Verse. 4376 (AR)

٤٣ - ٱلْزُّخْرُف

43 - Az-Zukhruf (AR)

وَنَادٰى فِرْعَوْنُ فِيْ قَوْمِہٖ قَالَ يٰقَوْمِ اَلَيْسَ لِيْ مُلْكُ مِصْرَ وَہٰذِہِ الْاَنْہٰرُ تَجْرِيْ مِنْ تَحْتِيْ۝۰ۚ اَفَلَا تُبْصِرُوْنَ۝۵۱ۭ
Wanada firAAawnu fee qawmihi qala ya qawmi alaysa lee mulku misra wahathihi alanharu tajree min tahtee afala tubsiroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ونادى فرعون» افتخاراً «في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار» من النيل «تجري من تحتي» أي تحت قصوري «أفلا تبصرون» عظمتي.

51

Tafseer

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن فرعون وتمرده وعتوه وكفره وعناده: أنه جمع قومه، فنادى فيهم متبجحاً مفتخراً بملك مصر، وتصرفه فيها: {أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَـٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىۤ} قال قتادة: قد كانت لهم جنات وأنهار ماء، {أَفلاَ تُبْصِرُونَ}؟ أي: أفلا ترون ما أنا فيه من العظمة والملك؟ يعني: موسى وأتباعه فقراء ضعفاء، وهذا كقوله تعالى: {أية : فَحَشَرَ فَنَادَىٰ فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلأَخِرَةِ وَٱلأُوْلَىٰ } تفسير : [النازعات: 23 ــــ 25]. وقوله: {أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌ} قال السدي: يقول: بل أنا خير من هذا الذي هو مهين، وهكذا قال بعض نحاة البصرة: إن (أم) ههنا بمعنى بل، ويؤيد هذا ما حكاه الفراء عن بعض القراء أنه قرأها: (أما أنا خير من هذا الذي هو مهين) قال ابن جرير: ولو صحت هذه القراءة، لكان معناها صحيحاً واضحاً، ولكنها خلاف قراءة الأمصار؛ فإنهم قرؤوا: {أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌ} على الاستفهام (قلت): وعلى كل تقدير، فإنما يعني فرعون لعنه الله بذلك: أنه خير من موسى عليه الصلاة والسلام، وقد كذب في قوله هذا كذباً بيناً واضحاً، فعليه لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة. ويعني بقوله: مهين، كما قال سفيان: حقير، وقال قتادة والسدي: يعني: ضعيف. وقال ابن جرير: يعني: لا ملك له، ولا سلطان ولا مال، {وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} يعني: لا يكاد يفصح عن كلامه، فهو عيي حصر. قال السدي: {وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} أي: لا يكاد يُفْهم. وقال قتادة والسدي وابن جرير: يعني: عيي اللسان، وقال سفيان: يعني: في لسانه شيء من الجمرة حين وضعها في فمه وهو صغير، وهذا الذي قاله فرعون، لعنه الله، كذب واختلاق، وإنما حمله على هذا الكفر والعناد، وهو ينظر إلى موسى عليه الصلاة والسلام بعين كافرة شقية، وقد كان موسى عليه السلام من الجلالة والعظمة والبهاء في صورة يبهر أبصار ذوي الألباب. وقوله: {مَهِينٌ} كذب. بل هو المهين الحقير خلقة وخلقاً وديناً، وموسى هو الشريف الرئيس الصادق البار الراشد. وقوله: {وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} افتراء أيضاً؛ فإنه وإن كان قد أصاب لسانه في حال صغره شيء من جهة تلك الجمرة، فقد سأل الله عز وجل أن يحل عقدة من لسانه ليفقهوا قوله، وقد استجاب الله تبارك وتعالى له ذلك في قوله: {أية : قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ} تفسير : [طه: 36] وبتقدير أن يكون قد بقي شيء لم يسأل إزالته؛ كما قاله الحسن البصري، وإنما سأل زوال ما لا يحصل معه الإبلاغ والإفهام، فالأشياء الخلقية التي ليست من فعل العبد لا يعاب بها، ولا يذم عليها، وفرعون وإن كان يفهم وله عقل، فهو يدري هذا، وإنما أراد الترويج على رعيته؛ فإنهم كانوا جهلة أغبياء وهكذا قوله: {فَلَوْلاَ أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ} وهي ما يجعل في الأيدي من الحلي. قال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة وغير واحد: {أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ} أي: يكنفونه؛ خدمة له، ويشهدون بتصديقه، نظر إلى الشكل الظاهر، ولم يفهم السر المعنوي الذي هو أظهر مما نظر إليه لو كان يفهم، ولهذا قال تعالى: {فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} أي: استخف عقولهم، فدعاهم إلى الضلالة فاستجابوا له {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ} قال الله تعالى: { فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ أَجْمَعِينَ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: آسفونا: أسخطونا، وقال الضحاك عنه: أغضبونا، وهكذا قال ابن عباس أيضاً ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب القرظي وقتادة والسدي وغيرهم من المفسرين. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبيد الله ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثنا ابن لهيعة عن عقبة بن مسلم التجيبي عن عقبة بن عامر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا رأيت الله تبارك وتعالى يعطي العبد ما يشاء، وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك استدراج منه له» تفسير : ثم تلا صلى الله عليه وسلم { فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ أَجْمَعِينَ} وحدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، حدثنا قيس بن الربيع عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: كنت عند عبد الله رضي الله عنه، فذكر عنده موت الفجأة، فقال: تخفيف على المؤمن، وحسرة على الكافر، ثم قرأ رضي الله عنه: { فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ أَجْمَعِينَ} وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: وجدت النقمة مع الغفلة، يعني: قوله تبارك وتعالى: { فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ أَجْمَعِينَ} وقوله سبحانه وتعالى: {فَجَعَلْنَـٰهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِّلأَخِرِينَ} قال أبو مجلز: سلفاً لمثل من عمل بعملهم. وقال هو ومجاهد: ومثلاً، أي: عبرة لمن بعدهم، والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ } افتخاراً {فِى قَوْمِهِ قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ ٱلأَنْهَٰرُ } أي من النيل {تَجْرِى مِن تَحْتِى } أي تحت قصوري؟ {أَفلاَ تُبْصِرُونَ } عظمتي.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ} فيه وجهان: أحدهما: أن معنى نادى أي قال، قاله أبو مالك. الثاني: أمر من نادى في قومه، قاله ابن جريج. {قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} فيه قولان: أحدهما: أنها الإسكندرية، قاله مجاهد. الثاني: أنه ملك منها أربعين فرسخاً في مثلها، حكاه النقاش. {وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: كانت جنات وأنهاراً تجري من تحت قصره، قاله قتادة. وقيل من تحت سريره. الثاني: أنه أراد النيل يجري من تحتي أي أسفل مني. الثالث: أن معنى قوله: {وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي} أي القواد والجبابرة يسيرون تحت لوائي، قاله الضحاك. ويحتمل رابعاً: أنه أراد بالأنهار الأموال، وعبر عنها بالأنهار لكثرتها وظهورها وقوله {تَجْرِي مِن تَحْتِي} أي أفرقها على من يتبعني لأن الترغيب والقدرة في الأموال في الأنهار. {أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: أفلا تبصرون إلى قوتي وضعف موسى؟. الثاني: قدرتي على نفعكم وعجز موسى. ثم صرح بحاله فقال {أَمْ أَنَاْ خَيْرٌ} قال السدي: بل أنا خير. {مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أي ضعيف، قاله قتادة. الثاني: حقير، قاله سفيان. الثالث: لأنه كان يمتهن نفسه في حوائجه، حكاه ابن عيسى. {وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} أي يفهم، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني أنه عيي اللسان، قاله قتادة. الثاني: أَلثغ قاله، الزجاج. الثالث: ثقيل اللسان لجمرة كان وضعها في فيه وهو صغير، قاله سفيان. قوله عز وجل: {فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ} فيه وجهان: أحدهما: أنه قال ذلك لأنه كان عادة الوقت وزي أهل الشرف. الثاني: ليكون ذلك دليلاً على صدقه، والأساورة جمع أسورة، والأسورة جمع سوار. {أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: متتابعين، قاله قتادة. الثاني: يقارن بعضهم بعضاً في المعونة، قاله السدي. الثالث: مقترنين أي يمشون معاً، قاله مجاهد. وفي مجيئهم معه قولان: أحدهما: ليكونوا معه أعواناً، قاله مقاتل. الثاني: ليكونوا دليلاً على صدقه، قاله الكلبي. وليس يلزم هذا لأن الإعجاز كاف، وقد كان في الجائز أن يكذب مع مجيء الملائكة كما يكذب مع ظهور الآيات. وذكر فرعون الملائكة حكاية عن لفظ موسى لأنه لا يؤمن بالملائكة من لا يعرف خالقهم. قوله عز وجل: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} فيه أربعة أوجه: أحدها: استفزهم بالقول فأطاعوه على التكذيب، قاله ابن زياد. الثاني: حركهم بالرغبة فخفوا معه في الإجابة، وهو معنى قول الفراء. الثالث: استجهلهم فأظهروا طاعة جهلهم، وهو معنى قول الكلبي. الرابع: دعاهم إلى باطله فخفوا في إجابته، قاله ابن عيسى. قوله عز وجل: {فَلَمَّا ءَاسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ} فيه وجهان: أحدهما: أغضبونا، رواه الضحاك عن ابن عباس. الثاني: أسخطونا، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. ومعناهما مختلف، والفرق بينهما أن السخط إظهار الكراهة، والغضب إرادة الانتقام. والأسف هو الأسى على فائت. وفيه وجهان: أحدهما: أنه لما جعل هنا في موضع الغضب صح أن يضاف إلى الله لأنه قد يغضب على من عصاه. الثاني: أن الأسف راجع إلى الأنبياء لأن الله تعالى لا يفوته شيء، ويكون تقديره: فلما آسفوا رسلنا انتقمنا منهم. قوله عز وجل: {فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً} قرأ حمزة والكسائي بضم السين واللام، وفيه تأويلان: أحدهما: أهواء مختلفة، قاله ابن عباس. الثاني: جمع سلف أي جميع من قد مضى من الناس، قاله ابن عيسى. وقرأ الباقون بفتح السين واللام، أي متقدمين، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها، سلفاً في النار، قاله قتادة. الثاني: سلفاً لكفار أمة محمد صلى الله عليه وسلم، قاله مجاهد. الثالث: سلفاً لمثل من عمل مثل عملهم، قاله أبو مجلز. {وَمَثَلاً لِّلآخِرينَ} فيه وجهان: أحدهما: عظة لغيرهم، قاله قتادة. الثاني: عبرة لمن بعدهم، قاله مجاهد.

ابن عطية

تفسير : نداء فرعون يحتمل أن يكون بلسانه في ناديه، ويحتمل أن يكون بأن أمر من ينادي في الناس، ومعنى هذه الحجة التي نادى بها أنه أراد أن يبين فضله على موسى، إذ هو ملك مصر، وصاحب الأنهار والنعم، وموسى خامل متقلل لا دنيا له، قال: فلو أن إله موسى يكون حقاً كما يزعم، لما ترك الأمر هكذا و: {مصر} من بحر الإسكندرية إلى أسوان بطول النيل. و: {الأنهار} التي أشار إليها هي الخلجان الكبار الخارجة من النيل وعظمها نهر الإسكندرية وتنيس ودمياط ونهر طولون. وقوله: {أم أنا خير} قال سيبويه: {أم} هذه المعادلة، والمعنى: أم أنتم لا تبصرون، فوضع موضع قوله: أم تبصرون الأمر الذي هو حقيق أن يبصر عنده، وهو أنه خير من موسى. و "لا" على هذا النظر نافية. وقالت فرقة: {أفلا تبصرون} أم لا تبصرون، ثم اقتصر على {أم} لدلالة ظاهر الكلام على المحذوف منه، وابتدأ قوله: {أنا خير} إخباراً منه، فقوله: {أفلا} على هذا النظر بمنزلة: هلا ولولا على معنى التخصيص. وقالت فرقة: {أ} بمعنى بل. وقرأ بعض الناس: "أما أنا خير"، حكاه الفراء، وكان مجاهد يقف على {أم} ثم يبتدئ: {أنا خير}. قال قتادة: وفي مصحف أبي بن كعب: "أم أنا خير أم هذا". و {مهين} معناه ضعيف وقوله: {ولا يكاد يبين} إشارة إلى ما بقي في لسان موسى من أثر الجمرة، وذلك أنها كانت أحدثت في لسانه عقدة، فلما دعا في أن تحل ليفقه قوله، أجيبت دعوته، لكنه بقي أثر كان البيان يقع منه، لكن فرعون عير به. وقوله: {ولا يكاد يبين} يقتضي أنه كان يبين. وقرأ أبو جعفر بن علي: "يَبين" بفتح الياء الأولى. وقوله: {فلولا ألقي عليه} يريد من السماء على معنى التكرمة. وقراءة الجمهور: "أُلقي" على بناء الفعل للمفعول. وقرأ الضحاك: "أَلقَى" بفتح الهمزة والقاف على بنائه للفاعل "أساورة" نصباً. وقرأ جمهور القراء: "أساورة" وقرأ حفص عن عاصم: "أسورة"، وهي قراءة الحسن والأعرج وقتادة وأبي رجاء ومجاهد. وقرأ أبي بن كعب: "أساور". وفي مصحف ابن مسعود: "أساوير"، ويقال سوار وأسوار لما يجعل في الذراع من الحلي، حكى أبو زيد اللغتين وأبو عمرو بن العلاء، وهو كالقلب، قاله ابن عباس، وكانت عادة الرجال يومئذ حبس ذلك والتزيي به. و: {أساورة} جمع أسوار، ويجوز أن يكون جمع أسورة، كأسقية وأساقي، وكذلك: أساور، جمع أسوار. والهاء في: {أساورة} عوض من الياء المحذوفة، لأن الجمع إنما هو أساوير كما في مصحف ابن مسعود، فحذفوا الياء وجعلوا الهاء عوضاً منها، كما فعلوا ذلك في زنادقة وبطارقة وغير ذلك، وأساورة: جمع سوار. وقوله: {مقترنين} أي يحمونه ويشهدون له ويقيمون حجته. ثم أخبر تعالى عن فرعون أنه استخف قومه بهذه المقالة، أي طلب خفتهم وإجابتهم إلى غرضه، فأجابوه إلى ذلك وأطاعوه في الكفر لفسقهم ولما كانوا بسبيله من الفساد. و: {آسفونا} معناه: أغضبونا بلا خلاف، وإغضاب الله تعالى هو أن تعمل الأعمال الخبيثة التي تظهر من أجلها أفعاله الدالة على إرادة السوء بمن شاء. والغضب على هذا صفة فعل، وهو مما يتردد، فإذا كان بمعنى ما يظهر من الأفعال، فهو صفة فعل، وإذا رد إلى الإرادة فهو صفة ذات، وفي هذا نظر. وقرأ جمهور القراء: "سَلَفاً" بفتح السين واللام جمع سالف، كحارس وحرس. والسلف: هو الفارط من الأمم المتقدم، أي جعلناهم متقدمين للأمم الكافرة عظة ومثلاً لهم يعتبرون بهم، أو يقعون فيما وقعوا فيه، ومن هذه اللفظة قول النبي عليه السلام: "حديث : يذهب الصالحون أسلافاً" تفسير : ،وقوله في ولده إبراهيم: "ندفنه عند سلفنا الصالح عثمان بن مظعون". وقرأ حميد الأعرج وحمزة والكسائي: "سُلُفاً" بضم السين واللام، وهي قراءة عبد الله وأصحابه وسعد بن عياض وابن كثير، وهو جمع: سليف. وذكر الطبري عن القاسم بن معن أنه سمع العرب تقول: مضى سلف من الناس، بمعنى السلف. وقرأ علي بن أبي طالب وحميد الأعرج أيضاً: "سُلَفاً" بضم السين وفتح اللام، كأنه جمع سلفة، بمعنى الأمة والقطعة. والآخرون: هو من يأتي من البشر إلى يوم القيامة.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَنَادَى} قال: أو أمر من ينادي {مُلْكُ مِصْرَ} الإسكندرية أو ملك منها أربعين فرسخاً في مثلها {تَجْرِى مِن تَحْتِى} كانت جنات وأنهار تجري من تحت قصره، أو من تحت سريره، أو النيل يجري أسفل منه، أو أراد القواد والجبابرة يسيرون تحت لوائي قاله الضحاك.

الخازن

تفسير : {ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي} يعني أنهار النيل الكبار وكانت تجري تحت قصره وقيل معناه تجري بين يدي جناني وبساتيني، وقيل تجري بأمري {أفلا تبصرون} أي عظمتي وشدة ملكي {أما أنا} أي بل أنا {خير} وليس بحرف عطف على قول أكثر المفسرين وقيل فيه إضمار مجازه أفلا تبصرون أم تبصرون ثم ابتدأ فقال أنا خير {من هذا الذي هو مهين} أي ضعيف حقير يعني موسى {ولا يكاد يبين} أي يفصح بكلامه للثغته التي كانت في لسانه وإنما عابه بذلك لما كان عليه أولاً وقيل معناه ولا يكاد يبين حجته التي تدل على صدقه فيما يدعي ولم يرد به أنه لا قدرة له على الكلام {فلولا ألقي عليه} أي إن كان صادقاً {أسورة من ذهب} قيل إنهم كانوا إذا سودوا رجلاً سوروه بسوار من ذهب وطوقوه بطوق من ذهب يكون ذلك دلالة لسيادته، فقال فرعون هلا ألقى رب موسى عليه أسورة من ذهب إن كان سيداً تجب طاعته {أو جاء معه الملائكة مقترنين} أي متتابعين يقارن بعضهم بعضاً يشهدون له بصدقه ويعينوه على أمره. قال الله تعالى: {فاستخف} يعني فرعون {قومه} يعني القبط أي وجدهم جهالاً وقيل حملهم على الخفة والجهل {فأطاعوه} أي على تكذيب موسى {إنهم كانوا قوماً فاسقين} يعني حيث أطاعوا فرعون فيما استخفهم به {فلما آسفونا} أي أغضبونا وهو في حق الله وإرادته العقاب وهو قوله تعالى: {انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين فجعلناهم سلفاً ومثلاً للآخرين} يعني جعلنا المتقدمين الماضين عبرة وموعظة لمن يجيء من بعدهم. قوله تعالى: {ولما ضرب ابن مريم مثلاً} قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في مجادلة عبد الله بن الزبعرى مع النبي صلى الله عليه وسلم في شأن عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام وذلك لما نزل قوله تعالى: {أية : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم}تفسير : [الأَنبياء: 98] وقد تقدم ذكره في سورة الأنبياء ومعنى الآية ولما ضرب عبد الله بن الزبعرى عيسى ابن مريم مثلاً وجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبادة النصارى إياه {إذا قومك} يعني قريشاً {منه} أي من المثل {يصدون} أي يرتفع لهم ضجيج وصياح وفرح وقيل يقولون إن محمداً ما يريد منا إلا أن نعبده ونتخذه إلهاً كما عبدت النصارى عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام.

القشيري

تفسير : تعزَّزَ بمُلْكَ مصر، وجَرى النيل بأمره! وكان في ذلك هلاكه؛ ليُعْلَمَ أَنَّ مَنْ تعزَّزَ بشيء من دون الله فحتفُه وهلاكُه في ذلك الشيء.

اسماعيل حقي

تفسير : {ونادى فرعون} بنفسه او بمناد امره بالنداء {فى قومه} فى مجمعهم وفيما بينهم بعد أن كشف العذاب عنهم مخافة ان يؤمنو {قال} كفت از روى عظمت وافتخار {يا قوم} اى كروه من يعنى قبطيان {اليس لى ملك مصر} وهى اربعون فرسخا فى اربعين (قال الكاشفى) آيانيست مرا مملكت مصر از اسكندريه تاسر حد شام. وفى فتح الرحمن وهو من نحو الاسكندرية الى أسوان بطول النيل وأسوان بالضم بلد بصعيد مصر كما فى القاموس قال فى روضة الاخبار مصر بلدة معروفة بناها مصر بن حام بن نوح وبه سميت مصر مصرا وفى القاموس مصروا المكان تمصيرا جعلوه مصرا فتمصر ومصر للمدينة المعروفة سميت لتمصرها او لانه بناها مصر بن نوح وقال بعضهم مصر بلد معروف من مصر الشئ يمصره اذا قطعه سمى به لانقطاعه عن الفضاء بالعمارة انتهى {وهذه الانهار} اى انهار النيل فاللام عوض عن المضاف اليه (قال فى كشف الاسرار) آب نيل بسيصد وشصت جوى منقسم بوده. والمراد هنا الخلجان الكبار الخارجة من النيل ومعظمها اربعة انهر نهر الملك وهو نهر الاسكندرية ونهر طولون ونهر دمياط ونهر تنيس وهو كسكين بلد بجزيرة من جزائر بحر الروم قرب دمياط ينسب اليها الثياب الفاخرة كما فى القاموس {تجرى من تحتى} اى من تحت قصرى او امرى (قال الكاشفى) جهار حوى بزرك در باغ او ميرفت واز زير قصر هاى او ميكذست. والواو اما عاطفة لهذه الانهار على ملك فتجرى حال منها او للحال فهذه مبتدا والانهار صفتها وتجرى خبر للمبتدأ قال فى خريدة العجائب ليس فى الدنيا نهر اطول من النيل لان مسيرته شهران فى الاسلام وشهران فى الكفر وشهران فى البرية واربعة اشهر فى الخراب ومخرجه من بلاد جبل القمر خلف خط الاستوآء وسمى جبل القمر لان القمر لا يطلع عليه أصلا لخروجه عن خط الاستواء وميله عن نوره وضوئه يخرج من بحر الظلمة اى البحر الاسود ويدخل تحت جبل القمر وليس فى الدنيا نهر يشبه بالنيل الا نهر مهران وهو نهر السند {افلا تبصرون} ذلك يريد به استعظام ملكه وعن هرون الرشيد لما قرأها قال لاولينها اخس عبيدى فولاها الخصيب وكان على وضوئه وكان اسود أحمق. عقل وكفايت آن سياه بحدى بودكه طائفه حراث مصر شكايت آور دندش كه بنبه كاشته بوديم بركنار نيل وباران بى وقت آمد وتلف شد كفت بشم بايستى كاشتن تاتلف نشدى دانشمندى اين سخن بشنيد وبخنديه وكفت. اكر روزى بدانش برفزودى. زنادان تنك روزى تر نبودى بنادانان جنان روزى رساند. كه دانايان از وحيران بماند. وعن عبد الله بن طاهر انه وليها فخرج اليها فلما شارفها ووقع عليها بصره قال أهى القرية التى افتخر فيها فرعون حتى قال أليس لى ملك مصر والله لهى اقل عندى من أن ادخلها فثنى عنانه. قال الحافظ ابن ابى الفرج بن الجوزى يوما فى قول فرعون وهذه الانهار تجرى من تحتى ويحه افتخر بنهر ما أجراه ما أجراه. افتخار از رنك وبو واز مكان. هست شادى وفريب كودكان

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ونادى فرعونُ}، إما بنفسه، أو: أمر مَن ينادي، كقولك: قطع الأميرُ اللصّ. والظاهر أنه نادى بنفسه، {في قومه}؛ في مجمعهم وفيما بينهم، بعد أن كشف العذاب عنهم، مخافة أن يؤمنوا، {قال يا قوم أليس لي مُلكُ مِصرَ وهذه الأنهارُ}؛ أنهار النيل، ومعظمها أربعة: نهر الملك، ونهر طولون، ونهر دمياط، ونهر تييس، {تجري من تحتي}؛ تحت سريري؛ لارتفاعه، أو: بين يدي في جناتي وبساتيني. قال عمرو بن العاص رضي الله عنه: نيل مصر سيد الأنهار، سخّر الله له كل نهر بين المشرق والمغرب، فإذا أراد الله أن يجريه أمر الأنهار فأمدته بمائها، وفجّر له كل نهر عيوناً، فإذا انتهت جريته إلى ما أراد الله سبحانه أوحى إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره. قاله في الاكتفاء. ومهبطه من جبل القمر، وقيل: أصله من الجنة، والله تعالى أعلم. وحدُّ مصر: من بحر الإسكندرية إلى أسوان، بطول النيل. والأنهار المذكورة هي الخلجان الكبار، الخارجة من النيل. وعن عبد الله بن طاهر: أنه لما ولي مصر خرج إليها، فلما شارفها، قال: أهي القرية التي افتخر بها فرعون، حتى قال: {أليس لي ملك مصر}؟ والله لهي أقلّ عندي من أن أدخلها، فثنى عنانه. وعن هارون الرشيد: أنه لما قرأها، قال: والله لأولينّها أخسَّ عبيدي، فولاها الخُصَيْب، وكان خادم وُضوئه. {وهذه الأنهارُ}: إما عطف على "ملك مصر"، فـ"تجري": حال منها، أو: واو الحال، فـ"هذه" مبتدأ، و"الأنهار": صفتها و"تجري": خبر، {أفلا تُبصرون} قوتي وسلطاني، مع ضعف موسى وقلة أتباعه. أراد بذلك استعظام ملكه وترغيب الناس في اتباعه. ثم قال: {أم أنا خير} مع هذه المملكة والبسْطة {مِن هذا الذي هو مَهينٌ} أي: ضعيف حقير، من: المهانة، وهي القلة. {ولا يكاد يُبينُ} الكلام لما به من اللثة. قاله افتراء عليه عليه السلام، وتنقيصاً له في أعين الناس، باعتبار ما كان في لسانه عليه السلام. وقد كانت ذهبت عنه، لقوله تعالى:{أية : قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُوؤْلَكَ يَا مُوسَى}تفسير : [طه: 36]. والهمزة للتقرير، كأنه قال إثر ما عدّد من أسباب فضله، ومبادئ خيريته: أثبت عندكم واستقر لديكم أني أنا خير، وهذه حال، مِن هذا. وإما متصلة، والمعنى: أفلا تبصرون أم تبصرون؟ فوضع قوله: {أما أنا خير} موضع "تُبصرون"؛ لأنهم إذا قالوا: أنت خير؛ فهم عنده بُصَراء. وهذا من باب تنزيل السبب منزلة المسبب. انظر أبا المسعود. {فلولا أُلْقِيَ عليه أسَاوره من ذهب} أي: فهلاَّ أُلقي عليه مقاليد الملك إن كان صادقاً، لأنهم كانوا إذا سوّدوا رجلاً سوّروه بسوار، وطوّقوه بطوق من ذهب. {أو جاء معه الملائكةُ مقترنين}؛ مقرونين يمشون معه، مقترن بعضهم ببعض، ليكونوا أعضاده وأنصاره، أو: ليشهدوا له بالنبوة؟ {فاستخف قومَهُ} أي: فاستفزهم، وطلب منهم الخفة والسرعة في مطاوعته. أو: فاستخف أحلامهم واستزلهم، {فأطاعوه} فيما أمرهم به {إِنهم كانوا قوماً فاسقين}، خارجين عن الدين، فلذلك سارعوا إلى طاعته. {فلما آسَفُونا}؛ أغضبونا أشد الغضب، منقول من: أَسف: إذ اشتد غضبه، {انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين}، والمعنى: أنهم أفرطوا في المعاصي فاستوجبوا أن نُعجِّل لهم العذاب، وألا نحلُم عليهم. {فجعلناهم سَلَفاً}؛ قدوة لمَن بعدهم من الكفار، يسلكون مسلكهم في استيجاب مثل ما حلّ بهم من العذاب، فكل مَن تفرعن وتجبّر ففرعون إمامه وقدوته. أو: جعلناهم متقدمين في الهلاك، ليتعظ بهم مَن بعدهم إلى يوم القيامة. والسلف: جمع سالف، وهو الفارط المتقدم، {ومثلاً للآخِرين} أي: عظةً لهم، أو: قصة عجيبة، تسير مسير الأمثال، فيقال: مثلكم كقوم فرعون، كما قال تعالى:{أية : كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ}تفسير : [آل عمران: 11]. وهاهنا قراءات، قد وجَهناها في كتاب مستقل. الإشارة: عاقبة التكبُّر والافتخار الذُّل والهوان والدمار، وعاقبة التواضع والانكسار العزُّ والنصرة، انظر إلى فرعون لما تعزّز واستكبر هلك مع قومه في لُجة البحار. قال القشيري: ليعلم أن مَن تعزّز بشيء دون الله فهلاكه وحتْفه فيه، وفرعون لمَّا استصغر موسى وحديثه، وعابَه بالفقر، سلَّطه الله عليه، فكان هلاكه بيده، وما استصغر أحدٌ أحداً إلا سُلط عليه. ثم قال في قوله تعالى: {فاستخف قومه فأطاعوه}: طاعةٌ الرهبة لا تكون مخلصةً، وإنما تكون الطاعةُ صادقةً إذا صَدَرَتْ عن الرغبة، {فلما آسفونا}؛ أغضبونا، وإنما أراد: أغضبوا أولياءنا، وهذا أصل في باب الجمع، أضاف إغضابهم أولياءه إلى نفسه. وفي الخبر أنه تعالى يقول:"حديث : مرضت فلم تعدني"تفسير : وقال لإبراهيم عليه السلام:{أية : يَأْتُوكَ رِجَالاً}تفسير : [الحج: 27] وقال لنبينا صلى الله عليه وسلم:{أية : مَّن يُطِع الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}تفسير : [النساء: 80]. هـ. ثم ذكر شأن عيسى، فقال: {وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً}.

الطوسي

تفسير : عشر آيات كوفي وشامي. واحدى عشرة في ما عداه، عدوا {مهين} ولم يعده الكوفيون والشاميون. قرأ حفص عن عاصم {اسورة} بغير ألف. الباقون {أساورة} بألف. وقرأ حمزة والكسائي وخلف "سلفاً" بضم السين واللام. الباقون بفتحهما. فمن قرأ بالضم فيهما أراد جمع سليف أي جمع قد مضى من الناس. ومن قرأ "أسورة" أراد جمع سوار، وقال أبو عبيدة: وقد يكون أسوار جمع أسورة. ومن قرأ "سلفاً" بضم السين واللام جعله جمع سليف. وقال ابو علي: ويجوز أن يكون جمع (سلف) مثل أسد واسد، ووثن ووثن. ومن فتح فلأن (فَعَلا) جاء في حروف يراد بها الكثرة، فكأنه اسم من اسماء الجمع، كقولهم خادم وخدم. والفتح اكثر. وقد روي - بضم السين - وقرأ الكسائي ونافع وابن عامر "يصدون" بضم الصاد بمعنى يعرضون أي يعدلون. الباقون - بفتح الياء وكسر الصاد - بمعنى يضجون. وقيل: هما لغتان. لما حكى الله تعالى عن قوم فرعون أنه حين كشف العذاب عنهم نكثوا عهدهم وعادوا إلى ما كانوا عليه من الكفر، نادى فرعون في قومه الذين اتبعوه على دينه، وقال لهم {يا قوم} على وجه التقرير لهم {أليس لي ملك مصر} أتصرف فيها كما أشاء لا يمنعني احد منه {وهذه الأنهار} كالنيل وغيرها {تجري من تحتي} أي من تحت أمري. وقيل: إنها كانت تجري تحت قصره، وهو مشرف عليها {أفلا تبصرون} أن ما ادعيه حق وأن ما يقوله موسى باطل. وقيل: قوله {من تحتي} معناه إن النيل كانت تجري منه أنهار تحت قصره. وقيل {من تحتي} من بين يديه لارتفاع سريره. ثم قال لهم فرعون {أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين} وقال قوم: معنى (أم) بل. فكانه قال: بل أنا خير من موسى، وقال قوم: مخرجها مخرج المنقطعة، وفيها معنى المعادلة لقوله {أفلا تبصرون} أم انتم بصراء، لأنهم لو قالوا نعم لكان بمنزلة قولهم انت خير. والاصل فى المعادلة على أي الحالين أنتم على حال البصر أم على حال خلافه. ولا يجوز ان يكون المعنى على أي الحالين أنتم على حال البصر أم حال غيرها فى أني خير من هذا الذي هو مهين، وإنما المعادلة تفصيل ما أجمله. وقيل له - ها هنا - بتقدير أنا خير من هذا الذي هو مهين أم هو إلا أنه ذكر بـ (أم) لاتصال الكلام بما قبله. وحكى الفراء (اما أنا) وهذا شاذ على انه جيد المعنى. والمهين الضعيف - في قول قتادة والسدي - وقيل: معناه فقير. وقيل يمتهن نفسه فى جميع ما يحتاج اليه ليس له من يكفيه، ولا يكاد يبين - وقال الزجاج للثة كانت فى لسانه. وقال قتادة: كانت فى لسانه آفة - وبه قال السدي. وقيل: إنه كان احترق لسانه بالجمر الذي وضعه فى فيه حين أراد أن يعتبر فرعون عقله لما لطم وجهه، وأراد أن يأخذ غير النار فصرف جبرائيل يده إلى النار، فدفع عنه القتل، وقال الحسن: كان فى لسانه ثقل، فنسبه إلى ما كان عليه أولا. وقوله {فلولا ألقي عليه أساورة من ذهب} معناه هلا إن كان صادقاً في نبوته طرح عليه أساورة من ذهب. فمن قرأ (أساورة) بألف أراد جمع أسورة وأسورة جمع سوار وهو الذي يلبس فى اليد. وأما اسوار، فهو الرامي الحاذق بالرمي، ويقال أسوار - بالضم - ومن جعله جمع أسورة اراد أساوير، فجعل الهاء عوضاً عن الياء. مثل الزنادقة، فلذلك صرفه، لانه صار له نظير فى الآحاد. ومثله فى الجمع الزنادقة. والاسورة الرجل الرامي الحاذق بالرمي من رجال العجم. وقوله {أو جاء معه الملائكة مقترنين} قال قتادة ومعناه متتابعين، وقال السدي معناه يقارن بعضهم بعضاً. وقيل معناه متعاضدين متناصرين كل واحد مع صاحبه ممالياً له على أمره. وقال مجاهد: معناه مقترنين يمشون معه. وقوله {فاستخف قومه} يعني فرعون استخف عقول قومه، فأطاعوه في ما دعاهم اليه، لانه احتج عليهم بما ليس بدليل، وهو قوله {أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي} ولو عقلوا وفكروا لقالوا ليس فى ملك الانسان ما يدل على انه محق لكون ملوك كثيرة يخالفونك مبطلين عندك، وليس يجب ان يأتي مع الرسل ملائكة، لأن الذي يدل على صدق الجميع المعجز دون غيره. ثم اخبر الله تعالى عنهم بأنهم كانوا قوماً فاسقين خارجين عن طاعة الله إلى معصيته. ثم قال {فلما أسفونا انتقمنا منهم} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد: معنى اسفونا أغضبونا، لأن الله تعالى يغضب على العصاة بمعنى يريد عقابهم، ويرضى عن المطيعين بأن يريد ثوابهم بما يستحقونه من طاعاتهم ومعاصيهم كما يستحقون المدح والذم. وقيل الاسف هو الغيظ من المغتم إلا انه - ها هنا - بمعنى الغضب. ثم بين تعالى بماذا انتقم منهم، فقال {فأغرقناهم أجمعين} ثم قال {فجعلناهم سلفاً ومثلا للآخرين} فالسلف المتقدم على غيره قبل مجيء وقته، ومنه السلف في البيع. والسلف نقيض الخلف. ومن قرأ - بضم السين واللام - فهو جمع سليف من الناس، وهو المتقدم أمام القوم. وقيل: معناه {جعلناهم سلفاً} متقدمين ليتعظ بهم الآخرون. وقال قتادة: جعلناهم سلفاً إلى النار ومثلا أي عظة للآخرين. والمثل بيان عن أن حال الثاني كحال الأول بما قد صار فى الشهرة كالعلم، فحال هؤلاء المشركين كحال من تقدم فى الاشراك بما يقتضي أن يجروا مجراهم فى الاهلاك إن اقاموا على الطغيان. ثم قال الله تعالى {ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون} قيل: المراد بذلك لما ضرب الله المسيح مثلا بآدم فى قوله {أية : إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم} تفسير : اعترض على النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك قوم من كفار قريش، فانزل الله تعالى هذه الآية. ووجه الاحتجاج في شبه المسيح بآدم أن الذي قدر أن ينشىء آدم من غير ذكر قادر على إنشاء المسيح من غير ذكر، فلا وجه لاستنكاره من هذا الوجه. وقيل: إنه لما ذكر المسيح بالبراءة من الفاحشة وانه كآدم في الخاصة، قالوا: هذا يقتضي ان نعبده كما عبده النصارى. وقيل: انه لما نزل قوله {أية : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} تفسير : قالوا قد رضينا أن يكون آلهتنا مع المسيح. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال يوماً لعلي عليه السلام "حديث : لولا أني اخاف ان يقال فيك ما قالت النصارى في عيسى لقلت فيك قولا لا تمرّ بملاء إلا اخذوا التراب من تحت قدميك" تفسير : انكر ذلك جماعة من المنافقين، وقالوا: لم يرض ان يضرب له مثلا إلا بالمسيح، فانزل الله الآية. وقوله {يصدون} بكسر الصاد وضمها لغتان. وقد قرىء بهما مثل يشد ويشد وينم وينم من النميمة. وقيل: معنى يصدون - بكسر الصاد - يضجون أي يضجون سروراً منهم بأنهم عبدوا الأوثان كما عبد النصارى المسيح ومن ضمها أراد يعرضون. ثم حكى عن الكفار انهم قالوا آلهتنا خير أم هو؟! قال السدي: يعنون أم المسيح. وقال قتادة: يعنون أم محمد صلى الله عليه وآله وقيل: معنى سؤالهم آلهتنا خير ام هو؟ انهم ألزموا مالا يلزم على ظن منهم وتوهم، كأنهم قالوا: ومثلنا في ما نعبد مثل المسيح، فأيهما خير أعبادة آلهتنا أم عبادة المسيح، على انه إن قال عبادة المسيح اقر بعبادة غير الله، وكذلك إن قال عبادة الأوثان. وإن قال ليس فى عبادة المسيح خير، قصر به عن المنزلة التي ليست لأحد من سائر العباد. وجوابهم عن ذلك إن اختصاص المسيح بضرب من التشريف والانعام عليه لا يوجب العبادة له كما لا يوجب ذلك انه قد أنعم على غيره النعمة. ووجه اتصال سؤالهم بما قبله انه معارضة لالهية الأوثان بالهية المسيح كمعارضة إنشاء المسيح عن غير ذكر بانشاء آدم عليه السلام من غير ذكر. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله ما ضربوه يعني المسيح مثلا {إلا جدلا} أي خصومة لك ودفعاً لك عن الحق، لأن المجادلة لا تكون إلا وأحد المجادلين مبطلا. والمناظرة قد تكون بين المحقين، لأنه قد يعارض ليظهر له الحق. ثم قال تعالى {بل هم قوم خصمون} أي جدلون فى دفع الحق بالباطل. ثم وصف المسيح عليه السلام فقال {إن هو إلا عبد أنعمنا عليه} أي ليس هو سوى عبد خلقناه وانعمنا عليه {وجعلناه مثلا لبني إسرائيل} قال السدي وقتادة: يعني موعظة وعبرة لهم يعتبرون به ويتعظون به. ثم قال {ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة} أي بدلا منكم معاشر بني آدم ملائكة في الارض {يخلفون} بني آدم غير انه انشأ بني آدم لاسباغ النعمة عليهم. وقرأ قالون عن نافع {آلهتنا} بهمزة واحدة بعدها مدة. الباقون بهمزتين على اصولهم، غير انه لم يفصل احد بين الهمزتين بألف، وانما حققهما اهل الكوفة وروح. ولين الباقون الثانية. وقال ابو عبد الله بن خالويه: هي ثلاث ألفات الأولى للتوبيخ والتقرير بلفظ الاستفهام والثانية الف الجمع والثالثة اصلية. والاصل {ءالهتنا} فصارت الهمزة الثانية مدة ثم دخلت الف الاستفهام.

الجنابذي

تفسير : {وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ} يعنى بعد ما كشفنا عنهم العذاب خاف فرعون على ملكه وخاف ان يقرّ بموسى بعض اهل مملكته فجمع النّاس وخطبهم وموّه عليهم باظهار حسن حاله فى الدّنيا ورثاثة حال موسى (ع) فيها {قَالَ يٰقَوْمِ} لا تبالوا بموسى وما رأيتموه منه من كشف العذاب فانّى ابسط منه يداً واكثر مالاً واقوى تصرّفاً {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} اشارة الى بسط يده فى البلاد {وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ} اى انهار النّيل، قيل: كان معظمها اربعة {تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ} اى من تحت قصرى او من تحت امرى فانّهم كانوا معتقدين انّ النّيل يجرى بأمره {أَفَلاَ تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَآ خَيْرٌ} بهذه الاموال والجمال وحسن الحال وحسن الصّورة وحسن السّيرة وكثرة البسطة والسّعة {مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ} حقيرٌ ليس له شيءٌ من هذا الّذى ترونه علىّ {وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} الكلام ويقرّر المرام يعنى انّه مهين بحسب البسطة والسّعة والزّينة، ومهينٌ بحسب حاله فى نفسه فانّه لا يقدر على اداء الكلام، وام منقطعة مجرّدة عن الهمزة، او متضمّنة لها، او متّصلة والمعنى افلا تبصرون ام تبصرون.

الأعقم

تفسير : {ونادى فرعون في قومه} يعني أمر بالنداء في مجامعهم وأماكنهم من نادى فيها بذلك حين رأى من موسى أنه يظهر ويعلو خاف على مملكته فخطب الناس بعدما اجتمعوا وأظهر التفاضل بينه وبين موسى فقال: {أليس لي ملك مصر} وأراد البسطة في المال والملك {وهذه الأنهار تجري من تحتي} قيل: أنهار النيل ومعظمها نهر الملك ونهر دمياط ونهر طولون، من تحتي: من جانبي، وقيل: من حولي، وقيل: كان النيل يجري تحت قصره وبين يديه {أفلا تبصرون} لحالي وحاله {أم أنا خير من هذا الذي هو مهين} يعني أنا خير من موسى وهو مهين، وقيل: أنا خير أم هو وهو مهين ضعيف حقير، وقيل: فقير {ولا يكاد يبين} يفصح بكلامه، قيل: كان في لسانه ثقل، وقيل: كان في لسانه لثغة فرفعها وبقي ثقل في لسانه {فلولا ألقي عليه أسورة} لأنهم كانوا إذا أرادوا تسوير الرجل سوروه بسوار وطوقوه بطوق {من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين} قيل: متابعين، وقيل: مجتمعين يشهدون له بالرسالة {فاستخف قومه} يعني القبط واتباعه، وقيل: يخافونه إن اتبعوا موسى {فأطاعوه} قبلوا منه {إنهم كانوا قوماً فاسقين} خارجين عن طاعة الله تعالى {فلمَّا آسفونا} أغضبونا والله تعالى يغضب على العصاة ويرضى على المطيعين لانتقمنا منهم {فأغرقناهم أجمعين} لم ينج منهم أحد {فجعلناهم سلفاً} أي جعلناهم قدوة {للآخرين} من الكفار يقتدون بهم في استحقاق مثل عقابهم، وقيل: سلفا يعتبر بهم ومثلاً وعبرة وموعظة للآخرين لمن جاء بعدهم، وقيل: لأمته (صلى الله عليه وآله وسلم) {ولمَّا ضرب ابن مريم مثلاً} يعني عيسى، واختلفوا في ضرب المثل قيل: ضرب الله مثل عيسى بأنه خلقه من غير أب، وقيل: أن قوماً من الكفار ضربوا المسيح مثلاً لآلهتهم فقالوا: نحن نعبد هؤلاء الأوثان كما عبدت النصارى المسيح وسهلوا بذلك عبادة الأوثان على أنفسهم، وقيل: لما مدح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عيسى وأمه وأنه تعالى خلقه من غير أب قالوا: أن محمد يريد أن نعبده كما عبدت النصارى عيسى، وقيل: أراد مناظرة عبد الله بن الزبعري مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عند نزول قوله: {أية : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} تفسير : [الأنبياء: 98] الآية قال ابن الزبعري: المسيح يكون في النار {إذا قومك منه يصدّون} يعرضون، وقيل: صدوا سروراً لهم عبدوا الأوثان عبدت النصارى عيسى، والذي ذكره الهادي (عليه السلام) في تفسيره أنه قال: روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال لعلي (عليه السلام) ذات يوم: "حديث : يا علي لولا أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في المسيح لقلت فيك مقالاً لا تمر بملأ من الناس إلا أخذوا من تراب نعليك غير أنه يكفيك أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي"تفسير : ، فقال المنافقون لما سمعوا ذلك: ما رضي محمد إلا أن يضرب لابن عمه مثلاً الا عيسى ابن مريم فقالوا: والله لآلهتنا خير منه، يعنوا عليّاً، فأنزل الله ذلك فيهم وإنما ذكروا ذلك {جدلاً} طلباً لنعت روى ذلك الهادي (عليه السلام) {بل هم قوم خصمون} بالباطل {إن هو إلاَّ عبد أنعمنا عليه} بالحق من غير أب وبالنبوة {وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل} أي عظة وحجة أتى بالمعجزات كإبراء الأكمه والأبرص {ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون} قيل: تكون خلفاء، يعني أهلكناهم وجعلنا الملائكة سكان الأرض يعبدون الله، وقيل: يخلف بعضهم بعضاً.

اطفيش

تفسير : {وَنَادَى فِرْعَونُ} أي أمر بالنداء* {فِي قَوْمِهِ} في مجامعهم بعد كشف العذاب لما كشف دعاءه موسى للتوحيد فأمر بالنداء افتخاراً ومخافة أن يؤمن بعضهم أو نادى هو بنفسه في جماعة عنده من عظماء القبط فينشر عنه نداء في الجموع فكأنه نادى فيها. {قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} هو من بحر الاسكندرية الى أسوان بطول النيل* {وَهَذِهِ الأَنْهَارُ} الخلجان الكبار الخارجة من النيل وقيل أنهار النيل ومعظمها نهر الملك ونهر طولون ونهر دمياط ونهر تنيس وهي خلجان وعبارة بعضهم الانهار النيل كأنه أراد انه جامع الانهار تصب فيه أو فيه من الماء ما يكون في عيون كبار* {تَجْرِي مِن تِحْتِي} أي بأمري وقبضتي أضعها حيث شئت وقيل تجري بين يدي في جناني وبستاني وقيل تحت قصري وقيل تحت سريره لارتفاعه والياء مفتوحة عند نافع والبزي وأبي عمرو* {أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} عظمتى وشدة ملكي عجباً كيف يدعي الربوبية من عظم مُلْك ملك مصر عنده وعجب الناس من غاية عظمته وأمر بالنداء في أسواقها وطرقَها لئلا يخفي ذلك عن صغير أو كبير. وهذا هارون الرشيد لما قرأ الآية قال: (لأولينها أحسن عبيدي فولاها الخطيب وكان على وضوئه لم ينتقض اذ صدق في قوله واعتقاده فيما وعد ووليها عبد الله بن طاهر أيضاً فخرج اليها ولما شارفها ووقع عليه بصره قال: أهي القرية التى افتخر بها فرعون حتى قال: {أليسَ لِي مُلكُ مِصْرَ} والله لهي أقل عندي من أن أدخلها فنثى عنانه عنها والواو عطفت (هذه) على (ملك) و (تجري) حال من هذه أو واو الحال وهذه مبتدأ (وتجري) خبره

اطفيش

تفسير : {ونادى} ليصرف الناس عن اتباع موسى، اذ كشف الضر بدعائه {فرعون في قومه} عطف على ما قبله عطف قصة، أو على المعنى المسمى فى غير القرآن، عطف توهم، كأنه قد قيل فاجئوا النكث، ونادى لا على فاجأ مقدار فى العبارة، ويجوز العطف على ينكثون وقومه اشرافه المعبر عنهم بالملأ، جميعهم فى محله أو جميع قومه، لأن النداء فى ملئه نداء فى القبط كلهم، أو أراد بالقوم مملكته كذلك، وكل واحد من ملئه بشر نداءه فى قومه فيعم، أو أراد أنه نادى منادوه فى الأسواق والشوارع والمجامع والبلاد، فحذف المضاف أو أسند الى نفسه على التجوز فى الاسناد، والمنادى حقيقة غيره فى كل وجه، وعدى نادى بفى لأنه أراد النداء فيهم، ولا مفعول له صريح، لأن المراد صرخ فيهم، وكأنه قيل ماذا قال فى ندائه فقيل: {قال يا قوم} القوم هم المذكرون {أليْس لي مُلْك مِصْر} لم يرد القاهرة وحدها، بل مصر عبارة عن القاهرة وأعمالها، أو أراد بملك مصر ما ملكته القاهرة من الأعمال، كأنها مالكة، لأن أحكام أعمالها تحت حكمها، ودخلت القاهيرة بالمساواة أو بالأولى، لأن أعمالها كأعضاء الانسان اذا قطعت تعطل، أو أراد القاهرة خصوصا واعمالها تابعة لها، والملك بمعنى مملوكات، ويجوز أن يكون مصدرا، أى التصرف فيها، وأعمالها، الاسكندرية وأسوان وما بينهما. {وهَذه الأنهار} عطف على {لي ملك مصر} كأنه قيل: أليس لى هذه الأنهار وقوله: {تَجري من تَحتي} حال من هذه، أو قوله: {هذه الأنهار تجري من تحتي} مبتدأ وخبر، والعطف على ليس لى ملك مصر، أوهى حال من الياء، وليس فى هذا الوجه من المبتدأ والخبر، التصريح بأنها مملوكة له، لكن معلوم ذلك من المقام، اذ ملك مصر وأعمالها فكيف يتصور أن يملكها دون أنهارها وأيضا جريانها تحته بكيفية يشاؤها، كالتصريح فى أنها ملكه، وأيضا قد يقال: من تحتى بمعنى بأمرى وتصرفى، والأنهار الخلج المفتتحة من النيل، كنهر الملك، ونهر دمياط، ونهر تنيس، ولعل نهر طولون كان على عهده واندرس، وجدده أحمد بن طولون فى الاسلام، والمشهور الأنهار تجرى من تحته بمعنى تحت قصره، أى من تحت قصرى، وقصره مشرف عليها، أو تحت سرير، وكان له سرير مرتفع تجرى من تحته أو تحت أشجاره، وكانت له بساتين وجنان. {أفلا تُبْصرون} أغفلتم فلا تعقلن ذلك، وأذهلتم بأمر موسى فلا تعقلون ذلك، أو لا مفعول له بمعنى أليس لكم بصيرة، ادعى الربوبية مع أنه ليس له إلا ملك مصر، وهذا عجيب، ولما قرأ هارون الرشيد هذه الآية قال: لأولين مصر أخس عبيدى فولاها الخصيب وكان على وضوئه روى ذلك، ومعنى على وضوئه أنه لم ينتقض بالكذب، اذ لم يكذب فى أن الخصيب أخس عبيده، أو كان الخصيب عبدا له ما يلى من أمر الملك هارون الا استعداد الماء للتوضؤ، والقيام بشأن الوضوء، ووليها عبد الله بن طاهر، فخرج اليها، فلما شارفها ووقع عليها بصره قال: هى القرية التى افتخر بها فرعون، حتى قال: {أليس لي ملك مصر} والله لهى عندى أقل من أن أدخلها، فثنى عنانه.

الالوسي

تفسير : {وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَـٰرُ تَجْرِي مِن تَحْتِي} أي رفع صوته بنفسه فيما بين قومه بذلك القول، ولعله جمع عظماء القبط في محله الذي هو فيه بعد أن كشف العذاب فنادى فيما بينهم بذلك لتنتشر مقالته في جميع القبط ويعظم في نفوسهم مخافة أن يؤمنوا بموسى عليه السلام ويتركوه. ويجوز أن يكون إسناد النداء إليه مجازاً والمراد أمر بالنداء بذلك في الأسواق والأزقة ومجامع الناس وهذا كما يقال بنى الأمير المدينة. {وَنَادَىٰ} قيل معطوف على فاجأ المقدر ونزل منزلة اللازم وعدي بفي كقوله:شعر : يجرح في عراقيبها نصلي تفسير : للدلالة على تمكين النداء فيهم. وعنى بملك مصر ضبطها والتصرف فيها بالحكم ولم يرد مصر نفسها بل هي وما يتبعها وذلك من اسكندرية إلى أسوان كما في «البحر». والأنهار الخلجان التي تخرج من النيل المبارك كنهر الملك ونهر دمياط ونهر تنيس ولعل نهر طولون كان منها إذ ذاك لكنه اندرس فجدده أحمد بن طولون ملك مصر في الإسلام وأراد بقوله: {مِن تَحْتِي} من تحت أمري. وقال غير واحد كانت أنها تخرج من النيل وتجري من تحت قصره وهو مشرف عليها، وقيل: كان له سرير عظيم مرتفع تجري من تحته أنهار أخرجها من النيل، وقال قتادة: كانت له جنان وبساتين بين يديه تجري فيها الأنهار، وفسر الضحاك الأنهار بالقواد والرؤساء الجبابرة، ومعنى كونهم يجرون من تحته أنهم يسيرون تحت لوائه ويأتمرون بأمره، وقد أبعد جداً وكذا من فسرها بالأموال ومن فسرها بالخيل وقال: كما يسمى الفرس بحراً يسمى نهراً بل التفاسير الثلاثة تقرب من تفاسير الباطنية فلا ينبغي أن يلتفت إليها. والواو في {وَهَـٰذِهِ} الخ إما عاطفة لهذه الأنهار على الملك فجملة {تَجْرِي} حال منها أو للحال فهذه مبتدأ و {ٱلأَنْهَـٰرَ} صفة أو عطف بيان وجملة {تَجْرِي} خبر للمبتدأ وجملة (هذه) الخ حال من ضمير المتكلم، وجوز أن تكون للعطف {وَهَـٰذِهِ ... تَجْرِي} مبتدأ وخبر والجملة عطف على اسم {لَيْسَ} وخبرها. وقوله: {أَفلاَ تُبْصِرُونَ} على تقدير المفعول أي أفلا تبصرون ذلك أي ما ذكر، ويجوز أن ينزل منزلة اللازم والمعنى أليس لكم بصر أو بصيرة. وقرأ عيسى {تبصرون} بكسر النون فتكون الياء الواقعة مفعولاً محذوفة، وقرأ فهد بن الصقر {يبصرون} بياء الغيبة ذكره في «الكامل» للهذلي والساجي عن يعقوب ذكره ابن خالويه. ولا يخفى ما بين افتخار اللعين بملك مصر ودعواه الربوبية من البعد البعيد. وعن الرشيد أنه لما قرأ هذه الآية قال: لأولينها ـ يعني مصر ـ أخس عبيدي فولاها الخصيب وكان على وضوئه، وعن عبد الله بن طاهر أنه وليها فخرج إليها فلما شارفها ووقع عليها بصره قال: أهي القرية التي افتخر بها فرعون حتى قال: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} والله لهي أقل عندي من أن أدخلها فثنى عنانه.

ابن عاشور

تفسير : لما كُشف عنهم العذاب بدعوة موسى، وأضمر فرعون وملؤه نكث الوعد الذي وعدوه موسى بأنهم يهتدون، خشِي فرعون أن يتبع قومُه دعوةَ موسى ويؤمنوا برسالته فأعلن في قومه تذكيرهم بعظمة نفسه ليثبّتهم على طاعته، ولئلا يُنقل إليهم ما سأله من موسى وما حصل من دَعوته بكشف العذاب وليحسبوا أن ارتفاع العذاب أمر اتفاقي إذ قومه لم يطلعوا على ما دار بينه وبين موسى من سؤال كشف العذاب. والنداء: رفع الصوت، وإسناده إلى فرعون مجاز عقلي، لأنه الذي أمر بالنداء في قومه. وكان يتولى النداءَ بالأمور المهمة الصادرة عن الملوك والأمراءِ مُنادون يعيَّنون لذلك وربما نادوا في الأمور التي يراد عِلم الناس بها. ومن ذلك ما حكي في قوله تعالى في سورة يُوسف (70) { أية : ثم أذَّنَ مؤذِّنٌ أيّتها العِير إنَّكم لسارقون } تفسير : وقوله تعالى: { أية : فأرسل فرعون في المدائن حاشرين إنّ هؤلاء لشرذمةٌ قليلون وإنهم لنا لغائظون } تفسير : [الشعراء: 53 ـــ 55]. ووقع في المقامة الثلاثين للحريري: «فلما جلس كأنه ابنُ ماء السماء، نَادى مُنادٍ من قِبَل الأحْماء، وحُرْمَةِ ساسان أستاذِ الأُستَاذِين، وقِدوة الشحّاذين، لا عَقَد هذا العقدَ المبجّل، في هذا اليوم الأغرِّ المحجّل، إلا الذي جالَ وجاب، وشَبّ في الكُدية وشاب». فذلك نداء لإعلان العقد. وجملة {قال} الخ مبيّنة لجملة {نادى}، والمجاز العقلي في {قال} مثل الذي في {ونادى فرعون}. وفرعون المحكي عنه في هذه القصة هو منفطاح الثاني. فالأنهار: فروع النيل وتُرَعُه، لأنها لعظمها جعل كل واحد منها مثل نهر فجمعت على أنهار وإنما هي لنهر واحد هو النيل. فإن كان مقر ملك فرعون هذا في مدينة منفيس فاسم الإشارة في قوله: {وهذه الأنهار} إشارة إلى تفاريع النيل التي تبتدىء قرب القاهرة فيتفرع النيل بها إلى فرعين عظيمين فرع دِمياط وفرع رَشيد، وتعرف بالدّلتا. وأحسب أنه الذي كان يدعَى فرع تنيس لأن تنيس كانت في تلك الجهة وغَمرها البحر، وله تفاريع أخرى صغيرة يسمى كل واحد منها تُرعة، مثل ترعة الإسماعيلية، وهنالك تفاريع أخرى تُدْعى الرياح. وإن كان مقر ملكه طيبة التي هي بقرب مدينة (آبو) اليومَ فالإشارة إلى جَداول النيل وفروعه المشهورة بين أهل المدينة كأنها مشاهدة لعيونهم. ومعنى قوله: {تجري من تحتي} يحتمل أن يكون ادَّعى أنّ النيل يجري بأمره، فيكون {من تحتي} كناية عن التسخير كقوله تعالى: { أية : كانتا تَحتَ عبدين من عبادنا صالحين } تفسير : [التحريم: 10] أي كانتا في عصمتهما. ويقول النّاس: دخلت البلدةُ الفلانية تحت الملك فلان، ويحتمل أنه أراد أن النيل يجري في مملكته من بلاد (أصوان) إلى البحر فيكون في {تحتي} استعارة للتمكن من تصاريف النيل كالاستعارة في قوله تعالى: { أية : قد جعل ربّك تَحْتَكِ سريًّا } تفسير : [مريم: 24] على تفسير (سرياً) بنهر، وكان مثل هذا الكلام يروج على الدهماء لسذاجة عقولهم. ويجوز أن يكون المراد بالأنهار مصبّ المياه التي كانت تسقي المدينة والبساتين التي حولها وأن توزيع المياه كان بأمره في سِدادٍ وخَزَّانات، فهو يهوّل عليهم بأنه إذا شاء قَطَعَ عنهم الماء على نحو قول يوسف { أية : ألا ترون أني أُوفي الكيل وأنا خير المُنْزِلين } تفسير : [يوسف: 59] فيكون معنى {من تحتي} من تحت أمري أي لا تجري إلا بأمري، وقد قيل: كانت الأنهار تجري تحت قصره. والاستفهام في {أفلا تبصرون} تقريري جاء التقرير على النفي تحقيقاً لإقرارهم حتى أن المقرر يفرض لهم الإنكار فلا ينكرون.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ونادى فرعون في قومه: أي نادى فيهم افتخاراً وتبجحاً بما عنده. وهذه الأنهار تجري من تحتي: أي من النيل تجري من تحت قصوري. أفلا تبصرون: أي عظمتي وما أنا عليه من الجلال والكمال. أم أنا خير: أي من موسى الذي هو مهين ولا يكاد يبين أي يفصح لِلثُّغة التي في لسانه. فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب: أي هَلا ألقي عليه أسورة من ذهب من قِبَلِ الذي أرسله. أو جاء معه الملائكة مقترنين: أي أو جاءت الملائكة يتبع بعضها بعضاً تشهد له بالرسالة. إنهم كانوا قوماً فاسقين: أي أطاعوه لكونهم قوماً فاسقين ففسقهم هو علة طاعتهم. فلما آسفونا انتقمنا منهم: أي فلما أغضبونا انتقمنا منهم. فجعلناهم سلفا: أي فرعون وقومه سلفاً أي سابقين ليكونوا عبرة لمن بعدهم. ومثلا للآخرين: أي يتمثلون بحالهم فلا يقدمون على مثل فعلهم. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في قصة موسى مع فرعون قال تعالى: {وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ} لأجل الافتخار والتطاول إرهاباً للناس قال يا قوم أليس لي ملك مصر، وهذه الأنهار أي أنهار النيل تجر من تحتي أي من تحت قصوره، أفلا تبصرون فإذا أبصرتم فقولوا أنا خير من هذا الذي هو مهين أي حقير يتولى الخدمة بنفسه، ولا يكاد يبين أي يفصح بلسانه لعلة به وهي اللثغة أم هو؟. فلولا ألقى عليه أساوره من ذهب أي هلا ألقى عليه من أرسله أساورة من ذهب أو بعث معه الملائكة مقترنين يشهدون له بالرسالة. قال تعالى: {فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ} أي استفزهم بقوله هذا وحركهم فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين، والفاسق جبان يستجيب بسرعة للباطل إن كان ممن يخاف عادة كالحاكم الظالم. وقوله تعالى: {فَلَمَّآ آسَفُونَا} أي أغضبونا بنكثهم وكفرهم وكبريائهم وظلمهم أغرقناهم أجمعين أي فلم نبق منهم أحداً والمراد فرعون وجنوده. وقوله تعالى فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين أي جعلنا فرعون، ومن أغرقنا معه من ملائه وجيوشيه سلفا أي سابقين ليكونوا عبرة لمن بعدهم، ومثلا يتمثل به من بعدهم فلا يقدمون على ما أقدموا عليه من الكفر والظلم والعلو والفساد، وأولى من يعتبر بهذا قريش التي نزل ليَنِبّهها ويحرك كامن نفسها لتنتبه من غفلتها فتؤمن وتوحد فتنجو وتكمل وتسعد. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- ذم الفخر والمباهاة إذ هما من صفات المتكبرين والظالمين. 2- الاحتقار للفقراء والازدراء بهم من صفات الجبارين الظلمة المتكبرين. 3- الفسق يجعل صاحبه مطية لكل ظالم أداة يسخره كما يشاء. 4- التحذير من غضب الرب تبارك وتعالى فإنه متى غضب انتفم فبطش.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰقَوْمِ} {ٱلأَنْهَارُ} (51) - فَجَمَعَ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَنَادَى فِيهِمْ مُتَبَجِّحاً مُتَفَاخِراً بِمُلْكِ مِصْرَ، وَتَصْرُّفِهِ فِيهَا، وَفِي أَنْهَارِهَا الجَارِيَةِ فِي أَرْضِهَا، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَفَلاَ تَرَوْنَ مَا أَنَا عَلَيْهِ مِنَ القُّوَةِ وَعِظَمِ المَكَانَةِ؟ وَكَانَ فِرْعَوْنُ يَقْصدُ بِهَذَا النِّدَاءِ تَثْبِيتَهُمْ فِي طَاعَتِهِ، وَصَرْفَهُم عَنِ التَّأَثُّرِ بِمُوسَى وَمَا جَاءَ بِهِ مِنَ الآيَاتِ.

الثعلبي

تفسير : {وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ} يعني أنهار النيل ومعظمها أربعة: نهر الملك، ونهر طولون، ونهر دمياط، ونهر تنيس. {تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ} بين يدي وجناتي وبساتيني، وقال ابن عباس: حولي. عطاء: في قبضتي وملكي. الحسن: بأمري. {أَفَلاَ تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَآ خَيْرٌ} بل أنا بخير. (أم) بمعنى بل، وليس بحرف على قول أكثر المفسرين، وقال الفراء: وقوم من أهل المعاني الوقوف على قوله (أَم)، وعنده تمام الكلام. وفي الآية إضمار ومجازها: أفلا تبصرون أم لا تبصرون أم إبتداء، فقال: أنا خير {مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ} ضعيف حقير يعني موسى (عليه السلام). {وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} يفصح بكلامه وحجته، لعيّه ولعقدته والرنة الّتي في لسانه. {فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ} إن كان صادقاً {أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ} قرأ الحسن ويعقوب وأبو حاتم وحفص {أَسْوِرَةٌ} على جمع السوار، وقرأ أبي: أساور، وقرأ إبن مسعود: أساوير، وقرأ العامة: أساورة بالألف على جمع الأسورة وهو جمع الجمع. وقال أبو عمرو بن العلاء: واحد الأساورة والأساور والأساوير أساور، وهي لغة في السوار. قال مجاهد: كانوا إذا استودوا رجلاً سوّروه بسوار، وطوّقوه بطوق من ذهب يكون ذلك دلالة لسيادته وعلامة لريّاسته. فقال فرعون: هلا ألقى ربّ موسى أسورة من ذهب. {أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ} متابعين يقارن بعضهم بعضاً يمشون معه شاهدين له. قال الله تعالى: {فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ} القبط وجدهم جهالاً. {فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ}. أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه، حدثنا ابن مالك، حدثنا إبن حنبل، حدثنا أبي، حدثنا الوليد بن مسلم، قال: قال الضحاك بن عبد الرحيم بن أبى حوشب: سمعت بلال بن سعد يقول: قال أبو الدرداء: لو كانت الدّنيا تزن عند الله جناح ذباب ما سقي فرِعون منها شراباً. {فَلَمَّآ آسَفُونَا} أغضبونا، وقال الحسين بن الفضل: خالفونا {ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً} قرأ علي وابن مسعود بضم السين وفتح اللام، وقال المؤرخ والنضر بن شميل: هي جمع سلفة، مثل طرقة وطرق، وغرفة وغرف، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي بضم السين واللام، قال الفراء: هو جمع سليف، وحكي عن القاسم بن معين إنّه سمع العرب تقول: مضى سليف من الناس، وقال أبو حاتم: سَلف وسُلف واحد، مثل خَشَب وخُشُب، وثَمَر وثُمُر وقرأ الباقون فتح السين واللام على جمع السالف مثل حارس وحرس، وراصد ورّصد، وهم جميعاً: الماضون المتقدمون من الأمم. {وَمَثَلاً} عبرة. {لِّلآخِرِينَ} لمن يجيء بعدهم، قال المفسرون: سلفاً لكفّار هذه الأمة إلى النّار. {وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً} في خلقه من غيرِ أَب. فشبه بآدم من غيرِ أَب ولا أُم. {إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} ويقولون ما يريد محمد منا إلاّ أن نعبده ونتخذه إلهاً كما عبدت النصارى عيسى. قاله قتادة. وقال ابن عباس: أَراد به مناظرة عبد الله بن الزبعري مع النبي صلى الله عليه وسلم وشأن عيسى (عليه السلام)، وقد ذكرناها في الأنبياء (عليهم السلام) وأختلف القرّاء في قوله: {يَصِدُّونَ} فقرأ أهل المدينة والشام وجماعة من الكوفيين بضم الصاد، وهي قراءة علي والنخعي ومعناه يعرضون، ونظيره قوله: {أية : رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً}تفسير : [النساء: 61]. وقرأ الباقون بكسر الصاد، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم واختلفوا في معناه، فقال الكسائي: هما لغتان مثل يعرشون ويعرشون، ويعكفون ويعكفون، ودرّت الشاة تدر وتدُرُ، وشذ عليه يشذ ويشد، ونمّ الحديث ينمه وينمُه، وقال ابن عباس: معناه يضجون. سعيد بن المسيب: يصيحون ضحاك: يعجون. قتادة: يجزعون ويضحكون، وقال القرظي: يضجرون. وقال الفراء: حدثني أبو بكر بن عياش أنَّ عاصماً قرأ يصُدُون من قراءة أبي عبد الرحمن، وقرأ يصدُون، وفي حديث آخر إنّ ابن عباس لقي أخي عبيد بن عمير، فقال: إنّ عمك لعربي، فماله يلحن في قوله سبحانه تعالى: {إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ}؟. {وَقَالُوۤاْ أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم فنعبد إلهه ونطيعه ونترك آلهتنا، هذا قول قتادة، وقال السدي وابن زيد: أم هُوَ يعنون عيسى (عليه السلام)، قالوا: يزعم محمد إنّ كلّ ما عبد من دون الله في النّار، فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عزير وعيسى والملائكة في النّار. قال الله تعالى: {مَا ضَرَبُوهُ} يعني هذا المثل. {لَكَ إِلاَّ جَدَلاً} خصومة بالباطل. {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} أخبرنا أبو بكر عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن علي الجمشاذي الفقيه، بقراءتي عليه، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل. حدثني أبي،حدثنا عبد الله بن نمير الكوفي، حدثنا حجاج بن دينار الواسطي، أخبرنا ابن فنجويه، حدثنا هارون بن محمد بن هارون، حدثنا السريّ، حدثنا أبو النضر، حدثنا عنبسة بن عبد الواحد القريشي، عن الحجاج بن دينار، عن أبي غالب، عن أبي أُمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه، إلاَّ أُتوا الجدل، ثمّ قرأ: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} ". تفسير : {إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} يعني آية أو عبرة وعظه لبني إسرائيل. {وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ} لأهلكناكم وجعلنا بدلاً منكم. {مَّلاَئِكَةً فِي ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ} يعني يكونون خلفاً منكم فيعمرون الأرض ويعبدونني ويطيعونني. {وَإِنَّهُ} يعني عيسى (عليه السلام). {لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} بنزوله يعلم قيام الساعة ويستدل على ذهاب الدّنيا وإقبال الآخرة. أخبرنا ابن فنجويه، حدثنا طلحة بن محمد وعبيد الله بن أحمد، قالا: حدثنا أبو بشر بن مجاهد، حدثنا فضل بن الحسن، حدثنا عبيد الله بن معاد، حدثنا أبي، عن عمران بن جرير، قال: سمعت أبا نضرة يقرأ {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ}، قال: هو عيسى، وبإسناده عن ابن مجاهد، حدثني عبد الله بن (عمر) بن سعد، حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا خالد بن الحرث، حدثنا أبو مكي، عن عكرمة {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ}، قال: ذلك عيسى (عليه السلام). وقرأ ابن عباس وأبو هريرة وقتادة و مالك بن دينار والضحاك {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} بفتح السين واللام، أي إمارة وعلامة، وفي الحديث: ينزل عيسى بن مريم على ثنية بالأرض المقدسة، يقال لها: أفيق، بين مُمصرّتَيْن وشعر رأسه دهين وبيده حربة يقتل بها الدجال. فيأتي بيت المقدس والنّاس في صلاة العصر، والإمام يؤم بهم فيتأخر الإمام، فيتقدّمه عيسى ويصلي خلفه على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ثمّ يقتل الخِنزير، ويكسر الصليب، ويخرب البيع والكنائس، ويقتل النصارى. إلاَّ من آمن به. وقال قوم: الهاء في قوله: {وَإِنَّهُ} كناية عن القرآن، ومعنى الآية وإِنَّ القرآن لَعِلمٌ لِلسَّاعَةِ يعلمكم قيامها ويخبركم بأحوالها وأهوالها، وإليه ذهب الحسن. {فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا} فلا تَشكُنَّ بها أي فيها. {وَٱتَّبِعُونِ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ * وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ} ولا يَصرفنّكم {ٱلشَّيْطَانُ} عن دين الله. {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ} بني إِسرائيل. {بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ} بالنبوة. {وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} من أحكام التوراة. {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ * فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ} اليهود والنصارى. {مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ} كفروا واشركوا كما في سورة مريم. {مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ * هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * ٱلأَخِلاَّءُ} على المعصية في الدنيا. {يَوْمَئِذٍ} يوم القيامة. {بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ}. المتحابين في الله على طاعة الله. أخبرنا عقيل بن محمد إنّ أبا الهرج البغدادي القاضي أخبرهم، عن محمد بن جرير، حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن أبي اسحاق، إنّ علياً رضي الله عنه قال في هذه الآية: خليلان مؤمنان وخليلان كافران، فمات أحد المؤمنين، فقال: يا ربّ إنّ فلان كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالخير، وينهاني عن الشرّ، ويخبرني إنّي ملاقيك. يا ربّ فلا تضلّه بعدي واهده، كما هديتني، وإكرمه كما أكرمتني. وإذا مات خليله المؤمن جمع بينهما، فيقول: ليثني أحدكما على صاحبه. يقول: يا ربّ انه كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالخير وينهاني عن الشرّ، ويخبرني أنّي ملاقيك، فيقول: نعم الأخ، ونعم الخليل، ونعم الصاحب. قال: ويموت أحد الكافرين، فيقول: إنّ فلان كان ينهاني عن طاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالشّر، وينهاني عن الخير ويخبرني إنّي غير ملاقيك. فيقول: بئس الأخ، وبئس الخليل، وبئس الصاحب.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هنا يشعر فرعون بالخطر، وتهتز مكانته أمام قومه، يشعر أن موسى يسحب البساط من تحت قدميه حيث تتجه إليه الأنظار خاصة بعد حادثة السحرة الذين آمنوا بربِّ هارون وموسى ولم ينتظروا إذناً من فرعون. وبعد أنْ نزل بهم القحط، وأصابهم الجَدْب حتى يئسوا فتوجَّهوا إلى موسى وطلبوا منه كشْف ما هم فيه، لذلك نرى فرعون يحاول أنْ يعيد مكانته ويُحسِّن صورته أمام قومه. {وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ} [الزخرف: 51] بماذا نادى مُناديه؟ {قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الزخرف: 51] يعني: انتبهوا إلى مكانتي ومُلْكي وقدرتي عليكم ولا تهتموا بأمر موسى، فأنا لا أزال مَلِك مصر، والأنهار تجري من تحتي. يعني: لا أزال وليَّ نعمتكم. {أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} لكن نلاحظ في ندائه هذا أنه لم يقُلْ شيئاً عن ألوهيته. ولم يقُلْ: أنا ربكم الأعلى فقد تنازل عن هذه الشعارات التي لم يَعُدْ لها موضع بعد ما حدث مع موسى. ثم تأمل صيغة النداء {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} [الزخرف: 50] بهذا الاستفهام التقريري، يعني: قُولوا لي ألم أزل ملكاً عليكم، ولم يأت مثلاً بأسلوب الخبر: أنا ملك مصر. إذن: يتحدثُ فرعون الآن من موقف الضعف، نعم لأنه كان يقول {أية : فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [النازعات: 24] والآن يقول: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} [الزخرف: 51]. كلمة {مُلْكُ} [الزخرف: 51] مادتها م ل ك، نلاحظ أن الميم تأتي مرة بالكسر، ومرة بالفتح، ومرة بالضم، فالميم المكسورة مِلك. يعني: كل ما تمتلكه ولو حتى اللباس الذي تلبسه يسمى مِلك. ومُلْك بالضم تعني الإدارة والسيطرة على مَنْ له مِلك. يعني: يملك مَنْ يملك، ومَلك بالفتح يعني الإرادة والاختيار، كما في قوله تعالى: {أية : مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا} تفسير : [طه: 87] أي: بإرادتنا. وفي اسم الفاعل نقول ملك ومالك، مالك تقال لكل منا يُسمَّى مالك، حتى لو كان يملك مجرد ملابسه. أما ملك فلا تُقال إلا لمَنْ يملك ويتحكم في المالك. لكن حين نقرأ مثلاً في سورة الفاتحة: {أية : مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} تفسير : [الفاتحة: 4] ولم يقُلْ مَلِك، صحيح هي في إحدى القراءات {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} لكن الأشهر (مَالِك)، فما الحكمة أنْ يعدل عن اللفظ الأقوى إلى الأقل منه؟ قالوا: اختار الحق سبحانه لفظ مالك ليقول أنه سبحانه مالكٌ ليوم القيامة، وغيره يملك الأرض وما عليها، فقوله {مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} [الفاتحة: 4] يعني: غيره لا يملك هذا اليوم، فهي لله وحده، لذلك قال: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16]. هكذا بالقصر عليه سبحانه دون غيره. إذن: لفظة مالك هي المطلوبة هنا، وهي التي تؤدي المعنى المراد، فهي الأدلُّ على المعنى وإنْ كانت أدْنى من ملك. كما قلنا مثلاً في كلمة (كبير) و (أكبر)، أكبر: أفعل تفضيل من كبير فهي أقوى، ومع ذلك في نداء الصلاة نقول: الله أكبر وليس في أسماء الله أكبر، بل من أسمائه سبحانه الكبير، فلماذا عدل عن الكبير إلى أكبر؟ قالوا: قال الله أكبر لحكمة، هي أنَّ الأقلّ هنا له موضع، لأنك حين تدعو الناس إلى الصلاة تُخرجهم من عمل وسَعْي مشروع هو قوام حياة الناس ومعايشهم ومصالح الناس وأعمالهم ليس بالشيء التافه الذي لا قيمةَ له في دين الله، إنما هو من الأمور المطلوبة للشرع. فهو إذن مهم وكبير، لكن إذا جاء وقت الصلاة فاعلم أن الله أكبر. يعني: أكبر من العمل ومن السَّعْي. وهذه المسألة بيَّنها لنا الحق سبحانه في سورة الجمعة: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ} تفسير : [الجمعة: 9] ثم بعد انقضاء الصلاة قال: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ} تفسير : [الجمعة: 10]. إذن: أخذك للصلاة من العمل، ثم أعادك إليه مرة أخرى، لأن به يتم إعمار الأرض وقضاء مصالح الخَلْق. إذن: أكبر هي الأنسب في أداء المعنى المراد. قوله: {وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ} [الزخرف: 51] فرعون لم يُنادِ هو، إنما أمر مَنْ ينادي في القوم بهذا النداء، فلما كان النداء بأمره نسب إليه، وقوله {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} [الزخرف: 51] يعني: القطر كله لا العاصمة، كما نقول نحن اليوم (مصر) على القاهرة، فمصر التي ملكها فرعون كانت من الأسكندرية إلى أسوان. ومصر عَلَم على هذه البقعة، وهي مُكوَّنة من ثلاثة أحرف. أولها: كسرة، ووسطها ساكن والسكون يعطي خفَّة في النطق، فهي اسم سهل في النطق، وجاء على أقلِّ صيغ تكوين الاسم في اللغة، لأن الاسم في العربية أقلُّه ثلاثة أحرف، وأكثره خمسة إذا كان مُجرداً من أحرف الزيادة. والمتأمل يجد أن مكةَ وهي بلدُ الله الحرام ومحلُّ بيته المقدس ذُكرَتْ في كتابه الكريم مرتين: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ} تفسير : [الفتح: 24]. وجاءتْ بلفظ بكة في قوله تعالى: {أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [آل عمران: 96]. أما مصر فذكرها الحق سبحانه في كتابه خمس مرات: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ..} [الزخرف: 51] وفي: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ} تفسير : [يوسف: 21] وفي {أية : ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ} تفسير : [يوسف: 99] وفي {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً} تفسير : [يونس: 87] وفي {أية : ٱهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ} تفسير : [البقرة: 61]. وجاءت مصر في الآية الأخيرة هكذا بتنوين الفتح. وقال المفسرون: يعني أيَّ مصر من الأمصار يكون فيه ما تريدون، ولو اعتمدنا هذا التفسير فمصر في هذه الحالة داخلة فيه لأنها مصرٌ من الأمصار. وقوله: {وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ} [الزخرف: 51] كلمة {مِن تَحْتِيۤ} [الزخرف: 51] تدل على التمكُّن والسيطرة، وبالفعل كانت قصوره على النهر مباشرة وكأن النهر يمرُّ من تحتها. وَجَمَع الأنهار، مع أننا نعرف أن في مصر نهراً واحداً هو نهر النيل، وأنه يتفرع إلى فرعين دمياط ورشيد، فلماذا قال {وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ} [الزخرف: 51]. قالوا: كانت على أيام الفراعنة خمسة أنهار، أي: أنهم فرَّعوا من النهر خمسة فروع ليزيدوا من الشواطئ، وبهذا كان لديهم عشرة شواطئ تُبنى عليها قصورهم. وأذكر في هذا المقام أنه كان لنا شيخٌ فاضل اسمه الشيخ عمر العمروسي من طنطا الجزيرة، وكنت أجلس إليه وأستفيد من علمه، ومعي الشيخ سيد شرف والدكتور ياسين عبد الغفار. وفي يوم من الأيام سألني، وهو يعرف أنني في الأزهر فقال لي: يا شعراوي، ماذا فعلتُم في مسألة: {وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ} [الزخرف: 51]. قلتُ له: في قراءة التاريخ وجدنا أن مصر في أيام الفراعنة كان بها خمسة أنهار، نهر اسمه الملك لأن على شاطئه قصر الملك، ونهر اسمه دمياط، ونهر اسمه تنِّيس والعجيب أن منها نهراً يسمى طولون، ونحن نعرف أحمد بن طولون وكان في القرن التاسع الميلادي فكيف سُمِّي باسمه، وبعد البحث عرفنا أن ابن طولون هو الذي ردم هذا الفرع من النهر فسُمِّي باسمه. والنهر الخامس كان يسمى الخليج. إذن: زادوا من تفريعات النهر الرئيسي لتزداد فُرَص البناء المطلّ على النهر، وهذا إنْ دَلَّ فإنما يدلُّ على ترف الحياة حين ذاك. أما الشيخ عمر فكان له في تفسير الأنهار رأيٌ آخر، قال: اسمع يا ابني أنت وهو، الفراعنة جعلوا مصر على هيئة نموذج للجنة، فجعلوا بها أربعة أنهار. واقرأوا القرآن: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى} تفسير : [محمد: 15]. لكن من أين عرف الفراعنةُ هذه الصورة عن الجنة فحاكوها على أرض مصر؟ قالوا: لأنهم كانوا يسيرون في أمور حياتهم وفي سياستهم خلف الكهنة، والكهنة كانوا على علم، وقرأوا الكتب السماوية السابقة. حتى أنهم قالوا: إن العلوم التي عرفها الفراعنة وبنوا بها الأهرامات وأبا الهول والمعابد الموجودة الآن والتي لم نصل بعد تطور العلوم إلى أسرار بنائها، وعملية تحنيط الموتى وغيرها من الأسرار عرفوه من الكهنة. وما دامت من الكهنة فمصدرها وَحْي السماء، بدليل أنه لما انتهى عصر الكهنة ولم يَعُدْ لهم وجود لم نجد لهذه العلوم أثراً حتى الآن. وأذكر أنني في أثناء تولِّي المهندس حسب الله الكفراوي اقترحتًُ عليه إعادة حفر هذه الأنهار، بحيث تلتقي كلها عند القناطر الخيرية، ونزيد مساحة الشاطئ عندنا، واقترحتُ عليه لحلِّ أزمة البناء، وبدلاً من البناء على الأرض الزراعية أن نبني المساكن والمرافق الحكومية فوق فروع التُّرع والرياحات، لأنها تحتل مساحات واسعة. ومعظمها عليه طرق من اليمين ومن الشمال، ويمكن أنْ نقيمَ أعمدة مسلَّحة على هذه الرياحات، ونبني فوقها كُلَّ مؤسسات الدولة بدل التكدُّس في العاصمة، فوعدني بدراسة هذه المقترحات لكن لم يُنفذ منها شيء. المفسرون يقولون في {وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ} [الزخرف: 51] أن الأنهار كانت تجري من تحت قصوره بالفعل، قالوا: حتى أنه جعل من تحت سريره الذي ينام عليه مجرى مائياً كالنهر.

الأندلسي

تفسير : {وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ} جعل القوم محلاً للنداء والظاهر أنه نادى عظماء القبط في محله الذي هو وهم يجتمعون فيه فرفع صوته فيما بينهم لتنتشر مقالته في جميع القبط وسبب ندائه ذلك أنه لما رأى إجابة الله دعوة موسى عليه السلام ورفع العذاب عنهم خاف ميل القوم إليه فنادى. {قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} أراد أن يبين فضله على موسى عليه السلام بملك مصر وهي من اسكندرية إلى أسوان. {وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ} أي الخلجان التي تخرج من النيل وأعظمها نهر الملك ونهر طولون ونهر قنيس ونهر دمياط واو في وهذه الأنهار واو الحال وتجري خبر وهذه والأنهار صفة أو عطف بيان. {أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} عظمتي وقدرتي وعجز موسى. {أَمْ أَنَآ خَيْرٌ} الظاهر أنها أم المنقطعة المقدرة ببل والهمزة أي بل انا خير وهو إذا استفهم أو خير ممن هو ضعيف. {وَلاَ يَكَادُ} يفصح عن مقصوده إذا تكلم وهو الملك المتحكم فيهم قالوا له بلا شك أنت خير. {فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ} قال مجاهد كانوا إذا سودوا رجلاً سوروه بسوارين وطوقوه من ذهب علامة لسودده فقال فرعون هلا ألقى رب موسى عليه أساورة من ذهب إن كان صادقاً فكان ذلك دليلاً على إلقاء مقاليد الملك إليه لما وصف نفسه بالملك والعزة وصفة بالضعف والاعضاد اعترض فقال إن كان صادقاً فهلا ملكه ربه وسوره وجعل الملائكة أنصاره وقرىء: أسورة. {فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ} أي استجهلهم لقلة أحلامهم. {فَلَمَّآ آسَفُونَا} هو على حذف مضاف قال ابن عباس: احزنوا أولياءنا المؤمنين. {فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً} قال ابن عباس: متقدمين إلى النار. {وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ} أي حديثاً عجيب الشأن سائراً مسير المثل يحدث به الآخرون من الكفار يقال لهم مثلكم مثل قوم فرعون. {وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً} الآية لما ذكر طرفاً من قصة موسى عليه السلام ذكر طرفاً من قصة عيسى عليه السلام وعن ابن عباس وغيره لما نزل ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم ونزل كيف خلق من غير فحل قالت قريش: وما أراد محمد من ذكر عيسى إلا أن نعبده نحن كما عبدت النصارى عيسى فهذا كان صدودهم من ضربه مثلاً. {وَقَالُوۤاْ ءَأَ ٰلِهَتُنَا خَيْرٌ} هذا استفهام يتضمن أن آلهتهم خير من عيسى عليه السلام. {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً} أي ما مثلوا هذا التمثيل إلا لأجل الجدل والغلبة والمغالطة لا لتمييز الحق واتباعه وانتصب جدلاً على أنه مفعول من أجله وقيل مصدر في موضع الحال. {خَصِمُونَ} شديد والخصومة واللجاج والظاهر أن الضمير في أم هو لعيسى لتناسق الضمائر في قوله: إن هو إلا عبد أنعمنا عليه. {وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا} قال بعض النحويين من تكون للبدل أي لجعلنا بدلكم ملائكة وجعل من ذلك قوله تعالى: {أية : أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ}تفسير : [التوبة: 38] أي بدل الآخرة ومنه قول الشاعر: شعر : أخذوا المخاض من الفصيل عُلية تفسير : ظلماً ويكتب للأمير أفلا أي بدل الفصيل ويجوز أن تكون من هنا للتعليل على حذف مضاف تقديره من أجلكم. {يَخْلُفُونَ} أي يكونون خلفاءكم وقيل يخلف بعضهم بعضاً والظاهر أن الضمير في وانه لعلم للساعة يعود على عيسى عليه السلام إذ الظاهر في الضمائر السابقة أنها عائدة عليه وقرأ ابن عباس وجماعة لعلم أي لعلامة للساعة يدل على قرب ميقاتها إذ خروجه شرط من إشراطها وهو نزوله من السماء في آخر الزمان. {وَٱتَّبِعُونِ} أي هداي. {بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي المعجزات أو بآيات الإِنجيل الواضحات. {بِٱلْحِكْمَةِ} أي بما تقتضيه الحكمة الإِلٰهية من الشرائع بالحكمة. {وَلأُبَيِّنَ} متعلق بجئتكم. {بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} من أمر الديانات والضمير في من بينهم عائد على من خاطبهم عيسى عليه السلام في قوله: قد جئتكم بالحكمة وهم قومه المبعوث إليهم. {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ} تقدم الكلام عليه. {هَلْ يَنظُرُونَ} الضمير لقريش وان تأتيهم بدل من الساعة أي إتيانها إياهم. {ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ} قيل نزلت في أبي بن خلف بن أبي معيط والتنوين في يومئذٍ عوض من الجملة المحذوفة أي يوم إذ تأتيهم الساعة والذين آمنوا صفة ليا عبادي. {تُحْبَرُونَ} تسرون سرورا يظهر حباره أي أثره على وجوههم والضمير في وفيها عائد على الجنة. {مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ} هذا حصر لأنواع النعيم لأنها اما مشتهاة في القلب وإما مستلذة في العيون. {وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ} مبتدأ وخبر. {أُورِثْتُمُوهَا} حال ويجوز أن تكون الجنة بدلاً من تلكم وأورثتموها الخبر. و{بِمَا كُنتُمْ} متعلق بأورثتموها ولما ذكر ما تضمن الأكل والشرب ذكر الفاكهة. {مِّنْهَا تَأْكُلُونَ} من للتبعيض إذ لا يأكلون إلا بعضها. {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} لما ذكر تعالى حال أهل الجنة أعقبه بذكر حال الكفرة. {وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ} تقدم أنهم مبلسون أي ساكنون وهذه أحوال لهم في أزمان متطاولة فلا تعارض بين سكوتهم وندائهم واللام في ليقض لام الطلب والرغبة والمعنى ليمتنا مرة حتى لا يتكرر عذابنا. {قَالَ} أي مالك. {إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ} أي مقيمون في النار لا تبرحون وقال ابن عباس يجيبهم بعد مضي ألف سنة. {لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ} الظاهر أنه من كلام الله تعالى لهم. {أَمْ أَبْرَمُوۤاْ} الضمير لقريش أي بل أحكموا أمراً من كيدهم للرسول ومكرهم. {فَإِنَّا مُبْرِمُونَ} كيدنا كما أبرموا كيدهم وكانوا يتناجون ويتسارون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ} وهو ما يحدث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خال. {وَنَجْوَاهُم} وهو ما تكلموا به فيما بينهم. {بَلَىٰ} أي نسمعها. {وَرُسُلُنَا} وهم الحفظة. {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ} التعليق بأن لا يقتضي جواز الشىء بل قد يتعلق بها الممتنع ويجاب بالممتنع ونظيره ما تقدم من قوله تعالى: {أية : فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي ٱلسَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ}تفسير : [الأنعام: 35] وجوابه محذوف تقديره فافعل وهو عليه السلام لا يستطيع إلا النفق وله السلم ويجوز أن يكون المعنى إن كان للرحمٰن ولد فيما تدعون وتزعمون. {فَأَنَاْ أَوَّلُ} الآنفين المنكرين لذلك تقول العرب عبد الرجل يعبد بمعنى أنف يأنف ومعنى إلٰه معبود وبه يتعلق الجار والمجرور والمعنى أنه هو معبود في السماء ومعبود في الأرض والعائد على الموصول محذوف تقديره وهو إله وقرىء: وقيله منصوب على إضمار فعل أي ويعلم قيله وبالخفض فقيل معطوف على الساعة وقيل هي واو القسم والجواب محذوف تقديره لينصرن أو لأفعلن بهم ما أشاء وبالرفع معطوف على علم الساعة تقديره وعلم قيله فحذف وعلم وأقيم المضاف إليه مقامه فرفع والضمير المجرور عائد على الرسول صلى الله عليه وسلم بدلالة قوله: {فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ} أي أعرض عنهم وتاركهم. {وَقُلْ سَلاَمٌ} أي الأمر سلام. {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} وعيد لهم وتهديد وموادعة وهي منسوخة بآية السيف.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وبقوله: {وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الزخرف: 51] يشير إلى أن من تعزز بشيء من دون الله فحتفه وهلاكه في ذلك الشيء، فلما تعزز فرعون بملك مصر وجري النيل بأمره فكان فيه هلاكه، وكذلك من استصغر أحداً سلطه الله عليه، كما أن فرعون استصغر موسى عليه السلام وحديثه وعابه بالفقر واللكنة، فقال: {أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} [الزخرف: 52]، {فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ} [الزخرف: 53] فسلام الله عليه وكان هلاكه في يديه. وفيه إشارة أخرى وهي: إن قوله: {أَمْ أَنَآ خَيْرٌ} هو من خصوصية صفة إبليس فكانت هذه الصفة توجد في فرعون وكان في صفة فرعون قوله: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [النازعات: 24] ولم توجد هذه الصفة في إبليس؛ ليعلم أن الله أكرم الإنسان باستعداد يختص به، وهو قوله: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}تفسير : [التين: 4] فإذا افسد استعداده واستنزله دركة لا يبلغه فيها إبليس وغيره وهي أسفل سافلين فيكون شر البرية، ولو استكمل استعداده ينال رتبة في القربة لا يسعه فيها ملك مقرب فيكون خير البرية. وبقوله: {فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} [الزخرف: 54] يشير إلى أن كل من استولى على قوم سلطان القلب على قومه وهم النفس وصفاتها وهواها، فاستخفهم بالرياضة والمجاهدة على وفق الشريعة وقانون الطريقة أطاعوه رهبة منه، بأن يزيد في جهادهم ورياضتهم ومخالفة طباعهم، وإن استولت على قومها وهم القلب والروح وصفاتهما فاستخفهم بمخالفات الشريعة، وموافقات الهوى والطبيعة فأطاعوها رهبة إلى أن يتخلقوا بأخلاقها فأطاعوها رغبة، وبقوله: {فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} [الزخرف: 55] يشير إلى أن إغضاب أوليائه إغضابه، وإنه ينتقم لأوليائه من أعدائه كما أخبر في حديث رباني: "حديث : من عاد لي ولياً فقد بارزني بالحرب، وإني لأغضب لأوليائي كما يغضب الليث الجرو لجروه"تفسير : ، وهذا أصل في باب الجمع أضاف أسلافهم أولياءه إلى نفسه، وفي الخبر أنه يقول: "حديث : مرضت فلم تعدني"تفسير : ، وقال في صفة نبينا صلى الله عليه وسلم: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ}تفسير : [النساء: 80] فجعلناهم سلفاً متقدمين، ومثلاً يتعظ بهم من خلفهم من المتأخرين.