٤٣ - ٱلْزُّخْرُف
43 - Az-Zukhruf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
81
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي {وَلَدَ } بضم الواو وإسكان اللام والباقون بفتحهما {فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ } قرأ نافع {فَأَنا } بفتحة طويلة على النون والباقون بلا تطويل. المسألة الثانية: اعلم أن الناس ظنوا أن قوله {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ } لو أجريناه على ظاهره فإنه يقتضي وقوع الشك في إثبات ولد لله تعالى، وذلك محال فلا جرم افتقروا إلى تأويل الآية، وعندي أنه ليس الأمر كذلك وليس في ظاهر اللفظ ما يوجب العدول عن الظاهر، وتقريره أن قوله {إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ } قضية شرطية والقضية الشرطية مركبة من قضيتين خبريتين أدخل على إحداهما حرف الشرط وعلى الأخرى حرف الجزاء فحصل بمجموعها قضية واحدة، ومثاله هذه الآية فإن قوله {إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ } قضية مركبة من قضيتين: إحداهما: قوله {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ }، والثانية: قوله {فَأَنَاْ أَوَّلُ * ٱلْعَـٰبِدِينَ } ثم أدخل حرف الشرط وهو لفظة إن على لقضية الأولى وحرف الجزاء وهو الفاء على القضية الثانية فحصل من مجموعهما قضية الأولى واحدة، وهو القضية الشرطية، إذ عرفت هذا فنقول القضية الشرطية لا تفيد إلا كون الشرط مستلزماً للجزاء، وليس فيه إشعار بكون الشرط حقاً أو باطلاً أو بكون الجزاء حقاً أو باطلاً، بل نقول القضية الشرطية الحقة قد تكون مركبة من قضيتين حقيتين أو من قضيتين باطلتين أو من شرط باطل وجزاء حق أو من شرط حق وجزاء باطل، فأما القسم الرابع وهو أن تكون القضية الشرطية الحقة مركبة من شرط حق وجزاء باطل فهذا محال. ولنبين أمثال هذه الأقسام الأربعة، فإذا قلنا إن كان الإنسان حيواناً فالإنسان جسم فهذه شرطية حقة وهي مركبة من قضيتين حقيتين، إحداهما قولنا الإنسان حيوان، والثانية قولنا الإنسان جسم، وإذا قلنا إن كانت الخمسة زوجاً كانت منقسمة بمتساويين فهذه شرطية حقة لكنها مركبة من قولنا الخمسة زوج، ومن قولنا الخمسة منقسمة بمتساويين وهما باطلان، وكونهما باطلين لا يمنع من أن يكون استلزام أحدهما للآخر حقاً، وقد ذكرنا أن القضية الشرطية لا تفيد إلا مجرد الاستلزام وإذا قلنا إن كان الإنسان حجراً فهو جسم، فهذا جسم، فهذا أيضاً حق لكنها مركبة من شرط باطل وهو قولنا الإنسان حجر، ومن جزء حق وهو قولنا الإنسان جسم، وإنما جاز هذا لأن الباطل قد يكون بحيث يلزم من فرض وقوعه وقوع حق، فإنا فرضنا كون الإنسان حجراً وجب كونه جسماً فهذا شرط باطل يستلزم جزءاً حقاً. وأما القسم الرابع: وهو تركيب قضية شرطية حقة من شرط حق وجزاء باطل، فهذا محال، لأن هذا التركيب يلزم منه كون الحق مستلزماً للباطل وذلك محال بخلاف القسم الثالث فإنه يلزم منه كون الباطل مستلزماً للحق وذلك ليس بمحال، إذا عرفت هذا الأصل فلنرجع إلى الآية فنقول قوله {إِن كَانَ للرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ } قضية شرطية حقة من شرط باطل ومن جزاء باطل لأن قولنا كان للرحمن ولد باطل، وقولنا أنا أول العابدين لذلك الولد باطل أيضاً إلا أنا بينا أن كون كل واحد منهما باطلاً لا يمنع من أن يكون استلزام أحدهما للآخر حقاً كما ضربنا من المثال في قولنا إن كانت الخمسة زوجاً كانت منقسمة بمتساويين، فثبت أن هذا الكلام لا امتناع في إجرائه على ظاهره، ويكون المراد منه أنه إن كان للرحمٰن ولد فأنا أول العابدين لذلك الولد، فإن السلطان إذا كان له ولد فكما يجب على عبده أن يخدمه فكذلك يجب عليه أن يخدم ولده، وقد بينا أن هذا التركيب لا يدل على الاعتراف بإثبات ولد أم لا. ومما يقرب من هذا الباب قوله { أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : [الأنبياء: 22] فهذا الكلام قضية شرطية والشرط هو قولنا {فِيهِمَا آلِهَةٌ } والجزاء هو قولنا {فسدتا} فالشرط في نفسه باطل والجزاء أيضاً باطل لأن الحق أنه ليس فيهما آلهة، وكلمة لو تفيد الشيء بانتفاء غيره لأنهما ما فسدتا ثم مع كون الشرط باطلاً وكون الجزاء باطلاً كان استلزام ذلك الشرط لهذا الجزاء حقاً فكذا ههنا، فإن قالوا الفرق أن ههنا ذكر الله تعالى هذه الشرطية بصيغة لو فقال: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ } وكلمة لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، وأما في الآية التي نحن في تفسيرها إنما ذكر الله تعالى كلمة إن وهذه الكلمة لا تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، بل هذه الكلمة تفيد الشك في أنه هل حصل الشرط أم لا، وحصول هذا الشك للرسول غير ممكن، قلنا الفرق الذي ذكرتم صحيح إلا أن مقصودنا بيان أنه لا يلزم من كون الشرطية صادقة كون جزءيها صادقتين أو كاذبتين على ما قررناه أما قوله إن لفظة إن تفيد حصول الشرط هل حصل أم لا، قلنا هذا ممنوع فإن حرف إن حرف الشرط وحرف الشرط لا يفيد إلا كون الشرط مستلزماً للجزار، وأما بيان أن ذلك الشرط معلوم الوقوع أو مشكوك الوقوع، فاللفظ لا دلالة فيه عليه ألبتة، فظهر من المباحث التي لخصناها أن الكلام ههنا ممكن الإجراء على ظاهره من جميع الوجوه وأنه لا حاجة فيه ألبتة إلى التأويل، والمعنى أنه تعالى قال: {قُلْ } يا محمد {إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ } لذلك الولد وأنا أول الخادمين له، والمقصود من هذا الكلام بيان أنى لا أنكر ولده لأجل العناد والمنازعة فإن بتقدير أن يقوم الدليل على ثبوت هذا الولد كنت مقراً به معترفاً بوجوب خدمته إلا أنه لم يوجد هذا الولد ولم يقم الدليل على ثبوته ألبتة، فكيف أقول به؟ بل الدليل القاطع قائم على عدمه فكيف أقول به وكيف أعترف بوجوده؟ وهذا الكلام ظاهر كامل لا حاجة به ألبتة إلى التأويل والعدول عن الظاهر، فهذا ما عندي في هذا الموضع ونقل عن السدي من المفسرين أنه كان يقول حمل هذه الآية على ظاهرها ممكن ولا حاجة إلى التأويل، والتقرير الذي ذكرناه يدل على أن الذي قاله هو الحق، أما القائلون بأنه لا بد من التأويل فقد ذكروا وجوهاً الأول: قال الواحدي كثرت الوجوه في تفسير هذه الآية، والأقوى أن يقال المعنى {إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ } في زعمكم {فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ } أي الموحدين لله المكذبين لقولكم بإضافة الولد إليه، ولقائل أن يقول إما أن يكون تقدير الكلام: إن يثبت للرحمن ولد في نفس الأمر فأنا أول المنكرين له أو يكون التقدير إن يثبت لكم ادعاء أن للرحمن ولداً فأنا أول المنكرين له، والأول: باطل لأن ثبوت الشيء في نفسه لا يقتضي كون الرسول منكراً له، لأن قوله إن كان الشيء ثابتاً في نفسه فأنا أول المنكرين يقتضي إصراره على الكذب والجهل وذلك لا يليق بالرسول، والثاني: أيضاً باطل لأنهم سواء أثبتوا لله ولداً أو لم يثبتوه له فالرسول منكر لذلك الولد، فلم يكن لزعمهم تأثير في كون الرسول منكراً لذلك الولد فلم يصلح جعل زعمهم إثبات الولد مؤثراً في كون الرسول منكراً للولد. الوجه الثاني: قالوا معناه: إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين الآنفين من أن يكون له ولد من عبد يعبد إذا اشتدت أنفته فهو عبد وعابد، وقرأ بعضهم (عبدين). واعلم أن السؤال المذكور قائم ههنا لأنه إن كان المراد: إن كان للرحمن ولد في نفس الأمر فأنا أول الآنفين من الإقرار به، فهذا يقتضي الإصرار على الجهل والكذب، وإن كان المراد إن كان للرحمن ولد في زعمكم واعتقادكم فأنا أول الآنفين، فهذا التعليق فاسد لأن هذه الأنفة حاصلة سواء حصل ذلك الزعم والاعتقاد أو لم يحصل، وإذا كان الأمر كذلك لم يكن هذا التعليق جائزاً. والوجه الثالث: قال بعضهم إن كلمة إن ههنا هي النافية والتقدير ما كان للرحمن ولد فأنا أول الموحدين من أهل مكة أن لا ولد له. واعلم أن التزام هذه الوجوه البعيدة إنما يكون للضرورة، وقد بينا أنه لا ضرورة ألبتة فلم يجز المصير إليها، والله أعلم. ثم قال سبحانه وتعالى: {سُبْحَـٰنَ رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } والمعنى أن إله العالم يجب أن يكون واجب الوجود لذاته، وكل ما كان كذلك فهو فرد مطلق لا يقبل التجزأ بوجه من الوجوه، والولد عبارة عن أن ينفصل عن الشيء جزء من أجزائه فيتولد عن ذلك الجزء شخص مثله، وهذا إنما يعقل فيما تكون ذاته قابلة للتجزىء والتبعيض، وإذا كان ذلك محالاً في حق إله العالم امتنع إثبات الولد له، ولما ذكر هذا البرهان القاطع قال: {فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ } والمقصود منه التهديد، يعني قد ذكرت الحجة القاطعة على فساد ما ذكروا وهم لم يلتفتوا إليها لأجل كونهم مستغرقين في طلب المال والجاه والرياسة فاتركهم في ذلك الباطل واللعب حتى يصلوا إلى ذلك اليوم الذي وعدوا فيه بما وعدوا، والمقصود منه التهديد. ثم قال تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّماء إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ } وفيه أبحاث: البحث الأول: قال أبو علي نظرت فيما يرتفع به إله فوجدت ارتفاعه يصح بأن يكون خبر مبتدأ محذوف والتقدير وهو الذي في السماء هو إله. والبحث الثاني: هذه الآية من أدل الدلائل على أنه تعالى غير مستقر في السماء، لأنه تعالى بيّـن بهذه الآية أن نسبته إلى السماء بالإلهية كنسبته إلى الأرض، فلما كان إلهاً للأرض مع أنه غير مستقر فيها فكذلك يجب أن يكون إلهاً للسماء مع أنه لا يكون مستقراً فيها، فإن قيل وأي تعلق لهذا الكلام بنفي الولد عن الله تعالى؟ قلنا تعلقه به أنه تعالى خلق عيسى بمحض كن فيكون من غير واسطة النطفة والأب، فكأنه قيل إن هذا القدر لا يوجب كون عيسى ولداً لله سبحانه، لأن هذا المعنى حاصل في تخليق السموات والأرض وما بينهما من انتفاء حصول الولدية هناك. ثم قال تعالى: {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ } وقد ذكرنا في سورة الأنعام أن كونه تعالى حكيماً عليماً ينافي حصول الولد له. ثم قال: {وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } واعلم أن قوله تبارك إما أن يكون مشتقاً من الثبات والبقاء، وإما أن يكون مشتقاً من كثرة الخير، وعلى التقديرين فكل واحد من هذين الوجهين ينافي كون عيسى عليه السلام ولداً لله تعالى، لأنه إن كان المراد منه الثبات والبقاء فعيسى عليه السلام لم يكن واجب البقاء والدوام، لأنه حدث بعد أن لم يكن، ثم عند النصارى أنه قتل ومات ومن كان كذلك لم يكن بينه وبين الباقي الدائم الأزلي مجانسة ومشابهة، فامتنع كونه ولداً له، وإن كان المراد بالبركة كثرة الخيرات مثل كونه خالقاً للسموات والأرض وما بينهما فعيسى لم يكن كذلك بل كان محتاجاً إلى الطعام وعند النصارى أنه كان خائفاً من اليهود وبالآخرة أخذوه وقتلوه، فالذي هذا صفته كيف يكون ولدً لمن كان خالقاً للسموات والأرض وما بينهما! وأما قوله {وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } فالمقصود منه أنه لما شرح كمال قدرته فكذلك شرح كمال علمه، والمقصود التنبيه على أن من كان كاملاً في الذات والعلم والقدرة على الحد الذي شرحناه امتنع أن يكون ولده في العجز وعدم الوقوف على أحوال العالم بالحد الذي وصفه النصارى. ولما أطنب الله تعالى في نفي الولد أردفه ببيان نفي الشركاء فقال: {وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَـٰعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } ذكر المفسرون في هذه الآية قولين أحدهما: أن الذين يدعون من دونه الملائكة وعيسى وعزير، والمعنى أن الملائكة وعيسى وعزيراً لا يشفعون إلا لمن شهد بالحق، روي أن النصر بن الحرث ونفراً معه قالوا إن كان ما يقول محمد حقاً فنحن نتولى الملائكة فهم أحق بالشفاعة من محمد، فأنزل الله هذه الآية يقول لا يقدر هؤلاء أن يشفعوا لأحد ثم استثنى فقال: {إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ } والمعنى على هذا القول هؤلاء لا يشفعون إلا لمن شهد بالحق، فأضمر اللام أو يقال التقدير إلا شفاعة من شهد بالحق فحذف المضاف، وهذ على لغة من يعدي الشفاعة بغير لام، فيقول شفعت فلاناً بمعنى شفعت له كما تقول كلمته وكلمت له ونصحته ونصحت له والقول الثاني: أن الذين يدعون من دونه كل معبود من دون الله، وقوله {إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقّ } الملائكة وعيسى وعزير، والمعنى أن الأشياء التي عبدها الكفار لا يملكون الشفاعة إلا من شهد بالحق، وهم الملائكة وعيسى وعزير فإن لهم شفاعة عند الله ومنزلة، ومعنى من شهد بالحق من شهد أنه لا إله إلا الله. ثم قال تعالى: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ } وهذا القيد يدل على أن الشهادة باللسان فقط لا تفيد ألبتة، واحتج القائلون بأن إيمان المقلد لا ينفع ألبتة، فقالوا بيّـن الله تعالى أن الشهادة لا تنفع إلا إذا حصل معها العلم والعلم عبارة عن اليقين الذي لو شكك صاحبه فيه لم يتشكك، وهذا لم يحصل إلا عند الدليل، فثبت أن إيمان المقلد لا ينفع ألبتة. ثم قال تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ظن قوم أن هذه الآية وأمثالها في القرآن تدل على أن القوم مضطرون إلى الاعتراف بوجود الإله للعالم، قال الجبائي وهذا لا يصح لأن قوم فرعون قالوا لا إله لهم غيره، وقوم إبراهيم قالوا { أية : وَإِنَّا لَفِي شَكّ مّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ } تفسير : [إبراهيم: 9] فيقال لهم لا نسلم أن قوم فرعون كانوا منكرين لوجود الإله، والدليل على قولنا قوله تعالى: { أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً } تفسير : [النمل: 14] وقال موسى لفرعون { أية : لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بَصَائِرَ } تفسير : [الإسراء: 102] فالقراءة بفتح التاء في علمت تدل على أن فرعون كان عارفاً بالله، وأما قوم إبراهيم حيث قالوا {وَإِنَّا لَفِي شَكّ مّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ } فهو مصروف إلى إثبات القيامة وإثبات التكاليف وإثبات النبوة. المسألة الثالثة: اعلم أنه تعالى ذكر هذا الكلام في أول هذه السورة وفي آخرها، والمقصود التنبيه على أنهم لما اعتقدوا أن خالق العالم وخالق الحيوانات هو الله تعالى فكيف أقدموا مع هذا الاعتقاد على عبادة أجسام خسيسة وأصنام خبيثة لا تضر ولا تنفع، بل هي جمادات محضة. وأما قوله {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } معناه لم تكذبون على الله فتقولون إن الله أمرنا بعبادة الأصنام، وقد احتج بعض أصحابنا به على أن إفكهم ليس منهم بل من غيرهم بقوله {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } وأجاب القاضي بأن من يضل في فهم الكلام أو في الطريق يقال له أين يذهب بك، والمراد أين تذهب، وأجاب الأصحاب بأن قول القائل أين يذهب بك ظاهره يدل على أن ذاهباً آخر ذهب به، فصرف الكلام عن حقيقته خلاف الأصل الظاهر، وأيضاً فإن الذي ذهب به هو الذي خلق تلك الداعية في قلبه، وقد ثبت بالبرهان الباهر أن خالق تلك الداعية هو الله تعالى. ثم قال تعالى: {وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَــٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ } وفيه مباحث: الأول: قرأ الأكثرون {وَقِيلِهِ } بفتح اللام وقرأ عاصم وحمزة بكسر اللام، قال الواحدي وقرأ أناس من غير السبعة بالرفع، أما الذين قرؤا بالنصب فذكر الأخفش والفراء فيه قولين أحدهما: أنه نصب على المصدر بتقدير وقال قيله وشكا شكواه إلى ربه يعني النبي صلى الله عليه وسلم فانتصب قيله بإضمار قال والثاني: أنه عطف على ما تقدم من قوله { أية : أم يحسبون أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوٰهُم... وَقِيلِهِ } تفسير : [الزخرف: 80] وذكر الزجاج فيه وجهاً ثالثاً: فقال إنه نصب على موضع الساعة لأن قوله {وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } معناه أنه علم الساعة، والتقدير علم الساعة، وقيله، ونظيره قولك عجبت من ضرب زيد وعمراً، وأما القراءة بالجر فقال الأخفش والفراء والزجاج إنه معطوف على الساعة، أي عنده علم الساعة، وعلم قيله يا رب، قال المبرد العطف على المنصوب حسن وإن تباعد المعطوف من المعطوف عليه لأنه يجوز أن يفصل بين المنصوب وعامله والمجرور يجوز ذلك فيه على قبح، وأما القراءة بالرفع ففيها وجهان الأول: أن يكون {وَقِيلِهِ } مبتدأ وخبره ما بعده والثاني: أن يكون معطوفاً على علم الساعة على تقدير حذف المضاف معناه وعنده علم الساعة وعلم قيله، قال صاحب «الكشاف»: هذه الوجوه ليست قوية في المعنى لا سيما وقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما لا يحسن اعتراضاً، ثم ذكر وجهاً آخر وزعم أنه أقوى مما سبق، وهو أن يكون النصب والجر على إضمار حرف القسم وحذفه والرفع على قولهم أيمن الله وأمانة الله ويمين الله، يكون قوله {إِنَّ هَـؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ } جواب القسم كأنه قيل وأقسم بقيله يا رب أو وقيله يا رب قسمي، وأقول هذا الذي ذكره صاحب «الكشاف» متكلف أيضاً وههنا إضمار امتلأ القرآن منه وهو إضمار اذكر، والتقدير واذكر قيله يا رب، وأما القراءة بالجر، فالتقدير واذكر وقت قيله يا رب، وإذا وجب التزام الإضمار فلأن يضمر شيئاً جرت العادة في القرآن بالتزام إضمار أولى من غيره، وعن ابن عباس أنه قال في تفسير قوله {وَقِيلِهِ يٰرَبِّ } المراد وقيل يا رب والهاء زيادة. البحث الثاني: القيل مصدر كالقول، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : نهى عن قيل وقال » تفسير : قال الليث تقول العرب كثر فيه القيل والقال، وروى شمر عن أبي زيد يقال ما أحسن قيلك وقولك وقالك ومقالتك خمسة أوجه. البحث الثالث: الضمير في قيله لرسول الله صلى الله عليه وسلم. البحث الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ضجر منهم وعرف إصرارهم أخبر عنهم أنهم قوم لا يؤمنون وهو قريب مما حكى الله عن نوح أنه قال: { أية : رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِيٰ وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً } تفسير : [نوح: 21]. ثم إنه تعالى قال له: {فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ } فأمره بأن يصفح عنهم وفي ضمنه منعه من أن يدعو عليهم بالعذاب، والصفح هو الإعراض. ثم قال: {وَقُلْ سَلَـٰمٌ } قال سيبويه إنما معناه المتاركة، ونظيره قول إبراهيم لأبيه { أية : سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي } تفسير : [مريم: 47] وكقوله { أية : سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي ٱلْجَـٰهِلِينَ } تفسير : [القصص: 55]. قوله {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } والمقصود منه التهديد. وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن عامر تعلمون بالتاء على الخطاب، والباقون بالياء كناية عن قوم لا يؤمنون. المسألة الثانية: احتج قوم بهذه الآية على أنه يجوز السلام على الكافر، وأقول إن صح هذا الاستدلال فهذا يوجب الاقتصار على مجرد قوله سلام وأن يقال للمؤمن سلام عليكم. والمقصود التنبيه على التحية التي تذكر للمسلم والكافر. المسألة الثالثة: قال ابن عباس قوله تعالى: {فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَـٰمٌ } منسوخ بآية السيف، وعندي أن التزام النسخ في أمثال هذه المواضع مشكل، لأن الأمر لا يفيد الفعل إلا مرة واحدة فإذا أتى به مرة واحدة فقد سقطت دلالة اللفظ، فأي حاجة فيه إلى التزام النسخ، وأيضاً فمثله يمين الفور مشهورة عند الفقهاء وهي دالة على أن اللفظ قد يتقيد بحسب قرينة العرف، وإذا كان الأمر كذلك فلا حاجة فيه إلى التزام النسخ، والله أعلم بالصواب. قال مولانا المؤلف عليه سحائب الرحمة والرضوان: تمّ تفسير هذه السورة يوم الأحد الحادي عشر من ذي الحجة سنة ثلاث وستمائة والحمدلله أولاً وآخراً وباطناً وظاهراً، والصلاة على ملائكته المقربين والأنبياء والمرسلين خصوصاً على محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه أجمعين أبد الآبدين ودهر الداهرين.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ } اختلف في معناه؛ فقال ابن عباس والحسن والسُّدّي: المعنى ما كان للرحمٰن ولد، فـ «ـإن» بمعنى ما، ويكون الكلام على هذا تاماً، ثم تبتدىء: «فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ» أي الموحدين من أهل مكة على أنه لا ولد له. والوقف على «الْعَابِدِينَ» تام. وقيل: المعنى قل يا محمد إن ثبت للّه ولد فأنا أوّل من يعبد ولَده، ولكن يستحيل أن يكون له ولد؛ وهو كما تقول لمن تناظره: إن ثبت ما قلت بالدليل فأنا أوّل من يعتقده؛ وهذا مبالغة في الاستبعاد؛ أي لا سبيل إلى اعتقاده. وهذا ترقيق في الكلام؛ كقوله: {أية : وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [سبأ: 24]. والمعنى على هذا: فأنا أوّل العابدين لذلك الولد، لأن تعظيم الولد تعظيم للوالد. وقال مجاهد: المعنى إن كان للرحمٰن ولد فأنا أوّل من عبده وحده، على أنه لا ولد له. وقال السُّدّي أيضاً: المعنى لو كان له ولد كنت أوّل من عبده على أن له ولداً؛ ولكن لا ينبغي ذلك. قال المهدويّ: فـ «إن» على هذه الأقوال للشرط، وهو الأجود، وهو ٱختيار الطبري، لأن كونها بمعنى ما يتوهم معه أن المعنى لم يكن له فيما مضى. وقيل: إن معنى «الْعَابِدِينَ» الآنفين. وقال بعض العلماء: لو كان كذلك لكان العَبِدِينَ. وكذلك قرأ أبو عبد الرحمٰن واليماني «فَأَنَا أَوَّلُ الْعَبِدِينَ» بغير ألف، يقال: عَبِدَ يَعْبَدَ عَبَداً (بالتحريك) إذا أنِف وغضِب فهو عَبِد، والاسم العَبَدة مثل الأنفة، عن أبي زيد. قال الفرزدق:شعر : أولئك أجلاسي فجئني بمثلهم وأَعْبُدُ أن أهْجُو كُلَيْباً بدارِمِ تفسير : وينشد أيضاً:شعر : أولئك ناس إن هَجَوْنِي هجوتهم وأَعْبُدُ أن يُهجي كُلَيْبٌ بدارمِ تفسير : قال الجوهري: وقال أبو عمرو وقوله تعالى: {فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ} من الأَنَف والغضب، وقاله الكسائي والقُتَبي، حكاه الماوردي عنهما. وقال الهَرَوِي: وقوله تعالى: «فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ» قيل هو من عَبِد يَعْبَد؛ أي من الآنفين. وقال ابن عرفة: إنما يقال عَبِد يَعبَدُ فهو عَبِد؛ وقلّما يقال عابد، والقرآن لا يأتي بالقليل من اللغة ولا الشاذ، ولكن المعنى فأنا أوّل من يعبد الله عز وجلّ على أنه واحد لا ولد له. وروي أن ٱمرأة دخلت على زوجها فولدت منه لستة أشهر، فذُكر ذلك لعثمان رضي الله عنه فأمر برجمها؛ فقال له عليّ: قال الله تعالى: {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً} تفسير : [الأحقاف: 15] وقال في آية أخرى: {أية : وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} تفسير : [لقمان: 14] فوالله ما عَبِد عثمانُ أن بعث إليها تُرَدّ. قال عبد الله بن وهب: يعني ما استنكف ولا أنِف. وقال ابن الأعرابي: «فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ» أي الغضاب الآنفين. وقيل: «فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ» أي أنا أوّل من يعبده على الوحدانية مخالفاً لكم. أبو عبيدة: معناه الجاحدين؛ وحكي: عَبَدَني حَقّي أي جحدني. وقرأ أهل الكوفة إلا عاصماً «وُلْد» بضم الواو وإسكان اللام. الباقون وعاصم «ولد» وقد تقدّم. {سُبْحَانَ رَبِّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي تنزيهاً له وتقديساً. نَزَّه نفسه عن كل ما يقتضي الحدوث، وأمرَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بالتنزيه. {عَمَّا يَصِفُونَ} أي عما يقولون من الكذب.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {قُلْ} يا محمد: {إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ} أي: لو فرض هذا، لعبدته على ذلك؛ لأني عبد من عبيده، مطيع لجميع ما يأمرني به، ليس عندي استكبار ولا إباء عن عبادته، فلو فرض هذا، لكان هذا، ولكن هذا ممتنع في حقه تعالى، والشرط لا يلزم منه الوقوع، ولا الجواز أيضاً؛ كما قال عز وجل: {أية : لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ سُبْحَـٰنَهُ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ} تفسير : [الزمر: 4] وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: {فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ} أي: الآنفين، ومنهم سفيان الثوري والبخاري، حكاه فقال: ويقال: أول العابدين: الجاحدين؛ من عَبِد يعْبَد، وذكر ابن جرير لهذا القول من الشواهد ما رواه عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب، حدثني ابن أبي ذئب عن أبي قسيط عن بعجة بن زيد الجهني: أن امرأة منهم دخلت على زوجها، وهو رجل منهم أيضاً، فولدت له في ستة أشهر، فذكر ذلك زوجها لعثمان بن عفان رضي الله عنه، فأمر بها أن ترجم، فدخل عليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: إن الله تعالى يقول في كتابه: {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَـٰلُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً} تفسير : [الأحقاف: 15] وقال عز وجل: {أية : وَفِصَالُهُ فِى عَامَيْنِ} تفسير : [لقمان: 14] قال: فو الله ما عبد عثمان رضي الله عنه أن بعث إليها ترد، قال يونس: قال ابن وهب: عبد: استنكف. وقال الشاعر:شعر : متى ما يَشَأْ ذو الودِّ يَصْرِمْ خليلَهُ ويَعْبَدْ عليهِ لا محالةَ ظالِما تفسير : وهذا القول فيه نظر؛ لأنه كيف يلتئم مع الشرط، فيكون تقديره: إن كان هذا، فأنا ممتنع منه؟ هذا فيه نظر، فليتأمل، اللهم إلا أن يقال: إنّ (إنْ) ليست شرطاً، وإنما هي نافية، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ} يقول: لم يكن للرحمن ولد، فأنا أول الشاهدين. وقال قتادة: هي كلمة من كلام العرب {إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ} أي: إن ذلك لم يكن فلا ينبغي، وقال أبو صخر { قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ} أي: فأنا أول من عبده بأن لا ولد له، وأول من وحّده، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال مجاهد: {فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ} أي: أول من عبده ووحده وكذبكم، وقال البخاري: {فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ}: الآنفين، وهما لغتان: رجل عابد وعبد، والأول أقرب على أنه شرط وجزاء، ولكن هو ممتنع، وقال السدي: { قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ} يقول: لو كان له ولد، كنت أول من عبده بأن له ولداً، ولكن لا ولد له، وهو اختيار ابن جرير، ورد قول من زعم (أن) إنْ نافية. ولهذا قال تعالى: {سُبْحَـٰنَ رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} أي: تعالى وتقدس وتنزه خالق الأشياء عن أن يكون له ولد، فإنه فرد أحد صمد، لا نظير له، ولا كفء له، فلا ولد له. وقوله تعالى: {فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ} أي: في جهلهم وضلالهم، {وَيَلْعَبُواْ} في دنياهم {حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِى يُوعَدُونَ} وهو يوم القيامة. أي: فسوف يعلمون كيف يكون مصيرهم ومآلهم وحالهم في ذلك اليوم. قوله تبارك وتعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِى فِى ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِى ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ} أي: هو إله من في السماء، وإله من في الأرض، يعبده أهلها، وكلهم خاضعون له، أذلاء بين يديه، {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ} وهذه الآية كقوله سبحانه وتعالى: {أية : وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَفِى ٱلأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} تفسير : [الأنعام: 3] أي: هو المدعو الله في السموات والأرض {وَتَبَارَكَ ٱلَّذِى لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} أي: هو خالقهما ومالكهما، والمتصرف فيهما بلا مدافعة ولا ممانعة، فسبحانه وتعالى عن الولد، وتبارك، أي: استقر له السلامة من العيوب والنقائص، لأنه الرب العلي العظيم، المالك للأشياء، الذي بيده أزمة الأمور نقضاً وإبراماً. {وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} أي: لا يجليها لوقتها إلا هو {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي: فيجازي كلاً بعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. ثم قال تعالى: {وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ} أي: من الأصنام والأوثان {ٱلشَّفَـٰعَةَ} أي: لا يقدرون على الشفاعة لهم {إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} هذا استثناء منقطع، أي: لكن من شهد بالحق على بصيرة وعلم، فإنه تنفع شفاعته عنده بإذنه له. ثم قال عز وجل: { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} أي: ولئن سألت هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره: {مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} أي: هم يعترفون أنه الخالق للأشياء جميعها وحده، لا شريك له في ذلك، ومع هذا يعبدون معه غيره؛ ممن لا يملك شيئاً، ولا يقدر على شيء، فهم في ذلك في غاية الجهل والسفاهة وسخافة العقل، ولهذا قال تعالى: {فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ}؟ وقوله جل وعلا: { وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ} أي: وقال محمد صلى الله عليه وسلم قيله، أي: شكا إلى ربه شكواه من قومه الذين كذبوه، فقال: يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون؛ كما أخبر تعالى في الآية الأخرى: {أية : وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِى ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْءاَنَ مَهْجُوراً} تفسير : [الفرقان: 30] وهذا الذي قلناه هو قول ابن مسعود رضي الله عنه ومجاهد وقتادة، وعليه فسر ابن جرير، قال البخاري: وقرأ عبد الله، يعني: ابن مسعود رضي الله عنه: {وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يٰرَبِّ} وقال مجاهد في قوله: {وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلآءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ} قال: يؤثر الله عز وجل قول محمد صلى الله عليه وسلم وقال قتادة: هو قول نبيكم صلى الله عليه وسلم يشكو قومه إلى ربه عز وجل. ثم حكى ابن جرير في قوله تعالى: {وَقِيلِهِ يٰرَبِّ} قراءتين، إحداهما النصب، ولها توجيهان: أحدهما أنه معطوف على قوله تبارك وتعالى: {نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَٰهُم} والثاني أن يقدر فعل، وقال: قيله، والثانية الخفض وقيله، عطفاً على قوله: {وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} وتقديره: وعلم قيله. وقوله تعالى: {فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ} أي: المشركين {وَقُلْ سَلَـٰمٌ} أي: لا تجاوبهم بمثل ما يخاطبونك به من الكلام السيىء، ولكن تألفهم واصفح عنهم فعلاً وقولاً {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} هذا تهديد من الله تعالى لهم، ولهذا أحلّ بهم بأسه الذي لا يرد، وأعلى دينه وكلمته، وشرع بعد ذلك الجهاد والجلاد حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً، وانتشر الإسلام في المشارق والمغارب، والله أعلم. آخر تفسير سورة الزخرف.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ } فرضاً {فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَٰبِدِينَ } للولد لكن ثبت أن لا ولد له تعالى، فانتفت عبادته.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} فيه ستة أقاويل: أحدها: إن كان للرحمن ولد فأنا أول من يعبد الله ليس له ولد، قاله ابن زيد. ومجاهد. الثاني: معناه فأنا أول العابدين، ولكن لم يكن ولا ينبغي أن يكون، قاله قتادة. الثالث: قل لم يكن للرحمن ولد وأنا أول الشاهدين بأن ليس له ولد. قاله ابن عباس. الرابع: قل ما كان للرحمن ولد، وهذا كلام تام ثم استأنف فقال: فأنا أول العابدين أي الموحدين من أهل مكة، قاله السدي. الخامس: قل إن قلتم إن للرحمن ولداً فأنا أول الجاحدين أن يكون له ولد، قاله سفيان. السادس: إن كان للرحمن ولد فأنا أول الآنفين أن يكون له ولد، قاله الكسائي وابن قتيبة، ومنه قول الفرزدق: شعر : أولئك آبائي فجئني بمثلهم وأعْبُدُ أن أهجو تميماً بدارم تفسير : قوله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَآءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ} وهذا إبطال أن يكون غير الله إلَهاً وأن الإلَه هو الذي يكون في السماء إلهاً وفي الأرض إلهاً وليست هذه صفة لغير الله، فوجب أن يكون هو الإله. وفي معنى الكلام وجهان: أحدهما: أنه الموحد في السماء والأرض، قاله مقاتل. الثاني: أنه المعبود في السماء والأرض، قاله الكلبي. {وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ} يحتمل وجهين: أحدهما: أنه يذكر ذلك صفة لتعظيمه. الثاني: أنه يذكره تعليلاً لإلاهيته لأنه حكيم عليم وليس في الأصنام حكيم عليم. قوله عز وجل: {وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دَونِهِ الشَّفَاعَةَ} فيها قولان: أحدهما: الشركة ومنه أخذت الشفعة في البيع لاستحقاق الشريك لها. ويكون معنى الكلام أن الذين يدعون من دون الله لا يملكون مع الله شركة يستحقون أن يكونوا بها آلهة إلا أن يشهدوا عند الله بالحق على من عليه حق أو له حق، وهذا معنى قول ابن بحر. الثاني: أن الشفاعة استعطاف المشفوع إليه فيما يرجى، واستصفاحه فيما يخشى وهو قول الجمهور. وقيل إن سبب نزولها ما حكي أن النضر بن الحارث ونفراً من قريش قالوا إن كان ما يقوله محمد حقاً فنحن نتولى الملائكة، وهم أحق بالشفاعة لنا منه فأنزل الله تعالى {وَلاَ يَمْلِكُ الِّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ} معناه الذين يعبدونهم من دون الله وهم الملائكة الشفاعة لهم. وقال قتادة: هم الملائكة وعيسى وعزير لأنهم عبدوا من دون الله. {إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} فيه وجهان: أحدهما: يعني أن الشهادة بالحق إنما هي لمن شهد في الدنيا بالحق وهم يعلمون أنه الحق فتشفع لهم الملائكة، قاله الحسن. الثاني: أن الملائكة لا تشفع إلا لمن شهد أن لا إله إلا الله وهم يعلمون أن الله ربهم. قوله عز وجل: {وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يَؤْمِنُونَ} وهي تقرأ على ثلاثة أوجه بالنصب والجر والرفع. فأما الجر فهي على قراءة عاصم وحمزة، وهي في المعنى راجعة إلى قوله تعالى {وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} وعلم قيلِه. وأما الرفع فهو قراءة الأعرج، ومعناها ابتداء، وقيله، قيل محمد، يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون. والقيل هو القول. وأما النصب فهي قراءة الباقين من أئمة القراء، وفي تأويلها أربعة أوجه: أحدها: بمعنى إلا من شهد بالحق وقال قيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون، على وجه الإنكار عليهم، قاله ابن عيسى. الثاني: أنها بمعنى أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم وقيلَه يا رب، قاله يحيى بن سلام. الثالث: بمعنى وشكا محمد إلى ربه قيله، ثم ابتداء فأخبر {يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلآءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ}، قاله الزجاج. قوله عز وجل: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ} قال قتادة: أمره بالصفح عنهم، ثم أمره بقتالهم فصار الصفح منسوخاً بالسيف. ويحتمل الصفح عن سفههم أن يقابلهم عليه ندباً له إلى الحلم. {وَقُلْ سَلاَمٌ} فيه خمسة أوجه: أحدها: أي قل ما تسلم به من شرهم، قاله ابن عيسى. الثاني: قل خيراً بدلاً من شرهم؛ قاله السدي. الثالث: أي احلم عنهم؛ قاله الحسن. الرابع: أنه أمره بتوديعهم بالسلام ولم يجعله تحية لهم؛ حكاه النقاش. الخامس: أنه عرفه بذلك كيف السلام عليهم؛ رواه شعيب بن الحباب. {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} يحتمل أمرين: أحدهما: فسوف يعلمون حلول العذاب بهم. الثاني: فسوف يعلمون صدقك في إنذارهم، والله أعلم.
ابن عبد السلام
تفسير : {إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ} من يعبد الله ـ تعالى ـ بأنه ليس له ولدٌ, أو {فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} له ولكن لم يكن ولا ينبغي أن يكون له ولد، أو لم يكن له ولد وأنا أول الشاهدين بأنه ليس له ولد "ع"، أو ما كان للرحمن ولد ثم استأنف فقال: وأنا أول العابدين أي الموحدين من أهل مكة، أو إن قلتم له ولد فأنا أول الجاحدين أن يكون له ولد، أو أنا أول الآنفين إن كان له ولد.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ}. قوله {إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ} قيل: هي شرطية على بابها، واختلف في تأويله، فقيل: إن صح ذلك فأنا أول من يعبده، لكنه لم يصح ألبتة بالدليل القاطع، وذلك أنه علق العبادة بكَيْنُونَة الولد، وهي محالٌ في نفسها، فكان المعلق بها محالاً مثلها. فهو في صورة إثبات الكينونة والعبادة وفي معنى نفيهما على أبلغ الوجوه وأقواها. ذكره الزمخشري. وقيل: إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول العابدين أي الموحِّدِين لله، المكذبين لهذا القول. واعلم أن هذا التأويل فيه نظر، سواء أثبتوا لله ولداً، أو لم يُثْبِتُوا له، فالرسول منكر لذلك الولد، فلم يكن لزعمهم تأثير في كون الرسول منكراً لذلك الولد، فلم يصلح جعل زعمهم إثبات الولد مؤثراً في كون الرسول منكراً للولد. وهذا التأويل قاله الواحدي. وقيل: العابدين بمعنى الأَنِفِين، من عَبِدَ يَعْبَدُ إذَا اشْتَدَّ أنفه فهو عَبدٌ وعَابِدٌ، ويؤيده قراءة السُّلَمِيَّ واليَمَانِيِّ: العَبِدِينَ دون ألف. وحكى الخليل قراءة غريبة وهي العَبْدين بسكون الباء وهي تخفيف قراءة السلمي، فأصلها بالكسر. قال ابن عرفة: يقال: عَبِدَ بالكسر ـ يَعْبَدُ ـ بالفتح ـ فهو عَبِدٌ. وقلَّ ما يقال:عابد والقرآن لا يجيء على القليل أو الشاذ يعني تخريج من قال: إن العابدين بمعنى الأَنِفِينَ لا يصح، ثم قال كقول مجاهد. وقال الفرزدق: شعر : 4420ـ أُولَئِكَ آبَائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ وَأَعْبَدُ أَنْ أَهْجُو كُلَيْباً بِدَارِم تفسير : وقال آخر: شعر : 4421ـ مَتَى مَا يَشَأ ذُو الوُدِّ يَصْرِمْ خَلِيلَهُ وَيَعْبَدْ عَلَيْهِ لاَ مَحَالَةَ ظَالِمَا تفسير : قال ابن الخطيب: وهذا التعليق أيضاً فاسد؛ لأن هذه الأنفة سواء حصل ذلك الزعم والاعتقاد أو لم يحصل. وقال أبو عبيدة: معناه الجاحدين، يقال: عَبَدَنِي حَقِّي، أي جَحَدَنِيهِ. وقال أبو حاتم: العَبِدُ ـ بكسر الباء ـ الشديدُ الغَضَب، وهو معنى حسن، أي إن كان له ولد على زعمكم فأنا أول من يغضب لذلك. وقيل: "إنْ" نافية؛ أي ما كان ثم أخبر بقوله: {فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ} أي الموحدين من أهل مكة أن لا ولد له وتكون الفاء سببية. ومنع مكي أن تكون نافية. قال: "لأنه يوهم أنك إنما نفيت عن الله الولد فيما مضى دون ما هو آت، وهذا محال". ورد عليه بأن "كَانَ" قد تدل على الدوام. كقوله: "وَكَانَ اللهُ غَفَوراً رَحِيماً" إلى ما لا يحصى. والصحيح من مذاهب النحاة أنها لا تدل على الانقطاع والقائل بذلك يقول ما لم تكن قرينة كالآيات المذكورة. وروي عن عبد الله بن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ أن المعنى ما كان للرحمن ولدّ فأنا أول العابدين الشاهدين له بذلك، جعل "إنْ" بمعنى الجَحْد، وقال السدي معناه: ولو كان للرحمن ولد فأنا أو من عبده بذلك ولكن لا ولد له. وتقدم الخلاف في قراءتي "وَلَد" و "ولد" في مَرْيَمَ. ثم إن تعالى نزه نفسه فقال: {سُبْحَانَ رَبِّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} أي عما يقولون من الكذب وذلك أن إله العالم يجب أن يكون واجب الوجود لذاته، وكلّ ما كان كذلك فهو لا يقبل التَّجْزِيءَ بوجه من الوجوه، والولد عبارة أن ينفصل عن الشيء جزءٌ فيتولد عن ذلك الجزء شخص مثله، وهذا إنما يعقل فيما تكون ذاته قابلة للتَّجْزِيء والتبعيض، وإذا كان ذلك مُحَالاً في حق إله العالم امتنع إثباتُ الولد. ولما ذكر هذا البرهان القاطع قال: {فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ} أي يخوضوا في باطلهم، ويلعبوا في دنياهم {حَتَّىٰ يُلاَقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ} يعنى يوم القيامة. والمقصود منه التهديد، يعني قد ذكرت الحجة على فساد ما ذكروا، فلم يلتفتوا إليها، لأجل استغراقهم في طلب المال والجاة، والرياسة، فاتركهم في ذلك الباطل، واللعب حتى يصلوا إلى ذلك اليوم الموعود. قوله: "يُلاَقُوا" قراءة العامة من المُلاَقَاةِ. وابنُ مُحَيْصِن ويروى عن ابن عمرو "يَلْقُوا" من "لَقِِيَ". قوله (تعالى): {وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ} "في السماء" متعلق بـ "إله" لأنه بمعنى معبود في السماء معبود في الأرض، وحينئذ فيقال: (إنَّ) الصلة لا تكون إلا جملة، أو ما في تقديرها وهو الظرف وعديله. ولا شيء منها هُنَا. والجواب: أن المبتدأ حذف لدلالة المعنى عليه، ولأن المحذوف هو العائد، تقديره: وَهُوَ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ إلهُ، وَهُوَ فِي الأَرْضِ إلَهُ، وإنما حذف لطول الصلة بالمعمول، فإن الجار متعلق "بإلَهٍ" ومثله: مَا أَنَا بالَّذِي قَائِلٌ لَكَ سُوءاً وقال أبو حيان: وحسنه طوله بالعطف عليه كما حسن في قولهم: "قَائِلٌ لَكَ شَيْئاً" طولُه بالمعمول. قال شهاب الدين: حصوله في الآية، وفيما حكاه سواء، فإن الصلة طالت بالمعمول في كليهما والعطف أمر زائدٌ على ذلك، فهو زيادة في تحسين الحذف. ولا يجوز أن يكون الجارُّ خبراً مقدماً و "إله" مبتدأ مؤخراً، لئلا تَعْرَى الجملةُ من رابطٍ؛ إذ يصير نظير "جَاءَ الَّذِي فِي الدَّارِ زَيْدٌ" فإن جعلت الجار صِلةً، وفيه ضمير عائد على الموصول وجلعت "إله" بدلاً منه، فقال أبو البقاء: "جاء على ضعفه؛ لأن الغرض الكلي إثبات الإلهية، لا كونه في السموات والأرض فكان يفسد أيضاً من وجه آخر، وهو قوله: {وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ}؛ لأنه معطوف على ما قبله، وإذا لم يقدر ما ذكرنا صار منقطعاً عنه، وكان المعنى أنه في الإرض إله. انتهى. وقال أبو علي: نظرت فيما يرتفع به "إله" فوجدت ارتفاعه يصح بأن يكون خبر مبتدأ محذوف، والتقدير هُوَ الَّذِي في السماء هُو إله. وقال أبو حيان: ويجوز أن تكون الصلة الجار والمجرور، والمعنى أنه فيهما بإلهيَّته، ورُبُوبِيَّته؛ إذ يستحيل حمله على الاستقرار، وقرأ عُمَرُ، وعَلِيٌّ، وعبدُ الله في جماعةٍ وهو الذي في السماء اللهُ ضمَّن العلم أيضاً معنى المشتق فيتعلق به الجار ومثله: هُوَ حَاتِمٌ فِي طَيّىءٍ. أي الجواد فيهم. ومثله: فرعونُ العَذَابُ. فصل قال ابن الخطيب: وهذه الآية من أدل الدلائل على أنه تعالى غير مستقر في السماء لأنه تعالى بين في هذه الآية أن نسبته بإلهيته السماء كنسبته إلى الأرض، فلما كان إلهاً للأرض مع أنه غير مستقر فيها فكذلك وجب أن يكون إلهاً للسماء مع أنه لا يكون مستقراً فيها. فإن قيل: أيُّ تعلق لهذا الكلام ينفي الولد عن الله عزّ وجلّ؟. فالجواب: تَعَلُّقُه به أنه تعالى خالق عيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ بمحض كُنْ فَيَكُون من غير واسطة النطفة والأب فكأنه قيل: إن كان هذا القدر لا يوجب كون عيسى ولداً للهِ عزّ وجلّ؛ لأن هذا المعنى حاصل في تخليق السموات والأرض مع انتفاء حصول الولد به هناك. ثم قال: {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ} الحكيم في تدبير خلقه العليم بِمَصَالِحِهِمْ. وقد تقدم في سورة الأنعام أن كونه حكيماً عليماً ينافي حصول الولد له. قوله: "تَبَاركَ" إما أن يكون مشتقاً من وجوب البقاء، وإما من كثرة الخير، وعلى التقديرين فكل واحد من الوجهين ينافي كون عيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ واجبَ البقاء والدوام؛ لأنه حدث بعد أن لَمْ يَكُنْ ثم عند النصارى أنه قُتل ومَاتَ ومن كان كذلك لم يكن بينه وبين الباقي الأزلي الدائم مجانسة ومشابهة فامتنع كونه ولداً له، وإن كانَ المرادُ بالبركة كثرةَ الخيرات مثل كونه خالقاً للسموات والأرض وما بينهما فَعِيسى لم يكن خالقاً لهما مع أن اليهود عندهم أخذوه وقتلوه وصلبوه، والذي هذا صفته كيف يكون ولداً لمن كان خالقاً للسَّمَوات والأرض وما بينهما؟ ثم قال: {وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} والمقصود منه التنبيه على أن كل من كان كاملاً في الذات، والعلم، والقدرة على الوصف المشروح فإنه يمتنع أن يكون ولده في العجز وعدم القدرة عن أحوال العالم بالحد الذي وصفته النصارى به. قوله: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} قرا الأَخَوانِ، وأبنُ كثير بالياء من تحت، والباقون بالتاء من فوق وهو في كلاهما مبني للمفعول. وقرىء بالخطاب مبنياً للفاعل. قوله: {وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ} قرأ العامة يدعون بياء الغيبة، والضمير للموصول. والسُّلَمِيٌّ وابنُ وَثَّاب بتاء الخطاب. والأَسْودُ بنُ يَزِيدَ بتشديد الدال، ونقل عنه القراءة مع ذلك بالياء والتاء. وقوله: {إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ} فيه قولان: أحدهما: أنه متصل، والمعنى إلا من شَهِدَ بالحَقِّ، كعُزَيْزٍ، والملائكة فإنهم يملكون الشفاعة بتمليك الله إياهم لها وقيل: هو منقطع بمعنى أن هؤلاء لا يشفعون إلا فيمن شهد بالحق أي لكن من شهد بالحق يشفع فيه هؤلاء كذا قدروه. وهذا التقدير يجوز فيه أن يكون الاستثناءُ متصلاً على حذف المفعول تقديره: ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ فِي أَحَدٍ إلاَّ فِيمَنْ شَهِدَ. فصل ذكر المفسرون قولين في الآية: أحدهما: أن الذين يدعون من دون الملائكة وعيسى، وعزير، لا يشفعون إلا لمن شهد بالحق. الثاني: رُوِيَ أن النضْرَ بْنَ الحَارِثِ ونفراً معه قالوا: إن كان ما يقوله محمدٌ حقاً فنحن نتولى الملائكة فهم أحق بالشفاعة من مُحَمَّدٍ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، والمعنى لا يقدر هؤلاء أنْ يَشفعوا لأحد. ثم استثنى فقال: إلاَّ من شهد بالحق أي الملائكة وعِيسَى وعُزير، فإنهم يشفعون. فعلى الأول: تكون "من" في محل جر، وعلى الثاني تكون "من" في محل رفع. والمراد بشهادة الحق قول: لا إله إلا الله كلمة التوحيد "وهم يَعْلَمُونَ" بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم. قوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ...} الآية ظن قوم أن هذه الآية وأمثالها في القرآن تدل على أن القوم مضطرونَ إلى الاعتراف بوجود الإله قال الجبائي: وهذا لا يصح لأن قوم فرعون قالوا: لا إله (لهم) غيره. وقوم إبراهيم قالوا: إنَّا لَفِي شَكِّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إلَيْهِ (مُرِيبٍ). وأجيب: بأنا لا نسلم أن قوم فرعون كانوا منكرين لوجود الإله، بدليل قوله تعالى: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً}تفسير : [النمل:14] وقال موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ: {أية : لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ}تفسير : [الإسراء:102] على قراءة من فتح التاء من"عَلمتَ" وهذا يدل على أن فرعون كان عارفاً بالله. وأما قول قوم إبْراهيم ـ (عليه الصلاة والسلام) ـ: {أية : وَإِنَّا لَفِي شَكِّ مِمَّا تَدْعُونا إلَيْهِ} تفسير : [إبراهيم:9] فهو مصورف إلى إثبات القيامة، وإثبات التكليف، وإثبات النبوة. قوله: {فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} أي لم يكذبون على الله فيقولون: إنَّ الله أمرنا بعبادة الأصنام؟. قوله تعالى: {وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ} قراءة حمزة وعاصم بالجر، والبَاقُونَ بالنصب فأما الجر فعلى وجهين: أحدهما: أنه عطف على "الساعة" أي عنده علم قِيلِهِ، أي قول محمد، أو عِيسى والقَوْلُ والقَالُ والقِيلُ بمعنًى واحد. جاءت المصادر على هذه الأوزان. والثاني: أن الواو للقسم، والجواب إما محذوف، تقديره: لتُنْصَرُنَّ أو لأَفْعَلَنَّ بهم ما أريد وإما مذكور، وهو قوله: إنَّ هَؤلاَءِ لاَ يؤْمِنُونَ. ذكره الزمخشري. وأما قراءة النصب ففيها ثمانية أوجه: أحدها: أنه منصوب على محل "الساعة" كأنه قيل: إنه يعلم الساعةَ ويعلم قِيلهُ كذا. الثاني: أنه معطوف على "سرهم ونَجْوَاهم" (أي لا يعلم سِرَّهُمْ) ولا يعلم قيله. الثالث: عطف على مفعول "يَكْتُبُونَ" المحذوف، أي يكتبون ذلك، ويكتبون قِيلَهُ كذا أيضاً. الرابع: أنه معطوف على مفعول يعلمون المحذوف، أي يعلمون ذَلك (ويعلمون) قيله. الخامس: أنه مصدر أي قَالَ قِيلهُ. السادس: أن ينتصب بإضمار فعل، أي اللهُ يعلَمُ قيلَ رَسُولِهِ. وهو محمدٌ ـ صلى الله عليه وسلم ـ. السابع: أن ينتصب على محلّ "بالحَقِّ"، أي شَهِدَ بالحقِّ وبِقيلِه. الثامن: أن ينتصب على حذف القسم، كقوله: "فَذَاكَ أَمَانَةَ اللَّهِ الثَّرِيدُ". وقرأ الأعرج وأبو قِلابة، ومجاهد والحسن، بالرفع، وفيه أوجه: الرفع، عطفاً على "علم الساعة"، بتقدير مضاف، أي وعنده علم قِيلِهِ، ثم حذف، وأقيم هذا مُقَامه. الثاني: أنه مرفوع بالابتداء، والجملة من قوله: "يَا رَبِّ" إلى آخره هو الخبر. الثالث: أنه مبتدأ وخبره محذوف، تقديره: وقيلهُ كَيْتَ وكَيْتَ مسموعٌ أو متقبلٌ. الرابع: أنه مبتدأ أو صلة القسم، كقولهم: أيمُنُ اللهِ، ولَعَمْرُ اللهِ، فيكون خبره محذوفاً، والجواب كما تقدم. ذكره الزمخشري أيضاً. واختار القراءة بالنصب جماعة. قال النحاس: القراءة البينة بالنصب من جهتين: أحدهما: أن التفرقة بين المنصوب، وما عطف عليه مُغْتَفَرةٌ، بخلافها بين المخفوض وما عطف عليه. والثانية: تفسير أهل التأويل بمعنى النصب. كأنه يريد ما قال أبو عبيدة قال: إنما هي في التفسير أم يحسبون أنا لا نسمع وسرهم ونجواهم ولا نسمع قيله يا رب. ولم يرتض الزمخشري من الأوجه المتقدمة شيئاً. وإنما اختار أن يكون قَسَماً في القراءات الثلاث. وتقدم تحقيقها. وقرأ أبو قِلاَبَةَ: يا ربِّ بفتح الباء، على قلب الياء ألفاً، ثم حذفهنا مجتزئاً عنها بالفتحة كقوله: شعر : 4423ـ .............................. بِلَهْــفَ وَلاَ بِلَيْــتَ................. تفسير : والأخفش يَطْردُها. قال ابن الخطيب ـ بعد أن حكى قول الزمخشري ـ: وأقول: الذي ذكره الزمخشري متكلفٌ أيضاً وها هنا إضمار، امتلأ القرآن منه، وهو إضمار اذكر، والتقدير في قراءة النصب: واذكر قيله يا رب، وفي قراءة الجر: واذكر وَقْتَ قِيلِهِ يا رب، وإذا وَجَبَ التزامُ إضمار ما جرت العادة في القرآن بالتزامه، فالتزام إضماره أولى من غيره. وعن ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ أنه قال في تفسير قوله: "وَقِيلِهِ يَا رَبِّ" المراد: وقيل يا ربِّ. الهاء زائدة. فصل القيلُ مَصْدَرٌ، كالقَوْلِ، ومنه الحديث: "حديث : أنه نَهَى عن قِيلَ وقَالَ"تفسير : . وحكى اللَّيْثُ عن العرب تقولُ: كَثُر فيه القِيلُ والقَالُ. وروى شَمِرٌ عن أبي زيد يقال: ما أحْسَنَ قِيلُكَ، وقَوْلُكَ، ومَقَالتُكَ، ومَقَالُكَ. والضمير في "وَقِيلِهِ" لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمعنى يعلم قَوْلَ محمدٍ ـ صلى الله عليه وسلم ـ شاكياً إلى ربه، يا ربِّ إن هؤلاء قومٌ لا يؤمنون لما عرف إصرارهم، وهذا قريب مما حكى الله عن نوح ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال: {أية : رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً}تفسير : [نوح:21] ثم قال: "فَاصْفَحُ عَنْهُمْ" أي أعْرِضْ عنهم، "وَقُلْ سَلاَمٌ" قال سيبويه: معناه المتاركة كقوله تعالى: {أية : سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي ٱلْجَاهِلِينَ}تفسير : [القصص:55] ثم قال: "فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ" والمراد به التهديد. قوله: "فَسَوْفَ يَعْلَمُون" قرأ نافعٌ وابن عامر بتاء الخطاب التفاتاً، والباقون بياء الغيبة نظراً لِمَا تَقَدَّم. فصل قال ابن عباس ـ (رضي الله عنهما ـ) قوله: {فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ} منسوخ (بآية) السَّيْفِ. قال ابن الخطيب: وعندي التزام النسخ في مثل هذه المواضع مشكل؛ لأن الأمر لا يفيد الفعل إلا مرة واحدة فسقطت دلالة اللفظ، فَأَيُّ حاجة إلى التزام النسخ، وأيضاً فاللفظ المطلق قد يقيَّد بحسب العُرْف، وإذا كان كذلك، فلا حاجة فيه إلى التزام النسخ. والله أعلم بالصواب. روى أبو أمامةَ عن أُبَيِّ بنِ كعب ـ (رضي الله عنهم ـ) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأَ سُورة الزُّخْرُفِ كَانَ مِمَّن كَانَ يُقَالُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ: {يَا عِبَادِي لاَ خَوفٌ عَلَيْكُمْ اليَوْمَ ولا أَنَتُمْ تحزنونَ} ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِغَيْر حِسَابٍ"تفسير : . (انتهى).
القشيري
تفسير : أي إن كان في ضميركم وفي حُكْمِكم وفي اعتقادكم أنَّ للرحمن ولداً فأنا أوَّلُ مَنْ يستنكِفُ من هذه القالة.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ} امر الله سبحانه حبيبه الاول صلاة الله عليه وسلم ان الق رغام الهوان على انوف اهل الخيال من الكفرة المشهبة والزنادقة والثنوي والنصرى واليهود والمشركين باظهار تنزيه عزة اوليته وتقديس جلال قدسه من علل الحدوثية واوصاف المخلوقية حتى يموتوا فى غمار الغفلة من ضربات قدس الالوهية وقهر الجبارية اى ان كنتم تزعمون لله المنزه القديم شيئا لا يليق بجلاله فانا اوّل من يقدسه من طريان علل الحدثان عليه وانا اول من افنى من حيوتى فيما اسمع منكم له فيكم وهذا كما قال الله تعالى فى وصف السماوات والارض والجبال كيف تخشعت من اقوال الكفرة فيه بقوله تكاد السماوات يتفطرن منه ونشق الارض وتخر الجبال هذا ان دعوا للرحمن ولدا ويل لمن يتقاعد بعقله من الجمادات فى معرفة الله واشرة اوليّته عليه السّلام فى عبوديته الله اشارة الى بدو وجوده فى اتيانه من القدم بنور القدم والقيادة فحاوّل تجلى جلاله وهذا كما قال الصادق اول ما خلق الله نور محمد صلى الله عليه وسلم قبل كل شئ واول من وجد الله عزو جل من خلقه ذرية محمد صلى الله عليه وسلم واوّل ما جرى به القم لا الله الا الله محمد رسول الله قال فانا اوّل العابدين احق بتوحيد الله وذكر الله تاكيد تقديسه بقوله {سُبْحَانَ رَبِّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} ذكر غلبة قهره على السماوات لسطانه كيف يليق به ما تصف الكفرة نزه نفسه عن ذلك بقوله سبحان رب العرش عما يصفون منزه عما وصف به الموحدون العارفون فكيف عما وصف به الجاهلون.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل} للكفرة {ان كان للرحمن ولد} فرضا كما تقولون الملائكة بنات الله {فأنا اول العابدين} لذلك الولد واسبقكم الى تعظيمه والانقياد له وذلك لانه عليه السلام اعلم الناس بشؤونه تعالى وبما يجوز عليه وبما لا يجوز وأولاهم بمراعاة حقوقه ومن مواجب تعظيم الوالد تعظيم ولده اى ان يثبت بحجة قطعية كون الولد له تعالى كما تزعمون فانا اولكم فى التعظيم واسبقكم الى الطاعة تعظيما لله تعالى وانقيادا لان الداعى الى طاعته وتعظمه اول واسبق فى ذلك وكون الولد له تعالى مما هو مقطوع بعدم وقوعه ولكن نزل منزلة ما لا جزم لوقوعه واللا وقوعه على المساهلة وارخاء العنان لقصد التبكيت والاسكات والالزام فجيئ بكلمة ان فلا يلزم من هذا الكلام صحة كينونة الولد وعبادته لانها محال فى نفسها يستلزم المحال. يعنى اين سخن بر سبيل تمثيل است ومبالغه در نفى ولد فليس هناك ولد ولا عبادة له وفى التأويلات النجمية يشير الى نوع من الاستهزاء بهم وبمقالتهم والاستخفاف بعقولهم يعنى قل ان كان للرحمن ولد كما تزعمون وتعبدون عيسى بانه ولده فانا كنت اول العابدين له قال جعفر الصادق رضى الله عنه اول ما خلق الله نور محمد صلى الله عليه وسلم قبل كل شئ واول من وحد الله تعالى ذرة محمد عليه السلام واول ما جرى به القلم لا اله الا الله محمد رسول الله قال فانا اول العابدين احق بتوحيد الله وذكر الله
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {قلْ} يا محمد {إن كان للرحمن ولدٌ} على زعمكم {فأنا أول العابدين} لله، كان أو لم يكن، ويسمى هذا إرخاء العنان، أي: أنا أول مَن يخضع لله، كان له ولد أو لم يكن، وقد قام البرهان على نفيه. قال معناه السدي، أو: وإن كان للرحمن ولد فأنا أول مَن يعظم ذلك الولد، وأسبقكم إلى طاعته، والانقياد إليه، كما يعظم ولد الملِك، لتعظيم أبيه؛ وهذا الكلام وارد على سبيل الفرض، والمراد: نفي الولد، وذلك أنه علَّق العبادة بكينونة الولد، وهي محال في نفسها، فكان الملعلق بها محالاً مثلها، ونظيره، قول سعيد بن جبير للحجاج - حين قال له: والله لأبدلنَّك بالدنيا ناراً تلظى -: لو عرفت أن ذلك إليك ما عبدت إلهاً غيرك. أو: إن كان للرحمن ولد في زعمكم {فأنا أول العابدين} أي: الموحِّدين لله، المكذِّبين قولكم، بإضافة الولد إليه؛ لأن مَن عَبَدَ الله، واعترف بأنه إلهه فقد دفع أن يكون له ولد. أو: إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين، أي: الجاحدين والآنفين من أن يكون له ولد، مِن عبَدِ: بكسر الباء: إذا اشتد أنفسه فهو عبَد وعابد، ومنه قول الشاعر: شعر : متى ما يشاء ذو الوُدِّ يَصْرِمْ خَليلَهُ ويَعْبَدْ عليه لا محالةَ ظالما تفسير : وقول الحريري: شعر : قال ما يجب على عابد الحقّ قال يحلف بالإله الخلق تفسير : أي: على جاحد الحق. وقيل هي "إنْ" النافية، أي: ما كان للرحمن ولد فأنا أول من عبد الله ووحَّده، فيوقف على "ولد" على هذا التأويل. رُوي: أن النضر قال: إن الملائكة بنات الله، فنزلت الآية، فقال النضر: ألا ترون أنه صدّقني؛ فقال الوليد: ما صدّقك، ولكن قال: ما كان للرحمن ولداً، فأنا أوّل الموحدين من أهل مكة أن لا ولد له. وسيأتي في الإشارة قول آخر. قال القشيري: وفي الآية وأمثالها دليل على جواز حكاية قول المبتدعة فيما أخطأوا فيه في الاعتقاد، على وجه الردّ عليهم. هـ. قلت: ولا تجوز مطالقعة أقوالهم إلا لمَن رسختْ قدمه في المعرفة، والإعراض عنها أسلم. ثم نزَّه ذاته عن اتخاذ الولد، فقال: {سبحان ربِّ السماوات والأرض ربِّ العرش عما يصفون} أي: تنزّه رب هذه العوالم العظام عن اتخاذ الولد؛ لأن اتخاذ الولد من صفة الأجسام، ولو كان جسماً ما قدر على خلو هذه الأجرام، وفي إضافة اسم الرب إلى أعظم الأجرام وأقواها، تنبيه على أنها وما فيها من المخلوقات حيث كانت تحت ملوكت ربوبيته؛ كيف يتوهم أن يكون شيء منها جزءاً منه. وفي تكرير اسم الرب تفخيم لشأن العرش. {فذرهم يخوضوا} في باطلهم {ويلعبوا} في دنياهم أي: حيث لم يُذعنوا لك، ولم يرجعوا عن غيهم، أعرض عنهم واتركهم في لهوهم ولعبهم، {حتى يُلاقوا يومهم الذي يُوعدون} وهو القيامة، فإنهم يومئذ يعلمون ما فعلوا، وما يفعل بهم، أو: يوم بدر، قاله عكرمة وغيره. وهذا دليل على أن ما يقولونه إنما هو خوض ولعب لا حقيقة له. ثم ذكر انفراده بالألوهية في العالم العلوي والسفلي، فقال: {وهو الذي في السماء إِله وفي الأرض إله} أي: وهو الذي هو معبود في السماء وفي الأرض، فضمَّن "إله" معنى مألوه، أي: وهو الذي يستحق أن يُعبد فيهما. وقرأ عُمر، وأُبَي، وابن مسعود: "وهو الذي في السماء الله وفي الأرض" كقوله تعالى:{أية : وَهُو اللَّهُ فِى السَّمَاوَاتِ وَفِى الأَرْضِ}تفسير : [الأنعام: 3]، وقد مرّ تحقيقه عبارةً وإشارةً. والراجع إلى الموصول: محذوف؛ لطول الصلة، كقولهم: ما أنا بالذي قائل لك سوءاً، والتقدير: وهو الذي هو في السماء إله، و"إله". خبر عن مضمر، ولا يصح أن يكون "إله" مبتدأ، و "في السماء" خبره؛ لخلو الصلة حينئذ عن العائد {وهو الحكيمُ} في أقواله وأفعاله {العليمُ} بما كان وما يكون، أو: الحكيم في إمهال العصاة، العليم بما يؤول أمرهم إليه، وهو كالدليل على ما قبله من التنزيه، وانفراده بالربوبية. {وتبارك الذي له ملكُ السماوات والأرض} أي: تقدّس وتعاظم الذي مَلَكَ ما استقر في السماوات والأرض {وما بينهما} إما على الدوام، كالهواء، أو في بعض الأوقات، كالطير، {وعنده علمُ الساعة} أي: العلم بالساعة التي فيها تقوم، {وإِليه تُرجعون} للجزاء، والالتفات للتهديد، فيمن قرأ بالخطاب. {ولا يملك الذين يدعُونَ من دونه} أي: لا تملك آلهتهم التي يدعونها {من دونه} أي: من دون الله {الشفاعةَ} كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله {إِلا مَن شَهِدَ بالحق} الذي هو التوحيد، {وهم يعلمون} بما يشهدون به عن بصيرة وإتقان وإخلاص، وهم خواص المسلمين، والملائكة. وجمع الضميرين باعتبار معنى (مَن) كما أن الإفراد أولاً باعتبار لفظها. والاستثناء: إما متصل، والموصل عام لكل ما يعبد من دون الله، أو: منقطع، على أنه خاص بالأصنام. الإشارة: قل يا محمد: إن كان للرحمن ولد، على زعمكم في عيسى والملائكة، فأنا أولى بهذه النسبة على تقدير صحتها؛ لأني أنا أول مَن عبد الله في سابق الوجود؛ لأن أول ما ظهر نوري، فعَبَد اللّهَ سنين متطاولة؛ ثم تفرّعت منه الكائنات، ومَن سبق إلى الطاعة كان أولى بالتقريب، فلِمَ خصصتم الملائكة وعيسى بهذه النسبة، وأنا قد سبقتهم في العبادة، بل لا وجود لهم إلا من نوري، لكن لا ولد له، فأنا عبد الله ورسوله. قال جعفر الصادق: أول ما خلق الله نور محمد صلى الله عليه وسلم قبل كل شي، وأول مَن وحّد الله عزّ وجل من خلقه، دُرة محمد صلى الله عليه وسلم، وأول ما جرى به القلم "لا إله إلا الله محمد رسول الله". هـ. قاله الورتجبي. ففي الآية إشارة إلى سبقيته صلى الله عليه وسلم، وأنه أول تجلٍّ من تجليات الحق، فمِن نوره انشقت أسرار الذات، وانفلقت أنوار الصفات، وامتدت من نوره جميع الكائنات. قوله تعالى: {فذهرم يخوضوا...} الخ، كل مَن خاض في بحار التوحيد بغير برهان العيان، تصدق عليه الآية، وكذا كل مَن اشتغل بغير الله، وبغير ما يُقرب إليه؛ فهو ممن يخوض ويلعب، وفي الحديث:"حديث : الدنيا ملعونة ملعونٌ ما فيها إلا ذِكْرَ الله، وما والاَه، أو عالماً أو متعلماً " تفسير : . وقوله تعالى: {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة...} الخ. قال القشيري: وفي الآية دليل على أن جميع المسلمين تكون شفاعتهم غداً مقبولة. هـ. أي: لأنهم في الدنيا شَهِدوا بالحق، وهو التوحيد عن علم وبصيرة، لكن في تعميمه نظر؛ لأن الاستثناء، الأصل فيه الاتصال، ولأن مَن شهد بالحق مستنثى من {الذين يدعون من دونه} - وهم الملائكة، وعيسى، وعزير، فهم الذين شَهِدُوا بالحق ممن دعوا من دون الله، وشفاعة مَن عداهم مأخذوة من أدلة أخرى. ثم ذكر إقرار المشركين بالربوبية، فقال: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ}.
الطوسي
تفسير : قيل فى معنى قوله {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} اقوال: احدها - فانا أول الآنفين من عبادته، لأن من كان له ولد لا يكون إلا جسماً محدثاً ومن كان كذلك لا يستحق العبادة، لأنه لا يقدر على النعم التي يستحق بها العبادة تقول: العرب عبدت فصمت قال الفرزدق: شعر : واعبد ان يهجى كليب بدارم تفسير : وقال آخر: شعر : ألا هذيت أم الوليد واصبحت لما أبصرت في الرأس مني تعبد تفسير : الثاني - ما قاله ابن زيد وابن أسلم وقتادة: إن (ان) بمعنى (ما) وتقديره ما كان للرحمن ولد فأنا اول العابدين لله. الثالث - هو انه لو كان له ولد لعبدته على ذلك كما تقول لو دعت الحكمة إلى عبادة غير الله لعبدته لكنها لا تدعوا إلى عبادة غيره، وكما تقول: لو دل الدليل على أن له ولداً لقلت به، لكنه لا يدل، فهذا تحقيق نفي الولد لانه تعليق محال بمحال. الرابع - قال السدي: لو كان له ولد لكنت اول من عبده بأن له ولداً، لكن لا ولد. وهذا قريب من الوجه (الثالث). الخامس - إن كان لله ولد على قولكم، فأنا أول من وحده وعبده على ان لا ولد له - ذهب اليه مجاهد - وإنما لم يجز على الله تعالى الولد لانه لا يخلو من ان يضاف اليه الولد حقيقة او مجازاً، وحقيقته أن يكون مخلوقاً من مائه او مولوداً على فراشه، وذلك مستحيل عليه تعالى. ومجازه أن يضاف اليه على وجه التبني وإنما يجوز فيمن يجوز عليه حقيقته، ألا ترى انه لا يقال تبنى شاب شيخاً لما لم يمكن أن يكون له ولد حقيقة، وانما جاز ان يضاف إلى شيخ شاب على انه تبناه لما كان حقيقته مقدورة فيه، وكذلك لا يقال تبنى انسان بهيمة لما كان يستحيل أن يكون مخلوقاً من مائه او على فراشه، فلما استحال حقيقته على الله تعالى استحال عليه مجازه ايضاً. وإنما جاز أن يقال روح الله، ولم يجز ان يقال ولد الله لأن روح الله بمعنى ملك الله للروح، وإنما اضيف اليه تشريفاً. وإن كانت الارواح كلها لله بمعنى انه مالك لها. ولا يعرف مثل ذلك فى الولد. ثم نزه نفسه تعالى عن اتخاذ الولد فقال {سبحان رب السماوات والأرض} يعني الذي خلقهن {رب العرش} أي خالقه ومدبره {عما يصفون} من اتخاذ الولد، لأن من قدر على خلق ذلك وإنشائه مستغن عن اتخاذ الولد. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله على وجه التهديد للكفار {فذرهم} أي اتركهم {يخوضوا} فى الباطل {ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون} بمعنى يوعدون فيه بالعذاب الأبدي. وقال تعالى {وهو الذي في السماء إله} أي يحق له العبادة فى السماء ويحق له العبادة فى الأرض، وإنما كرر لفظة إله فى قوله {وفي الأرض إله} لأحد امرين: احدهما - للتأكيد ليتمكن المعنى فى النفس لعظمه فى باب الحق. الثاني - إن المعنى هو فى السماء إله، يجب على الملائكة عبادته، وفي الأرض اله يجب على الآدميين عبادته {وهو الحكيم} في جميع افعاله {العليم} بجميع المعلومات {وتبارك} وهو مأخوذ من البرك وهو الثبوت، ومعناه جل الثابت الذي لم يزل ولا يزال. وقيل: معناه جل الذي عمت بركة ذكره {الذي له ملك السماوات والأرض} أي الذى له التصرف فيهما بلا دافع ولا منازع {وما بينهما وعنده علم الساعة} يعني علم يوم القيامة، لانه لا يعلم وقته على التعيين غيره {وإليه ترجعون} يوم القيامة فيجازي كلا على قدر عمله. فمن قرأ بالتاء خاطب الخلق. ومن قرأ بالياء ردّ الكناية إلى الكفار الذين تقدم ذكرهم.
الهواري
تفسير : قوله: {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ} أي: ما كان للرحمن ولد. ثم انقطع الكلام، ثم قال: {فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} تفسير بعضهم: فأنا أول الدائنين من هذه الأمة بأنه ليس له ولد. قال: {سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} ينزّه نفسه عما يكذبون. {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا} أي: فقد أقمت عليهم الحجة {حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} أي: يوم القيامة. وهذا قبل أن يؤمر بقتالهم. قوله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ} أي: هو إله أهل السماء وإله أهل الأرض {وَهُوَ الْحَكِيمُ} في أمره {الْعَلِيمُ} بخلقه. {وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} أي: علم مجيء الساعة، لا يعلم علم مجيئها إلا هو {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي: يوم القيامة. {وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ} أي: الأوثان، في تفسير الحسن، أي: لا تملك أن تشفع لعابدها، يقول: ليست الشفاعة لمن كان يدعو الأوثان، أي: يعبدها من دون الله في الدنيا. قال: {إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ} في الدنيا. يقول إنما الشفاعة لمن شهد بالحق {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنه الحق. قال الكلبي: {وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ} يعني الملائكة، أي: لا يملك الملائكة أن يشفعوا لمن شهد بالحق، أي: لا إله إلا الله مخلصاً وصلّى الخمس، أي: فأولئك تشفع لهم الملائكة. وتفسير مجاهد: {وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ} أي: الملائكة وعزير، وعيسى.
اطفيش
تفسير : {قُل إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ} ببرهان تأتون به* {فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} لذلك الولد تعظيماً لوالده أو العابدين للرحمن باثبات الولد له فانه صلى الله عليه وسلم أعلم وأولى بتعظيم ما يجب تعظيمه أو ذلك كما يقوله الثابت القاطع على عدم قيام زيد ان قام فعلي لك ألف دينا وانما يقول ذلك من كان على ثبات من مدعاه فقد نفي صلى الله عليه وسلم الولد عن الله بأبلغ وجه وقطع بكذبهم أقوى قطع هذا ما ظهر لي صفوه ومطابقته لفصاحة القرآن ومن ذلك قولك لمدعي الرؤية ان كان الله يرى فلا جعلني ممن يراه لثباتك على أنه لا يرى. وقال مجاهد: المراد ان كان له ولد في زعمهم فأنا أول العابدين الموحدين المكذبين قولكم باثبات الولد وقيل ان كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول النافين من أن يكون له ولد من عبد بعيد اذا اشتد أنفه فهو عبد وعابد وقرئ (العبدين) وباء ماضية مكسورة وياء مضارعة مفتوحة وقيل ان نافية والمراد أنا أول من يوحد الله من قومي والقول الآخر عليه ابن زيد وابن عباس والوقف فيه على ولد. وعن أبي عبيدة: {الْعَابِدِينَ} معناه الجاحدون عبدني حقي جحد نية. وعن أبي حاتم: (العابد شديد الغضب) وقرأ حمزة والكسائي ولد بضم الواو واسكان اللام وقد فسر الوليد ابن المغيرة لعنه الله الآية وذلك أن النضر بن عبد الدار من قصي قال ان الملائكة بنات الله فنزلت الآية فقال النضر: ألا ترون انه قد صدقني فقال له الوليد ما صدقك ولكن قال (ما كان للرحمن ولد) فأنا أول الموحدين من أهل مكة ان لا ولد
اطفيش
تفسير : {قُل} يا محمد لقومك تحقيقا للحق، وجزما باستحالة بنوة الملائكة لله تعالى: {إن ْ كانَ للرحْمن ولدٌ فأنا أول العابدين} لذلك الولد أولكم أسبقكم الى عبادته مسارعة الى رضا الله سبحانه وتعالى وأول اسم تفضيل من آل يئول باق على التفضيل أى أسبق منك أو خارج عن التفضيل أى مسارع الى عبادته، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بحقوق الله تعالى، وأحرصهم على مراعاتها فما أنكرت الولادة والبنوة إلا لعلمى يقينا كالشمس بانتفائهما، فهلا انفى لهما بأبلغ طريق كقوله تعالى: "أية : لو كان فيهما آلهة إلاَّ الله" تفسير : [الأنبياء: 22] الخ وأول فهم بدأ فى زمان الصبا أنه ان كان للرحمن ولد فى زعمكم فأنا أول من يعرض عن زعمكم، فأخلص العبادة لله، ولا أفسدها باعتقاد ما تزعمون، ثم رأيته قريبا من زمان الصبا لمجاهد من كبار المفسرين، والله الموفق، وما شاء الله كان ولا قدرة لأحد على شىء إلا بالله، والملازمة ظاهرة لأنه أعرف بالله من غيره، ولأنه صاحب الدعوة الى الحق. وحاصل أول العابدين أول من يبطل قولكم، وذلك كقوله: إن تهن زيدا فأنا أول من يكرمه، أى اطاوعك على اهانته، ويرادفه فى الماصدق ما قيل من أن العابدين بمعنى الآنفين كما روى عن ابن عباس: أنا أول من ينفر عن أن يكون لله ولد، كما قرىء باسقاط الألف كما هو وصف باب فرح يقال أنف بكسر النون يأنف بفتحها فهو آنف بكسرها، كما قيل: الشديد الغضب، أى أول من يغضب لقولكم غضبا شديدا، وأنا أكره تفسير القرآن بمعانى الألفاظ الغريبة، ثم ان وصف باب فرح فعل بكسر العين بدون ألف قبلها، والآية بالألف فى قراءة الجمهور، فنحتاج الى أن نقول: الألف لقصد الحدوث، فيئول الأمر الى أن المعنى أنى أغضب فيوجه بأن المراد أن غبضى لا يتأخر، بل حضر الآن، وإن تقدم بأن سمعت هذا منكم قبل، فقد أستحضره أو بأنه للنسب أى ذو عبد أى غضب، وعن ابن عباس: إن نافية، أى ما كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين أى الشاهدين له بذلك.
الالوسي
تفسير : {قُلْ } أي للكفرة تحقيقاً للحق وتنبيهاً لهم على أن مخالفتك لهم بعدم عبادتك ما يعبدون من الملائكة عليهم السلام ليس لبغضك وعداوتك لهم أو لمعبوديهم بل إنما هو لجزمك باستحالة ما نسبوا إليهم وبنوا عليه عبادتهم من كونهم بنات الله سبحانه وتعالى. {إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ } أي لذلك الولد و(كان) بمعنى صح كما يقال ما كان لك أن تفعل كذا وهو أحد استعمالاتها، و {أَوَّلُ } أفعل تفضيل والمفضل عليه المقول لهم، وجوز اعتبار ذلك مطلقاً، والمراد إظهار الرغبة والمسارعة، والمنساق إلى الذهن الأول. ووجه الملازمة أنه عليه الصلاة والسلام أعلم الناس بشؤنه تعالى وبما يجوز عليه وبما لا يجوز وأحرصهم على مراعاة حقوقه وما توجبه من تعظيم ولده سبحانه فإن حق الوالد على شخص يوجب عليه تعظيم ولده لما أن تعظيم الولد تعظيم الوالد، فالمعنى إن كان للرحمٰن ولد وصح ذلك وثبت ببرهان صحيح توردونه وحجة واضحة تدلون بها فإنا أول من يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى طاعته والانقياد له كما يعظم الرجل ولد الملك لعظم أبيه، وهذا نفي لكينونة ولد له سبحانه على أبلغ وجه وهو الطريق البرهاني والمذهب الكلامي، فإنه في الحقيقة قياس استثنائي استدل فيه بنفي اللازم البين انتفاؤه وهو عبادته صلى الله عليه وسلم للولد على نفي الملزوم وهو كينونة الولد له سبحانه، وذلك نظير قوله تعالى: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} تفسير : [الأنبياء: 22] لكنه جيء بإن دون لو لجعل ما في حيزها بمنزلة ما لا قطع بعدمه على طريق المساهلة وإرخاء العنان للتبكيت والإفحام. / وفي «الكشف» أن في الآية مبالغة من حيث إنه جعل الممكن في نفسه أعني عبادته عليه الصلاة والسلام لما يدعونه ولداً محالاً فهو نفي لعبادة الولد على أبلغ وجه حيث جعل مسبباً عن محال ثم نفي للولد كذلك من طريق آخر وهو أنه لما لم يعبد صلى الله عليه وسلم الولد مع كونه أولى بعبادته لو كان، دل على نفيه، ونحوها ذكر في الآية مروياً عن قتادة والسدي والطبري. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد أن المعنى: قل إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول من عبد الله تعالى وحده وكذبكم بما تقولون فالمراد من كونه عليه الصلاة والسلام أول العابدين كونه صلى الله عليه وسلم من ينكر ذلك عليهم، والملازمة في الشرطية باعتبار أن نسبتهم الولد له تعالى تقتضي أن يكذبهم النبـي صلى الله عليه وسلم وأن يكون أول من ينكره لأنه صاحب الدعوة إلى التوحيد، وقد خفي ذلك على الإمام فنفى صحة هذا الوجه، وتكلف بعضهم فقال: (إن) تسبب الجزاء عن الشرط عليه باعتبار الأولية في العبادة والتوحيد من بينهم فإنهم إذا أطبقوا على ذلك الزعم يكون النبـي صلى الله عليه وسلم أولهم في عبادة الله تعالى وحده لا محالة، وقيل: (إن) السببية باعتبار الإخبار والذكر نحو إن تضربني فأنا لا أضربك وهو أولى مما قبله، والإنصاف أن الارتباط خفي لا يظهر إلا لمجاهد. وحكى أبو حاتم عن جماعة ولم يسم أحداً منهم أن {ٱلْعَـٰبِدِينَ } من عبد يعبد كفرح يفرح إذا أنف من الشيء، ومنه قوله:شعر : وأعبد أن أهجو كليباً بدارم تفسير : وقول الآخر:شعر : متى ما يشأ ذو الود يصرم خليله ويعبد عليه لا محالة ظالماً تفسير : أي إن كان للرحمن ولد فأنا أول الآنفين من الولد أو من كونه لله سبحانه ونسبته له عز وجل. وروي نحو هذا عن ابن عباس أخرج الطستي عنه أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى: {فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ } فقال: أنا أول من ينفر عن أن يكون لله تعالى ولد، وأيد ذلك بقراءة السلمي واليماني {العبدين} جمع عبد كحذر وحذرين وهو المعروف في معنى أنف وقلما يقال فيه عابد، ومن هنا ضعف ابن عرفة هذا الوجه لما فيه من استعمال ما قل استعماله في كلامهم. وذكر الخليل في كتاب «العين» أنه قرىء {العبدين} بسكون الباء تخفيف العبدين بكسرها، وقال أبو حاتم: العبد بكسر الباء الشديد الغضب، وقال أبو عبيدة: العرب تقول عبدني حقي أي جحدني، وروي عن الحسن وابن زيد وزهير بن محمد وهو رواية عن ابن عباس وقتادة والسدي أيضاً أن {إِن} نافية أي ما كان للرحمن ولد فأنا أول من قال ذلك وعبد ووحد، و {كَانَ } عليه للاستمرار والمقصود استمرار النفي لا نفي الاستمرار والفاء للسببية. وتعقب بأنه خلاف الظاهر مع خفاء وجه السببية أو حسنها، وزعم مكي أنه لا يجوز لإيهامه نفي الولد فيما مضى وهو كما ترى. وقرأ عبد الله وابن وثاب وطلحة والأعمش وحمزة والكسائي كما قال القاضي {وَلَدَ } بضم الواو وسكون اللام جمع ولد بفتحهما.
ابن عاشور
تفسير : لما جرى ذكر الذين ظلموا بادعاء بنوة الملائكة في قوله: { أية : فويلٌ للذين ظلموا من عذاب يومٍ أليمٍ } تفسير : [الزخرف: 65] عَقِب قوله: { أية : ولما ضُرب ابن مريم مثلاً } تفسير : [الزخرف: 57]، وعَقِب قوله قبله { أية : وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمٰن إناثاً } تفسير : [الزخرف: 19]. وأعقب بما ينتظرهم من أهوال القيامة وما أُعد للذين انخلعوا عن الإشراك بالإيمان، أمر الله رسوله أن ينتقل من مقام التحذير والتهديد إلى مقام الاحتجاج على انتفاء أن يكون لله ولَد، جمعاً بين الرد على بعض المشركين الذين عبدوا الملائكة، والذين زعموا أن بعض أصنامهم بنات الله مثل اللاتِ والعُزَّى، فأمره بقوله: {قل إن كان للرحمٰن ولد فأنا أول العابدين} أي قل لهم جدَلا وإفحاماً، ولقَّنه كلاماً يدل على أنه ما كان يعزب عنه أن الله ليس له ولد ولا يخطر بباله أن لله ابناً. والذين يقول لهم هذا المقول هم المشركون الزاعمون ذلك فهذا غرض الآية على الإجمال لأنها افتتحت بقوله: {قل إن كان للرحمٰن ولد} مع علم السامعين أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يروج عنده ذلك. ونظم الآية دقيق ومُعضِل، وتحته معاننٍ جمّة: وأولُها وأوْلاها: أنه لو يَعلم أن لله أبناءَ لكان أول من يعبدهم، أي أحق منكم بأن أعبدهم، أي لأنه ليس أقل فهماً من أن يعلم شيئاً ابناً لله ولا يعترف لذلك بالإلـٰهية لأن ابن الله يكون منسلاً من ذات إلـٰهية فلا يكون إلا إلـٰهاً وأنا أعلم أن الإلـٰه يستحق العبادة، فالدليل مركب من مُلاَزَمةٍ شرطية، والشرط فرضيٌّ، والملازمة بين الجواب والشرط مبنية على أن المتكلم عاقل داعٍ إلى الحق والنجاة فلا يرضى لنفسه ما يورطه، وأيضاً لا يرضى لهم إلا ما رضيه لنفسه، وهذا منتهى النصح لهم، وبه يتمّ الاستدلال ويفيد أنه ثابت القدم في توحيد الإلـٰه. ونُفي التعدد بنفي أخص أحوال التعدد وهو التعدد بالأبوة والبنوة كتعدد العائلة، وهو أصل التعدد فينتفي أيضاً تعدد الآلهة الأجانب بدلالة الفحوى. ونظيره قول سعيد بن جبير للحجاج. وقد قال له الحجاج حين أراد أن يقتله: لأُبَدِّلَنَّك بالدنيا ناراً تَلظّى فقال سعيد: لو عرفتُ أن ذلك إليك ما عبدتُ إلـٰهاً غيرك، فنبهه إلى خطئه بأن إدخال النار من خصائص الله تعالى. والحاصل أن هذا الاستدلال مركب من قضية شرطية أول جُزْأيْها وهو المقدم باطل، وثانيهما وهو التالي باطل أيضاً، لأن بطلان التالي لازم لبطلان المقّدم، كقولك: إن كانت الخمسة زوجاً فهي منقسمة بمتساويين، والاستدلال هنا ببطلان التالي على بطلان المقدم لأن كون النبي صلى الله عليه وسلم عابداً لمزعوم بنوتُه لله أمرٌ منتفٍ بالمشاهدة فإنه لم يزل ناهياً إياهم عن ذلك. وهذا على وزان الاستدلال في قوله تعالى: { أية : لو كان فيهما آلهةٌ إلا الله لفسدتا } تفسير : [الأنبياء: 22]، إلا أن تلك جعل شرطها بأداة صريحة في الامتناع، وهذه جعل شرطها بأداة غير صريحة في الامتناع. والنكتة في العدول عن الأداة الصريحة في الامتناع هنا إيهامُهم في بادىء الأمر أن فرضَ الولد لله محل نظرٍ، وليتأتى أن يكون نظم الكلام موجهاً حتى إذا تأملوه وجدوه ينفي أن يكون لله ولد بطريق المذهب الكلامي. ويدل لهذا ما رواه في «الكشاف» أن النضر بن عبد الدار بن قصي قال: إن الملائكة بنات الله فنزل قوله تعالى: {قل إن كان للرحمٰن ولد فأنا أول العابدين}. فقال النضر: ألا ترون أنه قد صدَّقني، فقال له الوليد بن المغيرة: ما صدَّقك ولكن قال: ما كان للرحمان ولد فأنا أول الموحدين من أهل مكة. ورُوي مجمل هذا المعنى عن السدّي فكان في نظم الآية على هذا النظم إيجاز بديع، وإطماع للخصوم بما إن تأملوه استبان وجه الحق فإن أعرضوا بعد ذلك عُد إعراضهم نكوصاً. وتحتمل الآية وجوهاً أخر من المعاني. منها: أن يكون المعنى إن كان للرحمان ولد في زعمكم فأنا أول العابدين لله، أي فأنا أول المؤمنين بتكذيبكم، قاله مجاهد، أي بقرينة تذييله بجملة {سبحان رب السمٰوات والأرض} الآية. ومنها، أن يكون حرف {إنْ} للنفي دون الشرط، والمعنى: ما كان للرحمان ولد فتفرع عليه: أنا أول العابدين لله، أي أتنزه عن إثبات الشريك له، وهذا عن ابن عباس وَقتادة وزيد ابن أسلم وابنه. ومنها: تأويل {العابدين} أنه اسم فاعل من عبد يعبَد من باب فرح، أي أنف وغضب، قاله الكسائي، وطعن فيه نفطويه بأنه إنما يقال في اسم فاعل عبد يَعْبَدُ عَبِد وقلما يقولون: عَابد والقرآن لا يأتي بالقليل من اللّغة. وقرأ الجمهور {ولد} بفتح الواو وفتح اللام. وقرأه حمزة والكسائي {وُلْد} بضم الواو وسكون اللام جمع ولَد. وجملة {سبحان رب السمٰوات والأرض رب العرش عما يصفون}، يجوز أن تكون تكملة لما أُمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقوله، أي قل: إن كان للرحمٰن ولد على الفرض، والتقدير: مع تنزيه عن تحقق ذلك في نفس الأمر. فيَكون لهذه الجملة حكم التالي في جزأي القياس الشرطي الاستثنائي. وليس في ضمير {يصفون} التفات لأن تقدير الكلام: قل لهم إن كان للرحمٰن ولد. ويجوز أن تكون كلاماً مستأنفاً من جانب الله تعالى لإنشاء تنزيهه عما يقولون فتكون معترضة بين جملة {قل إن كان للرحمٰن ولد} وجملة { أية : وهو الذي في السماء إلـٰه } تفسير : [الزخرف: 84]. ولهذه الجملة معنى التذييل لأنها نزهت الله عن جميع ما يصفونه به من نسبَة الولد وغير ذلك. ووصفه بربوبيةِ أقوى الموجودات وأعمها وأعظمها، لأنه يفيد انتفاء أن يكون له ولد لانتفاء فائدة الولادة، فقد تم خلق العوالم ونظام نمائها ودوامها، وعلم من كونه خالقها أنه غير مسبوق بعدم وإلا لاحتاج إلى خالق يخلُقه، واقتضى عدمُ السبق بعدم أنه لا يلحقه فناء فوجود الولد له يكون عبثاً.
الشنقيطي
تفسير : اختلف العلماء في معنى {إِن} في هذه الآية. فقالت جماعة من أهل العلم إنها شرطية، واختاره غير واحد، وممن اختاره ابن جرير الطبري، والذين قالوا إنها شرطية، اختلفوا في المراد بقوله: فأنا أول العابدين. فقال بعضهم: فأنا أول العابدين لذلك الولد. وقال بعضهم: فأنا أول العابدين لله على فرض أن له ولداً. وقال بعضهم: فأنا أول العابدين لله جازمين بأنه لا يمكن أن يكون له ولد وقالت جماعة آخرون: إن لفظة {إِن} في الآية نافية. والمعنى ما كان لله ولد، وعلى القول بأنها نافية ففي معنى قوله: {فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ} ثلاثة أوجه الأول وهو أقربها: أن المعنى ما كان لله ولد فأنا أول العابدين لله، المنزهين له عن الولد، وعن كل ما لا يليق بكماله، وجلاله. والثاني أن معنى قوله {فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ}: أي الآنفين المستنكفين من ذلك يعني القول الباطل المفترى على ربنا الذي هو ادعاء الولد له. والعرب تقول: عبد بكسر الباء يعبد بفتحها فهو عبد بفتح فكسر على القياس، وعابد أيضاً سماعاً، إذا اشتدت أنفته واستنكافه وغضبه، ومنه قول الفرزدق: شعر : أولئك قومي إن هجوني هجوتهم وأعبد أن أهجو كليباً بدارم تفسير : فقوله: وأعبد يعني آنف وأستنكف. ومنه أيضاً قول الآخر: شعر : متى ما يشأ ذو الود يصرم خليله ويعبد عليه لا محالة ظالما تفسير : وفي قصة عثمان بن عفان رضي الله عنه المشهورة: أنه جيء بامرأة من جهينة تزوجت، فولدت لستة أشهر، فبعث بها عثمان لترجم، اعتقاداً منه أنها كانت حاملاً قبل العقد لولادتها قبل تسعة أشهر، فقال له علي رضي الله عنهما: إن الله يقول: {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً} تفسير : [الأحقاف: 15]، ويقول جل وعلا: {أية : وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} تفسير : [لقمان: 14] فلم يبق عن الفصال من المدة إلا ستة أشهر. فما عبد عثمان رضي الله عنه، أن بعث إليها، لترد ولا ترجم. ومحل الشاهد من القصة، فوالله: [ما عبد عثمان] أي ما أنف ولا استنكف من الرجوع إلى الحق. الوجه الثالث: أن المعنى {فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ} أي الجاحدين النافين أن يكون لله ولد سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي في معنى هذه الآية الكريمة: أنه يتعين المصير إلى القول بأن إن نافية، وأن القول بكونها شرطية لا يمنع أن يصح له معنى بحسب وضع اللغة العربية التي نزل بها القرآن، وإن قال به جماعة من أجلاء العلماء. وإنما اخترنا أن {إن} هي النافية لا الشرطية، وقلنا إن المصير إلى ذلك متعين في نظرنا لأربعة أمور: الأول: إن هذا القول جار على الأسلوب العربي، جرياناً واضحاً، لا إشكال فيه، فكون إن كان بمعنى ما كان كثير في القرآن، وفي كلام العرب كقوله تعالى: {أية : إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً} تفسير : [يس: 29] أي ما كانت إلا صيحة واحدة. فقولك مثلاً معنى الآية الكريمة: ما كان لله ولد فأنا أول العابدين، الخاضعين للعظيم الأعظم، المنزه عن الولد أو الآنفين المستنكفين، من أن يوصف ربنا بما لا يليق بكماله وجلاله، من نسبة الولد إليه، أو الجاحدين النافين، أن يكون لربنا ولد، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً لا إشكال فيه، لأنه جار على اللغة العربية، التي نزل بها القرآن، دال على تنزيه الله، تنزيهاً تاماً عن الولد، من غير إيهام ألبتة لخلاف ذلك. الأمر الثاني: أن تنزيه الله عن الولد، بالعبارات التي لا إيهام فيها، هو الذي جاءت به الآيات الكثيرة، في القرآن كما قدمنا إيضاحه، في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} تفسير : [الكهف: 4] الآية. وفي سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً} تفسير : [مريم: 88-89] والآيات الكثيرة التي ذكرناها في ذلك تبين أن (إن) نافية. فالنفي الصريح الذي لا نزاع فيه يبين أن المراد في محل النزاع النفي الصريح. وخير ما يفسر به القرآن القرآن فكون المعبر في الآية: وما كان للرحمن ولد بصيغة النفي الصريح مطابق لقوله تعالى في آخر سورة بني إسرائيل {أية : وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً} تفسير : [الإسراء: 111] الآية. وقوله تعالى في أول الفرقان {أية : وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ} تفسير : [الفرقان: 2] الآية. وقوله تعالى: {أية : مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ} تفسير : [المؤمنون: 91] الآية. وقوله تعالى: {أية : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} تفسير : [الإخلاص: 3] وقوله تعالى {أية : أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} تفسير : [الصافات: 151-152] إلى غير ذلك من الآيات. وأما على القول بأن إن شرطية وأن قوله تعالى: {فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ} جزاء لذلك الشرط فإن ذلك لا نظير له ألبتة في كتاب الله، ولا توجد فيه آية تدل على مثل هذا المعنى. الأمر الثالث: هو أن القول بأن (إن) شرطية لا يمكن أن يصح له معنى في اللغة العربية، إلا معنى محذور، لا يجوز القول به بحال، وكتاب الله جل وعلا، يجب تنزيهه عن حمله على معان محذورة لا يجوز القول بها. وإيضاح هذا أنه على القول بأن (إن) شرطية، وقوله: {فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ} جزاء الشرط لا معنى لصدقه ألبتة إلا بصحة الربط بين الشرط والجزاء. والتحقيق الذي لا شك فيه أن مدار الصدق والكذب في الشرطية المتصلة، منصب على صحة الربط بين مقدمها الذي هو الشرط وتاليها الذي هو الجزاء، والبرهان القاطع على صحة هذا، هو كون الشرطية المتصلة، تكون في غاية الصدق مع كذب طرفيها معاً، أو أحدهما لو أزيلت أداة الربط بين طرفيها، فمثال كذبهما معاً مع صدقها قوله تعالى: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتا} تفسير : [الأنبياء: 22] فهذه قضية في غاية الصدق كما ترى، مع أنها لو أزيلت أداة الربط بين طرفيها كان كل واحد من طرفيها، قضية كاذبة بلا شك، ونعني بأداة الربط لفظة لو من الطرف الأول، واللام من الطرف الثاني، فإنهما لو أزيلا وحذفا صار الطرف الأول كان فيهما آلهة إلا الله، وهذه قضية في منتهى الكذب، وصار الطرف الثاني فسدتا أي السماوات والأرض، وهذه قضية في غاية الكذب كما ترى. فاتضح بهذا أن مدار الصدق والكذب في الشرطيات على صحة الربط بين الطرفين وعدم صحته. فإن كان الربط صحيحاً فهي صادقة، ولو كذب طرفاها أو أحدهما عند إزالة الربط. وإن كان الربط بينهما كاذباً كانت كاذبة كما لو قلت: لو كان هذا إنساناً لكان حجراً، فكذب الربط بينهما وكذب القضية بسببه كلاهما واضح. وأمثلة صدق الشرطية مع كذب طرفيها كثيرة جداً كالآية التي ذكرنا، وكقولك لو كان الإنسان حجراً لكان جماداً، ولو كان الفرس ياقوتاً لكان حجراً، فكل هذه القضايا ونحوها صادقة مع كذب طرفيها لو أزيلت أداة الربط. ومثال صدقها مع كذب أحدهما، قولك لو كان زيد في السماء ما نجا من الموت فإنها شرطية صادقة لصدق الربط بين طرفيها، مع أنها كاذبة أحد الطرفين دون الآخر، لأن عدم النجاة من الموت صدق، وكون زيد في السماء كذب، هكذا مثل بهذا المثال البناني، وفيه عندي أن هذه الشرطية التي مثل بها اتفاقية لا لزومية، ولا دخل للاتفاقيات في هذا المبحث. والمثال الصحيح: لو كان الإنسان حجراً لكان جسماً. واعلم أن قوماً زعموا أن مدار الصدق والكذب في الشرطيات منصب على خصوص التالي الذي هو الجزاء، وأن المقدم الذي هو الشرط قيد في ذلك. وزعموا أن هذا المعنى هو المراد عند أهل اللسان العربي. والتحقيق الأول. ولم يقل أحد ألبتة بقول ثالث في مدار الصدق والكذب في الشرطيات. فإذا حققت هذا، فاعلم أن الآية الكريمة، على القول بأنها جملة شرط وجزاء لا يصح الربط بين طرفيها ألبتة بحال على واحد من القولين اللذين لا ثالث لهما إلا على وجه محذور لا يصح القول به بحال. وإيضاح ذلك أنه على القول الأخير، أن مصب الصدق والكذب، في الشرطيات إنما هو التالي الذي هو الجزاء، وأن المقدم الذي هو الشرط قيد في ذلك. فمعنى الآية عليه باطل بل هو كفر. لأن معناه أن كونه أول العابدين يشترط فيه أن يكون للرحمن ولد، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً. لأن مفهوم الشرط أنه إن لم يكن له ولد، لم يكن أول العابدين، وفساد هذا المعنى كما ترى. وأما على القول الأول الذي هو الصحيح أن مدار الصدق والكذب في الشرطيات على صحة الربط بين طرفي الشرطية. فإنه على القول بأن الآية الكريمة جملة شرط وجزاء لا يصح الربط بين طرفيها ألبتة أيضاً، إلا على وجه محذور لا يجوز المصير إليه بحال، لأن كون المعبود ذا ولد، واستحقاقه هو، أو ولده العبادة، لا يصح الربط بينهما ألبتة إلا على معنى هو كفر بالله، لأن المستحق للعبادة لا يعقل بحال أن يكون ولداً أو والداً. وبه تعلم أن الشرط المزعوم في قوله {فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ} إنما يعلق به محال لاستحالة كون الرحمن ذا ولد. ومعلوم أن المحال لا يعلق عليه إلا المحال. فتعليق عبادة الله التي هي أصل الدين على كونه ذا ولد ظهور فساده كما ترى، وإنما تصدق الشرطية في مثال هذا لو كان المعلق عليه مستحيلاً، فادعاء أن (إن) في الآية شرطية مثل ما لو قيل: لو كان معه آلهة لكنت أول العابدين له، وهذا لا يصدق بحال، لأن واحداً من آلهة متعددة، لا يمكن أن يعبد، فالربط بين طرفيها مثل هذه القضية لا يصح بحال. ويتضح لك ذلك بمعنى قوله: {أية : وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} تفسير : [المؤمنون: 91] الآية. فإن قوله إذاً: أي لو كان معه غيره من الآلهة، لذهب كل واحد منهم بما خلق واستقل به، وغالب بعضهم بعضاً ولم ينتظم للسماوات والأرض نظام ولفسد كل شيء. كما قال تعالى: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} تفسير : [الأنبياء: 22]، وقوله تعالى: {أية : قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 42] على الصحيح الذي هو الحق من التفسيرين. ومعنى ابتغائهم إليه تعالى سبيلاً هو طلبهم طريقاً إلى مغالبته كما يفعله بعض الملوك مع بعضهم. والحاصل: أن الشرط إن علق به مستحيل فلا يمكن أن يصح الربط بينه وبين الجزاء، إلا إذا كان الجزاء مستحيلاً أيضاً لأن الشرط المستحيل لا يمكن أن يوجد به إلا الجزاء المستحيل. أما كون الشرط مستحيلاً والجزاء هو أساس الدين وعماد الأمر. فهذا مما لا يصح بحال. ومن ذهب إليه من أهل العلم والدين لا شك في غلطه. ولا شك في أن كل شرطية صدقت مع بطلان مقدمها الذي هو الشرط وصحة تاليها الذي هو الجزاء لا يصح التمثيل بها لهذه الآية بوجه من الوجوه، وأن ما ظنه الفخر الرازي من صحة التمثيل لها بذلك غلط فاحش منه بلا شك، وإيضاح ذلك أن كل شرطية كاذبة الشرط صادقة الجزاء عند إزالة الربط لا بد أن يكون موجب ذلك فيها أحد أمرين لا ثالث لهما ألبتة. وكلاهما يكون الصدق به من أجل أمر خاص لا يمكن وجود مثله في الآية الكريمة التي نحن بصددها، بل هو مناقض لمعنى الآية. والاستدلال بوجود أحد المتناقضين على وجود الآخر ضروري البطلان. ونعني بأول الأمرين المذكورين كون الشرطية اتفاقية لا لزومية أصلاً. وبالثاني منهما كون الصدق المذكور، من أجل خصوص المادة. ومعلوم أن الصدق من أجل خصوص المادة لا عبرة به في العقليات، وأنه في حكم الكذب لعدم اضطراده، لأنه يصدق في مادة ويكذب في أخرى. والمعتبر إنما هو الصدق اللازم المضطرد، الذي لا يختلف باختلاف المادة بحال. ولا شك أن كل قضية شرطها محال لا يضطرد صدقها إلا إذا كان جزاؤها محالاً خاصة. فإن وجدت قضية باطلة الشرط صحيحة الجزاء، فلا بد أن يكون ذلك، لكونها اتفاقية أو لأجل خصوص المادة فقط. فمثال وقوع ذلك لكونها اتفاقية قولك: إن كان زيد في السماء لم ينج من الموت. فالشرط الذي هو كونه في السماء باطل والجزاء الذي هو كونه لم ينج من الموت صحيح. وإنما صح هذا لكون هذه الشرطية اتفاقية. ومعلوم أن الاتفاقية لا علاقة بين طرفيها أصلاً. فلا يقتضي ثبوت أحدهما ولا نفيه ثبوت الآخر ولا نفيه، فلا ارتباط بين طرفيها في المعنى أصلاً وإنما هو في اللفظ فقط. فكون زيد في السماء لا علاقة له بعدم نجاته من الموت أصلاً، ولا ارتباط بينهما إلا في اللفظ. فهو كقولك: إن كان الإنسان ناطقاً فالفرس صاهل. وقد قدمنا إيضاح الفرق بين الشرطية اللزومية والشرطية الاتفاقية في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَىٰ ٱلْهُدَىٰ فَلَنْ يَهْتَدُوۤاْ إِذاً أَبَداً} تفسير : [الكهف: 57] فراجعه. ومعلوم أن قوله {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ} لم يقل أحد إنها شرطية اتفاقية ولم يدع أحد، أنها لا علاقة بين طرفيها أصلاً. ومثال وقوع ذلك لأجل خصوص المادة فقط، ما مثل به الفخر الرازي لهذه الآية الكريمة، مع عدم انتباهه لشدة المنافاة بين الآية الكريمة وبين ما مثل لها به، فإنه لما قال: إن الشرط الذي هو {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ} باطل، والجزاء الذي هو: {فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ} صحيح. مثل لذلك بقوله: إن كان الإنسان حجراً فهو جسم، يعني أن قوله: إن كان الإنسان حجراً شرط باطل فهو كقوله تعالى {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَد} فكون الإنسان حجراً وكون الرحمن ذا ولد كلاهما شرط باطل. فلما صح الجزاء المرتب على الشرط الباطل في قوله: إن كان الإنسان حجراً فهو جسم دل ذلك على أن الجزاء الصحيح في قوله: {فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِين} يصح ترتيبه على الشرط الباطل الذي هو {إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَد}. وهذا غلط فاحش جداً، وتسوية بين المتنافيين غاية المنافاة، لأن الجزاء المرتب على الشرط الباطل في قوله: إن كان الإنسان حجراً فإنما هو جسم إنما صدق لأجل خصوص المادة لا لمعنى اقتضاه الربط ألبتة. وإيضاح ذلك أن النسبة بين الجسم والحجر، والنسبة بين الإنسان والجسم هي العموم والخصوص المطلق في كليهما. فالجسم أعم مطلقاً من الحجر، والحجر أخص مطلقاً من الجسم، كما أن الجسم أعم من الإنسان أيضاً عموماً مطلقاً، والإنسان أخص من الجسم أيضاً خصوصاً مطلقاً: فالجسم جنس قريب للحجر، وجنس بعيد للإنسان، وإن شئت قلت: جنس متوسط له. وإيضاح ذلك أن تقول في التقسيم الأول: الجسم إما نام أي يكبر تدريجاً أو غير نام، فغير النامي كالحجر مثلاً، ثم تقسم النامي تقسيماً ثانياً؟ فتقول: النامي إما حساس أو غير حساس، فغير الحساس منه كالنبات. ثم تقسم الحساس تقسيماً ثالثاً فتقول: الحساس إما ناطق أو غير ناطق، والناطق منه هو الإنسان. فاتضح أن كلاً من الإنسان والحجر يدخل في عموم الجسم، والحكم بالأعم على الأخص صادق في الإيجاب بلا نزاع ولا تفصيل. فقولك: الإنسان جسم صادق في كل تركيب، ولا يمكن أن يكذب بوجه، وذلك للملابسة الخاصة بينهما من كون الجسم جنساً للإنسان، وكون الإنسان فرداً من أفراد أنواع الجسم، فلأجل خصوص هذه الملابسة بينهما، كان الحكم على الإنسان بأنه جسم صادقاً، على كل حال، سواء كان الحكم بذلك، غير معلق على شيء أو كان معلقاً على باطل أو حق. فالاستدلال يصدق هذا المثال على صدق الربط بين الشرط والجزاء في قوله تعالى {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ} بطلانه كالشمس في رابعة النهار. والعجب كل العجب من عاقل يقوله، لأن المثال المذكور إنما صدق لأن الإنسان يشمله مسمى الجسم. أما من كان له ولد فالنسبة بينه وبين المعبود الحق هي تباين المقابلة، لأن المقابلة بين المعبود بحق وبين والد أو ولد هي المقابلة بين الشيء ومساوي نقيضه. لأن من يولد أو يولد له لا يمكن أن يكون معبوداً بحق بحال. وإيضاح المنافاة بين الأمرين أنك لو قلت: الإنسان جسم لقلت الحق ولو قلت: المولود له معبود، أو المولود معبود. قلت الباطل الذي هو الكفر البواح. ومما يوضح ما ذكرنا إجماع جميع النظار على أنه إن كانت إحدى مقدمتي الدليل باطلة، وكانت النتيجة صحيحة أن ذلك لا يكون إلا لأجل خصوص المادة فقط، وأن ذلك الصدق لا عبرة به، فحكمه الكذب ولا يعتبر إلا الصدق اللازم المضطرد في جميع الأحوال. فلو قلت مثلاً: كل إنسان حجر، وكل حجر جسم، لأنتج من الشكل الأول كل إنسان جسم، وهذه النتيجة في غاية الصدق كما ترى. مع أن المقدمة الصغرى، من الدليل التي هو قولك: كل إنسان حجر في غاية الكذب كما ترى. وإنما صدقت النتيجة لخصوص المادة كما أوضحنا، ولولا ذلك لكانت كاذبة لأن النتيجة لازم الدليل والحق لا يكون لازماً للباطل فإن وقع شيء من ذلك فلخصوص المادة كما أوضحنا. وبهذا التحقيق تعلم، أن الشرط الباطل لا يلزم وتطرد صحة ربطه إلا بجزاء باطل مثله. وما يظنه بعض أهل العلم من أن قوله تعالى {أية : فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ} تفسير : [يونس: 94] كقوله تعالى {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ } [الزخرف: 81] فهو غلط فاحش والفرق بين معنى الآيتين شاسع فظن استوائها في المعنى باطل. وإيضاح ذلك أن قوله تعالى: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ} الآية معناه المقصود منه جار على الأسلوب العربي، ولا إيهام فيه، لأنا أوضحنا سابقاً أن مدار صدق الشرطية على صحة الربط بين شرطها وجزئها، فهي صادقة ولو كذب طرفاها عند إزالة الربط كما تقدم إيضاحه قريباً. فربط قوله: {أية : فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ} تفسير : [يونس: 94] بقوله {أية : فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ} تفسير : [يونس: 94] ربط صحيح لا إشكال فيه، لأن الشاك في الأمر شأنه أن يسأل العالم به عنه كما لا يخفى، فهي قضية صادقة، مع أن شرطها وجزاءها كلاهما باطل بانفراده، فهي كقوله {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} تفسير : [الأنبياء: 22] فهي شرطية صادقة لصحة الربط بين طرفيها، وإن كان الطرفان باطلين عند إزالة الربط. أما قوله تعالى {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ} [الزخرف: 81] على القول بأن إن شرطية لا تمكن صحة الربط بين شرطها وجزائها ألبتة، لأن الربط بين المعبود وبين كونه والداً أو ولداً لا يصح بحال. ولذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لا أشك ولا أسأل أهل الكتاب" تفسير : فنفي الطرفين مع أن الربط صحيح، ولا يمكن أن ينفي صلى الله عليه وسلم هو ولا غيره الطرفين في الآية الأخرى، فلا يقول هو ولا غيره: ليس له ولد ولا أعبده. وعلى كل حال، فالربط بين الشك وسؤال الشاك للعالم أمر صحيح، بخلاف الربط بين العبادة وكون المعبود والداً أو ولداً فلا يصح. فاتضح الفرق بين الآيتين وحديث: "حديث : لا أشك ولا أسأل أهل الكتاب" تفسير : رواه قتادة بن دعامة مرسلاً. وبنحوه قال بعض الصحابة. فمن بعدهم، ومعناه صحيح بلا شك. وما قاله الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة يستغربه كل من رآه لقبحه وشناعته، ولم أعلم أحداً من الكفار في ما قص الله في كتابه يتجرأ على مثله أو قريب منه. وهذا مع عدم فهمه لما يقول وتناقض كلامه. وسنذكر هنا كلامه القبيح للتنبيه على شناعة غلطه، الديني واللغوي. قال في الكشاف ما نصه: {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ} [الزخرف: 81] وصح ذلك وثبت ببرهان صحيح توردونه وحجة واضحة تدلون بها، فأنا أول من يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى طاعته والانقياد له، كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه. وهذا كلام وراد على سبيل الفرض والتمثيل لغرض، وهو المبالغة في نفي الولد والإطناب فيه، وألا يترك للناطق به شبهة إلا مضمحلة، مع الترجمة عن نفسه بإثبات القدم في باب التوحيد، وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد وهي محال في نفسها، فكان المعلق بها حالاً مثلها فهو في صورة إثبات الكينونة، والعبادة وفي معنى نفيهما على أبلغ الوجوه وأقواها. ونظيره أن يقول العدلي للمجبر: إن كان الله تعالى خالقاً للكفر في القلوب ومعذباً عليه عذاباً سرمداً فأنا أول من يقول: هو شيطان وليس بإله. فمعنى هذا الكلام وما وضع له أسلوبه ونظمه نفي أن يكون الله تعالى خالقاً للكفر. وتنزيهه عن ذلك وتقديسه ولكن على طريق المبالغة فيه من الوجه الذي ذكرنا، مع الدلالة على سماحة المذهب، وضلالة الذاهب إليه، والشهادة القاطعة بإحالته والإفصاح عن نفسه بالبراءة منه وغاية النفار والاشمئزاز من ارتكابه. ونحو هذه الطريقة قول سعيد بن جبير رحمه الله للحجاج حين قال له: "أما والله لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى، لو عرفت أن ذلك إليك ما عبدت إلهاً غيرك". وقد تمحل الناس؟ أخرجوه به من هذا الأسلوب الشريف المليء بالنكت والفوائد المستقل بإثبات التوحيد على أبلغ وجوهه، فقيل: إن كان للرحمن. ولد في زعمكم فأنا أول العابدين الموحدين لله المكذبين قولكم لإضافة الولد. إليه ا هـ الغرض من كلام الزمخشري. وفي كلام هذا من الجهل بالله وشدة الجراءة عليه، والتخبط والتناقض في المعاني اللغوية ما الله عالم به. ولا أظن أن ذلك يخفى على عاقل تأمله. وسنبين لك ما يتضح به ذلك فإنه أولاً قال: إن كان للرحمن ولد وضح ذلك ببرهان صحيح توردونه وحجة واضحة تدلون بها فأنا أول من يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى طاعته، والانقياد له كما يعظم الرجل، ولد الملك لتعظيم أبيه. فكلامه هذا لا يخفى بطلانه على عاقل، لأنه على فرض صحة نسبة الولد إليه، وقيام البرهان الصحيح والحجة الواضحة على أنه له ولد، فلا شك أن ذلك يقتضي، أن ذلك الولد لا يستحق العبادة، بحال، ولو كان في ذلك تعظيم لأبيه، لأن أباه مثله في عدم استحقاق العبادة والكفر بعبادة كل والد وكل مولود شرط في إيمان كل موحد، فمن أي وجه يكون هذا الكلام صحيحاً. أما في اللغة العربية فلا يكون صحيحاً ألبتة. وما أظنه يصح في لغة من لغات العجم فالربط بين هذا الشرط وهذا الجزاء لا يصح بوجه. فمعنى الآية عليه لا يصح بوجه، لأن المعلق على المحال لا بد أن يكون محالاً مثله. والزمخشري في كلامه كلما أراد أن يأتي بمثال في الآية خارج عنها اضطر إلى أن لا يعلق على المحال في زعمه إلا محالاً. فضربه للآية المثل بقصة ابن جبير مع الحجاج، دليل واضح على ما ذكرنا وعلى تناقضه وتخبطه. فإنه قال فيها إن الحجاج قال لسعيد بن جبير: لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى. قال سعيد للحجاج: لو علمت إن ذلك إليك ما عبدت إلهاً غيرك. فهو يدل على أنه علق المحال على المحال، ولو كان غير متناقض للمعنى الذي مثل له به الزمخشري لقال: لو علمت أن ذلك إليك لكنت أول العابدين لله. فقوله: لو علمت أن ذلك إليك في معنى {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ}، فنسبة الولد والشريك إليه معناهما في الاستحالة وادعاء النقص واحد. فلو كان سعيد يفهم الآية كفهمك الباطل لقال: لو علمت أن ذلك إليك لكنت أول العابدين لله. ولكنه لم يقل هذا، لأنه ليس له معنى صحيح يجوز المصير إليه. وكذلك تمثيل الزمخشري للآية الكريمة في كلامه القبيح البشع الشنيع الذي يتقاصر عن التلفظ به كل كافر. فقد اضطر فيه أيضاً إلى ألا يعلق على المحال في زعمه إلا محالاً شنيعاً فإنه قال فيه: ونظيره أن يقول العدلي للمجبر: إن كان الله تعالى خالقاً للكفر في القلوب ومعذباً عليه عذاباً سرمداً فأنا أول من يقول هو شيطان وليس بإله. فانظر قول هذا الضال في ضربه المثل في معنى هذه الآية الكريمة بقول الضال الذي يسميه العدلي: إن كان الله خالقاً للكفر في القلوب إلخ. فخلق الله للكفر في القلوب وتعذيبه على كفرهم، مستحيل عنده كاستحالة نسبة الولد لله، وهذا المستحيل في زعمه الباطل، إنما علق عليه أفظع أنواع المستحيل وهو زعمه الخبيث أن الله إن كان خالقاً للكفر في القلوب، ومعذباً عليه فهو شيطان لا إله، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً. فانظر رحمك الله فظاعة جهل هذا الإنسان بالله، وشدة تناقضه في المعنى العربي للآية. لأنه جعل قوله: إن كان الله خالقاً للكفر ومعذباً عليه بمعنى "إن كان للرحمن ولد" في أن الشرط فيهما مستحيل، وجعل قوله في الله أنه شيطان لا إله، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً. كقول النبي صلى الله عليه وسلم: أنا أول العابدين. فاللازم لكلامه أن يقول: لو كان خالقاً للكفر فأنا أول العابدين له، ولا يخفى أن الادعاء على الله أنه شيطان مناقض لقوله: فأنا أول العابدين. وقد أعرضت عن الإطالة في بيان بطلان كلامه، وشدة ضلاله، وتناقضه لشناعته ووضح بطلانه، فهي عبارات مزخرفة، وشقشقة لا طائل تحتها، وهي تحمل في طياتها الكفر والجهل بالمعنى العربي للآية، والتناقض الواضح وكم من كلام مليء بزخرف القول، وهو عقيم لا فائدة فيه، ولا طائل تحته كما قيل: شعر : وإني وإني ثم إني وإنني إذا انقطعت نعلي جعلت له شسعا فظل يعمل أياماً رويته وشبه الماء بعد الجهد بالماء تفسير : واعلم أن الكلام على القدر، وخلق أفعال العباد، قدمنا منه جملاً كافية في هذه السورة الكريمة، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} تفسير : [الزخرف: 20]، ولا يخفى تصريح القرآن بأن الله خالق كل شيء، كما قال تعالى: {أية : ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ} تفسير : [الزمر: 62] الآية، وقال تعالى: {أية : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} تفسير : [الفرقان: 2]. وقال: {أية : هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ} تفسير : [فاطر: 3]، وقال تعالى: {أية : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} تفسير : [القمر: 49]. فالإيمان بالقدر خيره وشره الذي هو من عقائد المسلمين جعله الزمخشري يقتضي أن لله شيطان، سبحانه الله وتعالى عما يقوله الزمخشري علواً كبيراً. وجزى الزمخشري بما هو أهله. الأمر الرابع: هو دلالة استقراء القرآن العظيم أن الله تعالى إذا أراد أن يفرض المستحيل ليبين الحق بفرضه علقه أولاً بالأداة التي تدل على عدم وجوده وهي لفظة لو: ولم يعلق عليه ألبتة إلا محالاً مثله، كقوله: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} تفسير : [الأنبياء: 22]، وقوله تعالى: {أية : لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ} تفسير : [الزمر: 4]، وقوله تعالى: {أية : لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ} تفسير : [الأنبياء: 17] الآية. وأما تعليق ذلك بأداة لا تقتضي عدم وجوده كلفظة إن مع كون الجزاء غير مستحيل فليس معهوداً في القرآن. ومما يوضح هذا المعنى الذي ذكرنا، المحاورة التي ذكرها جماعة من المفسرين، التي وقعت بين النضر بن الحارث، والوليد بن المغيرة، وهي وإن كانت أسانيدها غير قائمة، فإن معناها اللغوي صحيح. وهي أن النضر بن الحارث كان يقول: الملائكة بنات الله فأنزل الله قوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ} [الزخرف: 81] الآية. فقال النضر للوليد بن المغيرة: ألا ترى أنه قد صدقني؟ فقال الوليد: لا ما صدقك ولكنه يقول: ما كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين، أي الموحدين، من أهل مكة المنزهين له عن الولد. فمحاورة هذين الكافرين، العالمين بالعربية، مطابقة لما قررنا. لأن النضر قال: إن معنى الآية على أن إن شرطية مطابق لما يعتقده الكفار من نسبة الولد إلى الله، وهو معنى محذور وأن الوليد قال: إنَّ (إنْ) نافية، وأن معنى الآية على ذلك هو مخالفة الكفار وتنزيه الله عن الولد. وبجميع ما ذكرنا يتضح أن إن في الآية الكريمة نافية. وذلك مروري عن ابن عباس والحسن والسدي وقتادة وابن زيد وزهير بن محمد وغيرهم. تنبيه اعلم أن ما قاله ابن جرير وغير واحد من أن القول بأن إن نافية يلزمه إيهام المحذور الذي لا يجوز في حق الله. قالوا: لأنه إن كان المعنى ما كان لله ولد فإنه لا يدل على نفي الولد، إلا في الماضي، فللكفار أن يقولوا إذا صدقت لم يكن له في الماضي ولد. ولكن الولد طرأ عليه، بعد ذلك لما صاهر الجن، وولدت له بناته التي هي الملائكة. وإن هذا المحذور يمنع من الحمل على النفي لا شك في عدم صحته لدلالة الآيات القرآنية بكثرة على أن هذا الإيهام لا أثر له ولو كان له أثر لما كان الله يمدح نفسه بالثناء عليه بلفظة كان الدالة على خصوص الزمن الماضي في نحو قوله تعالى {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} تفسير : [النساء: 158]، {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} تفسير : [النساء: 17]، {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [النساء: 96]، {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} تفسير : [الأحزاب: 27]، {أية : إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} تفسير : [النساء: 34] إلى غير ذلك من الآيات التي يصعب حصرها. فإن معنى كل تلك الآيات أنه كان ولم يزل. فلو كان الكفار يقولون ذلك الذي زعموه الذي هو قولهم: صدقت ما كان له ولد في الماصي ولكنه طرأ له لقالوا مثله في الآيات التي ذكرنا. كأن يقولوا {أية : كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} تفسير : [النساء: 24] في الماضي ولكنه طرأ عليه عدم ذلك وهكذا في جميع الآيات المذكورة ونحوها. وأيضاً فإن المحذور الذي زعموه لم يمنع من إطلاق نفي الكون الماضي في قوله تعالى {أية : وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} تفسير : [مريم: 64]، وقوله {أية : وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51] وقوله {أية : وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي ٱلْقُرَىٰ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} تفسير : [القصص: 59]، والآيات بمثل ذلك كثيرة. ومن أوضحها في محل النزاع قوله تعالى {أية : وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ} تفسير : [المؤمنون: 91] الآية. ولم يمنع من نفي القرآن للولد في الزمن الماضي في قوله تعالى {أية : مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ} تفسير : [المؤمنون: 91] فإن الكفار لم يقولوا يوماً ما: صدقت ما اتخذه في الماضي ولكنه طرأ عليه اتخاذه. وكذلك في قوله {أية : وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً} تفسير : [الفرقان: 2] وقوله {أية : لَمْ يَلِدْ} تفسير : [الإخلاص: 3]، لأن لم تنقل المضارع إلى معنى الماضي. والكفار لم يقولوا يوماً صدقت لم يتخذ ولداً في الماضي، ولكنه طرأ عليه اتخاذه ولم يقولوا لم يلد في الماضي، ولكنه ولد أخيراً. والحاصل أن الكفار لم يقروا أن الله منزه عن الولد لا في الماضي ولا في الحال، ولا في الاستقبال. ومعلوم أن الولادة المزعومة حدث متجدد. وبذلك تعلم أنما زعموه من إيهام المحذور في كون إن في الآية نافية لا أساس له ولا معول عليه، وأن ما ادعوه من كونها شرطية ليس له معنى في اللغة العربية إلا المعنى المحذور الذي لا يجوز في حق الله بحال. واعلم أن كلام الفخر الرازي في هذه الآية الكريمة الذي يقتضي إمكان صحة الربط بين طرفيها على أنها شرطية لا شك في غلطه فيه. وأما إبطاله لقول من قال: إن المعنى إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول العابدين له والمكذبين لكم في ذلك، فهو إبطال صحيح، وكلامه فيه في غاية الحسن والدقة، وهو يقتضي إبطاله بنفسه، لجميع ما كان يقرره في الآية الكريمة. والحاصل أن كون معنى إن في الآية الكريمة هو النفي لا إشكال فيه، ولا محذور ولا إيهام، وأن الآيات القرآنية تشهد له لكثرة الآيات المطابقة لهذا المعنى في القرآن. وأما كون معنى الآية الشرط والجزاء فلا يصح له معنى، غير محذور في اللغة، وليس له في كتاب الله نظير، لإجماع أهل اللسان العربي على اختلاف المعنى في التعليق بإن، والتعليق بلو. لأن التعليق بلو يدل على عدم الشرط، وعدم الشرط استلزم عدم المشروط بخلاف إن. فالتعليق بها يدل على الشك في وجود الشرط بلا نزاع. وما خرج عن ذلك من التعليق بها مع العلم بوجود الشرط أو العلم بنفيه، فلأسباب أخر، وأدلة خارجة، ولا يجوز حملها على أحد أمرين المذكورين، إلا بدليل منفصل كما أوضحناه، في غير هذا الموضع. تنبيه اعلم أن ما ذكرنا من أن لو تقتضي عدم وجود الشرط، وأن إن تقتضي الشك فيه، لا يرد عليه قوله تعالى: {أية : فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ} تفسير : [يونس: 94] الآية. كما أشرنا له قريباً. لأن التحقيق أن الخطاب في قوله: (إن كنت في شك) خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به من يمكن أن يشك في ذلك من أمته. وقد قدمنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {أية : لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ} تفسير : [الإسراء: 22] الآية. دلالة القرآن الصريحة على أنه صلى الله عليه وسلم يتوجه إليه الخطاب من الله، والمراد به التشريع لأمته، ولا يراد هو صلى الله عليه وسلم ألبتة بذلك الخطاب. وقدمنا هناك أن من أصرح الآيات القرآنية في ذلك قوله تعالى {أية : وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} تفسير : [الإسراء: 23] الآية، فالتحقيق أن الخطاب له صلى الله عليه وسلم والمراد أمته لا هو نفسه، لأنه هو المشرع لهم بأمر الله. وإيضاح ذلك أو معنى: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ} أي إن يبلغ عندك الكبر يا نبي الله والداك أو أحدهما فلا تقل لهما أف. ومعلوم أن أباه مات وهو حمل، وأمه ماتت وهو في صباه فلا يمكن أن يكون المراد: إن يبلغ الكبر عندك هما أو أحدهما والواقع أنهما قد ماتا قبل ذلك بأزمان. وبذلك يتحقق أن المراد بالخطاب غيره من أمته الذي يمكن إدراك والديه أو أحدهما الكبر عنده. وقد قدمنا أن مثل هذا أسلوب عربي معروف وأوردنا شاهداً لذلك رجز سهل بن مالك الفزاري في قوله: شعر : يا أخت خير البدو والحضاره كيف ترين في فتى فزاره أصبح يهوى حرة معطاره إياك أعني واسمعي يا جاره تفسير : وقد بسطنا القصة هناك، وبينا أن قول من قال: إن الخطاب في قوله تعالى: {أية : إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا} تفسير : [الإسراء: 23] الآية: لكل من يصح خطابه من أمته، صلى الله عليه وسلم لا له هو نفسه، باطل بدليل قوله تعالى بعده في سياق الآيات: {أية : ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ} تفسير : [الإسراء: 39] الآية. والحاصل أن آية: {أية : فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ} تفسير : [يونس: 94] الية. لا ينقص بها الضابط الذي ذكرنا لأنها كقوله: {أية : لاَّ تَجْعَل مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ} تفسير : [الإسراء: 22] {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} تفسير : [الزمر: 65] {أية : فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} تفسير : [البقرة: 147] {أية : وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ} تفسير : [الأحزاب: 48] {أية : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً} تفسير : [الإنسان: 24] إلى غير ذلك من الآيات. ومعلوم أنه هو صلى الله عليه وسلم، لا يفعل شيئاً من ذلك ألبتة، ولكنه يؤمر وينهي ليشرع لأمته على لسانه. وبذلك تعلم اطراد الضابط الذي ذكرنا في لفظة لو، ولفظة إن، وأنه لا ينتقض بهذه الآية. هذا ما ظهر لنا في هذه الآية الكريمة، ولا شك أنه لا محذور فيه ولا غرر ولا إيهام، والعلم عند الله تعالى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: قل إن كان للرحمن ولد: أي قل يا رسولنا لهؤلاء المشركين الزاعمين أن الملائكة بنات الله إن كان للرحمن ولد فرضاً. فأنا أول العابدين: أي فأنا أول من يعبده تعظيماً لله وإجلالاً ولكن لا ولد له فلا عبادة إذاً لغيره. سبحان رب السماوات: أي تنزَّه وتقدس. عما يصفون: أي عما يصفون به الله تعالى من أن له ولداً وشركاء. فذرهم يخوضوا ويلعبوا: أي اتركهم يا رسولنا يخوضوا في باطلهم ويلعبوا في دنياهم. وهو الذي في السماء إله: أي معبود في السماء. وفي الأرض إله: أي ومعبود في الأرض. وتبارك الذي له ملك السماوات: أي تعاظم وجل جلال الذي له ملك السماوات. وعنده علم الساعة: أي عنده علم وقت مجيئها. معنى الآيات: سبق أن بكّت تعالى المشركين في دعواهم أن الملائكة بنات الله وتوعدهم بالعذاب على قولهم الباطل وهنا قال لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم قل لهم إن كان للرحمن ولد كما تفترون فرضاً وتقديراً فأنا أول العابدين له، ولكن لم يكن للرحمن ولد. فلم أكن لأعبد غير الله تعالى، هذا ما دل عليه قوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ}. وقوله: {سُبْحَانَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} نزه تعالى نفسه وقدسها وهو رب السماوات والأرض ورب العرش أي مالك ذلك كله وسلطانه عليه جميعه عما يصفه المشركون به من أن له ولداً وشركاء. وهنا قال تعالى لرسوله إذا أصروا على باطلهم من الشرك والعذاب على الله والافتراء عليه فذرهم يخوضوا في باطلهم ويلعبوا في دنياهم حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون وهو يوم عذابهم المعد لهم وذلك يوم القيامة. وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ} أي معبود في السماء ومعبود في الأرض أي معظم غاية التعظيم، ومحبوب غاية الحب ومتذلل له غاية الذل في الأرض والسماء وهو الحكيم في صنعه وتدبيره العليم بأحوال خلقه فهل مثله تعالى يفتقر إلى زوجة وولد تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وقوله {وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي تعاظم وجل جلاله وعظم سلطانه الذي له {مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} والدنيا والآخرة، وعنده علم الساعة وإليه ترجعون أن يكون له ولد ولم تكن له صاحبة، وهو على كل شيء قدير. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- مشروعية التلطف في الخطاب والتنزل مع المخاطب لإقامة الحجة عليه كقوله تعالى: {أية : وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [سبأ: 24] وكما هنا قل إنْ كان للرحمن ولد من باب الفرض والتقدير فأنا أول العابدين له ولكن لا ولد له فلا أعبد غيره سبحانه وتعالى. 2- تهديد المشركين بعذاب يوم القيامة. 3- إقامة البراهين على بطلان نسبة الولد إلى الله تعالى.
القطان
تفسير : سبحان ربّ السماوات: تنزيهاً له عن كل نقص. يصِفون: يقولون كذباً بأن له ولدا. فذرْهم: فاتركهم. يخوضوا: يتكلموا بالباطل. حتى يلاقوا يومهم: يوم القيامة. يدعون: يعبدون. يؤفكون: يصرفون. وقيله: وقَوله، يقال قلت قولاً، وقالاً، وقيلاً، فاصفح عنهم: فاعف عنهم. قل ايها الرسول للمشركين: إن صحّ الدليل القاطع ان للرحمن ولداً فأنا أولُ من يعبدُ هذا الولد، لكنه لم يصحّ ذلك ولن يصحّ. ثم نزّه الله نفسه بقوله: {سُبْحَانَ رَبِّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} تنزه خالقُ هذا الكون العجيب وربُّ العرش المحيط بذلك كله، عما يصفه المشركون. ثم امر الرسولَ الكريم أن يتركهم في خوضهم بباطلهم وشركهم حتى يلاقوا يومهم، يوم القيامة، وهناك يدركون خطأهم ويندمون. ثم أكد هذا التنزيه ببيان أن الله هو الذي يُعبد في السماء بحقّ، ويُعبد في الأرض بحق. {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ} الحكيم في تدبير خلقه، العليم بمصالحهم. ان عنده وحده عِلم يوم القيامة، واليه وحده ترجعون في الآخرة للحساب، أما هذه الأوثان التي تعبدونها فلن تستطيع الشفاعة لكم. أما من نطق بالحق وكان على بصيرة من عند ربه فان شفاعته تنفع عند الله بإذنه، ولمن يستحقها. ثم بين ان هؤلاء المشركين يتناقضون في اقوالهم وافعالهم فقال: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} ولئن سألتَ أيها الرسول هؤلاء المشركين من الذي خلقهم ليقولُنّ: خَلَقنا الله، فكيف إذن يُصرفون عن عبادته تعالى الى عبادة غيره!؟. {وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ} والله عنده علمُ الساعة وعلمُ قول الرسول يا رب ان هؤلاء الذين أمرتّني بإنذارهم قومٌ لا يؤمنون. وقيلهِ بالجر معطوف على قوله وعنده علم الساعة وعلم قيلِه. ولذلك قال له تعالى: {فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} فأعرِض عنهم أيها الرسول، وقل لهم سلام، فسوف يعلمون عاقبة كفرهم، وأنك ستنتصر عليهم. قراءات: قرأ عاصم وحمزة: وقيلِهِ بالجر، والباقون: وقيلَهُ بالنصب. وقد انجز الله وعده، ونصر دينه، والحمد لله رب العالمين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْعَابِدِينَ} (81) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاَءِ الذِينَ يَدَّعُونَ أَنَّ للهِ وَلَداً: إِنْ ثَبَتَ بِبُرْهَانٍ صَحِيحٍ وَحُجَّةٍ تُدْلُونَ بِهَا أَنَّ لِلرَّحْمنِ وَلَداً، لَكُنْتُ أَنَا أَسْبَقَ مِنْكُمْ إِلَى طَاعَتِهِ، وَالانْقِيَادِ لَهُ، كَمَا يُعَظِّمُ الرَّجُلُ ابْنَ المَلكِ إِكْرَاماً وَتَعْظِيماً لأَِبِيهِ.
الثعلبي
تفسير : {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِين} يعني {إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ} في قولكم وبزعمكم، فأنا أولُ الموحدين المؤمنين بالله في تكذيبكم والجاحدين لما قلتم من إنّ له ولداً. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: يعني ما كان للرّحمن ولد وأنا أول الشاهدين له بذلك والعابدين له، جعل بمعنى النفي والجحد، يعني ما كان وما ينبغي له ولد. ثمّ ابتداء {فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِين}، وقال السدي: معناه، قل: {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ} أول من عبده بأنّ له ولد، ولكن لا ولد له، وقال قوم من أهل المعاني: معناه، قل {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ} الآنفين من عبادته. ويحتمل أن يكون معناه ما كان للرحمن ولدٌ. ثم قال: فأنا أول العابدين الآنفين من هذا القول المنكرين إنّ له ولداً. يقال عبد إذا أنف وغضب عبداً. قال الشاعر: شعر : ألا هويت أُم الوليد وأصحبت لما أبصرت في الرأس مني تعبد تفسير : وقال آخر: شعر : متى ما يشاء ذو الود يَصرّم خليله ويعبد عليه لا محالة ظالما تفسير : أخبرنا عقيل بن محمد أجازة، أخبرنا أبو الفرج، أخبرنا محمد بن جرير،حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، حدثنا ابن أبي ذئب محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة، عن ابن قشط، عن نعجة بن بدر الجهني إنّ امرأة منهم دخلت على زوجها وهو رجل منهم أيضاً فولدت في ستة أشهر فذكر ذلك زوجها لعثمان بن عفان رضي الله عنه وأمر بها ترجم، فدخل عليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: إنّ الله تعالى يقول في كتابه: {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً}تفسير : [الأحقاف: 15] وقال: (وفصاله في عامين) قال: فوالله ما عبد عثمان رضي الله عنه أن بعث إليها ترد. قال عبد الله بن وهب: ما استنكف ولا أنف { سُبْحَانَ رَبِّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} يكذبون. {فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ} في باطلهم. {وَيَلْعَبُواْ} في دنياهم. {حَتَّىٰ يُلاَقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ} {وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ} يعني يعبد في السّماء ويعبد في الأرض. {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ} في تدبير خلقه. {ٱلْعَلِيمُ} بصلاحهم. {وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ}. اختلف العلماء في معنى هذه الآية. فقال قوم: {مِن} في محل النصب وأراد ب {ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ} عيسى وعزير والملائكة، ومعنى الآية: ولا يملك عيسى وعزير والملائكة {ٱلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ} فآمن على علم وبصيرة، وقال آخرون: {مَن} في وضع رفع والّذين يدعون الأوثان والمعبودين من دون الله. يقول: ولا يملك المعبودون من دون الله {ٱلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ} وهم عيسى وعزير والملائكة يشهدون بالحقّ. {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} حقيقة ما شهدوا. {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} عن عبادته. {وَقِيلِهِ} يعني قول محمد صلى الله عليه وسلم شاكياً إلى ربّه. {يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ}. واختلف القُراء في قوله:، فقرأ عاصم وحمزة {وَقِيلِهِ} بكسر اللام على معنى {وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} وعلم قيله، وقرأ الأعرج بالرفع، أي وعنده قيله، وقرأ الباقون بالنصب وله وجهان: أحدهما: إنّا لا نسمع سرهم ونجواهم ونسمع قيله والثاني: وقال:{وَقِيلِهِ}. {فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ} نسختها آية القتال، ثمّ هددهم. {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} بالتاء أهل المدينة والشام وحفص، واختاره أيوب وأبو عبيد، الباقون بالياء.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذا أمر لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم (قُلْ) يا محمد لمنْ يدَّعي أن للرحمن ولداً {قُلْ} [الزخرف: 81] أي على سبيل الفرض {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ} [الزخرف: 81] وعلى اعتبار (إنْ) شرطية فالمعنى إنْ كان للرحمن ولد وهو سبحانه الذي يخبرني بهذه الحقيقة فأنا أولُ العابدين له، لأنني آخذ ثقافتي وآخذ أوامري من ربي لا منكم. وبعضهم قال (إنْ) هنا نافية، مثل قوله تعالى: {أية : مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ} تفسير : [المجادلة: 2] فالمعنى: قُلْ ما كان للرحمن ولد فأنا أول مَنْ ينفي ذلك لأنني أول العابدين، وأول المؤمنين بوحدانية الله تعالى. الحق تعالى وصف نفسه سبحانه بوصفين، البعض يظن أنهما بمعنى واحد، لكن طالما هما لفظان مختلفان فلا بدَّ أن لكل منهما معنىً خاصاً لا يؤديه الوصفُ الآخر, الحق وصف نفسه بأنه واحد أحد. قلنا: واحد يعني فرد لا ثانيَ له فهي تنفي التعددية، أما أحد أي واحد في ذاته ليس له أجزاء، لأن الشيء المكوَّن من أجزاء يكون كل جزء فيه محتاجاً إلى الأجزاء الأخرى. وطالما أنه تعالى أحد في ذاته إذن ليس له ولد لأن الولد جزء من أبيه، وفي الحديث الشريف قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : فاطمة بضعة مني" تفسير : يعني: جزء مني. وإذا أخذنا بهذا المبدأ وسَلْسَلْنا نسب كلٍّ منا لا بدَّ أنْ نصلَ إلى أبينا آدم عليه السلام، وعرفنا أن كلاّ منَّا فيه بضعة أو ذرة من أبيه آدم، هذه الذرة هي التي شهدت العهد الأول الذي أخذه الله تعالى على بني آدم وهم في مرحلة الذَّرِّ: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ} تفسير : [الأعراف: 172-173]. وهذه الذرّة هي بذرة الخير وموضع الإيمان في الإنسان، ومنها تنطلق حركةُ الخير، ألا تراه يندم على الذنب ويعزم على التوبة؟ إنه عملُ هذه الذرة وأثرها في النفس الإنسانية لأنها أول مَنْ سمع نداء الله وبلاغٌ عن الله. والقرآن الكريم أفاد أن الجنَّ أوعى من الإنس في هذه المسألة، فإذا كان الإنسانُ قد تجرأ على الحق سبحانه وتعالى ونسب له الولدَ؛ فالجنُّ نفتْ ذلك ونزَّهتْ الله عن الولد وعن الصاحبة، واقرأ قوله تعالى: {أية : وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً} تفسير : [الجن: 3]. يعني من عظمته تعالى أنه لم يتخذ لا صاحبة - يعني زوجة - ولا ولداً، والمتأمل يجد أن الصاحبة والولد من أسباب الفساد في الكون، يقول تعالى: {أية : إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ} تفسير : [التغابن: 14]. ونحن نقول مثلاً في أعراف البشر: تزوج مبكراً لتجنبَ ولداً يعولك في شيخوختك، وهل الحق سبحانه يتخذ الولد لأنه في حاجة إليه كما نحتاجه نحن؟ ثم الذين قالوا إن عيسى ابنُ الله ما قولهم في الزمن قبل عيسى ألم يكُنْ لله فيه ولد؟ وما بعد عيسى أين الولد الذي اتخذه الله؟ إذن: هذا كله افتراءٌ على الله.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ} معناهُ الآنفين والرَّادينَ لَهُ.
الجيلاني
تفسير : ثم لما شاع قول اليهود والنصارى بولديه عزير وعيسى، ومال إليه أولو الأحلام الضعيفة منهم ومن غيرهم، ردَّ الله عليهم على أبلغ وجهٍ وآكده، بأن أمرَّ حبيبه صلى الله عليه وسلم بالقول على سبيل الفرض والتقدير: {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل بعدما بالغوا في هذه الفرية البعيدة عن الحق بمراحل مستحيلة في نفسها: {إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ} أي: إن صح وجاز أن يكون له ولد متصف ببنوته {فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ} [الزخرف: 81] لابنه؛ إذ أنا أعلم الناس بلوازم الألوهية وأحفظهم بحقوق الربوبية، إن كان له سبحانه ولد أنا أحق بعبوديته وتعظيمه من جميع بريته. {سُبْحَانَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ} أي: تنزه وتعالى شأن من هو مربي العلويات والسلفيات، المنبسط بالإحاطة التامة والاستيلاء الكامل الشامل على عموم عروش المظاهر بالاستقلال والانفراد {عَمَّا يَصِفُونَ} [الزخرف: 82] أولئك الواصفون من نسبة الولد والمولود له، تعالى شأنه عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وبعدما انكشفت يا أكمل الرسل بحقية الحق ووحدته وحميديته: {فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ} في أباطليهم ويستغرقوا في ظلالهم وغفلاتهم {وَيَلْعَبُواْ} بمقتضيات أوهامهم وخيالاتهم {حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ} يلحقوا {يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ} [الزخرف: 83] بملاقات ولحوق ما فيه من أنواع العقوبات والنكبات. {وَ} كيف يتخذون له سبحانه ولداً وينسبون له شريكاً، مع أنه سبحانه {هُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ} أي: علام الأساء والصفات {إِلَـٰهٌ} يُعبد له ويُرجع إليه مع صرافة وحدته الذاتية {وَفِي ٱلأَرْضِ} أي: عالم الطبيعة والهيولي {إِلَـٰهٌ} كذلك بلا تعدد وتغير في ذاته {وَ} بالجملة: {هُوَ ٱلْحَكِيمُ} المقصور على الحكمة المتقنة البالغة لا حاكم سواه {ٱلْعَلِيمُ} [الزخرف: 84] المقصور على العلم الكامل الشامل، المحيط بجميع ما لاح عليه بروق تجليات الوجود وشروق شمس الذات.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: قل يا أيها الرسول الكريم، للذين جعلوا للّه ولدا، وهو الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولم يكن له كفوا أحد. { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ } لذلك الولد، لأنه جزء من والده، وأنا أول الخلق انقيادا للأمور المحبوبة للّه، ولكني أول المنكرين لذلك، وأشدهم له نفيا، فعلم بذلك بطلانه، فهذا احتجاج عظيم عند من عرف أحوال الرسل، وأنه إذا علم أنهم أكمل الخلق، وأن كل خير فهم أول الناس سبقا إليه وتكميلا له، وكل شر فهم أول الناس تركا له وإنكارا له وبعدا منه، فلو كان على هذا للرحمن ولد وهو الحق، لكان محمد بن عبد اللّه، أفضل الرسل أول من عبده، ولم يسبقه إليه المشركون. ويحتمل أن معنى الآية: لو كان للرحمن ولد، فأنا أول العابدين للّه، ومن عبادتي للّه، إثبات ما أثبته، ونفي ما نفاه، فهذا من العبادة القولية الاعتقادية، ويلزم من هذا، لو كان حقا، لكنت أول مثبت له، فعلم بذلك بطلان دعوى المشركين وفسادها، عقلا ونقلا. { سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } من الشريك والظهير، والعوين، والولد، وغير ذلك، مما نسبه إليه المشركون. { فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا } أي: يخوضوا بالباطل، ويلعبوا بالمحال، فعلومهم ضارة غير نافعة، وهي الخوض والبحث بالعلوم التي يعارضون بها الحق وما جاءت به الرسل، وأعمالهم لعب وسفاهة، لا تزكي النفوس، ولا تثمر المعارف. ولهذا توعدهم بما أمامهم من يوم القيامة فقال: { حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ } فسيعلمون فيه ماذا حصلوا، وما حصلوا عليه من الشقاء الدائم، والعذاب المستمر.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 888 : 18 : 19 - سفين في قراءة عبد الله {إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ} مخففة. [الآية 81].
همام الصنعاني
تفسير : 2794- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ}: [الآية: 81]، قال: يقول: إنْ كَان لله وَلَدٌ في قَوْلِكُمْ، فأنا أول من عبد الله وَوَحَّدَهُ وكَذَّبَكُمْ بما تقولون.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):