر حاله مع فرعون، فقال: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا } التي دلت دلالة قاطعة على صحة ما جاء به، كالعصا، والحية، وإرسال الجراد، والقمل، إلى آخر الآيات. { إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ } فدعاهم إلى الإقرار بربهم، ونهاهم عن عبادة ما سواه. { فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ } أي: ردوها وأنكروها، واستهزأوا بها، ظلما وعلوا، فلم يكن لقصور بالآيات، وعدم وضوح فيها، ولهذا قال: { وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا } أي: الآية المتأخرة أعظم من السابقة، { وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ } كالجراد، والقمل، والضفادع، والدم، آيات مفصلات. { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } إلى الإسلام، ويذعنون له، ليزول شركهم وشرهم. { وَقَالُوا } عندما نزل عليهم العذاب: { يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ } يعنون موسى عليه السلام، وهذا، إما من باب التهكم به، وإما أن يكون هذا الخطاب عندهم مدحا، فتضرعوا إليه بأن خاطبوه بما يخاطبون به من يزعمون أنهم علماؤهم، وهم السحرة، فقالوا: { يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ } أي: بما خصك اللّه به، وفضلك به، من الفضائل والمناقب، أن يكشف عنا العذاب { إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ } إن كشف اللّه عنا ذلك. { فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ } أي: لم يفوا بما قالوا، بل غدروا، واستمروا على كفرهم. وهذا كقوله تعالى: {أية : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ }. تفسير : { وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ } مستعليا بباطله، قد غره ملكه، وأطغاه ماله وجنوده: { يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ } أي: ألست المالك لذلك، المتصرف فيه، { وَهَذِهِ الأنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي } أي: الأنهار المنسحبة من النيل، في وسط القصور والبساتين. { أَفَلا تُبْصِرُونَ } هذا الملك الطويل العريض، وهذا من جهله البليغ، حيث افتخر بأمر خارج عن ذاته، ولم يفخر بأوصاف حميدة، ولا أفعال سديدة. { أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ } يعني -قبحه اللّه- بالمهين، موسى بن عمران، كليم الرحمن، الوجيه عند اللّه، أي: أنا العزيز، وهو الذليل المهان المحتقر، فأينا خير؟ { و } مع هذا فـ { لا يَكَادُ يُبِينُ } عما في ضميره بالكلام، لأنه ليس بفصيح اللسان، وهذا ليس من العيوب في شيء، إذا كان يبين ما في قلبه، ولو كان ثقيلا عليه الكلام. ثم قال فرعون: { فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ } أي: فهلا كان موسى بهذه الحالة، أن يكون مزينا مجملا بالحلي والأساور؟ { أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ } يعاونونه على دعوته، ويؤيدونه على قوله. { فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ } أي: استخف عقولهم بما أبدى لهم من هذه الشبه، التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا حقيقة تحتها، وليست دليلا على حق ولا على باطل، ولا تروج إلا على ضعفاء العقول. فأي دليل يدل على أن فرعون محق، لكون ملك مصر له، وأنهاره تجري من تحته؟ وأي دليل يدل على بطلان ما جاء به موسى لقلة أتباعه، وثقل لسانه، وعدم تحلية الله له، ولكنه لقي ملأ لا معقول عندهم، فمهما قال اتبعوه، من حق وباطل. { إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ } فبسبب فسقهم، قيض لهم فرعون، يزين لهم الشرك والشر. { فَلَمَّا آسَفُونَا } أي: أغضبونا بأفعالهم { انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلا لِلآخِرِينَ } ليعتبر بهم المعتبرون، ويتعظ بأحوالهم المتعظون.