Verse. 4392 (AR)

٤٣ - ٱلْزُّخْرُف

43 - Az-Zukhruf (AR)

اَلْاَخِلَّاۗءُ يَوْمَىِٕذٍؚبَعْضُہُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ اِلَّا الْمُتَّقِيْنَ۝۶۷ۭۧ
Alakhillao yawmaithin baAAduhum libaAAdin AAaduwwun illa almuttaqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الأخلاءُ» على المعصية في الدنيا «يومئذ» يوم القيامة متعلق بقوله «بعضهم لبعض عدو إلا المتقين» المتحابين في الله على طاعته فإنهم أصدقاء ويقال لهم:

67

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما قال: { أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً } تفسير : [الزخرف: 66] ذكر عقيبه بعض ما يتعلق بأحوال القيامة فأولها قوله تعالى: {ٱلأَخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ } والمعنى {ٱلأَخِلاء } في الدنيا {يَوْمَئِذٍ } يعني في الآخرة {بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } يعني أن الخلة إذا كانت على المعصية والكفر صارت عداوة يوم القيامة {إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ } يعني الموحدين الذين يخالل بعضهم بعضاً على الإيمان والتقوى، فإن خلتهم لا تصير عداوة، وللحكماء في تفسير هذه الآية طريق حسن، قالوا إن المحبة أمر لا يحصل إلا عند اعتقاد حصول خير أو دفع ضرر، فمتى حصل هذا الاعتقاد حصلت المحبة لا محالة، ومتى حصل اعتقاد أنه يوجب ضرراً حصل البغض والنفرة، إذا عرفت هذا فنقول: تلك الخيرات التي كان اعتقاد حصولها يوجب حصول المحبة، إما أن تكون قابلة للتغير والتبدل، أو لا تكون كذلك، فإن كان الواقع هو القسم الأول، وجب أن تبدل تلك المحبة بالنفرة، لأن تلك المحبة إنما حصلت لاعتقاد حصول الخير والراحة، فإذا زال ذلك الاعتقاد، وحصل عقيبه اعتقاد أن الحاصل هو الضرر والألم، وجب أن تتبدل تلك المحبة بالبغضة، لأن تبدل العلة يوجب تبدل المعلول، أما إذا كانت الخيرات الموجبة للمحبة، خيرات باقية أبدية، غير قابلة للتبدل والتغير، كانت تلك المحبة أيضاً محبة باقية آمنة من التغير، إذا عرفت هذا الأصل فنقول الذين حصلت بينهم محبة ومودة في الدنيا، إن كانت تلك المحبة لأجل طلب الدنيا وطيباتها ولذاتها، فهذه المطالب لا تبقى في القيامة، بل يصير طلب الدنيا سبباً لحصول الآلام والآفات في يوم القيامة، فلا جرم تنقلب هذه المحبة الدنيوية بغضة ونفرة في القيامة، أما إن كان الموجب لحصول المحبة في الدنيا الاشتراك في محبة الله وفي خدمته وطاعته، فهذا السبب غير قابل للنسخ والتغير، فلا جرم كانت هذه المحبة باقية في القيامة، بل كأنها تصير أقوى وأصفى وأكمل وأفضل مما كانت في الدنيا، فهذا هو التفسير المطابق لقوله تعالى: {ٱلأَخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ }، الحكم الثاني: من أحكم يوم القيامة، وقوله تعالى: {يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون} وقد ذكرنا مراراً أن عادة القرآن جارية بتخصيص لفظ العباد، بالمؤمنين المطيعين المتقين، فقوله {يا عِبَادِ } كلام الله تعالى، فكأن الحق يخاطبهم بنفسه ويقول لهم {يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ } وفيه أنواع كثيرة مما يوجب الفرح أولها: أن الحق سبحانه وتعالى خاطبهم بنفسه من غير واسطة وثانيها: أنه تعالى وصفهم بالعبودية، وهذا تشريف عظيم، بدليل أنه لما أراد أن يشرف محمداً صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، قال: { أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ } تفسير : [الإسراء: 1] وثالثها: قوله {لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ } فأزال عنهم الخوف في يوم القيامة بالكلية، وهذا من أعظم النعم ورابعها: قوله {وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ } فنفى عنهم الحزن بسبب فوت الدنيا الماضية. ثم قال تعالى: {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِـئَايَـٰتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ } قيل {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } مبتدأ، وخبره مضمر، والتقدير يقال لهم: أدخلوا الجنة، ويحتمل أن يكون المعنى أعني الذين آمنوا، قال مقاتل: إذا وقع الخوف يوم القيامة، نادى منادٍ {يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ } فإذا سمعوا النداء رفع الخلائق رؤوسهم، فيقال {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِـئَايَـٰتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ } فتنكس أهل الأديان الباطلة رؤوسهم الحكم الثالث: من وقائع القيامة، أنه تعالى إذا أمن المؤمنين من الخوف والحزن، وجب أن يمر حسابهم على أسهل الوجوه وعلى أحسنها، ثم يقال لهم {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوٰجُكُمْ تُحْبَرُونَ } والحبرة المبالغة في الإكرام فيما وصف بالجميل، يعني يكرمون إكراماً على سبيل المبالغة، وهذا مما سبق تفسيره في سورة الروم. ثم قال: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَـٰفٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوٰبٍ } قال الفراء: الكوب المستدير الرأس الذي لا أذن له، فقوله {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَـٰفٍ مِّن ذَهَبٍ } إشارة إلى المطعوم، وقوله {وَأَكْوابٍ } إشارة إلى المشروب، ثم إنه تعالى ترك التفصيل وذكر بياناً كلياً، فقال: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ }. ثم قال: {وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } وقد ذكرنا في وراثة الجنة وجهين في قوله { أية : أُوْلَــٰئِكَ هُمُ ٱلْوٰرِثُونَ * ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ } تفسير : [المؤمنون: 10، 11] ولما ذكر الطعام والشراب فيما تقدم، ذكر ههنا حال الفاكهة، فقال: {لَكُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌ مّنْهَا تَأْكُلُونَ }. واعلم أنه تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم إلى العرب أولاً، ثم إلى العالمين ثانياً، والعرب كانوا في ضيق شديد بسبب المأكول والمشروب والفاكهة، فلهذا السبب تفضل الله تعالى عليهم بهذه المعاني مرة بعد أخرى، تكميلاً لرغبتهم وتقوية لدواعيهم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ} يريد يوم القيامة. {بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} أي أعداء، يعادي بعضهم بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً. {إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ} فإنهم أخلاء في الدنيا والآخرة؛ قال معناه ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وحكى النقاش أن هذه الآية نزلت في أميّة بن خلف الْجُمَحِيّ وعُقْبة بن أبي مُعَيْط، كانا خليلين؛ وكان عقبة يجالس النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش: قد صبأ عقبة بن أبي مُعَيط؛ فقال له أميّة: وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمداً ولم تَتْفُل في وجهه؛ ففعل عقبة ذلك؛ فنذر النبي صلى الله عليه وسلم قتله فقتله يوم بدرٍ صَبْراً، وقُتل أميّة في المعركة؛ وفيهم نزلت هذه الآية. (وذكر الثعلبي رضي الله عنه في هذه الآية) قال: كان خليلان مؤمنان وخليلان كافران، فمات أحد المؤمنين فقال: يا رب، إن فلاناً كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، وكان يأمرني بالخير وينهاني عن الشر، ويخبرني أني ملاقيك، يا رب فلا تُضِلّه بعدي، وٱهده كما هديتني، وأكرمه كما أكرمتني. فإذا مات خليله المؤمن جمع الله بينهما، فيقول الله تعالى: لِيُثْنِ كل واحد منكما على صاحبه، فيقول: يا ربّ، إنه كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالخير وينهاني عن الشر، ويخبرني أني ملاقيك، فيقول الله تعالى: نِعم الخليل ونعم الأخ ونعم الصاحب كان. قال: ويموت أحد الكافرين فيقول: يا رب، إن فلاناً كان ينهاني عن طاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير، ويخبرني أني غير ملاقيك، فأسألك يا رب ألاّ تَهْدِه بعدي، وأن تضله كما أضللتني، وأن تهينه كما أهنتني؛ فإذا مات خليله الكافر قال الله تعالى لهما: لِيُثْنِ كل واحد منكما على صاحبه، فيقول: يا ربّ، إنه كان يأمرني بمعصيتك ومعصية رسولك، ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير ويخبرني أني غير ملاقيك، فأسألك أن تضاعف عليه العذاب؛ فيقول الله تعالى: بئس الصاحب والأخ والخليل كنت. فيلعن كل واحد منهما صاحبه. قلت: والآية عامة في كل مؤمن ومتقٍ وكافر ومُضِل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلأَخِلآءُ } على المعصية في الدنيا {يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة متعلق بقوله {بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ } المتحابين في الله على طاعته فإنهم أصدقاء، ويقال لهم:

ابن عبد السلام

تفسير : {بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} في الدنيا لأن كلاً زين للآخر ما يوبقه، أو أعداء في الآخرة مع ما كان بينهم من التواصل في الدنيا قيل: نزلت في أمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط لما أمره أن يتفل في وجه الرسول صلى الله عليه وسلم ففعل فنذر الرسول صلى الله عليه وسلم قتله فقتله يوم بدر صبراً وقتل أمية في المعركة.

الخازن

تفسير : {الأخلاء} أي على الكفر والمعصية في الدنيا {يومئذ} يعني يوم القيامة {بعضهم لبعض عدو} أي إن الخلة إذا كانت كذلك صارت عداوة يوم القيامة {إلا المتقين} أي إلا الموحدين المتحابين في الله عز وجل المجتمعين على طاعته، روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الآية قال: "خليلان مؤمنان وخليلان كافران مات أحد المؤمنين فقال يا رب إن فلاناً كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك صلى الله عليه وسلم ويأمرني بالخير وينهاني عن الشر ويخبرني أني ملاقيك يا رب فلا تضله بعدي واهده كما هديتني وأكرمه كما أكرمتني فإذا مات خليله المؤمن جمع بينهما فيقول ليثن كل منكما على صاحبه فيقول نعم الأخ ونعم الخليل ونعم الصاحب، قال ويموت أحد الكافرين فيقول رب إن فلاناً كان ينهاني عن طاعتك وطاعة رسولك ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير ويخبرني أني غير ملاقيك فيقول ليثن كل منكما على صاحبه فيقول بئس الأخ وبئس الخليل وبئس الصاحب". قوله عز وجل: {يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون} قيل إن الناس حين يبعثون ليس أحد منهم إلا فزع فينادي مناد يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون فيرجوها الناس كلهم فيتبعها {الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين} فييأس الناس كلهم غير المسلمين فيقال لهم {ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون} أي تسرون وتنعمون {يطاف عليهم بصحاف من ذهب} جمع صحفة وهي القصعة الواسعة {وأكواب} جمع كوب وهو إناء مستدير بلا عروة {وفيها} أي في الجنة {ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين} عن عبد الرحمن بن سابط قال "حديث : قال رجل يا رسول الله هل في الجنة خيل فإني أحب الخيل قال إن يدخلك الله الجنة فلا تشاء أن تركب فرساً من ياقوتة حمراء فتطير بك في أي الجنة شئت إلا فعلت وسأله آخر فقال يا رسول الله هل في الجنة من إبل فإني أحب الإبل قال فلم يقل ما قال لصاحبه فقال إن يدخلك الله الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك" تفسير : أخرجه الترمذي {وأنتم فيها خالدون}.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه، عن سعد بن معاذ رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إذا كان يوم القيامة انقطعت الأرحام، وقلت الأنساب، وذهبت الأخوّة، إلا الأخوة في الله‏"‏تفسير : وذلك قوله‏:‏ ‏{‏الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين‏}‏‏. ‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين‏}‏ قال‏:‏ معصية الله في الدنيا متعادين‏. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين‏} ‏ قال‏:‏ وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏الأخلاء أربعة مؤمنان وكافران، فمات أحد المؤمنين، فسئل عن خليله فقال‏:‏ اللهم لم أر خليلاً آمر بمعروف ولا أنهى عن منكر منه، اللهم اهده كما هديتني، وأمته على ما أمتني عليه، ومات أحد الكافرين، فسئل عن خليله‏؟‏ فقال‏:‏ اللهم لم أر خليلاً آمَرَ بمنكر منه ولا أنهى عن معروف منه، اللهم أضله كما أضللتني وأمته على ما أمتني عليه قال‏:‏ ثم يبعثون يوم القيامة، فقال‏:‏ ليثن بعضكم على بعض، فاما المؤمنان، فاثنى كل واحد منهما على صاحبه كأحسن الثناء، وأما الكافران، فأثنى كل واحد منهما على صاحبه كأقبح الثناء ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، عن كعب رضي الله عنه قال‏:‏ يؤتى بالرئيس في الخير يوم القيامة، فيقال‏:‏ أجب ربك، فينطلق به إلى ربه، فلا يحجب عنه، فيؤمر به إلى الجنة، فيرى منزله ومنازل أصحابه الذين كانوا يجامعونه على الخير، ويعينونه عليه، فيقال هذه منزلة فلان وهذه منزلة فلان، فيرى ما أعد الله في الجنة من الكرامة، ويرى منزلته أفضل من منازلهم، ويكسى من ثياب الجنة، ويوضع على رأسه تاج ويعلقه من ريح الجنة ويشرق وجهه حتى يكون مثل القمر ليلة البدر، فيخرج فلا يراه أهل ملأ إلا قالوا‏:‏ اللهم اجعله منهم حتى يأتي أصحابه الذين كانوا يجامعونه على الخير ويعينونه عليه، فيقول أبشر يا فلان، فإن الله أعد لك في الجنة كذا وأعد لك في الجنة كذا وكذا، فلا يزال يخبرهم بما أعد الله لهم في الجنة من الكرامة حتى يعلو وجوههم من البياض مثل ما علا وجهه، فيعرفهم الناس ببياض وجوههم، فيقولون هؤلاء أهل الجنة‏.‏ ويؤتى بالرئيس في الشر، فيقال أجب ربك، فينطلق به إلى ربه، فيحجب عنه ويؤمر به إلى النار، فيرى منزله ومنازل أصحابه، فيقال هذه منزلة فلان وهذه منزلة فلان، فيرى ما أَعَدَّ الله فيها من الهوان ويرى منزلته شراً من منازلهم، فَيَسْوَدُّ وَجْهَهُ وَتَزْرَقُّ عيناه ويوضع على رأسه قلنسوة من نار، فيخرج فلا يراه أهل ملأ إلا تعوذوا بالله منه، فيقول ما أعاذكم الله مني‏؟‏ أما تذكر يا فلان كذا وكذا، فيذكرهم الشر الذي كانوا يجامعونه ويعينونه عليه، فما يزال يخبرهم بما أعد الله لهم في النار حتى يعلو وجوههم من السواد مثل الذي علا وجهه، فيعرفهم الناس بسواد وجوههم، فيقولون هؤلاء أهل النار‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وحميد بن زنجويه في ترغيبه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ إلا المتقين‏} ‏ قال‏:‏ خليلان مؤمنان وخليلان كافران، توفي أحد المؤمنين، فبشر بالجنة فذكر خليله، فقال‏:‏ اللهم إن خليلي فلاناً كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك ويأمرني بالخير وينهاني عن الشر وينبئني أني ملاقيك اللهم فلا تضله بعدي حتى تريه ما أريتني وترضى عنه كما رضيت عني، فيقال له اذهب، فلو تعلم ما له عندي لضحكت كثيراً ولبكيت قليلاً، ثم يموت الآخر، فيجمع بين أرواحهما، فيقال‏:‏ ليثن كل واحد منكما على صاحبه، فيقول كل واحد منهما لصاحبه نعم الأخر ونعم الصاحب ونعم الخليل، وإذا مات أحد الكافرين بشر بالنار، فيذكر خليله، فيقول‏:‏ اللهم إن خليلي فلاناً كان يأمرني بمعصيتك ومعصية رسولك ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير وينبئني أني غير ملاقيك، اللهم فلا تهده بعدي حتى تريه مثل ما اريتني وتسخط عليه كما سخطت علي، فيموت الآخر، فيجمع بين أرواحهما، فيقال ليثن كل واحد منكما على صاحبه، فيقول كل واحد منهما لصاحبه بئس الأخ وبئس الصاحب وبئس الخليل‏.‏ وأخرج ابن جرير، عن سليمان التيمي قال‏:‏ سمعت أن الناس حين يبعثون ليس فيهم إلا فزع، فينادي منادٍ {‏يا عبادِ، لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون‏}‏ فيرجوها الناس كلهم فيتبعها ‏ {‏الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين‏} ‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏تحبرون‏}‏ قال‏:‏ تكرمون والله تعالى أعلم‏.‏ وأخرج ابن المبارك وابن أبي الدنيا في صفة الجنة والطبراني في الأوسط بسندٍ رجاله ثقات، عن أنس رضي الله عنه‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏إن أسفل أهل الجنة أجمعين درجة، لمن يقوم على رأسه عشرة آلاف، بيد كل واحد صحفتان‏:‏ واحدة من ذهب، والأخرى من فضة، في كل واحدة لون ليس في الأخرى مثله، يأكل من آخرها مثل ما يأكل من أولها، يجد لآخرها من الطيب واللذة مثل الذي يجد لأولها، ثم يكون ذلك ريح المسك الأذفر، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون، إخواناً على سرر متقابلين ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير، عن السدي رضي الله عنه ‏{‏بصحاف‏} ‏ قال‏:‏ القصاع‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، عن كعب رضي الله عنه قال‏:‏ إن أدنى أهل الجنة منزلة يوم القيامة، ليؤتى بغدائه في سبعين ألف صحفة، في كل صحفة لون ليس كالآخر، فيجد للآخر لذته، أوله ليس منه أول‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ ‏ {‏الأكواب‏} ‏ الجرار من الفضة‏.‏ وأخرج هناد وابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه قال‏‏ {‏الأكواب‏} ‏ التي ليس لها آذان‏.‏ وأخرج الطستي في مسائله، عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله‏:‏ ‏ {‏وأكواب‏} ‏ قال‏:‏ القلال التي لا عرا لها‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم أما سمعت قول الهذلي‏؟‏ شعر : فلم ينطق الديك حتى ملأت كوب الذباب له فاستدارا تفسير : وأخرج ابن جرير، عن الضحاك في قوله‏:‏ ‏ {‏بأكواب‏} ‏ قال‏:‏ جرار ليس لها عرا، وهي بالنبطية كوى‏. وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : "‏إن أهون أهل النار عذاباً رجل يطأ على جمرة يغلي منها دماغه"‏ قال أبو بكر الصديق‏:‏ وما كان جرمه يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ "‏كانت له ماشية يغشى بها الزرع ويؤذيه وحرم الله الزرع وما حوله رمية بحجر، فلا تستحبوا أموالكم في الدنيا وتهلكوا أنفسكم في الآخرة" وقال‏:‏ "‏إن أدنى أهل الجنة منزلة وأسفلهم درجة لا يدخل بعده أحد، يفسح له في بصره مسيرة عام في قصور من ذهب وخيام من لؤلؤ ليس فيها موضع شبر إلا معمور يغدى عليه كل يوم ويراح بسبعين ألف صحفة في كل صحفة لون ليس في الآخر مثله، شهوته في آخرها كشهوته في أولها، لو نزل به جميع أهل الأرض لوسع عليهم مما أعطى لا ينقص ذلك مما أوتي شيئا‏ً" "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير، عن أبي أمامة قال‏:‏ إن الرجل من أهل الجنة يشتهي الطائر وهو يطير، فيقع منفلقاً نضيجاً في كفه، فيأكل منه حتى ينتهي ثم يطير، ويشتهي الشراب، فيقع الإِبريق في يده، فيشرب منه ما يريد ثم يرجع إلى مكانه‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة ‏ {‏وأكواب‏} ‏ قال‏:‏ هي دون الأباريق، بلغنا أنها مدوّرة الرأس‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي أمامة‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم وذكر الجنة فقال‏:‏ ‏"حديث : ‏والذي نفسي بيده ليأخذن أحدكم اللقمة فيجعلها في فيه، ثم يخطر على باله طعام آخر، فيتحول الطعام الذي في فيه على الذي اشتهى‏"‏تفسير : ثم قرأ ‏{‏وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون‏}. وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة، عن ابن عباس قال‏:‏ الرمانة من رمان الجنة يجتمع عليها بشر كثير يأكلون منها، فان جرى على ذكر أحدهم شيء وجده في موضع يده حيث يأكل‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا والبزار وابن المنذر والبيهقي في البعث، عن ابن مسعود قال‏:‏ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إنك ستنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشوياً ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا، عن ميمونة‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الرجل ليشتهي الطير في الجنة، فيجيء مثل البختي حتى يقع على خوانه لم يصبه دخان ولم تمسه نار، فيأكل منه حتى يشبع، ثم يطير‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال‏:‏ أخس أهل الجنة منزلاً له سبعون ألف خادم مع كل خادم صحفة من ذهب لو نزل به أهل الأرض جميعاً لأوصلهم، لا يستعين عليهم بشيء من عند غيره‏.‏ وذلك في قول الله ‏{‏وفيها ما تشتهي الأنفس‏} ‏‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم، عن ابن عباس أنه سئل في الجنة ولد‏؟‏ قال‏:‏ إن شاؤوا‏.‏ وأخرج أحمد وهناد والدارمي وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن المنذر وابن حبان والبيهقي في البعث، عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ ‏"حديث : قلنا يا رسول الله إن الولد من قرة العين وتمام السرور، فهل يولد لأهل الجنة‏؟‏ فقال‏:‏ "‏إن المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنه في ساعة‏:‏ كما يشتهي" ‏"‏‏. تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن ابن سابط قال‏:‏ ‏"حديث : قال رجل يا رسول الله‏:‏ أفي الجنة خيل‏؟‏ فإني أحب الخيل؛ قال‏: "‏إن يدخلك الله الجنة ما من شيء شئت إلا فعلت" فقال الأعرابي‏:‏ أفي الجنة إبل‏؟‏ فإني أحب الإِبل؛ فقال يا اعرابي‏:‏ ‏‏"إن أدخلك الله الجنة أصبت فيها ما تشتهي نفسك ولذت عينك‏" "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن مردويه، عن بريدة قال‏: ‏"حديث : ‏ جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ هل في الجنة خيل‏؟‏ فإنها تعجبني؛ قال‏: "‏إن أحببت ذلك أتيت بفرس من ياقوتة حمراء، فتطير بك في الجنة حيث شئت" فقال له رجل‏:‏ إن الإِبل تعجبني؛ فهل في الجنة من إبل‏؟‏ فقال‏: "‏يا عبد الله، إن أدخلت الجنة، فلك فيها ما تشتهي نفسك ولذت عينك‏" "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد، عن كثير بن مرة الحضرمي قال‏:‏ إن السحابة لتمر بأهل الجنة فتقول ما أمطركم‏؟ وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن سابط قال‏:‏ إن الرسول يجيء إلى الشجرة من شجر الجنة، فيقول‏:‏ إن ربي يأمرك أن تفتقي لهذا ما شاء، فإن الرسول ليجيء إلى الرجل من أهل الجنة، فينشر عليه الحلة، فيقول‏:‏ قد رأيت الحلل، فما رأيت مثل هذه‏!‏‏‏ وأخرج ابن أبي شيبة، عن عمر بن قيس قال‏:‏ إن الرجل من أهل الجنة ليشتهي الثمرة، فتجيء حتى تسيل في فيه، وإنها في أصلها في الشجرة‏.‏ وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن عبد الرحمن بن سابط قال‏:‏ إن الرجل من أهل الجنة، ليزوّج خمسمائة حوراء، وأربعمائة بكر، وثمانية آلاف ثيب، ما منهن واحدة إلا يعانقها عمر الدنيا كلها، لا يوجد واحد منهما من صاحبه، وإنه لتوضع مائدته، فما تنقضي منها نهمته عمر الدنيا كلها، وإنه ليأتيه الملك بتحية من ربه، وبين أصبعيه مائة أو سبعون حلة، فيقول ما أتاني من ربي شيء أعجب إليّ من هذه‏!‏ فيقول‏:‏ أيعجبك هذا‏؟‏ فيقول‏:‏ نعم فيقول: الملك‏‏ لأدنى شجرة بالجنة تلوني لفلان من هذا ما اشتهت نفسه‏.‏ وأخرج ابن جرير، عن أبي ظبية السلمي قال‏:‏ إن السرب من أهل الجنة لتظلهم السحابة فتقول‏:‏ ما أمطركم‏؟‏ فما يدعو داع من القوم بشيء، الا أمطرتهم، حتى أن القائل منهم ليقول‏:‏ أمطرينا كواعب أترابا‏ً.‏

ابو السعود

تفسير : {ٱلأَخِلاء} المتحابُّون في الدُّنيا على الإطلاقِ أو في الأمورِ الدُّنيويةِ {يَوْمَئِذٍ} يومَ إذْ تأتيهُم الساعةُ {بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} لانقطاعِ ما بـينَهم منْ علائقِ الخُلَّةِ والتَّحابِّ لظهورِ كونِها أسباباً للعذابِ. {إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ} فإنَّ خُلَّتَهم في الدُّنيا لمَّا كانتْ في الله تبقَى على حالِها بل تزدادُ بمشاهدةِ كلَ منهُم آثارَ خُلَّتِهم من الثوابِ ورفعِ الدَّرجاتِ، والاستثناءُ على الأولِ متصلٌ وعلى الثَّانِي منقطِعٌ {يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} حكايةٌ لما يُنادَى به المتقونَ المتحابونَ في الله يومئذٍ تشريفاً لهم وتطيـيباً لقلوبِهم. {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِـئَايَـٰتِنَا} صفةٌ للمُنادَى أو نُصب على المدحِ. {وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ} أي مُخلصينَ وجوهَهُم لنَا جاعلينَ أنفسَهُم سالمةً لطاعتِنا، وهو حالٌ من واوِ آمنُوا. عن مقاتلٍ: إذَا بعثَ الله النَّاسَ فزعَ كلُّ أحدٍ فُينادِي منادٍ يا عبادِي فيرفعُ الخلائقُ رؤوسَهُم على الرجاءِ ثم يتبعُها الذينَ آمنُوا الآيةَ فينكِّسُ أهلْ الأديانِ الباطلةِ رؤوسَهُم. {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوٰجُكُمْ} نساؤُكم المؤمناتُ. {تُحْبَرُونَ} تُسرُّون سروراً يظهرُ حَبارُه أي أثرُه على وجوهِكم، أو تُزينونَ من الحَبَرةِ وهو حُسن الهيئةِ، أو تُكرمونَ إكراماً بليغاً. والحَبْرةُ المبالغةُ فيما وصفَ بجميلٍ. {يُطَافُ عَلَيْهِمْ} بعدَ دخولِهم الجنَّةَ حسبَما أُمرِوا بهِ. {بِصِحَـٰفٍ مّن ذَهَبٍ وَأَكْوٰبٍ} كذلك. والصِّحافُ جمعُ صَحْفةٍ، قيلَ: هيَ كالقصعَةِ، وقيلَ: أعظمُ القِصَاعِ الجفنةُ ثم القصعةُ ثم الصحفةُ ثم المكيلةُ. والأكوابُ جمعُ كوبٍ وهو كوزٌ لا عُروةَ لَهُ. {وَفِيهَا} أي في الجَّنةِ {مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ} من فُنونِ الملاذِّ. وقُرِىءَ ما تَشْتَهي. {وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ} أي تستلذُّه وتقرُّ بمشاهدتِه، وقُرِىءَ وتلذُّهُ {وَأَنتُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ}إتمامٌ للنعمةِ وإكمالٌ للسرورِ، فإنَّ كلَّ نعيمٍ له زوالٌ بالآخرةِ مقارن لخوفِه لا محالةَ. والالتفاتُ للتشريفِ. {وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ} مبتدأٌ وخبرٌ {ٱلَّتِى أُورِثْتُمُوهَا} وقُرِىءَ وُرِّثتمُوهَا {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} في الدُنيا الأعمالِ الصالحةِ، شبَّه جزاءَ العملِ بالميراثِ لأنَّه يخلُفه العامل عليه، وقيلَ تلكَ الجنةُ مبتدأٌ وصفةٌ والموصولُ مع صلتِه خبرُهُ، وقيلَ: هو صفةُ الجنةُ كالوجهِ الأولِ والخبرُ بما كنتُم تعملُون فتتعلقُ الباءُ بمحذوفٍ لا بأُورثتمُوها كما في الأولَينِ. {لَكُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌ كَثِيرَةٌ} بحسبِ الأنواعِ والأصنافِ لا بحسبِ الأفرادِ فقطْ {مّنْهَا تَأْكُلُونَ} أي بعضَها تأكلونَ في كلِّ نوبةٍ، وأمَّا الباقِي فَعَلى الأشجارِ على الدوامِ لا ترى فيها شجرةً خلتْ عن ثمرِهَا لحظةً فهي مزينةٌ بالثمارِ أبداً مُوقَرةٌ بَها. وعنِ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : لا ينزعُ رجلٌ من الجنَّةِ من ثمرِها إلا نبتَ مثلاَها مكانَها ».

السلمي

تفسير : قال ابن عطاء: كل أخوة وصلة منقطعة إلا ما كان فى الله ولله فإنه كل وقت فى زيادة لأن الله عز وجل يقول: {ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ...} الآية، أى فى أنف يطاع وبغضة إلاَّ المتقين وأنهم فى راحة أخوتهم يرون فضل ذلك وثوابها. وقيل فى قوله: {ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ} إلا من اجتنب أخلاء السوء ووالى من والى فى الله وخالل من خالل فى الله.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ}. ما كان لغيرِ اللَّهِ فمآلُه إلى الضياع والأخلاءُ الذين اصطحبوا عَلَى مقتضى الهوى بعضهم لبعض عدو؛ يتبرَّأ بعضُهم من بعضَ، فلا ينفع أحدٌ أحداً. وأمَّا الأخلاءُ في الله فيشفع بعضهم في بعض، ويتكلم بعضهم في شأن بعض، أولئك هم المتقون الذين استثناهم الله بقوله: {إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ}. وشرط الخلَّة في الله؛ ألا يستعمل بعضُهم بعضاً في الأمور الدنيوية، ولا يرتفق بعضهم ببعضٍ؛ حتى تكونَ الصحبةُ خالصةً لله لا لنصيبٍ في الدنيا، ويكون قبولُ بعضهم بعض لأَجْلِ الله، ولا تجري بينهم مُداهَنَةٌ، وبقَدْرِ ما يرى أحدُهم في صاحبه من قبولٍ لطريقِ اللَّهِ يقبله؛ فإنْ عَلِمَ منه شيئاً لا يرضاه اللَّهُ لا يَرْضَى ذلك من صاحبه، فإذا عاد إلى تركه عاد هذا إلى مودته، وإلاّ فلا ينبغي أن يُساعدَه عَلَى معصيته، كما ينبغي أن يتقيه بقلبه، وأَلا يسكنَ إليه لغرضٍ دنيوي أو لطمعٍ أو لِعِوَض. قوله جلّ ذكره: {يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ}. يقال لهم غداً: {يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ} مما يلقاه أهل الجمع من الأهوال، ولا أنتم تحزنون فيما قَصَّرْتُم من الأعمال... أمَّا الذنوب.. فقد غفرناها، وأمَّا الأهوال.. فكفيناها، وأمَّا المظالم.. فقضيناها. فإذا قال المنادي: هذا الخطاب يُطْمِعُ الكلَّ قالوا: نحن عباده، فإذا قال: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ}. أيِسَ الكفارُ، وقَوِيَ رجاءُ المسلمين. قوله جلّ ذكره: {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ}. في رياض الجنة، وترْتَعون. ويقال: {تُحْبَرُونَ} من لذة السماع. قوله جل ذكره: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. العُبَّاد لهم فيها ما تشتهي أنفُسهم لأنهم قاسوا في الدنيا - بحُكم المجاهدات - الجوعَ والعطشَ، وتحمَّلوا وجُوهَ المشاقِّ، فيُجازون في الجنةَ بوجوهٍ من الثواب. وأمَّا أهل المعرفة والمحبّون فلهم ما يلذ أعينهم من النظر إلى الله لطول ما قاسوه من فَرْطِ الاشتياق بقلوبهم؛ وما عالجوه من الاحتراق لشدة غليلهم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ} اى كل خلة لا تكون الله يتولد عنها العداوة فى الدنيا والأخرة والمتحابون فى الله لا يقع بينهم العداوة اذا ارتفع من بينهم اسباب الكونين والعالمين وهم مقدسون بتاييد الله ورعايته عن كل خلاف يورث الوحشة قال ابن عطا كل وصلة واخوة منقطعة الا ما كان لله وفى الله فانه كل وقت فى زيادة بان الله يقول الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو اى فى انقطاع وبغضة الا المتقون فانهم فى راحة اخوتهم يرون فضل ذلك وثوابها ثم خاطب الله سبحانه هؤلاء المتقين بقوله {يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ} ولا حزن الاصحاب قال ابن عطا لا خوف عليكم اليوم فى الدنيا وخوف مقارنة الايمان {وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} فى الأخرة بوحشة البعد والمفارقة.

اسماعيل حقي

تفسير : {الاخلاء} جمع خليل بالفارسية دوست. والخلة المودة لانها تتخلل النفس اى تتوسطها اى المتحابون فى الدنيا على الاطلاق او فى الامور الدنيوية {يومئذ} يوم اذ تأتيهم الساعة وهو ظرف لقوله عدو والفصل بالمبتدأ غير مانع والتنوين فيه عوض عن المضاف اليه {بعضهم لبعض عدو} لانقطاع ما بينهم من علائق الخلة والتحاب لظهور كونها اسبابا بالعذاب {الا المتقين} فان خلتهم فى الدنيا لما كانت فى الله تبقى على حالها بل تزداد بمشاهدة كل منهم آثار الخلة من الثواب ورفع الدرجات والاستثناء على الاول متصل وعلى الثانى منقطع (قال الكاشفى) كافران كه دوستئ ايشان براى معاونت بوده بر كفر معصيت باهمه دشمن شوندكه ويلعن بعضهم بعضا ومؤمنان كه محبت ايشان براى خداى تعالى بوده دوستئ ايشان مجانا باشد تا يكديكررا شفاعت كنند ودر تأويلات كاشفى مذكور است كه خلت جهار نوع مى باشد خلت تامة حقيقيه كه محبت روحانيه است وآن مستند بود به تناسب ارواح وتعارف آن جون محبت انبيا واوليا واصفيا وشهدا با يكديكر دوم محبت قلبيه واستناد اين به تناسب اوصاف كامله واخلاق فاضله است جون محبت صلحا وابرار باهم ودوستئ امم با انبيا وارادت مريدان بمشايخ واين دو نوع ازمحبت خلل بذير نيست نه در دنيا نه در آخرت ومثمر فوائد نتائج صورى ومعنويست سوم محبت عقليه كه مستند است بتحصيل اسباب معاش وتيسير مصالح دنيويه جون محبت تجار وصناع ودوستى خدام بامخاديم وارباب حاجات باغنيا جهارم محبت نفسانيه واستناد آن بلذات حسيه ومشتهيات نفسيه بس در قيامت كه اسباب اين دو نوع از محبت قانى وزائل باشد آن محبت نيز زوال بذيرد بلكه جون متمنئ وجود نكيرد وغرض وغايت بحصول نه بيوندد آن دوستى به دشمنى مبدل شود. دوستئ كان غرض آميزشد. دوستئ دشمنى انكيز شد. مهركه ازهر غرضى كشت باك. راست جو خورشيد شود تابناك. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان كل خلة وصداقة تكون فى الدنيا مبنية على الهوى والطبيعة الانسانية تكون فى الاخرة عداوة يتبرأ بعضهم من بعض والاخلاء فى الله خلتهم باقية الى الابد وينتفع بعضهم من بعض ويشفع بعضهم فى بعض ويتكلم بعضهم فى شأن بعض وهم المتقون الذين استثناهم وشرآئط الخلة فى الله ان يكونوا متحابين فى الله محبة خالصة لوجه الله من غير شوب بعلة دنيوية هوآئية متعاونين فى طلب الله ولا يجرى بينهم مداهنة فبقدر ما يرى بعضهم فى بعض من صدق الطلب والجد والاجتهاد يساعده ويوافقه ويعاونه فاذا علم منه شيئا لا يرضاه الله تعالى لا يرضاه من صاحبه ولا يداريه فقد قيل المداراة فى الطريقة كفر بل ينصحه بالرفق والموعظة الحسنة فاذا عاد الى ما كان عليه وترك ما تجدد لديه يعود الى صدق مودته وحسن صحبته كما قال الله تعالى {أية : وان عدتم عدنا} تفسير : هنوزت ازسر صلحست بازآى. كزان محبوبترباشى كه بودى. وقال على بن ابى طالب رضى الله عنه فى هذه الآية كان خليلان مؤمنان وخليلان كافران فمات احد المؤمنين فقال يا رب ان فلانا كان يأمرنى بطاعتك وطاعة رسولك ويأمرنى بالخير وينهانى عن الشر ويخبرنى انى ملاقيك يا رب فلا تضله بعدى واهده كما هديتنى واكرمه كما اكرمتنى فاذا مات خليله المؤمن جمع بينهما اى بين ارواحهما فيقول كل واحد منهما لصاحبه نعم الاخ ونعم الصاحب فيثنى عليه خيرا قال ويموت احد الكافرين فيقول يا رب ان فلانا كان ينهانى عن طاعتك وطاعة رسولك ويأمرنى بالشر وينهانى عن الخير ويخبرنى انى غير ملاقيك فلا تهده بعدى واضلله كما اضللتنى وأهنه كما اهنتنى فاذا مات خليله الكافر جمع بينهما فيقول كل واحد منهما لصاحبه بئس الاخ وبئس الخليل فيثنى عليه شرا وفى الحديث "حديث : ان الله يقول يوم القيامة اين المتحابون بجلالى اليوم اظلهم فى ظلى يوم لا ظل الا ظلى" تفسير : وفى رواية اخرى "حديث : المتحابون فى" تفسير : اى فى الله بجلالى "حديث : لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهدآء" تفسير : وقال ابن عباس رضى الله عنهما أحب لله وابغض لله ووال لله وعاد لله فانه انما ينال ما عند الله بهذا ولن ينفع احدا كثرة صومه وصلاته وحجه حتى يكون هكذا وقد صار الناس اليوم يحبون ويبغضون للدنيا ولن ينفع ذلك اهله ثم قرأ الآية وقد ثبت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين والانصار بعد قدومه الى المدينة وقال "حديث : كونوا فى الله اخوانا" تفسير : اى لا فى طريق الدنيا والنفس والشيطان وقال الصديق رضى الله عنه من ذاق خالص محبة الله منعه ذلك من طلب الدنيا واوحشه ذلك من جميع البشر. اكر كسىرا دوست دارد از مخلوقات از آنست كه وى بحق تعالى تعلقى دارد يا ازروى دوستى باحق مناسبتى دارد شعر : وما عمدى بحب تراب ارض ولكن ما يحل به الحبيب تفسير : قال عبيد بن عمر كان لرجل ثلاثة اخلاء بعضهم اخص به من بعض فنزلت به نازلة فلقى اخص الثلاثة فقال يا فلان انه قد نزل بى كذا وكذا وانى احب ان تعيننى قال له ما انا بالذى اعينك وانفعك فانطلق الى الذى يليه فقال له انا معك حتى اذا بلغت المكان الذى تريده رجعت وتركتك فانطلق الى الثالث فقاله انا معك حيث ما كنت ودخلت قال فالاول ماله والثانى أهله وعشيرته والثالث عمله. بشهر قيامت مروتنكدست. كه وجهى ندارد بحسرت نشست. كرت جشم وعقلست تدبيركور. كنون كن كه جشمت نخور دست مور

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {الأخلاءُ يومئذ بعضُهُم لبعضٍ عدو} أي: المتحابون في الدنيا على الأمور الذميمة متعادون يوم القيامة، يبغض بعضهم بعضاً، فتنقطع في ذلك اليوم كل خُلة كانت لغير الله، وتنقلب عدواة ومقتاً؛ لانقطاع سببها، وهو الاجتماع على الهوى، {إِلا المتقين} أي: الأخلّة المصادقين في الله، فإنها الخُلة الباقية؛ لأن خُلتهم في الدنيا لمَّا كانت لله، وفي الله، بقيت على حالها؛ لأن ما ان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل، بل تزداد خُلتهم بمشاهدة كل واحد منهم بركة خُلتهم من الثواب، ورفع الدرجات. وسُئل صلى الله عليه وسلم: مَن أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؟ فقال:"حديث : المتحابون في الله"تفسير : ، وخرَّج البزار عن ابن عباس رضي الله عنه قيل: يا رسول الله! أَيُّ جُلَسَائِنا خيرٌ؟ قال:"حديث : مَن ذكَّرَكُم بالله رؤيتُه، وزاد في عَمَلِكم مَنطِقُه؛ وذكَّركُمْ بالله عِلمُه ". تفسير : ومن كلام الشيخ أبي مدين رضي الله عنه: دليل تخليطك صحبتك للمخلطين، ودليل انقطاعك إلى الله صحبتك للمنقطعين. هـ. في سماع العتبية: قال مالك: لا تصحبْ فاجراً لئلا تتعلَّم من فجور، قال ابن رُشد: لا ينبغي أن يُصحب إلا مَن يُقتدى به في دينه وخيره؛ لأن قرين السوء يُردي، قال الحكيم: شعر : عَن المرْءِ لا تَسْأَلْ وسَلْ عن قَرِينه فَكُلُّ قَرِينِ بالمُقارِنِ مُقْتَد تفسير : وفي الحديث:"حديث : المَرْءُ على دينِ خَليله"تفسير : وسيأتي، في الإشارة بقية الكلام على المتحابين في الله. ويقال لهم حينئذ، تشريفاً لهم، وتطييباً لقلوبهم: {يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون}، ثم وصفهم أو مدحهم بقوله: {الذين آمنوا بآياتنا}؛ صدّقوا بآياتنا التنزيلية، {وكانوا مسلمين}؛ منقادين لأحكامنا، مخلصين وجوههم لنا، وعن مقاتل: "إذا بعث الناس، فزع كل أحد، فينادي منادٍ: {يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون} فيرجوها الناس كلهم، فيتعبها الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين، فيُنكِّس أهل الأديان الباطلة رؤوسَهم". ثم يقول لهم: {ادخلوا الجنةَ أنتم وأزواجُكم}؛ نساؤكم المؤمنات {تُحْبرون}؛ تُسرّون سروراً يظهر حُباره - أي: أثره - على وجوهكم أو: تُزَينون، من: الحبرة وهو حسن الهيئة، أو: تُكرَمون إكراماً بليغاً، وتتنعمون بأنواع النعيم. والحبرة: المبالغة فيما وصف بجميل؛ وتقدّم في قوله:{أية : فِى رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ}تفسير : [الروم: 15] أنه السماع. {يُطاف عليهم بصِحَافٍ من ذهب} أي: بعد دخولهم الجنة حسبنا أمروا به {وأكوابٍ} من ذهب؛ حذف لدلالة ما قبله. والصِحَاف: جمع صحفة، قيل: هي كالقصعة، وقيل: أعظم القصاع، فهي ثلاث: الجفنة، ثم القصعة، ثم الصحفة، والأكواب: جمع كوب، وهو كوز مستدير لا عروة له. وفي حديث أبي هريرة، عنه صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : أدنى أهْلُ الجنةِ مَن له سَبْعُ درجاتٍ، هو على السادسة، وفوقه السابعة، وإنّ له ثَلاَثَمائةِ خادمٍ، ويُغدى عليه ويُراح بثلاثمائة صَحفةٍ من ذَهبٍ، في كلِّ صَحْفَةٍ لونٌ ليس في الأُخرى مِثْلُه، وإنه لَيَلَدُّ آخِرُه كما يَلَدُّ أَوله، ويقول: لَوْ أَذِنْتَ لي يا رب لأطْعَمْتُ أهلَ الجنةِ، وأسقيتهم، ولا ينقص مما عندي شيء، وإنَّ لَه من الحور العِين لاثنين وسبعين زوجة، سوى أزواجه في الدنيا، وإن الواحدة منهن ليأخذَ مِقعدُها قَدرَ ميل"تفسير : . وفي حديث عكرمة:"حديث : إن أدنى أهل الجنة منزلةً مَن يُفسح له في بصره مسيرة مائة عام، في قصور من ذهب، وخيام من لؤلؤٍ، وليس منها موضع شبر إلا معمور، يُغدى عليه ويُراح بسبعين ألف صحفة من ذهب، ليس فيها صحفة إلا وفيها لون ليس في الأخرى مثله، شهوته في آخرها كشهوته في أولها، ولو نزل به جميع أهل الدنيا لوسع عليهم مما أعطى، ولا ينقص ذلك ما اُوتي شيئاً"تفسير : . ويجمع بينهما بتعدُّد اهل هذه المنزلة، وتفاوتهم. {وفيها} أي: في الجنة {ما تشتهيه الأنفسُ} من فنون الملاذ. ومَن قرأ بحذف الهاء؛ فلطول الموصول بالفعل والفاعل. {وتلذُّ الأعينُ} أي: تستلذه، وتقر بمشاهدته، وهذا حصر لأنواع النعيم؛ لأنها إما مشتهيات في القلوب، أو مستلذات في العيون، ففي الجنة كل ما يشتهي العبد من الملابس والمناكح والمراكب. رُوي أن رجلاً قال: يا رسول الله، إني أُحبُّ الخيلَ، فهل في الجنة خيلٌ؟ فقال:"حديث : إنْ يُدْخلك اللّهُ الجنةَ فلا تشاء أن تركبَ فرساً من ياقُوتَةٍ حمراء، يَطيرُ بكَ في الجنة حيث شئت، إلا فعلت، قال أعرابي: يا رسول الله، إني أحبُّ الإبلَ، فهل في الجنة إبل؟ فقال: يا أعرابي، إن يُدْخلك الله الجنة ففيها ما اشتهيت نفسك ولذَت عيناك"تفسير : . هـ. وقال أبو طيبة السلمي: إن الشرذمة من أهل الجنة لتظلهم سحابة، فتقول: ما أُمْطِرْكُم؟ فما يدعو داع من القوم بشيء إلا أَمطرَتْه، حتى إن الرجل منهم يقول: أمطر علينا كواعب أتراباً. وقال أبو أُمامة: إن الرجل من أهل الجنة ليشتهي الطائر وهو يطير، فيقع نضيجاً في كفه كما أراد، فيأكل منه حتى تشتهي نفسه، ثم يطير كان أول مرة، ويشتهي الشراب، فيقع الإبريق في يده، فيشرب منه ما يريد، ثم يُرفع الإبريق إلى مكانه. هـ. من الثعلبي. قال القشيري: وفيها ما تشتهيه الأنفس للعُبَّاد؛ لأنهم قاسوا في الدنيا - بحكم المجاهدات - الجوعَ والعطشَ، وتحمّلوا وجوهَ المشاقِّ، فيجزون في الجنة وجوهاً من الثواب، وأما أهل المعرفة والمحبُّون فلهم ما تلذّ أعينهم من النظر إلى الله، لطول ما قاسوه من فَرْطِ الاشتياق بقلوبهم، وما عالجوه من احتراقهم فيه لشدة غليلهم. هـ. والحاصل: أن ما تشتهي الأنفس يرجع لنعيم الأشباح، وتلذ الأعين لنعيم الأرواح من النظر، والقُرب، والمناجاة والمكالمة، والرضوان الأكبر، منحنا الله من ذلك الحظ الأوفر. {وأنتم فيها خالدون} إتمام للنعمة، وكمال للسرور؛ فإن كل نعيم له زواله مكدر بخوف زواله لا محالة. {وتلك الجنة}؛ مبتدأ وخبر، و "التي أُورثتموها": صفة الجنة، أو: "الجنة" صفة المبتدأ، الذي هو الإشارة، و"التي أورثتموها": خبره. أو: "التي أورثتموها" صفة المبتدأ، و {بما كنتم تعملون} : خبر، أي: حاصلة، أو كائنة بما كنتم تعملون في الدنيا، شبه جزاء العمل بالميراث؛ لبقائه على أهله دائماً، ولا ينافي هذا قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : لَن يُدخِل أحدَكُم الجنةَ عملُه"تفسير : ؛ لأن نفس الدخول بالرحمة، والتنعُّم والدرجات بقدر العمل، أو: تقول: الحديث خرج مخرج الحقيقة، والآية خرجت مخرج الشريعة، فالحقيقة تنفي العمل عن العبد، وتُثبته لله، والشريعة تُثبته له باعتبار الكسب، والدين كله وارد بين حقيقة وشريعة؛ فإذا شرع القرآن حققته السُّنة، وإذا شرعت السنة حققه القرآن. والله تعالى أعلم. {لكم فيها فاكهةُ كثيرة} بحسب الأنواع والأصناف، لا بحسب الأفراد فقط، {منها تأكلون} أي: لا تأكلون إلا بعضها، وأعقابها باقية في أشجارها على الدوام، لا ترى فيها شجراً خلت عن ثمرها لحظة، فهي مزيّنة بالثمار أبداً، موقورة بها، وعن النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا ينزع رجل في الجنة من ثمرها إلا نبت في مكانها مثلاها ". تفسير : الإشارة: كل خُلة وصحبة تنقطع يوم القيامة، إلاَّ خُلة المتحابين في الله، وهم الذين ورد في الحديث: أنهم يكونون في ظل العرش، والناس في حر الشمس، يغشى نورُهم الناسَ في المحشر، يغبطهم النبيون والشهداء لمنزلتهم عند الله. قيل: يا رسول الله، مَن هؤلاءِ؟ صفهم لنا لنعرفهم، قال: "حديث : رجالٌ من قبائلَ شتى، يجتمعون على ذكر الله ". تفسير : وقد ورد فيهم أحاديث، منها: حديث الموطأ، عن معاذ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله تعالى:حديث : وَجَبَتْ محَبتِّي للمُتَحَابِّين فِيَّ، والمُتَجالِسينَ فيّ، والمُتبَاذِلينَ فِيّ، والمُتَزَاوِرينَ فِيّ"تفسير : ، وفي رواية أبي مُسلم الخولاني: قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : المتحابُّون في الله على مَنَابرَ من نورٍ، في ظِلِّ العرشِ، يوم لا ظِلَّ إِلا ظِلُّه"تفسير : ، وفي حديث آخر:"حديث : ما تحابّ اثنان في الله إلا وُضِعَ لهما كُرسِيّاً، فيجلِسَانِ عليه حتى يَفْرغَ من الحساب"تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : إنَّ المُتَحَابِّين في الله لَتَرى غُرفَهُم في الجنة كالكوكب الطَّالِعِ الشَّرقِي أو الغربي، فيقال: مَن هؤلاء؟ فيقال: هؤلاء المُتَحَابُّونَ في الله عزّ وجل ". تفسير : وفي رواية:"حديث : إنّ في الجنة غُرَفاً يُرى ظواهِرُها مِن بَوَاطِنِها، وبَواطِنُها من ظَواهرها، أعدَّها الله للمُتحابِّين في الله، والمُتَزَاورِينَ فيه، والمُتباذِلين فيه"تفسير : وفي لفظ آخر:"حديث : إنَّ في الجنة لعُمُداً من ياقوتٍ، عليها غُرَفٌ من زَبَرْجد، لها أبواب مُفَتَّحَةٌ؛ تُضيء كما يُضيء الكوكب الدُّرِّي، قلنا: يا رسول الله، مَن يَسْكُنُها؟ قال: المتحابُّون في الله، والمتباذِلُون في الله، والمتلاقون في الله، مكتوب على وجوههم، هؤلاء المتحابون في الله"تفسير : وفي الأثر أيضاً: إذا كان يوم القيامة: نادى منادٍ: أين المتحابون في الله؟ فيقوم ناس - وهم يسير - فَيَنْطَلِقُون إلى الجَنَّ سِرَاعاً، فَتَتَلقَّاهم الملائكة: فيقولون: رأيناكم سِراعاً إلى الجنة، فمَن أنتم؟ فيقولون: نحن المتَحَابُّون في الله؛ فيقولون: وما كان تحابُّكُم؟ فيقولون: كنَّا نتحاب في الله؛ ونتزاورُ في الله، ونتعاطف في الله، ونتباذل في الله، فيُقال لهم: ادخلوا الجنة، فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين. هـ. من البدور السافرة. والتباذل: المواساة بالبذل. وذكر في الإحياء شروط المتحابين في الله، فقال رضي الله عنه: اعلم أن عقد الأخوة رابطة بين الشخصين، كعقد النكاح بين الزوجين، ثم قال: فَلأخيك عليك حق في المال، وفي النفس، وفي اللسان، وفي القلب. وبالعقو، وبالدعاء، وذلك تجمعه ثمانية حقوق. الحق الأول: في المال بالمواساة، وذلك على ثلاثة مراتب؛ أدناها: أن تُنزله منزلة عبدك وخادمك، فتقوم بحاجاته بفضله مالك، فإذا سنحت له حاجة، وعندك فضلة أعطيته ابتداءً، فإذا أحوجته إلى سؤال فهو غاية التقصير. الثانية: أن تنزله منزلة نفسك، وترضى بمشاركته إياك في مالك، فتسمح له في مشاركته. الثالثة - وهي العليا -: أن تؤثره على نفسك، وتقدم حاجته على حاجتك، وهي رتبة الصدّيقين، ومنتهى درجات المتحابين. الحق الثاني: الإعانة بالنفس في قضاء الحاجات، والقيام بها قبل السؤال، وهذا أيضاً لها درجات كالمواساة، فأدناها: القيام بالحاجة عند السؤال، ولكن مع البشاشة والاستبشار، وإظهار الفرح. وأوسطها: أن تجعل حاجته كحاجتك، فتكون متفقداً لحاجته، غير غافل عن أحواله، كما لا تغفل عن أحوال نفسك، وتغنيه عن السؤال. وأعلاها: أن تؤثره على نفسك، وتقدم حاجته على حاجتك، وتؤثره على نفسك، وأقاربك، وأولادك. كان الحسن يقول: إخواننا أحبُّ إلينا من أهلينا وأولادنا؛ لأن أهلينا يذكروننا الدنيا، وإخواننا يذكروننا في الآخرة. الحق الثالث: على اللسان بالسكوت، فيسكت عن التجسُّس، والسؤال عن أحواله، وإذا رآه في طرقه فلا يسأله عن غرضه وحاجته، فربما يثقل عليه، أو يحتاج إلى أن يكذب، ويسكت عن أسراره التي بثها إليه، فلا يبثها إلى غيره، ولا إلى أخص أصدقائه، ولا يكشف شيئاً منها ولو بعد القطيعة، وليسكن عن مماراته ومدافعته في كلامه. الحق الرابع: على اللسان بالنطق، فيتودد إليه بلسانه، ويتفقده في أحواله، كالسؤال عن عارض عرض له، وأظهر شغل القلب بسببه، فينبغي أن يظهر له بلسانه كراهتها. والأحوال التي يُسِرُّ بها، ينبغي أن يظهر له بلسانه كراهتها. والأحوال التي يُسِرُّ بها، ينبغي أن يظهر له بلسانه مشاركته في السرور بها. فمعنى الأخوة: المساهمة في السراء والضراء، ويدعوه بأحب أسمائه في حضوره ومغيبه، ويُثني عليه بما يعرف من محاسن أحواله، عند مَن يريد هو الثناء عنده، وكذا على أولاده وأهله، حتى على عقله، وخُلُقه، وهيئته، وخطه، وشعره، وتصنيفه، وجميع ما يفرح به، من غير كذب ولا إفراط، ويذب عنه في غيبته مهما قُصد بسوء، ويُعلمه مما علّمه الله وينصحه. الحق الخامس: العفو عن الزلاّت والهفوات، فإن كان زلته في الدين؛ بارتكاب معصية، فليتلطّف في نصحه، فإن بقي مُصرّاً، فقد اختلف الصحابة في ذلك، فذهب أبو ذر إلى مقاطعته، وقال: إذا انقلب أخوك عما كان عليه فأبغضه من حيث أحببته. وذهب أبو الدرداء، وجماعة، إلى خلاف ذلك، وقال أبو الدرداء: إذا تغيّر أخوك عما كان عليه فلا تدعه لأجل ذلك؛ فإن أخاك يُعوجُّ مرة، ويستقيم أخرى. وهذا ألطف وأفقه، وذلك لما في هذه الطريق من الرفق، والاستمالة، والتعطُّف، المفضي إلى الرجوع والتوبة. وأيضاً: للأخوة عقد، ينزل منزلة القرابة، فإذا انقعدت وجب الوفاء بها، ومن الوفاء: ألا يهمله أيام حاجته وفقره، وفقر الدين أشد من فقر المال. ثم قال: والفاجر إذا صَحِبَ تقيّاً وهو ينظر إلى خوفه رجع عن قريب، ويتخلّى من الإصرار، بل الكسلان يصحب الحريص في العمل، فيحرص، حياءً منه، وإن كانت زلته في حقك فلا خلاف أن العفو والاحتمال هو المطلوب. هـ. قلت: ولعل حق القلب يندرج هنا مع المحبة وشهود الصفاء منه. الحق السادس: الدعاء له في حياته ومماته بكل ما يُحب لنفسه وأهله. قلت: ومن ذلك زيارة قبره، وإيصال النفع له في ذلك الوقت. الحق السابع: الوفاء والإخلاص. ومعنى الوفاء: الثبات على الحب، وإدامته إلى الممات، معه ومع أولاده وأصدقائه. الحق الثامن: التخفيف وترك التكليف والتكلُّف، فلا تُكلف أخاك ما يشق عليه؛ بل تُرَوح سره عن مهماتك وحاجاتك، وترفهُه عن أن تحمّله شيئاً من أعبائك، ولا تكلفه التواضع لك، والتفقُّد والقيام بحقوقك، بل ما تقصد بمحبته إلا الله تعالى. هـ. باختصار. وفي وصية القطب ابن مشيش، لأبي الحسن رضي الله عنهما: لا تصحب مَن يُؤثر نفسه عليك، فإنه لئيم؛ ولا مَن يُؤثرك على نفسه، فإنه قلما يدوم؛ واصحب مَن إذا ذكر ذكر الله، فالله يغني به إذا شهد، وينوب عنه إذا فُقِدْ، ذكره نور القلوب، ومشاهدته مفاتح الغيوب. ومعنى كلام الشيخ: لا تصحب مَن يبخل عنك بما عنده من العلوم، ولا مَن يتكلّف لك، فإنه لا يدوم، وهذه صحبة الشيخوخة. وقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : مَثَلُ الأَخَوَيْنِ كَمَثَلِ اليَدَيْنِ، يَغْسِلُ إِحداهُما الأُخرى، وكَمَثَلِ البُنْيَان يَشُدُّ بَعْضُه بعضاً"تفسير : . وفي معناه قيل: شعر : إِنَّ أخَاكَ الحقَّ مَن كَانَ مَعَك وَمَن يَضُرُّ نَفْسَه لِيَنْفَعَك وَمَنْ إِذا رَأَى زَمَاناً صَدَّعَكَ شَتَّتَ فِيكَ شَمْلَهُ لِيَجْمَعَك تفسير : وهذا في حق الإخوان، والله تعالى أعلم. ثم ذكر تعالى أضداد هؤلاء، فقال: {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ}.

الجنابذي

تفسير : {ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} الجملة مستأنفة جوابُ سؤالٍ مقدّرٍ فى بيان حال اليوم والمراد بالخلّة ههنا هى الخلّة فى الدّنيا لا الخلّة فى الله وللآخرة بقرينة الاستثناء وسبب صيرورة الخلّة الدّنيويّة عداوة اخرويّة انّ الخلّة الدّنيويّة صارفة للانسان عن بغيته الاخرويّة وشاغلة له عن الاشغال الالهيّة فتصير سبباً للحسرة والنّدامة، ويظهر انّها كانت عداوة الخليل الدّنيوىّ يعادل خليله لذلك {إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ} فى افعالهم واحوالهم واخلاقهم عن الجهة الدّنيويّة فخلّتهم لا تكون الاّ لجهاتٍ اخرويّةٍ ويوم القيامة يظهر اثر تلك الخلّة فيتيقّن ويشاهد انّ الخلّة كانت خلّة لا عداوة، وقرأ الصّادق (ع) هذه الآية فقال: والله ما اراد بهذا غيركم، وعنه (ع): واطلب مواخاة الاتقياء ولو فى ظلمات الارض وان افنيت عمرك فى طلبهم فانّ الله عزّ وجلّ لم يخلق افضل منهم على وجه الارض من بعد النّبيّين، وما انعم الله تعالى على عبدٍ بمثل ما انعم به من التّوفيق لصحبتهم قال الله تعالى:{ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ}، واظنّ انّ من طلب فى زماننا هذا صديقاً بلا عيبٍ بقى بلا صديقٍ، ولمّا ذكر حال ذلك اليوم وشدّته بالنّسبة الى المخالفين والمنافقين نادى عباده المخصوصين تلطّفاً بهم وتسكيناً لخوفهم منه فقال {يٰعِبَادِ}.

اطفيش

تفسير : {الأَخِلآَّءُ} جمع خليل أو خل أي الاحباء على المعصية* {يَوْمَئِذٍ} يوم اذ تأتيهم الساعة بغتة وهو متعلق بعدو* {بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} لبعض حال من عدو ومتعلق به يتعادون لظهور بطلان ما تخالوا عليه وظهور انه سبب العذاب والتخال في غير ذات الله ينقلب تعادياً وعن بعضهم انها نزلت في أبي بن خلف بن أبي معيط. قال أبو مدين: (دليل تخلطك صحبتك للمخلطين). قال ابن عطاء الله: (قل ما تصفو لك الطاعات وتسلم من المخالفات مع الدخول في الاسباب لاستلزامها لمعاشرة الاضداد ومخالطة أهل الغفلة والبعاد وأكثر ما يدخلك في الذنب رؤية المذنبين). وفي الحديث: "حديث : المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخاللـه" تفسير : والنفس من شأنها التشبه بصفات من قارنها فصحبة الغافلين معينة على وجود الغفلة وفي الحكم الفارقية من ناسب شيئاً انجذب اليه وظهر وصفه عليه. قال مالك: (لا تصحب فاجراً لئلا تتعلم من فجوره). وعن ابن رشد لا تصحب الا من تقتدي به في دينه لان قرين السوء يردي قال الحكيم* شعر : عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن مقتدي تفسير : وعن علي: (اذا مات أحد الخليلين الكافرين قال يا رب ان فلانا كان ينهاني عن طاعتك وطاعة رسولك ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير ويخبرني اني غير ملاقيك فاذا مات الآخر قال لهما: ليثن كل منكما على صاحبه فيقول بئس الأخ بئس الخليل وبئس الصاحب* {إِلاَّ الْمُتَّقِينَ} ثناء منقطع أن أريد بالاخلاء غير المتقين وان أطلق لفظه عاماً على انه لم يرد الا غير المتقين وانه يستثنيهم فمتصل أي إلا المتصادقين في الله فان خلتهم تبقى وتزيد لرؤيتهم ان النفع دخل من بعضهم على بعض. وفي الحديث يقول الله: "حديث : وجبت محبتي للمتحابين فيّ والمتبادلين فيّ والمتزاورين فيّ " تفسير : وفي الحديث: "حديث : المتحابون في الله على منابر من نور في ظل العرش يوم لا ظل الا ظله" تفسير : وقيل هذا أيضاً من كلام الله. و "حديث : قيل يا رسول الله: أي جلساؤنا خير؟ قال: من ذكركم بالله رؤيته وزادكم في علمكم منطقه وذكر بالله عمله ". تفسير : وعن أبي مدين: (دليل انقطاعك أي الى الله صحبتك للمنقطعين). وعن علي: (اذا مات أحد الخليلين المؤمنين قال يا رب ان فلاناً كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك ويأمرني بالخير وينهاني عن الشر ويخبرني اني ملاقيك يا رب فلا تضله بعدي واهده كما هديتني وأكرمه كما أكرمتني واذا مات الآخر جمعهما فقال ليثن كل منكما على صاحبه فيقول نعم الاخ نعم الخليل نعم الصاحب). وقيل المراد الا المجتنبين أخلاء السوء واذا بعث الناس فزعوا كلهم فيقول الله للمتقين* {يَا عِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلآَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ}

اطفيش

تفسير : {الأخلاء} المتخالون فى الدنيا لغير الله على المعاصى {يَومئذٍ} يوم إذ أتتهم الساعة، وهى يوم البعث متعلق بعد، ولو فصل لظهور المعنى، ويجوز تعليقه بالأخلاء أى المتخالفون على المعاصى يوم إذ كانوا فى الدنيا، فيقدر لعدو معمول أى عدو اليوم، أى البعث كأبى بن خلف، وعقبة بن أبى معيط، وقيل: نزلت فيهما {بعْضُهم} مبتدأ ثان {لبعْض} حال من قوله: {عدوٌّ} على جواز الحال من الخبر، ولو كان المبتدأ غير اشارة، والعد ويطلق على الوحدة فصاعدا، وفيه اعتبار الجمود فجاء الحال منه، واعتبار الوصفية فتعلق به يومئذ، كأنه قيل الأخلاء فى الدنيا بعضهم معاد لبعض يوم يبعثون، تنقطع محبتهم، وتستحيل عدواة لما رأوا من سوء عاقبتها، ومعنى العداوة المضرة على المجاز الارسالى لعلاقة اللزوم {إلاَّ المتقين} الحاذرين الشرك والمعاصى، المتخالين فى الله سبحانه، فانها لا تنقطع لأنهم رأوا عاقبتها محمودة، والاستثناء منقطع إذ حملنا الأخلاء على خصوص من تخالوا على المعاصى، وان حملناه على عموم المتخالين كان متصلا، وهو المشهور، ويجوز كون المعنى إلا المتقين الحاذرين التخال فى الدنيا على المعاصى.

الالوسي

تفسير : الظرف متعلق بعدو والفصل لا يضره، والمراد أن المحبات تنقطع يوم إذ تأتيهم الساعة ولا يبقى إلا محبة المتقين وهم المتصادقون في الله عز وجل لما أنهم يرون ثواب التحاب في الله تعالى، واعتبار الانقطاع لأن الخل حال كونه خلاً محال أن يصير عدواً. وقيل: المعنى الاخلاء تنقطع خلتهم ذلك اليوم إلا المجتنبين أخلاء السوء. والفرق بين الوجهين أن المتقي في الأول: هو المحب لصاحبه في الله تعالى فاتقى الحب أن يشوبه غرض غير إلهي، وفي الثاني: هو من اتقى صحبة الأشرار. والاستثناء فيهما متصل، وجوز أن يكون يومئذ متعلقاً بالأخلاء والمراد به في الدنيا ومتعلق (عدو) مقدر أي في الآخرة والآية قيل نزلت في أبـي بن خلف وعقبة بن أبـي معيط.

ابن عاشور

تفسير : استئناف يفيد أمرين: أحدهما: بيان بعض الأهوال التي أشار إليها إجمال التهديد في قوله: { أية : فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم } تفسير : [الزخرف: 65]. وثانيهما: موعظة المشركين بما يحصل يوم القيامة من الأهوال لأمثالهم والحَبرة للمؤمنين. وقد أوثر بالذكر هنا من الأهوال ما له مزيد تناسب لحال المشركين في تألبهم على مناواة الرّسول صلى الله عليه وسلم ودين الإسلام، فإنهم ما ألَّبَهم إلا تناصرهم وتوادّهم في الكفر والتباهي بذلك بينهم في نواديهم وأسمارهم، قال تعالى حكاية عن إبراهيم: { أية : وقال إنّما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودةَ بينكم في الحياة الدنيا ثم يومَ القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً } تفسير : [العنكبوت: 25] وتلك شنشنة أهل الشرك من قبل. وفي معنى هذه الآية قوله المتقدم آنفاً { أية : حتى إذا جَآءَنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين } تفسير : [الزخرف: 38]. و{الأخلاء}: جمع خليل، وهو الصاحب الملازم، قيل: إنه مشتق من التخلل لأنه كالمتخلّل لصاحبه والممتزج به، وتقدم في قوله: { أية : واتّخذ الله إبراهيم خليلاً } تفسير : في سورة النساء (125). والمضاف إليه (إذْ) من قوله: {يومئذٍ} هو المعوَّضُ عنه التنوين دلّ عليه المذكور قبله في قوله: { أية : من عذاب يوم أليم } تفسير : [الزخرف: 65]. والعدوّ: المبغض، ووزنه فَعول بمعنى فاعل، أي عَادٍ، ولذلك استوى جريانه على الواحد وغيره، وَالمُذكر وغيره، وتقدم عند قوله تعالى: { أية : فإن كان من قومٍ عدوّ لكم } تفسير : في سورة النساء (92). وتعريف الأخلاء} تعريف الجنس وهو مفيد استغراقاً عرفياً، أي الأخلاّء من فريقي المشركين والمؤمنين أو الأخلاء من قريش المتحدّث عنهم، وإلاّ فإن من الأخلاء غير المؤمنين من لا عداوة بينهم يومَ القيامة وهم الذين لم يستخدموا خلتهم في إغراء بعضهم بعضاً على الشرك والكفر والمعاصي وإن افترقوا في المنازل والدرجات يوم القيامة. و{يومئذ} ظرف متعلق بعدوّ، وجملة {يا عبادي} مقولة لقول محذوف دلت عليه صيغة الخطاب، أي نقول لهم أو يقول الله لهم. وقرأ الجمهور {يا عبادي} بإثبات الياء على الأصل. وقرأه حفص والكسائي بحذف (ياء) المتكلم تخفيفاً. قال ابن عطية قال أبو علي: وحذفها حسن لأنها في مَوْضِعِ تنوين وهي قد عاقبته فكما يحذف التنوين في الاسم المفرد المنادَى كذلك تحذف اليَاء هنا. ومفاتحة خطابهم بنفي الخوف عنهم تأنيس لهم، ومنة بإنجائهم من مثله وتذكيرٌ لهم بسبب مخالفة حالهم لِحال أهل الضلالة فإنهم يشاهدون ما يعامل به أهل الضلالة والفساد. و{لا خوف} مرفوع منون في جميع القراءات المشهورة، وإنما لم يفتح لأن الفتح على تضمين (مِن) الزائدة المؤكدة للعموم وإذ قد كان التأكيد مفيداً التنصيص على عدم إرادة نفي الواحد، وكان المقام غير مقام التردد في نفي جنس الخوف عنهم لأنه لم يكن واقعاً بهم حينئذٍ مع وقوعه على غيرهم، فأمارة نجاتهم منه واضحة، لم يحتج إلى نصب اسم {لا}، ونظيره قول الرابعة من نساء حديث أمّ زرع: "زوجِي كَلَيْل تِهامهْ، لا حَرٌّ ولا قُرٌّ ولا مخافةٌ ولا سآمهْ". روايته برفع الأسماء الأربعة لأن انتفاء تلك الأحوال عن ليل تهامة مشهور، وإنما أرادت بيان وجوه الشبه من قولها كليلِ تهامة. وجيء في قوله: {ولا أنتم تحزنون} بالمسند إليه مخبراً عنه بالمسند الفِعلي لإفادة التقويّ في نفي الحزن عنهم، فالتقوي أفاد تقوّي النفي لا نفي قوة الحزن الصادق بحزن غير قوي. هذا هو طريق الاستعمال في نفس صيغ المبالغة كما في قوله تعالى: { أية : وما ربّك بظلامٍ للعبيد } تفسير : [فصلت: 46]، تطميناً لأنفسهم بانتفاء الحزن عنهم في أزمنة المستقبل، إذ قد يهجس بخواطرهم هل يدوم لهم الأمْن الذي هم فيه. وجملة {الذين آمنوا بآياتنا} نعت للمنادَى من قوله: {يا عبادي} جيء فيها بالموصول لدلالة الصلة على علة انتفاء الخوف والحزن عنهم، وعطف على الصلة قوله: {وكانوا مسلمين}. والمخالفة بين الصلتين إذ كانت أولاهما فعلاً ماضياً والثانية فعل كون مخبراً عنه باسم فاعل لأن الإيمان: عقد القلب يحصل دفعة واحدة وأما الإسلام فهو الإتيان بقواعد الإسلام الخمس كما جاء تفسيره في حديث سؤال جبريل، فهو معروض للتمكن من النفس فلذلك أوثر بفعل (كان) الدّال على اتحاد خبره باسمه حتى كأنه من قِوام كيانه. وعطف أزواجهم عليهم في الإذن بدخول الجنّة من تمام نعمة التمتع بالخلة التي كانت بينهم وبين أزواجهم في الدنيا. و{تحبرون} مبني للمجهول مضارع حُبر بالبناء للمجهول، وفعله حَبَره، إذا سره، ومصدره الحَبْر بفتح فسكون، والاسم الحُبور والحَبْرة، وتقدم في قوله تعالى: { أية : فهم في روضةٍ يُحبرون } تفسير : في سورة الروم (15). وجملة {يطاف عليهم بصحاف} الخ معترضة بين أجزاء القول فليس في ضمير {عليهم} التفات بل المقام لضمير الغيبة. والصحاف: جمع صحفة، وهي: إناء مستدير واسع الفم ينتهي أسفله بما يقارب التكوير. والصحفة: إناء لوضع الطعام أو الفاكهة مثل صحاف الفغفوري الصيني تسَع شِبْع خمسة، وهي دون القصعة التي تسع شِبْع عشرة. وقد ورد أن عمر بن الخطاب اتخذ صِحافاً على عدد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فلا يؤتى إليه بفاكهة أو طُرْفَة إلا أرسل إليهن منها في تلك الصحاف. والأكواب: جمع كُوب بضم الكاف وهو إناء للشراب من ماء أو خمر مستطيل الشكل له عنق قصير في أعلى ذلك العنق فمه وهو مصبّ ما فيه، وفمه أضيق من جوفه، والأكثر أن لا تكون له عروة يُمسَك منها فيمسك بوضع اليد على عنقه، وقد تكون له عروة قصيرة، وهو أصغر من الإبريق إلا أنه لا خرطوم له ولا عروة في الغالب. وأما الإبريق فله عروة وخرطوم. وحذف وصف الأكواب لدلالة وصف صحاف عليه، أي وأكواب من ذهب. وهذه الأكواب تكون للماء وتكون للخمر. وجملة {وفيها ما تشتهيه الأنفس} الخ حال من {الجنة}، هي من بقية القول. وضمير {فيها} عائد إلى {الجنة}، وقد عمّ قوله: {ما تشتهيه الأنفس} كلّ ما تتعلق الشهوات النفسية بنواله وتحصيله، والله يخلق في أهل الجنة الشهوات اللائقة بعالم الخلود والسمو. و{تَلَذُّ} مضارع لَذّ بوزن عَلِم: إذا أحسّ لذة، وحق فعله أن يكون قاصراً فيعدّى إلى الشيء الذي به اللّذة بالباء فيقال: لذ به، وكثر حذف الباء وإيصال الفعل إلى المجرور بنفسه فينتصب على نزع الخافض، وكثر ذلك في الكلام حتى صار الفعل بِمَنزلة المتعدي فقالوا: لذّهُ. ومنه قوله هنا: {وتلذّ الأعين} التقدير، وتلذُّهُ الأعين. والضمير المحذوف هو رابط الصلة بالموصول. ولذة الأعين في رؤية الأشكال الحسنة والألوان التي تنشرح لها النفس، فلذّة الأعين وسيلة للذة النفوس فعطف {وتلَذّ الأعين} على {ما تشتهيه الأنفس} عطف ما بينه وبين المعطوف عليه عمومٌ وخصوص، فقد تشتهي الأنفس ما لا تراه الأعين كالمحادثة مع الأصحاب وسماعِ الأصوات الحسنة والموسيقى. وقد تبصر الأعين ما لم تسبق للنفس شهوة رؤيتِه أو ما اشتهت النفس طعمه أو سمعه فيؤتى به في صور جميلة إكمالاً للنعمة. و{الأنفس} فاعل {تلَذّ} وحْذف المفعول لظهوره من المقام. وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم وأبو جعفر {ما تشتهيه} بهاء ضمير عائد إلى {ما} الموصولة وكذلك هو مرسوم في مصحف المدينة ومصحف الشام، وقرأه البَاقون {ما تشتهي} بحذف هاء الضمير، وكذلك رُسم في مصحف مكة ومصحف البصرة ومصحف الكوفة. والمروي عن عاصم قارىء الكوفة روايتان: إحداهما أخذ بها حفص والأخرى أخذ بها أبو بكر. وحذف العائد المتصل المنصوب بفعل أو وصف من صلة الموصول كثير في الكلام. وقوله: {وأنتم فيها خالدون} بشارة لهم بعدم انقطاع الحَبْرة وسعة الرزق ونيل الشهوات، وجيء فيه بالجملة الاسمية الدالة على الدوام والثبات تأكيداً لحقيقة الخلود لدفع توهم أن يراد به طول المدة فحسب. وتقديم المجرور للاهتمام، وعطف على بعض ما يقال لهم مقول آخر قُصد منه التنويه بالجنة وبالمؤمنين إذ أُعطوها بسبب أعمالهم الصالحة، فأشير إلى الجنة باسم إشارة البعيد تعظيماً لشأنها وإلا فإنها حاضرة نصب أعينهم. وجملة {وتلك الجنة التي أورثتموها} الآية تذييل للقول. واسم الإشارة مبتدأ و{الجنة} خبره، أي تلك التي تَرونها هي الجنة التي سمعتم بها ووُعدتم بدخولها. وجملة {التي أورثتموها بما كنتم تعملون} صفة للجنة. واستعير {أورثتموها} لمعنى: أُعطيتموها دون غيركم، بتشبيه إعطاء الله المؤمنين دون غيرهم نعيم الجنة بإعطاء الحاكم مال الميت لوارثه دون غيره من القرابة لأنه أولى به وآثرُ بنيله. والباء في {بما كنتم تعملون} للسببية وهي سببية بجعل الله ووعده، ودل قوله {كنتم تعملون} على أن عملهم الذي استحقّوا به الجنة أمر كائن متقرر، وأن عملهم ذلك متكرر متجدد، أي غير منقطع إلى وفاتهم. وجملة {لكم فيها فاكهة} صفة ثانية للجنة. والفاكهة: الثمار رطبها ويابسها، وهي من أحسن ما يستلذّ من المآكل، وطعومُها معروفة لكل سامع. ووجه تكرير الامتنان بنعيم المأكل والمشرب في الجنة: أن ذلك من النعيم الذي لا تختلف الطباع البشرية في استلذاذه، ولذلك قال: {منها تأكلون} كقوله تعالى: { أية : كُلوا من ثمرهِ إذا أثمر } تفسير : [الأنعام: 141].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو: أي الأحباء يوم إذ تأتيهم الساعة بغتة. إلا المتقين: فإن محبتهم تدوم لهم لأنها كانت في الله وطاعته. يا عباد لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون: أي ينادون فيقال لهم لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون بل تحبرون أي تسرون وتكرمون. يطاف عليهم بصحاف من ذهب: أي يطوف عليهم الملائكة بقصاع من ذهب وفيها الطعام وأكواب من ذهب فيها الشراب اللذيذ. وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين: أي في الجنة ما تشتهيه الأنفس تلذذاً به وتلذه الأعين نظراً إليه. وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون: أي يقال لهم وهذه هي الجنة التي أورثكموها الله بأعمالكم الصالحة التي هي ثمرة إيمانكم الصادق وإخلاصكم الكامل. معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر أحداث الساعة قال تعالى: {ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ} أي إذا جاءت الساعة الأخلاء أي الأحباء في الدنيا يوم إذْ تأتي الساعة بعضهم لبعض عدو فتنقطع تلك الخلة والمودة وتصبح عداء لأنها كانت على معصية الله تعالى وقوله إلا المتقين أي الله عز وجل بفعل أوامره وترك نواهيه فإن مودتهم وخلتهم لا تنقطع لأنها كانت محبة في الله وما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل يناديهم ربهم بقوله يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون، ويصفهم بقوله {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا} أي بالقرآن وكانوا مسلمين أي منقادين لله ظاهراً وباطناً، ويقول لهم {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ} أي أنتم وزوجاتكم المؤمنات تفرحون وتسرون وقوله تعالى: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ} بيان لنعيم الجنة الذي ينعمون به وهو أنه يطاف عليهم بصحاف من ذهب وهي قصاع، فيها ألذ الطعام وأشهاه، وأكواب من ذهب أيضاً فيها ألذ الشراب والأكواب جمع كوب وهو إناء لا عروة ولا خرطوم - حتى يمكن الشرب منه من أي جهة من جهاته وفيها أي في الجنة ما تشتهيه الأنفس من سائر المستلذات، وتلذ الأعين من سائر المرئيات ويقال لهم لكم ما تشتهون وأنتم فيها خالدون لا تخرجون منها ولا تموتمون فيها. وقوله تعالى: {وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ} أي وهذه هي الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون من الصالحات والخيرات، ووجه الوراثة أن الله تعالى خلق لكل إنسان منزلين أحدهما في الجنة والثاني في النار فكل من دخل الجنة ورث منزل أحد دخل النار فهذا أوجه التوارث والباء في بما كنتم تعملون سببة أي بسبب أعمالكم الصالحة التي زكت نفوسكم وطهرت أرواحكم فاستوجبتم دخول الجنة وارث منازلها. وقوله تعالى: {لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ} أي يقال لهم هذا إكراماً لهم وإسعاداً. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- كل خلة يوم القيامة تنقطع إلا خلة كانت في الله ولله سبحانه وتعالى، ولذا ينبغي أن تكون المودة في الدنيا لله لا لغيره تعالى. 2- بيان فضل التقوى وشرف المتقين الذين يتقون الشرك والمعاصي. 3- بيان أن الرجل يجمع الله بينه وبين زوجته المسلمة في الجنة. 4- بيان نعيم أهل الجنة من طعام وشراب وسائر المستلذات. 5- الإيمان والعمل الصالح سبب في دخول الجنة كما أن الشرك والمعاصي سبب في دخول النار.

القطان

تفسير : الأخلاء: جمع خليل الاصدقاء. مسْلمين: مخلصين منقادين لربهم. تحبرون: تسرون. بصحاف: جمع صحفة وهي آنية الطعام، يؤكل بها. أكواب: جمع كوب، وهو ما يشرب به. لا يفتَّر عنهم: لا يخفّف عنهم. مبلسون: بائسون من شدة الحزن. مالك: خازِن النار. أم أبرموا أمرا: احكموا تدبيره. نجواهم: ما يتناجون به بينهم. في هذه الآيات مشهدٌ من مشاهد يوم القيامة يبيّن حال فريقين متقابلَين، وهو يبدأُ في رسم صورةٍ عن الأصدقاء في ذلك اليوم فيقول: ان الأصدقاء بعضُهم لبعض عدوٌّ الا الذين كانت صداقتهم خالصةً لوجه الله واجتمعوا على التقوى، فإنهم في كَنَفِ الله وضيافته لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون. ويومئذ يقال للذين آمنوا بالله وصدّقوا رسوله الكريم: ادخلوا الجنةَ أنتم وازواجُكم تُسرّون فيها سروراً عظيما. وهناك يلقَون من النعيم ما لا مثيل له في الدنيا، ويطاف عليهم بأوانٍ من ذهب ويشربون بأكواب من ذهب، ويجدون كل ما تشتهيه انفسهم وما تلذ به أعينهم، ويقال لهم إكمالاً للسرور: {وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. وفي هذه الجنة أيضاً فاكهة كثيرة الانواع {مِّنْهَا تَأْكُلُونَ}. ثم بيّن حال الفريق المقابل من أهل النار، وما يكون فيه الكفار من العذاب الدائم الذي لا يخفّف عنهم ابدا، وهم في حُزنٍ لا ينقطع. والله تعالى لم يظلمهم بهذا العذاب {وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ} باختيارِهم الضلالة على الهدى. ثم بين كيف يقول أهل النار لخَزَنتها ويطلبون منهم ان يموتوا حتى يستريحوا من العذاب، ويردّ عليهم مالكٌ، خازن النار قائلاً: {إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ} لقد جاءكم رسولنا بالدّين الحق فآمن به قليل، وأعرض عنه أكثركم وهم كارهون، وستبقون في جهنم هذه جزاء كفركم. ثم بين الله ما أحكموا تدبيره من ردّ الحق، وإعلاء شأن الباطل، وقال لهم: {فَإِنَّا مُبْرِمُونَ} إنا محكِمون أمراً في مجازاتكم واظهار الرسول عليكم. لقد وهِموا فيما ظنّوا أننا لا نسمع سرّهم وما يتناجون به بينهم، {بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} كلَّ ما صدر عنهم من قول او فعل. قراءات: قرأ حفص ونافع وابن عامر: ما تشتهيه الانفس. والباقون: ما تشتهي الأنفس.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَوْمَئِذٍ} (67) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ كُلَّ صََدَاقَةٍ وَصُحْبَةٍ فِي الدُّنْيَا تَنْقَلِبُ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَى عَدَاوَةٍ إِلاَّ مَا كَانَ مِنْهَا فِي اللهِ، أَوْ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَإِنَّهَا تَبْقَى فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ دَائِمَةً بِدَوَامِ اللهِ تَعَالَى. الأَخِلاَّءُ - الأَحِبَّاءُ فِي غَيْرِ ذَاتِ اللهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الكلام هنا عن يوم القيامة، حيث تنقلب موازين الإخاء والخُلَّة، قوله تعالى: {ٱلأَخِلاَّءُ} [الزخرف: 67] جمع: خليل، وهو الصاحب الذي تودّه وتحبه حتى كأنك تداخلتَ في أعضائه واختلط بلحمه ودمه، كما قال الشاعر: شعر : وَلَمَّا التقيْنَا قَرَّبَ الشَّوْقَ جَهْدَهُ خَليلَيْنِ ذَابَا لَوْعَةً وَعِتَابَا كَأنَّ خَليلاً فِي خِلالِ خَليلِه تسرّب أثْناءَ العِنَاقِ وَغَابَا تفسير : والخُلَّة إمَّا أنْ تكونَ في الخير، وإما أنْ تكون في الشر، خُلَّة الخير هي التي تُعينك على منهج الله، والخليل الحق هو الذي إنْ رآك على الخير أعانك، وإنْ رآك على غير ذلك نصحك وأخذ بيدك. يقول تعالى في وصف الذين آمنوا: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} تفسير : [العصر: 3]. وهذان هم الخِلان اللذان عَنَاهُمَا رسول الله في الحديث الشريف: "حديث : سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم: ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه" تفسير : وهذه خُلَّة الحق وخُلَّة الصدق التي تدوم في الدنيا وتتصل مودَّتها إلى يوم القيامة، فهُم أخلاء في الدنيا، أخلاَّء في الآخرة. أما الأخلاَّء في الشَّر الذين يجتمعون على الشهوات وعلى انتهاك حُرمات الله، فهؤلاء تنقلب خُلَّتهم في الآخرة إلى عداوة وبغضاء، حيث يلوم كلٌّ منهم صاحبه، فالشر الذي اجتمعوا عليه في الدنيا أهلكهم في الآخرة، والمعاصي التي تحابُّوا من أجلها هي التي ألقتْهم في العذاب المقيم. فكلُّ واحد منهم يرى في الآخر عدواً له لأنه لم يزجره ولم ينهه. ومن هنا اهتمَّ الإسلام باختيار الصديق والصاحب، وعلَّمنا كيف نختار الجليس الصالح والرفيق الصالح. إذن: ساعة الجزاء ينكشف زَيْفُ العلاقات، ولا تبقى إلا وشائج الخير التي تربط الأخ بأخيه، والقرآن الكريم في أكثر من موضع يُصوِّر لنا ما يدور بين هؤلاء الأخلاء في الدنيا الأعداء في الآخرة. من ذلك قوله تعالى: {أية : وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ} تفسير : [فصلت: 29].

همام الصنعاني

تفسير : 2783- حدثنا عبد الرزاق، عن إسرائيل (بن) يونس، عن أبي إسحاق الهمداني، عن الحارث، عن علي في قوله تعالى: {ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ}: [الآية: 67]، أن عَليّاً قال: خليلان مؤمنان، وخليلان كافران، تُوُفِّيَ أحد المؤمنين فبُشَّر بالجنَّةِ، فذكر خليله فقال: اللهم إن خليلي فلاناً كَانَ يأمُرُوني بطاعتَك وطاعة رَسُولِكَ، ويأمُرُني بالخير وينهاني عن الشَّرّ، وينبئني أني مُلاَقِيكَ، فَلاَ تُضِلُّهُ بعدي حتى تُريه مثلَ ما أريتني، وتَرضَى عنه كما رَضِيت عنِّي، فيقال له: اذهب، فلو تعلم ما لك عندي لضحكتَ كثيراً وبكيتَ قَليلاً. قال: ثم يموت الآخر، فَيُجْمَعُ بين أَرْوَاحِهِما فيقال: لِيُثْنِ أحدكما عَلى صَاحِبِِه، فيقول كل واحدٍ منهما لصاحبه: نعم الأخ، ونعم الخليل. وإذا مات أحدُ الكافِرين فَبُشِّرَ بالنار فَيَذْكُر خليله فيقول: اللهم إنَّ خليلي فلاناً، كَانَ يأمُرُني بمعصيتك ومعصية رسُولِكَ، ويأمرني بالشر، وينهاني عن الخير ويخبرني أني غير ملاقيك، اللهم فلا تهده بعدي حتى تريه مثل الذي أريتني وتسخط عليه كما سخطت عَلَيَّ. قال: فيموت الكافِر فيجع بين أرواحهما، ثم يقول: لِيُثْنِ كُلُّ واحِدٍ منكما عَلَى صَاحبه، فيقول كُلُّ واحدٍ منهما لِصَاحِبِه: بئس الأخ وبئس الصاحب وبئس الخليل. 2784- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن عيينة، عن عبد الملك بن سعيد بن أبجر ومطرف بن طريق، عن الشعبي قال: سمعت المغيرة بن شعبة يُحدِّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَنَّ موسى سأل الله قال: ربّ أخبرني بأدنى أهل الجنة مَنْزِلَةً؟ قال: هو رجل يحيء بعدما يدل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: ربّ، وكيف؟ وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم، قال: فيقال له: أما ترضى أن يكون لك مثل ما كان لِملِكٍ من مُلُوكِ الدنيا؟ فيقول: بلى أي ربّ، فيقال له: فإنَّ ذلك لك ومثله ومثله، ذكر مِراراص، فيقول: ربّ رَضيت ربّ، فيقال: فإنَ لك هذا وعشرة أمثاله، فيقول: رضيت ربّ، فيقال له: إنَّ لك ما اشتهت نفسك ولَذَّت عينك، فيقول: رضيت ربّ، فقال موسى: ربّ، فأخبرني عن أفضل أهل الجنة مَنْزِلَةً فقال: عن أولئك سألت أو ذلك أردت وسوف أخبرك: غرست كراماتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تَرَ عينٌ ولم تسمع أُذُنٌ، ولم يخطر على قلب بشر، فقال: ومصداق ذلك في كتاب الله: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ}":تفسير : [السجدة: 17] الآية. 2785- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن إسماعيل، أًَنَّ عِكْرِمة أخبره، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنَّ أَهْوَنَ أهلِ النَّارِ عَذَاباً: رَجُلٌ يَطأ جَمْرَةً يَغْلي مِنْهَا دماغُه"، فقال أبو بكر: وما كان جُرْمُهُ يا رسول الله قال: كانت له ماشِية، يغشى بِهَا الزَّرْعَ ويؤذيه، وحرمه الله وما حوله غلوة بسهم، وربما قال: رميةً بحجر، فاحذروا أن لا يُسْحِت الرجل مالَه في الدنيا، ويهلك نفسه في الآخرة، فلا تُسْحِتُوا أمْوالكم في الدنْيا، وتُهْلِكُوا أنفسكم في الآخِرَةِ، وكان يصل هذا الحديث. قال: وإنَّ أدْنى أهل الجنة منزلةً، وأسفلهم درجةً لرجل لا يدخل الجنة بعده أحد، يُفْسَحُ له في بصره مسيرة مائة عام، في قُصُور من ذهب وخيام مِنْ لؤلؤ، ليس فيها موضع شبرٍ إلا مَعْمُور، يُغْذَى عليه ويُراحُ كُلَّ يَوْمٍ بسبعين ألف صحفةٍ من ذهب ليس فيها صحفة إلا وفيها لَوْن ليس في الأخرى مثله، شهوته في آخرها كشهوته في أولها، لو نَزَلَ به جميع أهْل الدنيا لَوَسَّعَ عليهم مما أُعْطِيَ، لا ينقص ذلِكَ مِمَّا أُوتِيَ شيئاٍ ".