Verse. 4382 (AR)

٤٣ - ٱلْزُّخْرُف

43 - Az-Zukhruf (AR)

وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا اِذَا قَوْمُكَ مِنْہُ يَصِدُّوْنَ۝۵۷
Walamma duriba ibnu maryama mathalan itha qawmuka minhu yasiddoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(ولما ضرب) جعل (ابن مريم مثلا) حين نزل قوله تعالى "" إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم "" فقال المشركون: رضينا أن تكون آلهتنا مع عيسى لأنه عبد من دون الله (إذا قومك) أي المشركون (منه) من المثل (يصدون) يضحكون فرحاً بما سمعوا.

57

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى ذكر أنواعاً كثيرة من كفرياتهم في هذه السورة وأجاب عنها بالوجوه الكثيرة فأولها: قوله تعالى: { أية : وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءا } تفسير : [الزخرف: 15] وثانيها: قوله تعالى: { أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلَـئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثاً } تفسير : [الزخرف: 19] وثالثها: قوله { أية : وَقَالُواْ لَوْ شَاء ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُمْ } تفسير : [الزخرف: 20] ورابعها: قوله { أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } تفسير : [الزخرف: 31] وخامسها: هذه الآية التي نحن الآن في تفسيرها، ولفظ الآية لا يدل إلا على أنه لما ضرب ابن مريم مثلاً أخذ القوم يضجون ويرفعون أصواتهم، فأما أن ذلك المثل كيف كان، وفي أي شيء كان فاللفظ لا يدل عليه والمفسرون ذكروا فيه وجوهاً كلها محتملة فالأول: أن الكفار لما سمعوا أن النصارى يعبدون عيسى قالوا إذا عبدوا عيسى فآلهتنا خير من عيسى، وإنما قالوا ذلك لأنهم كانوا يعبدون الملائكة الثاني: روي أنه لما نزل قوله تعالى: { أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } تفسير : [الأنبياء: 98] قال عبد الله بن الزبعري هذا خاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: « حديث : بل لجميع الأمم » تفسير : فقال خصمتك ورب الكعبة، ألست تزعم أن عيسى ابن مريم نبي وتثني عليه خيراً وعلى أمه، وقد علمت أن النصارى يعبدونهما واليهود يعبدون عزيراً والملائكة يعبدون، فإذا كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم فسكت النبي صلى الله عليه وسلم وفرح القوم وضحكوا وضجوا، فأنزل الله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } تفسير : [الأنبياء: 101] ونزلت هذه الآية أيضاً والمعنى، ولما ضرب عبدالله بن الزبعري عيسى ابن مريم مثلاً وجادل رسول الله بعبادة النصارى إياه إذا قومك قريش منه أي من هذا المثل يصدون أي يرتفع لهم ضجيج وجلبة فرحاً وجدلاً وضحكاً بسبب ما رأوا من إسكات رسول الله فإنه قد جرت العادة بأن أحد الخصمين إذا انقطع أظهر الخصم الثاني الفرح والضجيج، وقالوا أآلهتنا خير أم هو يعنون أن آلهتنا عندك ليس خيراً من عيسى فإذا كان عيسى من حصب جهنم كان أمر آلهتنا أهون الوجه الثالث: في التأويل وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حكى أن النصارى عبدوا المسيح وجعلوه إلهاً لأنفسهم، قال كفار مكة إن محمداً يريد أن يجعل لنا إلهاً كما جعل النصارى المسيح إلهاً لأنفسهم، ثم عند هذا قالوا {أآلهتنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ } يعني أآلهتنا خير أم محمد، وذكروا ذلك لأجل أنهم قالوا: إن محمداً يدعونا إلى عبادة نفسه، وآباؤنا زعموا أنه يجب عبادة هذه الأصنام، وإذا كان لا بد من أحد هذين الأمرين فعبادة هذه الأصنام أولى، لأن آباءنا وأسلافنا كانوا متطابقين عليه، وأما محمد فإنه متهم في أمرنا بعبادته فكان الاشتغال بعبادة الأصنام أولى، ثم إنه تعالى بيّن أنا لم نقل إن الاشتغال بعبادة المسيح طريق حسن بل هو كلام باطل، فإن عيسى ليس إلا عبداً أنعمنا عليه، فإذا كان الأمر كذلك فقد زالت شبهتهم في قولهم: إن محمداً يريد أن يأمرنا بعبادة نفسه، فهذه الوجوه الثلاثة مما يحتمل كل واحد منها لفظ الآية. المسألة الثانية: قرأ نافع وابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم يصدون بضم الصاد وهو قراءة علي بن أبي طالب عليه السلام والباقون بكسر الصاد وهي قراءة ابن عباس، واختلفوا فقال الكسائي هما بمعنى نحو يعرشون ويعرشون ويعكفون، ومنهم من فرق، أما القراءة بالضم فمن الصدود، أي من أجل هذا المثل يصدون عن الحق ويعرضون عنه، وأما بالكسر فمعناه يضجون. المسألة الثالثة: قرأ عاصم وحمزة والكسائي أآلهتنا استفهاماً بهمزتين الثانية مطولة والباقون استفهاماً بهمزة ومدة. ثم قال تعالى: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ } أي ما ضربوا لك هذا المثل إلا لأجل الجدل والغلبة في القول لا لطلب الفرق بين الحق والباطل {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ } مبالغون في الخصومة، وذلك لأن قوله {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } لا يتناول الملائكة وعيسى، وبيانه من وجوه الأول: أن كلمة ما لا تتناول العقلاء ألبتة والثاني: أن كلمة ما ليست صريحة في الاستغراق بدليل أنه يصح إدخال لفظتي الكل والبعض عليه، فيقال إنكم وكل ما تعبدون من دون الله، أو إنكم وبعض ما تبعدون من دون الله الثالث: أن قوله إنكم وكل ما تعبدون من دون الله أو وبعض ما تعبدون خطاب مشافهة فلعله ما كان فيهم أحد يعبد المسيح والملائكة الرابع: أن قوله {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } هب أنه عام إلا أن النصوص الدالة على تعظيم الملائكة وعيسى أخص منه، والخاص مقدم على العام. المسألة الرابعة: القائلون بذم الجدل تمسكوا بهذه الآية إلا أنا قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: { أية : مَا يُجَـٰدِلُ فِى ءايَـٰتِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [غافر: 4] أن الآيات الكثيرة دالة على أن الجدل موجب للمدح والثناء، وطريق التوفيق أن تصرف تلك الآيات إلى الجدل الذي يفيد تقرير الحق، وأن تصرف هذه الآية إلى الجدل الذي يوجب تقرير الباطل. ثم قال تعالى: {إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ } يعني ما عيسى إلا عبد كسائر العبيد أنعمنا عليه حيث جعلناه آية بأن خلقناه من غير أب كما خلقنا آدم وشرفناه بالنبوة وصيرناه عبرة عجيبة كالمثل السائر {وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُمْ } لولدنا منك يا رجال {مَلَـٰئِكَةٌ فِي ٱلأَرْضِ يخلفون } كما يخلفكم أولادكم كما ولدنا عيسى من أنثى من غير فحل لتعرفوا تميزنا بالقدرة الباهرة ولتعرفوا أن دخول التوليد والتولد في الملائكة أمر ممكن وذات الله متعالية عن ذلك {وإِنَّهُ } أي عيسى {لَعِلْمٌ لّلسَّاعَةِ } شرط من أشراطها تعلم به فسمي الشرط الدال على الشيء علماً لحصول العلم به، وقرأ ابن عباس: {لَعِلْمٌ } وهو العلامة وقرىء للعلم وقرأ أبي: لذكر، وفي الحديث: « حديث : أن عيسى ينزل على ثنية في الأرض المقدسة يقال لها أفيق وبيده حربة وبها يقتل الدجال فيأتي ببيت المقدس في صلاة الصبح والإمام يؤم بهم فيتأخر الإمام فيقدمه عيسى ويصلي خلفه على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ثم يقتل الخنازير ويكسر الصليب ويخرب البيع والكنائس ويقتل النصارى إلا من آمن به » تفسير : {فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا } من المرية وهو الشك {وَٱتَّبِعُونِ } واتبعوا هداي وشرعي {هَـٰذَا صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ } أي هذا الذي أدعوكم إليه صراط مستقيم {وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } قد بانت عداواته لكم لأجل أنه هو الذي أخرج أباكم من الجنّة ونزع عنه لباس النور.

القرطبي

تفسير : لما قال تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} تعلّق المشركون بأمر عيسى وقالوا: ما يريد محمد إلا أن نتخذه إلٰهاً كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم إلٰهاً؛ قاله قتادة. ونحوه عن مجاهد قال: إن قريشاً قالت إن محمداً يريد أن نعبده كما عبد قوم عيسى عيسى؛ فأنزل الله هذه الآية. وقال ابن عباس: أراد به مناظرة عبد الله بن الزِّبَعْرَى مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في شأن عيسى، وأن الضارب لهذا المثل هو عبد الله بن الزِّبَعْرَى السَّهْمِيّ حالة كفره لما قالت له قريش إن محمداً يتلو: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ}تفسير : [الأنبياء: 98] الآية، فقال: لو حضرته لرددت عليه؛ قالوا: وما كنت تقول له؟ قال: كنت أقول له هذا المسيح تعبده النصارى، واليهود تعبد عُزَيْراً، أفهما من حصب جهنم؟ فعجبت قريش من مقالته ورأوا أنه قد خُصِم؛ وذلك معنى قوله: «يَصِدُّونَ» فأنزل الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ}تفسير : [الأنبياء: 101]. ولو تأمل ٱبن الزبعرى الآية ما ٱعترض عليها؛ لأنه قال: «وَمَا تَعْبُدُونَ» ولم يقل ومن تعبدون وإنما أراد الأصنام ونحوها مما لا يعقِل، ولم يرد المسيح ولا الملائكة وإن كانوا معبودين. وقد مضى هذا في آخر سورة «الأنبياء». وروى ابن عباس حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقريش: «يا معشر قريش لا خير في أحد يُعبد من دون الله». قالوا: أليس تزعم أن عيسى كان عبداً نبيًّا وعبداً صالحاً، فإن كان كما تزعم فقد كان يُعبد من دون اللهٰ. فأنزل الله تعالى: {وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} تفسير : أي يضجون كضجيج الإبل عند حمل الأثقال. وقرأ نافع وابن عامر والكسائي «يَصُدون» (بضم الصاد) ومعناه يُعرِضون؛ قاله النَّخَعيّ، وكسر الباقون. قال الكسائي: هما لغتان؛ مثل يَعْرِشون ويَعْرُشون ويَنِمُّون ويَنُمُّون، ومعناه يَضِجُّون. قال الجوهري: وصَدّ يَصُدّ صديداً؛ أي ضَجّ. وقيل: إنه بالضم من الصدود وهو الإعراض، وبالكسر من الضجيج؛ قاله قُطْرُب. قال أبو عبيد: لو كانت من الصدود عن الحق لكانت: إذا قومك عنه يصدون. الفرّاء: هما سواء؛ منه وعنه. ابن المسيّب: يصدون يضجون. الضحاك يعجون. ابن عباس: يضحكون. أبو عبيدة: مَن ضَمَّ فمعناه يعدلون؛ فيكون المعنى: من أجل المَيْل يُعَدلون. ولا يُعَدّى «يَصِدُّون» بمن، ومن كسر فمعناه يضِجون؛ فـ «ـمن» متصلة بـ «ـيَصِدُّون» والمعنى يضجون منه.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن تعنت قريش في كفرهم، وتعمدهم العناد والجدل: { وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} قال غير واحد عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وعكرمة والسدي والضحاك: يضحكون، أي: أعجبوا بذلك، وقال قتادة: يجزعون، ويضحكون. وقال إبراهيم النخعي: يعرضون، وكان السبب في ذلك ما ذكره محمد بن إسحاق في السيرة حيث قال: وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني، يوماً مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم، وفي المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض له النضر بن الحارث، فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه، ثم تلا عليه: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} تفسير : الآيات [الأنبياء: 98]. ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل عبد الله بن الزبعري التميمي حتى جلس، فقال الوليد بن المغيرة له: والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب وما قعد، وقد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم، فقال عبد الله بن الزبعري: أما والله لو وجدته لخصمته، سلوا محمداً: أكل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيراً، والنصارى تعبد المسيح عيسى بن مريم، فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعري، ورأوا أنه قد احتج وخاصم، فذكر ذلك لرسوله الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : كل من أحب أن يعبد من دون الله، فهو مع من عبده، فإنهم إنما يعبدون الشيطان، ومن أمرهم بعبادته» تفسير : فأنزل الله عز وجل: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 101] أي: عيسى وعزير ومن عبد معهما من الأحبار والرهبان، الذين مضوا على طاعة الله عز وجل، فاتخذهم من بعدهم من أهل الضلالة أرباباً من دون الله، ونزل فيما يذكر من أنهم يعبدون الملائكة وأنهم بنات الله: {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} تفسير : [الأنبياء: 26] الآيات. ونزل فيما يذكر من أمر عيسى عليه الصلاة والسلام، وأنه يعبد من دون الله، وعجب الوليد ومن حضر من حجته وخصومته { وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} أي: يصدون عن أمرك بذلك من قوله. ثم ذكر عيسى عليه الصلاة والسلام فقال: {إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَـٰهُ مَثَلاً لِّبَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلَـٰئِكَةً فِى ٱلأًرْضِ يَخْلُفُونَ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} أي: ما وضع على يديه من الآيات؛ من إحياء الموتى، وإبراء الأسقام، فكفى به دليلاً على علم الساعة يقول: {فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِ هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ}. وذكر ابن جرير من رواية العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: { وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} قال: يعني: قريشاً، لما قيل لهم: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 98] إلى آخر الآيات. فقالت له قريش: فما ابن مريم؟ قال «حديث : ذاك عبد الله ورسوله» تفسير : فقالوا: والله ما يريد هذا إلا أن نتخذه رباً كما اتخذت النصارى عيسى بن مريم رباً، فقال الله عز وجل: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ}. وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا شيبان عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي رزين، عن أبي يحيى مولى ابن عقيل الأنصاري، قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لقد علمت آية من القرآن ما سألني عنها رجل قط، ولا أدري أعلمها الناس فلم يسألوا عنها، أو لم يفطنوا لها فيسألوا عنها؟ ثم طفق يحدثنا، فلما قام، تلاومنا أن لا نكون سألناه عنها، فقلت: أنا لها إذا راح غداً، فلما راح الغد، قلت: يابن عباس ذكرت أمس أن آية من القرآن لم يسألك عنها رجل قط، فلا تدري أعلمها الناس أم لم يفطنوا لها؟ فقلت: أخبرني عنها، وعن اللاتي قرأت قبلها. قال رضي الله عنه: نعم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقريش: «حديث : يا معشر قريش إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير» تفسير : وقد علمت قريش أن النصارى تعبد عيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام، وما تقول في محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد ألست تزعم أن عيسى عليه الصلاة والسلام كان نبياً وعبداً من عباد الله صالحاً؟ فإن كنت صادقاً، كان آلهتهم كما يقولون. قال: فأنزل الله عز وجل: { وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} قلت: ما يصدون؟ قال: يضحكون {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} قال: هو خروج عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام قبل يوم القيامة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن يعقوب الدمشقي، حدثنا آدم، حدثنا شيبان عن عاصم بن أبي النجود عن أبي أحمد مولى الأنصار عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يا معشر قريش إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير» تفسير : فقالوا له: ألست تزعم أن عيسى كان نبياً وعبداً من عباد الله صالحاً، فقد كان يعبد من دون الله؟ فأنزل الله عز وجل: { وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} وقال مجاهد في قوله تعالى: { وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} قالت قريش: إنما يريد محمد أن نعبده كما عبد قوم عيسى عيسى عليه السلام. ونحو هذا قال قتادة. وقوله: {وَقَالُوۤاْ ءَأَالِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} قال قتادة: يقولون: آلهتنا خير منه. وقال قتادة: قرأ ابن مسعود رضي الله عنه: وقالوا أآلهتنا خير أم هذا، يعنون: محمداً صلى الله عليه وسلم وقوله تبارك وتعالى: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ} أي: مراء، وهم يعلمون أنه ليس بوارد على الآية، لأنها لما لا يعقل، وهي قوله تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} تفسير : [الأنبياء: 98] ثم هي خطاب لقريش، وهم إنما كانوا يعبدون الأصنام والأنداد، ولم يكونوا يعبدون المسيح حتى يوردوه، فتعين أن مقالتهم إنما كانت جدلاً منهم ليسوا يعتقدون صحتها. وقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا ابن نمير، حدثنا حجاج بن دينار عن أبي غالب عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه، إلا أورثوا الجدل» تفسير : ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} وقد رواه الترمذي وابن ماجه وابن جرير من حديث حجاج بن دينار به، ثم قال الترمذي: حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديثه، كذا قال. وقد روي من وجه آخر عن أبي أمامة رضي الله عنه بزيادة، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا حميد بن عياش الرملي، حدثنا مؤمل، حدثنا حماد، أخبرنا ابن مخزوم عن القاسم ابن أبي عبد الرحمن الشامي عن أبي أمامة رضي الله عنه، قال حماد: لا أدري رفعه أم لا؟ قال: ما ضلت أمة بعد نبيها إلا كان أول ضلالها التكذيب بالقدر، وما ضلت أمة بعد نبيها إلا أعطوا الجدل، ثم قرأ: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ}. وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا أبو كريب، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن عن عبادة بن عباد عن جعفر عن القاسم عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على الناس وهم يتنازعون في القرآن، فغضب غضباً شديداً حتى كأنما صب على وجهه الخل، ثم قال صلى الله عليه وسلم «حديث : لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، فإنه ما ضل قوم قط، إلا أوتوا الجدل» تفسير : ثم تلا صلى الله عليه وسلم {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} وقوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} يعني: عيسى عليه الصلاة والسلام، ما هو إلا عبد من عباد الله عز وجل، أنعم الله عليه بالنبوة والرسالة. {وَجَعَلْنَـٰهُ مَثَلاً لِّبَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ} أي: دلالة وحجة وبرهاناً على قدرتنا على ما نشاء، وقوله عز وجل: {وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ} أي: بدلكم {مَّلَـٰئِكَةً فِى ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ} قال السدي: يخلفونكم فيها، وقال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة: يخلف بعضهم بعضاً؛ كما يخلف بعضكم بعضاً، وهذا القول يستلزم الأول، قال مجاهد: يعمرون الأرض بدلكم. وقوله سبحانه وتعالى: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} تقدم تفسير ابن إسحاق أن المراد من ذلك ما بعث به عيسى عليه الصلاة والسلام؛ من إحياء الموتى، وإبراء الأكمة والأبرص، وغير ذلك من الأسقام، وفي هذا نظر. وأبعد منه ما حكاه قتادة عن الحسن البصري وسعيد بن جبير: أن الضمير في (وإنه) عائد على القرآن، بل الصحيح أنه عائد على عيسى عليه الصلاة والسلام؛ فإن السياق في ذكره، ثم المراد بذلك نزوله قبل يوم القيامة؛ كما قال تبارك وتعالى: {أية : وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} تفسير : [النساء: 159] أي: قبل موت عيسى عليه الصلاة والسلام، {أية : وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً} تفسير : [النساء: 159] ويؤيد هذا المعنى القراءة الأخرى: {وإنه لَعَلَمٌ للساعة} أي: أمارة ودليل على وقوع الساعة. قال مجاهد: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} أي: آية للساعة خروج عيسى بن مريم عليه السلام قبل يوم القيامة، وهكذا روي عن أبي هريرة وابن عباس وأبي العالية وأبي مالك وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم، وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أخبر بنزول عيسى عليه السلام قبل يوم القيامة إماماً عادلاً وحكماً مقسطاً. وقوله تعالى: {فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا} أي: لا تشكوا فيها أنها واقعة وكائنة لا محالة {وَٱتَّبِعُونِ} أي: فيما أخبركم به { هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ} أي: عن اتباع الحق { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ} أي: بالنبوة {وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} قال ابن جرير: يعني من الأمور الدينية، لا الدنيوية، وهذا الذي قاله حسن جيد، ثم رد قول من زعم أن بعض ههنا بمعنى كل، واستشهد بقول لبيد الشاعر حيث قال:شعر : نَزَّالُ أمكنةٍ إذا لم أرضَها أو يَعْتَلِقْ بعضَ النفوسِ حِمامُها تفسير : وأولوه على أنه أراد جميع النفوس. قال ابن جرير: إنما أراد نفسه فقط، وعبر بالبعض عنها، وهذا الذي قاله محتمل. وقوله عز وجل: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي: فيما أمركم به {وَأَطِيعُونِ} فيما جئتكم به { إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ} أي: أنا وأنتم عبيد له فقراء مشتركون في عبادته وحده لا شريك له {هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ} أي: هذا الذي جئتكم به هو الصراط المستقيم، وهو عبادة الرب جل وعلا وحده. وقوله سبحانه وتعالى: {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ} أي: اختلفت الفرق، وصاروا شيعاً فيه، منهم من يقر بأنه عبد الله ورسوله، وهو الحق، ومنهم من يدعي أنه ولد الله، ومنهم من يقول: إنه الله. تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً، ولهذا قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَمَّا ضُرِبَ } جعل {ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً } حين نزل قوله تعالى {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} تفسير : [98:21] فقال المشركون: رضينا أن تكون آلهتنا مع عيسى لأنه عُبِدَ من دون الله {إِذَا قَوْمُكَ } أي المشركون {مِنْهُ } من المثل {يَصِدُّونَ } يضحكون فرحاً بما سمعوا.

الشوكاني

تفسير : لما قال سبحانه: {وَاسْئلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ءالِهَةً يُعْبَدُونَ } تعلق المشركون بأمر عيسى، وقالوا: ما يريد محمد إلا أن نتخذه إلٰهاً كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم، فأنزل الله: {وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً } كذا قال قتادة، ومجاهد. وقال الواحدي: أكثر المفسرين على أن هذه الآية نزلت في مجادلة ابن الزبعري مع النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل قوله تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } تفسير : [الأنبياء: 98]، فقال ابن الزبعري: خصمتك، وربّ الكعبة، أليست النصارى يعبدون المسيح، واليهود عزيراً، وبنو مليح الملائكة؟ ففرح بذلك من قوله، فأنزل الله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } تفسير : [الأنبياء: 101]، ونزلت هذه الآية المذكورة هنا، وقد مضى هذا في سورة الأنبياء. ولا يخفاك أن ما قاله ابن الزبعري مندفع من أصله، وباطل برمته، فإن الله سبحانه قال: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ } تفسير : [الأنبياء: 98]، ولم يقل: "ومن تعبدون" حتى يدخل في ذلك العقلاء كالمسيح، وعزير، والملائكة {إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ } أي: إذا قومك يا محمد من ذلك المثل المضروب يصدّون، أي: يضجون، ويصيحون فرحاً بذلك المثل المضروب، والمراد بقومه هنا: كفار قريش. قرأ الجمهور: {يصدّون} بكسر الصاد، وقرأ نافع، وابن عامر، والكسائي بضمها. قال الكسائي، والفراء، والزجاج، والأخفش: هما لغتان، ومعناهما: يضجون قال الجوهري: صدّ يصدّ صديداً: أي ضجّ. وقيل: إنه بالضم: الإعراض، وبالكسر من الضجيج، قاله قطرب. قال أبو عبيد: لو كانت من الصدود عن الحق لقال: إذا قومك عنه يصدّون. وقال الفراء: هما سواء منه، وعنه. وقال أبو عبيدة: من ضمّ، فمعناه: يعدلون، ومن كسر، فمعناه: يضجون. {وَقَالُواْ ءالِهَتِنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ } أي: ءآلهتنا خير أم المسيح؟ قال السدّي، وابن زيد: خاصموه، وقالوا: إن كان كل من عبد غير الله في النار، فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى، وعزير، والملائكة. وقال قتادة: يعنون محمداً، أي: ءآلهتنا خير أم محمد؟ ويقوّي هذا قراءة ابن مسعود: ءآلهتنا خير أم هذا. قرأ الجمهور بتسهيل الهمزة الثانية بين بين، وقرأ الكوفيون، ويعقوب بتحقيقها. {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ } أي: ما ضربوا لك هذا المثل في عيسى إلا ليجادلوك، على أن جدلاً منتصب على العلة، أو مجادلين على أنه مصدر في موضع الحال، وقرأ ابن مقسم: (جدالاً) {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ } أي: شديدو الخصومة كثيرو اللدد عظيمو الجدل. ثم بيّن سبحانه أن عيسى ليس بربّ، وإنما هو عبد من عباده اختصه بنبوّته، فقال: {إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ } بما أكرمناه به {وَجَعَلْنَـٰهُ مَثَلاً لّبَنِى إِسْرٰءيلَ } أي: آية، وعبرة لهم يعرفون به قدرة الله سبحانه، فإنه كان من غير أب، وكان يحيـي الموتى، ويبرىء الأكمه والأبرص، وكل مريض {وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلَـئِكَةً فِى ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ } أي: لو نشاء أهلكناكم وجعلنا بدلاً منكم ملائكة في الأرض يخلفون، أي: يخلفونكم فيها. قال الأزهري: ومن قد تكون للبدل كقوله: {لَجَعَلْنَا مِنكُمْ } يريد بدلاً منكم. وقيل: المعنى: لو نشاء لجعلنا من بني آدم ملائكة، والأوّل أولى. ومقصود الآية: أنا لو نشاء لأسكنا الملائكة الأرض وليس في إسكاننا إياهم السماء شرف حتى يعبدوا. وقيل: معنى {يَخْلُفُونَ }: يخلف بعضهم بعضاً. {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لّلسَّاعَةِ } قال مجاهد، والضحاك، والسدّي، وقتادة: إن المراد المسيح، وإن خروجه مما يعلم به قيام الساعة لكونه شرطاً من أشراطها، لأن الله سبحانه ينزله من السماء قبيل قيام الساعة، كما أن خروج الدّجال من أعلام الساعة. وقال الحسن وسعيد بن جبير: المراد القرآن، لأنه يدلّ على قرب مجيء الساعة، وبه يعلم وقتها وأهوالها وأحوالها، وقيل المعنى: أن حدوث المسيح من غير أب وإحياءه للموتى دليل على صحة البعث. وقيل: الضمير لمحمد صلى الله عليه وسلم، والأوّل أولى. قرأ الجمهور: {لعلم} بصيغة المصدر جعل المسيح علماً مبالغة لما يحصل من العلم بحصولها عند نزوله، وقرأ ابن عباس، وأبو هريرة، وأبو مالك الغفاري، وقتادة، ومالك بن دينار، والضحاك، وزيد بن علي بفتح العين واللام، أي: خروجه علم من أعلامها، وشرط من شروطها، وقرأ أبو نضرة وعكرمة: (وإنه للعلم) بلامين مع فتح العين واللام، أي: للعلامة التي يعرف بها قيام الساعة {فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا } أي: فلا تشكنّ في وقوعها ولا تكذّبن بها، فإنها كائنة لا محالة {وَٱتَّبِعُونِ هَـٰذَا صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ } أي: اتبعوني فيما آمركم به من التوحيد وبطلان الشرك، وفرائض الله التي فرضها عليكم، هذا الذي آمركم به وأدعوكم إليه طريق قيم موصل إلى الحقّ. قرأ الجمهور بحذف الياء من {اتبعون} وصلا ووقفا، وكذلك قرءوا بحذفها في الحالين في {أطيعون}، وقرأ يعقوب بإثباتها وصلا ووقفا فيهما، وقرأ أبو عمرو وهي: رواية عن نافع بحذفها في الوصل دون الوقف {وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } أي: لا تغتروا بوساوسه وشبهه التي يوقعها في قلوبكم فيمنعكم ذلك من اتباعي، فإن الذي دعوتكم إليه هو دين الله الذي اتفق عليه رسله وكتبه. ثم علل نهيهم عن أن يصدّهم الشيطان ببيان عداوته لهم فقال: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } أي: مظهر لعداوته لكم غير متحاش عن ذلك ولا متكتم به كما يدلّ على ذلك ما وقع بينه وبين آدم وما ألزم به نفسه من إغواء جميع بني آدم إلا عباد الله المخلصين. {وَلَمَّا جَاء عِيسَىٰ بِٱلْبَيّنَـٰتِ } أي: جاء إلى بني إسرائيل بالمعجزات الواضحة والشرائع. قال قتادة: البينات هنا: الإنجيل {قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ } أي النبوّة، وقيل: الإنجيل، وقيل: ما يرغب في الجميل ويكفّ عن القبيح {وَلأبَيّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ } من أحكام التوراة. وقال قتادة: يعني: اختلاف الفرق الذين تحزّبوا في أمر عيسى. قال الزجاج: الذي جاء به عيسى في الإنجيل إنما هو بعض الذي اختلفوا فيه، فبين لهم في غير الإنجيل ما احتاجوا إليه. وقيل: إن بني إسرائيل اختلفوا بعد موت موسى في أشياء من أمر دينهم. وقال أبو عبيدة: إن البعض هنا بمعنى الكلّ كما في قوله: {أية : يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِى يَعِدُكُمْ } تفسير : [غافر: 28] وقال مقاتل: هو كقوله: {أية : وَلأِحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرّمَ عَلَيْكُمْ } تفسير : [آل عمران: 50] يعني: ما أحلّ في الإنجيل مما كان محرّماً في التوراة كلحم الإبل والشحم من كل حيوان، وصيد السمك يوم السبت واللام في {وَلأبَيّنَ لَكُم } معطوفة على مقدّر كأنه قال: قد جئتكم بالحكمة لأعلمكم إياها ولأبين لكم. ثم أمرهم بالتقوى والطاعة فقال: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } أي: اتقوا معاصيه {وَأَطِيعُونِ } فيما آمركم به من التوحيد والشرائع {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ } هٰذا بيان لما أمرهم بأن يطيعوه فيه {هَـٰذَا صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ } أي: عبادة الله وحده والعمل بشرائعه {فَٱخْتَلَفَ ٱلأحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ }. قال مجاهد، والسدّي: الأحزاب هم: أهل الكتاب من اليهود، والنصارى. وقال الكلبي، ومقاتل: هم فرق النصارى اختلفوا في أمر عيسى. قال قتادة: ومعنى {مِن بَيْنِهِمْ }: أنهم اختلفوا فيما بينهم، وقيل: اختلفوا من بين من بعث إليهم من اليهود والنصارى، والأحزاب هي: الفرق المتحزبة {فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ ظَلَمُواْ } من هؤلاء المختلفين، وهم الذين أشركوا بالله ولم يعملوا بشرائعه {مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ } أي: أليم عذابه وهو يوم القيامة {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ } أي: هل يرتقب هؤلاء الأحزاب وينتظرون إلا الساعة {أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً } أي: فجأة {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } أي: لا يفطنون بذلك، وقيل: المراد بالأحزاب: الذين تحزّبوا على النبي صلى الله عليه وسلم وكذبوه، وهم المرادون بقوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ } والأوّل أولى. {ٱلأخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } أي: الأخلاء في الدنيا المتحابون فيها يوم تأتيهم الساعة بعضهم لبعض عدوّ، أي: يعادي بعضهم بعضاً، لأنها قد انقطعت بينهم العلائق واشتغل كل واحد منهم بنفسه، ووجدوا تلك الأمور التي كانوا فيها أخلاء أسباباً للعذاب فصاروا أعداء. ثم استثنى المتقين فقال: {إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ } فإنهم أخلاء في الدنيا والآخرة، لأنهم وجدوا تلك الخلة التي كانت بينهم من أسباب الخير والثواب فبقيت خلتهم على حالها {يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ } أي: يقال لهؤلاء المتقين المتحابين في الله بهذه المقالة فيذهب عند ذلك خوفهم ويرتفع حزنهم {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِـئَايَـٰتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ } الموصول يجوز أن يكون نعتاً لعبادي، أو بدلاً منه، أو عطف بيان له، أو مقطوعاً عنه في محل نصب على المدح، أو في محل رفع بالابتداء وخبره {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ } على تقدير: يقال لهم ادخلوا الجنة. والأوّل أولى، وبه قال الزجاج. قال مقاتل: إذا وقع الخوف يوم القيامة نادى منادٍ: يا عبادي لا خوف عليكم، فإذا سمعوا النداء رفع الخلائق رؤوسهم، فيقال: الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين، فينكس أهل الأوثان رؤوسهم غير المسلمين. قرأ نافع، وابن عامر، وأبو عمرو: "يا عبادي" بإثبات الياء ساكنة وصلا ووقفا، وقرأ أبو بكر وزرّ بن حبيش بإثباتها وفتحها في الحالين، وقرأ الباقون بحذفها في الحالين {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوٰجُكُمْ } المراد بالأزواج: نساؤهم المؤمنات، وقيل: قرناؤهم من المؤمنين، وقيل: زوجاتهم من الحور العين {تُحْبَرُونَ } تكرمون، وقيل: تنعمون، وقيل: تفرحون، وقيل: تسرّون، وقيل: تعجبون، وقيل: تلذذون بالسماع، والأولى تفسير ذلك بالفرح والسرور الناشئين عن الكرامة والنعمة {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَـٰفٍ مّن ذَهَبٍ } الصحاف جمع صحفة وهي: القصعة الواسعة العريضة. قال الكسائي: أعظم القصاع الجفنة ثم القصعة، وهي تشبع عشرة، ثم الصحفة، وهي تشبع خمسة، ثم المكيلة وهي تشبع الرجلين والثلاثة، والمعنى: أن لهم في الجنة أطعمة يطاف عليهم بها في صحاف الذهب لهم فيها أشربة يطاف عليهم بها في الأكواب وهي جمع كوب. قال الجوهري: الكوب: كوز لا عروة له، والجمع: أكواب. قال الأعشى:شعر : صريفية طيب طعمها لها زبد بين كوب ودنّ تفسير : وقال آخر:شعر : متكئاً تصفق أبوابه يسعى عليه العبد بالكوب تفسير : قال قتادة: الكوب: المدوّر القصير العنق القصير العروة، والإبريق: المستطيل العنق الطويل العروة. وقال الأخفش: الأكواب: الأباريق التي لا خراطيم لها. وقال قطرب: هي الأباريق التي ليست لها عرى. {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأعْيُنُ } قرأ الجمهور: (تشتهي) وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص: {تشتهيه} بإثبات الضمير العائد على الموصول، والمعنى: ما تشتهيه أنفس أهل الجنة من فنون الأطعمة والأشربة ونحوهما مما تطلبه النفس وتهواه كائناً ما كان، وتلذ الأعين من كل المستلذات التي تستلذّ بها وتطلب مشاهدتها، تقول لذّ الشيء يلذ لذاذاً، ولذاذة: إذا وجده لذيذاً والتذّ به، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: (تشتهيه الأنفس وتلذه الأعين) {وَأَنتُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } لا تموتون، ولا تخرجون منها {وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أي: يقال لهم يوم القيامة هذه المقالة، أي: صارت إليكم كما يصير الميراث إلى الوارث بما كنتم تعملونه في الدنيا من الأعمال الصالحة، واسم الإشارة مبتدأ، والجنة صفته، والتي أورثتموها صفة للجنة، والخبر بما كنتم تعملون، وقيل: الخبر الموصول مع صلته، والأوّل أولى {لَكُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌ كَثِيرَةٌ } الفاكهة معروفة، وهي: الثمار كلها رطبها، ويابسها، أي: لهم في الجنة سوى الطعام والشراب، فاكهة كثيرة الأنواع، والأصناف {مّنْهَا تَأْكُلُونَ } "من" تبعيضية، أو ابتدائية، وقدّم الجار لأجل الفاصلة. وقد أخرج أحمد، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس: أن رسول الله قال لقريش: «حديث : إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خيرتفسير : ، قالوا: ألست تزعم أن عيسى كان نبياً، وعبداً من عباد الله صالحاً، وقد عبدته النصارى؟ فإن كنت صادقاً، فإنه كآلهتهم، فأنزل الله {وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ } قلت: وما يصدّون؟ قال: "يضجون" {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لّلسَّاعَةِ } قال: حديث : خروج عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة»تفسير : . وأخرج سعيد بن منصور، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدال»تفسير : ، ثم تلا هذه الآية {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ }. وقد ورد في ذمّ الجدال بالباطل أحاديث كثيرة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس: أن المشركين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أرأيت ما نعبد من دون الله أين هم؟ قال: «حديث : في النار تفسير : ، قالوا: والشمس، والقمر؟ قال: "حديث : والشمس، والقمر"تفسير : قالوا: فعيسى ابن مريم قال: حديث : قال الله: {إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَـٰهُ مَثَلاً لّبَنِى إِسْرٰءيلَ }»تفسير : . وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، ومسدّد، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني من طرق عنه في قوله: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لّلسَّاعَةِ } قال: خروج عيسى قبل يوم القيامة. وأخرجه الحاكم، وابن مردويه عنه مرفوعاً. وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة نحوه. وأخرج ابن مردويه عن سعد بن معاذ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا كان يوم القيامة انقطعت الأرحام، وقلت الأنساب، وذهبت الأخوة إلا الأخوة في الله، وذلك قوله: {ٱلأخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ }»تفسير : . وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وحميد بن زنجويه في ترغيبه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن عليّ بن أبي طالب في قوله: {ٱلأخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ } قال: خليلان مؤمنان، وخليلان كافران توفى أحد المؤمنين، فبشر بالجنة، فذكر خليله، وقال: اللَّهم إن خليلي فلاناً كان يأمرني بطاعتك، وطاعة رسولك، ويأمرني بالخير، وينهاني عن الشرّ، وينبئني أني ملاقيك، اللهم لا تضله بعدي حتى تريه مثل ما أريتني، وترضى عنه كما رضيت عني، فيقال له: اذهب؛ فلو تعلم ما له عندي لضحكت كثيراً، ولبكيت قليلاً، ثم يموت الآخر، فيجمع بين أرواحهما، فيقال: ليثن كل واحد منكما على صاحبه، فيقول كل واحد منهما لصاحبه: نعم الأخ، ونعم الصاحب، ونعمل الخليل؛ وإذا مات أحد الكافرين بشر بالنار، فيذكر خليله، فيقول: اللهم إن خليلي فلاناً كان يأمرني بمعصيتك، ومعصية رسولك، ويأمرني بالشرّ، وينهاني عن الخير، وينبئني أني غير ملاقيك، اللهم فلا تهده بعدي حتى تريه مثل ما أريتني، وتسخط عليه كما سخطت عليّ، فيموت الآخر، فيجمع بين أرواحهما، فيقال: ليثن كلّ واحد منكما على صاحبه، فيقول كل منهما لصاحبه: بئس الأخ، وبئس الصاحب، وبئس الخليل. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الأكواب الجرار من الفضة. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من أحد إلاّ وله منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله في الجنة، وذلك قوله: {وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى أُورِثْتُمُوهَا }».

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً} الآية. فيه أربعة أقاويل: أحدها: ما رواه ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يَا مَعْشَرَ قُرَيشٍ إِنَّهُ لَيسَ أَحَدٌ يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ فِيهِ خَيْرٌ" تفسير : فقالوا: ألست تزعم أن عيسى كان نبياً وعبداً صالحاً؟ فقد كان يعبد من دون الله، فنزلت. الثاني: ما حكاه مجاهد أن قريشاَ قالت: إن محمداً يريد أن نعبده كما عبد قوم عيسى عيسى، فنزلت. الثالث: ما حكاه قتادة أن الله لما ذكر نزول عيسى في القرآن قالت قريش: يا محمد ما أردت إلى ذكر عيسى؟ فنزلت هذه الآية. الرابع: ما ذكره ابن عيسى أنه لما ذكر الله خلق عيسى من غير ذكر كآدم أكبرته قريش فنزلت هذه الآية. وضربه مثلاً أن خلقه من أنثى بغير ذكر كما خلق آدم من غير أنثى ولا ذكر ولذلك غلت فيه النصارى حين اتخذته إلهاً. {... يَصِدُّونَ} فيه قراءتان: إحداهما: بكسر الصاد. والثانية: بضمها فاختلف أهل التفسير في اختلافهما على قولين: أحدهما: معناه واحد وإن اختلف لفظهما في الصيغة مثل يشد ويشُد وينِم وينُم، فعلى هذا في تأويل ذلك أربعة أوجه: أحدها: يضجون، قاله ابن عباس، وعكرمة، والضحاك. الثاني: يضحكون، قاله قتادة. الثالث: يجزعون، حكاه عبد الرحمن بن أبي حاتم. الرابع: يعرضون، قاله إبراهيم. والقول الثاني: معناهما مختلف، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها بالضم يعدلون، وبالكسر يتفرقون، قاله الحسن. الثاني: أنه بالضم يعتزلون، وبالكسر يضجون، قاله الأخفش. الثالث: أنه بالضم من الصدود، وبالكسر من الضجيج، قاله قطرب. {وَقَالُواْ ءَأَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} وهذا قول قريش، قالواْ: أآلهتنا وهي أصنامهم التي يبعدونها خير {أَمْ هُوَ} فيه قولان: أحدهما: أم محمد صلى الله عليه وسلم، قاله قتادة. الثاني: أم عيسى، قاله السدي. {مَا ضَرَبُوه لَكَ إِلاَّ جَدَلاً} قال السدي: هو قول قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم تزعم كل شيء عبد من دون الله في النار فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى وعزير والملائكة هؤلاء قد عبدوا من دون الله. {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} فيه وجهان: أحدهما: أن الخصم الحاذق بالخصومة. الثاني: أنه المجادل بغير حجة. قوله عز وجل: {إِنْ هُوَ إِلاَّعَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} قال قتادة: يعني عيسى. {أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} يحتمل وجهين: أحدهما: بالنبوة. الثاني: بخلقه من غير أب كآدم. وفيه وجه. الثالث: بسياسة نفسه وقمع شهوته. {وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِي إِسْرَآئِيلَ} فيه وجهان: أحدهما: يعني أنه لبني إسرائيل، قاله قتادة. الثاني: لتمثيله بآدم، قاله ابن عيسى. قوله عز وجل: {وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكم مَّلاَئِكَةً} فيه وجهان: أحدهما: يعني لقلبنا بعضكم ملائكة من غير أب كما خلقنا عيسى من غير أب ليكونوا خلفاء من ذهب منكم. الثاني: جعلنا بدلاً منكم ملائكة. {فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ} فيه أربعة أوجه: أحدها: ملائكة يخلف بعضها بعضاً، قاله قتادة. الثاني: ملائكة يكونون خلفاً منكم، قاله السدي. الثالث: ملائكة يعمرون الأرض بدلاً منكم، قاله مجاهد. الرابع: ملائكة يكونون رسلاً إليكم بدلاً من الرسل منكم. قوله عز وجل: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن القرآن علم الساعة لما فيه من البعث والجزاء، قاله الحسن وسعيد بن جبير. الثاني: أن إحياء عيسى الموتى دليل على الساعة وبعث الموتى،قاله ابن إسحاق. الثالث: أن خروج عيسى علم الساعة لأنه من علامة القيامة وشروط الساعة، قاله ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، والضحاك، والسدي. وروى خالد عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الأَنبِيَاءُ إِخْوَةٌ لَعِلاَّتُ أُمَّهَاتُهُم شَتَّى وَدِينُهُم وَاحِدٌ، أَنَا أَولَى النَّاسِ بِعيسَى ابنِ مَرْيَمَ، إِنَّهُ لَيسَ بَينِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ أَوَّلُ نَازِلٍ، فَيَكْسَرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الخنزيرَ، وَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الإِسْلاَمِ ". تفسير : وحكى ابن عيسى عن قوم أنهم قالوا: إذا نزل عيسى رفع التكليف لئلا يكون رسولاً إلى أهل ذلك الزمان يأمرهم عن الله تعالى وينهاهم، وهذا قول مردود لثلاثة أمور: للحديث الذي قدمناه، ولأن بقاء الدنيا يقتضي بقاء التكليف فيها، ولأنه ينزل آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر وليس يستنكر أن يكون أمر الله تعالى مقصوراً على تأييد الإسلام والأمر به والدعاء إليه. وحكى مقاتل أن عيسى ينزل من السماء على ثنية جبل بأرض الشام يقال له أفيف. {فَلاَ تَمْتَرُونَّ بِهَا} فيه وجهان: أحدهما: لا تشكون فيها يعني الساعة. قاله يحيى بن سلام. الثاني: فلا تكذبون بها، قاله السُدي. {وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّستَقِيمٌ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: القرآن صراط مستقيم إلى الجنة، قاله الحسن. الثاني: عيسى، قاله ابن عباس. الثالث: الإسلام، قاله يحيى. قوله عز وجل: {وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبِيِّنَاتِ} فيها وجهان: أحدهما: أنه الإنجيل، قاله قتادة. الثاني: أنه الآيات التي جاء بها من إحياء الموتى وإبراء الأسقام، والإخبار بكثير من الغيوب، قاله ابن عباس. {قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ} فيه قولان: أحدهما: بالنبوة، قاله السدي. الثاني: بعلم ما يؤدي إلى الجميل ويكف عن القبيح، قاله ابن عيسى. ويحتمل ثالثاً: أن الحكمة الإنجيل الذي أنزل عليه. {وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} وفيه قولان: أحدهما: تبديل التوراة، قاله مجاهد. الثاني: ما تختلفون فيه من أمر دينكم لا من أمر دنياكم، حكاه ابن عيسى. وفي قوله: {بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} أي كل الذي تختلفون فيه، فكان البعض هنا بمعنى الكل ما اقتصرعلى بيان بعض دون الكل، قاله الأخفش، وأنشد لبيد: شعر : ترّاك أمكنة إذا لم أرضها أو يعتلق بعض النفوس حمامها تفسير : والموت لا يعتلق النفوس دون بعض. الثاني: أنه بين لهم بعضه دون جميعه، ويكون معناه أبين لكم بعض ذلك أيضاً وأكلكم في بعضه إلى الاجتهاد، وأضمر ذلك لدلالة الحال عليه. قوله عز وجل: {فَاخْتَلَفَ الأَحَْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ} قال قتادة يعني {مِن بَيْنِهِم} فيهم قولان: أحدهما: أنهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى خالف بعضهم بعضاً، قاله مجاهد والسدي. الثاني: فرق النصارى من النسطورية واليعاقبة والملكية اختلفوا في عيسى فقالت النسطورية: هو ابن الله. وقالت اليعاقبة هو الله. وقالت الملكية ثالث ثلاثة أحدهم الله، قاله الكلبي ومقاتل.

ابن عطية

تفسير : روي عن ابن عباس وغيره في تفسير هذه الآية، أنه لما نزلت: {أية : إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم، خلقه من تراب ثم قال له كن، فيكون} تفسير : [آل عمران: 59] ونزل مع ذلك ذكر عيسى وحاله وكيف خلق من غير فحل، قالت فرقة: ما يريد محمد من ذكر عيسى إلا أن نعبده نحن كما عبدت النصارى عيسى، فهذا كان صدورهم من ضربه مثلاً. وقرأ نافع وابن عامر والكسائي وأبو جعفر والأعرج والنخعي وأبو رجاء وابن وثاب: "يصُدون" بضم الصاد، بمعنى: يعرضون. وقرأ الباقون وابن عباس وابن جبير والحسن وعكرمة: "يصِدون" بكسر الصاد، بمعنى يضحكون، وأنكر ابن عباس ضم الصاد، ورويت عن علي بن أبي طالب، وقال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد، مثل "يعرُشون ويعرِشون". وقوله تعالى: {آلهتنا} ابتداء معنى ثان، وذلك أنه لما نزلت {أية : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} تفسير : [الأنبياء: 98] جاء عبد الله بن الزعبري ونظراؤه فقالوا: نحن نخصم محمداً: آلهتنا خير أم عيسى؟ وعلموا أن الجواب أن يقال عيسى، قالوا، وهذه آية الحصب لنا أو لكل الأمم من الكفار فقال النبي عليه السلام: حديث : بل لكل من تقدم أو تأخر من الكفار، تفسير : فقالوا نحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى، إذ هو خير منها، وإذ قد عبد فهو من الحصب إذاً، فقال: {ما ضربوه لك إلا جدلاً} أي ما مثلوا هذا التمثيل إلا جدلاً منهم ومغالطة، ونسوا أن عيسى لم يعبد برضى منه ولا عن إرادة، ولا له في ذلك ذنب. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: "آءالهتنا" بهمزة استفهام وهمزة بعدها بين بين وألف بعدها. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: بهمزتين مخففتين بعد الثانية ألف. وقرأ ورش عن نافع: بغير استفهام: "آلهتنا" على مثال الخبر. وقرأ قالون عن نافع: "ءالهتنا" على الاستفهام بهمزة واحدة بعدها مدة. وفي مصحف أبي بن كعب: "خير أم هذا"، فالإشارة إلى محمد، وخرجت هذه القراءة على التأويل الأول الذي فسرناه، وكذلك قالت فرقة ممن قرأ: {أم هو} إن الإرادة محمد عليه السلام، وهو قول قتادة. وقال ابن زيد والسدي المراد بـ {هو} عيسى، هذا هو المترجح. والجدال عند العرب: المحاورة بمغالطة أو تحقيق أو ما اتفق من القول إنما المقصد به أن يغلب صاحبه في الظاهر إلا أن يتطلب الحق في نفسه، وروى أبو أمامة عن النبي عليه السلام أنه قال: "حديث : ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أتوا الجدل"، تفسير : ثم قرأ: {ما ضربوه لك إلا جدلاً} قال أبو أمامة: ورأى عليه السلام قوماً يتنازعون، فغضب حتى كأنما صب في وجهه الخل، وقال: "حديث : لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، فما ضل قوم إلا أوتوا الجدل" تفسير : ثم أخبر تعالى عنهم أنهم أهل خصام ولدد، وأخبر عن عيسى أنه عبد أنعم الله عليه بالنبوءة والمنزلة العالية، وجعله مثلاً لبني إسرائيل. وقوله تعالى: {ولو نشاء} الآية، أي لا تستغربوا أن يخلق عيسى من غير فحل، فإن القدرة تقضي ذلك وأكثر منه. وقوله: {لجعلنا منكم} معناه: لجعلنا بدلاً منكم، أي لو شاء الله لجعل بدلاً من بني آدم ملائكة يسكنون الأرض ويخلفون بني آدم فيها. وقال مجاهد وابن عباس: يخلف بعضهم بعضاً. والضمير في قوله: {وإنه لعلم} قال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد: الإشارة به إلى عيسى. وقالت فرقة: إلى محمد عليه السلام. وقال الحسن أيضاً وقتادة: إلى القرآن. وقرأ جمهور الناس: "لعِلْم" بكسر العين وسكون اللام. وقرأ ابن عباس وأبو هريرة وقتادة وأبو هند الغفاري ومجاهد وأبو نضرة ومالك بن دينار والضحاك: "لعَلَم" بفتح العين واللام، وقرأ عكرمة مولى ابن عباس: "لَلعلم" بلامين، الأولى مفتوحة. وقرأ أبي بن كعب: "لذَكر للساعة". فمن قال إن الإشارة إلى عيسى حسن مع تأويله علم وعلم أي هو إشعار بالساعة وشرط من أشراطها، يعني خروجه في آخر الزمان، وكذلك من قال: الإشارة إلى محمد صلى الله عليه و سلم، أي هو آخر الآنبياء، فقد تميزت الساعة به نوعاً وقدراً من التمييز، وبقي التحديد التام الذي انفرد الله بعلمه، ومن قال: الإشارة إلى القرآن، حسن قوله في قراءة من قرأ: "لعِلْم" بكسر العين وسكون اللام، أي يعلمكم بها وبأهوالها وصفاتها، وفي قراءة من قرأ: "لذكر". وقوله: {فلا تمترن} أي قل لهم يا محمد لا تشكون فيها. وقوله: {هذا صراط مستقيم} إشارة إلى الشرع، ثم أمره بتحذير العباد من الشيطان وإغوائه ونبههم على عداوته.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً} قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا معشر قريش ليس أحد يعبد من دون الله ـ تعالى ـ فيه خير " تفسير : . فقالوا: ألست تزعم أن عيسى كان عبداً صالحاً ونبياً فقد كان يعبد من دون الله فنزلت، أو نزلت لما قالت قريش إن محمداً يريد أن نعبده كما عُبد عيسى، أو لما ذكر الله ـ تعالى ـ نزول عيسى في القرآن قالت قريش ما أردت إلى ذكر عيسى فنزلت، أو نزلت لما ذكر أنه خلق عيسى من غير أب فأكبرته قريش فضربه مثلاً بأنه خلق من غير أب كما خلق آدم من غير أم ولا أب {يَصِدُّونَ} بالضم والكسر واحد كشد يشِد ويشُد ونم ينم وينُم يضجون "ع"، أو يضحكون، أو يجزعون، أو يعرضون أو بالضم يعدلون وبالكسر يفرقون، أو بالضم يعتزلون وبالكسر يصيحون، أو بالضم من الصدود وبالكسر يضجون.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {يا عبادي} بالياء في الحالين: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو. وقرأ حماد وأبو بكر بفتح الياء. الباقون بغير ياء في الحالين {تشتهيه} بهاء الضمير: ونافع وأبو جعفر وابن عامر وحفص. الآخرون: بحذفها {وإليه يرجعون} بياء الغيبة: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف. الباقون: بتاء الخطاب. {وقيله} بالكسرة: حمزة وعاصم غير المفضل. الآخرون: بالنصب. {تعلمون} على الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن عامر. الوقوف: {يصدون} ه {أم هو} ط {جدلاً} ط {خصمون} ه {إسرائيل} ه ط {يخلفون} ه {واتبعون} ط {مستقيم} ه {الشيطان} ج للابتداء بان مع اتصال المعنى {مبين} ه {فيه} ج لعطف الجملتين مع الفاء {وأطيعون} ه {فاعبدوه} ط {مستقيم} ه {من بينهم} ج للابتداء مع الفاء {أليم} ه {لا يشعرون} ه {المتقين} ه {تحزنون} ه ج لاحتمال كون ما بعده وصفاً {مسلمين} ه ج لاحتمال أن يكون {الذين} إلى آخر الآية مبتدأ وقوله {ادخلوا} إلى آخره خبراً، والقول محذوف لا محالة {تحبرون} ه {وأكواب} ج {الأعين} ج للعدول مع العطف {خالدون} ه {تعملون} ه {تأكلون} ه {خالدون} ه ج لإحتمال ما بعده صفة أو حالاً له لا مستأنفاً {مبلسون} ه ج لاحتمال أن يكون ما بعده مستأنفاً أو حالاً {الظالمين} ه {ربك} ط {ماكثون} ه ج {كارهون} ه {مبرمون} ه ج لأن "أم" يصلح جواب الأولى ويصلح استفهاماً آخر {ونجواهم} ط {يكتبون} ه {العابدين} ه {يصفون} ه {يوعدون} ه {وفي الأرض إله} ط {العليم} ه {بينهما} ج {الساعة} ج {ترجعون} ه {يعلمون} ه {يؤفكون} ه ج فالوقف بناء على قراءة النصب، والوصل بناء على قراءة الجر وسيأتي تمام البحث عن إعرابها {لا يؤمنون} ه لئلا يوهم أن ما بعده من قيل الرسول {سلام} ط للابتداء بالتهديد. قال السجاوندي: من قرأ {تعلمون} على الخطاب فوقفه لازم لئلا يصير التهديد داخلاً في الأمر بقوله {قل} قلت: لا محذور فيه لأن السلام سلام توديع لا تعظيم. التفسير : هذا نوع آخر من قبائح أقوال كفرة قريش. وفي تفسير المثل وجوه للمفسرين: أحدها أن الكفار لما سمعوا أن النصارى يعبدون عيسى قالوا: إذا جاز أن يكون عيسى ابن الله جاز أن تكون الملائكة بنات الله. وانتصب {مثلاً} على أنه مفعول ثانٍ لضرب أي جعل مثلا فالضارب للمثل كافرو {إذا قومك} أي المؤمنون {منه} أي من المثل أو ضربه {يصدون} أي يجزعون ويضجون {وقالوا} أي الكفار أهذا خير أم هو يعنون الملائكة خير من عيسى. وثانيها ما مر في آخر الأنبياء أنه حين نزل {أية : أنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم}تفسير : [الآية: 98] قال ابن الزبعري للنبي صلى الله عليه وسلم: قد علمت أن النصارى يعبدون عيسى وأمه وعزيراً، فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم وخرج القوم وضحكوا وصيحوا فأنزل الله تعالى قوله {أية : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى}تفسير : [الأنبياء: 101] ونزلت هذه الآية أيضاً. والمعنى ولما ضرب ابن الزبعري عيسى ابن مريم مثلاً إذا قومك قريش من هذا المثل يصدون بالكسر والضم أي يرتفع لهم جلبة وصياح فرحاً وسروراً بما رأوا من سكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن العادة قد جرت بأن أحد الخصمين إذا انقطع أظهر الخصم الآخر الفرح. {وقالوا آلهتنا} وهي الأصنام {خير أم} عيسى فإذا كان عيسى من حصب النار كان أمر آلهتنا أهون. وقيل: من قرأ بالضم فمن الصدود أي من أجل هذا المثل يمنعون عن الحق. وثالثها أنه صلى الله عليه وسلم لما حكى أن النصارى عبدوا المسيح إلهاً وأن مثله عند الله كمثل آدم، قال كفار مكة: إن محمداً يريد أن نتخذه إلهاً كما اتخذ النصارى المسيح إلهاً وضجروا وضجوا وقالوا: آلهتنا خير أم هو يعنون محمداً، وغرضهم أن آلهتهم خير لأنها مما عبدها آباؤهم وأطبقوا عليها فأبطل الله تعالى كلامهم بقوله {ما ضربوه لك إلا جدلاً} أي لم يضربوا هذا المثل لأجلك إلا للجدال والغلبة دون البحث عن الحق {بل هم قوم} من عادتهم الخصومة واللدد. ثم قرر أمر عيسى عليه السلام بقوله {إن هو إلا عبد أنعمنا عليه} بأن خلقناه من غير أب وصيرناه عبرة وحاله عجيبة {ولو نشاء لجعلنا منكم} أي بدلاً منكم {ملائكة في الأرض يخلفون} يقومون مقامكم. وقيل: أراد لولدنا منكم يا رجال ملائكة يخلفونكم في الأرض كما يخلفكم أولادكم. والغرض بيان كمال القدرة وأن كون الملائكة في السموات لا يوجب لهم الإلهية ولا نسباً من الله. ثم بين مآل حال عيسى عليه السلام بقوله {وأنه} يعني عيسى {لعلم للساعة} لعلامة من علامات القيامة كما جاء في الحديث "حديث : أنا أولى الناس بعيسى ليس بيني وبينه نبي وأنه أول نازل يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويقاتل الناس على الإسلام " تفسير : وقيل: إذا نزل عيسى رفع التكليف. وقيل: أن عيسى كان يحيي الموتى فعلم بالساعة والبعث. وقيل: الضمير في {وإنه} للقرآن أي القرآن يعلم منه وفيه ثبوت الساعة {فلا تمترن بها} فلا تشكن فيها {واتبعوني} هذه حكاية قول النبي صلى الله عليه وسلم، أو المراد واتبعوا رسولي وشرعي والباقي واضح إلى قوله {هل ينظرون} وقد مر في آل عمران وفي "مريم". وقوله {أن تأتيهم} بدل من الساعة و {الأخلاء} جمع خليل و {يومئذ} ظرف {عدو} وهو كقوله {أية : إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا}تفسير : [البقرة: 166] ولكن خلة المتقين ثابتة لأن المحبة في الله لا تزول. ومعنى {تحبرون} تسرون والحبور السرور، والصحاف جمع صحفة وهي القصعة فيها طعام، والأكواب جمع كوب وهو الإبريق لا عروة له. وقد يدور في الخلد أن العروة للكوز أمر زائد على مصلحة الشرب وإنما هو لدفع حاجة كتعليق وتعلق وأهل الجنة فيها براء من أمثال ذلك فلهذا كانت أكوازها أكواباً والله أعلم بأسراره. {وفيها} أي في الجنة. قال القفال: جمع بهاتين اللفظتين ما لو اجتمع الخلق كلهم على تفصيله لم يخرجوا عنه. ثم يقال لهم {وأنتم فيها خالدون} إلى آخره. ثم وصف حال أهل الجرائم من الكفار أو منهم ومن الفساق على اختلاف بين السني والمتعزلي. ومعنى {لا يفتر} لا يخفف من الفتور ومبلسون آيسون ساكتون تحيراً ودهشاً. ولما أيسوا من فتور العذاب {نادوا يا مالك} وهو اسم خازن النار {ليقض علينا ربك} أي ليمتنا كقوله {أية : فقضى عليه}تفسير : [القصص: 15] قال مالك: بعد أربعين عاماً أو بعد مائة أو ألف أو قال الله بدليل قوله {ولقد جئناكم} فإنه ظاهر من كلام الله وإن كان يحتمل أن يكون قول الملائكة. قال أهل التحقيق: سمى خازن النار مالكاً لأن الملك علقة والتعلق من أسباب دخول النار كما سمى خازن الجنة رضواناً لأن الرضا بحكم الله سبب كل راحة وسعادة وصلاح وفلاح. ثم عاد إلى توبيخ قريش وتجهيلهم والتعجيب من حالهم فقال {أم أبرموا أمراً} والإبرام والإحكام والمعنى أنهم كلما أحكموا أمراً في المكر بمحمد صلى الله عليه وسلم فإنا نحكم أمراً في مجازاتهم. وقال قتادة: أجمعوا على التكذيب وأجمعنا على التعذيب، وذلك أنهم اجتمعوا في دار الندوة وأطبقوا على الاغتيال بمحمد صلى الله عليه وسلم وتناجوا في ذلك فكف عنه شرهم وأوعدهم عليه بأنه يعلم سرهم وهو ما حدّث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خالٍ. ونجواهم وهي ما تكلموا به فيما بينهم على سبيل الخفية أيضاً. ثم أكد علمه بأن حفظة الأعمال يكتبونه، ثم برهن على نفي الولد عن نفسه فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} وهذه قضية شرطية جزآها ممتنعان إلا أن الملازمة صادقة نظيره قولك: إن كانت الخمسة زوجاً فهي منقسمة بمتساويين. وهذا على سبيل الفرض والتقدير، وبيان الملازمة أن الولد يجب محبته وخدمته لرضا الوالد وتعظيمه، فلو كان المقدم حاصلاً في الواقع لزم وقوع التالي عادة وإنما ادعى أوليته في العبادة لأن النبي متقدم في كل حكم على أمته خصوصاً فيما يتعلق بالأصول كتعظيم المعبود وتنزيهه، لكن التالي غير واقع فكذا المقدم وهذا الكلام ظاهر الإلزام، واضح الإفحام، قريب من الأفهام، لا حاجة فيه إلى تقريب المرام. وأما المفسرون الظاهريون لا دراية لهم بالمعقول فقد ذكروا فيه وجوهاً متكلفة منها: إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله. ومنها إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد. يقال: عبد بالكسر يعبد بالفتح إذا اشتد أنفه. ومنها جعل "إن" نافية أي ما كان للرحمن ولد فأنا أول من قال بذلك، ووحد ثم نزه نفسه عما لا يليق بذاته، ثم أمر نبيه أن يتركهم في باطلهم واللعب بدنياهم حتى يلاقوا القيامة. ثم مدح ذاته بقوله {وهو الذي في السماء إله} أي معبود كما مر في قوله {أية : وهو الله في السموات وفي الأرض}تفسير : [الأنعام: 3] والتقدير وهو الذي هو في السماء إله إلا أنه حذف الراجع لطول الكلام. ثم أبطل قول الكفرة إن الأصنام تنفعهم. وقوله {إلا من شهد} استثناء منقطع أي لكن من شهد بالتوحيد عن علم وبصيرة هو الذي يملك الشفاعة، ويجوز أن يكون متصلاً لأن من جملة من يدعونهم الملائكة وعيسى وعزيراً. وجوز أن تكون اللام محذوفة لأن الشفاعة تقتضي مشفوعاً له أي لمن شهد بالحق وهم المؤمنون قال بعض العلماء {وهم يعلمون} دلالة على أن إيمان المقلد وشهادته غير معتبر. ثم كرر ما ذكر في أول السورة قائلاً {ولئن سألتهم} والغرض التعجيب من حالهم أنهم يعترفون بالصانع ثم يجعلون له أنداداً. وقيل: الضمير في {سألتهم} للمعبودين. من قرأ {وقيله} بالنصب فعن الأخفش أنه معطوف على {سرهم ونجواهم} أو المراد وقال قيله أي قوله، والضمير للنبي صلى الله عليه وسلم لتقدم ذكره بالكناية في قوله {قل إن كان} وعن أبي علي أنه يعود إلى عيسى، وفيه تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم. ويحتمل أن يكون النصب بالعطف على محل الساعة أي وعنده علم الساعة وعلم قيله كقراءة من قرأ بالجر. ثم سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بأعمال الخلق الحسن معهم إلى أوان النصر وهو ظاهر والله أعلم بالتوفيق.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً...} الآية، روي عن ابن عباس وغيره في تفسيرها؛ أَنَّهُ لما نَزَلَتْ: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ }تفسير : [آل عمران:59] الآية، وكَوْنُ عيسَىٰ من غير فَحْلٍ ـــ قالت قريشٌ: ما يريد محمدٌ من ذكر عيسَىٰ إلاَّ أَنْ نعبده نَحْنُ كما عَبَدَتِ النصارَىٰ عيسَىٰ، فهذا كان صدودُهُمْ. وقوله تعالى: {وَقَالُواْ ءَالِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ...} هذا ابتداء معنى ثان، وذلك أَنَّهُ لما نزل:{أية : إنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ}تفسير : [الأنبياء:98] الآية، قال [ابن] الزِّبَعْرَى ونظراؤه: يا محمد، أآلهتنا خير أم عيسَىٰ؟ فنحن نرضَىٰ أنْ تكُونَ آلهتنا مع عِيسَىٰ؛ إذْ هُوَ خَيْرٌ منها، وإذْ قد عُبِدَ، فهو من الحَصَبِ إذَنْ، فقال اللَّه تعالى: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ} ومغالطةً، ونَسُوا أَنَّ عيسَىٰ لم يُعْبَدْ برضاً منه، وقالتْ فرقةٌ: المراد بـ{هُوَ} محمَّد صلى الله عليه وسلم وهو قولُ قتادة، وفي مصحف [أُبَيٍّ]: «خَيْرٌ أَمْ هَذَا» فالإشارة إلى نِبِيِّنا محمد ـــ عليه السلام ـــ، وقال ابن زيد وغيره: المراد بـ{هُوَ} عيسى، وهذا هو الراجح، ثم أخبر تعالى عنهم أَنَّهم أهلُ خصامٍ ولَدَدٍ، وأخبر عن عيسى بقوله: {إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} أي: بالنبوَّة والمنزلة العالية. * ت *: ورُوِّينَا في «جامع الترمذيِّ» عن أبي أُمَامَةَ قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إلاَّ أُوتُوا الجَدَلَ، ثم تلا هذه الآية: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ}»تفسير : قال أبو عيسَىٰ: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ، انتهى. وقوله: {وَجَعَلْنَـٰهُ مَثَلاً} أي: عبرةً وآية {لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} والمعنى: لا تستغربوا أَنْ يُخْلَقَ عيسَىٰ مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ؛ فَإنَّ القُدْرَةَ تقتضي ذلك، وأكثر منه.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً} اعلم أنه تعالى ذكر أنواعاً كثيرة من كفراناتهم، فأولها: قوله تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا}تفسير : [الزخرف:15]. وثانيها: قوله: {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً}تفسير : [الزخرف:19]. وثالثها: قوله: {أية : وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ}تفسير : [الزخرف:20]. ورابعها: قوله: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}تفسير : [الزخرف:31]. وخامسها: هذه الآية: وليس في لفظها ما يدل على أن ذلك المثل أي شيء كان والمفسرون ذكروا فيه وجوهاً: أشهرها: قال ابن عباس وأكثر المفسرين: نزلت الآية في مجادلة عبدالله بن الزِّبَعْرى مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في شأن عيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ لما نزل قول الله عز وجل: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ}تفسير : [الأنبياء:98] كما تقدم في سورة الأنبياء. والمعنى: ولما ضرب عبد الله بن الزبعرى عيسى ابن مريم مثلاً، وجادل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم بعبادة النصارى إياه "إِذَا قَوْمُكَ" من قريش "مِنْهُ" أي من هذا المثل "يَصِدُّونَ" أي يرتفع لهم ضجيج فرحاً بسبب ما رأوا من سكوت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإنه قد جرت العادة بأن أحد الخصْمَيْن إذا انقطع، أظهر الخصْمُ الثاني الفرحَ والضَّجيجَ. وقيل: إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما حكى أن النصارى عبدوا المسيح وجعلوه إِلَهاً لأنفسهم قالت كفار قريش: إن محمداً يريد أن يجعل نفسه لنا إلهاً كما جعل النصارى المسيح إِلَهاً لأنفسهم فعند هذا قالوا: {أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} فعند ذلك قالوا: إن محمداً يدعونا لعبادة نفسه وآباؤنا زعموا أنه يجبُ عبادة هذه الأصنام وإذا كان لا بد من عبادة أحد هذين فعبادة الأصنام أولى؛ لأن آبائنا وآسلافنا أجمعوا على ذلك، وأما محمد فإنه متهمٌ في أمرنا بعبادته. ثم إنه تعالى لم يقل: إن عبادة المسيح طريق حسن، بل هو كلام باطل، وأن عيسى ليس إلا عبداً أنْعَمْنَا عَلَيْهِ فزالت شبهتهم في قولهم: إن محمداً يريد أن يأمرنا بعبادة نفسه. وقيل: إن الكفار لما رأوا النصارى يعبدون عيسى قالوا إذا عبد النصارى عيسى فآلهتنا خير من عيسى فعبدوا الملائكة. قوله: "يَصُدُّونَ" قرأ نافع وابن عامر والكسائي ويصدون ـ بضم الصاد ـ والباقون بكسرها، فقيل: هما بمعنى واحد. وهو الصحيح واللفظ، يقال: صَدَّ يَصُدُّ ويَصِدُّ كَعَكَفَ يَعْكُفُ ويَعْكِفُ وعَرَشَ يَعْرُشُ وَيَعْرِشُ. قال ابن عباس (رضي الله عنهما) يضْجَرون. وقال سعيد بن المسيب: يصيحون. وقال الضحاك: يعِجُّون. وقال قتادة: يجْزَعون، وقال القُرَظِيُّ: يضجرون. وقيل: الضَّم من الصّدود وهو الإعراض وقد أنكر ابن عَبَّاس الضم، وقد روي له عن علي ـ رضي الله عنه ـ. وهذا واللهُ أَعْلَمُ ـ قبل بلوغه تواتره. قوله تعالى: {وَقَالُوۤاْ أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ} قرأ أهل الكوفة بتحقيق الهمزة الثانية والباقون بتسهيلها بين بين. ولم يدخل أحدٌ من القراء الذين من قاعدتهم الفصل بين الهمزتين بألفٍ أَلِفاً كراهة لتوالي أربع مُتَشَابِهَاتٍ. وأبدل الجميع الهمزة الثانية ألفاً، ولا بد من زيادة بيان، وذلك أن آلهة جمع إله كعِمَادٍ، وأَعْمِدَةٍ، فالأصْل أَأْلهةٌ، بهمزتين الأولى زائدة، والثانية فاء الكلمة، وقعت الثانية ساكنةً بعد مفتوحة فوجب قلبُها ألفاً "كَآمَنَ وبابِهِ"، ثم دخلت همزة الاستفهام على الكل فالتقى همزتان في اللفظ، الأولى للاستفهام، والثانية همزة "أَفْعِلَةٍ" فالكوفيون لم يعتدوا باجتماعهما، فأبقوهما على ما لَهُما، وغيرهم استثقل فخفف الثانية بالتسهيل بين بين، والثالثة ألف محضة لم تغير البتَّةَ. وأكثر أهل العصر يقرأون هذا الحرف بهمزة واحدة بعدها ألف على لفظ الخبر ولم يقرأ به أحدٌ من السبعة فيما علمنا إلا أنه قد روي أن وَرْشاً قرأ كذلك في رواية أبي الأَزهَر وهي تحتمل الاستفهام كالعامة. وإنما حذف أداة الاستفهام لدلالة أم عليها، وهو كثير. ويحتمل أنه قرأة خبراً محضاً وحينئذ تكون أم منقطعة تقدر ببل والهمزة وأما الجماعة فهي عندهم متصلة. فقوله:: "أَمْ هُوَ" على قراءة العامة عطف على "آلهتنا خير" وهو من عطف المفردات، والتقدير: أَاَلهتنا أَمْ هُوَ خَيْرٌ؟ أي أيهما خير؟ وعلى قراءة ورش يكون هو مبتدأ، وخبره محذوف تقديره: بل أهُوَ خَيْرٌ. وليست "أمْ" حينئذ عاطفةً. فصل قال قتادة معنى قوله: "أمْ هُو" يعنون محمداً فنعبده ونترك آلهتنا. وقال السدي وابن زيد: أم هو يعني عيسى قالوا يزعم محمد أن كل ما عبد من دون الله في النار، فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى وعزير، والملائكة في النار، قال الله تعالى: {مَا ضَرَبُوهُ} يعني هذا المثل: "لَكَ إلاَّ جَدَلاً" أي خصومة بالباطل، فقد علموا أن المراد من قوله: {أية : وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ}تفسير : [الأنبياء:98] هؤلاء الأصنام {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} مبالغون في الخُصُومَة. روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: "حديث : مَا ضَلَّ قوم بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْه إلاَّ أُوتُوا الجَدَل"تفسير : ثم قرأ: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ}. قوله: "جَدَلاً" مفعول من أجله، أي لأجل الجدل والمِرَاء، لا لإظهار الحق، وقيل: هو مصدر في موضع الحال أي إلا مُجَادِلين. وقرأ ابن مقسِم: جِدَالاً والوجهان جاريان فيه. والظاهر أن الضمير في "هو" لعيسى كغيره من الضمائر. وقيل: هو للنبيّ ـ عليه الصلاة والسلام ـ وبكُلٍّ قال به المفسرون كما تقدم. فصل تمسك القائلون بذم الجدل بهذه الآية، والآيات الكثيرة دالة على مدح الجدل فالتوفيق بينهما أن تُصْرَفَ الآيات الدالة على مدح الجدل إلى الجدل الذي يفيد تقرير الحق وتصرف هذه الآية إلى الجدل الذي يوجب تقرير الباطل. قوله (تعالى): {إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ} أي ما هو يعني عيسى "إلاَّ عَبْدٌ" كسائر العبيد "اَنْعَمْنَا عَلَيْه" حيث جعلناه آية، بأن خلقناه من غير ذكَرٍ كما خلقنا آدم، وشرفناه بالنبوّة "وَجَعَلْنَاه مَثَلاً" أي آية وغيره "لِبَنِي إسْرَائِيلَ" يعرفون به قدرة الله على ما يشاء حيث خلقه من غير أبٍ {وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً} أي لو نشاء لأهلكناكم وجعلنا بدلاً منكم ملائكة {فِي ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ} أي يكونون خلفاً منكم يَعْمُرونَ الأرض، ويعبدونني ويطيعوني. وقيل: يخلف بعضُهم بعضاً. قوله: {لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً} في مِن هذه أقوال: أحدها: أنها بمعنى بدل أي لجعلنا بَدَلَكُمْ كما تقدم في التفسير، ومنه أيضاً {أية : أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ}تفسير : [التوبة:38] أي بدلها. وأنشد (ـ رَحْمَةُ اللهِ عليه) ـ: شعر : 4415ـ أَخَذُوا المَخَاضَ مِنَ الفَصِيلِ غُلُبَّةً ظُلْماً وَيُكْتَبُ للأَمِيرِ إفَالاً تفسير : وقال آخر: شعر : 4416ـ جَارِيَةٌ لَمْ تَأكُل المُرَقَّقَا وَلَمْ تّذُقْ مِنَ البُقُولِ الفُسْتُقَا تفسير : والثاني: هو المشهور: أنها تبعيضية. وتأويل الآية لولدنا منكم يا رجالُ ملائكةً في الأرض يَخْلُفُونَكُمْ كما تخلفُكُمْ أولادكم، كما ولدْنا عيسى من أنثى دونَ ذكر. ذكره الزمخشري. والثالث: أنها تبعيضية قال أبو البقاء وقيل: المعنى لَحَوَّلْنَا بعضَكُمْ ملآئكة. قوله: "وَإِنَّه لعِلْمٌ" المشهور أن الضمير "لِعِيسى يعني نزوله آخر الزمان، وقيل الضمير للقرآن، أي فيه علم الساعة وأهوالها، أو هوعلامة على قربها ومنه {أية : ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ}تفسير : [الأنبياء:1] {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ}تفسير : [القمر:1] ومنه: "حديث : بُعثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ"تفسير : والعامة على "عِلْم" مصدراً جعل علْماً مبالغة، لمَّا كان به يحصل العلم، أو لما كان شرطاً يعلم به ذلك أطلق عليه علم. وابنُ عباس وأبُو هريرة وأبو مَالِكٍ الغفاريّّ وزيد بن علي لَعَلَمٌ ـ، بفتح العين والفاء ـ أي لشرطٌ وعلامةٌ. وقرأ أبو نَضْرَةَ وعِكْرمةُ كذلك إلا أنَّهما عرَّفا باللام فقرآ لَلْعِلْمُ أي للعَلاَمةُ المَعْرُوفَةُ. فصل معنى الآية أن نزول عيسى من أشراط الساعة يعلم بها قربها، قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَماً عَادِلاً يَكْسرُ الصَّلِيبَ ويَقْتُلُ الْخِنزِير، وَيَضَعُ الجِزْيَةَ، وتَهْلِكُ فِي زَمَانِهِ المِلَلُ كُلُّهَا إلاَّ الإسْلاَمَ"تفسير : . ويروى: أنه ينزل على ثنيّة بالأرض المقدسة يقال لها أَفِيق، وبيده حَرْبَةٌ، وعليه مُمَصَّرتَانِ، وشعر رَأسِهِ دَهِينٌ يقتل الدَّجَّالَ، ويأتي بيتَ المقدس والناس في صلاة العصر ـ روري في صلاة الصبح ـ فيتأخر الإمام فيتقدمه عيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ ويصلي خَلْفه على شريعة محمد ـ صلى لله عليه وسلم ـ ثم يقتُل الخَنَازِيرَ، ويكسرُ الصليبَ، ويخَرب البيعَ والكنائسَ ويقتل النَّصَارَى إلا من آمن به. قوله: "فَلاَ تَمْتَرُنَّ" من المِرية وهي الشك أي لا تَشُكُّنَّ فيها. قال ابن عباس (رضي الله عنهما) لا تكذبوا بها "واتَّبِعُونِي" على التوحيد "هَذَا" الذي أنا عليه "صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ". "وَلاَ يَصُدُّنَّكُمْ" لا يصرفنكم "الشَّيْطَانُ" عن دين الله {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} قد بانت عداوته لكم لأجل أنه أخرج أبويكم من الجنة، ونزع عنهما لباس النور. قوله تعالى: {وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي بالمعجزات وبالشرائع البينات الواضحات {قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ} وهي النبوة. وقيل: معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله {وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} من أحكام التوراة. قال قتادة: يعني اختلاف الفرق الذين تحزّبوا في أمر عيسى. قال الزجاج: الذي جاء به عيسى في الإنجيل إنما هو بعض الذي اختلفوا فيه فبين لهم في غير الإنجيل ما احتاجوا إليه. وقيل: كانوا قد اختلفوا في أشياء من أحكام التكاليف، واتفقوا على أشياء فجاء عيسى ليبين لهم الحقَّ في تلك المسائل الخلافية. قال ابن الخطيب: وبالجملة فالحكمة معناها أصول الدين، وبعض الذي يختلفون فيه معناه فروع الدين. فإن قيل: لِمَ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ كُلَّ الذي يختلفون فيه؟. فالجواب: لأن الناس قد اختلفوا في أشياء لا حاجة لهم إلى معرفتها فلا يجب على الرسول بيانُهَا. ولما بين لهم الأصول والفروع قال: "فَاتَّقُوا اللهَ" من الكفر والإعراض عن دينه "وَأطِيعُوهُ" فيما أبلغه إليكم من التكاليف، {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ، فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ} أي الفرق المتحزبة بعد عيسى وهم الملكانيّة واليعقوبية والنسطورية، وقيل: اليهود والنصارى {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ} وهو وعيد يوم الأحزاب. فإن قيل: الضمير في قوله "بَيْنَهُمْ" إلى من يرجع؟. فالجواب: إلى الذي خاطبهم عيسى في قوله: {قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ} وهم قومه.

السيوطي

تفسير : أخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقريش‏:‏ "إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير‏" فقالوا‏:‏ ألست‏:‏ تزعم أن عيسى كان نبياً وعبداً من عباد الله صالحاً وقد عبدته النصارى‏؟‏‏!‏ فإن كنت صادقاً، فإنه كآلهتهم‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون‏} ‏ قال‏:‏ يضجون {‏وإنه لعلم للساعة‏} ‏ قال‏:‏ هو خروج عيسى ابن مريم قبيل يوم القيامة‏ .‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ لما ذكر عيسى ابن مريم جزعت قريش وقالوا‏:‏ ما ذكر محمد عيسى ابن مريم، ما يريد محمد إلا أن نصنع به كما صنعت النصارى بعيسى ابن مريم‏.‏ فقال الله‏:‏ ‏ {‏ما ضربوه لك إلا جدلا‏ً}‏‏. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرؤها ‏ {‏يصدون‏} ‏ يعني بكسر الصاد يقول‏:‏ يضجون‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن أبي عبد الرحمن السلمي رضي الله عنه أنه قرأ ‏ {‏يصدون‏} ‏ بضم الصاد‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن إبراهيم ‏{‏يصدون‏} ‏ قال‏:‏ يعرضون‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن سعيد بن معبد بن أخي عبيد بن عمير الليثي رضي الله عنه قال‏:‏ قال لي ابن عباس‏:‏ ما لعمك يقرأ هذه الآية‏؟‏ ‏{‏إذا قومك منه يصدون‏} ‏انها ليست كذا إنما هي ‏{‏إذا قومك منه يصدون‏} ‏ إذا هم يهجون إذا هم يضجون‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه {‏إذا قومك منه يصدون‏} ‏ قال‏:‏ يضجون‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد والحسن وقتادة رضي الله عنهما مثله‏.‏ وأخرج ابن مردويه، عن علي رضي الله عنه‏:‏ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ‏{‏يصدون‏} ‏ بالكسر‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل‏"‏ تفسير : ثم قرأ ‏{‏ما ضربوه لك إلا جدلاً‏}‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال‏:‏ ما ضلت أمة بعد نبيها إلا أعطوا الجدل‏.‏ ثم قرأ ‏ {‏ما ضربوه لك إلا جدلا‏ً} ‏‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور، عن أبي ادريس الخولاني رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : ما ثار قوم فتنة إلا أوتوا بها جدلاً، وما ثار قوم في فتنة إلا كانوا لها حرزاً‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن عدي والخرائطي في مساوىء الأخلاق، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الكذب باب من أبواب النفاق، وإن آية النفاق أن يكون الرجل جدلاً خصما‏ً "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ لما ذكر الله عيسى عليه السلام في القرآن، قال مشركو مكة إنما أراد محمد أن نحبه كما أحب النصارى عيسى قال‏:‏ ‏ {‏ما ضربوه لك إلا جدلا‏ً} ‏ قال‏:‏ ما قالوا هذا القول إلا ليجادلوا ‏ {‏إن هو إلا عبد أنعمنا عليه‏} قال‏:‏ ذلك نبي الله عيسى أن كان عبداً صالحاً أنعم الله عليه ‏ {‏وجعلناه مثلاً‏} ‏ قال‏:‏ آية ‏{‏لبني إسرائيل‏}‏ ‏ {‏ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون‏} ‏ قال‏:‏ يخلف بعضهم بعضاً مكان بني آدم‏.‏ وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ أن المشركين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا له‏:‏ أرأيت ما يعبد من دون الله أين هم‏؟‏ قال‏:‏ في النار‏.‏ قالوا‏:‏ والشمس والقمر‏؟‏ قال‏:‏ والشمس والقمر، قالوا‏:‏ فعيسى ابن مريم‏؟‏ فأنزل الله ‏{‏إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل‏} ‏‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون‏}‏ قال‏:‏ يعمرون الأرض بدلاً منكم‏.‏ وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور ومسدد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {‏وإنه لعلم للساعة‏} ‏ قال‏:‏ خروج عيسى قبل يوم القيامة‏. وأخرج عبد بن حميد، عن أبي هريرة رضي الله عنه ‏{‏وإنه لعلم للساعة‏} ‏ قال‏:‏ خروج عيسى يمكث في الأرض أربعين سنة، تكون تلك الأربعون أربع سنين يحج ويعتمر‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏وإنه لعلم للساعة‏} ‏ قال‏:‏ آية للساعة خروج عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن الحسن رضي الله عنه ‏{‏وإنه لعلم للساعة‏}‏ قال‏:‏ آية للساعة خروج عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن الحسن رضي الله عنه ‏{‏وإنه لعلم للساعة‏}‏ قال‏:‏ نزول عيسى‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏وإنه لعلم للساعة‏} قال‏:‏ نزول عيسى علم للساعة، وناس يقولون‏:‏ القرآن علم للساعة‏. وأخرج عبد بن حميد، عن شيبان رضي الله عنه قال‏:‏ كان الحسن يقول ‏{‏وإنه لعلم للساعة‏} ‏ قال‏:‏ هذا القرآن‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ‏{‏وإنه لعلم للساعة‏}‏ قال‏:‏ هذا القرآن بخفض العين‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، عن حماد بن سلمة رضي الله عنه قال‏:‏ قرأتها في مصحف أبيّ ‏"‏وإنه لذكر للساعة‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏وإنه لعلم للساعة‏} ‏ قال‏:‏ نزول عيسى‏.‏ وأخرج ابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه ‏{‏ولأبيِّن لكم بعض الذي تختلفون فيه‏} ‏ قال‏:‏ من تبديل التوراة‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً} أي ضربَهُ ابنُ الزِّبَعْرَى حينَ جادلَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في قولِه تعالى: { أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} تفسير : [سورة الأنبياء، الآية 98] حيثُ قالَ أهذَا لنَا ولآلهتِنا أو لجميعِ الأممِ. فقالَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هو لكمُ ولآلهتِكم ولجميعِ الأممِ. فقالَ اللعينُ: خصمتُكَ وربِّ الكعبةِ، أليسَ النَّصارى يعبُدونَ المسيحَ واليهودَ عزيراً وبنوُ مُلَيحٍ الملائكةَ فإنْ كانَ هؤلاءِ في النَّارِ فقد رضينا أن نكونَ نحنُ وآلهتُنا معهُم. ففرِحَ به قومُه وضحِكُوا وارتفعتْ أصواتُهم. وذلكَ قولُه تعالى {إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ} أي منْ ذلكَ المثلِ {يَصِدُّونَ} أي يرتفعُ لهم جلبةٌ وضجيجٌ فرحاً وجذلاً. وقُرِىءَ يَصُدُّونَ أيْ من أجلِ ذلكَ المثلِ يُعرضُونَ عنِ الحقِّ أي يثبُتونَ على ما كانُوا عليهِ من الإعراضِ أو يزدادونَ فيهِ، وقيلَ: هو أيضاً من الصديدِ، وهما لغتانِ فيه نحوُ يَعْكُفُ ويَعْكِفُ وهو الأنسبُ بمَعْنى المفاجأةِ. {وَقَالُواْ ءأَالِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} حكايةٌ لطرفٍ من المثلِ المضروبِ، قالُوه تمهيداً لما بَنَوا عليهِ من الباطلِ المُموَّهِ بَما يغترُّ به السُّفهاءُ، أي ظاهرٌ أنَّ عيسَى خيرٌ من آلهتِنا فحيثُ كانَ هُو في النَّارِ فلا بأسَ بكونِنا مع آلهتِنا فيَها. واعلمُ أنَّ ما نُقلَ عنهم من الفرحِ ورفعِ الأصواتِ لم يكُن لما قيلَ: من أنَّه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سكتَ عندَ ذلكَ إلى أنْ نزلَ قولُه تعالى: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [سورة الأنبياء، الآية 121] الآيةَ. فإنَّ ذلكَ معَ إيهامِه لما يجبُ تنزيه ساحتِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عنْهُ من شائبةِ الإفحامِ من أولِ الأمرِ خلافُ الواقعِ كيفَ لاَ وقد رُويَ أن قولَ ابنِ الزَّبعرَى: خصمتُكَ وربُّ الكعبةِ صدرَ عنْهُ من أولِ الأمرِ عند سماعِ الآيةِ الكريمةِ بلغةِ قومِك أما فهمتَ أنَّ مَا لَما لا يعقلُ. وإنَّما لم يخصَّ عليهِ السَّلامُ هذا الحكمَ بآلهتِهم حينَ سألَ الفاجرُ عن الخصوصِ والعمومِ عملاً بما ذُكرَ من اختصاصِ كلمةِ مَا بغيرِ العُقلاءِ لأنَّ إخراجَ بعضِ المعبودينَ عنْهُ عند المحاجَّةِ موهمٌ للرخصةِ في عبادتِه في الجملةِ فعمَّمَهُ عليه السَّلامُ للكلِّ لكنْ لا بطريقِ عبارةِ النصِّ بل بطريقِ الدلالة بجامعِ الاشتراكِ في المعبوديةِ من دونِ الله تعالى، ثمَّ بـينَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بقولِه بل هُم عبدُوا الشياطينَ التي أمرتْهُم بذلكَ أن الملائكةَ والمسيحَ بمعزلٍ من أنْ يكونُوا معبوديهم كما نطقَ به قولُه تعالى: { أية : سُبْحَـٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ} تفسير : [سورة سبأ، الآية 41] الآيةَ وقد مرَّ تحقيقُ المقامِ عند قولِه تعالى: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [سورة الأنبياء، الآية 101] الآيةَ. بلْ إنَّما كانَ ما أظهرُوه من الأحوالِ المنكرةِ لمحضِ وقاحتِهم وتهالُكِهم على المكابرةِ والعنادِ كما ينطقُ به قولُه تعالى: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ} أي ما ضَربُوا لكَ ذلكَ المثلَ إلا لأجلِ الجدالِ والخصامِ لا لطلبِ الحقِّ حتَّى يذعنُوا له عندَ ظهورِه ببـيانكَ. {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} أي لُدٌّ شدادُ الخصومةِ مجبولونَ على المحْكِ واللَّجاجِ. وقيلَ: لمَّا سمعُوا قولَه تعالى: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } تفسير : [سورة آل عمران، الآية 59] قالُوا نحنُ أهدَى من النَّصارى لأنَّهم عبدُوا آدمياً ونحنُ نعبدُ الملائكةَ فنزلتْ، فقولُهم: {أية : أَألِهْتنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ } تفسير : [سورة الزخرف، الآية 58] حينئذٍ تفصيلٌ لآلهتِهم عَلَى عيسَى عليهِ السَّلامُ؛ لأنَّ المرادَ بهم الملائكةُ، ومَعْنى ما ضربُوه الخ ما قالُوا هذا القولَ إلا للجدلِ، وقيلَ: لمَّا نزلتْ { أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ} تفسير : [سورة آل عمران، الآية 59] الآيةَ قالُوا ما يريدُ محمدٌ بهذَا إلا أنْ نعبدَهُ وأنه يستأهلُ أنْ يعبدَ وإنْ كانَ بشراً كما عبدتِ النَّصارى المسيحَ وهو بشرٌ. ومَعْنى يَصِدُّونَ يَضجُّونَ ويضجرونَ. والضميرُ في أمْ هُو لمحمدٍ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وغرضُهم بالموازنةِ بـينَهُ عليهِ السَّلامُ وبـين آلهتِهم الاستهزاءُ به، وقد جُوِّزَ أنْ يكونَ مرادُهم التنصلَ عمَّا أُنكرَ عليهم من قولِهم: الملائكةُ بناتُ الله تعالَى. ومن عبادتِهم لهم كأنَّهم قالُوا ما قُلنا بدعاً من القولِ ولا فعلنَا مُنكراً من الفعلِ فإنَّ النَّصارَى جعلُوا المسيحَ ابنَ الله وعبدُوه فنحنُ أشفُّ منُهم قولاً وفعلاً حيثُ نسبنَا إليهِ الملائكةَ وهُم نسبُوا إليهِ الأنَاسِيّ.

القشيري

تفسير : وضَرْبُ المَثَلِ بعيسى هو قوله: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ}تفسير : [آل عمران: 59]؛ خَلَقَ عيسى بلا أب كما خلق آدم بلا أبوين. فجحدوا بهذه الآية. وقيل هو قوله: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ}تفسير : [الأنبياء: 98] فقالوا: رضينا بأن نكون في النار مع عيسى وعُزَيْر والملائكة، وليس لهم في الآية موضع ذِكرْ؛ لأنه سبحانه قال: "وما" تعبدون، ولم يقل "ومن" تعبدون.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولما ضرب ابن مريم} اى عيسى {مثلا} اى ضربه عبد الله بن الزبعرى السهمى كان من مردة قريش قبل ان يسلم قال فى القاموس الزبعرى بكسر الزاى وفتح الباء والرآء والد عبد الله الصحابى القرشى الشاعر انتهى ومعنى ضربه مثلا اى جعله مثالا ومقياسا فى بيان ابطال ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم من كون معبودات الامم دون الله حصب جهنم الآية قرأه على قريش فامتعضوا من ذلك امتعاضا شديدا اى غضبوا وشق عليهم ذلك حديث : فقال ابن الزبعرى بطريق الجدال هذا لنا ولآلهتنا ام لجميع الامم فقال عليه السلام "هو لكم ولآلهتكم ولجميع الامم" فقال خصمتك ورب الكعبة أليست النصارى يعبدون المسيح واليهود عزيرا وبنوا مليح الملائكة فان كان هؤلاء فى النار فقد رضينا ان نكون نحن وآلهتنا معهم ففرح به قومه وضحكوا وارتفعت اصواتهم تفسير : وذلك قوله تعالى {اذا قومك} آنكاه قوم تو {منه} اى من ذلك المثل اى لاجله وسببه {يصدون} اى يرتفع لهم جلبة وضجيج فرحا وجذلا لظنهم ان الرسول صار ملزما به قال فى القاموس صد يصد ويصد صديدا ضج كما قال فى تاج المصادر الصديد بانك كردن. والغابر يفعل ويفعل معا واما الصدود فبمعنى الاعراض يقال صد عنه صدوداً اى اعرض وفلانا عن كذا صدا منعه وصرفه كأصده كما قال فى التاج الصد بكر دانيد والصد والصدود بكشتن

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ولما ضُرب ابنُ مريمَ مثلا}، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ على قريش:{أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ}تفسير : [الأنبياء: 98] الآية، فغضبوا، فقال ابن الزِّبَعْرى: يا محمد! أخاصة لنا ولآلهتنا، أم لجميع الأمم؟ فقال عليه الصلاة والسلام:"حديث : هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم"تفسير : ، فقالوا: ألست تزعم أن عيسى [نبي]، يُثنى عليه وعلى أمّه خيراً، وقد علمت أنَّ النصارى يعبدونهما؟ وعزيز يُعبد، والملائكة يُعبدون، فإن كان هؤلاء في النار، فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم، ففرحوا، وضحكوا، وسكت النبيُّ انتظاراً للوحي. وفي رواية: فقال لهم صلى الله عليه وسلم:"حديث : إنما عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك"تفسير : . وقال لابن الزبعرى:"حديث : ما أجهلك بلغة قومك، أَمَا فهمت أن "ما" لِما لا يعقل، فهي خاصة بالأصنامتفسير : ، فأنزل الله:{أية : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الْحُسْنَى...}تفسير : [الأنبياء: 101] الآية. ونزلت هذه الآية. والمعنى: ولما ضرب ابن الزبعرى عيسى {ابن مريم مثلاً} لآلهتهم، وجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبادة النصارى إياه {إِذا قومُك} قريش {منه} أي: من هذا المثل {يَصِدُّون} ترتفع لهم جلبة وضجيج، فرحاً وضحكاً، فهو من: الصديد، وهو الجلبة ورفع الصوت، ويؤيده: تعديته بمَن، ولو كان من الصدود لقال: "عنه"، وقرئ بالكسر والضم، وقيل: هما لغتان، كيعكِفُون ويعكُفُون ويعرِشون ويعرُشُون، وقيل: بالكسر معناه: الصديد، أي: الضجيج والضحك، وبالضم معناه: الإعراض، فيكون من الصدود، أي: فهم من أجل هذا المثل يعرضون عن الحق، أي: يثبتون على ما كانوا عليه من الإعراض، أو يزدادون. {وقالوا آلهتُنا خيرٌ أَمْ هو} يعني أن آلهتنا عندك ليست بخير من عيسى، فإذا كان عيسى من حصب جهنم كان أمر آلهتنا هيناً. أو: فإذا كان عيسى في النار، فلا بأس بكوننا مع آلهتنا فيها. قال تعالى: {ما ضربوه لك إِلا جَدَلا} أي: ما ضربوا لك ذلك المثل إلا لأجل الجدال والخصام، لا لطلب الحق حتى يذعونا له عند ظهوره، {بل هم قوم خَصِمُونَ} أي: لُدّاً، شِدَاد الخصومة، مجبولون على اللجاج، وذلك أن الآية إنما قصدت الأصنام، بدليل التعبير بـ"ما"، إلا أن ابن الزبعرى حدا عنه لمّا رأى كلام الله تعالى محتملاً لفظُه للعموم، مع علمه بأن المراد به أصنامهم، وجد للحيلة مساغاً، فصرف اللفظ إلى الشمول والإحاطة بكل معبود غير الله، على طريق اللجاج والجدال والمكابرة، وتوقَّح في ذلك، فصمت عنه صلى الله عليه وسلم حتى أجاب عنه ربه. وقيل: لما سمعوا قوله تعالى:{أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ...}تفسير : [آل عمران: 59] الآية، قالوا: نحن أهدى من النصارى، لأنهم عبدوا آدمياً، ونحن نعبد الملائكة، فنزلت. فقولهم: آلهتنا خير، هو حينئذ تفضيل لآلهتهم على عيسى عليه السلام؛ لأن المراد بهم الملائكة. ومعنى: {ما ضربوه...} الخ: ما قالوا هذا القول إلا للجدال. وقيل: لما نزل: {إن مثل عيسى عند الله..} الآية، قالوا: ما يريد محمد إلا أن نعبده كما عبد النصارى المسيح. ومعنى "يصدون": يضجون ويسخرون، والضمير على هذا في "أَم" هو لمحمد صلى الله عليه وسلم، وغرضهم ومرادهم بالموازنة بينه وبين آلهتهم الاستهزاء به صلى الله عليه وسلم ويجوز أن يكون مرادهم التنصُّل عما أنكر عليهم من قولهم: الملائكة بنات الله، ومن عبادتهم لهم، كأنهم قالوا: ما قلنا بدعاً من القول، ولا فعلنا منكراً من الفعل، فإنَّ النصارى جعلوا المسيح ابن الله، وعبدوه، فنحن أرشد منهم قولاً وفعلاً، حيث نسبنا له الملائكة، وهم نسبوا إليه الأناسي. فقوله تعالى: {إن هو إِلا عبدٌ أنعمنا عليه} أي: ما عيسى إلا عبد، كسائر العبيد، أنعمنا عليه بالنبوة، {وجعلناه مثلاً لبني إِسرائيل} أي: أمراً عجيباً، حقيقاً بأن يسير ذكره كالأمثال السائرة، ففيه تنبيه على بطلان رفعه عن رتبة العبودية، أي: قصارى أمره أنه ممن أنعمنا عليه بالنبوة، وخصصناه ببعض الخواص البديعة، بأن خلقناه على وجهٍ بديع، وقد خلقنا آدم بوجه أبدع منه، فأين هو من رتبة الربوبية حتى يتوهم أنه رضي بعبادته مع الله؟ ومَن عبده فإنما عبد الشيطان. ثم قال تعالى: {ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكةً في الأرض} بدلاً منكم، كذا قال الزجاج، فـ"مِن" بمعنى البدل {يَخْلُفُون} أي: يخلفونكم في الأرض، أي: لو نشاء لذهبنا بكم وجعلنا بدلاً منكم ملائكة يخلفونكم في الأرض، فيكونون أطوع منك لله تعالى، وقيل: {ولو نشاء} لقدرتنا على عجائب الأمور {لجعلنا منكم} بطريق التوالد، وأنتم رجال، من شأنكم الولادة - {ملائكة} كما خلقناهم بطريق الإبداع {في الأرض} مستقرين فيهم، كما جعلناهم مستقرين في السماء، يخلفونكم مثل أولادكم، ويباشرون الأفاعيل المنوطة بمباشرتكم، فكيف يستحقون المعبودية مع أنهم أجسام، متولدون عن أجسام، والمستحق للعبادة يتعالى عن ذلك؟! {وإِنه} أي: عيسى عليه السلام {لَعِلْمٌ للساعة} أي: مما يعلم به مجيء الساعة عند نزوله. وقرأ ابن عباس "لَعَلَمٌ" بفتح اللام، أي: وإن نزوله لَعَلَم للساعة، أو: وإن وجوده بغير أب، وإحياءه للموتى، دليل على صحة البعث، الذي هو معظم ما ينكرة الكفرة. وفي الحديث: إن عيسى عليه السلام ينزل على ثنية بالأرض المقدسة، يقال لها: أَفِيق، وهي عقبة بيت المقدس، وعليه مُمَصَّرتان، وشعر رأسه دهين، وبيده حربة يقتل بها الدجال، فيأتي بيت المقدس، والناس في صلاة العصر، والإمام يؤم بهم، فيتأخر الإمام، فيقدمه عيسى، ويصلي خلفه على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويخرب البيعَ والكنائس، ويقتل النصارى إلا مَن آمن به وبمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: الضمير للقرآن؛ لأن فيه الإعلام بالساعة، {فلا تمْتَرُنَّ بها}؛ فلا تشكنَّ فيها، من المرْية، وهو الشك، {واتبعونِ} أي: اتبعوا هداي وشرائعي، أو: رسولي: وقيل: هو قول نبينا صلى الله عليه وسلم مأموراً به من جهته تعالى: {هذا} أي: الذي أدعوكم إليه {صراط مستقيم}؛ موصل إلى الحق. {ولا يَصُدَّنكم الشيطانُ} عن اتباعي {إِنه لكم عدو مبينٌ}؛ بيِّن العداوة، حيث أخرج آباكم من الجنة، وعرضكم للبلية. الإشارة: الوعظ والتذكير لا تسري أنواره في القلوب إلا مع التسليم والتصديق، والسكوت والاستماع، كما كان الصحابة رضي الله عنهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم كأنَّ على رؤوسهم الطير، وأما إن دخل معه الجدال واللجاج ذهبت بركته، ولم تسْر أنواره، ولذلك قيل: مذهب الصوفية مبني على التسليم والتصديق، ومذهب الفقهاء مبني على البحث والتفتيش، لكن مع الإنصار، وخفض الصوت، وحسن السؤال من غير ملاججة ولا غضب. ثم ذكر بعثة عيسى ودعوته إلى الله، فقال: {وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ}.

الجنابذي

تفسير : {وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً} لعلىّ بن ابى طالبٍ (ع) اى لمّا اجرى ابن مريم حال كونه مشبّهاً به لعلىّ بن ابى طالب (ع) كما ذكر فى اخبارٍ كثيرة {إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ} اى من علىّ (ع) او من هذا التّشبيه {يَصِدُّونَ} يضجّون او يعرضون او يمنعون وقرئ يصدّون بضمّ الصّاد وبكسرها، وعن النّبىّ (ص) انّه قال: الصّدود فى العربيّة الضّحك هذا ما وصل الينا فى اخبارٍ كثيرةٍ نشير الى شطرٍ منها، وقيل: معناه ولمّا ضرب ابن مريم مثلاً وشبيهاً بالآلهة فى العذاب فانّه لمّا نزل {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} تفسير : [الأنبياء:98]، قال المشركون: قد رضينا بان تكون آلهتنا حيث يكون عيسى (ع) ومعنى اذا قومك منه يصدّون يضجّون نحو ضجيج المجادلين حيث خاصموك فى تمثيلهم لعيسى (ع) بآلهتهم، وقيل: لمّا ضرب الله المسيح مثلاً بآدم (ع) فى قوله: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} تفسير : [آل عمران:59] خاصم بعض قريش النّبىّ (ص) فنزلت، وقيل: لمّا مدح النّبىّ (ص) المسيح (ع) قالوا: انّ محمّداً (ص) يريد ان نعبده كما عبدت النّصارى عيسى (ع)، وروى بينا رسول الله (ص) ذات يومٍ جالس اذ اقبل امير المؤمنين (ع) فقال له رسول الله (ص):"حديث : انّ فيك شبهاً من عيسى بن مريم (ع)، لولا ان تقول فيك طوائف من امّتى ما قالت النّصارى فى عيسى بن مريم (ع) لقلت فيك قولاً لا تمرّ بملاءٍ من النّاس الاّ اخذوا التّراب من تحت قدميك يلتمسون بذلك البركة"تفسير : ، قال: فغضب الاعرابيّان والمغيرة بن شعبة وعدّة من قريش معهم فقالوا: ما رضى ان يضرب لابن عمّه مثلاً الاّ عيسى بن مريم..! فأنزل الله على نبيّه ولمّا ضرب ابن مريم مثلاً (الى قوله) لجعلنا منكم يعنى من بنى هاشم ملائكة فى الارض يخلفون، وبهذا المضمون باختلافٍ يسيرٍ فى اللّفظ اخبارٌ كثيرة.

فرات الكوفي

تفسير : قال: حدثنا فرات قال: حدثني سعيد بن الحسين (الحسن) بن مالك قال: حدثنا الحسن - يعني ابن عبد الواحد - قال: حدثنا الحسن [بن حماد] عن يحيى بن يعلى عن الصباح بن يحيى [عن أبي صادق] عن الحارث بن حضيرة. عن ربيعة بن ناجذ قال: سمعت (أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. أ، ب: علياً) عليه السلام يقول: في نزلت هذه الآية: {ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون}. [فرات. أ، ب] قال: حدثنا الحسين: (جعفر) بن أحمد بن يوسف قال: حدثني يوسف بن موسى [القطان قال: حدثنا] عيسى بن عبد الله [بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب] قال: أخبرني أبي عن أبيه عن جده: حديث : عن [أمير المؤمنين. ر] علي [بن أبي طالب. ر] عليه السلام قال: جئت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في ملأ من قريش فنظر إلي ثم قال: يا علي إنما مثلك في هذه الأمة كمثل عيسى بن مريم أحبه قوم فأفرطوا وأبغضه قوم فأفرطوا. فضحك الملأ الذين عنده وقالوا: انظروا كيف يشبه ابن عمه بعيسى بن مريم. قال: فنزل الوحي: {ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون} . تفسير : قال: حدثنا أحمد بن قاسم قال: أخبرنا عبادة - يعني ابن زياد - قال: حدثنا محمد بن كثير عن الحارث بن حضيرة عن أبي صادق عن ربيعة بن ناجذ: حديث : عن [أمير المؤمنين. ر] علي [بن أبي طالب. ر] عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا علي إن فيك مثلاً من عيسى بن مريم إن اليهود أبغضوه حتى بهتوه وإن النصارى أحبوه حتى جعلوه إلها، ويهلك فيك رجلان: محب مفرط [ر، أ: مطري] ومبغض مفتر [ي. ر] قال المنافقون ما قالوا (يالوا) ما رفع بضبع ابن عمه، جعله مثلاً لعيسى بن مريم عليه السلام وكيف يكون هذا؟! وضجوا ما قالوا. فأنزل الله [تعالى هذه الآية. ر]: {ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون} تفسير : قال: [ر، أ: أي] يضجون. قال: وفي قراءة أبي [بن كعب. ر]: يضجون. قال: حدثني عبيد بن كثير قال: حدثنا يحيى بن الحسن عن أبي عبد الرحمان [عبد الله بن عبد الملك] المسعودي عن الحارث بن حضيرة عن أبي صادق. حديث : عن ربيعة بن ناجذ قال: سمعت علياً عليه السلام يقول: إني جالس عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ قال: يا علي إن فيك مثلاً من عيسى بن مريم [عليه الصلاة والسلام. أ] إن اليهود أبغضوه حتى بهتوه وبهتوا أمه، وإن النصارى أحبوه حباً [ب: حتى] جعلوه إلها، وإنه يهلك فيك [رجلان محب مفرط ومبغض مفتر يقول. ب] فيك ما ليس فيك. فبلغ ذلك ناساً من قريش فضجوا وقالوا: جعل له مثل عيسى بن مريم كيف يكون ذلك؟! [فنزل. ب]: {ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون} تفسير : قال: يضجون. قال حدثني الحسن بن حباش بن يحيى الدهقان قال: حدثنا الحسين بن نصر قال: حدثنا إِبراهيم بن الحكم [عن عبد الله بن عبد الملك] المسعودي قال: حدثني الحارث بن حضيرة الأزدي عن أبي صادق الأزدي: [عن ربيعة بن ناجذ حديث : عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن فيك مثلاً من عيسى بن مريم إن النصارى. ب] أحبوه حتى جعلوه إلها وإن اليهود أبغضوه حتى بهتوه وبهتوا أمه وكذلك يهلك فيك رجلان محب مطري يطرئك بما ليس فيك ومبغض مفتر يبهتك بما ليس فيك. قال: [فـ] بلغ ناساً من قريش فقالوا: جعله مثلاً لعيسى بن مريم وكيف يكون هذا؟ وضجوا. فأنزل الله: {ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون} تفسير : قال: يضجون. قال الحارث بن حضيرة هكذا هي في قراءة أبي بن كعب. قال: حدثني الحسين بن سعيد ومحمد بن عيسى بن زكريا! قالا: حدثنا يحيى عن الصباح المزني عن عمرو بن عمير عن أبيه قال: حديث : بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً إلى شعب فأعظم فيه الفناء فلما أن جاء قال: يا علي قد بلغني نباؤك والذي صنعت وأنا عنك راض. قال: فبكى علي [عليه السلام. ب] قال فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:ما يبكيك يا علي أفرح أم حزن؟ قال: بل فرح ومالي لا أفرح يا رسول الله وأنت عني راض. قال النبي [صلى الله عليه وآله وسلم. أ]: أما وان الله وملائكته وجبرئيل وميكائيل عنك راضون، أما والله لولا أن يقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت اليوم فيك قولاً لا تمر بملأ منهم قلوا أو كثروا إلا قاموا إليك يأخذون التراب من تحت قدميك يلتمسون في ذلك البركة. قال. فقال قريش: ما رضي حتى جعله مثلاً لابن مريم!. فأنزل الله [تعالى. ر]: {ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون} تفسير : قال: يضجون. قال: حدثني الحسين بن سعيد قال: حدثنا إسماعيل - يعني ابن إسحاق- قال: حدثنا يحيى بن سالم عن صباح! عن الحارث بن حضيرة عن أبي صادق عن القاسم - وأحسبه ابن جندب - قال: حديث : بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب عليه السلام إلى شعب فأعظم فيه النبأ [ر: الفناء] فأتاه جبرئيل عليه السلام فأخبره عنه فلما رجع قام إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقبله وجعل يمسح عرق وجه علي بوجهه وهو يقول: قد بلغني نباؤك والذي صنعت فأنا عنك راض. قال: فبكى علي [عليه السلام. أ] فقال: له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما يبكيك يا علي أفرح أم حزن؟ قال: ومالي [ان. ر] لا أفرح وأنت تخبرني يا رسول الله إنك عني راضٍ. قال النبي: إن الله وملائكته وجبرئيل [وميكائيل. ر] عنك راضون، أما والله لولا أن يقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت اليوم فيك مقالاً لا تمر بملأ منهم قلوا أو كثروا إلا قاموا إليك [و. ر، أ] يأخذون التراب من تحت قدميك يلتمسون بذلك البركة. قال: فقال قريش: أما رضي حتى جعله مثلاً لابن مريم؟! فأنزل الله تعالى: {ولمّا ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون}تفسير : قال: يضجون {إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل}. قال: حدثني علي بن محمد بن هند (مخلد) الجعفي قال: حدثني أحمد بن سليمان الفرقساني [أ: الفرقاني] قال لنا ابن المبارك الصوري! لم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر؟ ألم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم [أصدق. ب]؟ قال: بلى. قال: فما القصة يا أبا عبد الله في ذلك قال: حديث : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نفر من قريش إذ قال: يطلع عليكم من هذا الفج رجل يشبه عيسى [ر: بعيسى] بن مريم فاستشرفت [أ: فاستشرق] قريش للموضع فلم يطلع أحد وقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبعض حاجته إذ طلع من ذلك الفج علي بن أبي طالب عليه السلام فلما رأوه قالوا: الارتداد وعبادة الأوثان أيسر علينا مما يشبه ابن عمه بنبي. فقال أبو ذر: يا رسول الله إنهم قالوا: كذا وكذا فقالوا بأجمعهم: كذب، وحلفوا على ذلك، فوجد [أ،ب: فوجل] رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أبي ذر فما برح حتى نزل عليه الوحي: {ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون} تفسير : قال: يضجون {وقالوا: ءالهتنا خيرٌ أم هو ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون، إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل} فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر.

اطفيش

تفسير : {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مثلاً} ضربه مثلاً ابن الزبعري الشاعر قبل اسلامه حين نزل {أية : انكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} تفسير : فقال المشركون رضينا أن نكون مع عيسى لانه عبد من دون الله عبده النصارى. روي ذلك وعن ابن عباس وقال الكلبي: لما نزل {أية : انكم وما تعبدون} تفسير : الخ قرأها النبي صلى الله عليه وسلم مقابل باب الكعبة فاشتد ذلك على أهل مكة فدخل ابن الزبعرى على قريش وهم يخصون في ذلك فقال: أتكلم محمد بهذا فقالوا: نعم فقال: والله لئن اعترف لأخصمنه فجاءه فقال: يا محمد الآية فينا أو في الأمم معناها فقال: فيكم وفي الهتكم وفي الأمم والهتهم فقال: خصمتك والذي تحلف به وقيل ورب الكعبة ألست تثني على عيسى ومريم والملائكة خيراً وقد علمت ان النصارى أهل كتاب يعبدون عيسى وأمه ويزعمون انه ابنه وطائفة من الناس يعبدون الملائكة واليهود يعبدون عزيرا ويقولون انه ابن الله أفليس هؤلاء مع آلهتنا في النار فسكت صلى الله عليه وسلم وتضاحكت قريش وقالوا معه الملائكة أولى بالعبادة من آدمي فنحن نعبدهم وقيل لما سمعوا {أية : ان مثل عيسى عند الله} تفسير : الخ قالوا نحن أهدى من النصارى عبدوا آدمياً وعبدنا الملائكة فنزل ولما ضرب ابن مريم الخ. وفي رواية عن ابن عباس وغيره انه لما نزل {أية : ان مثل عيسى} تفسير : الخ قالت قريش ما يريد محمد من ذكر عيسى الا أن نعبده كما عبدت النصارى عيسى* {إِذَا قَوْمُكَ} المشركون من قريش {إِذَا} للمفاجأة وينبغي أن يكون الحق جواز قرن جواب لما باذا الفجائية وكونه اسمية لكثرة ذلك والتأويل خلاف الأصل وذلك دليل لجواز كونه اسمية مقرونة بالفاء وفي ذلك كله خلاف* {مِنْهُ} أي من المثل* {يَصِدُّونَ} بضم الصاد عند نافع وابن عامر والكسائي وبالكسر عند الباقين ومعناهما واحد هما لغتان أي يضحكون فرحاً لظنهم انه صلى الله عليه وسلم مغلوب في الحجة أي رفعوا أصواتهم فرحاً وجذلاً وضحكاً كما يضج القوم اذا انفتح لهم شيء منغلق بعد أن أعياهم حجة أو غيرها أو معناه يعرضون فالهاء للحق و (من) بمعنى (عن) أو (الهاء) للمثل و (من) للتعليل و (عن) محذوفة أي يصدون لأجل المثل عن الحق ولا حاجة الى تعليقها بيوحدون مقدراً بعد قومك أو باذا الفجائية قبل المضموم بمعنى يعرضون، قرأ نافع وابن عامر والكسائي (يصدون) بضم الصاد بمعنى يعرضون من الاعراض بمعنى الصدود، وجاءت بمعنى (يضجون) وبمعنى صرف الغير الصد أو بمعنى الضجيج الصديد

الالوسي

تفسير : {وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً} الخ بيان لعناد قريش بالباطل والرد عليهم، فقد روي أن عبد الله بن الزبعرى قبل إسلامه قال للنبـي صلى الله عليه وسلم وقد سمعه يقول: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} تفسير : [الأنبياء: 98] أليست النصارى يعبدون المسيح وأنت تقول كان نبياً وعبداً من عباد الله تعالى صالحاً فإن كان في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معه ففرح قريش وضحكوا وارتفعت أصواتهم وذلك قوله تعالى: {إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} فالمعنى ولما ضرب ابن الزبعرى عيسى ابن مريم مثلاً وحاجك بعبادة النصارى إياه إذا قومك من ذلك ولأجله يرتفع لهم جلبة وضجيج فرحاً وجذلاً، والحجة لما كانت تسير مسير الأمثال شهرة قيل لها مثل أو المثل بمعنى المثال أي جعله مقياساً وشاهداً على إبطال قوله عليه الصلاة والسلام: إن آلهتهم من حصب جهنم، وجعل عيسى عليه السلام نفسه مثلاً من باب «الحج عرفة». وقرأ أبو جعفر والأعرج والنخعي وأبو رجاء وابن وثاب وابن عامر ونافع والكسائي {يصدون} بضم الصاد من الصدود، وروي ذلك عن علي كرم الله تعالى وجهه، وأنكر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذه القراءة وهو قبل بلوغه تواترها، والمعنى عليها إذا قومك من أجل ذلك يعرضون عن الحق بالجدل بحجة داحضة واهية، وقيل: المراد يثبتون على ما كانوا عليه من الإعراض. وقال الكسائي والفراء: يصدون بالكسر ويصدون بالضم لغتان بمعنى واحد مثل {يعرشون} و{أية : يَعْرِشُونَ}تفسير : [الأعراف: 137] ومعناهما يضجون، وجوز أن يكون يعرضون.

سيد قطب

تفسير : في هذا الدرس الأخير من السورة يستطرد السياق إلى حكاية أساطيرهم حول عبادة الملائكة؛ ويحكي حادثاً من حوادث الجدل الذي كانوا يزاولونه، وهم يدافعون عن عقائدهم الواهية، لا بقصد الوصول إلى الحق، ولكن مراء ومحالاً! فلما قيل لهم: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم. وكان القصد هو أصنامهم التي جعلوها تماثيل للملائكة ثم عبدوها بذاتها. وقيل لهم: إن كل عابد وما يعبد من دون الله في النار. لما قيل لهم هذا ضرب بعضهم المثل بعيسى ابن مريم ـ وقد عبده المنحرفون من قومه ـ أهو في النار؟ وكان هذا مجرد جدل ومجرد مراء. ثم قالوا: إذا كان أهل الكتاب يعبدون عيسى وهو بشر فنحن أهدى إذ نعبد الملائكة وهم بنات الله! وكان هذا باطلاً يقوم على باطل. وبهذه المناسبة يذكر السياق طرفاً من قصة عيسى ابن مريم، يكشف عن حقيقته وحقيقة دعوته، واختلاف قومه من قبله ومن بعده. ثم يهدد المنحرفين عن سواء العقيدة جميعاً بمجيء الساعة بغتة. وهنا يعرض مشهداً مطولاً من مشاهد القيامة، يتضمن صفحة من النعيم للمتقين، وصفحة من العذاب الأليم للمجرمين. وينفي أساطيرهم عن الملائكة، وينزه الله ـ سبحانه ـ عما يصفون، ويعرفه لعباده ببعض صفاته؛ وملكيته المطلقة للسماء والأرض والدنيا والآخرة وإليه يرجعون. ويختم السورة بتوجيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الصفح عنهم والإعراض ويدعهم ليعملوا ما سيعملون! وهو تهديد ملفوف يليق بالمجادلين المرائين بعد هذا الإيضاح والتبيين. {ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون. وقالوا: أآلهتنا خير أم هو؟ ما ضربوه لك إلا جدلاً. بل هم قوم خصمون. إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل. ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون. وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون، هذا صراط مستقيم. ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين}.. {ولما جاء عيسى بالبينات قال: قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه، فاتقوا الله وأطيعون. إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم. فاختلف الأحزاب من بينهم، فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم}.. ذكر ابن إسحاق في السيرة قال: "حديث : جلس رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما بلغني مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم، وفي المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فعرض له النضر بن الحارث، فكلمه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى أفحمه. ثم تلا عليه وعليهم: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون}.. الآيات.. ثم قام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأقبل عبد الله بن الزبعري التميمي حتى جلس. فقال الوليد بن المغيرة له: والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب وما قعد! وقد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم. فقال عبد الله بن الزبعري: أما والله لو وجدته لخصمته. سلوا محمداً أكل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيراً، والنصارى تعبد المسيح ابن مريم. فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعري ورأوا أنه قد احتج وخاصم. فذكر ذلك لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: "كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده. فإنهم إنما يعبدون الشيطان ومن أمرهم بعبادته" فأنزل الله عز وجل: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون}.. أي عيسى وعزير ومن عبد معهما من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله عز وجل، فاتخذهم من بعدهم من أهل الضلالة أرباباً من دون الله، ونزل فيما يذكر من أمر عيسى عليه الصلاة والسلام، وأنه يعبد من دون الله، وعجب الوليد ومن حضر من حجته وخصومته: {ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون}.. أي يصدون عن أمرك بذلك ".. تفسير : وذكر صاحب الكشاف في تفسيره: "حديث : لما قرأ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على قريش: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} امتعضوا من ذلك امتعاضاً شديداً. فقال عبد الله بن الزبعري: يا محمد. أخاصة لنا ولآلهتنا أم لجيمع الأمم؟ فقال عليه السلام: "هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم" فقال: خصمتك ورب الكعبة! ألست تزعم أن عيسى ابن مريم نبي، وتثني عليه خيراً وعلى أمه؟ وقد علمت أن النصارى يعبدونهما؟ وعزير يعبد؟ والملائكة يعبدون؟ فإن كل هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم! ففرحوا وضحكوا. وسكت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأنزل الله تعالى: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} ونزلت هذه الآية"تفسير : . والمعنى: ولما ضرب عبدالله بن الزبعري عيسى ابن مريم مثلاً، وجادل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعبادة النصارى إياه {إذا قومك} ـ قريش ـ من هذا المثل {يصدون} ترتفع لهم جلبة وضجيج، فرحاً وجذلاً وضحكاً بما سمعوا من إسكات رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ بجدله، كما يرتفع لغط القوم ولجبهم إذا تعبوا بحجة ثم فتحت عليهم. وأما من قرأ {يصدون} بالضم فمن الصدود. أي من أجل هذا المثل يصدون عن الحق ويعرضون عنه. وقيل: من الصديد وهو الجبة. وأنهما لغتان نحو يعكُف ويعكِف ونظائر لهما. {وقالوا أآلهتنا خير أم هو؟} يعنون أن آلهتنا عندك ليست بخير من عيسى؛ وإذا كان عيسى من حصب النار كان أمر آلهتنا هيناً!". ولم يذكر صاحب الكشاف من أين استقى روايته هذه. وهي تتفق في عمومها مع رواية ابن إسحاق. ومن كليهما يتضح الالتواء في الجدل، والمراء في المناقشة. ويتضح ما يقرره القرآن عن طبيعة القوم وهو يقول:{بل هم قوم خصمون}.. ذوو لدد في الخصومة ومهارة. فهم يدركون من أول الأمر ما يقصد إليه القرآن الكريم وما يقصد إليه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيلوونه عن استقامته، ويتلمسون شبهة في عموم اللفظ فيدخلون منها بهذه المماحكات الجدلية، التي يغرم بمثلها كل من عدم الإخلاص، وفقد الاستقامة؛ يكابر في الحق، ويعمد إلى شبهة في لفظ أو عبارة أو منفذ خلفي للحقيقة! ومن ثم كان نهي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتشديده عن المراء، الذي لا يقصد به وجه الحق، إنما يراد به الغلبة من أي طريق. قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، عن عبادة بن عبادة، عن جعفر، عن القاسم، عن أبي أمامة ـ رضي الله عنه ـ قال: "حديث : إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خرج على الناس وهم يتنازعون في القرآن. فغضب غضباً شديداً، حتى كأنما صب على وجهه الخل. ثم قال: صلى الله عليه وسلم ـ: "لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض. فإنه ما ضل قوم قط إلا أوتوا الجدل". ثم تلا ـ صلى الله عليه وسلم ـ {ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون}.. " تفسير : وهناك احتمال في تفسير قوله تعالى: {وقالوا: أآلهتنا خير أم هو؟} يرشح له سياق الآيات في صدد أسطورتهم عن الملائكة. وهم أنهم عنوا أن عبادتهم للملائكة خير من عبادة النصارى لعيسى ابن مريم. بما أن الملائكة أقرب في طبيعتهم وأقرب نسباً ـ حسب اسطورتهم ـ من الله سبحانه وتعالى عما يصفون. ويكون التعقيب بقوله تعالى: {ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون}.. يعني الرد على ابن الزبعري كما سبق. كما يعني أن ضربهم المثل بعبادة النصارى للمسيح باطل. فعمل النصارى ليس حجة لأنه انحراف عن التوحيد. كانحرافهم هم. فلا مجال للمفاضلة بين انحراف وانحراف. فكله ضلال. وقد أشار إلى هذا الوجه بعض المفسرين أيضاً. وهو قريب. ومن ثم جاء التعقيب بعد هذا: {إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل}.. فليس إلهاً يعبد كما انحرف فريق من النصارى فعبدوه. إنما هو عبد أنعم الله عليه. ولا جريرة له في عبادتهم إياه. فإنما أنعم الله عليه ليكون مثلاً لبني إسرائيل ينظرون إليه ويتأسون به. فنسوا المثل، وضلوا السبيل! واستطرد إلى أسطورتهم حول الملائكة، يبين لهم أن الملائكة خلق من خلق الله مثلهم. ولو شاء الله لجعل الملائكة يخلفونهم في هذه الأرض، أو لحول بعض الناس إلى ملائكة يخلفونهم في الأرض: {ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون}.. فمرد الأمر إلى مشيئة الله في الخلق. وما يشاؤه من الخلق يكون. وليس أحد من خلقه يمت إليه بنسب، ولا يتصل به ـ سبحانه ـ إلا صلة المخلوق بالخالق، والعبد بالرب، والعابد بالمعبود. ثم يعود إلى تقرير شىء عن عيسى عليه السلام. يذكرهم بأمر الساعة التي يكذبون بها أو يشكون فيها: {وإنه لعلم الساعة. فلا تمترن بها. واتبعون. هذا صراط مستقيم. ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين}.. وقد وردت أحاديث شتى عن نزول عيسىـ عليه السلام ـ إلى الأرض قبيل الساعة وهو ما تشير إليه الآية: {وإنه لعلم للساعة} بمعنى أنه يُعلم بقرب مجيئها، والقراءة الثانية {وإنه لَعَلَم للساعة} بمعنى أمارة وعلامة. وكلاهما قريب من قريب. عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ: "حديث : والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها ". تفسير : وعن جابر ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة. فينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم: تعال: صل لنا. فيقول: لا. إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله تعالى لهذه الأمة ". تفسير : وهو غيب من الغيب الذي حدثنا عنه الصادق الأمين وأشار إليه القرآن الكريم، ولا قول فيه لبشر إلا ما جاء من هذين المصدرين الثابتين إلى يوم الدين. {فلا تمترن بها. واتبعون. هذا صراط مستقيم}.. وكانوا يشكون في الساعة، فالقرآن يدعوهم إلى اليقين. وكانوا يشردون عن الهدى، والقرآن يدعوهم على لسان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى اتباعه فإنه يسير بهم في الطريق المستقيم، القاصد الواصل الذي لا يضل سالكوه. ويبين لهم أن انحرافهم وشردوهم أثر من اتباع الشيطان. والرسول أولى أن يتبعوه: {ولا يصدنكم الشيطان. إنه لكم عدو مبين}.. والقرآن لا يفتأ يذكر البشر بالمعركة الخالدة بينهم وبين الشيطان منذ أبيهم آدم، ومنذ المعركة الأولى في الجنة. وأغفل الغافلين من يعلم أن له عدواً يقف له بالمرصاد، عن عمد وقصد، وسابق إنذار وإصرار؛ ثم لا يأخذ حذره؛ ثم يزيد فيصبح تابعاً لهذا العدو الصريح! وقد أقام الإسلام الإنسان في هذه المعركة الدائمة بينه وبين الشيطان طوال حياته على هذه الأرض؛ ورصد له من الغنيمة إذا هو انتصر ما لا يخطر على قلب بشر، ورصد له من الخسران إذا هو اندحر ما لا يخطر كذلك على قلب بشر. وبذلك حول طاقة القتال فيه إلى هذه المعركة الدائبة؛ التي تجعل من الإنسان إنساناً، وتجعل له طابعه الخاص بين أنواع الخلائق المتنوعة الطبائع والطباع! والتي تجعل أكبر هدف للإنسان على الأرض أن ينتصر على عدوه الشيطان؛ فينتصر على الشر والخبث والرجس؛ ويثبت في الأرض قوائم الخير والنصح والطهر. وبعد هذه اللفتة يعود إلى بيان حقيقة عيسى ـ عليه السلام ـ وحقيقة ما جاء به؛ وكيف اختلف قومه من قبله ثم اختلفوا كذلك من بعده: {ولما جاء عيسى بالبينات قال: قد جئتكم بالحكمة، ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه، فاتقوا الله وأطيعون. إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه، هذا صراط مستقيم. فاختلف الأحزاب من بينهم، فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم}.. فعيسى جاء قومه بالبينات الواضحات سواء من الخوارق التي أجراها الله على يديه، أو من الكلمات والتوجيهات إلى الطريق القويم. وقال لقومه: {قد جئتكم بالحكمة}. ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً، وأمن الزلل والشطط أمنه للتفريط والتقصير؛ واطمأن إلى خطواته في الطريق على اتزان وعلى نور. وجاء ليبين لهم بعض الذي يختلفون فيه. وقد اختلفوا في كثير من شريعة موسى ـ عليه السلام ـ وانقسموا فرقاً وشيعاً. ودعاهم إلى تقوى الله وإلى طاعته فيما جاءهم به من عند الله. وجهر بكلمة التوحيد خالصة لا مواربة فيها ولا لبس ولا غموض: {إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه}.. ولم يقل: إنه إله، ولم يقل: إنه ابن الله. ولم يشر من قريب أو بعيد إلى صلة له بربه غير صلة العبودية من جانبه والربوبية من جانب الله رب الجميع. وقال لهم: إن هذا صراط مستقيم لا التواء فيه ولا اعوجاج، ولا زلل فيه ولا ضلال. ولكن الذين جاءوا من بعده اختلفوا أحزاباً كما كان الذين من قبله مختلفين أحزاباً. اختلفوا ظالمين لا حجة لهم ولا شبهة: {فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم}.. لقد كانت رسالة عيسى عليه السلام إلى بني إسرائيل؛ وكانوا ينتظرونه ليخلصهم مما كانوا فيه من الذل تحت حكم الرومان؛ وقد طال انتظارهم له، فلما جاءهم نكروه وشاقوه، وهموا أن يصلبوه! ولقد جاء المسيح فوجدهم شيعاً ونحلا كثيرة، أهمها أربع فرق أو طوائف. طائفة الصدوقيين نسبة إلى "صدوق" وإليه وإلى أسرته ولاية الكهانة من عهد داود وسليمان. وحسب الشريعة لا بد أن يرجع نسبه إلى هارون أخي موسى. فقد كانت ذريته هي القائمة على الهيكل. وكانوا بحكم وظيفتهم واحترافهم متشددين في شكليات العبادة وطقوسها، ينكرون "البدع" في الوقت الذي يترخصون في حياتهم الشخصية ويستمتعون بملاذ الحياة؛ ولا يعترفون بأن هناك قيامة! وطائفة الفريسيين، وكانوا على شقاق مع الصدوقيين. ينكرون عليهم تشددهم في الطقوس والشكليات، وجحدهم للبعث والحساب. والسمة الغالبة على الفريسيين هي الزهد والتصوف وإن كان في بعضهم اعتزاز وتعال بالعلم والمعرفة. وكان المسيح ـ عليه السلام ـ ينكر عليهم هذه الخيلاء وشقشقة اللسان! وطائفة السامريين، وكانوا خليطاً من اليهود والأشوريين، وتدين بالكتب الخمسة في العهد القديم المعروفة بالكتب الموسوية، وتنفي ما عداها مما أضيف إلى هذه الكتب في العهود المتأخرة، مما يعتقد غيرهم بقداسته. وطائفة الآسين أو الأسينيين. وكانوا متأثرين ببعض المذاهب الفلسفية، وكانوا يعيشون في عزلة عن بقية طوائف اليهود، ويأخذون أنفسهم بالشدة والتقشف، كما يأخذون جماعتهم بالشدة في التنظيم. وهناك غير هذه الطوائف نحل شتى فردية، وبلبلة في الاعتقد والتقاليد بين بني إسرائيل، الراضخين لضغط الإمبراطورية الرومانية المستذلين المكبوتين، الذين ينتظرون الخلاص على يد المخلص المنتظر من الجميع. فلما أن جاء المسيح ـ عليه السلام ـ بالتوحيد الذي أعلنه: {إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه}. وجاء معه بشريعة التسامح والتهذيب الروحي والعناية بالقلب البشري قبل الشكليات والطقوس، حاربه المحترفون الذين يقومون على مجرد الأشكال والطقوس. ومما يؤثر عنه ـ عليه السلام ـ في هذا قوله عن هؤلاء: "إنهم يحزمون الأوقار، ويسومون الناس أن يحملوها على عواتقهم، ولا يمدون إليها إصبعاً يزحزحونها، وإنما يعملون عملهم كله لينظر الناس إليهم! يعرضون عصائبهم، ويطيلون أهداب ثيابهم، ويستأثرون بالمتكأ الأول في الولائم، والمجالس الأولى في المجامع، ويبتغون التحيات في الأسواق. وأن يقال لهم: سيدي. سيدي. حيث يذهبون!".. أو يخاطب هؤلاء فيقول: "أيها القادة العميان الذين يحاسبون على البعوضة ويبتلعون الجمل.. إنكم تنقون ظاهر الكأس والصحفة، وهما في الباطن مترعان بالرجس والدعارة.. ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراءون. إنكم كالقبور المبيضة. خارجها طلاء جميل وداخلها عظام نخرة".. وإن الإنسان ـ وهو يقرأ هذه الكلمات المأثورة عن المسيح ـ عليه السلام ـ وغيرها في بابها ـ ليكاد يتصور رجال الدين المحترفين في زماننا هذا. فهو طابع واحد مكرر. لهؤلاء الرسميين المحترفين من رجال الدين، الذين يراهم الناس في كل حين! ثم ذهب المسيح عليه السلام إلى ربه، فاختلف أتباعه من بعده. اختلفوا شيعاً وأحزاباً. بعضها يؤلهه. وبعضها ينسب لله سبحانه بنوته. وبعضها يجعل الله ثالث ثلاثة أحدها المسيح ابن مريم. وضاعت كلمة التوحيد الخالصة التي جاء بها عيسى عليه السلام. وضاعت دعوته الناس ليلجأوا إلى ربهم ويعبدوه مخلصين له الدين. {فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم}.. ثم جاء مشركو العرب يحاجون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في عيسى ـ عليه السلام ـ بما فعلته الأحزاب المختلفة من بعده، وما أحدثته حوله من أساطير! وحين يصل السياق إلى الحديث عن الظالمين، يدمج المختلفين من الأحزاب بعد عيسى ـ عليه السلام ـ مع المحاجين لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بفعل هذه الأحزاب؛ ويصور حالهم يوم القيامة في مشهد رائع طويل، يحتوي كذلك صفحة المتقين المكرمين في جنات النعيم: {هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون؟ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين}. {يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون. الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسملين. ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون. يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وأنتم فيها خالدون. وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون. لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون.} {إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون. لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون. وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين. ونادوا: يا مالك ليقض علينا ربك. قال: إنكم ماكثون.. يبدأ المشهد بوقوع الساعة فجأة وهم غافلون عنها، لا يشعرون بمقدمها: {هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون}! هذه المفاجأة تحدث حدثاً غريباً، يقلب كل ما كانوا يألفونه في الحياة الدنيا: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين}.. وإن عداء الأخلاء لينبع من معين ودادهم.. لقد كانوا في الحياة الدنيا يجتمعون على الشر، ويملي بعضهم لبعض في الضلال. فاليوم يتلاومون. واليوم يلقي بعضهم على بعض تبعة الضلال وعاقبة الشر. واليوم ينقلبون إلى خصوم يتلاحون، من حيث كانوا أخلاء يتناجون! {إلا المتقين}.. فهؤلاء مودتهم باقية فقد كان اجتماعهم على الهدى، وتناصحهم على الخير، وعاقبتهم إلى النجاة.. وبينما الأخلاء يتلاحون ويختصمون، يتجاوب الوجود كله بالنداء العلوي الكريم للمتقين: {يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون. الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين. ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون}.. أي تسرون سروراً يشيع في أعطافكم وقسماتكم فيبدو عليكم الحبور. ثم نشهد ـ بعين الخيال ـ فإذا صحاف من ذهب وأكواب يطاف بها عليهم. وإذا لهم في الجنة ما تشتهيه الأنفس. وفوق شهوة النفوس التذاذ العيون، كمالاً وجمالاً في التكريم: {يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب. وفيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين}.. ومع هذا النعيم. ما هو أكبر منه وأفضل. التكريم بالخطاب من العلي الكريم: {وأنتم فيها خالدون. وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون. لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون..} فما بال المجرمين الذين تركناهم منذ هنيهة يتلاحون ويختصمون؟ {إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون}.. وهو عذاب دائم، وفي درجة شديدة عصيبة. لا يفتر لحظة، ولا يبرد هنيهة. ولا تلوح لهم فيه بارقة من أمل في الخلاص، ولا كوة من رجاء بعيد. فهم فيه يائسون قانطون: {لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون}.. كذلك فعلوا بأنفسهم، وأوردوها هذا المورد الموبق، ظالمين غير مظلومين: {وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين}.. ثم تتناوح في الجو صيحة من بعيد. صيحة تحمل كل معاني اليأس والكرب والضيق: {ونادوا: يا مالك. ليقض علينا ربك}.. إنها صيحة متناوحة من بعد سحيق. من هناك من وراء الأبواب الموصدة في الجحيم. إنها صيحة أولئك المجرمين الظالمين. إنهم لا يصيحون في طلب النجاة ولا في طلب الغوث. فهم مبلسون يائسون. إنما يصيحون في طلب الهلاك. الهلاك السريع الذي يريح.. وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا!.. وإن هذا النداء ليلقي ظلاً كثيفاً للكرب والضيق. وإننا لنكاد نرى من وراء صرخة الاستغاثة نفوساً أطار صوابها العذاب، وأجساماً تجاوز الألم بها حد الطاقة، فانبعثت منها تلك الصيحة المريرة: {يا مالك. ليقض علينا ربك}! ولكن الجواب يجيء في تيئيس وتخذيل، وبلا رعاية ولا اهتمام: {قال: إنكم ماكثون}! فلا خلاص ولا رجاء ولا موت ولا قضاء.. إنكم ماكثون! وفي ظل هذا المشهد الكامد المكروب يخاطب هؤلاء الكارهين للحق، المعرضين عن الهدى، الصائرين إلى هذا المصير؛ ويعجب من أمرهم على رؤوس الأشهاد، في أنسب جو للتحذير والتعجيب. {لقد جئناكم بالحق، ولكن أكثركم للحق كارهون. أم أبرموا أمراً؟ فإنا مبرمون. أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم؟ بلى ورسلنا لديهم يكتبون}.. وكراهة الحق هي التي كانت تحول بينهم وبين اتباعه، لا عدم إدراك أنه الحق، ولا الشك في صدق الرسول الكريم؛ فما عهدوا عيله كذباً قط على الناس، فكيف يكذب على الله ويدعي عليه ما يدعيه؟ والذين يحاربون الحق لا يجهلون في الغالب أنه الحق، ولكنهم يكرهونه، لأنه يصادم أهواءهم، ويقف في طريق شهواتهم، وهم أضعف من أن يغالبوا أهواءهم وشهواتهم؛ ولكنهم أجرأ على الحق وعلى دعاته! فمن ضعفهم تجاه الأهواء والشهوات يستمدون القوة على الحق والاجتراء على الدعاة! لهذا يهددهم صاحب القوة والجبروت، العليم بما يسرون وما يمكرون: {أم أبرموا أمراً؟ فإنا مبرمون. أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم؟ بلى ورسلنا لديهم يكتبون}.. فإصرارهم على الباطل في وجه الحق يقابله أمر اله الجازم وإرادته بتمكين هذا الحق وتثبيته. وتدبيرهم ومكرهم في الظلام يقابله علم الله بالسر والنجوى. والعاقبة معروفة حين يقف الخلق الضعاف القاصرون، أمام الخالق العزيز العليم. ويتركهم بعد هذا التهديد المرهوب، ويوجه رسوله الكريم، إلى قول يقوله لهم. ثم يدعهم من بعده لمصيرهم الذي شهدوا صورته منذ قليل: {قل: إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين. سبحان رب السماوات والأرض. رب العرش عما يصفون. فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون}.. لقد كانوا يعبدون الملائكة بزعم أنهم بنات الله. ولو كان لله ولد لكان أحق أحد بعبادته، وبمعرفة ذلك، نبي الله ورسوله، فهو منه قريب، وهو أسرع إلى طاعة الله وعبادته، وتوقير ولده إن كان له ولد كما يزعمون! ولكنه لا يعبد إلا الله. فهذا في ذاته دليل على أن ما يزعمونه من بنوة أحد لله لا أصل له، ولا سند ولا دليل! تنزه الله وتعالى عن ذلك الزعم الغريب! {سبحان رب السماوات والأرض. رب العرش. عما يصفون}.. وحين يتأمل الإنسان هذه السماوات والأرض، ونظامها، وتناسقها، ومدى ما يكمن وراء هذا النظام من عظمة وعلو. ومن سيطرة واستعلاء. يشير إلى هذا كله قوله: {رب العرش}.. يصغر في نفسه كل وهم وكل زعم من ذلك القبيل. ويدرك بفطرته أن صانع هذا كله لا يستقيم في الفطرة أن يكون له شبه ـ أي شبه ـ بالخلق. الذين يلدون وينسلون! ومن ثم يبدو مثل ذلك القول لهواً ولعباً؛ وخوضاً وتقحماً؛ لا يستحق شىء منه المناقشة والجدل؛ إنما يستحق الإهمال أو التحذير: {فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون}.. والذي شهدوا صورة منه يوم يكون! ثم يمضي ـ بعد الإعراض عنهم وإهمالهم ـ في تمجيد الخالق وتوحيده بما يليق بربوبيته للسماوات والأرض والعرش العظيم: {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله. وهو الحكيم العليم. وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما، وعنده علم الساعة، وإليه ترجعون. ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون}.. وهو تقرير الألوهية الواحدة في السماء وفي الأرض، والتفرد بهذه الصفة لا يشاركه فيها مشارك. مع الحكمة فيما يفعل. والعلم المطلق بهذا الملك العريض. ثم تمجيد لله وتعظيم في لفظ {تبارك} أي تعاظم الله وتسامى عما يزعمون ويتصورون. وهو {رب السماوات والأرض وما بينهما}. وهو الذي يعلم وحده علم الساعة وإليه المرجع والمآب. ويومذاك لا أحد ممن يدعونهم أولاداً أو شركاء يملك أن يشفع لأحد منهم ـ كما كانوا يزعمون أنهم يتخذونهم شفعاء عند الله. فإنه لا شفاعة إلا لمن شهد بالحق، وآمن به. ومن يشهد بالحق لا يشفع في من جحده وعاداه! ثم يواجههم بمنطق فطرتهم، وبما لا يجادلون فيه ولا يشكون، وهو أن الله خالقهم. فكيف حينئذ يشركون معه أحداً في عبادته، أو يتوقعون من أحد شفاعة عنده لمن أشرك به: {ولئن سألتهم من خلقهم؟ ليقولن الله. فأنى يؤفكون}؟ وكيف يصرفون عن الحق الذي تشهد به فطرتهم ويحيدون عن مقتضاه المنطقي المحتوم؟ وفي ختام السورة يعظم من أمر اتجاه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لربه، يشكو إليه كفرهم وعدم إيمانهم. فيبرزه ويقسم به: {وقيله. يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون}.. وهو تعبير خاص ذو دلالة وإيحاء بمدى عمق هذا القول، ومدى الاستماع له، والعناية به، والرعاية من الله سبحانه والاحتفال. ويجيب عليه ـ في رعاية ـ بتوجيه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الصفح والإعراض، وعدم الاحتفال والمبالاة. والشعور بالطمأنينة. ومواجهة الأمر بالسلام في القلب والسماحة والرضاء. وذلك مع التحذير الملفوف للمعرضين المعاندين، مما ينتظرهم يوم ينكشف المستور: {فاصفح عنهم، وقل سلام. فسوف يعلمون}.. تفسير : لقد كانت قريش تقول: إنها من ذرية إبراهيم ـ وهذا حق ـ وإنها على ملة إبراهيم ـ وهذا ما ليس بحق ـ فقد أعلن إبراهيم كلمة التوحيد قوية واضحة، لا لبس فيها ولا غموض؛ ومن أجلها هجر أباه وقومه بعد ما تعرض للقتل والتحريق؛ وعليها قامت شريعته، وبها أوصى ذريته. فلم يكن للشرك فيها ظل ولا خيط رفيع! وفي هذا الشوط من السورة يردهم إلى هذه الحقيقة التاريخية، ليعرضوا عليها دعواهم التي يدعون.. ثم يحكي اعتراضهم على رسالة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقولهم:{لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}.. ويناقش قولتهم هذه، وما تنطوي عليه من خطأ في تقدير القيم الأصيلة التي أقام الله عليها الحياة، والقيم الزائفة التي تخايل لهم وتصدهم عن الحق والهدى.. وعقب تقرير الحقيقة في هذه القضية يطلعهم على عاقبة المعرضين عن ذكر الله بعد أن يطلعهم على علة هذا العمى وهو من وسوسة الشيطان.. ويلتفت في نهاية هذا الدرس إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسليه ويؤسيه عن إعراضهم وعماهم، فما هو بهادي العمي أو مسمع الصم؛ وسيلقون جزاءهم سواء شهد انتقام الله منهم، أو أخره الله عنهم. ويوجهه إلى الاستمساك بما أوحى إليه فإنه الحق، الذي جاء به الرسل أجمعون. فكلهم جاءوا بكلمة التوحيد: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا: أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون؟}.. ثم يعرض من قصة موسى ـ عليه السلام ـ حلقة تمثل هذا الواقع من العرب مع رسولهم. وكأنما هي نسخة مكررة تحوي ذات الاعتراضات التي يعترضونها، وتحكي اعتزاز فرعون وملئه بذات القيم التي يعتز بها المشركون.. {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه: إنني براء مما تعبدون، إلا الذي فطرني فإنه سيهدين. وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون}.. إن دعوة التوحيد التي يتنكرون لها هي دعوة أبيهم إبراهيم. الدعوة التي واجه بها أباه وقومه مخالفاً بها عقيدتهم الباطلة، غير منساق وراء عبادتهم الموروثة، ولا مستمسك بها لمجرد أنه وجد أباه وقومه عليها؛ بل لم يجاملهم في إعلان تبرئه المطلق منه في لفظ واضح صريح، يحكيه القرآن الكريم بقوله: {إنني براء مما تعبدون، إلا الذي فطرني فإنه سيهدين}.. ويبدو من حديث إبراهيم ـ عليه السلام ـ وتبرئه مما يعبدون إلا الذي فطره أنهم لم يكونوا يكفرون ويجحدون وجود الله أصلاً؛ إنما كانوا يشركون به ويعبدون معه سواه، فتبرأ من كل ما يعبدون، واستثنى الله؛ ووصفه بصفته التي تستحق العبادة ابتداء، وهو أنه فطره وأنشأه، فهو الحقيق بالعبادة بحكم أنه الموجد. وقرر يقينه بهداية ربه له، بحكم أنه هو الذي فطره؛ فقد فطره ليهديه؛ وهو أعلم كيف يهديه. قال إبراهيم هذه الكلمة التي تقوم بها الحياة. كلمة التوحيد التي يشهد بها الوجود. قالها: {وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون}.. ولقد كان لإبراهيم ـ عليه السلام ـ أكبر قسط في إقرار هذه الكلمة في الأرض، وإبلاغها إلى الأجيال من بعده، عن طريق ذريته وعقبه. ولقد قام بها من بنيه رسل، كان منهم ثلاثة من أولي العزم: موسى وعيسى ومحمد خاتم الرسل ـ عليهم صلوات الله وسلامه ـ واليوم بعد عشرات القرون يقوم في الأرض أكثر من ألف مليون، من أتباع الديانات الكبرى يدينون بكلمة التوحيد لأبيهم إبراهيم، الذي جعل هذه الكلمة باقية في عقبه، يضل منهم عنها من يضل، ولكنها هي باقية لا تضيع، ثابتة لا تتزعزع، واضحة لا يتلبس بها الباطل {لعلهم يرجعون}.. يرجعون إلى الذي فطرهم فيعرفوه ويعبدوه. ويرجعون إلى الحق الواحد فيدركوه ويلزموه. ولقد عرفت البشرية كلمة التوحيد قبل إبراهيم. ولكن هذه الكلمة لم تستقر في الأرض إلا من بعد إبراهيم. عرفتها على لسان نوح وهود وصالح وربما إدريس، وغيره من الرسل الذين لم يتصل لهم عقب يقوم على هذه الكلمة، ويعيش بها، ولها. فلما عرفتها على لسان إبراهيم ظلت متصلة في أعقابه؛ وقام عليها من بعده رسل متصلون لا ينقطعون، حتى كان ابنه الأخير من نسل إسماعيل، وأشبه أبنائه به: محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ خاتم الرسل، وقائل كلمة التوحيد في صورتها الأخيرة الكاملة الشاملة، التي تجعل الحياة كلها تدور حول هذه الكلمة، وتجعل لها أثراً في كل نشاط للإنسان وكل تصور. فهذه هي قصة التوحيد منذ أبيهم إبراهيم الذي ينتسبون إليه؛ وهذه هي كلمة التوحيد التي جعلها إبراهيم باقية في عقبه. هذه هي تأتي إلى هذا الجيل على لسان واحد من عقب إبراهيم فكيف يستقبلها من ينتسبون إلى إبراهيم، وملة إبراهيم؟ لقد بعد بهم العهد؛ ومتعهم الله جيلاً بعد جيل، حتى طال عليهم العمر، ونسوا ملة إبراهيم، وأصبحت كلمة التوحيد فيهم غريبة منكرة، واستقبلوا صاحبها أسوأ استقبال وقاسوا الرسالة السماوية بالمقاييس الأرضية، فاختل في أيديهم كل ميزان: {بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين. ولما جاءهم الحق قالوا: هذا سحر وإنا به كافرون. وقالوا: لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم! أهم يقسمون رحمة ربك؟ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا، ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات، ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً، ورحمة ربك خير مما يجمعون. ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون، ولبيوتهم أبواباً وسرراً عليها يتكئون، وزخرفاً، وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا؛ والآخرة عند ربك للمتقين}.. يُضْرب السياق عن حديث إبراهيم، ويلتفت إلى القوم الحاضرين: {بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين}.. وكأنه بهذا الإضراب يقول: لندع حديث إبراهيم، فما لهم به صلة ولا مناسبة؛ ولننظر في شأن هؤلاء وهو لا يتصل بشأن إبراهيم.. إن هؤلاء وآباءهم من قبلهم، قد هيأت لهم المتاع ومددت لهم في الأجل، حتى جاءهم الحق في هذا القرآن، وجاءهم رسول مبين، يعرض عليهم هذا الحق في وضوح وتبيين: {ولما جاءهم الحق قالوا: هذا سحر، وإنا به كافرون}.. ولا يختلط الحق بالسحر. فهو واضح بين، وإنما هي دعوى، كانوا هم أول من يعرف بطلانها. فما كان كبراء قريش ليغيب عنهم أنه الحق؛ ولكنهم كانوا يخدعون الجماهير من خلفهم، فيقولون: إنه سحر، ويعلنون كفرهم به على سبيل التوكيد، يقولون: {وإنا به كافرون} ليلقوا في روع الجماهير أنهم واثقون مما يقولون؛ فيتبعوهم عن طريق الإيحاء والانقياد. شأن الملأ من كل قوم، في التغرير بالجماهير، خيفة أن يفلتوا من نفوذهم، ويهتدوا إلى كلمة التوحيد التي يسقط معها كل كبير، ولا يعبد ويتقى إلا الله العلي الكبير! ثم يحكي القرآن تخليطهم في القيم والموازين؛ وهم يعترضون على اختيار الله لمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليحمل إليهم الحق والنور: {وقالوا: لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}!.. يقصدون بالقريتين مكة والطائف. ولقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من ذؤابة قريش، ثم من ذؤابة بني هاشم. وهم في العلية من العرب. كما كان شخصه ـ صلى الله عليه وسلم ـ معروفاً بسمو الخلق في بيئته قبل بعثته. ولكنه لم يكن زعيم قبيلة، ولا رئيس عشيرة، في بيئته تعتز بمثل هذه القيم القبلية. وهذا ما قصد إليه المعترضون بقولهم: {لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}! والله أعلم حيث يجعل رسالته. ولقد اختار لها من يعلم أنه لها أهل. ولعله ـ سبحانه ـ لم يشأ أن يجعل لهذه الرسالة سنداً من خارج طبيعتها، ولا قوة من خارج حقيقتها؛ فاختار رجلاً ميزته الكبرى.. الخلق.. وهو من طبيعة هذه الدعوة.. وسمته البارزة.. التجرد.. وهو من حقيقة هذه الدعوة.. ولم يختره زعيم قبيلة، ولا رئيس عشيرة، ولا صاحب جاه، ولا صاحب ثراء. كي لا تلتبس قيمة واحدة من قيم هذه الأرض بهذه الدعوة النازلة من السماء. ولكي لا تزدان هذه الدعوة بحلية من حلى هذه الأرض ليست من حقيقتها في شيء. ولكي لا يكون هناك مؤثر مصاحب لها خارج عن ذاتها المجردة. ولكي لا يدخلها طامع ولا يتنزه عنها متعفف. ولكن القوم الذين غلب عليهم المتاع، والذين لم يدركوا طبيعة دعوة السماء، راحوا يعترضون ذلك الاعتراض. {لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}! فرد عليهم القرآن مستنكراً هذا الاعتراض على رحمة الله، التي يختار لها من عباده من يشاء؛ وعلى خلطهم بين قيم الأرض وقيم السماء؛ مبيناً لهم عن حقيقة القيم التي يعتزون بها، ووزنها الصحيح في ميزان الله: {أهم يقسمون رحمة ربك؟ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا، ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات، ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً، ورحمة ربك خير مما يجمعون}.. أهم يقسمون رحمة ربك؟ يا عجباً! وما لهم هم ورحمة ربك؟ وهم لا يملكون لأنفسهم شيئاً، ولا يحققون لأنفسهم رزقاً حتى رزق هذه الأرض الزهيد نحن أعطيناهم إياه؛ وقسمناه بينهم وفق حكمتنا وتقديرنا لعمران هذه الأرض ونمو هذه الحياة. {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً}.. ورزق المعاش في الحياة الدنيا يتبع مواهب الأفراد، وظروف الحياة، وعلاقات المجتمع. وتختلف نسب التوزيع بين الأفراد والجماعات وفق تلك العوامل كلها. تختلف من بيئة لبيئة، ومن عصر لعصر، ومن مجتمع لمجتمع، وفق نظمه وارتباطاته وظروفه العامة كلها. ولكن السمة الباقية فيه، والتي لم تتخلف أبداً ـ حتى في المجتمعات المصطنعة المحكومة بمذاهب موجهة للإنتاج وللتوزيع ـ أنه متفاوت بين الأفراد. وتختلف أسباب التفاوت ما تختلف بين أنواع المجتمعات وألوان النظم. ولكن سمة التفاوت في مقادير الرزق لا تتخلف أبداً. ولم يقع يوماً ـ حتى في المجتمعات المصطنعة المحكومة بمذاهب موجهة ـ أن تساوى جميع الأفراد في هذا الرزق أبداً: {ورفعنا بعضهم فوق بعضه درجات}.. والحكمة في هذا التفاوت الملحوظ في جميع العصور، وجميع البيئات، وجميع المجتمعات هي: {ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً}.. ليسخر بعضهم بعضاً.. ودولاب الحياة حين يدور يسخر بعض الناس لبعض حتما. وليس التسخير هو الاستعلاء.. استعلاء طبقة على طبقة، أو استعلاء فرد على فرد.. كلا! إن هذا معنى قريب ساذج، لا يرتفع إلى مستوى القول الإلهي الخالد. كلا! إن مدلول هذا القول أبقى من كل تغير أو تطور في أوضاع الجماعة البشرية؛ وأبعد مدى من ظرف يذهب وظرف يجيء.. إن كل البشر مسخر بعضهم لبعض. ودولاب الحياة يدور بالجميع، ويسخر بعضهم لبعض في كل وضع وفي كل ظرف. المقدر عليه في الرزق مسخر للمبسوط له في الرزق. والعكس كذلك صحيح. فهذا مسخر ليجمع المال، فيأكل منه ويرتزق ذاك. وكلاهما مسخر للآخر سواء بسواء. والتفاوت في الرزق هو الذي يسخر هذا لذاك، ويسخر ذاك لهذا في دورة الحياة.. العامل مسخر للمهندس ومسخر لصاحب العمل. والمهندس مسخر للعامل ولصاحب العمل. وصاحب العمل مسخر للمهندس وللعامل على السواء.. وكلهم مسخرون للخلافة في الأرض بهذا التفاوت في المواهب والاستعدادات، والتفاوت في الأعمال والأرزاق.. وأحسب أن كثيرين من دعاة المذاهب الموجهة يتخذون من هذه الآية موضع هجوم على الإسلام ونظمه الاجتماعية والاقتصادية. وأحسب أن بعض المسلمين يقفون يجمجمون أمام هذا النص، كأنما يدفعون عن الإسلام تهمة تقرير الفوارق في الرزق بين الناس، وتهمة تقرير أن الناس يتفاوتون في الرزق ليتخذ بعضهم بعضاً سخريا! وأحسب أنه قد آن لأهل الإسلام أن يقفوا بإسلامهم مواجهة وصراحة موقف الاستعلاء المطلق، لا موقف الدفاع أمام اتهام تافه! إن الإسلام يقرر الحقائق الخالدة المركوزة في فطرة هذا الوجود؛ الثابتة ثبات السماوات والأرض ونواميسها التي لا تختل ولا تتزعزع. وطبيعة هذه الحياة البشرية قائمة على أساس التفاوت في مواهب الأفراد والتفاوت فيما يمكن أن يؤديه كل فرد من عمل؛ والتفاوت في مدى اتقان هذا العمل. وهذا التفاوت ضروري لتنوع الأدوار المطلوبة للخلافة في هذه الأرض. ولو كان جميع الناس نسخاً مكرورة ما أمكن أن تقوم الحياة في هذه الأرض بهذه الصورة. ولبقيت أعمال كثيرة جداً لا تجد لها مقابلاً من الكفايات، ولا تجد من يقوم بها ـ والذي خلق الحياة وأراد لها البقاء والنمو، خلق الكفايات والاستعدادات متفاوتة تفاوت الأدوار المطلوب أداؤها. وعن هذا التفاوت في الأدوار يتفاوت الرزق.. هذه هي القاعدة.. أما نسبة التفاوت في الرزق فقد تختلف من مجتمع إلى مجتمع، ومن نظام إلى نظام. ولكنها لا تنفي القاعدة الفطرية المتناسقة مع طبيعة الحياة الضرورية لنمو الحياة. ومن ثم لم يستطع أصحاب المذاهب المصطنعة المتكلفة أن يساووا بين أجر العامل وأجر المهندس، ولا بين أجر الجندي وأجر القائد. على شدة ما حاولوا أن يحققوا مذهبهم. وهزموا أمام الناموس الإلهي الذي تقرره هذه الآية من كلام الله. وهي تكشف عن سنة ثابتة من سنن الحياة. ذلك شأن الرزق والمعاش في هذه الحياة الدنيا. ووراء ذلك رحمة الله: {ورحمة ربك خير مما يجمعون}.. والله يختار لها من يشاء، ممن يعلم أنهم لها أهل. ولا علاقة بينها وبين عرض الحياة الدنيا؛ ولا صلة لها بقيم هذه الحياة الدنيا. فهذه القيم عند الله زهيدة زهيدة. ومن ثم يشترك فيها الأبرار والفجار، وينالها الصالحون والطالحون. بينما يختص برحمته المختارين. وإن قيم هذه الأرض لمن الزهادة والرخص بحيث ـ لو شاء الله ـ لأغدقها إغداقاً على الكافرين به. ذلك إلا أن تكون فتنة للناس، تصدهم عن الإيمان بالله: {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون. ولبيوتهم أبواباً وسرراً عليها يتكئون. وزخرفاً. وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا. والآخرة عند ربك للمتقين}.. فهكذا ـ لولا أن يفتتن الناس. والله أعلم بضعفهم وتأثير عرض الدنيا في قلوبهم ـ لجعل لمن يكفر بالرحمن صاحب الرحمة الكبيرة العميقة ـ بيوتاً سقفها من فضة، وسلالمها من ذهب. بيوتاً ذات أبواب كثيرة. قصورا. فيها سرر للاتكاء، وفيها زخرف للزينة.. رمزاً لهوان هذه الفضة والذهب والزخرف والمتاع؛ بحيث تبذل هكذا رخيصة لمن يكفر بالرحمن! {وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا}.. متاع زائل، لا يتجاوز حدود هذه الدنيا. ومتاع زهيد يليق بالحياة الدنيا. {والآخرة عند ربك للمتقين}.. وهؤلاء هم المكرمون عند الله بتقواهم؛ فهو يدخر لهم ما هو أكرم وأبقى؛ ويؤثرهم بما هو أقوم وأغلى. ويميزهم على من يكفر بالرحمن، ممن يبذل لهم من ذلك المتاع الرخيص ما يبذله للحيوان! وإن عرض الحياة الدنيا الذي ضرب الله له بعض الأمثال من المال والزينة والمتاع ليفتن الكثيرين. وأشد الفتنة حين يرونه في أيدي الفجار، ويرون أيادي الأبرار منه خالية؛ أو يرون هؤلاء في عسر أو مشقة أو ابتلاء، وأولئك في قوة وثروة وسطوة واستعلاء. والله يعلم وقع هذه الفتنة في نفوس الناس. ولكنه يكشف لهم عن زهادة هذه القيم وهوانها عليه؛ ويكشف لهم كذلك عن نفاسة ما يدخره للأبرار الأتقياء عنده. والقلب المؤمن يطمئن لاختيار الله للأبرار وللفجار. وأولئك الذين كانوا يعترضون على اختيار الله لرجل لم يؤت شيئاً من عرض هذه الحياة الدنيا؛ ويقيسون الرجال بما يملكون من رياسة، أو بما يملكون من مال. يرون هذه الآيات هوان هذه الأعراض وزهادتها عند الله. وأنها مبذولة لشر خلق الله وأبغضهم عند الله. فهي لا تدل على قربى منه ولا تنبئ عن رضى، ولا تشي باختيار! وهكذا يضع القرآن الأمور في نصابها؛ ويكشف عن سنن الله في توزيع الأرزاق في الدنيا والآخرة؛ ويقرر حقيقة القيم كما هي عند الله ثابتة. وذلك في صدد الرد على المعترضين على رسالة محمد؛ واختياره. واطراح العظماء المتسلطين! وهكذا يرسي القواعد الأساسية والحقائق الكلية التي لا تضطرب ولا تتغير؛ ولا تؤثر فيها تطورات الحياة، واختلاف النظم، وتعدد المذاهب، وتنوع البيئات. فهناك سنن للحياة ثابتة، تتحرك الحياة في مجالها؛ ولكنها لا تخرج عن إطارها. والذين تشغلهم الظواهر المتغيرة عن تدبر الحقائق الثابتة، لا يفطنون لهذا القانون الإلهي، الذي يجمع بين الثبات والتغير، في صلب الحياة وفي أطوار الحياة؛ ويحسبون أن التطور والتغير، يتناول حقائق الأشياء كما يتناول أشكالها. ويزعمون أن التطور المستمر يمتنع معه أن تكون هناك قواعد ثابتة لأمر من الأمور؛ وينكرون أن يكون هناك قانون ثابت غير قانون التطور المستمر. فهذا هو القانون الوحيد الذي يؤمنون بثباته! فأما نحن ـ أصحاب العقيدة الإسلامية ـ فنرى في واقع الحياة مصداق ما يقرره الله من وجود الثبات والتغير متلازمين في كل زاوية من زوايا الكون، وفي كل جانب من جوانب الحياة. وأقرب ما بين أيدينا من هذا التلازم ثبات التفاوت في الرزق بين الناس، وتغير نسب التفاوت وأسبابه في النظم والمجتمعات.. وهذا التلازم مطرد في غير هذا المثال. ولما بين زهادة أعراض الحياة الدنيا وهوانها على الله؛ وأن ما يعطاه الفجار منها لا يدل على كرامة لهم عند الله، ولا يشير إلى فلاح؛ وأن الآخرة عند ربك للمتقين، استطراد يبين مصير أولئك الذين قد ينالون تلك الأعراض، وهم عمي عن ذكر الله، منصرفون عن الطاعات التي تؤهلهم لرزق الآخرة المعد للمتقين: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيّض له شيطاناً فهو له قرين. وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون. حتى إذا جاءنا قال: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين. فبئس القرين. ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون}.. والعشى كلال البصر عن الرؤية، وغالباً ما يكون عند مواجهة الضوء الساطع الذي لا تملك العين أن تحدق فيه؛ أو عند دخول الظلام وكلال العين الضعيفة عن التبين خلاله. وقد يكون ذلك لمرض خاص. والمقصود هنا هو العماية والإعراض عن تذكر الرحمن واستشعار وجوده ورقابته في الضمير. {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيّض له شيطاناً فهو له قرين}.. وقد قضت مشيئة الله في خلقة الإنسان ذلك. واقتضت أنه حين يغفل قلبه عن ذكر الله يجد الشيطان طريقه إليه، فيلزمه، ويصبح له قرين سوء يوسوس له، ويزين له السوء. وهذا الشرط وجوابه هنا في الآية يعبران عن هذه المشيئة الكلية الثابتة، التي تتحقق معها النتيجة بمجرد تحقق السبب، كما قضاه الله في علمه. ووظيفة قرناء السوء من الشياطين أن يصدوا قرناءهم عن سبيل الله، بينما هؤلاء يحسبون أنهم مهتدون: {وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون}.. وهذا أسوأ ما يصنعه قرين بقرين. أن يصده عن السبيل الواحدة القاصدة؛ ثم لا يدعه يفيق، أو يتبين الضلال فيثوب؛ إنما يوهمه أنه سائر في الطريق القاصد القويم! حتى يصطدم بالمصير الأليم. والتعبير بالفعل المضارع: {ليصدونهم}.. {ويحسبون}.. يصور العملية قائمة مستمرة معروضة للأنظار؛ يراها الآخرون، ولا يراها الضالون السائرون إلى الفخ وهم لا يشعرون. ثم تفاجئهم النهاية وهم سادرون: {حتى إذا جاءنا قال: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين. فبئس القرين}! وهكذا ننتقل في ومضة من هذه الدنيا إلى الآخرة. ويطوى شريط الحياة السادرة، ويصل العمي (الذين يعشون عن ذكر الرحمن) إلى نهاية المطاف فجأة على غير انتظار. هنا يفيقون كما يفيق المخمور، ويفتحون أعينهم بعد العشى والكلال؛ وينظر الواحد منهم إلى قرين السوء الذي زين له الضلال، وأوهمه أنه الهدى! وقاده في طريق الهلاك، وهو يلوح له بالسلامة! ينظر إليه في حنق يقول: {يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين}! يا ليته لم يكن بيننا لقاء. على هذا البعد السحيق! ويعقب القرآن على حكاية قول القرين الهالك للقرين بقوله: {فبئس القرين}! ونسمع كلمة التيئيس الساحقة لهذا وذاك عند إسدال الستار على الجميع: {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون}! فالعذاب كامل لا تخففه الشركة، ولا يتقاسمه الشركاء فيهون! عندئذ ينصرف عن هؤلاء، في مشهدهم البائس الكئيب؛ ويدعهم يتلاومون ويتشاتمون. ويتجه بالخطاب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسليه عن هذا المصير البائس الذي انتهى إليه فريق من البشر؛ ويعزيه عن إعراضهم عنه وكفرهم بما جاء به؛ويثبته على الحق الذي اوحى إليه؛ وهو الحق الثابت المطرد من قديم، في رسالة كل رسول: {أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين؟ فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون. أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون. فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم. وإنه لذكر لك ولقومك، وسوف تسألون. واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا: أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون؟}.. وهذا المعنى يتكرر في القرآن تسلية لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبياناً لطبيعة الهدى والضلال، ورجعهما إلى مشيئة الله وتقديره وحده؛ وإخراجهما من نطاق وظيفة الرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ ووضع حدود فاصلة بين مجال القدرة الإنسانية المحدودة في أعلى درجاتها عند مرتقى النبوة، ومجال القدرة الإلهية الطليقة؛ وتثبيت معنى التوحيد في صورة من أدق صوره، وفي موضع من ألطف مواضعه: {أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين}.. وهم ليسوا صماً ولا عمياً، ولكنهم كالصم والعمي في الضلال، وعدم الانتفاع بالدعاء إلى الهدى، والإشارة إلى دلائله. ووظيفة الرسول أن يُسمع من يَسمع، وأن يهدي من يبصر. فإذا هم عطلوا جوارحهم، وطمسوا منافذ قلوبهم وأرواحهم. فما للرسول إلى هداهم من سبيل؛ ولا عليه من ضلالهم، فقد قام بواجبه الذي يطيق. والله يتولى الأمر بعد أداء الرسول لواجبه المحدود: {فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون. أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون}.. والأمر لا يخرج عن هذين الحالين. فإذا ذهب الله بنبيه فسيتولى هو الانتقام من مكذبيه. وإذا قدر له الحياة حتى يتحقق ما أنذرهم به، فالله قادر على تحقيق النذير، وهم ليسوا له بمعجزين. ومرد الأمر إلى مشيئة الله وقدرته في الحالين، وهو صاحب الدعوة. وما الرسول إلا رسول. {فاستمسك بالذي أوحي إليك. إنك على صراط مستقيم}.. واثبت على ما أنت فيه، وسر في طريقك لا تحفل ما كان منهم وما يكون. سر في طريقك مطمئن القلب. {إنك على صراط مستقيم}.. لا يلتوي بك ولا ينحرف ولا يحيد. وهذه العقيدة متصلة بحقيقة الكون الكبرى، متناسقة مع الناموس الكلي الذي يقوم عليه هذا الوجود. فهي مستقيمة معه لا تنفرج عنه ولا تنفصل. وهي مؤدية بصاحبها إلى خالق هذا الوجود، على استقامة تؤمن معها الرحلة في ذلك الطريق! والله ـ سبحانه ـ يثبت رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بتوكيد هذه الحقيقة. وفيها تثبيت كذلك للدعاة من بعده، مهما لاقوا من عنت الشاردين عن الطريق! {وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون}.. ونص هذه الآية هنا يحتمل أحد مدلولين: أن هذا القرآن تذكير لك ولقومك تسألون عنه يوم القيامة، فلا حجة بعد التذكير. أو أن هذا القرآن يرفع ذكرك وذكر قومك. وهذا ما حدث فعلاً.. فأما الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإن مئات الملايين من الشفاه تصلي وتسلم عليه، وتذكره ذكر المحب المشتاق آناء الليل وأطراف النهار منذ قرابة ألف وأربع مئة عام. ومئات الملايين من القلوب تخفق بذكره وحبه منذ ذلك التاريخ البعيد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وأما قومه فقد جاءهم هذا القرآن والدنيا لا تحس بهم، وإن أحست اعتبرتهم على هامش الحياة. وهو الذي جعل لهم دورهم الأكبر في تاريخ هذه البشرية. وهو الذي واجهوا به الدنيا فعرفتهم ودانت لهم طوال الفترة التي استمسكوا فيها به. فلما أن تخلوا عنه أنكرتهم الأرض، واستصغرتهم الدنيا؛ وقذفت بهم في ذيل القافلة هناك، بعد أن كانوا قادة الموكب المرموقين! وإنها لتبعة ضخمة تسأل عنها الأمة التي اختارها الله لدينه، واختارها لقيادة القافلة البشرية الشاردة، إذا هي تخلت عن الأمانة: {وسوف تسألون}.. وهذا المدلول الأخير أوسع وأشمل. وأنا إليه أميل. {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا: أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون؟}.. والتوحيد هو أساس دين الله الواحد منذ أقدم رسول. فعلام يرتكن هؤلاء الذين يجعلون من دون الرحمن آلهة يعبدون؟ والقرآن يقرر هذه الحقيقة هنا في هذه الصورة الفريدة.. صورة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسأل الرسل قبله عن هذه القضية: {أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون؟} وحول هذا السؤال ظلال الجواب القاطع من كل رسول. وهي صورة طريفة حقاً. وهو أسلوب موح شديد التأثير في القلوب. وهناك أبعاد الزمان والمكان بين الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والرسل قبله. وهناك أبعاد الموت والحياة وهي أكبر من أبعاد الزمان والمكان.. ولكن هذه الأبعاد كلها تتلاشى هنا أمام الحقيقة الثابتة المطردة. حقيقة وحدة الرسالة المرتكزة كلها على التوحيد. وهي كفيلة أن تبرز وتثبت حيث يتلاشى الزمان والمكان والموت والحياة وسائر الظواهر المتغيرة؛ ويتلاقى عليها الأحياء والأموات على مدار الزمان متفاهمين متعارفين.. وهذه هي ظلال التعبير القرآني اللطيف العجيب.. على أنه بالقياس إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإخوانه من الرسل مع ربهم لا يبقى شىء بعيد وآخر قريب. فهناك دائماً تلك اللحظة اللدنية التي تزال فيها الحواجز وترتفع فيها السدود، وتتجلى الحقيقة الكلية عارية من كل ستار. حقيقة النفس وحقيقة الوجود كله وأهل هذا الوجود. تتجلى وحدة متصلة، وقد سقط عنها حاجز الزمان وحاجز المكان وحاجز الشكل والصورة. وهنا يسأل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويجاب، بلا حاجز ولا حجاب. كما وقع في ليلة الإسراء والمعراج. وإنه ليحسن في مثل هذه المواطن ألا نعتد كثيراً بالمألوف في حياتنا. فهذا المألوف ليس هو القانون الكلي. ونحن لا ندرك من هذا الوجود إلا بعض ظواهره وبعض آثاره، حين نهتدي إلى طرف من قانونه. وهناك حجب من تكويننا ذاته ومن حواسنا وما نرتبه عليها من مألوفات. فأما اللحظة التي تتجرد فيها النفس من هذه العوائق والحجب فيكون لقاء الحقيقة المجردة للإنسان بالحقيقة المجردة لأي شىء آخر أمراً أيسر من لمس الأجسام للأجسام! وفي سياق تسلية الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عما يعترض به المعترضون من كبراء قومه على اختياره؛ واعتزازهم بالقيم الباطلة لعرض هذه الحياة الدنيا. تجيء حلقة من قصة موسى ـ عليه السلام ـ مع فرعون وملئه، يذكر فيها اعتزاز فرعون بمثل ما يعتز به من يقولون: {لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}! وتباهيه بما له من ملك ومن سلطان، وتساؤله في فخر وخيلاء: {أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي؟ أفلا تبصرون؟}.. وانتفاخه على موسى ـ عبد الله ورسوله ـ وهو مجرد من الجاه الأرضي والعرض الدنيوي: {أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين؟}.. واقتراحه الذي يشبه ما يقترحون: {فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين}.. وكأنما هي نسخة تكرر، أو اسطوانة تعاد! ثم يبين كيف استجابت لفرعون الجماهير المستخفة المخدوعة؛ على الرغم من الخوارق التي عرضها عليهم موسى ـ عليه السلام ـ وعلى الرغم مما أصابهم من ابتلاءات، واستغاثتهم بموسى ليدعو ربه فيكشف عنهم البلاء. ثم كيف كانت العاقبة بعدما ألزمهم الله الحجة بالتبليغ: {فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين، فجعلناهم سلفاً ومثلاً للآخرين}.. وها هم أولاء الآخرون لا يعتبرون ولا يتذكرون! ومن خلال هذه الحلقة تتجلى وحدة الرسالة، ووحدة المنهج، ووحدة الطريق. كما تتبدى طبيعة الكبراء والطغاة في استقبال دعوة الحق، واعتزازهم بالتافه الزهيد من عرض هذه الأرض؛ وطبيعة الجماهير التي يستخفها الكبراء والطغاة على مدار القرون! {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه، فقال: إني رسول رب العالمين. فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون}.. هنا يعرض حلقة اللقاء الأول بين موسى وفرعون، في إشارة مقتضبة تمهيداً لاستعراض النقطة الرئيسية المقصودة من القصة في هذا الموضع ـ وهي تشابه اعتراضات فرعون وقيمه مع اعتراضات مشركي العرب وقيمهم ـ ويلخص حقيقة رسالة موسى: {فقال: إني رسول رب العالمين}.. وهي ذات الحقيقة التي جاء بها كل رسول: أنه {رسول} وأن الذي أرسله هو {رب العالمين}.. ويشير كذلك إشارة سريعة إلى الآيات التي عرضها موسى، وينهي هذه الإشارة بطريقة استقبال القوم لها: {إذا هم منها يضحكون}.. شأن الجهال المتعالين! يلي ذلك إشارة إلى ما أخذ الله به فرعون وملأه من الابتلاءات المفصلة في سور أخرى: {وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها، وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون. وقالوا: يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون. فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون}.. وهكذا لم تكن الآيات التي ظهرت على يدي موسى ـ عليه السلام ـ مدعاة إيمان، وهي تأخذهم متتابعة. كل آية أكبر من أختها. مما يصدق قول الله تعالى في مواضع كثيرة، وفحواه أن الخوارق لا تهدي قلباً لم يتأهل للهدى؛ وأن الرسول لا يسمع الصم ولا يهدي العمي! والعجب هنا فيما يحكيه القرآن عن فرعون وملئه قولهم: {يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون}.. فهم أمام البلاء، وهم يستغيثون بموسى ليرفع عنهم البلاء. ومع ذلك يقولون له: {يا أيها الساحر} ويقولون كذلك: {ادع لنا ربك بما عهد عندك} وهو يقول لهم: إنه رسول {رب العالمين} لا ربه هو وحده على جهة الاختصاص! ولكن لا الخوارق ولا كلام الرسول مس قلوبهم، ولا خالطتها بشاشة الإيمان، على الرغم من قولهم: {إننا لمهتدون}: {فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون}.. ولكن الجماهير قد تؤخذ بالخوارق المعجزة، وقد يجد الحق سبيلاً إلى قلوبها المخدوعة. وهنا يبرز فرعون في جاهه وسلطانه، وفي زخرفه وزينته، يخلب عقول الجماهير الساذجة بمنطق سطحي، ولكنه يروج بين الجماهير المستعبدة في عهود الطغيان، المخدوعة بالأبهة والبريق: {ونادى فرعون في قومه: قال: يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي؟ أفلا تبصرون؟ أم أنا خير من هذا الذي هو مهين، ولا يكاد يبين؟ فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين؟}. إن ملك مصر وهذه الأنهار التي تجري من تحت فرعون، أمر قريب مشهود للجماهير، يبهرها وتستخفها الإشارة إليه. فأما ملك السماوات والأرض وما بينهما ـ ومصر لا تساوي هباءة فيه ـ فهو أمر يحتاج إلى قلوب مؤمنة تحسه، وتعقد الموازنة بينه وبين ملك مصر الصغير الزهيد! والجماهير المستعبدة المستغفلة يغريها البريق الخادع القريب من عيونها؛ ولا تسمو قلوبها ولا عقولها إلى تدبر ذلك الملك الكوني العريض البعيد! ومن ثم عرف فرعون كيف يلعب بأوتار هذه القلوب ويستغفلها بالبريق القريب! {أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين؟}. وهو يعني بالمهانة أن موسى ليس ملكاً ولا أميراً ولا صاحب سطوة ومال مشهود. أم لعله يشير بهذا إلى أنه من ذلك الشعب المستعبد المهين. شعب إسرائيل. أما قوله: {ولا يكاد يبين} فهو استغلال لما كان معروفاً عن موسى قبل خروجه من مصر من حبسة اللسان. وإلا فقد استجاب الله سؤاله حين دعاه: {أية : رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي}.. تفسير : وحلت عقدة لسانه فعلاً، وعاد يبين. وعند الجماهير الساذجة الغافلة لا بد أن يكون فرعون الذي له ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحته، خيراً من موسى ـ عليه السلام ـ ومعه كلمة الحق ومقام النبوة ودعوة النجاة من العذاب الأليم! {فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب؟}.. هكذا. من ذلك العرض التافه الرخيص! أسورة من ذهب تصدق رسالة رسول! أسورة من ذهب تساوي أكثر من الآيات المعجزة التي أيد الله بها رسوله الكريم! أم لعله كان يقصد من إلقاء أسورة الذهب تتويجه بالملك، إذ كانت هذه عادتهم، فيكون الرسول ذا ملك وذا سلطان؟ {أو جاء معه الملائكة مقترنين}.. وهو اعتراض آخر له بريق خادع كذلك من جانب آخر، تؤخذ به الجماهير، وترى أنه اعتراض وجيه! وهو اعتراض مكرور، ووجه به أكثر من رسول! {فاستخف قومه فأطاعوه، إنهم كانوا قوماً فاسقين}.. واستخفاف الطغاة للجماهير أمر لا غرابة فيه؛ فهم يعزلون الجماهير أولاً عن كل سبل المعرفة، ويحجبون عنهم الحقائق حتى ينسوها، ولا يعودوا يبحثون عنها؛ ويلقون في روعهم ما يشاءون من المؤثرات حتى تنطبع نفوسهم بهذه المؤثرات المصطنعة. ومن ثم يسهل استخفافهم بعد ذلك، ويلين قيادهم، فيذهبون بهم ذات اليمين وذات الشمال مطمئنين! ولا يملك الطاغية أن يفعل بالجماهير هذه الفعلة إلا وهم فاسقون لا يستقيمون على طريق، ولا يمسكون بحبل الله، ولا يزنون بميزان الإيمان. فأما المؤمنون فيصعب خداعهم واستخفافهم واللعب بهم كالريشة في مهب الريح. ومن هنا يعلل القرآن استجابة الجماهير لفرعون فيقول: {فاستخف قومه فأطاعوه، إنهم كانوا قوماً فاسقين}.. ثم انتهت مرحلة الابتداء والإنذار والتبصير؛ وعلم الله أن القوم لا يؤمنون؛ وعمت الفتنة فأطاعت الجماهير فرعون الطاغية المتباهي في خيلاء، وعشت عن الآيات البينات والنور؛ فحقت كلمة الله وتحقق النذير: {فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين، فجعلناهم سلفاً ومثلاً للآخرين}.. يتحدث الله سبحانه عن نفسه في مقام الانتقام والتدمير؛ إظهاراً لغضبه ولجبروته في هذا المقام. فيقول: {فلما آسفونا}.. أي أغضبونا أشد الغضب.. {انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين}.. يعني فرعون وملأه وجنده. وهم الذين غرقوا على إثر موسى وقومه وجعلهم الله سلفاً يتبعه كل خلف ظالم؛ {ومثلاً للآخرين} الذين يجيئون بعدهم، ويعرفون قصتهم، فيعتبرون. وهكذا تلتقي هذه الحلقة من قصة موسى ـ عليه السلام ـ بالحلقة المشابهة لها من قصة العرب في مواجهة رسولهم الكريم. فتثبت الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمؤمنين معه؛ وتحذر المشركين المعترضين، وتنذرهم مصيراً كمصير الأولين.. وتلتقي الحقيقة في عرض القصة، بالتناسق بين الحلقة المعروضة والحال القائمة والغاية من إيرادها في هذه الحال القائمة. وتصبح القصة بهذا أداة للتربية في المنهج الإلهي الحكيم. ثم ينتقل السياق من هذه الحلقة في قصة موسى، إلى حلقة من قصة عيسى، بمناسبة جدل القوم حول عبادتهم للملائكة وعبادة بعض أهل الكتاب للمسيح.. وذلك في الدرس الأخير.

ابن عاشور

تفسير : عطف قصة من أقاصيص كفرهم وعنادهم على ما مضى من حكاية أقاويلهم، جرت في مجادلة منهم مع النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا تصدير وتمهيد بين يدي قوله: { أية : ولما جاء عيسى بالبينات } تفسير : [الزخرف: 63] الآيات الذي هو المقصود من عطف هذا الكلام على ذكر رسالة موسى عليه السلام. واقتران الكلام بــ{لما} المفيدةِ وجودَ جوابها عند وجودِ شرطها، أو توقيتَه، يَقْتَضِي أن مضمون شرط {لمّا} معلوم الحصول ومعلوم الزمان فهو إشارة إلى حديث جرى بسبب مثَل ضربه ضارب لحال من أحوال عيسى، على أن قولهم {أألهتنا خير أم هو} يحتمل أن يكون جرى في أثناء المجادلة في شأن عيسى، ويحتمل أن يكون مجردَ حكاية شبهة أخرى من شُبه عقائدهم، ففي هذه الآية إجمال يبينه ما يعرفه النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون من جدَل جرى مع المشركين، ويزيده بياناً قوله: { أية : إن هو إلا عبدٌ أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل } تفسير : [الزخرف: 59] وهذه الآية من أخفى آي القرآن معنى مراداً. وقد اختلف أهل التفسير في سبب نزول هذه الآية وما يبين إجمالها على ثلاثة أقوال ذكرها في «الكشاف» وزاد من عنده احتمالاً رابعاً. وأظهر الأقوال ما ذكره ابن عطية عن ابن عباس وما ذكره في «الكشاف» وجهاً ثانياً ووجهاً ثالثاً أن المشركين لما سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم بيان { أية : إنَّ مثل عيسى عند الله كمثلَ آدم } تفسير : [آل عمران: 59] وليس خلقه من دون أب بأعجب من خلق آدم من دون أب ولا أم (أو ذلك قبل أن تنزل سورة آل عمران لأن تلك السورة مدنية وسورة الزخرف مكية) قالوا: نحن أهدى من النصارى لأنهم عبدوا آدمياً ونحن عبدنا الملائكة (أي يدفعون ما سفههم به النبي صلى الله عليه وسلم بأن حقه أن يسفه النصارى) فنزل قوله تعالى: {ولما ضرب ابن مريم مثلاً} الآية (ولعلهم قالوا ذلك عَن تجاهل بما جاء في القرآن من ردّ على النصارى). والذي جرى عليه أكثر المفسرين أن سبب نزولها الإشارة إلى ما تقدم في سورة الأنبياء (98) عند قوله تعالى: { أية : إنكم وما تعبدون من دون الله حصبُ جهنم } تفسير : إذ حديث : قال عبد الله بن الزبعرى قبل إسلامه للنبي صلى الله عليه وسلم "أخاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم". فقال النبي صلى الله عليه وسلم «هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم» تفسير : ، قال: «خَصَمْتُك ورب الكعبة ألست تزعم أن عيسى ابنَ مريم نبي وقد عبدته النصارى فإن كان عيسى في النّار فقد رَضينا أن نكون نحن وآلهتنا معه» ففرح بكلامه من حَضر من المشركين وضجّ أهل مكة بذلك فأنزل الله تعالى: { أية : إن الذين سبقت لهم مِنّا الحُسنى أولئك عنها مُبعَدون } تفسير : في سورة الأنبياء (101) ونزلت هذه الآية تشير إلى لجاجهم. وبعض المفسرين يزيد في رواية كلام ابن الزِبَعرى: "وقد عَبَدَتْ بنو مُلَيح الملائكة فإن كان عيسى والملائكة في النّار فقد رضينا". وهذا يتلاءم مع بناء فعل {ضرب} للمجهول لأن الذي جَعل عيسى مثلاً لمجادلته هو عبد الله بن الزِبعرَى، وليس من عادة القرآن تسمية أمثاله، ولو كان المثل مضروباً في القرآن لقال: ولما ضَرَبنا ابن مريم مثلاً، كما قال بعده { أية : وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل } تفسير : [الزخرف: 59]. ويتلاءم مع تعدية فعل {يصدون} بحرف (مِن) الابتدائية دون حرف (عَن) ومع قوله: {ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون} لأن الظاهر أن ضمير النصب في {ضربوه} عائد إلى ابن مريم. والمراد بالمثَل على هذا الممثَّلُ به والمشبَّه به، لأن ابن الزِبعرى نظَّر آلهتهم بعيسى في أنها عُبدت من دون الله مثله فإذا كانوا في النار كان عيسى كذلك. ولا يُنَاكِد هذا الوجهَ إلا ما جرى عليه عد السور في ترتيب النزول من عدّ سورة الأنبياء (التي كانت آيتها سَببَ المجادلة) متأخرةً في النزول عن سورة الزخرف ولعل تصحيح هذا الوجه عندهم بَكُر بالإبطال على من جعل سورة الأنبياء متأخرة في النزول عن سورة الزخرف بل يجب أن تكون سابقة حَتَى تكون هذه الآية مذكِّرة بالقصة التي كانت سبب نزول سورة الأنبياء، وليس ترتيب النزول بمتفق عليه ولا بمحقق السند فهو يُقبل منه ما لا معارض له. على أنه قد تَنزِل الآية ثم تُلْحَق بسورة نزلت قبلها. فإذا رجح أن تكون سورة الأنبياء نزلت قبل سورة الزخرف كان الجواب القاطع لابن الزبعرَى في قوله تعالى فيها: { أية : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون } تفسير : [الأنبياء: 101] لأنه يعني أن عدم شمول قوله: { أية : إنكم وما تعبدون من دون الله حصَبُ جهنم } تفسير : [الأنبياء: 98] لعيسى معلوم لكل من له نظر وإنصاف لأن الحكم فيها إنما أسند إلى معبودات المشركين لا إلى معبود النصارى وقليل من قبائل العرب التي لم تُقصد بالخطاب القرآني أيامئذٍ، ولما أجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن الآية لجميع الأمم إنما عنى المعبودات التي هي من جنس أصنامهم لا تفقه ولا تتصف بزكاء، بخلاف الصالحين الذين شهد لهم القرآن برفعة الدرجة قبل تلك الآية وبعدها، إذ لا لبس في ذلك، ويكون الجواب المذكور هنا في سورة الزخرف بقوله: {ما ضربوه لك إلا جدلاً} جواباً إجمالياً، أي ما أرادوا به إلا التمويه لأنهم لا يخفى عليهم أن آية سورة الأنبياء تفيد أن عيسى ليس حصبَ جهنم، والمقام هنا مقام إجمال لأن هذه الآية إشارة وتذكير إلى ما سبق من الحادثة حين نزول آية سورة الأنبياء. وقرأ نافع وابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر وخلف {يصدون} بضم الصاد من الصدود إما بمعنى الإعراض والمُعرَض عنه محذوف لظهوره من المقام، أي يعرضون عن القرآن لأنهم أوهموا بجَدَلِهِمْ أن في القرآن تناقضاً، وإما على أن الضم لغة في مضارع صدَّ بمعنى ضجّ مثل لغة كسر الصاد وهو قول الفراء والكسائي. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم ويعقوب بكسر الصاد وهو الصد بمعنى الضجيج والصخَب. والمعنى: إذا قريش قومك يصخَبون ويضجّون من احتجاج ابن الزبعرَى بالمثَل بعيسى في قوله، معجَبين بفلجه وظهور حجته لضعف إدراكهم لمراتب الاحتجاج. والتعبير عن قريش بعنوان {قومك}. للتعجيب منهم كيف فرحوا من تغلب ابن الزبعرَى على النبي صلى الله عليه وسلم بزعمهم في أمر عيسى عليه السلام، أي مع أنهم قومك وليسوا قوم عيسى ولا أتباع دينه فكان فرحهم ظلماً من ذوي القربى، قال زهير: شعر : وظُلم ذوِي القربى أشدُّ مضاضةً على المرء من وَقْع الحُسام المهنّد تفسير : و(مِن) في قوله {منه} على الاحتمالين ليست لتعدية {يصدون} إلى ما في معنى المفعول، لأن الفعل إنما يتعدّى إليه بحرف (عن)، ولا أن الضمير المجرور بها عائد إلى القرآن ولكنها متعلقة بــ{يصدون} تعلقاً على معنى الابتداء، أي يصدون صدّاً ناشئاً منه، أي من المثل، أي ضُرب لهم مثل فجعلوا ذلك المثل سبباً للصدّ. وقالوا جميعاً: آلهتنا خير أم هو، تلقفوها من فم ابن الزبعَرى حين قالها للنبيء صلى الله عليه وسلم فأعادوها. فهذا حكاية لقول ابن الزبعرى: إنك تزعم أن عيسى نبيء وقد عبدَتْه النصارى فإن كان عيسى في النار قد رضينا أن نكون وآلهتُنا في النار. والاستفهام في قوله: {آلهتنا خير أم هو} تقريري للعلم بأن النبي يفضل عيسى على آلهتهم، أي فقد لزمك أنك جعلت أهلاً للنار مَن كنتَ تفضله فأمرُ آلهتنا هيّن. وضمير الرفع في {ما ضربوه} عائد إلى ابن الزبعرى وقومه الذين أعجبوا بكلامه وقالوا بموجبه. وضمير النصب الغائب يجوز أن يكون عائداً إلى المثَل في قوله: {ولما ضرب ابن مريم مثلاً}، أي ما ضربوا لك ذلك المثل إلا جدلاً منهم، أي محاجة وإفحاماً لك وليسوا بمعتقدين هَوْن أمر آلِهَتِهِمْ عندهم، ولا بِطالبين الميزَ بين الحق والباطل، فإنهم لا يعتقدون أن عيسى خير من آلهتهم ولكنهم أرادوا مجاراة النبي في قوله ليُفْضوا إلى إلزامه بما أرادوه من المناقضة. ويجوز أن يكون ضمير النصب في {ضربوه} عائداً إلى مصدر مأخوذ من فعل {وقالوا}، أي ما ضربوا ذلك القول، أي ما قالوه إلا جَدلا. فالضرب بمعنى الإيجاد كما يقال: ضرب بيتاً، وقول الفرزدق:شعر : ضَربتْ عليك العنكبوتُ بنسجها تفسير : والاستثناء في {إلا جدلاً} مفرّغ للمفعول لأجله أو للحال، فيجوز أن ينتصب {جدلاً} على المفعول لأجله، أي ما ضربوه لشيء إلاّ للجدل، ويجوز أن يُنصب على الحال بتأويله بمجادلين أي ما ضربوه في حال من أحوالهم إلا في حال أنهم مجادلون لا مؤمنون بذلك. وقوله: {بل هم قوم خصمون} إضراب انتقالي إلى وصفهم بحب الخصام وإظهارهم من الحجج ما لا يعتقدونه تمويهاً على عامتهم. والخَصِم بكسر الصاد: شديد التمسك بالخصومة واللجاج مع ظهور الحق عنده، فهو يُظهر أن ذلك ليس بحق. وقرأ الجمهور {ءَالهتنا} بتسهيل الهمزة الثانية. وقرأه عاصم وحمزة والكسائي بتخفيفها.

الشنقيطي

تفسير : قرأ هذا الحرف نافع وابن عامر والكسائي (يصدون) بضم الصاد. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة (يصدون) بكسر الصاد. فعلى قراءة الكسر فمعنى يصدون يضجون ويصيحون، وقيل يضحكون، وقيل معنى القراءتين واحد. كيعرشون ويعرشون ويعكفون ويعكفون. وعلى قراءة الضم فهو من الصدود والفاعل المحذوف في قوله (ضرب). قال جمهور المفسرين هو عبد الله بن الزبعري السهمي قبل إسلامه. أي ولما ضرب ابن الزبعري المذكور عيسى ابن مريم مثلاً فاجأك قومك بالضجيج والصياح والضحك، فرحاً منهم وزعماً منهم أن ابن الزبعري خصمك، أو فاجأك صدودهم عن الإيمان بسبب ذلك المثل. والظاهر أن لفظة من هنا سببية، ومعلوم أن أهل العربية، يذكرون أن من معاني من السببية، ومنه قوله تعالى: {أية : مِّمَّا خَطِيۤئَاتِهِمْ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً} تفسير : [نوح: 25]. أي بسبب خطيئاتهم أغرقوا. ومن ذلك قول الحالفين في أيمان القسامة: أقسم بالله لمن ضربه مات. وإيضاح معنى ضرب ابن الزبعري عيسى مثلاً أن الله لما أنزل قوله تعالى {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 98]، قال ابن الزبعري: إن محمداً صلى الله عليه وسلم يقول إن كل معبود من دون الله في النار وأننا وأصنامنا جميعاً في النار، وهذا عيسى ابن مريم قد عبده النصارى من دون الله فإن كان ابن مريم مع النصارى الذين عبدوه في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معه. وقالوا مثل ذلك في عزير والملائكة لأن عزيراً عبده اليهود، والملائكة عبدهم بعض العرب. فاتضح أن ضربه عيسى مثلاً، يعني أنه على ما يزعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم قاله، من أن كل معبود وعابده في النار، يقتضي أن يكون عيسى مثلاً لأصنامهم، في كون الجميع في النار، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم يثني على عيسى الثناء الجميل، ويبين للناس أنه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. فزعم ابن الزبعري أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم لما اقتضى مساواة الأصنام مع عيسى في دخول النار مع أنه صلى الله عليه وسلم يعترف بأن عيسى رسول الله وأنه ليس في النار، دل ذلك على بطلان كلامه عنده. وعند ذلك أنزل الله {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ} تفسير : [الأنبياء: 101-103] الآية، وأنزل الله أيضاً قوله تعالى: {وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً} [الزخرف: 57] الآية. وعلى هذا القول فمعنى قوله تعالى: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ}، أي ما ضربوا عيسى مثلاً إلا من أجل الجدل والخصومة بالباطل. وقيل إن جدلاً حال وإتيان المصدر المنكر حالاً كثير، وقد أوضحنا توجيهه مراراً. والمراد بالجدل هنا الخصومة بالباطل لقصد الغلبة بغير حق. قال جماعة من العلماء، والدليل على أنهم قصدوا الجدل بشيء يعلمون في أنفسهم أنه باطل، أن الآية التي تذرعوا بها إلى الجدل، لا تدل البتة، على ما زعموه، وهم أهل اللسان، ولا تخفى عليهم معاني الكلمات. والآية المذكورة إنما عبر الله فيها بلفظة "ما" التي هي في الموضع العربي لغير العقلاء لأنه قال {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 98] ولم يقل (ومن) تعبدون وذلك صريح في أن المراد الأصنام، وأنه لا يتناول عيسى ولا عزيراً ولا الملائكة، كما أوضح تعالى أنه لم يرد ذلك بقوله تعالى بعده: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [الأنبياء: 101] الآية. وإذا كانوا يعلمون من لغتهم أن الآية الكريمة، لم تتناول عيسى بمقتضى لسانهم العربي، الذي نزل به القرآن، تحققنا أنهم ما ضربوا عيسى مثلاً، إلا لأجل الجدل، والخصومة بالباطل. ووجه التعبير في صيغة الجمع في قوله {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ} مع أن ضارب المثل واحد وهو ابن الزبعري يرجع إلى أمرين: أحدهما: أن من أساليب اللغة العربية إسناد فعل الرجل الواحد من القبيلة إلى جميع القبيلة، ومن أصرح الشواهد العربية في ذلك قوله: شعر : فسيف بني عبس وقد ضربوا به نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد تفسير : فإنه نسب الضرب إلى جميع بني عبس مع تصريحه بأن السيف في يد رجل واحد منهم، وهو ورقاء بن زهير، والشاعر يشير بذلك إلى قتل خالد بن جعفر الكلابي لزهير بن جذيمة العبسي، وأن ورقاء بن زهير، ضرب بسيف بني عبس، رأس خالد بن جعفر الكلابي، الذي قتل أباه ونبا عنه، أي لم يؤثر في رأسه، فإن معنى: نبا السيف ارتفع عن الضريبة ولم يقطع. والشاعر يهجو بني عبس بذلك. والحروب التي نشأت عن هذه القصة، وقتل الحارث بن ظالم المري لخالد المذكور، كل ذلك معروف في محله. والأمر الثاني: أن جميع كفار قريش، صوبوا ضرب ابن الزبعري عيسى مثلاً، وفرحوا بذلك، ووافقوه عليه، فصاروا كالمتمالئين عليه. وبهذين الأمرين المذكورين جمع المفسرون بين صيغة الجمع في قوله {أية : فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ} تفسير : [الأعراف: 77] وقوله {أية : فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا} تفسير : [الشمس: 14] وبين صيغة الإفراد في قوله: {أية : فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ} تفسير : [القمر: 29]. وقال بعض العلماء: الفاعل المحذوف في قوله ولما ضرب ابن مريم مثلاً هو عامة قريش. والذين قالوا إن كفار قريش لما سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يذكر عيسى، وسمعوا قول الله تعالى: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} تفسير : [آل عمران: 59]. قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ما تريد بذكر عيسى إلا أن نعبدك كما عبد النصارى عيسى. وعلى هذا فالمعنى أنهم ضربوا عيسى مثلاً للنبي صلى الله عليه وسلم، في عبادة الناس لكل منهما، زاعمين أنه يريد أن يعبد كما عبد عيسى. وعلى هذا القول فمعنى قوله {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ} أي ما ضربوا لك هذا المثل إلا لأجل الخصومة بالباطل، مع أنهم يعلمون أنك لا ترضى أن تعبد بوجه من الوجوه. وقوله تعالى: {أية : قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلَمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 64] الآية. وإن كان من القرآن المدني النازل بعد الهجرة فمعناه يكرره عليهم النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً قبل الهجرة كما هو معلوم. وكذلك قوله {أية : وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} تفسير : [آل عمران: 80]. ولا شك أن كفار قريش متيقنون، في جميع المدة التي أقامها صلى الله عليه وسلم، في مكة قبل الهجرة بعد الرسالة، وهي ثلاث عشرة سنة، أنه لا يدعو إلا إلى عبادة الله، وحده لا شريك له. فادعاؤهم أنه يريد أن يعبدوه، افتراء منهم، وهم يعلمون أنهم مفترون، في ذلك. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ}؟ التحقيق أن الضمير في قوله {هو} راجع إلى عيسى، لا إلى محمد عليهما الصلاة والسلام. قال بعض العلماء: ومرادهم بالاستفهام تفضيل معبوداتهم على عيسى. قيل: لأنهم يتخذون الملائكة آلهة، والملائكة أفضل عندهم من عيسى. وعلى هذا فمرادهم أن عيسى عبد من دون الله، ولم يكن ذلك سبباً لكونه في النار، ومعبوداتنا خير من عيسى، فكيف تزعم أنهم في النار. وقال بعض العلماء: أرادوا تفضيل عيسى على آلهتهم. والمعنى على هذا أنهم يقولون: عيسى خير من آلهتنا، أي في زعمك وأنت تزعم أنه في النار، بمقتضى عموم ما تتلوه من قوله {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّم} تفسير : [الأنبياء: 98]. وعيسى عبده النصارى من دون الله، فدلالة قولك على أن عيسى في النار، مع اعترافك بخلاف ذلك، يدل على أن ما تقوله، من أنا وآلهتنا، في النار ليس بحق أيضاً. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} أي لد، مبالغون في الخصومة، بالباطل، كما قال تعالى: {أية : وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً} تفسير : [مريم: 97] أي شديدي الخصومة. وقوله تعالى: {أية : وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ} تفسير : [البقرة: 204]، لأن الفعل بفتح فكسر كخصم، من صيغ المبالغة، كما هو معلوم في محله. وقد علمت مما ذكرنا أن قوله تعالى هنا {أية : وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً} تفسير : [الزخرف: 57] الآية إنما بينته الآيات التي ذكرنا ببيان سببه. ومعلوم أن الآية قد يتضح معناها ببيان سببها. فعلى القول الأول، أنهم ضربوا عيسى مثلاً لأصنامهم، في دخول النار، فإن ذلك المثل يفهم من أن سبب نزول الآية نزول قوله تعالى قبلها {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} تفسير : [الأنبياء: 98] لأنها لما نزلت قالوا إن عيسى عبد من دون الله كآلهتهم فهم بالنسبة لما دلت عليه سواء. وقد علمت بطلان هذا مما ذكرناه آنفاً. وعلى القول الثاني أنهم ضربوا عيسى مثلاً لمحمد صلى الله عليه وسلم، في أن عيسى قد عبد، وأنه صلى الله عليه وسلم، يريد أن يعبد كما عبد عيسى، فكون سبب ذلك سماعهم لقوله تعالى: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} تفسير : [آل عمران: 59] وسماعهم للآيات المكية النازلة في شأن عيسى يوضح المراد بالمثل. وأما الآيات التي بينت قوله {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ} [الزخرف: 58] فبيانها له واضح على كلا القولين. والعلم عند الله تعالى.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ولما ضرب ابن مريم مثلا: أي ولما جعل عيسى بن مريم مثلا، والضارب ابن الزبعرى. إذا قومك منه يصدون: أي إذ المشركون من قومك يصدون أي يضحكون فرحاً بما سمعوا. وقالوا ألهتنا خير أم هو؟: أي ألهتنا التي نعبدها خير أم هو أي عيسى بن مريم فنرضى أن تكون آلهتنا معه. ما ضربوه لك إلا جدلاً: أي ما جعلوه أي المثل لك إلا خصومة بالباطل لِعِلمهم أن ما لغير العاقل فلا يتناول اللفظ عيسى عليه السلام. بل هم قوم خصمون: أي شديدو الخصومة. إن هو إلا عبد أنعمنا عليه: أي ما هو أي عيسى إلا عبد أنعمنا عليه بالبنوة. وجعلناه مثلا لبني إسرائيل: أي لوجوده من غير أب كان مثلا لبني إسرائيل لغرابته يستدل به على قدرة الله على ما يشاء. ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة: أي ولو شاء لأهلكناكم وجعلنا بدلكم ملائكة. في الأرض يخلفون: أي يعمرون الأرض ويعبدون الله فيها يخلفونكم فيها بعد إهلاككم. وإنه لعلم للساعة: أي وإن عيسى عليه السلام لعلم للساعة تُعلم بنزوله إذا نزل. فلا تمترن بها: أي لا تشكن فيها أي في إثباتها ولا في قربها. واتبعون هذا صراط مستقيم: أي وقل لهم اتبعون على التوحيد هذا صراط مستقيم وهو الإسلام. ولا يصدنكم الشيطان: أي ولا يصرفنكم الشيطان عن الإسلام. إنه لكم عدو مبين: أي إن الشيطان لكم عدو بيّن العداوة فلا تتبعوه. معنى الآيات: قوله تعالى: {وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} روي أن ابنَ الزبعرى قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لما نزلت آية الأنبياء إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون قال: أهذا لنا ولألهتنا أم جميع الأمم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم، فقال ابن الزبعرى خصمتك ورب الكعبة، أليست النصارى يعبدون المسيح واليهود يعبدون العزير وبنو مليح يعبدون الملائكة فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم، ففرح بها المشركون وضحكوا وضجوا بالضحك مرتفعة أصواتهم بذلك ونزلت في هذه الحادثة الآية: {وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً} أي ولما جعل ابن الزبعرى عيسى بن مريم مثلا إذْ جعله مشابها للأصنام من حيث أن النصارى اتخذوه إلهاً وعبدوه من دون الله، وقال فإذا كان عيسى والعزير والملائكة في النار فقد رضينا أن نكون وآلهتنا معهم ففرح بها المشركون وصدوا وضجوا بالضحك. وقالوا آلهتنا خير أم هو أي المسيح؟ قال تعالى لرسوله: ما ضربوه لك إلاَّ جدلاً أي ما ضرب لك ابن الزبعرى هذا المثل طلبا للحق وبحثا عنه وإنما ضربه لك لأجل الجدل والخصومة بل هم قوم خصمون مجبولون على الجدل والخصام.. وقوله إن هو أي عيسى إلا عبد أنعمنا عليه بالنبوة والرسالة، وجعلناه مثلا لبني إسرائيل يستدلون به على قدرة الله وإنه عز وجل على كل ما يشاء قدير إذ خلقه من غير أب كما خلق آدم من تراب ثم قال له كن فكان. وقوله تعالى: {وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ} أي ولو نشاء لأهلكناكم يا بني آدم ولم نبق منكم أحداً. وجعلنا بَدَلَكُمْ في الأرض ملائكة يخلفونكم فيها فيعمرونها ويعبدون الله تعالى فيها ويوحدونه ولا يشركون به سواء. وقوله {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} أي وإن عيسى عليه السلام لعلامة للساعة أي إن نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان علامة على قرب الساعة. فلا تمترن بها أي فلا تشكن في إتيانها فانها آتية وقريبة. وقوله واتبعون أي وقل لهم يا رسولنا واتبعون على التوحيد وما جئتكم به من الهدى هذا صراط مستقيم أي الإسلام القائم على التوحيد الذي نزل به القرآن وجاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا يصدنكم الشيطان عن الإِسلام بوساوسه وإغوائه فيصرفكم عن التوحيد والإسلام إنه لكم عدو مبين وليس أدل على عداوته من أنه أخرج آدم بإغوائه من الجنة حسداً له وبغياً عليه. فمثل هذا العدو لا يصح أبداً الإستماع إليه والمشي وراءه واتباع خطواته. ومن يتبع خطواته يهلك. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان أن قريشاً أوتيت الجدل والقوة في الخصومة. 2- ذم الجدل لغير إحقاق حق وإبطال باطل وفي الحديث ما ضل قوم هُدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل. 3- شرف عيسى وعلو مكانته وأن نزوله إلى الأرض علامة كبرى من علامات قرب الساعة. 4- تقرير البعث والجزاء. 5- حرمة اتباع الشيطان لأنه يضل ولا يهدي.

القطان

تفسير : يصدّون: يصيحون ويضجّون. جدلا: خصومة بالباطل. خَصِمون: شديدون في الخصومة، ومجبولون على اللجاج وسوء الخلق. وجعلناهم مثلاً لبني اسرائيل: آية وأمراً عجيبا. لعلمٌ للساعة: علامة من اشراطها. فلا تمترنّ: فلا تشكّن. البينات: المعجزات. الحكمة: الشرائع المحكمة. لقد جادل مشركو قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم جدلا كثيرا، من ذلك ان الرسول الكريم لما تلا عليهم: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ}تفسير : [الأنبياء: 98] قال له عبدُ الله بن الزِبِعْرَي - وهو من شعراء قريش وقد أَسلمَ وحسُنَ إسلامه فيما بعد-: أليس النصارى يعبدون المسيح وأنتَ تقول كان عيسى نبياً صالحاً، فان كان في النار فقد رضينا. فأنزل الله تعالى بعد ذلك: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ}تفسير : [الأنبياء: 101]. وجادلوه بعد ذلك كثيرا، ولذلك يقول الله تعالى: {وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} لما بين الله وَصْفَ عيسى الحقَّ من أنه عبدٌ مخلوق، وعبادتُه كفرٌ، إذا قومك أيها النبي يُعرِضون عن كل هذا. فقال الكافرون: أآلهتنا خيرٌ أم عيسى؟ فإذا كان عيسى في النار فلنكنْ نحنُ وآلهتنا معه.. وما ضرب الكفار لك هذا المثَلَ الا للجدل والغلبة في القول لا لإظهار الحق. {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} إنهم قوم شديدون في الخصومة، مجبولون على العَنَتِ والعناد. ثم بين الله تعالى ان عيسى عبدٌ من عبيده الذين أنعم عليهم فقال: {إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} وما عيسى ابن مريم إلا عبدٌ أنعمنا عليه بالنبوّة، وقد جعلناه آيةً بأن خلقناه من غير أبٍ كَمَثَلِ آدم خَلَقَه الله من تراب. ولو نشاء لجعلْنا في الأرض عجائب كأمرِ عيسى كأن نجعل لبعضكم أولاداً ملائكة يخلفونهم، كما خلقنا عيسى من غير اب. والحق أن عيسى بحدوثه من غير أب لدليلٌ على قيام الساعة، {فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا} واتبعوا هداي وهُدى رسولي، فما أدعوكم اليه هو الصراط المستقيم. ويقول بعض المفسّرين، وان القرآن الكريم ليعلِمُكم بقيام الساعة فاتَّبعوا تعاليمه، ولا تتبعوا زيغ الشيطان انه لكم عدوٌّ ظاهر. ولما جاء عيسى رسولاً الى بني اسرائيل ومعه الآيات الدالة على رسالته، قال لقومه: قد جئتكم بشريعةٍ حكيمة تدعوكم الى التوحيد، وجئتكم لأبيّن لكم بعضَ الذي تختلفون فيه من أمر الدين، فاتقوا الله في مخالفتي، وأطيعوني فيما أدعوكم اليه. ان الله هو خالقي وخالقكم فاعبدوه وحده، وحافِظوا على شريعته، فهي الطريق الموصل الى النجاة. ولكنهم خالفوا ما دعاهم اليه، واخلتفوا، وصاروا شِيعا وفرقاً لا حصر لها. {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ} هو يوم القيامة، حين يحاسَبون على كل صغيرة وكبيرة. هل ينتظر هؤلاء الاحزاب المختلفون في شأن عيسى الا ان تقوم الساعةُ بغتةً وهم غافلون عنها!؟ قراءات: قرأ الكسائي ونافع وابن عامر: يصُدون بضم الصاد. والباقون: بكسرها.

د. أسعد حومد

تفسير : (57) - رُوِيَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم جَلَسَ يَوْماً مَعَ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ فِي المَسْجِدِ فَجَاءَ النَّضْرُ بنُ الحَارِثِ حَتَّى جَلَسَ مَعَهُم، وَفِي المَجْلِسِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَعَرَضَ لَهُ النضْرُ بنُ الحَارِثِ فَكَلَّمَهُ رَسُولُ اللهِ حَتَّى أَفْحَمَهُ، ثُمَّ تَلاَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ}. تفسير : ثُمَّ قَامَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. ثُمَّ جَاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزِّبَعْرَى فَقِيلَ لَهُ إِنَّ مُحَمَّداً خَصَمَ النَّضْرَ، وَقَدْ زَعَمَ مُحَمَّدٌ أَنَّهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ آلِهَةٍ حَصَبُ جَهَنَّمَ. فَقَالَ ابْنُ الزِّبَعْرَى: وَاللهِ لَوْ وَجَدْتُهُ لَخَصمْتُهُ. سَلُوا مُحَمَّداً أَكل مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ فِي جَهَنَّمَ مَعَ مَنْ عَبَدَهُ؟ فَنَحْنُ نَعْبُدُ المَلاَئِكَةَ، وَاليَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْراً، والنَّصَارَى تَعْبُدُ المَسِيحَ. فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حديث : فَقَالَ: كُلُّ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُعْبَدَ مِنْ دُونِ اللهِ فَهُوَ مَعَ مَنْ عَبَدَهُ، فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْبُدُونَ الشَّيْطَانَ وَمَنْ أَمَرَهُمْ بِعِبَادَتِهِ . تفسير : فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى الآيَةَ الكَرِيمَةَ: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ}. تفسير : وَهَؤُلاَءِ الذِينَ سَبَقَتْ لَهُمُ الحُسْنَى مِنَ اللهِ تَعَالَى، هُمُ الذِينَ مَضَوْا عَلَى طَاعَةِ اللهِ، فَاتَّخَذَهُمْ مَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الضَّلاَلَةِ أَرْبَاباً مِنْ دُونِهِ. وَفِي هَذِهِ الآيَةِ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ: لَمَّا ضَرَبَ ابْنُ الزِّبَعْرَى عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ مَثَلاً، وَجَادَلَ رَسُولَ اللهِ فِي عِبَادَةِ النَّصَارَى لَهُ إِذَا قَوْمُكَ يَرْتَفِعُ لَهُمْ ضَجِيجٌ وَجَلَبَةٌ مِنْ فَرَحِهِمْ بِهَذَا المَثَلِ الذِي ظَنُّوا أَنَّهُ أَفْحَمَ بِهِ النَّبِيَّ الكَرِيمَ. مِنْهُ يَصِدُّونَ - يَضِجُّونَ وَيَصِيحُونَ وَيُصَفِّقُونَ فَرَحاً مِنْ أَجْلِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هنا الفعل (ضُرِب) مبني لما لم يُسَمَّ فاعله، فمَنِ الذي ضرب ابن مريم مثلاً؟ الحق سبحانه وتعالى هو الذي جعل ابن مريم مثلاً، لأنه وُلِد لأم بلا أب، وجاء من نفخة الحق سبحانه في مريم، فنسبوه إلى الله، تعالى الله عن ذلك عُلواً كبيراً، فردَّ الله عليهم بأن عيسى في الخَلْق مثل آدم. {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [آل عمران: 59] فإذا كان عيسى بلا أب، فآدم بلا أب وبلا أم، والذي يقدر على الأعلى يقدر على الأدنى من باب أَوْلَى، فلا تُفتنوا فيه. وبعد أن نزل قوله تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 98] تبيَّن أنه الضّال بعبادة غير الله هو ومعبوده في جهنم معاً {أية : حَصَبُ جَهَنَّمَ} تفسير : [الأنبياء: 98] يعني: وقودها. حديث : وجاء رجل اسمه عبد الله بن الزبعري قبل أنْ يسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: يا محمد أهذه الآية لنا أم لجميع الخَلْق؟ قال صلى الله عليه وسلم: لجميع الخَلْق، فقال له: كيف وعيسى عُبد من دون الله، والعُزير عُبد من دون الله، والملائكة عُبدوا من دون الله، أيذهب هؤلاء مع عابديهم إلى النار؟ فلم يُجبْه رسولُ الله إلى أنْ نزل قول الله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} . تفسير : ولما بلغتْ هذه المسألة سيدنا علياً رضي الله عنه قال: (ما) هنا لغير العاقل، فلا يدخل في هذا الحكم عيسى ولا العُزير ولا الملائكة، وهذه من حكمة الإمام علي الذي تربَّى في حضن النبي وتعلَّم في مدرسته منذ صِغَره، وجاءت ثقافته من نور النبوة. لذلك ورد في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا مدينة العلم، وعليٌّ بابها ". تفسير : وكان من الفقهاء أصحاب الاستنباط الواعي حتى أمام كبار الصحابة، حتى إن عمر بن الخطاب الذي كان ينزل القرآن وِفْق رأيه يقف في مسألة لا يحلُّها إلا على، حيث عُرضَتْ عليه مسألة المرأة التي ولدتْ لستة أشهر فقال بإقامة الحدِّ عليها، لأن المشهور في أشهر الحمل تسعة أشهر. فقال: يا أمير المؤمنين لا شيء عليها لأن الله يقول: {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً} تفسير : [الأحقاف: 15] ويقول: {أية : وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} تفسير : [البقرة: 223] إذن: مدة الحمل يمكن أن تكون ستة أشهر. ومرة دخل على سيدنا عمر ومعه درّة، يريد أن يضرب بها سيدنا حذيفة فقال له: ما لي أراكَ مُغضباً يا أمير المؤمنين؟ قال: سألتُ حذيفة كيف أصبحتَ؟ فقال: أصبحتُ أحب الفتنة، وأكره الحق، وأصلي بغير وضوء، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء. فقال علي: صدق والله يا أمير المؤمنين. فقال عمر: أتقولها يا أبا الحسن؟ قال: أما الفتنة فقال تعالى: {أية : وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} تفسير : [الأنفال: 28] والحق الذي يكرهه هو الموت، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بغير وضوء، وله في الأرض زوجة وولد وليس لله زوجة ولا ولد. عندها قال عمر: بئس المقام بأرض ليس فيها أبو الحسن. ومن لطائف ما رُوِي عنه رضي الله عنه أنه مرّ بجماعة اختلفوا في أيِّ مخلوقات الله أشد وأكثر قوة، فسألوه: ما أشدَّ جنود الله يا أبا الحسن؟ فكأنه كان على علم مُسْبق بهذه المسألة، وأنه سيُسأل عنها، لذلك قال - وحصر العدد قبل المعدود: وأشار بيده أنها عشرة: الجبال الرواسي، والحديد يقطع الجبال، والنار تذيب الحديد، والماء يطفئ النار، والسحاب يحمل الماء، والريح يحمل السحاب، وابن آدم يغلب الريح يستتر بالثوب ويمضي إلى حاجته، والسُّكْر يغلب ابن آدم، والنوم يغلب السُّكْر، والهم يغلب النوم، فأشدُّ جنود الله الهَمُّ. وفي بعض أحاديثنا مع الإخوان طلبوا مني أنْ أذكر لهم خطبة الإمام على التي قالها لما ماتتْ فاطمة بنت محمد، وكنتُ كلما ذكرتها لهم قالوا أعِدْ مرة أخرى، قلتُ: لما ماتت فاطمة دُفنَتْ بجوار رسول الله والصحابة. وبعد أن دُفنَت قالوا له: يا علي لو أننا أبحنا لكل أولاد الرسول أنْ يُدفنوا إلى جواره لضاقَ المسجد بالناس، فقال: ضعوها نهارنا وسوف أنقلها ليلاً كي لا تحدث فتنة، وبالليل نقلها إلى البقيع. وكان مما قاله الإمام علي وهو يدفن فاطمة إلى جوار أبيها، قال: السلام عليك يا رسول الله، مني ومن ابنتك النازلة في جوارك السريعة اللحاق بك، قَلَّ يا رسول الله عن صفيتك صبري، ورَقَّ عنها تجلُّدي، إلا أن لي في التعزِّي بمصيبتك موضعَ سَلْوى. فقد وسَّدتُك يا رسول الله في ملحودة قبرك، وفاضتْ بين سَحْري ونحري نفسُك، أما ليلي فمسهَّد، وأما حزني فسَرْمد إلى أنْ يختار الله لي داره التي أنت فيها مقيم، وستخبرك ابنتك عن حال أُمتك فأصْفِهَا السؤال، واستخبرها الحال - هذا ولم يطل منك العهد، ولم يخل منك الذكر. فلما أراد أنْ ينصرف قال: والسَّلام عليكما سلامَ مُودّع لا قالٍ ولا سَئم، فإنْ أنصرف فلا عن ملالة، وإنْ نُقِم فلا عن سوء ظن بما وعد الله به عباده الصابرين. ومعنى {يَصِدُّونَ} [الزخرف: 57] أي: يرفعون أصواتهم بالضحك والسخرية من رسول الله.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} [الآية: 57]. قال: يعني يضجون. قال: قالت قريش: إِنما يريد محمد أَن نعبده، كما عبد قوم عيسى عيسى. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ} [الآية: 60]. يقول: لو نشاءُ لجعلنا منكم ملائكة في الأَرض يعمرون الأَرض بدلا منكم. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} [الآية: 61]. آية للساعة. وقال: يعني نزول عيسى بن مريم، قبل يوم القيامة. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله:، عز وجل: {وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} [الآية: 63]. قال: يعني، به تبديل اليهود التوراة. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {ٱلأَخِلاَّءُ} قال: يعني في الدنيا على معصية الله {يَوْمَئِذٍ}. يعني: يوم القيامة.{بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ} [الآية: 67]. يعني: معاد يوم القيامة.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} وتُقراُ يَصُدون، فمَنْ قرأ بِضمِّ الصَّادِ، فإنهُ الإِعراضُ والصُدودُ، ومَنْ قَرأ بكسر الصَّادِ أرادَ أَنهم يَصيحون.

الجيلاني

تفسير : {وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً} يعني: لما ضرب بن الزبعرى مثلاً بعيسى عليه السلام حين نزلت آية كرمية: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ}تفسير : [الأنبياء: 98] حيث قال مجادلاً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك تزعم أن النصارى من أهل الكتاب، وأنهم يعبدون عيسى، ويعتقدونه ابن الله، والملائكة أولى بالمعبودية من عيسى، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. والقو لما سمعوا مجادلته، ورأوا سكوت الرسول صلى الله عليه وسلم من كلامه فهموا منه إلزام الرسول وإفحامه، فأوجسوا في نفوسهم إعراضاً، كما حكى عنهم سبحانه بقوله: {إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ} أي: من كلام ابن الزبعرى {يَصِدُّونَ} [الزخرف: 57] ويعرضون عنك فرحاً بأنك قد ألزمت من كلامه. {وَ} بعدما أعرضوا واعتقدوا إلزامك من ذلك الطاغي {قَالُوۤاْ} أي: بعضهم لبعض: {ءَأَ ٰلِهَتُنَا} التي كنا نعبد نحن وأسلافنا أيضاً أياهم {خَيْرٌ أَمْ هُوَ} يعنون: إن محمداً الذي ادعى الرسالة من عنده، وإنما قالوا ما قالوا له تهكماً واستهزاءً، كما قال سبحانه: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ} مثلاً {إِلاَّ جَدَلاً} مجادلة ومراء {بَلْ هُمْ} في أنفسهم {قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58] مجادلون مكابرون في الخصومة، وإجراء الباطل مجرى الحق وترويجه جدلاً ومغالطة. بل {إِنْ هُوَ} أي: ما عيسى {إِلاَّ عَبْدٌ} من جملة عبادنا {أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} بمقتضى فضلنا وجودنا، وأظهرنا على يده من المعجزات الباهرة والخوارق الظاهرة الدالة على كمال قدرتنا {وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً} عجيباً وشأناً بديعاً {لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} [الزخرف: 59] يسري بينهم أمر وجوده بلا أب وظهور الخوارق العجيبة عنه، سيما في حال صباه وإرهاصات أمه كالمثل السائر، كل ذلك من كمال قدرتنا وعلمنا، ومتانة حكمتنا. {وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ} أيضاً وأنشأنا بدلكم {مَّلاَئِكَةً} يسكنون {فِي ٱلأَرْضِ} مكلفين بالعبادة والعرفان أمثالكم، وإذا انقرضت طائفة منهم {يَخْلُفُونَ} [الزخرف: 60] أمثالهم أمثالكم إلى ما شاء الله. يعني: لا تتعجبوا من شأن عيسى وظهوره على الوج الأبدع الأغرب، بل تأملوا وتدبروا في كمال قدرة المبدع وفور حكمته وجوده؛ إذ هو سبحانه قادر على إظهار أمور عجيبة وشئون بديعة، لا تُعد ولا تُحصى، ومن جملتها: ظهور عيسى وما صدر منه من الخوارق، بل كل من وصل بعالم القلب، وحصل دور الكشف والشهود اليقيني الحقي، مترقباً من المشاهدات العادية والمحسوسات الأُلفية ظهر له ولاح عنده أن كل ما لمع عليه برق الوجود وتشعشع منه بمقتضى الجود، إنما هو على وجهٍ غريبٍ وشأنٍ عجيبٍ. ثم قال سبحانه: {وَإِنَّهُ} أي: شأن الظهورات المنبهة عليها والتطورات المشارة بها {لَعِلْمٌ} دليل لائح وبرهان واضح {لِّلسَّاعَةِ} الموعودة المعهودة {فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا} وبقيامها {وَ} بالجملة: {ٱتَّبِعُونِ} في جميع ما أنزلت لكم في كتبي وعلى ألسنة رسلي، وأطيعوا أمري وأمرهم {هَـٰذَا} الذي أشرناكم إليه {صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [الزخرف: 61] فاسلكوا فيه؛ لعلكم تهتدون على توحيدي وتفوزون بالفوز العظيم. {وَ} عليكم محافظة الحدود الشرعية والمعالم الدينية حتى {لاَ يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ} أي: لا يعرضنكم عنها، ولا يوقعنكم في فتنةٍ عظيمةٍ وبليةٍ شديدةٍ {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [الزخرف: 62] ظاهر العداوة شديد الخصومة، يضلكم عن جادة التوحيد، ويوقعكم في العذاب الشديد، أعاذنا الله وعموم عباده من فتنته.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن مشكلهم في ضرب مثلهم بقوله تعالى: {وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} [الزخرف: 57] يشير إلى صدود نفس الإنسان وإعراضه عن الحق وجداله في الباطل، كما أن كفار مكة بهذا الاختصاص ضربوا للنبي صلى الله عليه وسلم مثلاً بعيسى ابن مريم أنه كان يزعمك رسول الله، وقد قلت: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} تفسير : [الأنبياء: 98] وهو عزيز والملائكة قد عبدوا من دون الله فنحن نرضى بأن نكون نحن وألهتنا معهم في النار، وليس لهم في الآية موضع الحجة؛ لأنه تعالى قال: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ}تفسير : [الأنبياء: 98] ولم يقل إنكم ومن تعبدون، {وَقَالُوۤاْ ءَأَ ٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً} [الزخرف: 58] وذلك إنهم قالوا: إن قال ألهتكم خير فقد أقر بأنها معبودة، وإن قال: عيسى خير من ألهتكم فقد أقر بأن عيسى يصلح لأن يعبد، وإن قال: ليس واحد منهم خيراً فد نفي عيسى خير من ألهتكم فقد أقر بأن عيسى يصلح لأن يعبد، وإن قال: فراموا بهذا السؤال أن يجادلوه ولم يسألوه للاستفادة، وجواب النبي صلى الله عليه وسلم عنه أن عيسى خير من آلهتهم ولكن ليس يستحق أن يعبد، وليس ما هو خير في الأصنام استحق أن يكون معبوداً من دون الله، فبين الله تعالى أن جدالهم ليس لفائدة إنما هو في خصوصية نفس الإنسان فقال: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58]؛ أي: خلقوا على المخاصمة والمخالفة والمجادلة كما قال تعالى: {أية : وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً}تفسير : [الكهف: 54]. وبقوله: {إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} [الزخرف: 59] يشير إلى أن كل عبد ينعم عليه إما بجعله نبياً أو بجعله ولياً، {وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} [الزخرف: 59]؛ أي: عبرة يعتبرون به بأن يسارعوا في عبوديتنا طمعاً في أنعامنا عليهم، {وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً} [الزخرف: 60]؛ أي: إن أطعتمونا ننعم عليكم بأن نجعلكم متخلقين بأخلاق الملائكة، {فِي ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ} [الزخرف: 60]؛ أي: ليكونوا خلفائي في الأرض بهذه الأخلاق لتستعدوا بها، أن تتخلقوا بأخلاقي فإنها حقيقة الخلافة، {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} [الزخرف: 61] في نزول عيسى عليه السلام {فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا} [الزخرف: 61]؛ أي: فلا تشكوا بالساعة وقيامها {وَٱتَّبِعُونِ} [الزخرف: 61] فإن في اتباعي قيام الساعة الحقيقة، {هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [الزخرف: 61]؛ أي: من اتبعني في الحقيقة فقد قامت قيامته، وقد عبر عن الصراط الحقيقي، {وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ} [الزخرف: 62] متابعتي {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [الزخرف: 62] ولما كانت العداوة في الضد عن صراط المتابعة فكان أعدى الأعداء النفس؛ لأن تصرفها في الصد عن المتابعة أقوى من الشيطان.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا } أي: نهي عن عبادته، وجعلت عبادته بمنزلة عبادة الأصنام والأنداد. { إِذَا قَوْمُكَ } المكذبون لك { مِنْهُ } أي: من أجل هذا المثل المضروب، { يَصِدُّونَ } أي: يستلجون في خصومتهم لك، ويصيحون، ويزعمون أنهم قد غلبوا في حجتهم، وأفلجوا. { وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ } يعني: عيسى، حيث نهي عن عبادة الجميع، وشورك بينهم بالوعيد على من عبدهم، ونزل أيضا قوله تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ }. تفسير : ووجه حجتهم الظالمة، أنهم قالوا: قد تقرر عندنا وعندك يا محمد، أن عيسى من عباد الله المقربين، الذين لهم العاقبة الحسنة، فلم سويت بينه وبينها في النهي عن عبادة الجميع؟ فلولا أن حجتك باطلة لم تتناقض. ولم قلت: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } تفسير : وهذا اللفظ بزعمهم، يعم الأصنام، وعيسى، فهل هذا إلا تناقض؟ وتناقض الحجة دليل على بطلانها، هذا أنهى ما يقررون به هذه الشبهة [الذي] فرحوا بها واستبشروا، وجعلوا يصدون ويتباشرون. وهي -وللّه الحمد- من أضعف الشبه وأبطلها، فإن تسوية الله بين النهي عن عبادة المسيح، وبين النهي عن عبادة الأصنام، لأن العبادة حق للّه تعالى، لا يستحقها أحد من الخلق، لا الملائكة المقربون، ولا الأنبياء المرسلون، ولا من سواهم من الخلق، فأي شبهة في تسوية النهي عن عبادة عيسى وغيره؟ وليس تفضيل عيسى عليه السلام، وكونه مقربا عند ربه ما يدل على الفرق بينه وبينها في هذا الموضع، وإنما هو كما قال تعالى: { إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ } بالنبوة والحكمة والعلم والعمل، { وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ } يعرفون به قدرة الله تعالى على إيجاده من دون أب. وأما قوله تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } تفسير : فالجواب عنها من ثلاثة أوجه: أحدها: أن قوله: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } تفسير : أن { ما } اسم لما لا يعقل، لا يدخل فيه المسيح ونحوه. الثاني: أن الخطاب للمشركين، الذين بمكة وما حولها، وهم إنما يعبدون أصناما وأوثانا ولا يعبدون المسيح. الثالث: أن الله قال بعد هذه الآية: {أية : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } تفسير : فلا شك أن عيسى وغيره من الأنبياء والأولياء، داخلون في هذه الآية. ثم قال تعالى: { وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ } أي: لجعلنا بدلكم ملائكة يخلفونكم في الأرض، ويكونون في الأرض حتى نرسل إليهم ملائكة من جنسهم، وأما أنتم يا معشر البشر، فلا تطيقون أن ترسل إليكم الملائكة، فمن رحمة الله بكم، أن أرسل إليكم رسلا من جنسكم، تتمكنون من الأخذ عنهم. { وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ } أي: وإن عيسى عليه السلام، لدليل على الساعة، وأن القادر على إيجاده من أم بلا أب، قادر على بعث الموتى من قبورهم، أو وإن عيسى عليه السلام، سينزل في آخر الزمان، ويكون نزوله علامة من علامات الساعة { فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا } أي: لا تشكن في قيام الساعة، فإن الشك فيها كفر. { وَاتَّبِعُونِ } بامتثال ما أمرتكم، واجتناب ما نهيتكم، { هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ } موصل إلى الله عز وجل، { وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ } عما أمركم الله به، فإن الشيطان { لَكُمْ عَدُوٌّ } حريص على إغوائكم، باذل جهده في ذلك. { وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ } الدالة على صدق نبوته وصحة ما جاءهم به، من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، ونحو ذلك من الآيات. { قَالَ } لبني إسرائيل: { قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ } النبوة والعلم، بما ينبغي على الوجه الذي ينبغي. { وَلأبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ } أي: أبين لكم صوابه وجوابه، فيزول عنكم بذلك اللبس، فجاء عليه السلام مكملا ومتمما لشريعة موسى عليه السلام، ولأحكام التوراة. وأتى ببعض التسهيلات الموجبة للانقياد له، وقبول ما جاءهم به. { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ } أي: اعبدوا الله وحده لا شريك له، وامتثلوا أمره، واجتنبوا نهيه، وآمنوا بي وصدقوني وأطيعون. { إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ } ففيه الإقرار بتوحيد الربوبية، بأن الله هو المربي جميع خلقه بأنواع النعم الظاهرة والباطنة، والإقرار بتوحيد العبودية، بالأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وإخبار عيسى عليه السلام أنه عبد من عباد الله، ليس كما قال فيه النصارى: "إنه ابن الله أو ثالث ثلاثة" والإخبار بأن هذا المذكور صراط مستقيم، موصل إلى الله وإلى جنته. فلما جاءهم عيسى عليه السلام بهذا { اخْتَلَفَ الأحْزَابُ } المتحزبون على التكذيب { مِنْ بَيْنِهِمْ } كل قال بعيسى عليه السلام مقالة باطلة، ورد ما جاء به، إلا من هدى الله من المؤمنين، الذين شهدوا له بالرسالة، وصدقوا بكل ما جاء به، وقالوا: إنه عبد الله ورسوله. { فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا من عذاب يوم أليم } أي: ما أشد حزن الظالمين وما أعظم خسارهم في ذلك اليوم!!

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 882 : 12 : 5 - سفين عن عاصم بن بهدلة عن أبي رزين عن بن عباس {إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} يضحكون. [الآية 57]. 883 : 13 : 6 - سفين عن الأعمش عن يحيى بن وثاب قال {يَصِدُّونَ} يعرضون. 884 : 14 : 17 - سفين عن مجاهد {إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} قال يضجون. [الآية 57].

همام الصنعاني

تفسير : 2774- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عاصم بن أبي النجود، قال: سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقرؤها: {يَصِدُّونَ}: [الآية: 57]، قال: يضجون، [قال عاصم: وأخبرني أبو رزين أن ابن عباس كان يقرؤها: (يصِدُّونَ): يضجون].