Verse. 4377 (AR)

٤٣ - ٱلْزُّخْرُف

43 - Az-Zukhruf (AR)

اَمْ اَنَا خَيْرٌ مِّنْ ھٰذَا الَّذِيْ ہُوَ مَہِيْنٌ۝۰ۥۙ وَّلَا يَكَادُ يُبِيْنُ۝۵۲
Am ana khayrun min hatha allathee huwa maheenun wala yakadu yubeenu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أم» تبصرون، وحينئذ «أنا خير من هذا» أي موسى «الذي هو مهين» ضعيف حقير «و يكاد يُبين» يظهر كلامه للثغته بالجمرة التي تناولها في صغره.

52

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {أَمْ أَنَا خَيْرٌ} مَع هذه المملكة والبسطة. {مّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌ} ضعيف حقير لا يستعد للرئاسة، من المهانة وهي القلة. {وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} الكلام لما به من الرتة فكيف يصلح للرسالة، و {أَمْ} إما منقطعة والهمزة فيها للتقرير إذ قدم من أسباب فضله، أو متصلة على إقامة المسبب مقام السبب. والمعنى أفلا تبصرون أم تبصرون فتعلمون أني خير منه. {فَلَوْلاَ أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مّن ذَهَبٍ} أي فهلا ألقي عليه مقاليد الملك إن كان صادقاً، إذ كانوا إذا سودوا رجلاً سوروه وطوقوه بسوار وطوق من ذهب، وأساورة جمع أسوار بمعنى السوار على تعويض التاء من ياء أساوير. وقد قرىء به وقرأ يعقوب وحفص «أَسْوِرَةٌ» وهي جمع سوار. وقرىء «أساور» جمع « أَسْوِرَةٌ» و «أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ» و «أساور» على البناء للفاعل وهو الله تعالى. {أَوْ جَاءَ مَعَهُ ٱلْمَلَـئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ } مقرونين يعينونه أو يصدقونه من قرنته به فاقترن، أو متقارنين من اقترن بمعنى تقارن. {فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ } فطلب منهم الخفة في مطاوعته أو فاستخف أحلامهم. {فَأَطَاعُوهُ} فيما أمرهم به {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ} فلذلك أطاعوا ذلك الفاسق. {فَلَمَّا ءاسَفُونَا} أغَضبونا بالإِفراط في العناد والعصيان منقول من أسف إذا اشتد غضبه. {ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ أَجْمَعِينَ} في اليم. {فَجَعَلْنَـٰهُمْ سَلَفاً} قدوة لمن بعدهم من الكفار يقتدون به في استحقاق مثل عقابهم، مصدر نعت به أو جمع سالف كخدم وخادم، وقرأ حمزة والكسائي بضم السين واللام جمع سليف كرغف ورغيف، أو سالف كصبر جمع صابر أو سلف كخشب. وقرىء «سَلَفاً» بإبدال ضمة اللام فتحة أو على أنه جمع سلفة أي ثلة قد سلفت. {وَمَثَلاً لّلأَخِرِينَ} وعظة لهم أو قصة عجيبة تسير مسير الأمثال لهم فيقال: مثلكم مثل قوم فرعون. {وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً } أي ضربه ابن الزبعرى لما جادل رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ }تفسير : [الأنبياء: 98] أو غيره بأن قال النصارى أهل كتاب وهم يعبدون عيسى عليه السلام ويزعمون أنه ابن الله والملائكة أولى بذلك، أو على قوله تعالى: {أية : وَاسْئلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا }تفسير : [الزخرف: 45] أو أن محمداً يريد أن نعبده كما عبد المسيح. {إِذَا قَوْمُكَ } في قريش {مِنْهُ } من هذا المثل. {يَصِدُّونَ} يضجون فرحاً لظنهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم صار ملزماً به. وقرأ نافع وابن عامر والكسائي بالضم من الصدود أي يصدون عن الحق ويعرضون عنه. وقيل هما لغتان نحو يعكف ويعكف. {وَقَالُواْ ءَأَٰلِهَتُنَا أَمْ هُوَ } أي آلهتنا خير عندك أم عيسى عليه السلام فإن يكن في النار فلتكن آلهتنا معه، أو آلهتنا الملائكة خير أم عيسى عليه السلام فإذا أجاز أن يعبد ويكون ابن الله آلهتنا أولى بذلك، أو آلهتنا خير أم محمد صلى الله عليه وسلم فنعبده وندع آلهتنا. وقرأ الكوفيون «أآلهتنا» بتحقيق الهمزتين وألف بعدهما. {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ } ما ضربوا هذا المثل إلا لأجل الجدل والخصومة لا لتمييز الحق من الباطل. {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ } شداد الخصومة حراص على اللجاج. {إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ } بالنبوة. {وَجَعَلْنَـٰهُ مَثَلاً لّبَنِى إِسْرٰءيلَ } أمراً عجيباً كالمثل السائر لبني إسرائيل، وهو كالجواب المزيح لتلك الشبهة. {وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ} لولدنا منكم يا رجال كما ولدنا عيسى من غير أب، أو لجعلنا بدلكم. {مَّلَٰـئِكَةً فِى ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ } ملائكة يخلفونكم في الأرض، والمعنى أن حال عيسى عليه السلام وإن كانت عجيبة فإنه تعالى قادر على ما هو أعجب من ذلك، وأن الملائكة مثلكم من حيث أنها ذوات ممكنة يحتمل خلقها توليداً كما جاز خلقها إبداعاً، فمن أين لهم استحقاق الألوهية والانتساب إلى الله سبحانه وتعالى. {وَإِنَّهُ} وإن عيسى عليه السلام. {لَعِلْمٌ لّلسَّاعَةِ} لأن حدوثه أو نزوله من أشراط الساعة يعلم به دنوها، أو لأن احياء الموتى يدل على قدرة الله تعالى عليه. وقرىء {لَعِلْمٌ } أي لعلامة ولذكر على تسمية ما يذكر به ذكراً، وفي الحديث ينزل عيسى عليه السلام على ثنية بالأرض المقدسة يقال لها أفيق وبيده حربة يقتل بها الدجال، فيأتي بيت المقدس والناس في صلاة الصبح فيتأخر الإِمام فيقدمه عيسى عليه الصلاة والسلام ويصلي خلفه على شريعة محمد عليه الصلاة والسلام، ثم يقتل الخنازير ويكسر الصليب، ويخرب البيع والكنائس، ويقتل النصارى إلا من آمن به. وقيل الضمير للقرآن فإن فيه الإعلام بالساعة والدلالة عليها. {فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا} فَلا تشكن فيها. {وَٱتَّبِعُونِ} واتبعوا هداي أو شرعي أو رسولي. وقيل هو قول الرسول صلى الله عليه وسلم أمر أن يقوله. {هَـٰذَا } الذي أدعوكم إليه. {صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } لا يضل سالكه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَمْ } تبصرون؟ وحينئذ {أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا } أي موسى {ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌ } ضعيف حقير {وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ } يظهر كلامه للثغته بالجمرة التي تناولها في صغره.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَمْ أَنَاْ} بل أنا {مَهِينٌ} ضعيف، أو حقير، أو كان يمتهن نفسه في حوائجه {يُبِينُ} يفهم لعي لسانه، أو للثغه، أو لثقله بجمرة كان وضعها في فيه وهو صغير.

النسفي

تفسير : {أَمْ أَنَا خَيْرٌ } «أم» منقطعة بمعنى «بل» والهمزة كأنه قال: أثبت عندكم وأستقر أني أنا خير وهذه حالي؟ {أمّن هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌ } ضعيف حقير {وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ } الكلام لما كان به من الرتة {فَلَوْلآ} فهلا {أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسُوِرَةٌ } حفص ويعقوب وسهل جمع سوار، غيرهم {أساورة} جمع أسورة وأساوير جمع أسوار وهو السوار، حذف الياء من أساوير وعوض منها التاء {مِّن ذَهَبٍ} أراد بإلقاء الأسورة عليه إلقاء مقاليد الملك إليه لأنهم كانوا إذا أرادوا تسويد الرجل سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب {أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلَـئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ } يمشون معه يقترن بعضهم ببعض ليكونوا أعضاده وأنصاره وأعوانه. {فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ } استفزهم بالقول واستنزلهم وعمل فيهم كلامه. وقيل: طلب منهم الخفة في الطاعة وهي الإسراع {فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ } خارجين عن دين الله {فَلَمَّا ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ أَجْمَعِينَ } «آسف» منقول من أسف أسفاً إذا اشتد غضبه ومعناه أنهم أفرطوا في المعاصي فاستوجبوا أن يعجل لهم عذابنا وانتقامنا وأن لا نحلم عنهم {فَجَعَلْنَـٰهُمْ سَلَفاً } جمع سالف كخادم وخدم {سُلُفاً} حمزة وعلي، جمع سليف أي فريق قد سلف {وَمَثَلاً} وحديثاً عجيب الشأن سائراً مسير المثل يضرب بهم الأمثال ويقال مثلكم مثل قوم فرعون {لّلآخِرِينَ} لمن يجيء بعدهم، ومعناه فجعلناهم قدوة للآخرين من الكفار يقتدون بهم في استحقاق مثل عقابهم ونزوله بهم لإتيانهم بمثل أفعالهم ومثلاً يحدثون به. {وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً } لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } تفسير : [الأنبياء: 98] غضبوا فقال ابن الزبعري: يا محمد أخاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم؟ فقال عليه السلام: «حديث : هو لكم ولآلهتكم. ولجميع الأمم»تفسير : فقال: ألست تزعم أن عيسى بن مريم نبي وتثني عليه وعلى أمه خيراً؟ وقد علمت أن النصارى يعبدونهما وعزيز يعبد، والملائكة يعبدون. فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وءآلهتنا معهم ففرحوا وضحكوا، وسكت النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ }تفسير : [الأنبياء: 101] ونزلت هذه الآية. والمعنى ولما ضرب ابن الزبعري عيسى بن مريم مثلاً لآلهتهم وجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبادة النصارى إياه {إِذَا قَوْمُكَ} قريش {مِنْهُ} من هذا المثل {يَصِدُّونَ } يرتفع لهم جلبة وضجيج فرحاً وضحكاً بما سمعوا منه من إسكات النبي صلى الله عليه وسلم بجدله، {يَصدُونَ} مدني وشامي والأعشى وعلي، من الصدود أي من أجل هذا المثل يصدون عن الحق ويعرضون عنه. وقيل: من الصديد وهو الجلبة وأنهما لغتان نحو يعكف ويعكف {وَقَالُوآ ءَالِهَتِنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} يعنون أن آلهتنا عندك ليست بخير من عيسى، فإذا كان عيسى من حصب النار كان أمر آلهتنا هينا {مَا ضَرَبُوهُ } أي ما ضربوا هذا المثل {لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ } إلا لأجل الجدل والغلبة في القول لا لطلب الميز بين الحق والباطل. {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ } لد شداد الخصومة دأبهم اللجاج وذلك أن قوله تعالى {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ } لم يرد به إلا الأصنام لأن ما لغير العقلان إلا أن ابن الزبعري بخداعه لما رأى كلام الله محتملاً لفظه وجه العموم مع علمه بأن المراد به أصنامهم لا غير، وجد للحيلة مساغاً فصرف اللفظ إلى الشمول والإحاطة بكل معبود غير الله على طريق اللجاج والجدال وحب المغالبة والمكابرة وتوقح في ذلك فتوقر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أجاب عنه ربه {إِنْ هُوَ } ما عيسى {إِلاَّ عَبْدٌ } كسائر العبيد {أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ } بالنبوة {وَجَعَلْنَـٰهُ مَثَلاً لِّبَنِى إِسْرٰءِيلَ } وصيرناه عبرة عجيبة كالمثل السائر لبني إسرائيل {وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلَـئِكَةً فِى ٱلأَرْضِ} أي بدلاً منكم كذا قاله الزجاج. وقال جامع العلوم: لجعلنا بدلكم و«من» بمعنى البدل {يَخْلُفُونَ } يخلفونكم في الأرض أو يخلف الملائكة بعضهم بعضاً. وقيل: ولو نشاء لقدرتنا على عجائب الأمور لجعلنا منكم، لولّدنا منكم يا رجال ملائكة يخلفونكم في الأرض كما يخلفكم أولادكم كما ولّدنا عيسى من أنثى من غير فحل، لتعرفوا تميزنا بالقدرة الباهرة، ولتعلموا أن الملائكة أجساد لا تتولد إلا من أجسام والقديم متعالٍ عن ذلك. {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ } وإن عيسى مما يعلم به مجيء الساعة. وقرأ ابن عباس {لعلم للساعة} وهو العلامة أي وإن نزوله علم للساعة {فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا } فلا تشكن فيها من المرية وهو الشك {وَٱتَّبِعُونِ } وبالياء فيهما: سهل ويعقوب أي واتبعوا هداي وشرعي أو رسولي أو هو أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوله {هَـٰذَا صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ } أي هذا الذي أدعوكم إليه {وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } عن الإيمان بالساعة أو عن الاتباع {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } ظاهر العداوة إذ أخرج أباكم من الجنة ونزع عنه لباس النور. {وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ } بالمعجزات أو بآيات الإنجيل والشرائع البينات الواضحات {قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ } أي الإنجيل والشرائع {وَلابَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ } وهو أمر الدين لا أمر الدنيا {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ } هذا تمام كلام عيسى عليه السلام. {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ } الفرق المتحزبة بعد عيسى وهم: اليعقوبية والنسطورية والملكانية والشمعونية {مِن بَيْنِهِمْ } من بين النصارى {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ } حيث قالوا في عيسى ما كفروا به {مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ } وهو يوم القيامة {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ } الضمير لقوم عيسى أو للكفار {أَن تَأْتِيَهُم} بدل من {ٱلسَّاعَةَ } أي هل ينظرون إلا إتيان الساعة {بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } أي وهم غافلون لاشتغالهم بأمور دنياهم كقوله {أية : تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصّمُونَ } تفسير : [يس: 49] {ٱلأَخِلاَّءُ} جمع خليل {يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة {بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ } أي المؤمنين. وانتصاب {يَوْمَئِذٍ } بـ {عَدُوٌّ } أي تنقطع في ذلك اليوم كل خلة بين المتخالين في غير ذات الله وتنقلب عداوة ومقتاً إلا خلة المتصادقين في الله فإنها الخلة الباقية {يٰعِبَادِ } بالياء في الوصل والوقف: مدني وشامي وأبو عمرو، وبفتح الياء: أبو بكر. الباقون: بحذف الياء {لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ } هو حكاية لما ينادى به المتقون المتحابون في الله يومئذ {ٱلَّذِينَ } منصوب المحل على صفة لعبادي لأنه منادى مضاف {ءَامَنُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } صدقوا بآياتنا {وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ } لله منقادين له {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوٰجُكُمْ } المؤمنات في الدنيا {تُحْبَرُونَ } تسرون سروراً يظهر حباره أي أثره على وجوهكم.

الثعالبي

تفسير : وقوله: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ} قال سِيبَوَيْهِ: «أَمْ» هذه المعادلةُ، والمعنى: أفأنتم لا تبصرون؟ أم تبصرون، وقالت فرقة: «أم» بمعنى «بل»، وقرأ بعض الناس: «أَمَا أَنَا خَيْرٌ» حكاه الفَرَّاءُ، وفي مصحف أُبَيِّ بن كعب: «أَمْ أَنا خَيْرٌ أَمْ هَذَا» و{مُّهِينٌ} معناه: ضعيف، {وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} إشارةٌ إلى ما بقي في لسان موسَىٰ من أَثَرِ الجَمْرَة، وكانت أحدثَتْ في لسانه عُقْدَةً، فَلَمَّا دعا في أَنْ تُحَلَّ لِيُفْقَهَ قولُهُ، أُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ، لكِنَّهُ بقي أثرٌ كان البيانُ يقع معه، فَعَيَّرَهُ فرعونُ به. وقوله: {وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} يقتضى أَنَّه كان يُبِين. وقوله: {فَلَوْلاَ أُلْقِىَ عَلَيْهِ}: يريد من السماء، على معنى التكرمة، وقرأ الجمهور: «أَسَاوِرَةٌ» وقرأ حفص عن عاصم: «أَسْوِرَةٌ» وهو ما يجعل في الذِّرَاعِ من الحلي، وكانت عادة الرجال يومئذ لُبْسَ ذلك والتَّزَيُّنَ به. * ت *: وذكر بعض المفسرين عن مجاهد أَنَّهم كانوا إذا سَوَّدُوا رجلاً سَوَّرُوهُ بِسِوَارٍ، وَطَوَّقُوهُ بِطَوْقٍ من ذهب؛ علامةً لسيادته، فقال فرعون: هلا ألقى رَبُّ موسَىٰ على موسَىٰ أساورةً من ذهب، أو جاء معه الملائكةُ مقترنين مُتَتَابعين، يُقَارِنُ بعضُهُمْ بَعْضاً، يمشون معه شاهدين له، انتهى، وقال * ع *: قوله: {مُقْتَرِنِينَ}: أي: يحمونه، ويشهدون له، ويقيمون حُجَّتَهُ. * ت *: وما تقدَّم لغيره أحسنُ، ولا يُشَكُّ أنْ فرعونَ شَاهَدَ مِنْ حماية اللَّه لموسَىٰ أموراً لم يَبْقَ معه شَكٌّ في أنَّ اللَّه قَدْ مَنَعَهُ منه. وقوله سبحانه: {ءَاسَفُونَا} معناه: أغضبونا بلاَ خِلاَفٍ. وقوله: {فَجَعَلْنَـٰهُمْ سَلَفاً} «السلف»: الفارط المُتَقَدِّمُ، أي: جعلناهم متقدِّمين في الهلاك؛ لِيَتَّعِظَ بهم مَنْ بعدهم إلى يوم القيامة، وقال البخاريُّ: قال قتادةُ: {وَمَثَلاً لِّلأَخِرِينَ} عِظَةً، انتهى.

البقاعي

تفسير : ولما أرشد السياق إلى أن التقدير: أفهذا الذي جاء يسلبنا عبيدنا بني إسرائيل خير عندكم مني؟ نسق عليه قوله: {أم أنا خير} مع ما وصفت لكم من ضخامتي وما لي من القدرة على إجراء المياه التي بها حياة كل شيء، ونقل ابن الجوزي وغيره من المفسرين عن سيبويه وأستاذه الخليل أنها معادلة لتقريرهم بالإبصار، فكأنه قال: أفلا تبصرون ما ذكرتكم به فترون لعدم إبصاركم أنه خير مني أم أنا خير منه لأنكم لا تبصرون، وكان هو أحق بهذه النصيحة منهم فإنه أراهم الطريق الواضحة إلى الضلال والموصلة إليه من غير مشقة ولا تعب بقوله: أفلا تبصرون أم أنتم بصراء، فيكون ذلك احتباكاً تقديره: أفلا تبصرون ما نبهتكم عليه، فذكر الإبصار أولاً دليلاً على حذف مثلها ثانياً والخيرية ثانياً دليلاً على حذف مثلها أولاً، وحقر من عظمة الآتي له بتلك الآيات صلى الله عليه وسلم لئلا يسرع الناس إلى اتباعه لأن آياته - لكونها من عند الله - كالشمس بهجة وعلواً وشهرة فقال: {من هذا} فكنى بإشارة القريب عن تحقيره، ثم وصفه بما يبين مراده فقال: {الذي هو مهين} أي ضعيف حقير قليل ذليل، لأنه يتعاطى أموره بنفسه، وليس له ملك ولا قوة يجري بها نهراً ولا ينفذ بها أمراً {ولا يكاد يبين} أي لا يقرب من أن يعرب عن معنىً من المعاني لما في لسانه من الحبسة فلا هو قادر في نفسه ولا له قوة بلسانه على تصريف المعاني وتنويع البيان يستجلب القلوب ويدهش الألباب فيكثر أتباعه ويضخم أمره، وقد كذب في جميع قوله، فقد كان موسى عليه الصلاة والسالم أبلغ أهل زمانه قولاً وفعلاً بتقدير الله الذي أرسله له وأمره إياه ولكن الخبيث أسند هذا إلى ما بقي في لسانه من الحبسة تخييلاً لأتباعه لأن موسى عليه الصلاة والسلام ما دعا بإزالة حبسته بل بعقدة منها. ولما كان عند فرعون وعند من كان مثله مطموس البصيرة فاقد الفهم وقوفاً مع الوهم أن القرب من الملوك والغلبة على الأمور لا تكون إلا بكثرة الأعراض الدنيوية، والتحلي بحلي الملوك، سبب عن ادعائه لرسالته عن ملك الملوك اللازمة للقرب منه قوله: {فلولا} ولما كانت الكرامات والحبى والخلع تلقى على المكرم بها إلقاء، عبر به فقال: {ألقي} أي من أيّ ملق كان {عليه} من عند مرسله الذي يدعي أنه الملك بالحقيقة {أسورة} جمع أسورة - قاله الزجاج، وصرف لصيرورته على وزن المفرد نحو علانية وكراهية، والسوار: ما يوضع في العصم من الحلية {من ذهب} ليكون ذلك أمارة على صدق صحة دعواه كما نفعل نحن عند إنعامنا على أحد من عبيدنا بالإرسال إلى ناحية من النواحي لمهم من المهمات {أو جاء معه} أي صحبته عندما أتى إلينا بهذا النبأ الجسيم والملم العظيم {الملائكة} أي هذا النوع، وأشار إلى كثرتهم بما بين من الحال بقوله: {مقترنين} أي يقارن بعضهم بعضاً بحيث يملؤون الفضاء ويكونون في غاية القرب منه بحيث يكون مقارناً لهم ليجاب إلى هذا الأمر الذي جاء يطلبه كما نفعل نحن إذا أرسلنا رسولاً إلى أمر يحتاج إلى دفاع وخصام ونزاع، فكان حاصل أمره كما ترى أنه تعزز بإجراء المياه، فأهلكه الله بها إيماء إلى أن من تعزز بشيء دون الله أهلكه الله به، واستصغر موسى عليه الصلاة والسلام وعابه بالفقر والغي فسلطه إشارة إلى أنه ما استصغر أحد شيئاً إلا غلبه - أفاده القشيري. ولما كان كلامه هذا واضعاً له عند من تأمل لا رافعاً، وكان قد مشى على أتباعه لأنهم مع المظنة دون المنة، فهم أذل شيء لمن ثبتت له رئاسته دنيوية وإن صار تراباً، وأعصى شيء على من لم تفقه له الناس وإن فعل الأفاعيل العظام، تشوف السامع إلى ما يتأثر عنه فقال: {فاستخف} أي بسبب هذه الخدع التي سحرهم بها في هذا الكلام الذي هو في الحقيقة محقر له موهن لأمره قاصم لملكه عند من له لب {قومه} الذين لهم قوة عظيمة، فحملهم بغروره على ما كانوا مهيئين له في خفة الحلم {فأطاعوه} بأن أقروا بملكه وأذعنوا لضخامته واعترفوا بربوبيته وردوا أمر موسى عليه الصلاة والسلام. ولما كان كلامه كما مضى أعظم موهن لأمره وهو منقوض على تقدير متانته بأن موسى صلى الله عليه وسلم على نبينا وعليه وسلم أتى بما يغني عما قاله من الأساورة وظهور الملائكة بأنه مهما هددهم فعله ومهما طلبوه منه أجابهم إليه، فلم يكن للقبط داع إلى طاعة فرعون بعدما رأوا من الآيات إلا المشاكلة في خباثة الأرواح، علل ذلك سبحانه بقوله مؤكداً لما يناسب أحوالهم فيرتضي أفعالهم وهم الأكثر: {إنهم كانوا} أي بما في جبلاتهم من الشر والنفاق لأنهم كانوا {قوماً} أي عندهم قوة شكائم توجب لهم الشماخة إلا عند من يقهرهم بما يألفون من أسباب الدنيا {فاسقين} أي عريقين في الخروج عن طاعة الله إلى معصية، قد صار لهم ذلك خلقاً ثانياً، وكأن مدة محاولة الكليم عليه الصلاة والسلام لهم كانت قريبة، فلذلك عبر بالفاء في قوله: {فلما آسفونا} أي فعلوا معناه ما يغضب إغضاباً شديداً بإغضاب أوليائنا كما في الحديث القدسي"حديث : مرضت فلم تعدني"تفسير : لنكثهم مرة بعد مرة وكرة في إثر كرة {انتقمنا منهم} أي أوقعنا بهم على وجه المكافأة لما فعلوا برسولنا عليه السلام عقوبة عظيمة منكرة مكروهة كأنها بعلاج {فأغرقناهم} في اليم {أجمعين} إهلاك نفس واحدة لم يفلت منهم أحد على كثرتهم وقوتهم وشدتهم، وهذا لا يكون في العادة إلا بعد علاج كثير أو اعتناء كبير. ولما كان إهلاكهم بسبب إغضابهم لله وبالكبر على رسله، كانوا سبباً لأن يتعظ بحالهم من يأتي بعدهم فلذلك قال تعالى: {فجعلناهم} أي بأخذنا لهم على هذه الصورة من الإغراق وغيره مما تقدمه {سلفاً} متقدماً لكل من يهلك بعدهم إهلاك غضب في الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة وقدوة لمن يريد العلو في الأرض فتكون عاقبته في الهلاك في الدارين أو إحداهما عاقبتهم كما قال سبحانه عز من قائل وتبارك وتعالى{أية : وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار}تفسير : [القصص: 41]: {ومثلاً} أي حديثاً عجيباً سائراً مسير المثل {للآخرين} الذين خلفوا بعدهم من زمنهم إلى آخر الدهر فيكون حالهم عظة لناس وإضلالاً لآخرين، فمن قضى أن يكون على مثل حالهم عمل مثل أعمالهم، ومن أراد النجاة مما نالهم تجنب أفعالهم، فمن أريد به الخير وفق لمثل خير يرده عن غيه، ومن أريد به الشر، وجعل له منهم مثلاً يجترئ به على شره، ويقوى على خبثه ومكره، فيجعل الشرير ما أوتوه من الدنيا من النعمة والحبرة الرفاهية والنصرة مثلاً له في التوصل إليه مما كانوا عليه من الظلم، ويجعل الخير إهلاكهم مثلاً له فيبعد عن أفعالهم لينجو من مثل نكالهم، يقول أحدهم: أخذ الفلانيون أخذ آل فرعون، أي لم يفلت منهم إنسان ونحو ذلك من أمثالهم في جميع أحوالهم، ونقول نحن: إنا نهلك من ظلم وتمادى في ظلمه بعد تحذيرنا له وغشم وإن عظم آله وأتباعه، وظن عزه وامتناعه، كدأب آل فرعون، ويقول من أريد به الشر: ليس على ظهرها أحد يبقى إن خاف العواقب فأحجم عن شهواته وانهمك في رياض أهويته وإرادته وشهي طيباته وكذا ذاته كما وقع لفرعون فإنه لم يرجع لشيء عن رئاسته، وبلوغ النهاية من صلفه ونفاسته إلى أن ذهب به كما ذهب بغيره سواء سار بسيره أو بغير سيره، ولقد ضل به قوم وأضلوا، وحلوا لمن داناهم عرى الدين فزلوا، وما كفاهم ذلك حتى ادعوا أنه من أعز المقربين لأن الذي كان آخر كلامه الإيمان، فجب ما كانا قبله ولم يتدنس بعده فمات طاهراً مطهراً ليس فيه شيء من الدنس مع أن ذلك ما كان إلا عند اليأس حيث لا نفع فيه، وغروا الضعفاء بأن قالوا: إنه لا صريح في القرآن بعذابه بعد الموت تعمية عن الدليل القطعي المنتظم من قوله تعالى{أية : وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين}تفسير : [يونس: 83]{أية : وإن المسرفين هم أصحاب النار}تفسير : [غافر: 43] المنتج من غير شك أن فرعون من أصحاب النار، وقوله تعالى{أية : فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كانت عاقبة الظالمين}تفسير : [القصص: 40]{أية : وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون} {أية : وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين} تفسير : وقوله تعالى{أية : كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد}تفسير : إلى أن قال{أية : إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب}تفسير : [ص: 14] غير ذلك من محكم الآيات وصريح الدلالات البينات، وكذا غير فرعون وقومه من الصالحين والطالحين جعلهم سبحانه سلفاً ومثلاً للآخرين، فمن أراد به خيراً يسر له مثل خير احتذى به، ومن أراد به شراً أضله بمثل سوء اقتدى به، فقد جعل الله عيسى عليه الصلاة والسلام مثلاً لتمام قدرته على اختراع الأشياء بأسباب وبغير أسباب، وكان أعبد أهل زمانه وأعلمهم وأزهدهم وأقربهم إلى الخير وأبعدهم عن الشر، فاقتدى به من أراد الله به الخير في مثل ذلك فاهتدى به، وضل به آخرون وضربوا به لأنفسهم أمثال الآلهة، وصاروا يفرحون بما لا يرضاه عاقل ولا يراه، وضربه قومك مثلاً لآلهتهم لما أخبرنا أنهم معهم حصب جهنم وسروا بذلك وطربوا وظنوا أنهم فازوا وغلبوا: {ولما ضرب ابن مريم} أي ضربه ضارب منهم {مثلاً} لآلهتهم {إذا قومك} أي الذين أعطيناهم قدرة على القيام بما يحاولونه {منه} أي ذلك المثل {يصدون} أي يضجون ويعلون أصواتهم سروراً بأنهم ظفروا على زعمهم بتناقض، فيعرضون به عن إجابة دعائك، يقال: صد عنه صدوداً: أعرض، وصد يصد ويصل: ضج - قاله في القاموس، فلذلك قال ابن الجوزي: معناهما جميعاً - أي قراءة ضم الصاد وقراءة كسرها - يضجون، ويجوز أن يكون معنى المضمومة: يعرضون، قال ابن برجان: والكسر أعلى القراءتين - انتهى. وذلك أن قريشاً قالوا كما مضى في الأنبياء "إنا وما نعبد في جهنم" مقتض أن يكون عيسى كذلك، وأن نستوي نحن وآلهتنا به، فإنه مما عبد ونحن راضون بمساواته لنا - إلى آخر ما قالوا وما رد عليهم سبحانه به من الآية من العام الذي أريد به الخصوص كما هو مقتضى كلامهم ولسانهم في أن الأصل في "ما" لما لا يعقل، وذلك هو المراد من قوله تعالى حاكياً عنهم: {وقالوا أآلهتنا} التي نعبدها من الأصنام والملائكة {خير أم هو} أي عيسى فنحن راضون بأن نكون معه. ولما اشتد التشوف إلى جوابهم، وكان قد تقدم الجواب عنه في الأنبياء، قدم عليه هنا أن مرادهم بذلك إنما هو المماحكة والمماحلة والمراوغة والمقاتلة فقال تعالى: {ما ضربوه} أي ما ضرب الكفار: ابن الزبعري حقيقة وغيره من قومك مجازاً، المثل لآلهتهم بعيسى عليه الصلاة والسلام {لك إلا جدلاً} أي لإرادة أن يقتلوك عن دعوتك مغالطة وهم عالمون بأن ما ألزموك به غير لازم ولم يعتقدوا لزومه قط لأن الكلام ما كان إلا في أصنامهم، ولأن الخصوص في كلامهم شائع، ولأنه قد عقب بما يبين الخصوص ويزيل اللبس على تقدير تسليمه، فلم يقتدوا قط بما ألزموا به أنه لازم {بل هم قوم} أي أصحاب قوة على القيامة بما يحاولونه {خصمون} أي شديدو الخصام قادرون على اللدد، روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي إمامة رضي الله عنهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم قرأ الآية".

ابو السعود

تفسير : {أَمْ أَنَا خَيْرٌ} معَ هذه المملكةِ والبسطةِ {مّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌ} ضعيفٌ حقيرٌ من المهانةِ، وهي القلةُ. {وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} أي الكلامَ قالَه افتراءً عليهِ عليه السَّلامُ تنقيصاً له عليهِ السَّلامُ في أعينِ النَّاسِ باعتبارِ ما كانَ في لسانِه عليهِ السَّلامُ من نوعِ رتةٍ وقد كانتْ ذهبتْ عنْهُ لقولِه تعالى: { أية : قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ} تفسير : [سورة طه، الآية 36] وأمْ إمَّا منقطعةٌ والهمزةُ للتقريرِ كأنَّه قالَ إثرَ ما عدَّدَ أسبابَ فضلِه ومبادِي خيريتِه أثبتَ عندكُم واستقرَّ لديكُم أنِّي أنَا خيرٌ وهذه حالِي منْ هَذا الخ وإمَّا متصلةٌ فالمَعْنى أفلاَ تْبصرونَ أمْ تبصرونَ خلا أنه وضعَ قولُه: {أَنَا خَيْرٌ} موضعَ تبصرونَ لأنَّهم إذا قالُوا له أنتَ خيرٌ فهُو عندَهُ بُصَراءُ، وهذا من بابِ تنزيلِ السبب منزلة المسبب، ويجوز أن يجعل من تنزيل المسبَّب منزلة السبب فإن إبصارِهم لما ذُكرَ من أسبابِ فضله سببٌ على زعمِه لحُكمِهم بخيريتهِ. {فَلَوْلاَ أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مّن ذَهَبٍ} أي فهلاَّ أُلقي إليهِ مقاليدُ الملكِ إنْ كانَ صادقاً، لما أنَّهم كانُوا إذَا سوَّدُوا رجلاً سوَّرُوه وطوَّقُوه بطوقٍ من ذهبٍ. وأَسُوِرةٌ جمعُ سوارِ. وقُرِىءَ أَساورُ جمعُ أسورةٍ، وقُرِىءَ أساورةٌ جمعُ أسوارٍ بمعنى السِّوارِ على تعويضِ التاءِ من ياءِ أساويرَ، وقد قُرِىءَ كذلكَ، وقُرِىءَ عليه أسورةً وأساورَ، على البناءِ للفاعلِ وهُو الله تعالَى: {أَوْ جَاء مَعَهُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ} مقرونينَ يعينونَهُ أو يصدقونَهُ من قرنتُه به فاقترنَ أو متقارنينَ من اقترنَ بمعنى تقارنَ. {فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ} فاستفزَّهُم وطلبَ منهُم الخفةَ في مطاوعتِه، أو فاستخفَّ أحلامَهُم. {فَأَطَاعُوهُ} فيما أمرَهُم به {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ} فلذلكَ سارعُوا إلى طاعةِ ذلكَ الفاسقِ الغويِّ. {فَلَمَّا ءاسَفُونَا} أي أغضبونا أشدَّ الغضبِ، منقولٌ منْ أَسِفَ إذا اشتدَّ غضبُه. {ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ أَجْمَعِينَ} في اليمِّ. {فَجَعَلْنَـٰهُمْ سَلَفاً} قدوةً لمن بعدَهُم من الكُفَّارِ يسلكونَ مسلكَهُم في استيجابِ مثلِ ما حلَّ بهم من العذابِ، وهُو إما مصدرٌ نُعتَ بهِ أو جمعُ سالفٍ كخَدَمٍ جمعُ خادمٍ. وقُرِىءَ بضمِّ السينِ واللامِ، على أنَّه جمعُ سليفٍ أي فريقٍ قد سلفَ كرُغُفٍ أو سَالِفٍ كصُبُرٍ أو سَلَفٍ كأسدٍ. وقُرِىءَ سُلَفاً بإبدالِ ضمةِ اللامِ فتحةً أو على أنَّه جمعُ سُلْفةٍ أي ثُلَّةٍ قد سلفتْ. {وَمَثَلاً لّلأَخِرِينَ} أي عظةً لهم أو قصةً عجيبةً تسيرُ مسيرَ الأمثالِ لَهُم فيقالُ: مثلُكم مثلُ قومِ فرعونَ.

القشيري

تفسير : استصغر موسى وحديثَه، وعابَه بالفقر.. فَسَلَّطه اللَّهُ عليه، وكان هلاكه بيديه، فما استصغر أحدُ أحداً إلا سَلَّطه اللَّهُ عليه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ام انا خير} مع هذا الملك والبسط وام منقطعة بمعنى بل انا خير والهمزة للتقرير اى لحملهم على الاقرار كأنه قال اثر ما عدد اسباب فضله ومبادى خيريته أثبت عندكم واستقر لديكم انى انا خير وهذه حال من هذا الخ وقال ابو الليث يعنى انا خير وام للصلة والمحققون على ان ام ههنا بمعنى بل التى تكون للانتقال من كلام الى كلام آخر من غير اعتبار استفهام كما فى قوله تعالى فى سورة النمل {أية : ام ماذا كنتم تعملون} تفسير : وقال سعدى المفتى ويجوز أن يكون النظم من الاحتباك ذكر الابصار اولا دلالة على حذف مثله ثانيا والخيرية ثانيا دلالة على حذف مثله اولا والمعنى اهو خير منى فلا تبصرون ما ذكرتكم به ام انا خير منه لانكم تبصرونه {من هذا الذى هو مهين} ضعيف حقير من المهانة وهى القلة {ولا يكاد يبين} الكلام ويوضحه لرته فى لسانه فكيف يصلح للنبوة والرسالة يريد انه ليس معه من آيات الملك والسياسة ما يعتضده ويتقوى به كما قال قريش لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم وهو فى نفسه حال عما يوصف به الرجال من الفصاحة والبلاغة وكان الانبياء كلهم فصحاء بلغاء قاله افتراء على موسى وتنقيصا له فى اعين الناس باعتبار ما كان فى لسانه من نوع رتة حدثت بسبب الجمرة وقد كانت ذهبت عنه لقوله تعالى {أية : قال قد اوتيت سؤلك يا موسى} تفسير : والرتة غير اللثغة وهى حبسة فى اللسان تمنعه من الجريان وسلاسة لتكلم. يقول الفقير الانبياء عليهم السلام سالمون من العيوب والعاهات المنفرة كما ثبت فى محله وقد كان للشيخ عبد المؤمن المدفون فى بروسة عقدة فى لسانه وعند ما ينقل الاحياء فى الجامع الكبير تنحل باذن الله تعالى فاذا كان حال الولى هكذا فكيف حال الموفر حظا من كل كمال كموسى وغيره من الانبياء عليهم السلام حين ادآء الوحى الالهى وقد جربنا عامة من كان ألثغ او نحوه فوجدناهم منطيقين عند تلاوة القرآن وهو من آثار رحمة الله وحكمه البديعة وفى التأويلات النجمية تشير الآية الى من تعزز بشئ من دون الله فحتفه وهلاكه فى ذلك فلما تعزز فرعون بملك مصر وجرى النيل بأمره فكان فيه هلاكه وكذلك من استصغر أحدا سلط عليه كما ان فرعون استصغر موسى عليه السلام وحديثه وعابه بالفقر واللكنة فقال ام انا خير فسلطه الله عليه وكان هلاكه على يديه وفيه اشارة اخرى وهى ان قوله ام انا خير هو من خصوصية صفة ابليس فكانت هذه الصفة توجد فى فرعون وكان من صفة فرعون قوله انا ربكم الاعلى ولم توجد هذه الصفة فى ابليس ليعلم ان الله تعالى اكرم الانسان باستعداد يختص به وهو قوله {أية : لقد خلقنا الانسان فى احسن تقويم} تفسير : فاذا فسد استعداده استنزل دركة لا يبلغه فيها ابليس وغيره وهى اسفل السافلين فيكون شر البرية ولو استكمل استعداده لنال رتبة فى القربة لا يسعه فيها ملك مقرب ولكان خير البرية (قال الصائب) سرورى از خلق بد خود را مصفى كردنست. برنمى آيى بخود سر برنمى بايد شدن. بادشاه از كشور بيكانه دارد صد خطر. يك قدم از حد خود بر ترنمى بايد شدن. فاذا عرفت حال ابليس وحال فرعون فاجتهد فى اصلاح النفس وتزكيتها عن الاوصاف الرذيلة التى بها صار الشيطان شيطانا وفرعون فرعونا نسأل الله سبحانه ان يدركنا بعنايته ويتداركنا بهدايته قبل القدوم على حضرته

اطفيش

تفسير : {أَمْ} متصلة أي أفلا تبصرون أم تبصرون لكن وضع قوله* {أَنَاْ خَيْرٌ} موضع تبصرون لانهم اذا قالوا أنت خير فهم عنده بصراء وهذا من اقامة السبب مقام المسبب والاسمية مقام الفعلية. قاله ابن هشام قال وهو معنى كلام سيبويه وقال أخطأ من قال ان معطوف {أَمْ} محذوف وان الوقف عليها لانه لم يوجد حذف معطوف دون عاطف الا أن وقع بعد حرف الجواب ويبقى حرف الجواب بعد العاطف واعترض كلامه فان سبب اعتقاد كونهم بصراء قولهم (أنت خير) والمذكور مقولهم دون قولهم وأجيب بأن الأصل أم تقولون (أنت خير) فحذف القول وحكى بالمعنى ويصح كون الآية من اقامة المسبب مقام السبب لأن اعتقادهم خبريته مسبب عنده عن كونهم بصراء ويجوز كون {أَم} منقطعة بمعنى (بل وهمزة التقرير) وذلك انه قدم تعديد بعض أسباب الفضل والتقدم عليهم وهو ملك مصر وجري الانهار تحته ونادى بذلك وملأ أسماعهم ثم قال {أَنَا خَير} كأنه يقول اثبت عندكم أنا خير وهذه حالي. وحكى سيبويه انها منقطعة لأن ما بعدها نقيض ما قبلها نحو (أزيد عندك أم لا) فان (أزيد عندك) كاف وانما ذكر أم لا ليبين انه عرض له ظن نفي انه عنده فاستفهم كما كان قد عرض له ظن ثبوت انه عنده فاستفهم عنه وكذا في الآية لو اقتصر على قوله {أية : أَفَلاَ تُبْصِرُون}تفسير : لكفي لكن أفاد بقوله: (أم أنا خير) انه عرض له ظن ابصار بعدما ظن أولا عدمه. {مِّنْ هَذًَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ} ضعيف حقير لا يأهل للرئاسة وأصل المهانة القلة. وعن الفراء قرأ بعض الناس (أما أنا خير) بفتح الميم بعدها ألف وهي للاستفتاح والتوكيد. وفي مصحف أبيّ (أم أنا خير أم هذا الذي هو مهين)، أي بل أأنا خير أم هذا والاشارة الى موسى* {وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} أي لا يكاد يظهر كلامه ويوضحه أي لا يظهره الا بعد جهد وذلك لجمرة جعلها في لسانه بيده في صغره جربه فرعون بها وبتمرة فتناولها بعد ما مد يده للتمرة فصرفها جبرائيل الى الجمرة فعفي عن قتله بعد ارادة قتله لتناوله من لحيته. والراجح ان هذه العقدة باقية في لسانه وقيل المراد انه لا يكاد يبين حجة تدل على صدقه الا حجة له والصحيح الأول كانت الأنبياء بلغاء فصحاء فعابه فرعون بعقدة لسانه انه لا يصلح للرئاسة

اطفيش

تفسير : {أم أنا خَيرٌ} أى بل، فهى منقطعة للاضراب الانتقالى، أو بمعنى بل، وهمزة التقرير أى اعترفوا أيها القوم بأنى خير منه، وهذه حالى فوق حاله من الملك، ويجوز أن تكون متصلة على معنى {أفلا تبصرون} أى تبصرون، وضع {أم أنا خير} موضع أم تبصرون تنزيلا للسبب منزلة المسبب، فان حصول الخيرية سبب ابصارهم أنه خير، وأجيز الاحتباك هكذا أو هو خير منى فلا تبصرون ما ذكرتم به، أم أنا خير منه لأنكم تبصرونه وهو تفسير بعيد {مِن هذا} اشارة قرب للتحقير {الَّذي هو مَهينٌ} حقير ذليل {ولا يكادُ يُبينَ} الكلام، أى لا يفصح به، ولا يبين حجته لاحتراق لسانه بجمرة وضعها على لسانه، اذ وضعت له عند فرعون تجريبا له، اذ ضربه بالعصا فاغتلظ فقال: انه الصبى الذى حذرت منه، فقيل له: انه لا يعقل فجربه بالجمرة، وان قلنا: إنّ الله قد أجاب قوله: " أية : واحلل عقدة" تفسير : [طه: 27] الخ وهو الأظهر، فالمعنى لا يكاد يبين حجته، اذ لا حجة له وهو كاذب، أو ذكره بحاله قبل اصلاح الله تعالى لسانه.

الالوسي

تفسير : {أَمْ أَنَا خَيْرٌ} مع هذه البسطة والسعة في الملك والمال {مّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ} أي ضعيف حقير أو مبتذل ذليل فهو من المهانة وهي القلة أو الذلة {وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} أي الكلام. والجمهور أنه عليه السلام كان بلسانه بعض شيء من أثر الجمرة لكن اللعين بالغ. ومن ذهب إلى أن الله تعالى كان أجاب سؤاله حل عقدة من لسانه فلم يبق فيه منها أثر قال: المعنى ولا يكاد يبين حجته الدالة على صدقه فيما يدعي لا أنه لا قدرة له على الإفصاح باللفظ وهو افتراء عليه عليه السلام ألا ترى إلى / مناظرته له ورده عليه وإفحامه إياه، وقيل: عابه بما كان به عليه السلام من الحبسة أيام كان عنده وأراد اللعين أنه عليه السلام ليس معه من العدد وآلات الملك والسياسة ما يعتضد به وهو في نفسه مخل بما ينعت به الرجال من اللسن وإبانة الكلام. و {أَمْ} على ما نقل عن سيبويه والخليل متصلة، وقد نزل السبب بعدها منزلة المسبب على ما ذهب إليه الزمخشري، والمعنى أفلا تبصرون أم تبصرون إلا أنه وضع {أَمْ أَنَا خَيْرٌ} موضع أم تبصرون. وإيضاح ذلك أن فرعون عليه اللعنة لما قدم أسباب البسطة والرياسة بقوله: {أَلَيْسَ لِي} الخ وعقبه بقوله {أية : أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [الزخرف: 51] استقصاراً لهم وتنبيهاً على أنه من الوضوح بمكان لا يخفى على ذي عينين قال في مقابله: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ} بمعنى أم تبصرون أني أنا المقدم المتبوع. وفي العدول تنبيه على أن هذا الشق هو المسلم لا محالة عندكم فكأنه يحكيه عن لسانهم بعدما أبصروا وهو أسلوب عجيب وفن غريب، وجعله الزمخشري من إنزال السبب مكان المسبب لأن كونه خيراً في نفسه أي محصلاً له أسباب التقدم والملك سبب لأن يقال فيه أنت خير منه وقولهم: أنت خير سبب لكونهم بصراء وسبب السبب قد يقال له سبب فلا يرد ما يقال إن السبب قولهم: أنت خير لا قوله: أنا خير. وقال القاضي البيضاوي: إنه من إنزال المسبب منزلة السبب لأن علمهم بأنه خير مستفاد من الإبصار، وفيه أن المذكور أنا خير لا أم تعلمون أني خير، وله أن يقول: ذلك يغني غناه لأنه جعله مسلماً معلوماً ما عندهم فقال: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ} لا أم تعلمون كما سلف، ولا يخفى أن ما ذكره الزمخشري أظهر كذا في «الكشف». وقال العلامة الثاني في تقرير ذلك: إن قوله: أنا خير سبب لقولهم من جهة بعثه على النظر في أحواله واستعداده لما ادعاه وقولهم: أنت خير سبب لكونهم بصراء عنده فأنا خير سبب له بالواسطة لكن لا يخفى أنه سبب للعلم بذلك والحكم به، وأما بحسب الوجود فالأمر بالعكس لأن إبصارهم سبب لقولهم أنت خير فتأمل. وبالجملة إن ما بعد {أَمْ} مؤول بجملة فعلية معلولة لفظاً ومعنى هي ما سمعت ونحو ذلك من حيث التأويل {أية : أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَـٰمِتُونَ} تفسير : [الأعراف: 193] أي أم صمتم، وقوله:شعر : أمخدج اليدين أم أتمت تفسير : أي أم متماً، وقيل: حذف المعادل لدلالة المعنى عليه، والتقدير أفلا تبصرون أم تبصرون أنا خير الخ. وتعقب بأن هذا لا يجوز إلا إذا كان بعد أم لا نحو أيقوم زيد أم لا أي أم لا يقوم فأما حذفه دون لا فليس من كلامهم. وجوز أن يكون في الكلام طي على نهج الاحتباك والمعنى أهو خير مني فلا تبصرون ما ذكرتكم به أم أنا خير منه لأنكم تبصرونه، ولا ينبغي الالتفات إليه. وجوز غير واحد كون {أَمْ} منقطعة مقدرة ببل والهمزة التي للتقرير كأن اللعين قال إثر ما عدد أسباب فضله ومبادي خيريته: أثبت عندكم واستقر لديكم أني خير وهذه حالي من هذا الخ، ورجحه بعضهم لما فيه من عدم التكلف في أمر المعادل اللازم أولاً لحسن في المتصلة. وقال السدي وأبو عبيدة: أم بمعنى بل فيكون قد انتقل من ذلك الكلام إلى إخباره بأنه خير كقول الشاعر:شعر : بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى وصورتها أم أنت في العين أملح تفسير : وقال أبو البقاء: إنها منقطعة لفظاً متصلة معنى وأراد ما تقدم من التأويل، وليس فيه مخالفة لما أجمع عليه النحاة كما توهم، وجملة {لاَ يَكَادُ يُبِينُ} معطوفة على الصلة أو مستأنفة أو حالية. وقرىء {أَمَّا أَنَا خَيْرٌ} بإدخال الهمزة على ما النافية، وقرأ الباقر رضي الله تعالى عنه {يبين} بفتح الياء من بان إذا ظهر.

ابن عاشور

تفسير : {أم} منقطعة بمعنى (بل) للإضراب الانتقالي. والتقدير: بل أأنا خير، والاستفهام اللازم تقديره بعدها تقريريٌ. ومقصوده: تصغير شأن موسى في نفوسهم بأشياء هي عوارض ليست مؤثرة انتقل من تعظيم شأن نفسه إلى إظهار البون بينه وبين موسى الذي جاء يحقر دينه وعبادة قومه إياه، فقال: أنا خير من هذا. والإشارة هنا للتحقير. وجاء بالموصول لادعاء أن مضمون الصلة شيء عرف به موسى. والمَهين بفتح الميم: الذليل الضعيف، أراد أنه غريب ليس من أهل بُيوت الشرف في مصر وليس له أهل يعتزّ بهم، وهذا سفسطة وتشغيب إذ ليس المقام مقام انتصار حتى يحقَّر القائم فيه بقلة النصير، ولا مقامَ مباهاة حتى ينتقص صاحبه بضعف الحال. وأشار بقوله: {ولا يكاد يبين} إلى ما كان في منطق موسى من الحُبسة والفهاهة كما حَكى الله في الآية عن موسى { أية : وأخي هارونُ هو أفصح منّي لساناً فأرسله معي ردءاً يصدقني } تفسير : [القصص: 34] وفي الأخرى { أية : واحلُلْ عقدةً من لساني يفقهوا قولي } تفسير : [طه: 27، 28]، وليس مقام موسى يومئذٍ مقام خطابة ولا تعليم وتذكير حتى تكون قلة الفصاحة نَقْصاً في عمله، ولكنه مقام استدلال وحجة فيكفي أن يكون قادراً على إبلاغ مراده ولو بصعوبة وقد أزال الله عنه ذلك حين تفرغ لدعوة بني إسرائيل كما قال: { أية : قد أوتيت سُؤْلك يا موسى } تفسير : [طه: 36]. ولعلّ فرعون قال ذلك لِما يعلم من حال موسى قبل أن يرسله الله حين كان في بيت فرعون فذكر ذلك من حالهِ ليذكِّر الناس بأمر قديم فإن فرعون الذي بُعث موسى في زمنه هو منفطاح الثاني وهو ابن رعمسيس الثاني الذي وُلد موسى في أيامه ورُبّي عنده، وهذا يقتضي أن (منفطاح) كان يعرف موسى ولذلك قال له { أية : أَلَمْ نُربِّكَ فِينا وَلِيداً ولَبِثْتَ فينا من عُمُرِكَ سنين } تفسير : [الشعراء: 18]. وأما رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فلما أُرسل إلى أُمَّةٍ ذات فصاحة وبلاغة وَكانت معجزته القرآن المعجز في بلاغته وفصاحته وكانت صفة الرّسول الفصاحةَ لتكون له المكانةُ الجليلة في نفوس قومه. ومعنى {ولا يكاد يبين} ويكاد أن لا يبين، وقد تقدم القول في مثله عند قوله تعالى: { أية : فذبحوها وما كَادوا يفعلون}تفسير : في سورة البقرة (71).

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى عن فرعون: {وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ}. قد تقدم الكلام عليه في طه في الكلام على قوله تعالى عن موسى {أية : وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي} تفسير : [طه: 27].

د. أسعد حومد

تفسير : (52) - وَقَالَ فِرْعَوْنُ لِقَوْمِهِ، بَلْ إِنَّهُ (أم) خَيْرٌ مِنْ مُوسَى الذِي هُوَ ضَعِيفٌ ذَلِيلٌ (مَهِينٌ)، وَهُوَ عَيِيُّ اللِّسَانِ يَكَادُ لاَ يَسْتَطِيعُ التَّعْبِيرَ وَالإِفْصَاحَ عَمَّا يُرِيدُ قَوْلَهُ. مَهِينٌ - ذَلِيلٌ حَقِيرٌ. يُبِينُ - يُفْصِح الكَلاَمَ لِلثْغَةٍ فِي لِسَانِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فرعون يُجري هذه المفاضلة بينه وبين موسى فيقول: أنا خير من هذا يقصد موسى، واكتفى بالإشارة إليه امتهاناً به (مَهِين) يعني: ضعيف حقير، حيث لا قوةَ تحميه، وليس له جند يُدافعون عنه. {وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} [الزخرف: 52] أي: يُبين عن نفسه ويفصح عنها. والمعنى: لا يستطيع الكلام بإبانة وطلاقة، ذلك لأن موسى عليه السلام كان به لثغة في لسانه. لذلك قالوا أنه طلب من ربه عز وجل أنْ يُعينه على هذه المسألة بأن يرسل معه أخاه هارون {أية : وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} تفسير : [القصص: 34]. ويُروى أن سبب هذه اللثغة في لسانه وهو صغير قال كلمة فيها جرأة على فرعون حتى شكَّ في أمره وتخوَّف منه، فقالوا له: إنه صغير لا يعرف شيئاً. وليثبتوا لفرعون ذلك أتوا لموسى بتمرة وجمرة، فأخذ الجمرة فلسعتْه في لسانه، وأحدثت به هذه اللثغة.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٌ} معناه بل أنا خيرٌ والمَهينُ: الضَعيفُ.