٤٣ - ٱلْزُّخْرُف
43 - Az-Zukhruf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
77
Tafseer
القرطبي
تفسير : . قوله تعالى: {وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ} وهو خازن جهنم، خلقه لغضبه؛ إذا زجر النار زجرة أكل بعضها بعضاً. وقرأ عليّ وابن مسعود رضي الله عنهما «وَنَادَوْا يَا مَالِ» وذلك خلاف المصحف. وقال أبو الدرداء وابن مسعود: قرأ النبيّ صلى الله عليه وسلم: «وَنَادَوْا يَا مَالِ» باللام خاصة؛ يعني رخم الاسم وحذف الكاف. والترخيم الحذف، ومنه ترخيم الاسم في النداء، وهو أن يحذف من آخره حرف أو أكثر، فتقول في مالك: يا مال، وفي حارث: يا حار، وفي فاطمة: يا فاطم، وفي عائشة يا عائش، وفي مروان: يا مرو، وهكذا. قال:شعر : يا حار لا أُرْمَيَنْ منكم بداهية لم يَلْقَها سُوقَةٌ قَبْلِي ولا مَلِكُ تفسير : وقال ٱمرؤ القيس:شعر : أحار ترى بَرْقاً أُرِيك وَمِيضه كلمع اليدين في حَبِيٍّ مُكلّلِ تفسير : وقال أيضاً:شعر : أفاطِم مَهْلا بعضَ هذا التدلُّلِ وإن كنت قد أزمعتِ صُرْمِي فأجْمِل تفسير : وقال آخر:شعر : يا مَرْو إن مَطِيّتي محبوسةٌ ترجو الحِباء ورَبُّها لم ييأس تفسير : وفي صحيح الحديث «حديث : أي فل، هَلُمَّ»تفسير : . ولك في آخر الاسم المرخّم وجهان: أحدهما ـ أن تبقيه على ما كان عليه قبل الحذف. والآخر ـ أن تبنيه على الضم؛ مثل: يا زيد؛ كأنك أنزلته منزلته ولم تراع المحذوف. وذكر أبو بكر الأنباري قال: حدّثنا محمد بن يحيى المرْوزيّ قال حدّثنا محمد ـ وهو ابن سعدان ـ قال حدّثنا حجاج عن شعبة عن الحكم بن عيينة عن مجاهد قال: كنا لا ندري ما الزخرف حتى وجدناه في قراءة عبد الله «بيت من ذهب»، وكنا لا ندري «وَنَادَوْا يَا مَالِكُ» أو يا ملك (بفتح اللام وكسرها) حتى وجدناه في قراءة عبد الله «وَنَادَوْا يَا مَالِ» على الترخيم. قال أبو بكر: لا يعمل على هذا الحديث لأنه مقطوع لا يقبل مثله في الرواية عن الرسول عليه السلام؛ وكتاب الله أحق بأن يحتاط له وينفي عنه الباطل. قلت: وفي صحيح البخاري عن صفوان بن يَعْلَى عن أبيه قال سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر: {وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} بإثبات الكاف. وقال محمد بن كعب القُرَظي: بلغني ـ أو ذكر لي ـ أن أهل النار استغاثوا بالخزنة فقال الله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ }تفسير : [غافر: 49] فسألوا يوماً واحداً يخفف عنهم فيه العذاب؛ فردّت عليهم: {أية : أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالُواْ بَلَىٰ قَالُواْ فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ}تفسير : [غافر: 50] قال: فلما يَئسوا مما عند الخزنة نَادَوْا مالكاً؛ وهو عليهم وله مجلس في وسطها، وجسور تمر عليها ملائكة العذاب؛ فهو يرى أقصاها كما يرى أدناها فقالوا: «يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ» قال: سألوا الموت، قال: فسكت عنهم لا يجيبهم ثمانين سنة، قال: والسنة ستون وثلثمائة يوم، والشهر ثلاثون يوماً، واليوم كألف سنة مما تعدون، ثم لحظ إليهم بعد الثمانين فقال: «إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ» وذكر الحديث؛ ذكره ابن المبارك. وفي حديث أبي الدرداء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : فيقولون ٱدعوا مالكاً فيقولون يا مالك لِيقضِ علينا ربك قال إنكم ماكثون»تفسير : . قال الأعمش: نُبِّئت أن بين دعائهم وبين إجابة مالك إياهم ألف عام؛ خرَّجه الترمذي. وقال ابن عباس: يقولون ذلك فلا يجيبهم ألف سنة، ثم يقول إنكم ماكثون. وقال مجاهد ونَوْف البِكَالِيّ: بين ندائهم وإجابته إياهم مائة سنة. وقال عبد الله بن عمرو: أربعون سنة؛ ذكره ابن المبارك.
البيضاوي
تفسير : {وَنَادَوْاْ يٰمَـٰلِكُ} وقرىء «يا مال» على الترخيم مكسوراً ومضموماً، ولعله إشعار بأنهم لضعفهم لا يستطيعون تأدية اللفظ بالتمام ولذلك اختصروا فقالوا: {لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } والمعنى سل ربنا أن يقضي علينا من قضى عليه إذا أماته، وهو لا ينافي إبلاسهم فإنه جؤار وتمن للموت من فرط الشدة {قَالَ إِنَّكُمْ مَّـٰكِثُونَ } لا خلاص لكم بموت ولا بغيره. {لَقَدْ جِئْنَـٰكُم بِٱلْحَقّ } بالإِرسال والإِنزال، وهو تتمة الجواب إن كان في {قَالَ } ضمير الله وإلا فجواب منه فكأنه تعالى تولى جوابهم بعد جواب مالك. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقّ كَـٰرِهُونَ } لما في اتباعه من إتعاب النفس وآداب الجوارح. {أَمْ أَبْرَمُواْ أَمْراً } في تكذيب الحق ورده ولم يقتصروا على كراهته. {فَإِنَّا مُبْرِمُونَ } أمراً في مجازاتهم والعدول عن الخطاب للإشعار بأن ذلك أسوأ من كراهتهم، أو أم أحكم المشركون أمراً من كيدهم بالرسول {فَإِنَّا مُبْرِمُونَ} كيدنا بهم، ويؤيده قوله: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ } حديث أنفسهم بذلك. {وَنَجْوٰهُم } وتناجيهم. {بَلَىٰ } نسمعهما. {وَرُسُلُنَا } والحفظة مع ذلك. {لَدَيْهِمْ } ملازمة لهم. {يَكْتُبُونَ } ذلك. {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ } منكم فإن النبي صلى الله عليه وسلم يكون أعلم بالله وبما يصح له وبما لا يصح له، وأولى بتعظيم ما يوجب تعظيمه ومن تعظيم الوالد تعظيم ولده، ولا يلزم من ذلك صحة كينونة الولد وعبادته له إذ المحال قد يستلزم المحال بل المراد نفيهما على أبلغ الوجوه كقوله تعالى: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا }تفسير : [الأنبياء: 22] غير أن {لَوْ } ثم مشعرة بانتفاء الطرفين، و {إن} ههنا لا تشعر به ولا بنقيضه فإنها لمجرد الشريطة بل الانتفاء معلوم لانتفاء اللازم الدال على انتفاء ملزومه، والدلالة على أن إنكاره الولد ليس لعناد ومراء بل لو كان لكان أولى الناس بالاعتراف به. وقيل معناه إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول العابدين لله الموحدين له أو الآنفين منه، أو من أن يكون له ولد من عبد يعبد إذا اشتد أنفه، أو ما كان له ولد فأنا أول الموحدين من أهل مكة. وقرأ حمزة والكسائي {وَلَدَ } بالضم وسكون اللام. {سُبْحَـٰنَ رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ رَبّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} عن كونه ذا ولد فإن هذه الأجسام لكونها أصولاً ذات استمرار تبرأت عما يتصف به سائر الأجسام من توليد المثل، فما ظنك بمبدعها وخالقها. {فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ } في باطلهم. {وَيَلْعَبُواْ } في دنياهم. {حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِى يُوعَدُونَ } أي يوم القيامة، وهو دلالة على أن قولهم هذا جهل واتباع هوى، وإنهم مطبوع على قلوبهم معذبون في الآخرة. {وَهُوَ ٱلَّذِى فِى ٱلسَّماءِ إِلَـٰهٌ وَفِى ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ} مستحق لأن يعبد فيهما، والظرف متعلق به لأنه بمعنى المعبود أو متضمن معناه كقولك: هو حاتم في البلد، وكذا فيمن قرأ «الله» والراجع مبتدأ محذوف لطول الصلة بمتعلق الخبر والعطف عليه، ولا يجوز جعله خبراً له لأنه لا يبقى له عائد لكن لو جعل صلة وقدر الإِله مبتدأ محذوف يكون به جملة مبينة للصلة دالة على أن كونه في السماء بمعنى الألوهية دون الاستقرار، وفيه نفي الآلهة السماوية والأرضية واختصاصه باستحقاق الألوهية. {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ} كالدليل عليه. {وَتَبَارَكَ ٱلَّذِى لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} كالهواء. {وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } العلم بالساعة التي تقوم القيامة فيها. {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } للجزاء، وقرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم وروح بالتاء على الالتفات للتهديد. {وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَـٰعَةَ } كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله. {إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } بالتوحيد، والاستثناء متصل إن أريد بالموصول كل ما عبد من دون الله لاندراج الملائكة والمسيح فيه، ومنفصل إن خص بالأصنام. {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ } سألت العابدين أو المعبودين. {لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } لتعذر المكابرة فيه من فرط ظهوره {فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} يصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره. {وَقِيلِهِ} وقول الرسول ونصبه للعطف على سرهم، أو على محل الساعة أو لإِضمار فعله أي وقال {قيله}. وجره عاصم وحمزة عطفاً على {ٱلسَّاعَةَ}، وقرىء بالرفع على أنه مبتدأ خبره. {يٰرَبّ إِنَّ هَـؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ} أو معطوف على {عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } بتقدير مضاف. وقيل هو قسم منصوب بحذف الجار أو مجرور بإضماره، أو مرفوع بتقدير {وَقِيلِهِ يٰرَبّ} قسمي، و {إِنَّ هَـؤُلآء} جوابه. {فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ} فأعرض عن دعوتهم آيساً عن إيمانهم. {وَقُلْ سَلَـٰمٌ } تسلم منكم ومتاركة. {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتهديد لهم، وقرأ نافع وابن عامر بالتاء على أنه من المأمور بقوله. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة الزخرف كان ممن يقال له يوم القيامة { يٰعِبَادي لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ}».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَنَادَوْاْ يٰمَٰلِكُ } هو خازن النار {لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } ليمتنا {قَالَ } بعد ألف سنة {إِنَّكُمْ مَّٰكِثُونَ } مقيمون في العذاب دائماً.
ابن عبد السلام
تفسير : {لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} ليميتنا {مَّاكِثُونَ} مقيمون وبين دعائهم وجوابه أربعون سنة، أو ثمانون، أو مائة، أو ألف سنة "ع" لأن بُعْد الجواب أخزى لهم.
القشيري
تفسير : لو قالوا: "يا مَلِك" لعلَّ أقوالهم كانت أقربَ إلى الإجابة، ولكنَّ الأجنبيةَ حالت بينهم وبين ذلك، فكان الجوابُ عليهم: {إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ} فيها... نُصِحْتم فلم تنتصحوا، ولم تقبلوا القولَ في حينه، وكان أكثرهم للحق كارهين.
اسماعيل حقي
تفسير : {ونادوا يا مالك} درخواه ازخداى تو {ليقض علينا ربك} اى ليمتنا حتى نستريح من قضى عليه اذا أماته والمعنى سل ربك ان يقضى علينا وهذا لا ينافى ما ذكر من ابلاسهم لانه جوءار اى صياح وتمن للموت لفرط الشدة {قال} مالك مجيبا بعد اربعين سنة يعنى ينادون مالكا اربعين سنة فيجيبهم بعدها او بعد مائة سنة او ألف. درتبيان آورده كه بعد ازجهل روز از روزهاى آن سراى. لان تراخى الجواب احزن لهم {انكم ماكثون} المكث ثبات مع انتظار اى مقيمون فى العذاب ابدا لا خلاص لكم منه بموت ولا بغيره فليس بعدها الا جؤار كصياح الحمير اوله زفير وآخره شهيق
الجنابذي
تفسير : {وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} سألوا المالك ان يسأل الله موتهم لغيبتهم عن الله وعدم وصولهم اليه حتّى يسألوا بأنفسهم خلاصهم بالموت عن العذاب {قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ} فى العذاب لا خلاص لكم من العذاب.
اطفيش
تفسير : {وَنَادَوْاْ يَا مَالِكُ} يعنون ملكاً هو خازن النار يستغيثون به. وقرأ عليّ وابن مسعود (يا مال) بالترخيم على لغة من ينتظر فكسر اللام. وقرأ ابن السراء (يا مال) منوى على لغة من لا ينتظر فضمها قيل لابن عباس ان ابن مسعود قرأ (ونادوا يا مال) فقال ما اشتغل أهل النار بالترخيم وكأنه يرى ان الترخيم تزيين في المنطق وهو كذلك ولكنه يأتي أيضاً لغير التزيين فيجوز هنا أن يكون أهل النار لضعفهم ومللهم لعظم ما هم فيه اقتطعوا بعض الاسم* {لِيَقْضِ عَلَيْنَا} اللام للدعاء جازمة أي ليمتنا* {رَبُّكَ} فيستريح من قضي عليه اذا أماته أي سل ربك أن يميتنا وهذا النداء لا ينافي ابلاسهم لانهم في أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة تختلف بهم الاحوال فييأسون أوقاتاً ويرجون أوقاتاً أو نداءهم مع ابلاسهم لشدة ما بهم أو تمنوا بلا رجاء أو الذي أبلسوا منه جروحهم أو التخفيف للاماتة ولعلهم نسوا ذبح الموت {قَالَ} مالك خازن النار بعد ندائهم بأربعين عاماً أي مقدارها {إِنَّكُم مَّاكِثُونَ} لابثون وفيه استهزاء والمراد لا خلاص لكم بموت ولا بغيره وبعد جواب خازن لهم يدعون ربهم قدر عمر الدنيا مرتين ثم يجيبهم اخسأوا فيها ولا تكلمون فما سر القوم بعد ذلك بكلمة فما كان الا الزفير والشهيق كصوت الحمير أوله زفير وآخره شهيق. وعن ابن عباس: (انما يجيبهم خازن النار بعد ألف سنة وقيل بعد مائة سنة) والاول وهو الأربعون قول عمرو بن العاص. وفي الحديث: "حديث : يأتي عليهم الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب فيقولون ادعوا مالكاً فيدعون يا مالك ليقض علينا ربك ".
اطفيش
تفسير : {ونادَوا} لما فيهم من شدة العذاب، ومنه الجوع والعطش، حتى قيل: إنهم نادوا لأجلهما {يا مالك} ملك من الملائكة، جعله الله خازن النار، رئيس خزنتها {ليقض علينا ربُّك} ليميتنا طلب لاماتة الله إياهم، والمراد سل ربَّك أن يميتنا فنستريح، لأنك ولى الله يجيب دعاءك {قال} مالك وهو الصحيح، وقيل: الضمير لله تعالى: {إنَّكم ماكثونَ} فى النار دائما لا خروج ولا موت، يجيبهم بذلك بعد مقدار عمر الدنيا، أو خمسمائة عام، وألف عام، أو ثمانين أو أربعين أو مائة روايات، والعبارة بالمكث تهكم بهم، لأنه لفظ يفهم الانقطاع وعلموا أنه تهكم بهم، وأنهم خالدون دائما، ولأنه يشعر بالاختيار ولا اختيار لهم فى المقام، بل هم مضطرون، يعبر به بدل انكم محبوسون.
الالوسي
تفسير : {وَنَادَوْاْ } أي من شدة العذاب وفي بعض الآثار «يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب فيقولون: ادعوا مالكاً فيدعون {يٰمَـٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ }» أي ليمتنا من قضى عليه إذا أماته، ومرادهم سل ربك أن يقضي علينا حتى نستريح. وإضافتهم الرب إلى ضميره لحثه لا للإنكار، وهذا لا ينافي الإبلاس على التفسير الأول لأنه صراخ وتمنٍ للموت من فرط الشدة، وأما على التفسير الثاني أنه وإن نفاه لكن زمان كل غير زمان الآخر فإن أزمنة العذاب متطاولة وأحقابه ممتدة فتختلف بهم الأحوال فيسكتون أوقاتاً لغلبة اليأس عليهم وعلمهم أنه لا خلاص لهم ولو بالموت ويغوثون أوقاتاً لشدة ما بهم. وتعقب بأنه لا يناسب دوام الجملة الاسمية أعني وهم مبلسون وقيل إن {نَادَوْاْ} معطوف بالواو وهي لا تقتضي ترتيباً، ولا يخفى أن تلك الجملة حالية لا تنفك عن الخلود. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وابن مسعود وابن وثاب والأعمش {يامال} بالترخيم على لغة من ينتظر وقرأ أبو السوار {يامال} بالترخيم أيضاً لكن على لغة من لم ينتظر. قال ابن جني: وللترخيم في هذا الموضع سر وذلك أنهم لعظم ما هم فيه ضعفت قواهم وذلت أنفسهم فكان هذا من موضع الاختصار ضرورة وبهذا يجاب عن قول ابن عباس وقد حكيت له القراءة به على اللغة الأولى: ما أشغل أهل النار عن الترخيم مشيراً بذلك إلى إنكارها فإن ما للتعجب وفيها معنى الصد يعني أنهم في حالة تشغلهم عن الالتفات إلى الترخيم وترك النداء على الوجه الأكثر في الاستعمال وحاصل الجواب أن هذا الترخيم لم يصدر عنهم لقصد التصرف في الكلام والتفنن فيه كما في قوله:شعر : / يحي رفات العظام بالية والحق يامال غير ما تصف تفسير : بل للعجز وضيق المجال عن الإتمام كما يشاهد في بعض المكروبين. {قَالَ } أي مالك {إِنَّكُمْ مَّـٰكِثُونَ } مقيمون في العذاب أبداً لا خلاص لكم منه بموت ولا غيره، وهذا تقنيط ونكاية لهم فوق ما هم فيه ولا يضر في ذلك علمه بيأسهم إن قلنا به. وذكر بعض الأجلة أن فيه استهزاء لأنه أقام المكث مقام الخلود والمكث يشعر بالانقطاع لأنه كما قال الراغب ثبات مع انتظار، ويمكن أن يكون وجه الاستهزاء التعبير بماكثون من حيث إنه يشعر بالاختيار وإجابتهم بذلك بعد مدة. قال ابن عباس يجيبهم بعد مضي ألف سنة، وقال نوف: بعد مائة، وقيل ثمانين، وقيل أربعين.
ابن عاشور
تفسير : جملة {ونادوا} حال من ضمير { أية : وهم فيه مبلسون } تفسير : [الزخرف: 75]، أو عطف على جملة {وهم فيه مبلسون}. وحكي نداؤهم بصيغة الماضي مع أنه مما سيقع يوم القيامة، إما لأن إبلاسهم في عذاب جهنم وهو اليأس يكون بعد أن نادوا يا مالك وأجابهم بما أجاب به، وذلك إذا جعلت جملة {ونادوا} حالية، وإمّا لتنزيل الفعل المستقبل منزلة الماضي في تحقيق وقوعه تخريجاً للكلام على خلاف مقتضى الظاهر نحو قوله تعالى: { أية : ويوم ينفخ في الصور } تفسير : [النمل: 87] { أية : فصَعِق مَن في السماوات ومَن في الأرض } تفسير : [الزمر: 68] وهذا إن كانت جملة {ونادوا} الخ معطوفة. و(مالك) المنادى اسم الملَك الموكّل بجهنم خاطبوه ليرفع دعوتهم إلى الله تعالى شفاعة. واللام في {ليقض علينا ربك} لام الأمر بمعنى الدعاء. وتوجيه الأمر إلى الغائب لا يكون إلا على معنى التبليغ كما هنا، أو تنزيل الحاضر منزلة الغائب لاعتبار مَّا مثل التعظيمِ في نحو قول الوزير للخليفة: "لِيَرَ الخليفة رأيه". والقضاء بمعنى: الإماتة كقوله: { أية : فوكزه موسى فقضَى عليه } تفسير : [القصص: 15]، سألوا الله أن يزيل عنهم الحياة ليستريحوا من إحساس العذاب. وهم إنما سألوا الله أن يميتهم فأجيبوا بأنهم ماكثون جواباً جامعاً لنفي الإماتة ونفي الخروج فهو جواب قاطع لما قد يسألونه من بعدُ. ومن النوادر المتعلقة بهذه الآية ما روي أن ابن مسعود قرأ (ونادَوا يا مَالِ) بحذف الكاف على الترخيم، فذكرت قراءته لابن عباس فقال: "مَا كان أشغلَ أهلَ النار عَن الترخيم، قال في «الكشاف»: وعن بعضهم: حسَّن الترخيم" أنهم يقتطعون بعض الاسم لضعفهم وعظم ما هم فيه اهــ. وأراد ببعضهم ابنَ جني فيما ذكره الطِّيبي أن ابن جنّي قال: وللترخيم في هذا الموضع سرّ وذلك أنهم لعظم ما هم عليه ضعفتْ وذلّتْ أنفُسهم وصغر كلامهم فكان هذا من مواضع الاختصار. وفي «صحيح البخاري» عن يَعْلَى بن أمية سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر {ونادوا يا مالك} بإثبات الكاف. قال ابن عطية: وَقِرَاءَةُ (ونادوا يا مال) رواها أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيكون النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بالوجهين وتواترت قراءة إثبات الكاف وبقيت الأخرى مروية بالآحاد فلم تكن قرآناً. وجملة {لقد جئناكم بالحق} إلى آخرها في موضع العلة لِجملة {إنكم ماكثون} باعتبار تمَام الجملة وهو الاستدراك بقوله: {ولكن أكثركم للحق كارهون}. وضمير {جئناكم} للملائكة، والحقُ: الوحي الذي نزل به جبريل فنسب مالك المجيء بالحق إلى جَمْعِ الملائكة على طريقة اعتزاز الفريق والقبيلة بمزايا بعضها، وهي طريقة معروفة في كلام العرب كقول الحارث بن حلزة: شعر : وفككْنا غُلّ امرىء القيس عنه بعد مَا طال حبسه والعَناء تفسير : وإنما نسبت كراهة الحق إلى أكثرهم دون جميعهم لأن المشركين فريقان أحدهما سادة كبراء لملة الكفر وهم الذين يصدون الناس عن الإيمان بالإرهاب والترغيب مثل أبي جهل حين صَدَّ أبَا طالب عند احتضاره عن قول لا إلـٰه إلا الله وقال: "أترغب عن ملة عبد المطلب"، وثانيهما دهماء وعامة وهم تبع لأيمة الكفر. وقد أشارت إلى ذلك آيات كثيرة منها قوله في سورة البقرة (166) { أية : إذ تبرَّأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا } تفسير : الآيات فالفريق الأول هم المراد من قوله: {ولكن أكْثَرُكُمْ للحق كارهون} وأولئك إنما كرهوا الحق لأنه يرمي إلى زوال سلطانهم وتعطيل منافعهم. وتقديم {للحق} على {كارهون} للاهتمام بالحق تنويهاً به، وفيه إقامة الفاصلة أيضاً.
الشنقيطي
تفسير : اللام في قوله {لِيَقْضِ} لام الدعاء. والظاهر أن المعنى، أن مرادهم بذلك سؤال مالك خازن النار، أن يدعو الله لهم بالموت. والدليل على ذلك أمران: الأول: أنهم لو أرادوا دعاء الله بأنفسهم أن يميتهم لما نادوا يا مالك، ولما خاطبوه في قولهم: {رَبُّكَ}. والثاني: أن الله بين في سورة المؤمن أن أهل النار، يطلبون خزنة النار، أن يدعو الله لهم ليخفف عنهم العذاب، وذلك في قوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [غافر: 49]. وقوله {لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} أي ليمتنا فنستريح بالموت من العذاب. ونظيره قوله تعالى: {أية : فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ} تفسير : [القصص: 15] أي أماته. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ} دليل على أنهم لا يجابون إلى الموت بل يمكثون في النار معذبين إلى غير نهاية. وقد دل القرآن العظيم على أنهم لا يموتون فيها فيستريحوا بالموت، ولا تغني هي عنهم، ولا يخفف عنهم عذابها، ولا يخرجون منها. أما كونهم لا يموتون فيها الذي دل عليه قوله هنا {قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ} فقد دلت عليه آيات من كتاب الله كقوله تعالى: {أية : إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ} تفسير : [طه: 74]، وقوله تعالى: {أية : وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلأَشْقَى ٱلَّذِى يَصْلَى ٱلنَّارَ ٱلْكُبْرَىٰ ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا} تفسير : [الأعلى: 11-13]. وقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ} تفسير : [فاطر: 36] الآية. وقوله تعالى: {أية : وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} تفسير : [إبراهيم: 17] الآية. وأما كون النار لا تغني عنهم، فقد بينه تعالى بقوله: {أية : كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} تفسير : [الإسراء: 97]، فمن يدعي أن للنار خبوة نهائية وفناء رد عليه بهذه الآية الكريمة. وأما كون العذاب لا يخفف عنه فقد دلت عليه آيات كثيرة جداً كقوله: {أية : وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا} تفسير : [فاطر: 36]. وقوله تعالى: {أية : فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} تفسير : [النحل: 85]، وقوله تعالى: {أية : فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً} تفسير : [النبأ: 30]، وقوله تعالى: {أية : لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ} تفسير : [الزخرف: 75] الآية. وقوله: {أية : إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} تفسير : [الفرقان: 65] وقوله تعالى: {أية : فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} تفسير : [الفرقان: 77] على الأصح في الأخيرين. وأما كونهم لا يخرجون منها فقد جاء موضحاً في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى في البقرة: {أية : كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ} تفسير : [البقرة: 167] وقوله تعالى في المائدة: {أية : يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} تفسير : [المائدة: 37]، وقوله تعالى في الحج: {أية : كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا} تفسير : [الحج: 22] الآية. وقوله تعالى في السجدة: {أية : كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا} تفسير : [السجدة: 20]، وقوله تعالى في الجاثية: {أية : فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ} تفسير : [الجاثية: 35] إلى غير ذلك من الآيات. وقد أوضحنا هذا المبحث إيضاحاً شافياً في كتابنا "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى {أية : قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الأنعام: 128] وفي سورة النبأ في الكلام على قوله تعالى: {أية : لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً} تفسير : [النبأ: 23] وسنوضحه أيضاً إن شاء الله، في هذا الكتاب المبارك في الكلام على آية النبأ المذكورة، ونوضح هناك إن شاء الله إزالة إشكال يورده الملحدون على الآيات التي فيها إيضاح هذا المبحث.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰمَالِكُ} {مَّاكِثُونَ} (77) - وَحِينَمَا يَشْتَدُّ العَذَابُ بِالمُجْرِمِينَ الظَّالِمِينَ يَضِجُّونَ فِي النَّارِ، وَيُنَادُونَ: يَا مَالِكُ (وَهُوَ خَازِنُ النَّارِ) ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يَقْبِضْ أَرْوَاحَنَا لِيُرِيحَنَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ مِنَ العَذَابِ الأَلِيمِ. فَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ مَالِكٌ قَائِلاً لَهُمْ: إِنَّهُمْ مَاكِثُونَ فِي النَّارِ أَبَداً، وَلاَ مَجَالَ وَلاَ سَبِيلَ إِلَى خُرُوجِهِمْ مِنْهَا. لِيَقْضِ - لِيُمِتْنَا حَتَّى نَرْتَاحَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الكلام هنا عن أهل النار والعياذ بالله ينادون مالك خازن النار {يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ..} [الزخرف: 77] يعني: بالموت لنستريحَ ممَّا نحن فيه من العذاب الدائم الذي لا ينتهي، لأن الحق سبحانه يقول {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ ..} تفسير : [النساء: 56]. وقلنا: إن العلوم الحديثة أثبتتْ أن الجلد هو موضع الإحساس، بدليل أنك حين تأخذ حقنة مثلاً لا تشعر بالألم إلا بمقدار نفاذ الإبرة من الجلد، وقد سبق القرآن كل العلوم في بيان هذه الحقيقة، لذلك يطلب أهل النار الموتَ لينقذهم من هذا العذاب. لكن نلحظ أن الفعل {لِيَقْضِ ..} [الزخرف: 77] جاء بصيغة الأمر، واقترنَ أيضاً بلام الأمر، فهل الحق سبحانه وتعالى يُؤمر وخاصةً من أهل النار؟ قلنا: إن الطلب إنْ كان من الأعلى للأدنى فهو أمر، وإنْ كان من المساوي لك فهو التماس، وإن كان من الأدنى للأعلى فهو دعاء، فنحن إذن لا نأمر الله إنما ندعوه. (قال) أي مالك {إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ} [الزخرف: 77] باقون في النار خالدون فيها، لأنه لا عذرَ لكم {لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ ..} [الزخرف: 78] أي: الدين الحق والمنهج الحق {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} [الزخرف: 78] وهذا معنى {أية : وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [الزخرف: 76]. ثم يُوجه السياقُ الحديثَ إلى سيدنا رسول الله، وكثيراً ما يخاطبه ربه ليُسلِّيه ويُخفِّف عنه لأنه لاقى من عَنَت قومه وعنادهم الكثير، وآذوه في نفسه وذاته حينما أغروا به سفهاءهم ورَمَوه بالحجارة حتى أدْموا قدميه، وألقوا سقط البعير والقاذورات على ظهره وهو يصلي. وآذوه في معنوياته فقالوا عنه: ساحر وكاهن وكذاب وشاعر ومجنون، فالحق سبحانه يُبيِّن له أنه جاء على فترة من الرسل بعد أنْ فسدَ الخَلْق وانتشر الشرُّ، ووراء هذا الفساد قومٌ يستفيدون منه ويدافعون عنه، وطبيعي أنْ يصادموك وأنْ يقفوا في وجه دعوتك، لأنهم يريدون الإبقاء على مكانتهم وانتفاعهم بهذا الفساد. وقد وصل كُرْه هؤلاء لرسول الله أنْ بيَّتوا للقضاء عليه والخلاص من دعوته، قال تعالى: {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} تفسير : [الأنفال: 30]. وهنا يخاطب الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم: {أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وبقوله: {وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} [الزخرف: 77] يشير إلى أنهم لو قالوا في الدنيا يا مالك بدل قولهم: {يٰمَالِكُ} يسمعوا أنتم تخرجون بدل {قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ} [الزخرف: 77]، {لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ} [الزخرف: 78] بالدين القويم فلم تقبلوا إلا من الطبيعة الإنسانية، أن أكثرهم يميلون إلى الباطل وذلك قوله: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} [الزخرف: 78]، وبقوله: {أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ} [الزخرف: 79] يشير إلى أن أمور الخلق منتقضة عليهم فلما يتمشى لهم ما دبروه وقلما يرتفع لهم من الأمور شيء على ما قدروه، وهذه الحال أوضح دليل على إثبات الصانع، وبقوله: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف: 80] خوفهم بسماع أحوالهم وكتابة الملك أعمالهم عليهم لغفلتهم عن الله، ولو كان لهم خبر عن الله لما كان خوفهم لغير الله ومن علم أن أعماله تكتب علبه ويطالب بمقتضاها قل إلمامه بما يخاف أن يسأل عنه. ثم أخبر عن تنزيه ذاته وصفاته بقوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ} [الزخرف: 81] يشير إلى نوع من الاستهزاء بهم وبمقالهم والاستخفاف بعقولهم؛ يعني: قل إن كان للرحمن ولد كما تزعمون وتعبدون عيسى بأنه ولده فأنا كنت أول العابدين له، ثم نزه ذاته وصفاته عما نسبوه إليه بقوله: {سُبْحَانَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الزخرف: 82] يعني: ذاته وصفاته منزهة عن كل وصف تدركه العقول والظنون، وما ينسبونه إلى العرش في معنى الاستواء بظنونهم في طلب التأويل {أية : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ}تفسير : [آل عمران: 7]، وبقوله: {فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ} [الزخرف: 83] يشير إلى: أن الله تعالى خلق الخلق أطواراً مختلفة، فمنهم من خلقه فيستعده للجنة بالإيمان والعمل الصالح وانقياد الشريعة ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم. ومنهم من خلقه للنار فيستعده للنار برد الدعوة والإنكار والجحود والخذلان، بأن وكل إلى الطبيعة النفسانية الحيوانية التي تميل إلى اللهو واللعب والخوض فيما لا يعنيه. ومنهم من خلقه للقربة والمعرفة فيستعده لها بالمحبة والصدق، والتوكل واليقين، والمشاهدات والمكاشفات والمراقبات، وبذل الوجود بترك الشهوات وأنواع المجاهدات، وتسليم تصرفات أرباب الولات؛ ليتحقق له أنه تعالى {وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ} [الزخرف: 84]؛ أي: هو معبود أهل السماء وبه تقوم السماء، {وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ} [الزخرف: 84]؛ أي: هو الذي معبود أهل الأرض وإله الآلهة، ولا قاضي لحوائج أهل الأرض إلا هو، وبه تقوم الأرض، {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ} [الزخرف: 84] في تدبير العالم وأهله، {ٱلْعَلِيمُ} [الزخرف: 84] بجميع الأحوال في الأزل إلى الأبد.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 886 : 16 : 4 - سفين عن عطاء بن السايب عن أبي الحسن عن بن عباس في قول الله {وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ} قال، مكث عنهم الف سنة. ثم قال، انكم ماكثون. [الآية 77]. 887 : 17 : 9 - سفين قال، كان اصحاب عبد الله يقرءونها {يا مال} يعني مالك [الآية 77].
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ} [77] 499 - أخبرنا قُتيبة بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ [ح] - وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا سفيان، عن عمرو، عن عطاءٍ، عن صفوان بن يعلي، عن أبيه، قال حديث : سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقرأُ على المنبرِ {وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ} . تفسير : (وقال إسحاق: "... إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم..".). 500 - أخبرنا محمد بن رافعٍ، قال: حدَّثنا حُجين بن المُثنى، قال: حدَّثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن ابن الفضلِ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هُريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لقد رأيتني في الحجر، وقُريشٌ تسألني عن مسرائي، فسألوني عن أشياءَ من بيت المقدسِ لم أُثبتها، فكربتُ كرباً، ما كُربتُ مثلهُ قطُّ. فرفعه الله لي، أنظرُ إليه. فما سألوني عن شيءٍ إلا أتيتهم به، وقد رأيتني في جماعةٍ من الأنبياء، وإذا موسى [صلى الله عليه وسلم] قائمٌ يُصليِّ، فإذا رجلُ ضربٌ، [جعدٌ]، كأنهُ من رجالِ شُنوءَة. وإذا عيسى قائمٌ يُصلي، أقربُ الناسِ به شبهاً: عُروةُ بنُ مسعودٍ الثقفي. وإذا إبراهيم قائمٌ يُصلي، أشبهُ الناسِ به: صاحبكم - يعني نفسهُ (صلى الله عليه وسلم) - فحانتِ الصَّلاةُ، وأممتُهُم، فلما فرغتُ من الصلاةِ، قال لي قائلٌ: يا محمدُ: هذا مالكٌ؛ صاحبُ النَّارِ، فسلِّم عليه. فالتفت إليَّ فبدأني بالسلام .//
همام الصنعاني
تفسير : 2790- عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثوري، عن عطاء بن السائب، عن أبي الحسن، عن ابن عباس في قوله: {وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ}: [الآية: 77]، قال: مكث عنهم ألف سنة، ثُمَّ قال: إنكم ماكثونَ. قال سفيان الثَّوْري: وفي حرف ابن مَسْعُود: {وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ}، [وانفرد بها وحده]. 2791- حدثنا عبد الرزاق، عن ابن عُيَيْنَة، عن عمرو بن دينارٍ، عن عطاء، عن صفوان بن يَعْلى بن أُمية، عن أبيه، قال: سمعت رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، وهُوَ عَلَى المنبر يقرأ: {وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ}: [الآية: 77].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):