Verse. 4399 (AR)

٤٣ - ٱلْزُّخْرُف

43 - Az-Zukhruf (AR)

اِنَّ الْمُجْرِمِيْنَ فِيْ عَذَابِ جَہَنَّمَ خٰلِدُوْنَ۝۷۴ۚۖ
Inna almujrimeena fee AAathabi jahannama khalidoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون».

74

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعد، أردفه بالوعيد على الترتيب المستمر في القرآن، وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج القاضي على القطع بوعيد الفسق بقوله {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ * لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ } ولفظ المجرم يتناول الكافر والفاسق، فوجب كون الكل في عذاب جهنم، وقوله {خَـٰلِدُونَ } يدل على الخلود، وقوله أيضاً {لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ } يدل على الخلود والدوام أيضاً والجواب: أن ما قبل هذه الآية وما بعدها، يدل على أن المراد من لفظ المجرمين ههنا الكفار، أما ما قبل هذه الآية فلأنه قال: { أية : يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ، ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِـئَايَـٰتِنَا وَكَانوا مُسْلِمِينَ } تفسير : [الزخرف: 68، 69] فهذا يدل على أن كل من آمن بآيات الله وكانوا مسلمين، فإنهم يدخلون تحت قوله {يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِـئَايَـٰتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ } والفاسق من أهل الصلاة آمن بالله تعالى وبآياته وأسلم، فوجب أن يكون داخلاً تحت ذلك الوعد، ووجب أن يكون خارجاً عن هذا الوعيد، وأما ما بعد هذه الآية فهو قوله {جِئْنَـٰكُم بِٱلْحَقّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقّ كَـٰرِهُونَ } والمراد بالحق ههنا إما الإسلام وإما القرآن، والرجل المسلم لا يكره الإسلام ولا القرآن، فثبت أن ما قبل هذه الآية وما بعدها، يدل على أن المراد من المجرمين الكفار، والله أعلم. المسألة الثانية: أنه تعالى وصف عذاب جهنم في حق المجرمين بصفات ثلاثة أحدهما: الخلود، وقد ذكرنا في مواضع كثيرة أنه عبارة عن طول المكث ولا يفيد الدوام وثانيها: قوله: {لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ } أي لا يخفف ولا ينقص من قولهم فترت عنه الحمى إذا سكنت ونقص حرها وثالثها: قوله {وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ } والمبلس اليائس الساكت سكوت يائس من فرج، عن الضحاك يجعل المجرم في تابوت من نار، ثم يقفل عليه فيبقى فيه خالداً لا يرى، قال صاحب «الكشاف»: وقرىء {وَهُمْ فِيهَا } أي وهم في النار. المسألة الثالثة: احتج القاضي بقوله تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّـٰلِمِينَ } فقال إن كان خلق فيهم الكفر ليدخلهم النار فما الذي نفه بقوله {وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ } وما الذي نسبه إليهم مما نفاه عن نفسه؟ أو ليس لو أثبتناه ظلماً لهم كان لا يزيد على ما يقوله القوم، فإن قالوا ذلك الفعل لم يقع بقدرة الله عزّ وجل فقط، بل إنما وقع بقدرة الله مع قدرة العبد معاً، فلم يكن ذلك ظلماً من الله. قلنا: عندكم أن القدرة على الظلم موجبة للظلم، وخالق تلك القدرة هو الله تعالى، فكأنه تعالى لما فعل مع خلق الكفر قدرة على الكفر خرج عن أن يكون ظالماً لهم، وذلك محال لأن من يكون ظالماً في فعل، فإذا فعل معه ما يوجب ذلك الفعل يكون بذلك أحق، فيقال للقاضي قدرة العبد هل هي صالحة للطرفين أو هي متعينة لأحد الطرفين؟ فإن كانت صالحة لكلا الطرفين فالترجيح إن وقع لا لمرجع لزم نفي الصانع، وإن افتقر إلى مرجح عاد التقسيم الأول فيه، ولا بد وأن ينتهي إلى داعية مرجحة يخلقها الله في العبد، وإن كانت متعينة لأحد الطرفين فحينئذٍ يلزمك ما أوردته علينا. واعلم أنه ليس الرجل من يرى وجه الاستدلال فيذكره، إنما الرجل الذي ينظر فيما قبل الكلام وفيما بعده، فإن رآه وارداً على مذهبه بعينه لم يذكره، والله أعلم. المسألة الرابعة: قرأ ابن مسعود {يا مال } بحذف الكاف للترخيم فقيل لابن عباس إن ابن مسعود قرأ (ونادوا يا مال ) فقال: ما أشغل أهل النار عن هذا الترخيم! واجيب عنه بأنه إنما حسن هذا الترخيم لأنه يدل على أنهم بلغوا في الضعف والنحافة إلى حيث لا يمكنهم أن يذكروا من الكلمة إلا بعضها. المسألة الخامسة: اختلفوا في أن قولهم {يٰمَـٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } على أي وجه طلبوا فقال بعضهم على التمني، وقال آخرون على وجه الاستغاثة، وإلا فهم عالمون بأنه لا خلاص لهم عن ذلك العقاب، وقيل لا يبعد أن يقال إنهم لشدة ما هم فيه من العذاب نسوا تلك المسألة فذكروه على وجه الطلب. ثم إنه تعالى بيّـن أن مالكاً يقول لهم {إِنَّكُمْ مَّـٰكِثُونَ } وليس في القرآن متى أجابهم، هل أجابهم في الحال أو بمدة طويلة، وإن كان بعد ذلك فهل حصل ذلك الجواب بعد ذلك السؤال بمدة قليلة أو بمدة طويلة، فلا يمتنع أن تؤخر الإجابة استخفافاً بهم وزيادة في غمهم، فعن عبد الله بن عمر بعد أربعين سنة، وعن غيره بعد مائة سنة، وعن ابن عباس بعد ألف سنة، والله أعلم بذلك المقدار. ثم بيّـن تعالى أن مالكاً لما أجابهم بقوله {إِنَّكُمْ مَّـٰكِثُونَ } ذكر بعده ما هو كالعلة لذلك الجواب فقال: {لَقَدْ جِئْنَـٰكُم بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقّ كَـٰرِهُونَ } والمراد نفرتهم عن محمد وعن القرآن وشدة بغضهم لقبول الدين الحق، فإن قيل كيف قال: {وَنَادَوْاْ يٰمَـٰلِكُ } بعد ما وصفهم بالإبلاس؟ قلنا تلك أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة، فتختلف بهم الأحوال فيسكتون أوقاتاً لغلبة اليأس عليهم ويستغيثون أوقاتاً لشدة ما بهم، روي أنه يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيقولون ادعوا مالكاً فيدعون {يٰمَـٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } ولما ذكر الله تعالى كيفية عذابهم في الآخرة ذكر بعده كيفية مكرهم وفساد باطنهم في الدنيا فقال: {أَمْ أَبْرَمُواْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ } والمعنى أم أبرموا أي مشركو مكة أمراً من كيدهم ومكرهم برسول الله، فإنا مبرمون كيدنا كما أبرموا كيدهم كقوله تعالى: { أية : أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ } تفسير : [الطور: 42] قال مقاتل: نزلت في تدبيرهم في المكر به في دار الندوة، وهو ما ذكره الله تعالى في قوله تعالى: { أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [الأنفال: 30] وقد ذكرنا القصة. ثم قال: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوٰهُم } السر ما حدث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خال، والنجوى ما تكلموا به فيما بينهم {بَلَىٰ } نسمعها ونطلع عليها {وَرُسُلُنَا } يريد الحفظة {يَكْتُبُونَ } عليهم تلك الأحوال، وعن يحيى بن معاذ من ستر من الناس ذنوبه وأبداها للذي لا يخفى عليه شيء في السموات فقد جعله أهون الناظرين إليه وهو من علامات النفاق.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ } لما ذكر أحوال أهل الجنة ذكر أحوال أهل النار أيضاً ليبيّن فضل المطيع على العاصي. {لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ} أي لا يخفف عنهم ذلك العذاب. {وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} أي آيسون من الرحمة. وقيل: ساكتون سكوت يأس؛ وقد مضى في «الأنعام». {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ} بالعذاب {وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ } أنفسهم بالشرك. ويجوز «وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمُونَ» بالرفع على الابتداء والخبر، والجملة خبر كان.

ابن كثير

تفسير : لما ذكر تعالى حال السعداء، ثنى بذكر الأشقياء فقال: {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ} أي: ساعة واحدة، {وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} أي: آيسون من كل خير. { وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي: بأعمالهم السيئة بعد قيام الحجة عليهم، وإرسال الرسل إليهم، فكذبوا وعصوا، فجوزوا بذلك جزاء وفاقاً، وما ربك بظلام للعبيد. {وَنَادَوْاْ يٰمَـٰلِكُ} وهو خازن النار. قال البخاري: حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر: {وَنَادَوْاْ يٰمَـٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} أي: يقبض أرواحنا، فيريحنا مما نحن فيه؛ فإنهم كما قال تعالى: {أية : لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا} تفسير : [فاطر: 36] وقال عز وجل: {أية : وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلأَشْقَى ٱلَّذِى يَصْلَى ٱلنَّارَ ٱلْكُبْرَىٰ ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا } تفسير : [الأعلى: 11 ــــ 13] فلما سألوا أن يموتوا، أجابهم مالك: {قَالَ إِنَّكُمْ مَّـٰكِثُونَ} قال ابن عباس: مكث ألف سنة، ثم قال: إنكم ماكثون. رواه ابن أبي حاتم، أي: لا خروج لكم منها، ولا محيد لكم عنها، ثم ذكر سبب شقوتهم، وهو مخالفتهم للحق، ومعاندتهم له، فقال: {لَقَدْ جِئْنَـٰكُم بِٱلْحَقِّ} أي: بيناه لكم، ووضحناه وفسرناه، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَـٰرِهُونَ} أي: ولكن كانت سجاياكم لا تقبله، ولا تقبل عليه، وإنما تنقاد للباطل وتعظمه، وتصد عن الحق وتأباه، وتبغض أهله، فعودوا على أنفسكم بالملامة، واندموا حيث لا تنفعكم الندامة، ثم قال تبارك وتعالى: { أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ} قال مجاهد: أرادوا كيد شر، فكدناهم. وهذا الذي قاله مجاهد كما قال تعالى: {أية : وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} تفسير : [النحل: 50] وذلك لأن المشركين كانوا يتحيلون في رد الحق بالباطل بحيل ومكر يسلكونه، فكادهم الله تعالى، ورد وبال ذلك عليهم، ولهذا قال: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَٰهُم} أي: سرهم وعلانيتهم {بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} أي: نحن نعلم ما هم عليه، والملائكة أيضاً يكتبون أعمالهم صغيرها وكبيرها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ }.

الشوكاني

تفسير : قوله: {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ } أي: أهل الإجرام الكفرية، كما يدل عليه إيرادهم في مقابلة المؤمنين الذين لهم ما ذكره الله سبحانه قبل هذا {فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ } لا ينقطع عنهم العذاب أبداً {لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ } أي: لا يخفف عنهم ذلك العذاب، والجملة في محل نصب على الحال {وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ } أي: آيسون من النجاة، وقيل: ساكتون سكوت يأس، وقد مضى تحقيق معناه في الأنعام {وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ } أي: ما عذبناهم بغير ذنب، ولا بزيادة على ما يستحقونه {وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّـٰلِمِينَ } لأنفسهم بما فعلوا من الذنوب. قرأ الجمهور: {الظالمين} بالنصب على أنه خبر كان، والضمير ضمير فصل. وقرأ أبو زيد النحوي: (الظالمون) بالرفع على أن الضمير مبتدأ، وما بعده خبره، والجملة خبر كان {وَنَادَوْاْ يٰمَـٰلِك} أي: نادى المجرمون هذا النداء، ومالك هو: خازن النار. قرأ الجمهور: {يا مالك} بدون ترخيم. وقرأ عليّ، وابن مسعود، ويحيـى بن وثاب، والأعمش: (يا مال) بالترخيم {لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } بالموت، توسلوا بمالك إلى الله سبحانه؛ ليسأله لهم أن يقضي عليهم بالموت؛ ليستريحوا من العذاب {قَالَ إِنَّكُمْ مَّـٰكِثُونَ } أي: مقيمون في العذاب، قيل: سكت عن إجابتهم ثمانين سنة، ثم أجابهم بهذا الجواب، وقيل: سكت عنهم ألف عام، وقيل: مائة سنة، وقيل: أربعين سنة. {لَقَدْ جِئْنَـٰكُم بِٱلْحَقّ } يحتمل أن يكون هذا من كلام الله سبحانه، ويحتمل أن يكون من كلام مالك، والأوّل أظهر؛ والمعنى: إنا أرسلنا إليكم الرسل، وأنزلنا عليهم الكتب، فدعوكم، فلم تقبلوا، ولم تصدّقوا، وهو معنى قوله: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقّ كَـٰرِهُونَ } لا يقبلونه، والمراد بالحق: كل ما أمر الله به على ألسن رسله، وأنزله في كتبه. وقيل: هو خاص بالقرآن. قيل: ومعنى {أكثركم}: كلكم. وقيل: أراد الرؤساء، والقادة، ومن عداهم أتباع لهم {أَمْ أَبْرَمُواْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ } أم هي: المنقطعة التي بمعنى بل، والهمزة، أي: بل أبرموا أمراً. وفي ذلك انتقال من توجع أهل النار إلى حكاية ما يقع من هؤلاء، والإبرام: الإتقان، والإحكام، يقال: أبرمت الشيء: أحكمته، وأتقنته، وأبرم الحبل: إذا أحكم فتله، والمعنى: بل أحكموا كيداً للنبي صلى الله عليه وسلم، فإنا محكمون لهم كيداً قاله مجاهد، وقتادة، وابن زيد، ومثل هذا قوله تعالى: {أية : أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ } تفسير : [الطور: 42] وقيل: المعنى: أم قضوا أمراً، فإنا قاضون عليهم أمرنا بالعذاب، قاله الكلبي. {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوٰهُم } أي: بل أيحسبون أنا لا نسمع ما يسرّون به في أنفسهم، أو ما يتحادثون به سرًّا في مكان خالٍ، وما يتناجون به فيما بينهم {بَلَىٰ } نسمع ذلك، ونعمل به {وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ } أي: الحفظة عندهم يكتبون جميع ما يصدر عنهم من قول، أو فعل، والجملة في محل نصب على الحال، أو معطوفة على الجملة التي تدلّ عليها بلى. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار قولاً يلزمهم به الحجة، ويقطع ما يوردونه من الشبهة، فقال: {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ } أي: إن كان له ولد في قولكم، وعلى زعمكم، فأنا أوّل من عبد الله وحده، لأن من عبد الله وحده، فقد دفع أن يكون له ولد، كذا قال ابن قتيبة. وقال الحسن، والسدّي: إن المعنى: ما كان للرحمٰن ولد، ويكون قوله: {فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ } ابتداء كلام، وقيل: المعنى: قل يا محمد إن ثبت لله ولد، فأنا أول من يعبد هذا الولد الذي تزعمون ثبوته، ولكنه يستحيل أن يكون له ولد. وفيه نفي للولد على أبلغ وجه، وأتمّ عبارة، وأحسن أسلوب، وهذا هو الظاهر من النظم القرآني، ومن هذا القبيل قوله تعالى: {أية : وَإِنَّا وَإِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } تفسير : [سبأ: 24]، ومثل هذا قول الرجل لمن يناظره: إن ثبت ما تقوله بالدليل، فأنا أوّل من يعتقده، ويقول به، فتكون «إن» في {إِن كَانَ } شرطية، ورجح هذا ابن جرير، وغيره. وقيل: معنى العابدين: الآنفين من العبادة، وهو تكلف لا ملجىء إليه، ولكن قرأ أبو عبد الرحمٰن اليماني: (العبدين) بغير ألف، يقال: عبد يعبد عبداً بالتحريك: إذا أنف، وغضب، فهو: عبد، والاسم العبدة مثل الأنفة، ولعل الحامل لمن قرأ هذه القراءة الشاذة البعيدة هو استبعاد معنى: {فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ }، وليس بمستبعد، ولا مستنكر. وقد حكى الجوهري عن أبي عمرو في قوله: {فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ } أنه من الأنف، والغضب. وحكاه الماوردي عن الكسائي، والقتيبي، وبه قال الفراء. وكذا قال ابن الأعرابي: إن معنى العابدين: الغضاب الآنفين. وقال أبو عبيدة: معناه: الجاحدين، وحكى: عبدني حقي، أي: جحدني، وقد أنشدوا على هذا المعنى الذي قالوه قول الفرزدق:شعر : أولئك أجلاسي فجئني بمثلهم وأعبد أن أهجو كليباً بدارم تفسير : وقوله أيضاً:شعر : أولاك أناس لو هجوني هجوتهم وأعبد أن يهجى كليب بدارم تفسير : ولا شك أن عبد، وأعبد بمعنى: أنف، أو غضب ثابت في لغة العرب، وكفى بنقل هؤلاء الأئمة حجة، ولكن جعل ما في القرآن من هذا من التكلف الذي لا ملجىء إليه، ومن التعسف الواضح. وقد ردّ ابن عرفة ما قالوه فقال: إنما يقال عبد يعبد، فهو: عبد، وقلّ ما يقال: عابد، والقرآن لا يأتي بالقليل من اللغة، ولا الشاذ. قرأ الجمهور: {ولد} بالإفراد، وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما: (ولد) بضم الواو، وسكون اللام {سُبْحَـٰنَ رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ رَبّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } أي: تنزيهاً له، وتقديساً عما يقولون من الكذب بأن له ولداً، ويفترون عليه سبحانه ما لا يليق بجنابه، وهذا إن كان من كلام الله سبحانه، فقد نزه نفسه عما قالوه، وإن كان من تمام كلام رسوله الذي أمره بأن يقوله، فقد أمره بأن يضمّ إلى ما حكاه عنهم بزعمهم الباطل تنزيه ربه، وتقديسه {فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ } أي: اترك الكفار حيث لم يهتدوا بما هديتهم به، ولا أجابوك فيما دعوتهم إليه يخوضوا في أباطيلهم، ويلهوا في دنياهم {حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِى يُوعَدُونَ } وهو: يوم القيامة، وقيل: العذاب في الدنيا، قيل: وهذا منسوخ بآية السيف، وقيل: هو غير منسوخ، وإنما أخرج مخرج التهديد. قرأ الجمهور: {يلاقوا}، وقرأ مجاهد، وابن محيصن، وحميد، وابن السميفع: (حتى يلقوا) بفتح الياء، وإسكان اللام من غير ألف، ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو. {وَهُوَ ٱلَّذِى فِى ٱلسَّماء إِلَـٰهٌ وَفِى ٱلأرْضِ إِلَـٰهٌ } الجار، والمجرور في الموضعين متعلق بإله؛ لأنه بمعنى: معبود، أو مستحق للعبادة، والمعنى: وهو الذي معبود في السماء، ومعبود في الأرض، أو مستحق للعبادة في السماء، والعبادة في الأرض. قال أبو عليّ الفارسي: {وإلٰه} في الموضعين مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: وهو الذي في السماء هو إلٰه، وفي الأرض هو إله، وحسن حذفه لطول الكلام، قال: والمعنى: على الإخبار بإلاهيته، لا على الكون فيهما. قال قتادة: يعبد في السماء، والأرض، وقيل: في بمعنى على، أي: هو القادر على السماء، والأرض كما في قوله: {أية : وَلأصَلّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ } تفسير : [طه: 71] وقرأ عمر بن الخطاب، وعليّ بن أبي طالب، وابن مسعود: (وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله) على تضمين العلم معنى المشتق، فيتعلق به الجار والمجرور من هذه الحيثية {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ } أي: البليغ الحكمة الكثير العلم {وَتَبَارَكَ ٱلَّذِى لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْض وَمَا بَيْنَهُمَا } تبارك: تفاعل من البركة، وهي: كثرة الخيرات، والمراد بما بينهما: الهواء، وما فيه من الحيوانات {وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } أي: علم الوقت الذي يكون قيامها فيه {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } فيجازي كلّ أحد بما يستحقه من خير، وشرّ، وفيه وعيد شديد. قرأ الجمهور: {ترجعون} بالفوقية، وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، بالتحتية {وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَـٰعَةَ } أي: لا يملك من يدعونه من دون الله من الأصنام، ونحوها الشفاعة عند الله كما يزعمون أنهم يشفعون لهم. قرأ الجمهور {يدعون} بالتحتية، وقرأ السلمي، وابن وثاب بالفوقية {إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقّ } أي: التوحيد {وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أي: هم على علم، وبصيرة بما شهدوا به، والاستثناء يحتمل أن يكون متصلاً، والمعنى: إلا من شهد بالحق، وهم: المسيح، وعزير، والملائكة، فإنهم يملكون الشفاعة لمن يستحقها. وقيل: هو منقطع، والمعنى: لكن من شهد بالحق يشفع فيه هؤلاء، ويجوز أن يكون المستثنى منه محذوفاً، أي: لا يملكون الشفاعة في أحد إلا فيمن شهد بالحق. قال سعيد بن جبير، وغيره: معنى الآية: أنه لا يملك هؤلاء الشفاعة إلا لمن شهد بالحق، وآمن على علم، وبصيرة. وقال قتادة: لا يشفعون لعابديها، بل يشفعون لمن شهد بالوحدانية. وقيل: مدار الاتصال في هذا الاستثناء على جعل الذين يدعون عاماً لكل ما يعبد من دون الله، ومدار الانقطاع على جعله خاصاً بالأصنام. {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } اللام هي: الموطئة للقسم، والمعنى: لئن سألت هؤلاء المشركين العابدين للأصنام من خلقهم أقرّوا واعترفوا بأن خالقهم الله، ولا يقدرون على الإنكار، ولا يستطيعون الجحود لظهور الأمر، وجلائه {فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } أي: فكيف ينقلبون عن عبادة الله إلى عبادة غيره، وينصرفون عنها مع هذا الاعتراف، فإن المعترف بأن الله خالقه إذا عمد إلى صنم، أو حيوان، وعبده مع الله، أو عبده وحده، فقد عبد بعض مخلوقات الله، وفي هذا من الجهل ما لا يقادر قدره. يقال: أفكه يأفكه إفكاً: إذا قلبه، وصرفه عن الشيء، وقيل: المعنى: ولئن سألت المسيح، وعزيراً، والملائكة من خلقهم؟ ليقولنّ: الله، فأنى يؤفك هؤلاء الكفار في اتخاذهم لها آلهة. وقيل: المعنى: ولئن سألت العابدين، والمعبودين جميعاً. قرأ الجمهور: (وقيله) بالنصب عطفاً على محلّ الساعة، كأنه قيل: إنه يعلم الساعة، ويعلم قيله، أو عطفاً على سرّهم، ونجواهم، أي: يعلم سرّهم، ونجواهم، ويعلم قيله، أو عطفاً على مفعول يكتبون المحذوف، أي: يكتبون ذلك، ويكتبون قيله، أو عطفاً على مفعول يعلمون المحذوف أي: يعلمون ذلك، ويعلمون قيله، أو هو مصدر أي: قال قيله، أو منصوب بإضمار فعل، أي: الله يعلم قيل رسوله، أو هو معطوف على محل بالحقّ، أي: شهد بالحق، وبقيله، أو منصوب على حذف حرف القسم. ومن المجوّزين للوجه الأوّل: المبرد، وابن الأنباري، ومن المجوّزين للثاني الفرّاء، والأخفش، ومن المجوّزين للنصب على المصدرية الفراء، والأخفش أيضاً. وقرأ حمزة، وعاصم: {وقيله} بالجرّ عطفاً على لفظ الساعة، أي: وعنده علم الساعة، وعلم قيله، والقول والقال، والقيل بمعنى واحد، أو على أن الواو للقسم. وقرأ قتادة، ومجاهد، والحسن، وأبو قلابة، والأعرج، وابن هرمز، ومسلم بن جندب: (وقيله) بالرفع عطفاً على علم الساعة أي: وعنده علم الساعة، وعنده قيله، أو على الابتداء، وخبره الجملة المذكورة بعده، أو خبره محذوف تقديره، وقيله كيت، وكيت، أو وقيله مسموع. قال أبو عبيد: يقال: قلت قولاً، وقيلاً، وقالاً، والضمير في {وقيله} راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال قتادة: هذا نبيكم يشكو قومه إلى ربه، وقيل: الضمير عائد إلى المسيح، وعلى الوجهين، فالمعنى: أنه قال منادياً لربه: {يٰرَبّ إِنَّ هَـؤُلآء } الذين أرسلتني إليهم {قَوْم لاَّ يُؤْمِنُونَ }. ثم لما نادى ربه بهذا أجابه بقوله: {فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ } أي: أعرض عن دعوتهم {وَقُلْ سَلَـٰمٌ } أي: أمري تسليم منكم، ومتاركة لكم. قال عطاء: يريد مداراة حتى ينزل حكمي، ومعناه: المتاركة كقوله: {أية : سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِى ٱلْجَـٰهِلِينَ } تفسير : [القصص: 55]. وقال قتادة: أمره بالصفح عنهم، ثم أمره بقتالهم، فصار الصفح منسوخاً بالسيف، وقيل: هي محكمة لم تنسخ {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } فيه تهديد شديد، ووعيد عظيم من الله عزّ وجلّ. قرأ الجمهور: {يعلمون} بالتحتية، وقرأ نافع، وابن عامر بالفوقية. قال الفراء: إن "سلام" مرفوع بإضمار عليكم. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في البعث والنشور، عن ابن عباس في قوله: {وَنَادَوْاْ يٰمَـٰلِكُ} قال: يمكث عنهم ألف سنة، ثم يجيبهم {إِنَّكُمْ مَّـٰكِثُونَ }. وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: بينا ثلاثة بين الكعبة وأستارها، قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، فقال واحد منهم: ترون أن الله يسمع كلامنا؟ فقال واحد منهم: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع، فنزلت {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوٰهُم } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ } يقول: إن يكن للرحمن ولد {فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ } قال: الشاهدين. وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم في قوله: {إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ } قال: هذا معروف من كلام العرب إن كان هذا الأمر قط، أي: ما كان. وأخرج ابن جرير عن قتادة نحوه.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَنَادَوْاْ يَا مَالِكُ} هذا نداء أهل النار لخزانها حين ذاقوا عذابها. {لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} أي يميتنا، طلبوا الموت ليستريحوا به من عذاب النار. {قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ} أي لابثون في عذابها أحياء، وفي مدة ما بين ندائهم وجوابه أربعة أقاويل. أحدها: أربعون سنة، قاله عبد الله بن عمرو. الثاني: ثمانون سنة، قاله السدي. الثالث: مائة سنة، قاله نوف. الرابع: ألف سنة، قاله ابن عباس، لأن بعد ما بين النداء والجواب أخزى لهم وأذل. قوله تعالى: {أَمْ أَبْرَمُواْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أم أجمعوا على التكذيب فإنا مجمعون على الجزاء بالبعث، قاله قتادة. الثاني: أن أحكموا كيداً فإنا محكمون لها كيداً، قاله ابن زيد. الثالث: قضوا أمراً فإنا قاضون عليهم بالعذاب، قاله الكلبي. وقيل إن هذه الآية نزلت في كفار قريش حين اجتمع وجوههم في دار الندوة يتشاورون في أمر النبي صلى الله عليه وسلم حتى استقر رأيهم على ما أشار به أبو جهل عليهم أن يبرز من كل قبيلة رجل ليشتركوا في قتله فتضعف المطالبة بدمه، فنزلت هذه الآية، وقتل الله جميعهم عليهم اللعنة يوم بدر.

ابن عطية

تفسير : لما ذكر تعالى حال أهل الجنة وما يقال لهم، عقب ذلك بذكر حال الكفرة من الخلود في النار ولتتضح الأمور التي منها النذارة، والمجرمون في هذه الآية: الكفار، بدليل الخلود وما تتضمنه الألفاظ من مخاطبة مالك وغيره. والملبس: المبعد اليائس من الخيرة، قاله قتادة وغيره. وقرأ ابن مسعود: "وهم مبلسون" أي في جهنم. وقوله تعالى: {وما ظلمناهم} أي ما وضعنا العذاب فيمن لا يستحقه، ولكن هم ظلموا في أن وضعوا العبادة فيمن لا يستوجبها وضعفوا الكفر والتفريط في جنب الله تعالى. وقرأ الجمهور: "كانوا هم الظالمين" على الفصل. وقرأ ابن مسعود: "هم الظالمون" على الابتداء والخبر، وأن تكون الجملة خبر "كان". ثم ذكر تعالى عن أهل النار أنهم ينادون مالكاً خازن النار، فيقولون على معنى الرغبة التي هي في صيغة الأمر {ليقض علينا ربك} أي ليمتنا مرة حتى يتكرر عذابنا. وقرأ النبي عليه السلام على المنبر: "يا مالكٍ" بالكاف، وهي قراءة الجمهور. وقرأ ابن مسعود ويحيى والأعمش: "يا مال" بالترخيم، ورويت عن علي بن أبي طالب، ورواها أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم. والقضاء في هذه الآية بمعنى الموت، كما قال تعالى: {أية : فوكزه موسى فقضى عليه} تفسير : [القصص: 15] وروي في تفسير هذه الآية عن ابن عباس أن مالكاً يقيم بعد سؤالهم ألف سنة، وقال نوف: مائة سنة، وقيل: ثمانين سنة. وقال عبد الله بن عمر: وأربعين سنة، ثم حينئذ يقول لهم: {إنكم ماكثون}. وقوله: {لقد جئناكم} الآية، يحتمل أن يكون من قول مالك لأهل النار، ويكون قوله: {جئناكم} (على حد ما يدخل أحد جملة الرئيس كناية عن نفسه في فعل الرئيس فيقول غلبناكم وفعلنا بكم ونحو هذا، ثم ينقطع كلام مالك في قوله: {كارهون} ويحتمل أن يكون قوله: {جئناكم} من قول الله تعالى لقريش بعقب حكاية أمر الكفار مع مالك، وفي هذا توعد وتخويف فصيح، بمعنى انظروا كيف تكون حالكم، ثم تتصل الآية على هذا بما بعدها من أمر قريش. وقوله تعالى: {أم أبرموا أمراً} من أمور كفرهم وتدبيرهم على عهد محمد صلى الله عليه وسلم كما فعلوا في اجتماعهم على قتله في دار الندوة إلى غير ذلك، و: {أم} في هذه الآية: المنقطعة. وقوله: {فإنا مبرمون} أي فإنا محكمو نصره وحمايته. والإبرام: أن تجمع خيطين ثم تفتلهما فتلاً متقناً. والبريم: خيط فيه لونان. وقوله تعالى: {أم يحسبون} الآية، قال محمد بن كعب القرظي: نزلت لأن كثيراً من العرب كانوا يعتقدون أن الله تعالى لا يسمع السر، ومنه حديث الثقفي والقرشيين الذين سمعهم ابن مسعود يقولون عند الكعبة: أترى الله يسمعنا؟ فقال أحدهم: يسمع إذا جهرنا ولا يسمع إذا أخفينا الحديث، فأخبر الله تعالى في هذه الآية أنه يسمع، أي يدرك السر والنجوى، وأن رسله الحفظة من الملائكة يكتبون أعمال البشر مع ذلك، وتعد للجزاء يوم القيامة. واختلف المفسرون في قوله تعالى: {قل إن كان للرحمن ولد، فأنا أول العابدين} فقالت فرقة: العابدون: هو من العبادة، ثم اختلفوا في معنى الآية بعد ذلك، فقال قتادة والسدي والطبري، المعنى: {قل} لهم {إن كان للرحمن ولد} كما تقولون فأنا أول من يعبده على ذلك، ولكن ليس به شيء من ذلك تعالى وجل. قال الطبري: فهذا الطاف في الخطاب، ونحوه قوله: {أية : وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} تفسير : [سبأ: 24]. قال القاضي أبو محمد: وقوله تعالى: في مخاطبة الكفار: {أية : أين شركائي} تفسير : [النحل: 27، القصص: 62-72، فصلت: 47]. وقال مجاهد المعنى: إن كان لله ولد في قولكم فأنا أول من عبد الله وحده وكذبكم. وقال قتادة أيضاً وزهير بن محمد وابن زيد: {إن} نافية بمعنى: ما، فكأنه قال: ما كان للرحمن ولد. وهنا هو الوقف على هذا التأويل، ثم يبتدئ قوله: {فأنا أول العابدين} قاله أبو حاتم. وقالت فرقة: العابدون في الآية: من عبد الرجل إذا أنف وأنكر الشيء، ومنه قول الشاعر: شعر : متى يشأ ذو الود يصرم خليله ويعبد عليه لا محالة ظالما تفسير : ومنه حديث عثمان وعلي في المرجومة حين قال علي: {أية : وحمله وفصاله ثلاثون شهراً} تفسير : [الأحقاف: 15] قال: فما عبد عثمان أن بعث إليها لترد. والمعنى: إن جعلتم للرحمن ولداً وكان ذلك في قولكم فأنا أول الآنفين المنكرين لذلك. وقرأ الجمهور: "وَلَد" بفتح الواو واللام. وقرأ ابن مسعود وابن وثاب وطلحة والأعمش: "وُلْد" بضم الواو وسكون اللام. وقرأ أبو عبد الرحمن: "فأنا أول العابدين" وهي على هذا المعنى، قال أبو حاتم: العبد بكسر الباء: الشديد الغضب. وقال أبو عبيدة معناه: أول الجاحدين، والعرب تقول: عبدني حقي، أي جحدني.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ} يعني: الكُفَّارَ، و«المُبْلِسُ»: المُبْعَدُ اليائسُ من الخير؛ قاله قتادة وغيره، وقولهم: {لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} أي: لِيُمِتْنَا رَبُّك؛ فنستريحَ، فالقضاء في هذه الآية: الموتُ؛ كما في قوله تعالى: {أية : فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ }تفسير : [القصص:15] ورُوِيَ في تفسير هذه الآية عن ابن عباس؛ أَنَّ مالكاً يقيم بعد سؤالهم ألف سنة، ثم حينئذ يقول لهم: {إِنَّكُمْ مَّـٰكِثُونَ}.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي المشركين {فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} لما ذكر الوعد أردفه بالوعيد على الترتيب المستمر في القرآن. واحتج القاضي على القطع بوعيد الفساق بهذه الآية فقال: لفظ المجرم بتناول الكافر والفاسق، فوجب كون الكل في عذاب جهنم. وقوله: {لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} و "خالدون" بدل على الخلود. والجواب: إن ما قبل الآية وما بعدها يدل على أن المراد من لفظ المجرم ههنا الكافر. فأما قبل الآية فقوله: يَا عِبَادِي لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ الْيَوْم وَلاَ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا بآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ. وهذا يدل على أن كل من آمن بآياتِ الله وكان مسلماً، فإنه يدخل تحت قَوله: "يَا عِبَادِي لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ الْيَوْم" والفاسق من أهل الصلاة آمن بالله وآياته وأسلم فوجب أن يدخل تحت ذلك الوعد، وأن يخرج من هذا الوعيد. لكن وأما بعد الآية فقوله تعالى: {لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} والمراد بالحقّ ههنا إما الإسلام وإما القرآن، والرجل المسلم لا يكره الإسلام ولا القرآن. فثبت أن ما قبل الآية وما بعدها يدل على أن المراد من المجرمين الكفار. والله أعلم. قوله: {لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ} جملة حالية وكذلك {وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} وقرأ عبد الله: "وَهُمْ فِيهَا" أي في النار لدلالة العذاب عليها. واعلم أنه قد تقدم أن الخلود عبارة عن طول المُكْث، ولا يفيد الدوام. وقوله: {لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ} أي لا يخفف فلا ينقص من قولهم: فَتَرَتْ عَنْهُ الحُمَّى إذا سكَنَتْ ونقص حَرُّهَا. وقوله: {وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} والمُبْلِسُ هو اليائس الساكت سكوت يائس من فَرَجٍ. عن الضحاك: يُعقل المجرم في تابوت من نار، ثم يُقْفَلُ عليه فيبقى خالداً لا يرى ولا يرى. قوله: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ} العامة على الياء خبراً لكان، و "هم" إما فصل، وإمَّا توكيد، وقرأ عبد الله وأبو زَيْدٍ النحويان: الظَّالِمُونَ على أنه مبتدأ و "الظالمون" خبره والجملة خبر كان. وهي لغة تميم. قال أبو زيد: سمعتهم يَقْرَأُونَ: {أية : تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً}تفسير : [المزمل:20] بالرفع. وقال قيس بن ذُرَيْح (الشاعر): شعر : 4418ـ تَحِنُّ إلَى لَيْلَى وَأَنْتَ تَرَكْتَهَا وَكُنْتَ عَلَيْهَا بالمَلاَ أَنْتَ أَقْدَرُ تفسير : برفع "أقدر" و "أنت" فصل أو توكيد. قال سيبويه: بلغنا أن رؤبة كان يقول: أَظُنُّ زَيْداً هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ يعني بالرفع. فصل احتج القاضي بقوله: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ} فقال: إن كان خلق فيهم الكفر ليدخلهم النار فما الذي نفاهُ بقوله: {وَمَا ظَلمناهم (ولكن كانواهم الظالمين)}؟ وما الذي نسبه إليهم مما نفاه عنه نفسه؟ أو ليس لو أثبتناه لهم كان لا يزيد عما يقوله القوم؟ فإن قالوا ذلك الفعل لم يقع بقدرة الله عزّ وجلّ بل إنما وقع بقدرة الله مع قدرة العبد معاً فلم يكن ذلك ظلماً من الله تعالى: قلنا: عندكم القدرةُ على الظلم موجبة للظلم، وخالق تلك القدرة هو الله تعالى، وكأنه تعالى لما فعل مع خلق الكفر قدرة على الكفر خرج من أن يكون ظلماً لهم، وذلك محال، لأن من يكون ظالماً في فعله إذا فعل معه ما يوجب ذلك الفعل يكون ذلك أحق فيقال للقاضي: قدرة العبد هل هي صالحة للطرفين أو هي متعيِّنة لأحد الطرفين؟ فإن كانت صالحة لكلا الطرفين فالترجيح إنْ وقع لا لمرجّح، لزم نفي الصانع، وإن افتقر إلى مرجَّح عاد التقسيمُ الأول، وأن ينتهي إلى داعية مرجحة يخلقها الله تعالى في العبد، وحينئذ يلزمك ما ألزمته علينا. وأن كانت تلك القدرة متعينة لأحد الطرفين فحينئذ يلزمك ما أوردته علينا. قال ابن الخطيب: وليس الرجل من يرى (وجه) الاستدلال فيذكره إنما الرجل مَنْ ينظر فيما قبل الكلام وفيما بعده، فإن رآه وارداً على مذهبه بعينه لم يَذْكره. قوله تعالى: {وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ} العامة من غير ترخيم. وعَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ، وعبدُ الله بن وثَّاب والأعمشُ يَا مَالِ "مرخَّماً" على لغة ينتظر المحذوف. قيل لابن عباس: إن ابن مسعود قرأ "وَنَادَوْا يَا مَالِ" فقال: ما أشغلَ أهل النار بالترخيم، وأجيب عنه: بأنه إنما حَسُنَ الترخيم لأنهم بلغوا من الضعف والنحافةِ إلى حيث لا يمكن أن يذكروا من الكلمة إلا بعضها. وقرأ أبو السَّرار الغَنَوِيُّ: يَا مَالُ مَبْنِيًّا على الضم على لغة من لا ينوي. فصل روى ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ أن أهل النار يدعون مالكاً خازن النار يقولون: {لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} لِيُمِتْنَا ربك فنستريح فيجيئهم مالك بعد ألف سنة "إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ" مقيمون في العذاب وعن عبد الله بن عمرو بن العاص يجيئهم بعد أربعين سنة وعن غيره مائة سنة. فصل اختلفوا في أن قولهم: يا مالك ليقضي علينا ربك على أي الوجوه طلبوه؟ فقال بعضهم: على التمني. وقال آخرون: على وجه الاستغاثة، وإلا فهم عالمون بأنه لا خلاص لهم من ذلك العقاب. وقيل: لا يبعد أن يقال: إنهم لشدة ما هم فيه نَسُوا تلك المسألة تذكرة على وجه الطلب. ثم إنه تعالى بين أن مالكاً يقول لهم: "إنكم ماكثون" وليس في القرآن متى أجابهم، هل أجابهم في الحال أو بعد ذلك بمدة؟ ثم إنه تعالى ذكر بعد ذلك ماهو كالعلة لذلك الجواب فقال: {لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} والمراد نُفْرَتُهُمْ عن محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعن القرآن، وشدّة بغضهم لقبول الدين الحق. فإن قيل: كيف قال: "وَنَادَوْا يَا مَالِكُ" بَعْدَ مَا وَصَفُهمْ بالإبْلاَسِ؟. فالجواب: أنها أزمنةٌ متطاولة، وأحقابٌ ممتدة فتختلف بهم الأحوال فَيْسكُنُونَ أوقاتاً لغلبة اليأس عليهم ويستغيثون أوقاتاً لشدة ما بهم. روي أنه يُلْقَى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب فيقولون: ادعوا مالكاً فيَدْعُونَ يا مالكُ لِيَقْضِي عَلَيْنَا رَبُّكَ. ولما ذكر الله تعالى كيفيةَ عذابهم في الآخرة، ذكر بعده كيفية مكرهم، وفساد باطنهم في الدنيا فقال: {أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً} أي أحكموا أمراً في المكر برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعني مشركي مكة "فإنَّا مُبْرِمُونَ" محكمون أمراً في مجازاتهم أي مبرمون كيدنا كما أبرموا كيدهم كقوله تعالى: {أية : أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ}تفسير : [الطور:42]. قال مقاتل: نزلت في تدبيرهم في المكر في دار الندوة وقد تقدم في قوله: {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ...}تفسير : [الأنفال:30] الآية. قوله: "أمْ أَبْرَمُوا" أم منقطعة. والإبرام الإتقان وأصله في الفتل يقال: أَبْرَمَ الحَيْلَ، أي أتْقَنَ فَتْلَهُ وهو الفَتْلُ الثاني، والأول يقال له: سَحِيلٌ قال زهير: شعر : 4419ـ لَعَمْرِي لَنِعْمَ السَّيِّدَانِ وُجِدتُّمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ سَحِيلٍ ومُبْرَمِ تفسير : قوله تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم} السر ما حدث الرجل به نفسه أو غيره في مكان والنجوى ما تكلموا به فيما بينهم "بَلى" نسمع ذلك "و" نَعْلَمُ "رُسُلُنَا" أي الحفظة "لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ" أي يكتبون عليهم جميع أحوالهم.

ابو السعود

تفسير : {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي الراسخينَ في الإجرامِ وهم الكفارُ حسبَما نبىءُ عنْهُ إيرادُهم في مقابلةِ المؤمنينَ بالآياتِ {فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ} خبرُ إنَّ، أو خالدونَ هُو الخبرُ، وفي متعلقةٌ بهِ. {لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ} أي لا يخففُ العذابُ عنُهم، من قولِهم فَتَرتْ عنْهُ الحُمَّى إذا سكنِتْ قليلاً، والتركيبُ للضعفِ. {وَهُمْ فِيهِ} أي في العذابِ. وقُرِىءَ فيَها أي في النَّارِ {مُّبْلِسُونَ} آيسونَ منَ النَّجاةِ. {وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ} بذلكَ {وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّـٰلِمِينَ} لتعريضِهم أنفسَهُم للعذابِ الخالدِ. {وَنَادَوْاْ} خازنَ النَّارِ {يا مالك} وقُرِىءَ يا مَالِ على التَّرخيمِ بالضمِّ والكسرِ، ولعلَّه رمزٌ إلى ضعفِهم وعجزِهِم عن تأديةِ اللفظِ بتمامِه. {لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} أي لِيُمتنا حتَّى نستريحَ من قضَى عليه إذا أماتَهُ والمعنى سَلْ ربَّك أنْ يقضي علينا، وهَذا لا يُنافِي ما ذُكرَ من إبلاسِهم لأنَّه جؤارٌ وتمنَ للموتِ لفرطِ الشدَّةِ {قَالَ إِنَّكُمْ مَّـٰكِثُونَ} أيْ فِي العذابِ أبداً لا خلاصَ لكُم منْهُ بموتٍ ولا بغيرِه، عن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ الله عنهُما: أنَّه لا يُجيبُهم إلا بعدَ ألفِ سنةٍ، وقيلَ: بعد مائةٍ، وقيلَ: بعدَ أربعينَ سنةً. {لَقَدْ جِئْنَـٰكُم بِٱلْحَقّ} في الدُّنيا بإرسالِ الرُّسلِ وإنزال الكتبِ وهو خِطَابُ توبـيخٍ وتقريعٍ من جهةِ الله تعالَى مقررٌ لجوابِ مالكٍ ومبـينٌ لسببِ مكثِهم، وقيلَ: في قالَ ضميرُ الله تعالَى: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقّ} أي حقَ كانَ {كَـٰرِهُونَ} لا يقبلونَهُ وينفرونَ عنْهُ، وأما الحقُّ المعهودُ الذي هو التوحيدُ أو القرآنُ فكلُّهم كارهونَ له مشمئزّونَ منْهُ {أَمْ أَبْرَمُواْ أَمْراً} كلامٌ مبتدأٌ ناعٍ على المشركينَ ما فعلُوا من الكيدِ برسولِ الله صلى الله عليه وسلم. وأمْ منقطعةٌ وما فَيها من مَعنْى بلْ للانتقالِ من توبـيخِ أهلِ النَّارِ إلى حكايةِ جنايةِ هؤلاءِ، والهمزةُ للإنكارِ، فإنْ أُريدَ بالإبرامِ الإحكامُ حقيقةً فهيَ لإنكارِ الوقوعِ واستبعادِه، وإنْ أُريدَ الإحكامُ صورةً فهيَ لإنكارِ الواقعِ واستقباحِه أيْ أأبرمَ مشركُو مكَة أمراً من كيدِهم ومكرِهم برسولِ الله صلى الله عليه وسلم. {فَإِنَّا مُبْرِمُونَ} كيدنَا حقيقةً لا همُ أو فإنَّا مبرمونَ كيدنَا بهم حقيقةً كما أبرمُوا كيدَهُم صورةً كقولِه تعالى: { أية : أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ} تفسير : [سورة الطور، الآية 42] وكانُوا يتناجَون في أنديتِهم ويتشاورُون في أمورِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان المجرمين} اى الراسخين فى الاجرام وهم الكفار حسبما ينبئ عند ايرادهم فى مقابلة المؤمنين بالآيات {فى عذاب جهنم} متعلق بقوله {خالدون} اى لا ينقطع عذابهم فى جهنم كما ينقطع عذاب عصاة المؤمنين على تقدير دخولهم فيها

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {خالدون}: خبر "إن"، و {في عذاب}: معمول الخبر، أو: خبر، و"خالدون" خبر بعد خبر. يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّ المجرمين} أي: الراسخين في الإجرام، وهم الكفار، كما ينبئ عنه إتيانه في مقابلة المؤمنين {في عذاب جهنم خالدون لا يُفَتَّرُ عنهم}؛ لا يخفف عنهم، من قولهم: فترت عنه الحمى: سكتت. قال القشيري: هم الكفار والمشركون، أهل الخلود، لا يُخفف عنهم، وأما أهل التوحيد فقد يكون قومٌ منهم في النار، ولكن لا يخلدون فيها؛ فيقتضي دليل الخطاب أنه يُفتَّرُ عنهم العذاب، أي: يخفف، وورد في الخبر الصحيح:"حديث : أن الحق يُميتهم إماتة إلى أن يخرجوا منها"تفسير : والميت لا يحس ولا يألم، وذكر في الآية أنهم {مبلسون} فيدلّ أن المؤمنين لا إبلاس لهم، وإن كانوا في بلائهم فهُمْ عَلَى وصف رجائهم، ويُعدون أيامهم. هـ. وحمل ابن عطية الموت على المقاربة، لا الموت حقيقة؛ لأن الآخرة لا موت فيها، قال: والحديث أراه على التشبيه، لأنه كالسُبات والركود والهمود، فجعله موتاً. انظره في {أية : ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى }تفسير : [الأعلى: 13]. وقال عياض في الإكمال: عن بعض المتكلمين: يحتمل الحقيقة، ويحتمل الغيبة عن الإحساس، كالنوم، وقد سمي النوم وفاتاً؛ لإعاده الحس. هـ. {وهم فيه} أي: في العذاب {مُبلِسُون} آيسون من الفرج، متحيّرون، {وما ظلمناهم} بذلك، حيث أرسلناك الرسل {ولكن كانوا هم الظالمين} بتعريض أنفسهم للعذاب الخالد، بمخالفة الرسل، وإيثارهم التقليد على النظر. {ونادَوْا} وهم في النار لمَّا أيسوا من الفتور {يا مالكُ} وهو خازن النار. قيل لابن عباس: إن ابن مسعود يقرأ "يا مَالِ" - ورُويت عن النبي صلى الله عليه وسلم - فقال:"ما أشغلَ أهلَ النَّار عن الترخيم، قيل: هو رمز إلى ضعفهم وعجزهم عن تمام اللفظ. {ليقض علينا ربُّك} أي: ليُمِتْنا حتى نستريح، مِن: قضى عليه إذا أماته، والمعنى: سل ربك أن يقضي علينا بالموت، وهذا لا ينافي ماذكر من إبلاسهم؛ لأنه جُؤار، وتمني الموت؛ لفرط الشدة. {قال إِنكم ماكثون}؛ لابثون في العذاب، لا تتخلصون منه بموت ولا فتور، قال الأعمش: أُنبئت أن بين دعائهم وبين إجابتهم ألف عام، وفي الحديث: "حديث : لو قِيلَ لأهل النار: إنكم ماكثون في النار عدد كل حصاة في الدنيا لفرحوا؛ ولو قيل لأهل الجنة ذلك لحزنوا، ولكن جعل الله لهم الأبد ". تفسير : {لقد جئناكم بالحقّ} في الدنيا بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وهو خطاب توبيخ وتقريع من جهته تعالى، مقرر لجواب مالك، ومُبين لسبب مكثهم، وقيل: الضمير في (قال) لله تعالى، أي: لقد أعذرنا إليكم بإرسال الرسل بالحق {ولكن أكثرَهم للحقِّ} أيّ حق كان {كارهون} لا تسمعونه وتفرُّون منه؛ لأن مع الباطل الدَّعة، ومع الحق التعب، هذا في مطلق الحق، وأما في الحق المعهود، الذي هو التوحيد والقرآن، فكلهم كارهون مشمئزون منه. {أم أبْرَموا أمراً} مبتدأ، ناعٍ على المشركين ما فعلوا من الكيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، و"أم" منقطعة، وما فيها من معنى "بل" للانتقال من توبيخ أهل النار إلى حكاية جناية هؤلاء، أي: أم أحكم مشركو مكة أمراً من كيدهم ومكرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، {فإِنا مُبْرِمُون} كيدنا حقيقة، كما أبرموا كيدهم صورة، كقوله تعالى:{أية : أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ الْمَكِيدُونَ}تفسير : [فاطر: 42] الآية. وكانوا يتناجون في أنديتهم. ويتشاورون في أمره صلى الله عليه وسلم. {أم يحسبون} بل يحسبون {أنا لا نسمعَ سِرَّهم} وهو ما حدَّثوا به أنفسهم أو غيرهم في مكان خال، {ونجواهم} أي: ما تكلّموا به فيما بينهم بطريق التناجي، {بلى} نحن نسمعها ونطَّلع عليها {ورسلُنا} الملائكة الذين يحفظون عليهم أعمالهم، ويلازمونهم أينما كانوا {لديهم} أي: عندهم {يكتبون} كل ما صدر عنهم من الأفعال والأقوال، ومن جملتها: ما ذكر من سرهم ونجواهم، والجملة: إما عطف على ما يترجم عنه "بلى"، أي: نكتبها ورسلنا كذلك، أو حال، أي: نسمعها والحال أن رسلنا يكتبونه. الإشارة: قوله تعالى: {إن المجرمين...} الخ.. أما أهل الشرك فقد اتفق المسلمون على خلودهم، إلا ما انفرد به ابن العربي الحاتمي والجيلي، فقد نقلاً خبراً مأثوراً: أن النار تخرب، وينبت موضعها الجرجير، وينتقل زبانيتها إلى خزنة الجنان، فهذا من جهة الكرم وشمول الرحمة لا يمنع، ومن جهة ظواهر النصوص معارض، وباطن المشيئة مما اختص الله تعالى به. ونقل الجيلي أيضاً في كتابه (الإنسان الكامل): أن بعض أهل النار أفضل عند الله من بعض أهل الجنة يتجلّى لهم الحق تعالى في دار الشقاء. ونقل أيضاً: أن بعض أهل النار تعرض عليهم الجنة فيأنفون فيها، وان بعض أهل النار يتلذّذون بها كصاحب الجرب. وذكر بعضهم أن أهل النار يتطبعون بها، كالسمندل، فهذه مقالات غريبة، الله أعلم بصحتها. وعلى تقدير وقوعها في غيب مشيئته تعالى، فلعلها في قوم مخصوصين من المسلمين ختم لهم بالشقاء بعد مُقاساة شدائد الطاعة، أو: في قوم من أهل الفترة لم يكن فيهم إذاية، أو صدر منهم إحسان، والله أعلم بأسرار غيبه، وأما أهل التوحيد فحالهم في النار أرفق من هذا، بل حالهم فيها أروح من حال الدنيا من وجه. قال القشيري: ولقد قال الشيوخ: إن حالَ المؤمنين في النار - من وجه - أرْوَحُ لقلوبهم من حالهم اليوم في الدنيا؛ لأن اليوم خوف الهلاك؛ وغداً يقين النجاة، وأنشدوا: شعر : عَيبُ السلامة أَنَّ صاحبَها مُتَوَقِّعٌ لِقَوَاصِمِ الظَّهْرِ وفَضِيلَةُ البَلْوَى تَرَقُّبُ أهلِها عُقْبَى الرَّجَاءِ ودَوْرَةُ الدَّهْرِ تفسير : ثم قال في قوله تعالى: {ونادوا يا مالك} لو قالوا: يا مَلِك بدل من يا مالك لكان أقربَ إلى الإجابة، ولكنَّ الأجنبيةَ حالت بينهم وبين ذلك. هـ. أي: تعلقهم بالمخلوق دون الخالق. وقوله تعالى: {أم أبرموا أمراً...} الخ، هي عادته تعالى مع خواصه كيفما كانوا، يرد كيد مَن كادهم في نحره. وقوله تعالى: {أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم...} الخ، قال القشيري: إنما خوَّفهم بسماع الملائكة، وكتابتهم أعمالهم عليهم، لغفلتهم عن الله، ولو كان لهم خبر عن الله لما خوّفهم بغير الله، ومَن عَلِمَ أن أعماله تُكتَبُ عليه، ويُطالَب بمقتضاها، قلَّ إلمامُه بما يخاف أن يُسأَلَ عنه. هـ. ثم ردّ على مَن زعم اتخاذ الولد لله تعالى، كعيسى والملائكة، فقال: {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ}.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ} كأنّه قيل: هذا للمطيعين فما للمجرمين؟ - فقال: انّ المجرمين {فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} وقد فسّروا باعداء آل محمّد (ص).

اطفيش

تفسير : {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ} المشركين الكاملين في الاجرام وكل مشرك كذلك والموحدين أهل الكبائر ولهذا اشترط للجنة مع الايمان الموجود في كل موحد الكون مسلماً أي مخلصاً لعمله وتوحيده عن الكبائر المفسدة أو المراد هنا المشركون ويؤيده قوله {أية : ولكن أكثركم للحق كارهون} تفسير : الخ وقوله {أية : قل ان كان للرحمن} تفسير : الخ وعلى الأول يصرف هذان القولان للمشركين فقط أو كراهة الحق شاملة لعدم العمل به مع وجود الايمان به فيدخل فيها الموحد أو قوله لقد جئناكم خطاب لأهل مكة لا لأهل النار* {فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ} متعلق بقوله* {خَالِدُونَ} وخالدون خبر وهما خبران لان

اطفيش

تفسير : {إنَّ المُجرمين} الكفار {في عذاب جهنَّم خالدون} مع الجوع والعطش، أو هما من جملة العذاب، وروى أنه يلقى عليهم الجوع حتى يعادل ما هم فيه من العذاب، وفى عذاب متعلق بخالدون، وقدم للحصر والفاصلة، ولو جعل خبرا أولا، وخالدون خبرا ثانيا لاحتيج الى تقدير خالدون، فيستغنى عن ذلك بتعليقه بخالدون، ولا يصح أن يكون خبرا، وخالدون فاعله من جهة المعنى، ومن حيث انه كقولك زيد فى الدار عمر.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ } / أي الراسخين في الإجرام الكاملين فيه وهم الكفار فكأنه قيل: إن الكفار {فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ } وأيد إرادة ذلك بجعلهم قسيم المؤمنين بالآيات في قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } تفسير : [الزخرف: 69] فلا تدل الآية على خلود عصاة المؤمنين كما ذهب إليه المعتزلة والخوارج، ولا يضر عدم التعرض لبيان حكمهم بناء على أن المراد بالذين آمنوا المتقون لقوله تعالى: {أية : يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ } تفسير : [الزخرف: 68] والقول بأن الذين آمنوا شامل لهم لأن العلة إيمانهم وإسلامهم لا يخفى ما فيه. والظرف متعلق بخالدون وخالدون خبر (إن)، وجوز أن يكون الظرف هو الخبر و(خالدون) فاعله لاعتماده.

ابن عاشور

تفسير : لهذه الجملة موقعان: أحدهما: إتمام التفصيل لما أجمله الوعيد الذي في قوله تعالى: { أية : فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم } تفسير : [الزخرف: 65] عقب تفصيل بعضه بقوله: { أية : هل ينظرون إلا الساعة } تفسير : [الزخرف: 66] الخ. وبقوله: { أية : الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعض عدوٌ } تفسير : [الزخرف: 67] حيث قطع إتمام تفصيله بالاعتناء بذكر وعد المؤمنين المتقين فهي في هذا الموقع بيان لجملة الوعيد وتفصيل لإجمالها. الموقع الثاني: أنها كالاستئناف البياني يثيره ما يُسمع من وصف أحوال المؤمنين المتقين من التساؤل: كيف يكون حال أضدادهم المشركين الظالمين. والموقعان سواء في كون الجملة لا محلّ لها من الإعراب. وافتتاح الخبر بــ{إنّ} للاهتمام به، أو لتنزيل السائل المتلهفِ للخبر منزلة المتردّد في مضمونه لشدة شوقه إليه، أو نظراً إلى ما في الخبر من التعريض بإسماعه المشركين وهم ينكرون مَضْمُونَهُ فكأنه قيل: إنكم أيها المجرمون في عذاب جهنم خالدون. والمجرمون: الذين يفعلون الإجرام، وهو الذنب العظيم. والمراد بهم هنا: المشركون المكذبون للنبي صلى الله عليه وسلم لأن السياق لهم، ولأن الجملة بيان لإجمال وعيدهم في قوله: { أية : فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم } تفسير : [الزخرف: 65]، ولأن جواب الملائكة نداءهم بقولهم: { أية : لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون } تفسير : [الزخرف: 78] لا ينطبق على غير المكذبين، أي كارهون للإسلام والقرآن، فذكر المجرمين إظهار في مقام الإضمار للتنبيه على أن شركهم إجرام. وجملة {لا يفتر عنهم} في موضع الحال من {عذاب جهنم} و{يفتر} مضاعف فَتَر، إذا سكن، وهو بالتضعيف يتعدّى إلى مفعول. والمعنى: لا يفتِّره أحد. وجملة {وهم فيه مبلسون} عطف على جملة {إنّ المجرمين في عذاب جهنم خالدون}. والإبلاس: اليأس والذل، وتقدم في سورة الأنعام: وزاد الزمخشري في معنى الإبلاس قيد السكوت ولم يذكره غيره، والحق أن السكوت من لوازم معنى الإبلاس وليس قيداً في المعنى.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إن المجرمين في عذاب جهنم: أي إن الذين أجرموا على أنفسهم بالشرك والمعاصي في جهنم خالدون لا يخرجون ولا يموتون. لا يفتر عنهم وهو فيه مبلسون: أي لا يخفف عنهم العذاب وهو فيه ساكتون سكوت يأس. ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك: أي ونادوا مالكاً خازن النار قائلين له ليمتنا ربك. قال إنكم ماكثون: أي أجابهم بعد ألف سنة مضت على دعوتهم بقوله إنكم ماكثون أي مقيمون في عذاب جهنم دائماً. لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون: أي علة بقائكم أنا جئناكم بالحق على لسان رسولنا والحق التوحيد وعبادة الله بما شرع فكره أكثركم الحق. أم أبرموا أمراً فإنا مبرمون: أي أحكموا في الكيد للنبي محمد صلى الله عليه وسلم فإنا محكمون كيدنا في إهلاكهم. ورسلنا لديهم يكتبون: أي وملائكتنا من الحفظة يكتبون ما يسرون وما يعلنون. معنى الآيات: لما ذكر تعالى الجنة ونعيمها ذكر في هذه الآيات النار وعذابها وهذا هو الترغيب والترهيب الذي امتاز به أسلوب القرآن في الدعوة إلى الله تعالى وهداية الخلق إلى الإصلاح قال تعالى {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي الذين أجرموا على أنفسهم فأفسدوها بالشرك والمعاصي هؤلاء في عذاب جهنم خالدون، لا يفتر عنهم العذاب أي لا يخفف وهم فيه أي في العذاب مبلسون أي ساكتون آيسون قانطون. وقال تعالى وما ظلمناهم في تعذيبنا لهم بهذا العذاب ولكن كانوا هم الظالمين، حيث دسوا أنفسهم بالشرك والمعاصي. وقوله تعالى: {وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} يخبر تعالى أن أصحاب ذلك العذاب الدائم الذي لا يفتر فيخفف نادوا مالكاً خازن النار وقالوا له ليمتنا ربك فنستريح من العذاب. فأجابهم مالك بعد ألف سنة قائلاً قال أي ربي إنكم ماكثون أي في عذاب جهنم، وعلل لهذا الحكم بالمكث أبداً فقال: لقد جئناكم بالحق أي أرسلنا إليكم رسولنا بالحق يدعوكم إليه وهو الإيمان والعمل الصالح المزكى للنفوس فكرة أكثركم ذلك فلم تؤمنوا ولم تعملوا صالحاً مؤثرين شهوات الدنيا على الآخرة فمتم على الآخرة على الشرك والكفر فهذا جزاء الكافرين. وقوله تعالى: {أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ} أي بل أبرم هؤلاء المشركون أمراً يكيدون فيه للرسول ودعوته فإن فعلوا ذلك فإنا مبرمون أي محكمون أمراً مضاف لهم بتعذيبهم وإبطال ما أحكموه من الكيد للرسول ودعوته. وقوله: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ} نسمع ذلك ورسلنا وهم الحفظة لديهم يكتبون ما يقولون سراً وجهراً. روي أن ثلاثة نفر قالوا وهم تحت أستار الكعبة فقال أحدهم أترون أن الله يسمع كلامنا؟ فقال أحدهم إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع وقال الثاني إن كان يسمع إذا أعلنتم فأنه يسمع إذا أسررتم فنزلت {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ} أي نسمع سرهم ونجواهم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان عقوبة الإجرام على النفس بالشرك والمعاصي. 2- عذاب الآخرة لا يطاق ولا يقادر قدرة يدل عليه طلبهم الموت ليستريحوا منه وماهم بميتين. 3- أكبر عامل من عوامل كراهية الحق حب الدنيا والشهوات البهيمية في الأكل والشرب والنكاح هذه التي تُكَرّه إلى صاحبها الدين وشرائعه التي قد تقيد من الإسراف في ذلك.

د. أسعد حومد

تفسير : {خَالِدُونَ} (74) - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى حَالَ المُؤْمِنِينَ السُّعَدَاءِ فِي الجَنَّةِ، وَمَا لَهُمْ فِيهَا مِنْ طَعَامٍ وَشَرَاب وَفَاكِهَةٍ، وَنَعِيمٍ لاَ يَبْلَى، أَتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حَالِ الكَفَرَةِ المُجْرِمِينَ الظَّالِمِينَ، فَقَالَ إِنَّ الكَفَرَةَ يَكُونُ مَصِيرُهُمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَيَبقَوْنَ فِيهَا خَالِدِينَ أَبَداً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق سبحانه يقرر لنا حقائق ثلاث عن المجرمين: أنهم خالدون في العذاب فهو عذاب ممتدٌّ لا نهاية له، ثم {لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ ..} [الزخرف: 75] يعني: لا يُخفف عنهم {وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} [الزخرف: 75] يعني: متحسِّرون يائسون من النجاة، يائسون من الخير لا أملَ عندهم في الخروج منها، وهكذا جمع عليهم كلَّ جوانب الألم والحسرة واليأس وقَطْع الرجاء.

الجيلاني

تفسير : ثم قال سبحانه على مقتضى سنته السنية المستمرة: {إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ} المنهمكين في بحر الجرائم والمعاصي {فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} [الزخرف: 74] على عكس خلود أصحاب الجنة في الجنة. بحيث {لاَ يُفَتَّرُ} ولا يخفف {عَنْهُمْ} من عذابها {وَهُمْ فِيهِ} أي: في العذاب الدائم {مُبْلِسُونَ} [الزخرف: 75] آيسون من الخلاص والنجاة. {وَ} بالجملة: {مَا ظَلَمْنَاهُمْ} بإنزال العذاب عليهم {وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ} [الزخرف: 76] المقصورين على الخروج والعدوان على مقتضى الحدود الموضوعة فيهم؛ لحفظهم عن مثال هذا العذاب والنكال. {وَ} من شدة العذاب عليهم وقلة التصبر وفرط الفزع والجزع {نَادَوْاْ} صائحين صارخين: {يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} أي: سل ربك أن يقضي علينا بالمقت والهلاك؛ إذ لا طاقة لنا اليوم بالعذاب وهوله وشدته، ثم لما بثوا شكواهم مراراً، وصاحوا فجعين فزعين تكراراً {قَالَ} القائل في جوابهم من قبل الحق على سبيل الاستبعاد والتأبيد: هيهات هيهات {إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ} [الزخرف: 77] لا نجاة لكم عنها، لا بالموت ولا بالخلاص والتخيف، بل كلما نضجت جلودكم بدلنا لكم جلوداً غيرها، وعذبناكم أشد العذاب. وكيف لا نعذبكم أيها الجاهلون المسرفون {لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ} أي: بالطريق الحق الثابت الحقيق بالإطاعة والاتباع فانصرفتم عنه، وأنكرتم عليه ولم تلتفتوا إليه، بل {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ} بعدما تفطنوا {لِلْحَقِّ} وحقيته {كَارِهُونَ} [الزخرف: 78] لقبوله والامتثال بمقتضاه. وهم مع كمال كراهتهم للحق وذبّهم عنه لا يقتصرون عليها {أَمْ أَبْرَمُوۤاْ} أي: بل حكموا وقطعوا {أَمْراً} حكماً مبرماً، مكراً وخديعة لرد الحق وتكذيب أهله {فَإِنَّا} بمقتضى قهرنا وجلالنا {مُبْرِمُونَ} [الزخرف: 79] حاكمون حكماً قطعياً بإنزال العذاب المخلد عليهم جزاءً لمكرهم وخداعهم. أيشكون ويترددون أنَّا لا نقدر على انتقامنا وأخذهم {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ} نعلم وندرك {سِرَّهُمْ} الذي يخفونه في ضمائرهم {وَنَجْوَاهُم} الذي يتناجون به في هواجس نفوسهم {بَلَىٰ} إنَّا عالمون بجميع ما يجري في أسرارهم وضمائرهم، مطلعون بعموم ما صدر من استعداداتهم وقابلياتهم {وَ} مع إحاطة علمنا بهم ولأحوالهم {رُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف: 80] جميع ما صدر عنهم، نقيره وقطميره، حتى نحاسبهم عليه، ونجازيهم بمقتضاه.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { إِنَّ الْمُجْرِمِينَ } الذين أجرموا بكفرهم وتكذيبهم { فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ } أي: منغمرون فيه، محيط بهم العذاب من كل جانب، { خَالِدُونَ } فيه، لا يخرجون منه أبدا، و { لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ } العذاب ساعة، بإزالته، ولا بتهوين عذابه، { وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ } أي: آيسون من كل خير، غير راجين للفرج، وذلك أنهم ينادون ربهم فيقولون: {أية : رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ } تفسير : وهذا العذاب العظيم، بما قدمت أيديهم، وبما ظلموا به أنفسهم.واللّه لم يظلمهم ولم يعاقبهم بلا ذنب ولا جرم. { وَنَادَوْا } وهم في النار، لعلهم يحصل لهم استراحة، { يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } أي: ليمتنا فنستريح، فإننا في غم شديد، وعذاب غليظ، لا صبر لنا عليه ولا جلد. فـ { قَالَ } لهم مالك خازن النار -حين طلبوا منه أن يدعو اللّه لهم أن يقضي عليهم-: { إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ } أي: مقيمون فيها، لا تخرجون عنها أبدا، فلم يحصل لهم ما قصدوه، بل أجابهم بنقيض قصدهم، وزادهم غما إلى غمهم. ثم وبخهم بما فعلوا فقال: { لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ } الذي يوجب عليكم أن تتبعوه فلو تبعتموه، لفزتم وسعدتم، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ } فلذلك شقيتم شقاوة لا سعادة بعدها.